فهرس المكتبة الحسنية

   

البحث في المكتبة التخصصية

 
 

كتاب مختار:

   

المسار

  الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية » كتب أخرى » الإمام الحسن.. القائد والأسوة  

كتب أخرى

 

الكتب الإمام الحسن.. القائد والأسوة

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: الشيخ حسين سليمان سليمان التاريخ التاريخ: ٢٠١٥/٠٥/١٨ المشاهدات المشاهدات: ١٣٧١٥ التعليقات التعليقات: ٠

الإمام الحسن عليه السلام.. القائد والأسوة

تأليف: الشيخ حسين سليمان سليمان

الفهرست

المقدمة
الفصل الأول:
مولد النور
ألقابه
زوجاته
أولاده
أوصافه
أخلاقه
عبادته
مكانة الحسن (ع) عند رسول الله (ص)
الحسن (ع) في مدرسة النبوة
إمامته (ع)
الفصل الثاني:
مراجعة تاريخية سريعة
علي والخلفاء
اعتزال الإمام
حكومة الإمام علي (ع)
مشكلات الإمام علي (ع)
خاتمة حكومة الإمام علي (ع)
الفصل الثالث:
عهد الإمام الحسن (ع) البيعة العامة
بداية الأزمة
التعبئة العسكرية في الدولة الإسلامية
الفكر الاستراتيجي عند الإمام الحسن (ع)
خيانات الجيش
مخطط اغتيال الإمام الحسن (ع)
رسائل عملاء الكوفة إلى معاوية
مطالبة الجماهير بالحل السلمي وممارسة الضغوطات على الإمام (ع)
الفصل الرابع:
اتفاقية الهدنة... الشروط والنتائج
أضواء على شروط الإمام الحسن (ع)
وقفة مع رواية الصلح، والشبهة والرد
الفصل الخامس:
الإمام الحسن وردود الفعل
التيار الجماهيري المتعاطف
موقف الإمام مع الطليعة
١ـ مع عدي بن حاتم
٢ـ مع مالك بن ضمرة
٣ـ مع حجر بن عدي
٤ـ مع أبي سعيد عقيقا
الفصل السادس:
فصل الشهادة
المطاف الأخير تشييع جنازة الإمام (ع)
قسم التعليقات:
حول زوجات الحسن (ع)
حول مذكرة المصريين لعثمان
حول معاوية بن أبي سفيان
حول الخوارج
حول قول الإمام عند رفع المصاحف
حول استشهاد الإمام علي (ع)
الخاتمة

المقدمة

الحمد لله على نعمة الإسلام الذي جعله الله سبيلاً لإنقاذ الإنسان من التيه والغيّ والفساد والضلال وقيادته نحو الهداية والكرامة والوعي والنجاة، والصلاة والسلام على رسوله الأكرم منقذ البشرية وهادي المضلين إلى سبيل الرشاد وعلى أهل بيته الأطهار الصراط الأقوم إلى السماء وسفينة النجاة وقادة الأمة وأئمة المسلمين بالحق..
أما بعد:
في سيرة أئمة الدين (عليهم السلام) لا يوجد شك في أنّ كلٌ منهم كان يحيا في زمان، معين، وأنّ زمان ومحيط كل واحد منهم، كانت له اقتضاءات مختلفة. وحيث أنّ كل إنسان يتوجب عليه بالضرورة أن يتّبع مقتضيات زمانه، فإنّ الدين قد ترك الناس أحراراً من هذه الناحية. وفي صورة تعدد الأئمة المعصومين (عليهم السلام) وتعاقبهم، أو طول عمر واحد منهم، فإنّ الإنسان يتمكن بشكل أفضل، من تشخيص روح التعاليم الدينية، وفرزها عما يكون ممتزجاً بها من مقتضيات الزمان، فيأخذ الروح ويترك الأمور المختصة بتلك المقتضيات تماماً كالمثال الذي يدور حول حياة الزهد، حيث كان الرسول (صلّى الله عليه وآله) يعيش الفقر، بينما لم يكن الإمام الصادق (عليه السلام) مثلاً: كذلك.
ولتبيان جوانب هذا الموضوع نرى في الحديث المعروف الوارد في (الكافي)(١)، وكذلك في (تحف العقول)، أن سفيان الثوري دخل على أبي عبد الله (عليه السلام) فرأى عليه ثياباً بيضاً... إلى أن قال: فما أنكرت يا ثوري، فوالله إني لمع ما ترى، ما أتى عليّ، قد علقت، صباح ولا مساء، ولله في مالي حق أمرني أن أضعه موضعاً إلا وضعته.
وفي حديث آخر: (عن معتب قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) وقد تزيّد السّعر بالمدينة: كم عندنا من طعام؟ قال: قلت، عندنا ما يكفينا أشهر كثيرة، قال: أخرجه، وبعه. قال: قلت له: وليس بالمدينة طعام!! قال: بعه، فلما بعته قال: اشتري مع الناس، يوماً بيوم، وقال: يا معتب، اجعل قوت عيالي نصفاً شعيراً، ونصفاً حنطة، فإن الله يعلم أني واجد أن أطعمهم الحنطة على وجهها، ولكني أحب أن يراني الله قد أحسنت تقدير المعيشة)(٢).
يريد الإمام بعمله هذا أن يبين لنا كيف أن الإسلام بشكل أساسي يفرض على المسلم أن يكون سلوكه بين الناس مقروناً بالإحسان وممزوجاً بالعدل والإنصاف ولا يهم بعد ذلك أن يضع خبزه في البيت، أو يشتريه من السوق، أو يأكل خبز القمح، أو الشعير، أو يخلط القمح بالشعير...
وهكذا فبملاحظة الاختلاف بين عمل رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وعمل الإمام الصادق (عليه السلام)، فإننا نتفهم روح الإسلام بشكل أعمق، ولو أن الإمام الصادق (عليه السلام) لم يبين لنا هذا الأمر، ولم يوضحه، لكُنا اعتبرنا هذا الجانب من عمل رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، والمتعلق بعصره الذي كان يعيش فيه، جزءاً من الدين الإسلامي، وبضم الآية الكريمة: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً)(٣). وهذه الآية تأمرنا بالتأسي برسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى هذا الأمر.
ونستطيع أن نقول كلمة حاسمة أن الأئمة (عليهم السلام) عندما يتحركون في الحياة فإن كل حركتهم تمثل الخط العملي لأسلوب الدعوة في القرآن الكريم، الدعوة في أخلاقيتها والدعوة في حركيتها، والدعوة في قضايا الصراع، وهذا ما يريده القرآن الكريم ويتحرك فيه أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وهو أن يكون كل واحد منا داعية بكل شخصية لتكون كل حياته دعوة في سبيل الله وتجسيداً للخط الأخلاقي الإسلامي في مسألة الدعوة إلى الله تعالى.
ومن جانب آخر لا يمكن أن نقسّم أسلوب الأئمة (عليهم السلام) بحيث مثلاً: لا يمكن أن نفكر بأن الحسين (عليه السلام) يعيش ذهنية العنف، وأن الحسن (عليه السلام) يعيش ذهنية اللين. إنّ الأسلوب الحسني ـ إذا صح التعبير ـ كان أسلوباً حسينيّاً، وإنّ الأسلوب الحُسيني، كان أسلوباً حسنياً. كيف نفسّر ذلك؟
إننا عندما نواكب مسألة حركة الإمام الحسن (عليه السلام) في خلافته فإننا نجد أنّه كان ثورياً كأعلى درجات الثورة في خطابه السياسي وعندما ندرس وندقق في مفردات كتبه إلى معاوية فإننا نجد فيه أنه كان يعيش عمق العنف فيما يمثله الجهاد في هذا المجال، وعندما يكون صالح فإنّه صالح على أساس أنّ الظروف الموضوعية كانت تقف به بين خطين:
إما أن تسقط المعارضة محلها، فلا يبقى هناك صوت للحق يعارض الباطل، وإما أن يحتفظ ببعض المعارضة التي يمكن أن تمثل استمراراً للخط في مواجهة الباطل الذي استطاع أن يفرض نفسه على مساحة كبيرة من الواقع، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فإنّ الحروب التي كانت تدور بين المسلمين في خلافة الإمام علي (عليه السلام) قد أتعبت المسلمين، ولذلك أتعبوا عليّاً (عليه السلام) بأسلوبهم في السير معه وحجبت الرؤيا عن فضائح الأمويين وعن سيئاتهم ووحشيتهم وضلالهم، وما إلى ذلك لأننا نعرف أن أية أمة لا يمكن أن تميّز بين اللون الأبيض واللون الأسود في حالة الحرب، لأنّ حالة الحرب تمثل الحالة الرمادية، في ما هو الوعي المنفتح على كل قضايا الواقع، فالناس في حالات الحرب يفقدون الخطوط الواضحة للمبادئ، ويستغرقون في مفردات الحرب، ليسجلوا نقطة على هذا، وليستغرقوا في هزيمة هنا ونصر هناك، وما إلى ذلك، ومن هنا كان من الصعب جداً توعية الناس بالواقع الذي يمثله الحكم الأموي، لذلك كانت المصلحة الإسلامية العليا التي تحكم مسيرة الإمام الحسن (عليه السلام) هي أن يحفظ البقية الباقية من المعارضة لتمثل الامتداد في خط المواجهة للباطل، وليعطي الناس فرصةً لتتفهم من خلال التجربة الواسعة من هم بنو أمية، وما هو الحكم الأموي لذلك كان يهيئ المجال لثورة الحسين (عليه السلام). وقد لاحظنا انه عندما ثارت ثائرة المتحمسين من أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) ضد الإمام الحسن (عليه السلام)، كان الإمام الحسين (عليه السلام) يدافع عن موقف الإمام الحسن (عليه السلام) ويتحدث عن شرعيّته بكل قوة، وإذا صحّ أنّ الحسين (عليه السلام) وقّع وثيقة الصلح عندما طولب بذلك كما وقّعها الحسن (عليه السلام) فإنّ معنى ذلك أن الحسين (عليه السلام) كان يسجّل موافقة مباشرة على الصلح.
وربما كان هذا هو ما يفسّر أن الحسين (عليه السلام) لم يطلق الثورة في وجه معاوية ما دام معاوية حيّاً، لأنّ الالتزام بهذا الصلح كان بحكم موقفه إذا صحت الروايات وهكذا نرى أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) أعطى للسلم إمكاناته، ولو من خلال إقامة الحجّة وكان يعمل على أساس أن يقدم الحجج التي كانت بيده على شرعيته في أحاديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وكان يطلب من الناس أن يشهدوا على ما سمعوا به، وكان يحاول أن يطرح بعض الحلول السليمة، ولكن القضية وصلت إلى الحد الذي عبّر عنه الإمام الحسين (عليه السلام): (ألا وإن الدعيّ ابن الدعيّ قد ركّز بين اثنتين، بين السلّة والذلّة، وهيهات منا الذلّة)(٤).
عندما طلب منه أن ينزل على حكم ابن زياد ويزيد بن معاوية، ومعنى ذلك إلغاء الرسالة وإلغاء كل الشرعيّة، لأن النزول على حكمهم معناه إعطاء كل شيء لهم.
لذلك كانت المسألة الحسينية تتحرك من خلال الظروف التي أوحت للحسين (عليه السلام) بالقاعدة الشرعيّة لحركته، كما كانت الظروف الموضوعية هي التي حركت الإمام الحسن (عليه السلام) والإمام الحسين (عليه السلام) معه لتطبيق الخط الشرعي على مسألة الصلح، ولذلك كان الحسن حسينياً وكان الحسين حسنياً.
ليس في الإسلام شيء اسمه العنف المطلق، وليس في الإسلام شيء اسمه اللين المطلق، وإن العنف يختزن اللين في ما ينفتح به على كل وقاع الحياة واللين يختزن العنف في ذلك، باعتبار أن لكل منهما حدوداً معينة وظروفاً معينة.
فقد وقع اهتمامي على قراءة لكل ما وقع في يدي من كتابات (مؤلفات ومصادر) حول تاريخ الإمام الحسن (عليه السلام) وكنت أحاول قدر جهدي أن أدرس الفترة الممتدة من شهادة أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) حتى شهادة الإمام الحسن (عليه السلام) خاصة وأن التحولات السياسية في الدولة الإسلامية كانت بداية لمرحلة الانهيار في نظام الحكم الإسلامي وتشكيل نظام الحكم القبلي وما رافقه من تدهور للبرنامج الإسلامي في أصعدته المختلفة، الاجتماعي والثقافي والاقتصادي و.. و...
ومن بين الاستنتاجات التي توصلت إليها من خلال قراءة هذه الفترة أن الإمام الحسن (عليه السلام)، عايش مرحلتين: مرحلة انهيار حكومة العدل الإلهي في عهد الإمام علي (عليه السلام)، ومرحلة إقامة نظام الحكم القبلي الأموي على يد معاوية بن أبي سفيان وكان على الإمام الحسن (عليه السلام) أن يبذل جهداً بالغاً في الحفاظ على المنهج الإسلامي من الضياع قبل أن يتحول إلى منهج أموي بعد دخوله مرحلة نظام الحكم.
وبطبيعة الحال إن التعامل مع مثل هذا الظرف الخطير يحتاج إلى ضريبة، فكانت هذه الضريبة: أن العظماء والقادة لابدّ أن يخسروا في فتنة التحول المكاسب الظاهرية والتي عادة ما يسيل لها لعاب المؤرخين ذكر هذا الجانب من العظمة تحديداً من تاريخهم، من جهة ثانية وجدت في كثير من الكتابات حول تاريخ الإمام الحسن (عليه السلام) إنها جمدت عند مقطع معيّن من هذا التاريخ فكانت عملية الإسهاب في الكتابة عنه قد بلغت حدّاً كبيراً بحيث أعطته اهتماماً بالغاً حتى أصبح هو الطابع العام والسمة البارزة في حياة الإمام الحسن (عليه السلام)، رغم أنّ الأمر ليس كذلك لأن التاريخ كلٌ لا يتجزأ يؤثر قديمه في حديثه كما تؤثر وقائعه السالفة في أحداثه اللاحقة، إضافة إلى أن التاريخ ليس كتلة من التناقضات أو حركة من التطورات الدراماتيكية التي تنشأ بإلغاء مقطع تاريخي سابق لتقيم على أنقاضه مقطعاً جديداً يحمل في تركيبته عناصر جديدة أو مواد خام مختلفة وإنما التاريخ هو كتلة من التفاعلات المنتظمة تؤثر في بعضها البعض بصورة تدريجية وتترك آثارها على المراحل بالتوالي، وهكذا هي سنن الله في التاريخ والاجتماع التي لا تتبدل.
من هنا فإن فهم هذه الحقيقة يدفع للقول إلى أن الوقائع التي حصلت في تاريخ الإمام الحسن (عليه السلام) إنما هي امتداد لتاريخ ما بعد غياب الرسول (صلّى الله عليه وآله) عن الحياة الدنيا وانحراف نظام الحكم بعدم إقرار الولاية لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) على المسلمين لمدة ربع قرن من الزمان ثم إفرازات هذا الانحراف على واقع المجتمع الإسلامي في عهد الإمام علي (عليه السلام) والتصدّع الخطير في الحكومة الإسلامية بسبب انفجار الأزمات الداخلية وحركات التمرّد منذ بداية تولّي الإمام علي (عليه السلام) للخلافة ونشوب الحروب في عهده (عليه السلام) والتي كانت سبباً رئيسياً في تحطيم الكيان الرسالي الذي كان يستند عليه الإمام في إقامة حكومة العدل الإلهي، ثم نهاية هذا العهد بطريقة مأساوية بعد أن أصاب جيش الإمام (عليه السلام) التقهقر والانهيار والتعب في حروب التمرد (الجمل، صفين، الخوارج) حتى انتهت هذه الحكومة باستشهاد أمير المؤمنين (عليه السلام) على يد أحد عناصر التمرّد عبد الرحمن بن ملجم.
وجاء الإمام الحسن (عليه السلام) إلى الحكم والأمة تعيش انهيار شاملاً، لقد جاء الإمام (عليه السلام) إلى الحكم ولكن دون مقوّمات فلم يكن يمتلك قوة عسكرية تحفظ كيان الحكومة من هجمات التمرّد وغارات العدوّ، ولم يكن يمتلك شعباً متماسكاً يسند الدولة في الظروف الصعبة بل كان المسلمون موزعين الهوى والهوية.
وجد الإمام الحسن (عليه السلام) نفسه أمام أمة قد انسلخت من قيمها وغلبت عليها شهوة المال وحب الراحة فكان لابدّ أن يبدأ عملاً تغييرياً في جذور الأمة ليعيدها إلى فطرتها الصافية ويذكرها بمفاهيم الرسالة التي بُشّر بها الرسول (صلّى الله عليه وآله)، فقد عمل الإمام الحسن (عليه السلام) على إحياء هذه المفاهيم بقوة، لأن حركة الوضع والتزوير في المفاهيم والأحاديث قد نشطت بكثافة رهيبة في عهد معاوية وهي ـ أي حركة الوضع ـ تعدّ أكبر حركة وضع في تاريخ المسلمين والتي ما زالت آثارها باقية إلى هذا اليوم حتى أصبحت المفاهيم المتناقضة أمراً اعتيادياً في مصادر التفكير لدى المسلمين حتى ليصبح معاوية وهو الذي سفك دماء رجال الإسلام العظماء أمثال عمار بن ياسر وحجر بن عدي.. وغيرهما يصبح معاوية هذا أمير المؤمنين وأمين الله على وحيه وأن الرسالة لو لم تنزل على محمد (صلّى الله عليه وآله) لنزلت على معاوية!!
ولقد عمدت في فصول هذا البحث إلى تفلية الحقبة القصيرة من الزمن بما هي ظرف أحداث لا تقل بأهميتها ـ في ذاتها ـ ولا بموقعها (الاستراتيجي) في التاريخ ـ إذا صح هذا التعبير ـ عن أعظم الفترات التي مرّ بها تاريخ الإسلام منذ وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) والى يوم الناس، لأنّها كانت ظروف الخلافة الفريدة من نوعها في تاريخ الخلفاء الآخرين، ولأنها بداية إقرار القاعدة الجديدة في التمييز بين السلطات الروحيّة والسلطات الزمنية في الإسلام، واللحظة التي صدّقت بأحداثها الحديث النبوي الشريف الذي أنبأ برجوع الأمر بعد ثلاثين عاماً إلى الملك العضوض، ولأنها الفترة التي تبلورت فيها الحزازات الطائفية لأول مرة في تاريخ العقائد الإسلامية.
ولم يكن قليلاً من مجهود هذه الفصول، أن ترجع ـ بعد الجهد المرتخص في سبيلها ـ بالخبر اليقين عن الكثير من تلك الحقائق ـ أبعد ما تكون تأتياً في البحث وأكثر ما تكون تفسخاً في المصادر، وأقل ما تكون حظاً من تسلسل الحوادث وتناسق الأحداث فتعرضها في هذه السطور مجلّوة على واقعها الأول، أو على أقرب صورة من واقعها الذي تنشأت عليه بين أحضان جيلها المختلف الألوان.
فإذا بالحسن بن علي (عليه السلام) بعد هذا وعلى قصر عهده في خلافته من أطول الخلفاء باعاً في الإدارة والسياسة، والرجل الذي بلغ من دقته في تصريف الأمور وسمّوه في علاج المشكلات.
وكان من أفظع الكفران لمواهب العظماء، أن يتحكم في تاريخهم وتنسيق مراتبهم، أناس من هؤلاء الناس المأخوذين بسوء الذوق، أو المغلوبين بسوء الطوية، يتظاهرون بالمعرفة ويرتجزون بحسن التفكير، ثم يتحذلقون بالتطاول على الكرامات المجيدة، دون رويّة ولا تدقيق ولا اكتراث، فلا يدلون بتفريطهم في أحكامهم إلا على فرط الضعف في نفوسهم.
وليس يضر الحسن بن عليّ (عليهما السلام) أن تظلمه الضمائر البليدة ثم ينصفه التمييز وأن لهذا الإمام من مواقفه ومن مواهبه ومن عمقه ومن أهدافه ما يضعه بالمكان الأسنى من صفوة (العظماء) الخالدين.
وحسبنا في هذه السطور أن تجلو عن طريق المنطق الصحيح الذي لا ينبغي أن يختلف عليه الناس، عظمة هذا الإمام، خالصة من كل شوب، سالمة من كل عيب، نقية من كل نقد.
وكانت النقود التي جرح فيها وُقّاح الرأي سياسة الحسن (عليه السلام)، أبعد ما يكونون ـ في تجريحهم ـ عن النصف والعمق والإحاطة بالظرف الخاص، هي التي نسجت كيان المشكلة التاريخية في قضية هذا الإمام (عليه السلام) وكان للشهوة الحزبية من بعض، ولمسايرة السياسة الحاكمة من آخر، وللجهل بالواقع من ثالث، أثره فيما أسف به المتسرّعون إلى أحكامهم. ونظروا إليه نظرتهم إلى زعيم أخفق في زعامته، وفاتهم أن ينظروا إلى دوافع هذا الإخفاق المزعوم، الذي كان ـ في حقيقته ـ انعكاساً للحالة القائمة في الجيل الذي قدّر للحسن أن يتزعمه في خلافته، بما كان قد طغى على هذا الجيل من المغريات التي طلعت بها الفتوح الجديدة على الناس، وأي غضاضة على (الزعيم) إذا أفسد جيله، أو خانت جنوده، أو فقد مجتمعه وجدانه الاجتماعي.
وفاتهم ـ بعد ذلك ـ أن ينظروا إليه كألمع سياسيّ يدرس نفسيات خصومه ونوازع مجتمعه وعوامل زمنه، فيضع الخطط ويقرر النتائج ويحفظ بخططه مستقبل أمة بكاملها، ويحفر ـ بنتائجه ـ قبور خصومه قبراً قبراً، ويمرّ بزوابع الزمن من حوله رسول السلام المضمون النجاح، المرفوع الرأس بالدعوة إلى الإصلاح. ثم يموت ولا يرضى أن يهرق في أمره محجمة دم.
ترى، فأي عظمة أجل من هذه العظمة لو أنصف الناقدون المتحذلقون؟ وأن بحثنا هذا يضع نقاط هذه الحروف، مملاة عن دراسة دقيقة سيجدها المطالع ـ كما قلنا ـ أقرب شيء من الواقع، أو هي الواقع نفسه مدلولاً عليه بالمقاييس المنطقية، وبالدراسات النفسية، وبالشواهد الشوارد من هنا وهناك. كل ذلك هو عماد هذا البحث والدراسة، والقاعدة التي خرج منها إلى احكامه بسهولة ويسر، في سائر ما تناوله من موضوعات أو حاوله من آراء.
وأما المؤلفات الكثيرة العدد التي وردت أسماؤها في معاجم المؤلفين الأولين، ممّا كتب عن قضية الحسن (عليه السلام) فقد حيل بيننا وبين الوقوف عليها. وكانت مع الكثير من تراثنا القديم قيد المؤثرات الزمنية، وطعمة الضياع والانقراض أخيراً.
وكان ذلك عصب النكبة في الصحيح من تاريخ الإسلام، وفي المهم من قضاياه الحساسة أمثال قضيتنا ـ موضوع البحث ـ فلم نجد ـ على هذا ـ من مصادر الموضوع: كتاب صلح الحسن ومعاوية، لأحمد بن محمد بن سعيد بن عبد الرحمن السبيعي الهمداني المتوفى سنة ٣٣٣هـ. ولا كتاب صلح الحسن (عليه السلام) لعبد الرحمن بن كثير الهاشمي (مولاهم) ولا كتاب قيام الحسن (عليه السلام)، لهشام بن محمد بن السائب، ولا قيام كتاب الحسن (عليه السلام) لإبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال بن عاصم بن سعيد بن مسعود الثقفي المتوفى سنة ٢٨٣هـ، ولا كتاب عبد العزيز بن يحيى الجلودي البصري في أمر الحسن (عليه السلام)، ولا كتاب أخبار الحسن (عليه السلام) ووفائه للهيثم بن عدي الثعلبي المتوفى سنة ٢٠٧هـ. ولا كتاب أخبار الحسن (عليه السلام) لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد الأصفهاني الثقفي،(٥) ولا نظائرها.
أما هذه المصادر التي قدّر لنا أن لا نجد غيرها سنداً، فيما احتاجت به هذه البحوث إلى سند ما، فقد كان أعجب ما فيها أنها تتفق جميعها في قضية الحسن (عليه السلام) على أن لا تتفق في عرض حادثة، أو رواية خطبة، أو نقل تصريح، أو الحكم على إحصاء، بل لا يتفق سندان منها ـ على الأكثر ـ في تاريخ وفق الحادث أو الخطبة من تقديم أو تأخير، ولا في تعيين اسم القائد مثلاً أو ترتيب القيادة بين الاثنين أو الثلاثة، ولا في رواية طرق النكاية التي أريدت بالحسن (عليه السلام) في ميادينه، أو في التعبير عن صلحه، أو في قتله أخيراً، ولا في كل صغيرة أو كبيرة من أخبار الملحمة، من ألفها إلى يائها.
والمؤثرات التي تحكمت في رقبة هذه المصادر، عند نقاطها الحساسة أثرها المحسوس في الكثير الكثير من عروضها.
وإذا كان من أصعب مراحل هذا التأليف، إرجاع هذه الحقائق إلى تسلسلها الصحيح الذي يجب أن يكون هو واقعها الأول، فقد كان من أيسر الوسائل إلى تحقيق هذا الغرض، الاستعانة عليه بقرائن الأحوال، وتناسق الأحداث اللذين لا يتم بدونهما حكم على وضع.
وكان من حسن الصدف، أن لا نحرج في اختيار النسق المطلوب عن الشاهد الصريح الذي بعثرته هذه المصادر نفسها، في أطوار رواياتها الكثيرة المضطربة، فكانت ـ بمجموعها ـ وعلى نقص كل منها، أولتنا الكاملة على ما اخترناه من تنسيق أو تحقيق، وذلك أروع ما نعتز به من التوفيق.
ووقفنا في فلسفة الموقف ـ عند مختلف مراحله ـ وقفاتنا المتأنية المستقرئة الصبور، التي لا تستسلم للنقل أكثر ممّا تحتكم للعقل، رجعنا في كثير ممّا التمسنا تدقيقه، إلى التصريحات الشخصية التي جاءت أذلّ على الغرض من روايات كثيرة من المؤرخين.
ولقد قسّمت البحث إلى ستة فصول هي: الفصل الأول تحدثنا فيه عن ولادة الإمام (عليه السلام) وزوجاته وأولاده وأوصافه وأخلاقه وعبادته ومكانته عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وعن إمامته، وأما في الفصل الثاني فتحدثنا عن مراجعة تاريخية سريعة للأحداث السابقة لعهد الإمام (عليه السلام) فشملت الإمام علي (عليه السلام) والخلفاء واعتزال الإمام، وحكومة الإمام (عليه السلام) والمشكلات التي اعترضت الإمام علي (عليه السلام) والمتارك لحكومة الإمام (عليه السلام) وأما في الفصل الثالث فتحدثنا عن عهد الإمام الحسن (عليه السلام) والبيعة العامة. وبداية الأزمة والتعبئة العسكرية في الدولة الإسلامية والفكر الاستراتيجي عند الإمام الحسن (عليه السلام)، وخيانات الجيش ومخطط اغتيال الإمام الحسن (عليه السلام) ورسائل عملاء الكوفة إلى معاوية ومطالبة الجماهير بالحل السلمي وممارسة الضغوطات على الإمام (عليه السلام) وعالجنا في الفصل الرابع اتفاقية الهدنة والشروط والنتائج ووثيقة الهدنة والإجراء الوقائي. ووقفه مع رواية الصلح (الشبهة والرد) وأما الفصل الخامس فقد تحدثنا فيه عن ردود الفعل على الصلح مع معاوية من قبل الطليعة المؤمنة ومواقف الإمام الحسن (عليه السلام) معها، وفي الفصل السادس تحدثنا عن الشهادة والتشيع وشمل البحث قسم التعليقات التي تناولت نقاط مهمة تتعلق بالبحث.
راجين من الله سبحانه وتعالى الأجر والثواب.

حسين سليمان سليمان
يارون. قضاء بنت جبيل
في ١٠/١٠/١٩٩٦م
الموافق ٢٨/جمادي الأول/ ١٤١٧هجرية

الفصل الأول:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ)(٦).
مولد النور:
مكث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في مكة المكرمة فترة من الوقت كان يواجه خلالها حرباً إعلامية من قبل رجال قريش، بهدف إقامة جدار بين رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والمجتمع كمحاولة لفصل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) اجتماعياً تحت مبررات مختلفة.
وكان من وسائل هذه الحرب القذرة بثّ الشائعات والأضاليل الباطلة والمزيفة في أوساط الرأي العام القرشي والمكّي منها: أنّ رسول الله أبتر لا عقب له ولا خلف. ولقد سرت هذه الشائعة بين المجتمع المكي ممّا ترك في نفس رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعض الحزن والتأثر.
ولكن الله سبحانه وتعالى أبطل هذه الأكذوبة، وبشّر رسوله بأن أعطاه فاطمة سيدة نساء العالمين وسيكون أبناؤه منها وهم اللذين سيشكلون امتداد الرسالة من بعده.
وفي السنة الثالثة للهجرة في ليلة النصف من شهر رمضان المبارك(٧) (الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)، جاء الوعد الإلهي بأن ولد الإمام الحسن (عليه السلام) ممّا بعث في نفس رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تباشير الفرح والسرور بأن حقق الله عز وجلّ وعده وبأن ردّ كيد الأعداء من مشركي مكة، ولذلك بقدر ما كان مولد الإمام الحسن (عليه السلام) يضفي على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) السعادة والبشرى، كانت زعامات قريش وأقطاب مكة تعض الأنامل وتتقطع من الغيظ والحقد لفشل المؤامرة الإعلامية ضد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)..
وكانت الولادة المباركة في المدينة المنورة حيث استقبل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سبطه الحسن سيد شباب أهل الجنة وبدا عليه الارتياح وقام من ساعته إلى بيت الصديقة فاطمة الزهراء (عليه السلام) ونادى يا أسماء أين ولدي؟ فأسرعت به أسماء بنت عميس إلى جده المصطفى (صلّى الله عليه وآله) وقد لفّ الحسن (عليه السلام) في خرقة، فقدمته إلى جدّه (صلّى الله عليه وآله) فاستقبله والبشرى تلوح على وجهه، فأخذ ابنه برفق، وضمه إليه وراح يلثمه بعطفه وحنانه، ثم بدأ يقطر أذنيه بالإيمان، ويعصر في روحه آيات التكبير والتهليل، فكان غذاؤه الأول: الله أكبر.. الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله.. أذّن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في أذنه اليمنى ثم أقام في اليسرى، لتكون هذه الكلمات القصار، الكثيرة والكبيرة بمحتوياتها أنشودة الإمام أبي محمد الحسن (عليه السلام) في كل مراحل حياته يحاول غرسها بكل ما لديه من جهد في أعماق النفوس لتكون أنشودة الحياة جيلاً بعد جيل. وجاء الإمام علي (عليه السلام) إلى فاطمة وسألها عن اسم المولود، أجابته: ما كنت لأسبقك، فأردف عليّ (عليه السلام) قائلاً: وما كنت لأسبق رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فجاء الإمام علي (عليه السلام) إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فسأله عن اسم المولود، فأجاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله)! وما كنت لأسبق ربّي.
فنزل جبرائيل من السماء على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقال له: إن الجليل يقرؤك السلام ويقول لك اسمه حسن، فكان كذلك. ثم عق عنه وحلق رأسه وتصدق بزنة شعره فضةً فكان وزنه درهمان وشيئاً،(٨) وأمر فطلي رأسه طيباً، وسُنّت بذلك العقيقة والتصدّق بوزن الشعر وكنّاه (أبا محمد). ولا كنية له غيرها.
ألقابه:
أشهر ألقابه: التقي والزكي والسبط(٩). وعرف غيرها كالسيد والمجتبى(١٠). والطيب والولي(١١).
زوجاته:
تزوج (أم إسحاق) بنت طلحة بن عبيد الله، و(حفصة) بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، و(هند) بنت سهيل بن عمرو، وجعدة بنت الأشعث بن قيس، وهي التي أغراها معاوية بقتله فقتله بالسم.
وقد تحدث المؤرخون عن زوجات الإمام الحسن (عليه السلام) وأكثروا ومال أكثرهم إلى المبالغة في تعدادهن مبالغة لا تعتمد على أساس معقول..(١٢).
أولاده:
كان له خمسة عشر ولداً ما بين ذكر وأنثى وهم: زيد، أم الحسن، أم الحسين، أمهم أم بشير بنت أبي مسعود الخزرجية. الحسن، أمه خولة بنت منصور الفزارية. عمر والقاسم وعبد الله، أمهم أم أولد. عبد الرحمن، أمه أم ولد. الحسين الملقب بالأشرم وطلحة وفاطمة أمهم أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التميمي. أم عبد الله وفاطمة وأم سلمة ورقية، لأمهات شتى ولم يعقب منهم غير الحسن وزيد(١٣).
أوصافه:
(لم يكن أحد أشبه برسول الله (صلّى الله عليه وآله) من الحسن بن عليّ (عليهما السلام) خلقاً وخُلقاً وهيأة وهدياً وسؤدداً).
بهذا وصفه واصفوه. وقالوا: (كان أبيض اللون مشرباً بحمرة، أدعج العينين، سهل الخدين، كث اللحية، جعد الشعر ذا وفرة، كان عنقه إبريق فضة، حسن البدن، بعيد ما بين المنكبين، عظيم الكراديس، دقيق المسربة، ربعة ليس بالطويل ولا بالقصير، مليحاً من أحسن الناس وجهاً(١٤). أو كما قال الشاعر:

ما دب في فطن الأوهام من حسنٍ * * * إلا وكان له الحظ الخصوصيّ
كأنّ جبهته من تحت طرّته * * * بدر يتوجّه الليل البهيميّ
قد جلّ عن طيب أهل الأرض عنبره * * * ومسكه فهو الطيب السماويّ

فالإمام الحسن (عليه السلام) حاز على صفات جده رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في خَلقِه وخُلُقِه حتى أن المسلمين إذا اشتاقوا إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نظروا إلى ابنه الحسن (عليه السلام) يقول أبو جحيفة: رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وكان الحسن بن علي يشبهه)(١٥). ويقول أنس: (لم يكن أحد أشبه برسول الله (صلّى الله عليه وآله) من الحسن بن علي (عليه السلام)(١٦) وقد أورد الشيخ المفيد (رحمه الله) في الإرشاد أنه: كان الحسن بن علي (عليهما السلام) يشبه النبي (صلّى الله عليه وآله) من صدره إلى رأسه والحسين يشبهه (صلّى الله عليه وآله) من صدره إلى رجليه).
وقال أيضاً: (كان الحسن (عليه السلام) أشبه الناس برسول الله (صلّى الله عليه وآله) خَلقاً وخُلقاً وهيأة وهدياً وسؤدداً).
وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) للحسن ذات مرة: (أشبهت خَلقي وخُلقي)(١٧) وقال واصل بن عطاء: (كان الحسن بن علي (عليهما السلام)، عليه سيماء الأنبياء وبهاء الملوك)(١٨).
أخلاقه:
كان في شمائله آية الإنسانية الفضلى، ما رآه أحد إلا هابه، ولا خالطه إنسان إلا أحبه، ولا سمعه صديق أو عدو وهو يتحدث أو يخطب فهان عليه أن ينهي حديثه أو يسكت.
وقال محمد بن إسحاق: (ما بلغ أحد من الشرف بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ما بلغ الحسن بن عليّ. كان يبسط له على باب داره فإذا خرج وجلس انقطع الطريق، فما يمرّ أحد من خلق الله إجلالاً له، فإذا علم قام ودخل بيته فيمر الناس).
ونزل عن راحلته في طريق مكة فمشى، فما من خلق الله أحد إلا نزل ومشى حتى سعد بن أبي وقاص، فقد نزل ومشى إلى جنبه.
وروى المؤرخون عن تواضعه وكرم أخلاقه عشرات الروايات فمن ذلك انه اجتاز على جماعة من الفقراء وقد جلسوا على التراب يأكلون خبزاً كان معهم فدعوه إلى مشاركتهم فجلس معهم وقال: (إن الله لا يحب المتكبرين، ولما فرغوا من الأكل دعاهم إلى ضيافته فأطعمهم وكساهم وأغدق عليهم من عطائه، ومرة أخرى مر على فقراء يأكلون فدعوه إلى مشاركتهم، فنزل عن راحلته وأكل معهم ثم حملهم إلى منزله فأطعمهم وأعطاهم، وقال: (اليد لهم لأنهم لم يجدوا غير ما أطعموني ونحن نجد ما أعطيناهم). وكان من كرمه أنه أتاه رجل في حاجة، فقال له: (أكتب حاجتك في رقعة وارفعها إلينا). قال: فرفعها إليه فأضعفها له، فقال له بعض جلسائه: (ما كان أعظم بركة الرفعة عليه يا ابن رسول الله!). فقال: (بركتها علينا أعظم، حين جعلنا للمعروف أهلاً. أما علمتم أن المعروف ما كان ابتداء من غير مسألة، فأما من أعطيته بعد مسألة، فإنما أعطيته بما بذل لك من وجهه وعسى أن يكون بات ليلته متململاً أرقاً يميل بين اليأس والرجاء لا يعلم بما يرجع من حاجته ابكأية الرد، أم بسرور النجح، فيأتيك وفرائصه ترعد وقلبه خائف يخفق فإن قضيت له حاجته فيما بذل من وجهه، فإن ذلك أعظم ممّا نال من معروفك).
وأعطى شاعراً فقال له رجل من جلسائه: (سبحان الله أتعطي شاعراً يعصى الرحمن ويقول البهتان!). فقال: (يا عبد الله إن خير ما بذلت من مالك ما وقيت به عرضك وإن من ابتغاء الخير اتقاء الشر).
وسأله رجل فأعطاه خمسين ألف درهم وخمسمائة دينار، وقال له: (ائت بحمال يحمل لك). فأتى بحمال، فأعطاه طيلسانه، وقال: هذا كرى الحمال).
وجاءه بعض الأعراب. فقال: (أعطوه ما في الخزانة!.. فوجد فيها عشرون ألف درهم. فدفعت إليه، فقال الإعرابي: (يا مولاي ألا تركتني أبوح بحاجتي، وأنشر مدحتي فقال الإمام الحسن (عليه السلام):

نحن أناس نوالنا خضل * * * يرتع فيه الرجاء والأمل
تجود قبل السؤال أنفسنا * * * خوفاً على ماء وجه من يسل(١٩)

ومرّ به رجل من أهل الشام ممن غذّاهم معاوية بالحقد والكراهية لعليّ وآل عليّ فجعل للإمام الحسن (عليه السلام) السب والشتم والإمام ساكت لا يتكلم وهو يعلم بأن الشامي لا يعرف عليّا وآل عليّ إلا من خلال الصورة التي كان معاوية بن هند يصورهم بها وعندما انتهى الشامي من حديثه بما فيه من حلف وفظاظة ابتسم إليه وتكلم معه بأسلوب هادئ ينم عن سماحة وكرم متجاهلاً كل ما سمع وما رأى، وقال: (أيها الشامي أظنك غريباً فلو أنك سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، وإن كنت جائعاً أطعمناك، وإن كنت محتاجاً أغنيناك، أو طريداً آويناك)، ومضى يتحدث إلى الشامي بهذا الأسلوب الذي يفيض بالعطف والرحمة حتى ذهل الشامي وسيطر عليه الحياء والخجل وجعل يتململ بين يديه يطلب عفوه وصفحه ويقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته.
وهكذا كان في جميع مواقفه مثالاً كريماً للخلق الإسلامي الرفيع الذي دعا إليه القرآن الكريم بقوله تعالي: (وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)(٢٠). لقد قابل جميع ما كان يوجه إليه من الأذى والمكروه من أخصامه وحساده بالصبر والصفح الجميل حتى اعترف له ألد أخصامه وأنكرهم بذلك، فقد روى المؤرخون أن مروان بن الحكم أسرع إلى حمل جنازته ومشى مع المشيعين والكآبة بادية عليه، فقال له أبو عبد الله الحسين (عليه السلام): (إنك لتحمل جنازته وقد كنت بالأمس تجرعه الغيظ، فقال: لقد كنت أفعل ذلك مع من يوازي حمله الجبال.
ورأى غلاماً أسود يأكل من رغيف لقمة، ويطعم كلباً هناك لقمة فقال له: (ما حملك على هذا؟) قال: (إني استحي منه أن آكل ولا أطعمه). فقال له الحسن (عليه السلام): (لا تبرح مكانك حتى آتيك). فذهب إلى سيده، فاشتراه واشترى الحائط (البستان) الذي هو فيه، فأعتقه، وملّكه الحائط.
وسأله رجل أن يعطيه شيئاً فقال له: (إن المسألة لا تصلح إلا في غرم فادح أو فقر مدقع أو حمالة مفظعة)(٢١)، فقال له: ما جئتك إلا في إحداهن فأعطاه مائة دينار، ثم اتجه الرجل إلى الحسين (عليه السلام) فأعطاه تسعة وتسعين ديناراً وكره أن يساوي أخاه في العطاء، ثم ذهب الرجل إلى عبد الله بن جعفر فأعطاه أقل منهما ولما قص عليه ما جرى معهما، قال له: ويحك أتريد أن تجعلني مثلهما إنهما غرا العلم والمال غراً.
ويروي المؤرخون عن سخائه أيضاً أن جماعة من الأنصار كانوا يملكون بستاناً يتعايشون منه فاحتاجوا لبيعه فاشتراه منهم بأربعمائة ألف، ثم أصابتهم ضائقة بعد ذلك اضطرتهم لسؤال الناس، فرد عليهم البستان حتى لا يسألوا أحداً شيئاً.
وروى المؤرخون صوراً كثيرة من ألوان بره وكرمه ومعروفه التي كان يغرق بها على السائلين والفقراء والمحرومين لإنقاذهم ممّا كانوا يعانون من آلام الحاجة والبؤس ابتغاء وجه الله وثوابه لا للجاه ولا للدنيا ولا تدعيم ملك وسلطان ولا لمكافأة على المديح والثناء كما كان يصنع معاوية وغيره من الأمويين والعباسيين، ومن يتلذذون بالمديح والإطراء والجاه والسلطان. وأخبار كرمه كثيرة لسنا بسبيل استقصائها، وهذا مقدار يسير من أحاديث الرواة عن كرمه ومعروفه وإن كان الكثير ممّا يرويه الرواة يخضع للنقد والحساب، إلا أن القليل المتفق عليه بينهم يكفي لأن يجعله في القمة بين أجواد العرب الذين لا يرون للمال وزناً ولا يحسبون له حساباً.
عبادته:
إن الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام) كان أعبد الناس في زمانه وأزهدهم وأفضلهم وكان إذا حجّ حجّ ماشياً وربما مشى حافياً، ولا يمر في شيءٍ من أحواله إلا ذكر الله سبحانه وكان أصدق الناس لهجة وأفصحهم منطقاً وكان إذا بلغ المسجد رفع رأسه ويقول: الهي ضيفك ببابك يا محسن قد أتاك المسيء فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك يا كريم)(٢٢).
وقيل أنه حج خمساً وعشرين حجة ماشياً، وإن النجائب لتقاد معه، وإذا ذكر الموت بكى، وإذا ذكر القبر بكى، وإذا ذكر البعث بكى، وإذا ذكر الممر على الصراط بكى، وإذا ذكر العرض على الله تعالى ذكره شهق شهقة يغش عليه منها، وإذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم، وسأل الله تعالى الجنة وتعوذ بالله من النار.
وكان إذا توضأ، أو إذا صلّى ارتعدت فرائصه واصفر لونه من خشية الله تعالى. وقاسم الله تعالى ماله ثلاث مرات. وخرج من ماله لله تعالى مرتين.
ثم لا يمر في شيء من أحواله إلا ذكر الله عز وجل.
قال: (وكان أعبد الناس في زمانه وأزهدهم بالدنيا)(٢٣).
مكانة الحسن (عليه السلام) عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله):
علاقة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بابنه الحسن (عليه السلام) فاقت حدود العلاقة العائلية الموروثة كعلاقة الأب بابنه وما يصحب هذه العلاقة من انشدادات عاطفية وانجذاب مشترك بين الطرفين، بل كانت علاقة تتجاوز هذا الحد، لأنها متوجة بحب الله عز وجل وآمره وأن حب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لابنه الحسن (عليه السلام) إنما هو ـ أيضاً ـ من حب الله له، وهذا ما دفع باتجاه تعزيز العلاقة بين الرسول (صلّى الله عليه وآله) وابنه الحسن (عليه السلام)، ولذلك كان المصطفى الأكرم (صلّى الله عليه وآله) يرعى تربية الحسن (عليه السلام) رعاية مميزة وخاصة، فكان يغذيه بآدابه ومعارفه وكما كان يخشى عليه من كل مكروه لحبه له وخوفه عليه لأنه أمانة الله عنده ووصي من بعده والامتداد الطبيعي للرسالة الإسلامية.. ونجد هذا الانشداد الوثيق يتجسد في مواقف عديدة تعبر عن عمق العلاقة.
ففي ذات يوم وبينما الإمام الحسن (عليه السلام) كان مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذ عطش الحسن (عليه السلام) واشتد ظمأه فطلب له النبي (صلّى الله عليه وآله) ماءً فلم يجد فأعطاه لسانه فمصه حتى روي(٢٤).
وجاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ ذات يوم ـ إلى بيت فاطمة (عليها السلام) ليرى الحسن والحسين (عليهما السلام) فقال أين ابناي؟ فقالت: ذهب بهما علي (عليه السلام)، فتوجه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فوجدهما يلعبان في مشربة (الأرض اللينة دائمة النبات) وبين أيديهما فضل تمر فقال (صلّى الله عليه وآله): يا عليّ ألا تقلب (ترجع) ابناي قبل الحر.(٢٥)
لم تكن هذه المكانة العالية والوطيدة غامضة أو خافية ولا مقتصرة على نفس الرسول (صلّى الله عليه وآله) بل كان (صلّى الله عليه وآله) يصرح بها للملأ من قومه فكلما أتيحت له الفرصة للإعراب عن رأيه في طبيعة العلاقة المميزة بينه وبين الحسن (عليه السلام) كان يفصح وبكل صراحة عن رأيه حتى ليبدو أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يتحين الفرصة عند السؤال عن الحسن (عليه السلام) من قبل المسلمين حتى يجيب عن ذلك، بل كان يعلن عن حبه للحسن (عليه السلام) دونما سؤال من أحد عن ذلك لأنه أمر من الله عز وجل وكما قال ـ عز من قائل ـ (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)(٢٦).
فكان (صلّى الله عليه وآله) يطلب من المسلمين أن يحملوا ذات الشعور والإحساس من ابنه الحسن (عليه السلام) وكذلك من ابنه الحسين (عليه السلام).
وعن عمران بن الحصين قال: قال النبي (صلّى الله عليه وآله): يا عمران بن الحصين، إن لكل شيء موقعاً في القلب وما وقع موقع هذين الغلامين (أي الحسن والحسين) من قلبي شيء قط، فقلت: كل هذا يا رسول الله. قال: يا عمران وما خفي عليك اكثر أن الله أمرني بحبهما)(٢٧).
وعن البراء بن عازب قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) للحسن بن عليّ: (اللّهم إني أحبه وأحب من يحبه)(٢٨).
وعن زر بن حبيش قال: كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ذات يوم يصلي فأقبل الحسن والحسين (عليهما السلام) وهما غلامان فجعلا يتوثبان على ظهره إذا سجد فأقبل الناس عليهما ينحونهما عن ذلك قال (صلّى الله عليه وآله): دعوهما بأبي وأمي من أحبني فليحب هذين.(٢٩)
ودخل أبو أيوب الأنصاري ذات يوم على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والحسن والحسين (عليهما السلام) يلعبان بين يديه في حجره فقلت يا رسول الله أتحبهما؟ قال: (صلّى الله عليه وآله) وكيف لا أحبهما وهما ريحانتاي من الدنيا أشمهما.(٣٠)
وجاء أسامة بن زيد ذات ليلة فطرق باب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لبعض حاجته فخرج إليه الرسول (صلّى الله عليه وآله) وهو مشتمل على شيء لا يدري ما هو فلما فرغ من حاجته قال أسامة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله): ما هذا الذي أنت مشتمل عليه؟ فكشف فإذا الحسن والحسين على وركيه فقال (صلّى الله عليه وآله): هذان ابناي وابنا ابنتي، اللّهم إنك تعلم إني أحبهما فأحبهما، اللّهم إنك تعلم إني أحبهما فأحبهما، اللّهم إنك تعلم إني أحبهما فأحبهما)(٣١).
وهناك روايات أخرى يصدع فيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) للتعبير صراحة عن حبه للحسن (عليه السلام) والحسين (عليه السلام) دونما واسطة أو سؤال من أحد وإنما قول صريح لا تكلّف فيه ولا غموض ومن هذه الروايات: أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعلى مرأى ومسمع من الناس في المسجد، وهو يخطب والى جانبه ابنه الحسن (عليه السلام) فكان (صلّى الله عليه وآله) ينظر إلى الناس مرة والى الحسن (عليه السلام) مرة، ثم يوجه أنظار الناس إلى الحسن (عليه السلام) ويقول: ابني هذا سيد شباب أهل الجنة.
وخرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على الناس ذات يوم فأعلن قائلاً: (من سرّه أن ينظر إلى سيد شباب أهل الجنة فلينظر إلى الحسن بن علي)(٣٢).
ووضع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ابنه الحسن (عليه السلام) على عاتقه فقام بتعريفه لعامة المسلمين وكان يقول (صلّى الله عليه وآله): (من حبني فليحبه) ولمّا لقيه رجل فقال: نعم المركب ركبت يا غلام (وكان يوجه الكلام للحسن) كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول له: (ونعم الراكب هو)(٣٣).
وعن حذيفة قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أتاني ملك فسلّم عليّ نزل من السماء، لم ينزل قبلها يبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة.(٣٤)
وأمام معشر من المسلمين أجز رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بفضل أهل بيته (عليهم السلام) قائلاً: خير رجالكم علي بن أبي طالب وخير شبابكم الحسن والحسين وخير نساؤكم فاطمة بنت محمد (صلّى الله عليه وآله).
وفي مكان آخر يذكر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فضل أهل بيته (عليهم السلام) والمحبين لهم، يقول ابن عباس: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بأذني وإلا فصمتا وهو يقول: (أنا شجرة وفاطمة حملها وعليّ لقاحها والحسن والحسين ثمرتها والمحبون أهل البيت ورقها من الجنة ضفاً ضفاً)(٣٥).
وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): قالت الجنة يا رب زينتني فأحسنت زينتي، فأحسن أركاني فأوحى الله تبارك وتعالى إليها أني قد حشوت أركانك بالحسن والحسين وجنبيك بالسعود من الأنصار وعزتي وجلالي لا يدخلك مرائي ولا بخيل(٣٦).
وعن مطالبة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) المسلمين بحب ابنه الحسن (عليه السلام) يروي زهيد بن الأقمر هذه الحادثة يقول: بينما الحسن بن علي (عليه السلام) يخطب بعدما قتل عليّ (عليه السلام) إذا قام رجل من الأزد آدم طوال فقال: لقد رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) واضعه في حبوته يقول: (من أحبني فليحبه فليبلغ الشاهد الغائب) ولولا عزمة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ما حدثتكم.(٣٧)
ولعل سائل يسأل: ماذا تعني هذه المحبة من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) للحسن (عليه السلام)؟.. لمّ ما هو جزاء من أحب الحسن وأخيه الحسين (عليه السلام)؟
أما جواب الشطر الأول فيأتي من ابن عباس الذي قال: إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان جالساً ذات يوم إذ أقبل الحسن (عليه السلام) فلما رآه بكى ثم قال: (إليّ إليّ يا بني) فما زال يدنيه حتى أجلسه على فخذه اليمنى وساق الحديث إلى أن قال: قال النبي (صلّى الله عليه وآله): (أما الحسن فإنه ابني، وولدي ومني، وقرة عيني، وضياء قلبي، وثمرة فؤادي، وهو سيد شباب أهل الجنة، وحجة الله على الأمة، أمره أمري، وقوله قولي، من تبعه فإنه مني ومن عصاه فليس مني(٣٨) (وأضاف الحائري على ذلك) (وإني لما نظرت إليه ذكرت ما يجري عليه من الذل بعدي فلا يزال الأمر به حتى يقتل بالسّم ظلماً وعدواناً فعند ذلك تبكي الملائكة والسبع الشداد لموته ويبكيه كل شيء حتى الطير في السماء والحيتان في جوف الماء، فمن بكاه لم تعم عينه يوم تعمى العيون، ومن حزن عليه لم يحزن قلبه يوم تحزن القلوب ومن زاره في البقيع ثبتت قدماه على الصراط يوم تزل فيه الأقدام)(٣٩).
وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أيضاً: (حسن مني وأنا منه، أحب الله من أحبه الحسن والحسين سبطان من الأسباط)(٤٠).
أما جواب الشطر الثاني عن الجزاء والمكافأة من حب الحسن(٤١) فيأتي من سلمان المحمدي حيث قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) للحسن والحسين (عليهما السلام): (من أحبهما أحببته، ومن أحببته أحبه الله، ومن أحبه الله أدخله جنات النعيم، ومن أبغضهما أبغضته ومن أبغضته أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله نار جهنم وله عذاب مقيم)(٤٢).
وإذا دققنا النظر في مكنونات هذه الروايات الصادرة عن الصادق الأمين والذي بعث رحمة للعالمين والذي حديثه حديث الوحي، نجد أن الرسول (صلّى الله عليه وآله) كان يهدف من ذلك إلى توجيه أنظار المسلمين إلى أهل بيته (عليه السلام) لأنهم مركز الإشعاع الرسالي الذي منه ينسل الأوصياء والأمناء على الوحي والرسالة من بعده والقائمين بتحقيق أهداف الرسول (صلّى الله عليه وآله) والرسالة.. وإن من هذا البيت الطاهر سيكون امتداد الرسالة الإلهية لذلك تأتي هذه التوصيات من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) للمسلمين في سياق تهيئة أجواء مناسبة يكون فيها المسلمون أقدر على التفاعل مع المرحلة التي تلي غياب شخص رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وتكون الفواصل الزمنية والتحولات الاجتماعية خلال هذه الفترة غير قابلة لإحداث هزّة في الأوضاع الداخلية للمجتمع الإسلامي أو ذات أثر في تعثير مسيرة الرسالة الإسلامية.
الحسن (عليه السلام) في مدرسة النبوة:
امتازت السنوات القليلة التي عاشها الحسن (عليه السلام) في كنف جده المصطفى (صلّى الله عليه وآله) قبل عروجه إلى الرفيق الأعلى، أنها كانت بمثابة حجر الأساس في بناء شخصيته كما أنها الفترة المشرقة والذهبية في حياة الإمام الحسن (عليه السلام) في الالتصاق برسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن قرب.
فالحب المتميز لم يكن من جانب الرسول (صلّى الله عليه وآله) فقط بل كان الإمام الحسن (عليه السلام) أشد حباً وتعلقاً بجده وهذا ما يظهر بوضوح في اهتمام الحسن (عليه السلام) في المداومة على رؤية جده المصطفى (صلّى الله عليه وآله) والالتصاق به أكبر مدة فحينما كانت الزهراء (عليها السلام) تأخذ الحسنين (عليهما السلام) إلى بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيأتياه وهما في شوق شديد إليه فيتسابقا في الوصول إليه، فإذا وصلا إليه ضمّهما وقبّلهما وأجلسهما في حجره فيجلس الحسن (عليه السلام) على فخذه الأيمن والحسين على فخذه الأيسر فيشعران بالأمان والحنان والعطف. بل إنه في بعض الليالي التي كانت تأتي بهما الزهراء (عليها السلام) إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيمكثان طويلاً فتضطر فاطمة (عليها السلام) إلى العودة إلى البيت وحدها، ويبقى الحسنان مع جدهما رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيتوسدا اليدين الكريمتين لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) ويناما إلى جنبه (صلّى الله عليه وآله).
ولعل من الصور الرائعة في حجم الصلة الوثيقة بين رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وابنه الحسن (عليه السلام) يذكرها بعض الرواة وهي عبارة عن دروس تربوية ذات درجة كبيرة من الأهمية منها: عن البهي قال: تذاكرنا من أشبه الناس بالنبي (صلّى الله عليه وآله) من أهله، فدخل علينا عبد الله بن الزبير فقال: أنا أحدثكم بأشبه أهله به وأحبهم إليه الحسن بن علي (عليهما السلام) رايته وهو ساجد فيركب رقبته (أو قال ظهره) فما ينزله حتى يكون هو الذي ينزل، ولقد رأيته يجيء وهو راكع فيفرج له بين رجليه حتى يخرج من الجانب الآخر.(٤٣)
أما عن الجانب العلمي في علاقة الحسن (عليه السلام) بجده (صلّى الله عليه وآله)، فلقد كان (عليه السلام) وعلى صغر سنه، يأتي إلى مجلسه (صلّى الله عليه وآله) فيصغي بسمعه إلى حديث جده (صلّى الله عليه وآله) وهو يبث رسالة الله في الناس، وبعد أن يستمع الحسن (عليه السلام) إلى ما قاله رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ينطلق مسرعاً إلى أمه فاطمة (عليها السلام) فيخبرها بلسان فصيح صادق كلّ ما دار في حديث الرسول (صلّى الله عليه وآله) مع الناس، فيأتي الإمام علي (عليه السلام) فتخبره فاطمة (عليها السلام) بحديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في المجلس فيسأل الإمام علي (عليه السلام) عن الذي أخبرها بذلك، فتقول: ابنك الحسن (عليه السلام).
فتخفّى عليّ (عليه السلام) يوماً في الدار ليستمع إلى ما يقوله الحسن (عليه السلام) من كلام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فدخل الحسن (عليه السلام) وقد جاء من مجلس الرسول (صلّى الله عليه وآله) فأراد أن يلقي لوالدته الزهراء (عليها السلام) فارتج عليه الأمر، فعجبت أمه من ذلك فقال الحسن (عليه السلام): لا تعجبي يا أماه فإن كبيراً يسمعني واستماعه قد أوقفني فخرج علي (عليه السلام) إليه فضمه وقبّله.
ومن جهة ثانية نرى أن الإمام الحسن (عليه السلام) كان منذ صغره يتلقى علوم الوحي من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وذلك من خلال الأسئلة عن أمور عديدة، منها ما ذكره الإمام الصادق (عليه السلام) انه: (بينما الحسن (عليه السلام) يوماً في حجر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذ رفع رأسه فقال: يا أبة ما لمن زارك بعد موتك؟ قال: يا بني من أتاني زائراً بعد موتي فله الجنة، ومن أتى أباك زائراً بعد موته فله الجنة ومن أتاك زائراً بعد موتك فله الجنة)(٤٤).
فالزائر الذي يستحق الجنة في هذه الأماكن الشريفة هو الذي يعمل بما أمر الله تعالى ويترك ما نهى الله عنه ويكون عارفاً بحق أهل البيت (عليهم السلام)، مؤمن بكل ما جاءوا به..
وقد تركت التربية النبوية التي نهل من ينبوعها الإمام الحسن (عليه السلام) آثار على سلوكياته وهناك شواهد عديدة تكشف تجسيدات التربية النبوية في حياة الإمام (عليه السلام) غير أننا نختار منها هنا ما يرتبط بالفترة الأولى من عمر الإمام (عليه السلام) والتي كان فيها ملاصقاً لرسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ففي الجانب الأخلاقي هناك قصة جميلة يتداولها أصحاب السيرة والمؤرخون وهي أن الحسنين (عليهما السلام) مرّا على شيخ يتوضأ ولا يحسن فأخذا (عليهما السلام) في التنازع وكانا صغيرين لم يتجاوزا العقد الأول من السنين يقول كلّ واحد منهما للآخر: أنت لا تحسن الوضوء. فقالا: أيها الشيخ كن حكماً بيننا يتوضأ كل واحد منّا فتوضأ، ثم قالا: أينا يحسن؟ قال: كلاكما تحسنان الوضوء. ولكن هذا الشيخ الجاهل ـ وهو يشير إلى نفسه ـ هو الذي لم يكن يحسن، وقد تعلم الآن منكما وتاب على يديكما ببركتكما وشفقتكما على أمة جدكما.(٤٥)
وهناك قصة ثانية توضح الأثر العلمي لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) في شخصية ابنه الحسن (عليه السلام) يروي هذه القصة أحد حواريي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حذيفة بن اليمان يقول:
(بينما كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وجماعة من أصحابه، إذ أقبل إليه الحسن فأخذ النبي (صلّى الله عليه وآله) في مدحه، فما قطع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كلامه حتى أقبل إلينا أعرابي يجر هراوة له، فلما نظر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: قد جاءكم رجل يكلمكم بكلام غليظ تقشعر منه جلودكم، وإنه يسألكم عن أمور، وإن لكلامه جفوة.
فجاء الأعرابي فلم يسلّم وقال: أيكم محمد؟
قلنا: ما تريد؟ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): مهلاً.
فقال: يا محمد لقد كنت أبغضك ولم أرك والآن فقد ازددت لك بغضاً.
فتبسم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وغضبنا لذلك، وأردنا بالأعرابي إرادة، فأومى إلينا رسول الله أن اسكتوا.
فقال الأعرابي: يا محمد إنك تزعم أنك نبي، وأنك قد كذبت على الأنبياء، وما معك من برهانك شيء.
فقال له (صلّى الله عليه وآله): وما يدريك؟ قال: فخبّرني ببرهانك.
قال (صلّى الله عليه وآله): إن أحببت أخبرك عضو من أعضائي فيكون ذلك أوكد برهاني. قال: أو يتكلم العضو؟ قال (صلّى الله عليه وآله): نعم يا حسن قم. فازدرى الأعرابي نفسه، وقال: ما يأتي، ويقيم صبيّا ليكلّمني.
قال (صلّى الله عليه وآله): إنك ستجده عالماً بما تريد.
فابتدره الحسن (عليه السلام): مهلاً يا أعرابي:

ما غبياً سألت وابن غبي * * * بل فقيهاً إذن وأنت الجهول
فإنّ تك قد جهلت فإنّ عندي * * * شفاء الجهل ما سأل السؤول
ونجراً لا تقسّمه الدّوالي * * * تراثاً كان أورثه الرسول

لقد بسطت لسانك، وعدوت طورك وخادعت نفسك، غير أنك لا تبرح حتى تؤمن أن شاء الله.
فتبسم الأعرابي وقال له هيه:
فقال له الحسن (عليه السلام): نعم، اجتمعتم في نادي قومك وتذاكرتم ما جرى بينكم على جهل، وخرق منكم فزعمتم أن محمداً صنبور ـ أي لا خلف له ـ والعرب قاطبة تبغضه، ولا طالب له بثأره، وزعمت أنك قاتله، وكان في قومك مؤنته، فحملت نفسك على ذلك، وقد أخذت قناتك بيدك تؤمّه تريد قتله، فعسر عليك مسلكك وعمي عليك بصرك، وأبيت إلا ذلك، فأتيتنا خوفاً من أن يشتهر وإنك إنما جئت بخير يراد بك. أنبئك عن سفرك، خرجت في ليلة ضحياء، إذ عصفت ريح شديدة، اشتد منها ظلماؤها وأظلت سماؤها، أعصر سحابها، فبقيت محر غماً كالأشقر، إن تقدم نُحِر، وإن تأخر عُقر، لا تسمع لواطئ حسّاً، ولا لنافع نارٍ جرساً، تراكمت عليك غيومها، وتوارت عنك نجومها فلا تهتدي بنجم طالع، ولا بعلم لامع، تقطع محجّةٍ وتهبط لجّة، في ديمومة قفر، بعيدة القعر، مجحفة بالسّفر، إذا علوت مصعداً ازددت بعداً، الريح تخطفك، والشوك تخبطك، في ريح عاصف، وبرق خاطف، قد أوحشتك آكامها، وقطعتك سلامها، فأبصرت فإذا أنت عندنا فقرّت عينك، وظهر دينك وذهب أنينك.
قال الأعرابي متعجباً: من أين قلت يا غلام هذا؟ كأنك كشفت عن سويداء قلبي، ولقد كنت كأنك شاهدتني وما خفي عليك شيء من أمري وكأنه علم الغيب.
ثم قال الأعرابي للحسن (عليه السلام): الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله. فأسلم الأعرابي وحسن إسلامه، وعلّمه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) شيئاً من القرآن فقال: يا رسول الله ارجع إلى قومي فأعرّفهم ذلك؟ فأذن له (صلّى الله عليه وآله) فانصرف إلى قومه ثم رجع ومع جماعة من قومه فدخلوا الإسلام، وكان الناس إذا نظروا إلى الحسن (عليه السلام) قالوا لقد أعطي ما لم يعط أحدٌ من الناس.(٤٦)
هكذا هو الحسن بن علي (عليهما السلام) يتحدث عن لسان رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وكيف به وقد نهل من معارف النبوة وتغذى من آداب الرسالة، فصار يقارع بذلك عقول الرجال على صغر سنه، بعد أن يفصح بأبلغ بيان دلائله ويكشف بأوضح بصائر صحيحه، لا سيما وأنه عاش في ظل الوحي ومعدن التنزيل، فلا شك في كونه يسير على خطى السلوك المحمدي ولقد قال جده المصطفى (صلّى الله عليه وآله) فيه: (حسن مني وأنا منه).
إمامته (عليه السلام):
كانت قضية الولاية والإمامة والخلافة كمسميات مختلفة للقيادة الشرعية التي ستخلف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعد وفاته وغياب شخصه عن ساحة الأمة الإسلامية، هذه القضية من الموضوعات المحورية وربما هي المحور الذي لم تتوتد دعائم وأركان الدين الإسلامي إلا بعد مخاض عسير كان يتطلب إعداد مناخ ملائم قابل لتلقي هذا الأمر العظيم من قبل أفراد المجتمع الإسلامي.
وبطبيعة الحال: إن إرادة الله تعالى التي حكمت بأن يكون الإسلام خاتم الأديان والمهيمن عليها وقد قال تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)(٤٧). وبذلك يكون هذا الدين يحمل خصوصيات الغلبة والتكاملية في مجمل تشريعاته وقوانينه ونظمه بحيث يتمكن من إدارة البشرية بطريقة سليمة وصحيحة.
وليس ثمة شك في أن القيادة هي حجر الأساس في بناء الدولة وهي القطب التي تنتظم حوله شؤون الأمة وإدارة أمورها، ولذلك من غير المنطقي ولا من العقل أن يعتقد البعض في أن يكون رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد غادر الدنيا وترك أمته دونما قيادة، أو سائبة دونما رعاية فتعصف بها الأزمات والعقد وتثار على ساحتها الأضغان والأنانيات والحروب القذرة.
من هذا المنطلق كانت الولاية على درجة كبيرة من الأهمية لاستمرار تماسك جنبات المجتمع الإسلامي واستقرار أوضاعه كما كانت على مستوى كبير من الخطورة تتطلب موقفاً صريحاً وجريئاً، لأنها قد تعترض مصالح فئة من المجتمع ولا سيما تلك الفئة البيروقراطية والتي تسعى من خلال ثرواتها الحصول على موقع اجتماعي رفيع تكون فيه الواجهة المتقدمة في صفوف المجتمع... ولكن استمرارية الفئة الرسالية تتطلب ركوب الأمواج العاتية والصعود فوق المصالح والأهواء والحواجز النفسية والمادية.
ومواقف النبي (صلّى الله عليه وآله) كثيرة من الإمامة والخلافة التي عمل (صلّى الله عليه وآله) منذ بداية الرسالة الإسلامية على الإعداد والتهيئة والإعلان عن الأئمة والقادة من بعده..
ومن هذه المواقف، موقفه الشهير الذي تضافرت كل كتب السنن والتاريخ على تدوينه وشرحه بإسهاب، وأجمعت الحفظة ونقلة الأحاديث والرواة على صحته، إنه نداءٌ وبلاغٌ اذاعه وأعلنه على الألوف من المسلمين بعد رجوعه من حجّة الوداع الحجة الأخيرة التي حجّها النبي (صلّى الله عليه وآله) في آخر حياته، وعندما وصل إلى مكان اسمه ـ غدير خم(٤٨) ـ وقف النبي (صلّى الله عليه وآله) في حرارة الشمس والوحي يهدّد رسالته وينذره إن تأخر عن أداء ما بقي منها ويبعث في نفسه الاطمئنان والأمن ممّا كان يحاذر ويخشى من قومه.
(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)(٤٩).
ووقفت معه الجماهير التي حجّت في تلك السنة، نزل في ذلك المكان قبل تفرق الناس، حطّ أثقاله، التفّ حوله المسلمون ليعرفوا ما الخبر، ماذا نزل على النبي (صلّى الله عليه وآله) من السماء، بماذا أوحى له، صمت رهيب، الوقت هجير، صحراء قاحلة، عرف الجميع أن هناك بلاغاً هاماً خطيراً، صنع له المسلمون منبراً من أقتاب الإبل، قام خطيباً بعد أن صعد المنبر، ليشهدهم تنصيب عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ولاية أمر المسلمين، حيث قال (صلّى الله عليه وآله) بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
أيها الناس يُوشك أن أدعى فأجيب وإني مسؤول وإنكم مسؤولون فماذا أنتم قائلون؟ قالوا:
نشهد أنك قد بلّغت وجاهدت ونصحت، فجزاك الله خيراً فقال (صلّى الله عليه وآله): أليس تشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن جنّته حق، وأن ناره حق، وأن الموت حق، وأن البعث بعد الموت حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور؟
قالوا: بلى. نشهد بذلك.
قال (صلّى الله عليه وآله): اللّهم اشهد: ثم قال (صلّى الله عليه وآله): يا أيها الناس إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فهذا مولاه ـ يعني عليّاً ـ اللّهم والِ من والاه وعاد من عاداه ثم قال:
يا أيها الناس إنّي فرطكم، وإنكم واردون عليّ الحوض، حوض أعرض ممّا بين بصرى إلى صنعاء، إلى أن قال في خطبته، وإني سائلكم حين تردون عليّ عن الثقلين، كيف تخلفوني فيهما الثقل الأكبر كتاب الله عز وجل سبب طرفه بيد الله تعالى، وطرفه بأيديكم فاستمسكوا به ولا تضلّوا ولا تبدلوا، والثقل الآخر: عترتي أهل بيتي، فإنّه قد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن ينقضيا حتى يردا عليّ الحوض..(٥٠).
بدأت تتردد أصداء هذه الكلمات العظيمة في صحراء خم وسمعها مائة ألف مسلم، كما ترددت في بطون كتب الرواة والمؤرخين واتفق المسلمون بالإجماع على حديث الرسول (صلّى الله عليه وآله) في حق الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام). وجاء الخليفة عمر بن الخطاب إلى علي (عليه السلام) فقال: بخ بخ لك يا أبا الحسن أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.
ونص رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على الأئمة والخلفاء من بعده بأمرٍ من الله عزّ وجلّ وهذا ما اعترف بصحته الأعلام من السنة والشيعة كما رواها الفريقان بأحاديث كثيرة وأسانيد متعددة ونصوص مختلفة.
منها: ما روي عن جابر ابن سمرة قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: لا يزال هذا الدين عزيزاً إلى اثني عشر خليفة، فكبّر الناس وضجوا، ثم قال كلمة خفيت عليّ: قلت لأبي: يا أبة ما قال؟ قال: كلّهم من قريش(٥١). وروي عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة: أنه سمع النبي (صلّى الله عليه وآله) يقول: بعدي اثنا عشر خليفة كلهم من بني هاشم(٥٢).
وجاء عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قوله للإمام علي (عليه السلام): أنا أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم ثم أنت يا علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم بعدك الحسن أولى بالمؤمنين من أنفسهم ثم بعده الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم بعده علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ثم بعده محمد أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم بعده جعفر أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم بعده موسى أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم بعده عليّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم بعده محمد أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم بعده عليّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم بعده الحسن أولى بالمؤمنين من أنفسهم، والحجة بن الحسن أولى بالمؤمنين من أنفسهم أئمة أبرار هم مع الحق والحق معهم(٥٣).
أما عن ولاية الحسن (عليه السلام) ففي حديث ابن عباس الذي مر ذكره قال النبي (صلّى الله عليه وآله): أما الحسن فإنه ابني وولدي ومنّي، وقرة عيني، وضياء قلبي، وثمرة فؤادي، وهو سيد شباب أهل الجنة، وحجة الله على الأمة، أمره أمري وقوله قولي، من تبعه فإنه مني، ومن عصاه فليس مني(٥٤).
غير أن الأمة لم تتبع أمر الله ورسوله وإنما بئس ما خلفته هذه الأمة في أهل بيته (عليهم السلام) حينما أعرضت عن الإمام الحق والوصي الشرعي لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) علي بن أبي طالب (عليه السلام) ودخلت في أتون الصراع السياسي المحتدم في مؤتمر السقيفة.
بالطبع لم يكن الرسول (صلّى الله عليه وآله) بمنأى عن الحوادث الواقعة بعده بل كان على يقين تام بأن الأمة ستعيش نكسات خطيرة وانعطافات أخطر، ولعل قوله (صلّى الله عليه وآله) إلى أهل بيته (عليهم السلام) وهو في مرضه الذي انتقل بسببه إلى الرفيق الأعلى: (أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم)(٥٥). لعل في ذلك إشارة إلى الحوادث التي يتعرض لها أهل البيت (عليهم السلام) من بعده (صلّى الله عليه وآله) ولذلك قبل أن يفارق رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الحياة يوصي أهل بيته (عليهم السلام) بالصبر والجلد أمام الامتحانات والابتلاءات التي ستحل بدارهم وعليهم من قبل الحاقدين والطامعين وقبل الوداع بدأ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقسّم الإرث على أهل بيته (عليهم السلام) حتى إذا وصل إلى الحسن (عليه السلام) قال: أما الحسن فأنحله الهيبة والحلم(٥٦)..
ثم ألقى نظرته الأخيرة على أهل بيته فكان يودع الواحد تلو الآخر، إلى أن اقتربت آخر لحظات حياته فكانت آخر دعواه (صلّى الله عليه وآله): (اللّهم خفف عن أمتي) وبعده صعدت روحه الطاهرة إلى الرفيق الأعلى.
ولقد خلف غياب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فراغاً كبيراً كما أحدث جرحاً لا يندمل مع مرور الزمن، فكان دور الإمام علي (عليه السلام) في أن يتحمل انهدام الركن الأول والأساس في بيت الرسالة، كما عليه أن يحاول رأب الصدع حتى يبقى البيت النبوي ثابتاً ومستقراً ويظل مركز إشعاع فكري وروحي لكل المسلمين بصورة مستمرة دونما انقطاع أو توقف.

الفصل الثاني:

مراجعة تاريخية سريعة:
كان الحدث الأكبر في تاريخ الإسلام هو وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وانقطاع ذلك الإشعاع السماوي الذي كان يفيض على الدنيا كلها بالخير، فإذا الدنيا كلها مظلمة تستعد للشر. وانقطعت الأرض بموت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن السماء، إذ كان الوحي هو بريدها إلى الأرض وأداة صلتها بها.
وهل للأرض غنى عن السماء، وفي السماء رزقها ومنها خيرها وحياتها وحيويتها ونورها ودينها.
الرسول محمد (صلّى الله عليه وآله) أدرك ما سيمتحن به المؤمنون بعده من عظيم الرزية بانقطاع الوحي من بينهم، وكان بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً، فأخبرهم بأن حبلاً واحداً سيبقى متصلاً بينهم وبين السماء. وهل حبل أولى بالتمسك من حبل السماء وقد انقطع الوحي، قال (صلّى الله عليه وآله):
(إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما)(٥٧).
ومن حق البحث الذي بين أيدينا أن يستقرئ في هذه المناسبة موقف المجتمع من عترة النبي (صلّى الله عليه وآله)، أو موقف الجماعات التي كانت تدعي لنفسها حق التمثيل للمجتمع، لينظر فيما خلفوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في عترته، بل لينظر فيما يتصل من ذلك بموضوعنا من هذه المناسبة العابرة.
وإذا كانت العترة عشيرة الرجل، فعليّ أبرز رجالها بعد رسول الله، وإذا كانت ذريته، فالحسن كبير عترة النبي من بعده. تجيز اللغة إطلاق العترة على الصنفين، ـ العشيرة والذرية ـ معاً.
نعم إنه قدّر لهذا المجتمع، أن ينقسم انقسامته التاريخية التي وقعت فور الفاجعة العظمى بوفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، حين تأول قوم فاتبعوا تأولاتهم، وتعبّد آخرون فثبتوا على الصريح من قول نبيهم وللنبي تصريحات كثيرة في موضوع الترشيح للخلافة ليس هنا مكان استعراضها.. ولسنا الآن بصدد مناقشة المتأولين أو مساجلة المتعبدين لأن كل شيء ممّا نتفق عليه معهم جميعاً، أو مع فريق واحد منهم، أو ممّا نختلف فيه قد تم في حينه على صورته. وليس فيما يتناوله بحثاً الآن ما يستطيع أن يغير الواقع عن واقعه.
ولم يبق مخفياً أن الحجر الأساسي لهذا التدهور غير المنتظر، كان هو الذي بني هناك في المدينة المنورة، وقامت عليه سقيفة بني ساعدة بما أبرم فيها من حبل جديد هو غير الحبل الممدود ـ عمودياً ـ من السماء إلى الأرض الذي عناه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في حديثه الآنف الذكر. ولكنه حبل آخر أريد ليمتد مع التاريخ ـ أفقياً ـ وكما قال الشاعر:

وتوالت تحت السقيفة أحدا * * * ثٌ أثارت كوامناً وميولاً
نزعات تفرقت كغـصون الـ * * * ـعوسج الغض شائكاً مدخولاً(٥٨)

ووقف صاحب الحق بالخلافة من المتأولين، موقف المشرف الذي دل بذاته، وبما حفظ الإسلام من الانهيار، على انه وحده كان الوسيط بين الناس وحبل السماء. وتلكأ عن بيعتهم بمقدار ما نبه الذهنية الإسلامية إلى الحق المغلوب على أمره، وأخذ إلى البيعة، بعد ذلك أخذاً(٥٩) وسأله بعض أصحابه: (كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به؟) فقال: (إنها كانت أثرة، شحت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس آخرين، والحكم لله والمعود إليه القيامة. ودع عنك نهبا صيح في حجراته)(٦٠)...
لغة تنبئك عما تكظمه في دخيلتها من غيظ، وعما تحمله في ظاهرتها من تسليم. وعشا عن الوزارة مناوئوه، وعلى أبصارهم غشاوة الذهول.
فغفلوا عنه غير منكرين سبقه وجهاده وقرابته وصهره وأخوته وعلمه وعبادته، وتصريحات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في شأنه، التي كانوا يستوعبونها يومئذٍ أكثر ممّا نستوعبها نحن.
ولكنهم نقموا عليه كثرة فضائله هذه، ونقموا عليه شدته في إحقاق الحق، ونقموا عليه سيفه الذي خلق منهم أعداء موتورين، منذ كان يصنع الإسلام بهذا السيف في سوح الجهاد المقدس.
ونقموا عليه سنّة لأنه في العقد الرابع. ولا عجب إذا رأى ذوو الحنكة المسنون، أن لا يكون الخليفة بعد رسول الله مباشرة، إلا وهو في العقد السابع مثلاً.
وخفي عليهم إن الإمامة في الإسلام دين كالنبوة نفسها، ويجوز فيها ما يجوز في النبوة ولا يجوز عليها ما لا يجوز على النبوة في عظمتها.
فما شأن الاجتهاد بالسن في مقابل النص على التعيين. وما شأن الملاحظات السياسية في مقابل كلمات الله تعالى وتصريحات نبيه (صلّى الله عليه وآله). وكانت سن عليّ (عليه السلام) يوم وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سن عيسى بن مريم يوم رفعه الله عز وجل، أفيجوز لعيسى أن ينتهي بقصارى نبوته في الأرض إلى هذه السن، ولا يجوز لعليّ أن يبتدئ خلافته في ثلاث وثلاثين، وهي السن التي اختارها الله لسكان جنانه يوم القيامة! ولو لم تكن خير سنّي الإنسان لما اختارها الله للمصطفين من عباده في الجنان.
الأمة عاشت بعيدة كل البعد عن إرشادات وتوجيهات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) واشتغلت بالصراعات السياسية وحروب المناصب حتى أخذت الخلافة تنقلب من واحد إلى آخر فتفاقمت الأزمات وتدهورت الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.. وغيرها، وظهرت علامات التذمر والتمرد في أوساط المسلمين وكل ذلك نتيجة حتمية للروح القبلية التي سادت وتحكمت بمنطق المتنافسين تحت سقيفة بني ساعدة والاتجاه الذي سار فيه هؤلاء إلى حصر السلطة بكل واحد منهم وعدم مشاركة الآخرين في الحكم، والتأكيد على المبررات الوراثية، واستعداد كثير من الأنصار لتقبل فكرة أميرين أحدهما من الأنصار والآخر من المهاجرين، حتى كان يرى كل جناح أنه أحق من غيره بالأمر، وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) وغيره من الصحابة بعيدون عنهم لانشغالهم بجثمان النبي (صلّى الله عليه وآله) الذي كان لم يدفن بعد(٦١) حين اندفع عمر بأبي بكر إلى السقيفة ليبتوا في أمر الخلافة وحين بلغ الإمام علي (عليه السلام) بالنبأ رفض البيعة(٦٢).
واعتبرها اعتداءً صارخاً عليه، فهو يعلم أن محله من الخلافة محل القطب من الرحى ينحدر عنه السيل، ولا يرقى إليه الطير ـ على حد تعبيره ـ وما كان يظن إن القوم يزعجون هذا الأمر ويخرجونه عن أهل بيت نبيهم، فقد بادر إليه عمه العباس قائلاً له:
(يابن أخي أمدد يدك أبايعك، فيقول الناس: عم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بايع ابن عم رسول الله فلا يختلف عليك اثنان).
فقال له الإمام: (ومن يطلب هذا الأمر غيرنا؟)(٦٣).
وعلق الدكتور طه حسين على ذلك بقوله: (نظر العباس في الأمر فرأى ابن أخيه، أحق منه بوراثة السلطان لأنه ربيب النبي، وصاحب السابقة في الإسلام وصاحب البلاء الحسن الممتاز في المشاهد كلها، ولأن النبي كان يدعوه أخاه حتى قالت له أم أيمن: ذات يوم مداعبة تدعوه أخاك وتزوجه ابنتك؟! ولأن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال له: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، وقال للمسلمين يوماً آخر: من كنت مولاه فعليّ مولاه. من أجل ذلك أقبل العباس بعد وفاة النبي على ابن أخيه، وقال له: أبسط يدك أبايعك)(٦٤).
لقد تخلف الإمام (عليه السلام) عن بيعة أبي بكر ساخطاً، وأعلن شجاه وأساه على ضياع حقه، واستبداد القوم بالأمر من دون أن يعنوا به وفي نهجه شذرات من بليغ كلامه عرض فيها لذلك.
في سقيفة بني ساعدة تجسدت الروح القبلية التي فتحت على المسلمين باباً من أبواب الفتنة كما يصرح بذلك عمر بقوله: (إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، فأيما رجل بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فإنها تغره يجب أن يقتلا)(٦٥).
ومضى زمن يجادل الإمام علي (عليه السلام) القوم ويعيد إلى ذاكرتهم ما غاب عنهم من أفعال الرسول وأقواله ومواقفه، وسرد لهم نصوص تلك الخطب والتوصيات التي تؤيّد دعواه، فالكثير تجسمت لهم الأخطار وأحسوا بالمسؤولية حيث جرفهم التيار الجديد الذي غيّر وبدّل.
والمنافقون استغلوا تلك الفترة فكانت ردة جماعة من مسلمي العرب في الجزيرة، ومسيلمة الكذاب أعلن النبوة واستغل الموقف الراهن، كما أن صدى النزاع على الخلافة تجاوز العاصمة الإسلامية فبدأ العصيان والتمرد على مبادئ الإسلام. لذا خشي الإمام علي (عليه السلام) إن استمر على محاججة القوم أن تذهب جهود النبي سدى.. فسكت عن حقه السليب ورجع إلى ما كان عليه ينشر تعاليم الإسلام متفانياً في سبيل توطيد دعائم الدين.
ورأى أن الحكمة تقضي بمبايعة الخليفة حفاظاً على الإسلام حماية لوحدة المسلمين، وفي هذا يقول: (فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمد (صلّى الله عليه وآله) فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله، أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المُصيبة به على أعظم من فوت ولايتكم، التي إنما هي متاع أيام قلائل، فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق، واطمأن الدين وتنهنه).
فمصلحة الإسلام في نظره تفوق على كل شيء وقبل كل شيء. وما مطالبته بحقه في الخلافة إلا لكي يعمل بقوة على بعث الدين في النفوس.
والخلافة كما هو معلوم لا تساوي عنده شيئاً إذا لم تكن سبيلاً وطريقاً إلى هذه الغاية وهو الذي خاطب ابن عباس عندما كان يخصف نعله بيده بقوله: والله إن إمرتكم لأهون عندي من هذا النعل. إلا أن أحق حقاً وبطل باطلاً..(٦٦).
علي والخلفاء:
في خلافة أبي بكر كان جهاز الحكم الإداري خاضعاً لإدارة عمر بن الخطاب فهو المخطط لسياسية الدولة، والواضع لبرامجها الداخلية والخارجية قد وثق به أبو بكر، وأسند إليه جميع مهام حكومته، فلم يعقد أي عقد أو يقطع أي عهد إلا عن رأيه، ومشورته، كما لم يوظف أي عامل إلا بعد عرضه عليه.
أما تعيين الولاة على الأقطار والأقاليم الإسلامية، أو إسناد أي منصب حساس من مناصب الجيش فإنّه لا يمنح لأحد إلا بعد إحراز الثقة به والإخلاص منه للحكم القائم والتجاوب مع مخططاته السياسية، فمن كانت له أدنى ميول معاكسة لرغبات الدولة، فإنّه لا يرشح لأي عمل من أعمالها ويقول المؤرخون: إن أبا بكر عزل خالد بن سعيد بن العاص عن قيادة الجيش الذي بعثه لفتح الشام، لم يكن هناك أي موجب لعزله إلا لأن عمر نبهه على ميوله لعليّ وبيّن له مواقفه يوم السقيفة التي كانت مناهضة لأبي بكر.(٦٧) ولم يعهد أبو بكر بأي عمل أو منصب لأحد من الهاشميين، وقد كشف عمر الغطاء عن سبب حرمانهم في حواره مع ابن عباس من أنه يخشى إذا مات وأحد الهاشميين والياً على قطر من الأقطار الإسلامية أن يحدث في شأن الخلافة ما لا يحب(٦٨).
كما حرم الأنصار من وظائف الدولة، وذلك لميولها الشديد إلى علي (عليه السلام) أما عماله وولاته فقد كان معظمهم من الأسرة الأموية وهم:
أبو سفيان:
استعمله عاملاً له على ما بين آخر حد للحجاز وآخر حد من نجران(٦٩).
يزيد بن أبي سفيان:
استعمل يزيد بن أبي سفيان والياً على الشام(٧٠) ويقول المؤرخون انه خرج مودعاً له إلى خارج يثرب.
عتاب بن أسيد:
عين أبو بكر عتاب بن أسيد بن أبي العاص والياً على مكة(٧١).
عثمان بن أبي العاص:
جعله والياً على الطائف(٧٢) ومنذ ذلك اليوم علا نجم الأمويين، واستردوا كيانهم بعد أن فقدوه في ظل الإسلام.
وأبدى المراقبون لسياسة أبي بكر دهشتهم من حرمان بني هاشم من التعيين في وظائف الدولة ومنحها للعنصر الأموي الذي ناهض النبي (صلّى الله عليه وآله) وناجزه في جميع المواقف، يقول العلائلي:
(فلم يفز بنو تيم بفوز أبي بكر بل فاز الأمويون وحدهم، لذلك صبغوا الدولة بصبغتهم، وآثروا في سياستها، وهم بعيدون عن الحكم كما يحدثنا المقريزي في رسالته (النزاع والتخاصم)(٧٣).
إن القابليات الدبلوماسية والإحاطة بشؤون الإدارة والحكم، والمعرفة بشؤون الدين كانت متوفرة عند الكثيرين من المهاجرين والأنصار من صحابة النبي (صلّى الله عليه وآله) فكان الأجدر تعيين هؤلاء في مناصب الدولة، وإبعاد الأسرة الأموية عنها لوقاية المجتمع الإسلامي من مكائدها وشرورها.
أما السياسة المالية التي نهجها أبو بكر ـ والمفروض أن تكون ـ على النهج الإسلامي الذي يستهدف إذابة الفقر، ومكافحة الحرمان وتطوير الحياة الاقتصادية بحيث تتحقق الفرص المتكافئة لعامة المواطنين، بحيث لا يبقى أي ظل للبؤس والحاجة، ويعيش الجميع حياة يسودها الرخاء والرفاه.
وكان أهم ما يعني به الإسلام إلزام الولاة بالاحتياط في أموال الدولة فلم يجز لهم بأي حال أن يصطفوا منها لأنفسهم شيئاً كما لم يجز لهم أن ينفقوا أيّ شيء منها لتوطيد حكمهم ودعم سلطانهم. الطابع العام لهذه السياسة المساواة بين المسلمين في العطاء فليس لرئيس الدولة أن يميز قوماً على آخرين فإن ذلك يخلق الطبقية، ويوجد الأزمات الحادة في الاقتصاد العام، ويعرض المجتمع إلى كثير من الويلات والخطوب، ويقول المؤرخون إن أبا بكر قد ساوى في العطاء بين المسلمين ولم يشذ عما سنه الرسول (صلّى الله عليه وآله) في هذا المجال إلا أن بعض البوادر التي ذكرت تجافي ذلك فقد وهب لأبي سفيان ما كان في يده من أموال الصدقة كسباً لعواطفه التي تشترى وتباع بالأموال.(٧٤) كما قام بتوزيع شطر من الأموال على المهاجرين والأنصار فبعث إلى امرأة من بني عدي بقسم من المال مع زيد ابن ثابت فأنكرت ذلك وقالت:
ـ ما هذا؟
قسم قسمه أبو بكر للنساء.
أترشونني عن ديني، والله لا أقبل منه شيئاً؟!
وردت المال عليه(٧٥) هذه بعض المؤاخذات التي ذكرها بعض النقاد لسياسته المالية.
ولم يطل سلطان أبي بكر فقد ألمت به الأمراض بعد مضي ما يزيد على سنتين من حكمه وقد صمم على تقليد زميله عمر بن الخطاب شؤون الخلافة إلا أن ذلك لاقى معارضة الكثيرين من الصحابة فقد انبرى إليه طلحة قائلاً:
(ماذا تقول لربك: وقد وليت علينا فظاً غليظاً؟ تفرق منه النفوس وتنفض منه القلوب)(٧٦).
وسكت أبو بكر فاندفع طلحة يوالي إنكاره عليه قائلاً:
(يا خليفة رسول الله، إنا كنا لا نحتمل شراسته، وأنت حي تأخذ على يديه، فكيف يكون حالنا معه، وأنت ميت وهو الخليفة..)(٧٧).
وبادر اكثر المهاجرين والأنصار إلى أبي بكر يعلنون كراهيتهم لخلافة عمر فقد قالوا له: (تراك استخلفت علينا عمر، وقد عرفته وعلمت بوائقه فينا وأنت بين أظهرنا، فكيف إذا وليت عنا، وأنت لاق الله عزّ وجل فسائلك فما أنت قائل؟
فأجابهم أبو بكر: (لئن سألني الله لأقولن استخلفت عليهم خيرهم في نفسي..)(٧٨) وكان الأجدر به فيما يقول المحققون أن يستجيب لعواطف الأكثرية الساحقة من المسلمين فلا يولي عليهم أحداً إلا بعد أخذ رضاهم واتفاق الكلمة عليه أو يستشير أهل الحل والعقد عملاً بقاعدة الشورى إلا انه استجاب لعواطفه الخاصة المترعة بالحب لعمر، وقد طلب من معقيب الدوسي أن يخبره عن رأي المسلمين في ذلك فقال له:
(ما يقول الناس في استخلافي عمر؟)
(كرهه قوم ورضيه آخرون.)
(الذين كرهوه أكثر أم الذين رضوه؟)
(بل الذين كرهوه)(٧٩).
ومع علمه بأن أكثرية الشعب كانت ناقمة عليه في هذا الأمر فكيف فرضه عليهم، ولم يمنحهم الحرية في انتخاب من شاءوا لرئاسة الحكم.
وعلى أي حال فقد لازم عمر أبا بكر في مرضه لا يفارقه خوفاً من التأثير عليه، وكان يعزز مقالته ورأيه في انتخابه له قائلاً:
(أيها الناس، اسمعوا وأطيعوا قول خليفة رسول الله (صلّى الله عليه وآله))(٨٠)، وطلب الله أبو بكر من عثمان بن عفان أن يكتب للناس عهده في عمر، وكتب عثمان ما أملاه عليه، وهذا نصه:
(هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة، آخر عهده في الدنيا نازحاً عنها. وأول عهده بالآخرة داخلاً فيها، إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فإن تروه عدل فيكم فذلك ظني به، ورجائي فيه، وإن بدل وغيّر فالخير أردت ولا أعلم الغيب (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ..)(٨١). ووقع أبو بكر الكتاب فتناوله عمر، وانطلق به يهرول إلى المسجد ليقرأه فانبرى إليه رجل وقد أنكر عليه ما هو فيه قائلاً:
(ما في الكتاب يا أبا حفص؟)
فنفى عمر عليه بما فيه إلا أنه أكد التزامه بما جاء فيه قائلاً: (لا أدري، ولكني أول من سمع وأطاع..).
فرمقه الرجل، وقد علم واقعه قائلاً:
ولكني والله أدري ما فيه، أمرته عام أول، وأمرك العام..)(٨٢) وانبرى عمر إلى الجامع فقرأه على الناس، وبذلك تم له الأمر بسهولة من دون منازع إلا أن ذلك قد ترك أعمق الأسى في نفس الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) فراح بعد سنين يدلي بما انطوت عليه نفسه من الشجون يقول (عليه السلام) في خطبته الشقشقية:
(فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجا أرى تراثي نهبا، حتى ما مضى الأول لسبيله، فأدلى بها إلى فلان (يعني عمر) بعده، ثم تمثل بقول الأعشى:
شتان ما يومي على كورها ويوم حيان أخي جابر
فيا عجباً!! بينما هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته لشدّ ما تشطر أضرعيها..)(٨٣).
وكشفت هذه الكلمات عن مدى أحزانه وآلامه على ضياع حقه الذي تناهبته الرجال، فقد وضعوه في تيم مرة وفي عدي تارة أخرى، وتناسوا جهاده المشرق في نصرة الإسلام، وماله من المكانة القريبة من رسول الله (صلّى الله عليه وآله). وعلى أي حال فقد تناهبت الأمراض جسم أبي بكر، ودفعته إلى النهاية المحتومة التي ينتهي إليها كل إنسان، وقد راح يبدي ندمه وأساه على ما فرط تجاه حبيبة رسول الله وبضعته قائلاً:
(وددت أني لم أكشف بيت فاطمة، ولو انهم أغلقوه على الحرب) كما إنه ودّ لو سأل رسول الله عن ميراث العمة وبنت الأخ، وثقل حاله فدخلت عليه ابنته عائشة تعوده فلما رأته يعالج سكرات الموت أخذت تتمثل بقول الشاعر:

لعمرك ما يغنى الثراء عن الفتى * * * إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر

فغضب أبو بكر وقال لها: ولكن قولي: (وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد)(٨٤).
ولم يلبث قليلاً حتى وافاه الأجل المحتوم، وانبرى صاحب عمر إلى القيام بشؤون جنازته، فغسله، وصلى عليه وواراه في بيت النبي (صلّى الله عليه وآله) وألصق لحده بلحده، ويذهب النقاد الشيعة إلى أن هذا البيت كان من تركة النبي (صلّى الله عليه وآله) فإنه لم يؤثر عنه أنه وهبه لعائشة فلابد أن يكون خاضعاً لقواعد الميراث حسبما تراه العترة الطاهرة في تركة النبي (صلّى الله عليه وآله) وعلى هذا الرأي فلا يحل دفنه فيه إلا بعد الإذن منها، ولا موضوعية لإذن عائشة لأنها إنما ترث من البناء لا من الأرض حسب ما ذكره الفقهاء في ميراث الزوجة وإن كان البيت خاضعاً لعملية التأميم حسبما يرويه أبو بكر عن النبي (صلّى الله عليه وآله) من أن الأنبياء لا يورثون أي شيء من متاع الحياة الدنيا وإنما يورثون الكتاب والحكمة، وما تركوه فهو صدقة لعموم المسلمين، فلابد إذن من إرضاء جماعة المسلمين في دفنه، ولم يتحقق كل ذلك بصورة مؤكدة.
وعلى أي حال فقد انتهت خلافة أبي بكر القصيرة الأمد، وقد حفلت بأحداث رهيبة، وكان من أخطرها فيما يقول المحققون معاملة العترة الطاهرة كأشخاص عاديين قد جرد عنها إطار التقديس والتعظيم الذي أضفاه النبي (صلّى الله عليه وآله) عليها، وقد مُنيت بكثير من الضيم والجهد، فقد كانت ترى أنها أحق بمقام النبي (صلّى الله عليه وآله) وأولى بمكانته من غيرها، وقد أدى نزاعها مع أبي بكر إلى شيوع الاختلاف وإذاعة الفتنة والفرقة بين المسلمين، كما أدى إلى إمعان الحكومات التي تلت حكومة الخلفاء إلى ظلمهم واستعمال البطش والقسوة معهم، ولعل أقسى ما عانوه من الكوارث هي فاجعة كربلاء التي لم ترع فيها أي حق لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) في عترته وأبنائه.
ومهد أبو بكر الخلافة من عبده إلى عمر فتولاها بسهولة ويسر من غير أن يلاقي أي جهد أو عناء وقد قبض على الحكم بيد من حديد، فساس البلاد بشدة وعنف بالغين حتى تحاشى لقاءه أكابر الصحابة فإن درته ـ كما يقولون ـ كانت أهيب من سيف الحجاج حتى أن ابن عباس مع ماله من المكانة المرموقة والصلات الوثيقة به لم يستطع أن يجاهر برأيه في حلية المتعة إلا بعد وفاته وقد خافه وهابه حتى عياله، وأبنائه، فلم يستطع أي واحد منهم أن يفرض إرادته عليه، ونعرض ـ بإيجاز ـ إلى بعض مناهج سياسته: فقد اتفقت مصادر التاريخ الإسلامي على أن عمر عدل في سياسته عن منهج أبي بكر فلم يساو بين المسلمين في العطاء وإنما ميز بعضهم على بعض وكان قد أشار على أبي بكر في أيام خلافته العدول عن سياسته فلم يقبل وقال: (إن الله لم يفضل أحداً على أحد ولكنه قال: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) ولم يخص قوماً دون آخرين)(٨٥)، ولما أفضت إليه الخلافة عمل بما كان قد أشار به على أبي بكر، وقال: (إن أبا بكر رأى في هذا الحال رأياً ولي فيه رأي آخر لا أجعل من قاتل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كمن قاتل معه) وقد فرض للمهاجرين والأنصار ممن شهد بدراً خمسة آلاف، وفرض لمن كان إسلامه كإسلام أهل بدر ولم يشهد بدراً أربعة آلاف وفرض لأزواج النبي (صلّى الله عليه وآله) اثني عشر ألفاً، إلا صفية وجويرية فقد فرض لهما ستة آلاف فأبتا أن يقيدا بذلك وفرض للعباس عم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) اثني عشر ألفاً، وفرض لأسامة بن زيد أربعة آلاف، وفرض لابنه عبد الله ثلاثة آلاف فأنكر عليه ذلك وقال: (يا أبت لم زدته عليّ ألفا؟ ما كان لأبيه من الفضل ما لم يكن لأبي، وكان له ما لم يكن لي..).
فقال له عمر: (إن أبا أسامة كان أحب إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من أبيك.
وكان أسامة أحب إلى رسول الله منك..)(٨٦).
وقد فضل عمر العرب على العجم، والصريح على المولى(٨٧) وقد أدت هذه السياسة إلى إيجاد الطبقية بين المسلمين، كما استدعت إلى تصنيف الناس بحسب قبائلهم وأصولهم فنشط النسابون لتدوين الأنساب وتصنيف القبائل بحسب أصولها(٨٨) ممّا أدى إلى حنق الموالي على العرب، وكراهيتهم لهم، والتفتيش عن مثالهم، ظهور النعرات الشعوبية والقومية في حين أن الإسلام قد أمات هذه الظاهرة وجعل رابطة الدين أقوى من رابطة النسب، والزم السلطة بالمساواة والعدالة بين الناس على اختلاف قومياتهم وأديانهم حتى لا تحدث ثغرة في صفوف المجتمع.
وقد اثارت هذه السياسة موجة الإنكار عند الكثيرين من المحققين، وفيما يلي بعضهم:
يقول الدكتور عبد الله سلام: (لست أدري كيف اتخذ عمر هذا الإجراء؟ ولماذا اتخذه؟ إنه إجراء أوجد تفاوتاً اجتماعياً واقتصادياً، إجراء أوجد بذور التنافس والتفاضل بين المسلمين)(٨٩).
وممن أنكر هذه السياسة الدكتور محمد مصطفى هدارة يقول: (وفرض العطاء على هذه الصورة قد أثر تأثيراً خطيراً في الحياة الاقتصادية للجماعة الإسلامية إذ خلق شيئاً فشيئاً طبقة أرستقراطية غنية يأتيها رزقها رغداً دون أن تنهض بعمل ما مقابل ما يدخل إليها من أموال. ذلك أن فرض العطاء كان يرتكز على ناحيتين القرابة من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، والسابقة في الإسلام ولهذه القرابة ولتلك السابقة درجات ودرجات، وبهذا لم يرع عمر فرض العطاء ذلك المقابل الذي لا بد أن تأخذه الدولة في صورة عمل وجهاد)(٩٠).
وأنكر ذلك الشيخ العلائلي بقوله: (هذا التنظيم المالي أوجد تمايزاً كبيراً، وأقام المجتمع العربي على قاعدة الطبقات بعد أن كانوا سوءا في نظر القانون (الشرعية) فقد أوجد أرستقراطية وشعباً وعامة)(٩١).
هؤلاء بعض الناقدين للسياسة المالية التي أنتهجها عمر، وهي حسب مقررات الاقتصاد الإسلامي لا تحمل أي طابع من التوازن الاقتصادي فقد خلقت الرأسمالية عند عدد من الصحابة وتضخمت الأموال الهائلة عندهم ممّا أوجب تغيير الحياة الإسلامية، وسيطرة الرأسماليين على سياسة الدولة. وتسخير أجهزتها لمصالحهم، وقيامهم بدور المعارضة لكل حركة إصلاحية أو سياسية عادلة في البلاد، وقد اشتدت تلك الزمرة في معارضة حكومة عليّ (عليه السلام) وزجت بجميع ما تملك من الوسائل الاقتصادية وغيرها لإسقاط حكمه لأن سياسته العادلة كانت تهدف إلى منعهم من الامتيازات ومصادرة ثرواتهم التي ابتزوها بغير حق.
وجهد عمر على فرض سلطانه بالقوة والعنف، فخافه القريب والبعيد وبلغ من عظيم خوفهم أن امرأة جاءت تسأله عن أمر، وكانت حاملاً، ولشدة خوفها منه أجهضت حملها(٩٢) وكان شديداً بالغ الشدة، خصوصاً مع من كان يعتد بنفسه، يقول الرواة، إنه كان يقسم مالاً بين المسلمين ذات يوم، وقد ازدحم الناس عليه فأقبل سعد بن أبي وقاص، وبلاؤه معروف في فتح فارس، فزاحم الناس حتى خلص إلى عمر، فلما رأى اعتداده بنفسه علاه بالدرة، وقال: (لم تهب سلطان الله في الأرض، فأردت أن أعلمك أن سلطان الله لا يهابك)، وقصته مع جبلة تدل على مدى صرامته وشدته، فقد أسلم جبلة وأسلم من كان معه، وفرح المسلمون بذلك، وحضر جبلة الموسم، وبينما يطوف حول البيت إذ وطأ إزاره رجل من فزاره فحله فأنف جبلة وسارع إلى الفزاري فلطمه، فبلغ ذلك عمر فاستدعى الفزاري وأمر جبلة أن يقيده من نفسه أو يرضيه، وضيق عليه في ذلك غاية التضييق، فارتد جبلة وخرج عن الإسلام وولى إلى هرقل فاحتفى به وأضفى عليه النعم، إلا أن جبلة كان يبكي أمر البكاء على ما فاته من شرف الإسلام وقد أعرب عن حزنه واساه بقوله:

تنصرت الأشراف من أجل لطمة * * * وما كان فيها لو صبرت لها ضرر
تكنفني منها لجاج ونخوة * * * وبعث لها العين الصحيحة بالعور
فيا ليت أمي لم تلدني وليتني * * * رجعت إلى القول الذي قال لي عمر
ويا ليتني أرعى المخاض بقفره * * * وكنت أسيراً في ربيعة أو مضر

وقد أراد عمر أن يقوده بأول بادرة تبدو منه ببرة(٩٣) محاولاً بذلك إذلاله ويحدثنا ابن أبي الحديد عن شدة عمر مع أهله فيقول: كان إذا غضب على واحد منهم لا يسكن غضبه حتى يعض على يده عضاً شديداً فيدميها)(٩٤).
وعرض عثمان إلى شدة عمر حينما نقم عليه المسلمون، واشتدوا في معارضته فأخذ يذكرهم بغلظته وقسوته لعلهم ينتهون عنه قائلاً: (لقد وطئكم ابن الخطاب برجله، وضربكم بيده، وقمعكم بلسانه فخفتموه ورضيتم به...)(٩٥).
ووصف الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد حفنة من السنين سياسة عمر ومدى محنة الناس فيها بقوله:
(فصيرها ـ يعني أبا بكر في توليته لعمر ـ في حوزة خشناء يغلظ كلمها، ويخشن مسها، ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة إن اشنق لها خرم، وإن أسلس لها تقحم، فمني الناس لعمر الله بخبط وشماس وتلون واعتراض..)(٩٦).
وتتجافى هذه السياسة عن سيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله) وسياسته، فقد سار بين الناس بالرفق واللين، وساسهم بالرأفة والرحمة، وكان لهم كالأب الرؤوف، وكان يشجب جميع مظاهر الرعب التي تبدو ومن بعض الناس تجاهه فقد جاءه رجل، وقد أخذته الرهبة منه، فنهره (صلّى الله عليه وآله) وقال له: (إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد) وقد سار (صلّى الله عليه وآله) بين أصحابه سيرة الصديق مع صديقه والأخ مع أخيه من دون أن يشعرهم بأن له أية مزية أو تفوق عليهم، وقد مدح الله تعالى معالي أخلاقه بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ).
ويقول المؤرخون: إن عمر فرض الحصار على صحابة الرسول، ولم يسمح لهم بمغادرة يثرب، فكانوا لا يخرجون إلا بإذن خاص منه، وقد خالف بهذا الإجراء ما آثر عن الإسلام في منحه الحريات العامة للناس جميعاً، فقد منحهم حرية الرأي والقول، وحرية العقيدة، وحرية العمل وجعلها من الحقوق الذاتية للإنسان، وألزم الدولة بحمايتها، ورعايتها وتوفيرها وليس للسلطة أن تقف موقفاً معاكساً أو مجافياً لها، شريطة أن لا يستغلها الإنسان في الإضرار بالغير أو يحدث فساداً في الأرض.
وسلك عمر ما سلكه أبو بكر في إبعاد الأسرة الهاشمية عن جهاز الحكم، فلم يجعل لها أي نصيب فيه، وإنما عهد إلى من ولاهم أبو بكر، فأقرهم في مناصبهم، ومن الغريب أنه لم يعين أي واحد من الصحابة النابهين أمثال طلحة والزبير، وقد قيل له: إنك استعملت يزيد بن أبي سفيان وسعيد بن العاص، وفلاناً وفلاناً من المؤلفة قلوبهم من الطلقاء وأبناء الطلقاء، وتركت أن تستعمل عليّاً والعباس والزبير وطلحة؟!! فقال: أما علي فأنبه من ذلك، وأما هؤلاء النفر من قريش، فإني أخاف أن ينشروا في البلاد فيكثروا فيها الفساد، وعلق ابن أبي الحديد على كلامه هذا بقوله:
(فمن يخاف من تأميرهم لئلا يطمعوا في الملك، ويدعيه كل واحد منهم لنفسه كيف لم يخف من جعلهم ستة متساويين في الشورى، مرشحين للخلافة! وهل شيء أقرب إلى الفساد من هذا..)(٩٧).
اعتزال الإمام:
ولم يختلف المؤرخون في أن الإمام علي (عليه السلام) قد انطوت نفسه على حزن عميق وأسى شديد على ضياع حقه، وسلب تراثه، فقد جهد القوم على الغض من شأنه، ومعاملته كشخص عادي غير حافلين بمواهبه، ومواقفه ومكانته من النبي (صلّى الله عليه وآله) فكان في معزل عنهم، لا يشاركهم في أي أمر من أمور الملك والسلطان، ولا يشاركونه فيها، وأعرض عنهم وأعرضوا عنه، حتى ألصق خده بالتراب، كما يقول المؤرخون، يقول محمد بن سليمان في أجوبته عن أسئلة جعفر بن مكي عما دار بين علي وعثمان قال: (إن عليّاً دحضه الأولان ـ يعني الشيخين ـ وأسقطاه، وكسرا ناموسه بين الناس، فصار نسياً نسياً)(٩٨).
ويعزوا الإمام (عليه السلام) في حديث له مع عبد الله بن عمر إلى أبيه جميع ما لاقاه من النكبات التي منها تقدم عثمان عليه(٩٩).
وعلى أي حال فإن الإمام (عليه السلام) قد اعتزل عن الناس في عهد عمر كما اعتزلهم في عهد أبي بكر، فصار جليس بيته يساور الهموم، ويسامر النجوم، ويتوسد الأرق ويفترش الأرق، ويتجرع الغصص، قد كظم غيظه فلم يتصل بأحد إلا بخلّص أصحابه الذين عرفوا واقعه، ومكانته كعمار ابن ياسر، وأبي ذر، والمقداد، وقد عكف على جمع القرآن وكتابته والإمعان في آياته.
وأجمع المؤرخون على أن عمر كان يرجع إليه في مهام المسائل التي يسأل عنها، والإمام لم يضن عليه بالجواب، إظهاراً لأحكام الله التي يجب على العلماء إذاعتها بين الناس.. وكان عمر يذيع فضل الإمام (عليه السلام) ويقول: (لولا علي لهلك عمر).
والشيء المحقق أن عمر كان في أكثر المسائل الفقهية إذا سئل عنها لم يهتد لجوابها وإنما يفزع إلى الإمام (عليه السلام) والى سائر الصحابة، وقد اشتهرت كلمته (كل الناس أفقه من عمر حتى ربات الحجال) وقال: (كل الناس أفقه من عمر حتى المخدرات في البيوت) وقد دلّ المحقق الأميني على ذلك بما لا مزيد عليه(١٠٠).
ويروي التاريخ كثيراً من الحوادث المستعصية التي واجهت الخلفاء، والتي لم تجد لها معالجاً سوى الإمام علي (عليه السلام).
إذن كان دور الإمام علي (عليه السلام) في تلك الفترة، وهو حماية الدعوة من كل أشكال الانحراف والأخطار التي أخذت تهدد وجودها وهيمنتها، فشارك الخلفاء في تحمل المسؤولية، فكان المستشار والمرشد والقاضي والمشرّع... كان الإمام علي (عليه السلام) يردد دائماً: (والله لأسالمنّ ما سلمت أمور المسلمين ولو لم يكن جورٌ إلا عليّ خاصة).
واستمر أيضاً في احتضان الإسلام وتدعيم وحدة المسلمين، حتى اغتيل عمر بن الخطاب على يد أبي لؤلؤة بعد عشر سنوات من ولايته، وسارع عمر قبل وفاته إلى وضع أمر الخلافة بين ستة من الصحابة يختارون واحداً منهم، وهم علي (عليه السلام) وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص على أن يكون عبد الرحمن هو الحكم (وكان عبد الرحمن صهراً لعثمان) واجتمع الستة، وبعد التداول: وهب طلحة حقه لعثمان، والزبير لعلي، وسعد لعبد الرحمن ثم تنازل عبد الرحمن عن حقه لمن يقبل (علي أو عثمان) البيعة على سنّة الله ورسوله ورأي الشيخين فقبل عثمان، ورفض عليٌّ قائلاً: (أبايع على سنّة الله ورسوله واجتهاد رأي..).
إن مصدر التشريع في الإسلام إنما هو كتاب الله وسنة نبيه، فعلى ضوئهما تعالج مشاكل الرعيّة، ويسير نظام الدولة، وليس فعل أبي بكر وعمر من مصادر التشريع الإسلامي، على أنهما اختلفا أشد الاختلاف في النظم السياسية، فقد انتهج أبو بكر في سياسته المالية منهجاً أقرب إلى المساواة من سياسة عمر، فإنه ألغى المساواة في العطاء، وأوجد نظام الطبقية، فقدم بعض المسلمين على بعض، وشرع حرمة المتعتين متعة الحج ومتعة النساء في حين أنهما كانتا مشروعتين في عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأبي بكر، وكانت له آراؤه الخاصة في كثير من المجالات التشريعية.
فعلى أي المنهجين يسير ابن أبي طالب ربيب الوحي ورائد العدالة الاجتماعية في الإسلام.
إن ابن عوف يعلم علماً جازماً لا يخامره أدنى شك أن الإمام لو تقلد زمام الحكم لطبق شريعة الله في الأرض، وساس المسلمين سياسة قوامها العدل الخالص، والحق المحض، ولم يمنح الأسر القرشية أي جهة من الامتياز وساوى بينها وبين غيرها في جميع الحقوق والواجبات، فتفوت بذلك مصالح هذه الطبقة التي جنت على الإسلام، وجرت للمسلمين أعظم الويلات والخطوب.
إن الإمام لو وافق على الالتزام بما شرط عليه ابن عوف لما أمكنه أن يطبق أي منهج من مناهج سياسته الهادفة إلى نشر العدل بين الناس، ومن المقطوع به أن الإمام حتى لو التزم بهذا الشرط ظاهراً لحالت قريش بينه وبين تطبيق أهدافه، ولم تدع له أي مجال لتحقيق العدالة الاجتماعية، ويكون خروجها عليه مشروعاً لأنه لم يف لها بوعده.
وعلى أي حال فإنّ عبد الرحمن لما يئس من تغيير اتجاه الإمام انبرى إلى عثمان فشرط عليه ذلك فسارع إلى إجابته، وأظهر استعداده الكامل لكل ما شرطه عليه وفيما أحسب أن هناك اتفاقاً سرياً بينهما أحيط بكثير من الكتمان فإنه بأي حال لا ينتخب الإمام وإن أجابه إلى ما شرط عليه. وإنما طلب منه البيعة لأجل التغطية على مخططاته فاستعمل هذه المناورة السياسية، ويرى بعض المؤرخين من الإفرنج أن عبد الرحمن استعمل طريقة المداورة والانتهازية، ولم يترك الانتخاب يجري حراً. يقول المؤرخون: إن عبد الرحمن بادر إلى عثمان فصفق بكفه على يده وقال له:
(اللّهم إني قد جعلت ما في رقبتي من ذاك في رقبة عثمان..). ووقعت هذه المبادرة كصاعقة على القوى الخيرة التي جهدت على أن يسود حكم الله بين المسلمين، وانطلق الإمام صوب ابن عوف فخاطبه قائلاً:
(والله ما فعلتها إلا لأنك رجوت منه ما رجا صاحبكما من صاحبه دق الله بينكما عطر منشم..)(١٠١).
وألقى الإمام الأضواء على اختيار عبد الرحمن لعثمان من أنه لم يكن من صالح الأمة وإنما كان وليد الأطماع والأهواء السياسية فقد رجا ابن عوف أن يكون خليفة من بعد عثمان، واتجه الإمام صوب القرشيين فقال لهم:
(ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا فصبر جميل والله المستعان على ما تصنعون).
ولذع منطق الإمام ابن عوف فراح يهدده (يا علي لا تجعل على نفسك سبيلاً)(١٠٢) وغادر الإمام المظلوم المهتضم قاعة الاجتماع، وهو يقول: (سيبلغ الكتاب أجله ـ إذن عارض ـ الإمام (عليه السلام) نتائج المسرحية، ولما لم تكن الظروف ملائمة للتحرك السلبي، إذ لا يزال الخطر يحدق بالإسلام، سكت عن حقه، مكتفياً بتسجيل موقفه المبدئي بقوله: (إن لنا حقّاً إن نعطه أخذناه، وإن نُمنعه نركب أعجاز الإبل).
ولم تتغير سياسة الإمام علي (عليه السلام) في التوجيه والنصح والتقويم كما كانت في السابق، ولكن الأوضاع الآن قد ساءت إلى حدّ كان يُنذر بالثورة لأن عثمان كان ضعيف الإرادة خائر العزيمة، فلم تكن له أية شخصية قوية متماسكة يستطيع بها أن يفرض آراءه وإرادته، كما لم تكن له أية قدرة على مواجهة الأحداث والتغلب عليها، قد أخذ الأمويون بزمامه، واستولوا على جميع مقدرات حكومته، لم يستطع أن يقف موقفاً إيجابياً يتسم بالصلابة ضد رغباتهم، وأهوائهم، فكان بالنسبة إليهم ـ فيما يقول بعض المؤرخين ـ كالميت في يد الغاسل، وكان الذي يدير شؤون دولته مروان بن الحكم، فهو الذي يعطي ما يشاء ويمنع من يشاء ويتصرف في مقدرات الأمة حسب ميوله من دون أن يعنى بأحكام الإسلام، ولا رأي لعثمان، ولا اختيار له في جميع الأحداث التي تواجه حكومته، فقد وثق بمروان واعتمد عليه، وأناط به جميع شؤون الدولة، يقول ابن أبي الحديد نقلاً عن بعض مشايخه: إن الخليفة في الحقيقة والواقع إنما كان مروان وعثمان له اسم الخلافة. إن قوة الإرادة لها الأثر التام في تكوين الشخصية واستقامتها، فهي تكسب الشخص قوة ذاتية يستطيع أن يقف بحزم أمام التيارات والأعاصير التي تواجهه في هذه الحياة، ومن المستحيل أن يحقق الشخص أي هدف لأمته ووطنه من دون أن تتوفر فيه هذه النزعة، وقد منع الإسلام منعاً باتاً أن يتولى ضعيف الإرادة قيادة الأمة، وخطر عليه مزاولة الحكم لأنه يعرض البلاد للويلات والخطوب، ويغري ذوي القوة بالتمرد والخروج من الطاعة وتمنى الأمة بالأزمات والأخطار. ووصفه بعض المؤرخين بالرافة والرقة واللين والتسامح إلا أن ذلك كان مع أسرته وذويه أما مع الجبهة المعارضة لحكومته فقد كان شديد القسوة، فقد بالغ في إرهاقهم واضطهادهم، وقابلهم بمزيد من العسف والعنف، فنفى الصحابي أبا ذر الغفاري (رضي الله عنه) من يثرب إلى الربذة، وفرض عليه الإقامة الجبرية في مكان انعدمت فيه جميع وسائل الحياة، حتى مات طريداً غريباً، ونكل بالصحابي العظيم عمار بن ياسر فأمر بضربه حتى أصابه فتق، وألقته شرطته في الطريق مغمى عليه، وأوعز إلى شرطته. بضرب القارئ الكبير عبد الله بن مسعود فألهبت جسمه سياطهم وألقوه في الطريق بعد أن هشموا بعض أضلاعه، وحرم عليه عطاءه، وهكذا اشتد في القسوة مع أعلام المعارضة.
نعم كان شديد الرأفة والرقة بأرحامه من بني أمية وآل أبي معيط فمنحهم خيرات البلاد وحملهم على رقاب الناس، وأسند إليهم جميع المناصب الحساسة في الدولة.
وظاهرة أخرى من نزعات عثمان هو انه كان شديد القبلية فقد أترعت نفسه بالعواطف الجياشة تجاه قبيلته، حتى تمنى أن تكون مفاتيح الفردوس بيده ليهبها لبني أمية، وقد آثرهم بالفيء، ومنحهم الثراء العريض، ووهبهم الملايين من أموال الدولة، وجعلهم ولاة على الأقطار والأقاليم الإسلامية وكانت تتواتر لديه الأخبار بأنهم جانبوا الحق وظلموا الرعيّة، وأشاعوا الفساد في الأرض فلم يعن بذلك ولم يفتح معهم أي لون من ألوان التحقيق ورد الشكاوى الموجهة ضدهم...
وكان معروفاً عن عثمان بأنه كان يميل إلى الترف والبذخ ولم يعن ببساطة العيش والزهد في الدنيا كما كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ففتن بالبذخ والترف فاتخذ القصور، واصطفى لنفسه ما شاء من بيت المال وأحاط نفسه بالثراء العريض من دون أن يتحرج في ذلك، ووصفه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: (نافجاً حضنيه بين نثيله ومعتلفه) وكان ذلك من موجبات النقمة عليه. هذه بعض نزعات عثمان، وقد أوجبت إخفاقه وفشله في الميادين السياسية، وإذاعة التذمر والنقمة عليه.
إزاء هذا الوضع المتردي عمل الإمام علي (عليه السلام) باتجاهين:
١ـ النصح لعثمان وتحذيره من سياسة ولاته وأقاربه.
٢ـ تهدئة المعارضة كي تتخلى عن العنف إلى اللين والمرونة.
واجتمع الإمام (عليه السلام) بعثمان مرات عديدة، وفي كل مرة كان ينصحه: ليكفّ أيدي الولاة المنحرفين، ويقيم العدل ويحقق المساواة، وبالتالي يحذره من العواقب الوخيمة المنتظرة... ولكن كل ذلك لم يجد أذناً صاغية، فبقيت الأمور على حالها. عندها، وفي المرة الأخيرة، ودع الإمام (عليه السلام) عثمان قائلاً: (ما يريد عثمان أن ينصحه أحد.. اتخذ بطانة غش، ليس منهم أحد إلا وقد تسيب بطائفة من الأرض يأكل خراجها ويستذل أهلها).
ولما لم تجد النصائح والأصوات المعارضة.. تفجرة الثورة. وأحاط الثائرون ببيت عثمان، وعلم عثمان أن لا ملجأ له إلا الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فاستغاث به، وطلب منه أن يدعو القوم إلى كتاب الله وسنة نبيه، فأجابه إلى ذلك بعد أن أخذ منه المواثيق على الوفاء بعهده، ومضى الإمام إلى الثوار وهو يحمل الضمان لجميع مطالبهم..
ولكن عثمان نقض ما قطعه على نفسه، ولم يف للمسلمين بما عاهدهم عليه ويقول المؤرخون إن السبب في ذلك أن مروان الذي كان مستشاراً له ووزيراً، قد دخل عليه فلامه على ما صنع قائلاً:
(تكلم واعلم الناس أن أهل مصر(١٠٣) قد رجعوا، وإن ما بلغهم عن إمامهم كان باطلاً، فإن خطبتك تسير في البلاد، قبل أن يتحلب الناس عليك من أمصارهم فيأتيك من لا يستطيع دفعه..) وامتنع عثمان عن إجابته لأنه دعاه لأن يناقض نفسه، وأن يقول غير الحق ولكنه ما زال به يحذره مغبة ما صنع، ويخوفه عاقبة الأمور، ولم تكن لعثمان إرادة صلبة، ولا عزم ثابت، فكان ألعوبة بيد مروان فاستجاب له، واعتلى المنبر فخاطب الناس قائلاً:
(أما بعد: إن هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغهم عن إمامهم أمر فلما تيقنوا انه باطل ما بلغهم رجعوا إلى بلادهم..) وانبرى المسلمون إلى الإنكار عليه، وناداه عمرو بن العاص: (اتق الله يا عثمان، فإنك قد ركبت نهابير(١٠٤) وركبناها معك فتب إلى الله نتب معك).
فصاح به عثمان: (وإنك هنا يا ابن النابغة؟ قملت والله جبتك منذ تركتك من العمل؟) وارتفعت أصوات الإنكار من جميع جنبات الحفل وهي ذات لهجة واحدة. (اتق الله يا عثمان) (اتق الله يا عثمان). وانهارت أعصابه، وتحطمت قواه فحار في الجواب، ولم يجد بُداً من أن يعلن التوبة مرة أخرى عما اقترفه، ونزل عن المنبر، وهو خائر القوى، ومضى إلى منزله(١٠٥).
ولما تبين للثوار أنه لم يقلع عن سياسته، وإنه جاد في سيرته لا يغير منها ولا يبدل أحاطوا به، وطالبوه بالاستقالة من منصبه فلم يستجب لهم ورأى أن يستنجد بمعاوية(١٠٦) ليبعث له قوة عسكرية تحميه من الثوار، وقد كتب إليه هذه الرسالة:
(أما بعد: فإن أهل المدينة قد كفروا، وخلعوا الطاعة، ونكثوا البيعة فابعث إليّ من قبلك مقاتلة أهل الشام على صعب وذلول)(١٠٧)، وحمل الكتاب مسور بن مخرمة، لما قرأه معاوية قال له مسور: (يا معاوية: إن عثمان مقتول فانظر فيما كتب به إليك..). وصارحه معاوية بالواقع وبما انطوت عليه نيته قائلاً: (يا مسور: إني مصرح أن عثمان بدأ بما يحب الله ورسوله ويرضاه ثم غيّر فغير الله عليه، أفيتهيأ لي أن أرد ما غير الله عز وجل)(١٠٨) ولم يستجب معاوية له، وكان فيما يقول المؤرخون: يترقب مصرعه ليتخذ من دمه وسيلة للظفر بالملك والسلطان، وقد تنكر لألطافه واياديه عليه وعلى أسرته، يقول الدكتور محمد طاهر درويش:
(وإذا كان هناك وزر في قتل عثمان فوزره على معاوية، ودمه في عنقه، ومسؤوليته عن ذلك لا تدفع، فهو أولى الناس به، وأعظم الرجال شأناً في دولته، وقد دعاه فيمن دعا، يستشيره في هذا الأمر وهو داهية الدهاة فما نهض إليه برأيه، ولا دافع عنه بجنده، وكأنه قد استطال ـ كما استطال غيره ـ حياته فترك الأيام ترسم بيدها مصيره، وتحدد نهايته فإذا جاز لأحد أن يظن بعليّ أو بطلحة والزبير وغيرهم تقصيراً في حق عثمان فمعاوية هو المقصر، وإذا جاز أن يُلام أحد غير عثمان فيما جرى فمعاوية هو الملوم..)(١٠٩).
وعلى أي حال فإن معاوية لما أبطأ عن إجابته، بعث عثمان رسالة إلى يزيد بن كرز والي أهل الشام يستحثهم على القدوم إليه لإنقاذه من الثوار ولما انتهى إليهم كتابه نفروا إلى إجابته تحت قيادة يزيد القسري إلا أن معاوية أمره بالإقامة بذي (خشب) وأن لا يتجاوزه فأقام الجيش هناك حتى قتل عثمان.
وكتب عثمان رسائل أخرى إلى أهل الأمصار والى من حضر الموسم في مكة يطلب منهم القيام بنجدته إلا أنهم لم يستجيبوا له لعلمهم بالأحداث التي ارتكبها.
وأحاط به الثوار فمنعوا عنه الماء والطعام، وحاصروه، وهو مصر على سياسته لم يقلع عنها، وقد أترعت النفوس بالحقد والكراهية له، وقد جنى هو على نفسه لإطاعته لمروان، وانصياعه لرغبات بني أمية، وألقي عثمان جثة هامدة على الأرض، لم يسمح الثوار بمواراته، وقال الصفدي: إنهم ألقوه على المزبلة ثلاث أيام(١١٠)، مبالغة في تحقيره وتوهينه وتكلم بعض خواصه مع الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) ليتوسط في شأنه مع الثوار في دفنه، فكلمهم الإمام فأذنوا في دفنه(١١١). ودفنوه في حش كوكب(١١٢) ولم يرضى الأنصار دفنه في مقابر المسلمين(١١٣) وعلى أي حال فقد كانت الثورة على عثمان ثورة اجتماعية لا تقل شأناً عن أنبل الثورات الإصلاحية التي عرفها التاريخ فقد كانت تهدف إلى الحد من سلطة الحاكمين، ومنعهم من الاستبداد بشؤون الناس، وإعادة الحياة الإسلامية إلى مجراها الطبيعي.
حكومة الإمام علي (عليه السلام):
بعد مقتل عثمان، توجهت أنظار الثوار إلى الإمام علي يطلبون منه أن يلي الحكم، خاصة بعد تدهور مجمل أوضاع المسلمين وبدأوا يفكرون بصورة جدّية في اختيار القيادة الإسلامية الشرعية القادرة على إدارة شؤون الدولة الإسلامية والتي أوصى بها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وجاء إجماع المسلمين على انتخاب الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في ولاة الأمة.
ومع أن هذا الإجماع جاء متأخراً ربع قرن حينما تغافلت جماهير الأمة أحاديث ووصايا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في حق علي (عليه السلام) في ولاية أمور المسلمين.
وجاء الناس بعد مقتل عثمان إلى الإمام (عليه السلام) وقد اجتمعوا من كل مصر ليبايعوا الإمام علي (عليه السلام) وكان الإمام (عليه السلام) يتهرب منهم، وهم يتعقبونه ويصرّون عليه بقبول البيعة، واستمرت الحالة بين رفض الإمام (عليه السلام) وإصرار الجماهير لعدة أيام.
فالإمام (عليه السلام) كان يدرك نتيجة لوعيه العميق للظروف الاجتماعية والنفسية التي كانت تجتاح المجتمع الإسلامي في ذلك الحين، ولأن المدّ الثوري الذي انتهى بالأمور إلى ما انتهت إليه بالنسبة إلى عثمان يقتضي عملاً ثورياً يتناول دعائم المجتمع الإسلامي من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية(١١٤).
ومن هنا كان رفض الإمام (عليه السلام) وامتناعه عن الاستجابة الفورية لضغط الجماهير والصحابة عليه بقبوله الخلافة، فقد أراد أن يضعهم أمام اختبار يكتشف به مدى استعدادهم لتحمل أسلوب الثورة في العمل لئلا يروا فيما بعد أنه استغفلهم واستغل اندفاعهم الثوري حين يكتشفون صعوبة الشروط التي يجب أن يناضلوا الفساد الذي ثاروا عليه في ظلها)(١١٥).
ولهذا أجابهم الإمام (عليه السلام) بقوله: (دعوني والتمسوا غيري، فإنا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول، وإن الآفاق قد أغامت والمحجة قد تنكرت واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغ إلى قول القائل، وعتب عاتب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أمير)(١١٦).
ولم يجد الإمام (عليه السلام) بداً ـ بعد انثيال الناس لمبايعته خليفة على المسلمين، فاستجاب لرغبة الناس وقبل الخلافة دونما إرادة منه.. وقد صوّر الإمام (عليه السلام) تدافع الناس وهم يلتمسون منه القبول في تحمل مسؤولية الإنقاذ فيقول (عليه السلام): (فما راعني إلا والناس كعرف الضبع إليّ، ينثالون عليّ من كل جانب حتى لقد وُطئ الحسنان، وشُقّ عطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم..) ولكنه (عليه السلام)، يذكر في نهاية خطبته جملة بعنوان اتمام الحجة، فيقول: (واعلموا إني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم): أي إذا استلمت زمام الخلافة فإني سوف أقودكم وفق علمي، واجتهادي، وليس وفق ما تريدونه أنتم.
وكان آخر ما قاله لهم في تلك الخطبة أيضاً؛ (وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً)(١١٧) هذه الكلمات التي صدرت من علي (عليه السلام)، تبين أنه كان يتوقع مشاكل كثيرة، تحدث في عهد خلافته، وهي من التعقيد والغموض بحيث علم بأنه سوف يصعب على الناس في كثير من الأحداث المقبلة، أن يتقبلوا أوامر القيادة الشرعية، ويتفهموها، وكان هذا هو السر في كراهته لقبوله الخلافة، وقد حدث ما توقعه الإمام (عليه السلام) فيما بعد فماذا كانت المشاكل التي واجهها (عليه السلام)؟
مشكلات الإمام علي (عليه السلام):
أذكر فيما يلي بعضاً من هذه المشاكل، بصورة سريعة، ومجملة، لكي أصل إلى مشكلة المشاكل، وكبرى المعضلات التي واجهها علي (عليه السلام)، وهي مشكلة الخوارج(١١٨) فأفصّل الكلام فيها بعض الشيء.
١ـ مشكلة مقتل عثمان (مشكلة النفاق):
إن أولى المشاكل التي وقعت، والتي قال علي (عليه السلام) بشأنها أن هناك مستقبلاً مظلماً ينتظر المسلمين وهي ذيول حادثة مقتل عثمان، حيث استلم علي (عليه السلام) الخلافة، في وضع غير عادي، فقد قتل الثوار الغاضبون، الخليفة السابق، ولم يسمحوا حتى بدفنه(١١٩)، ثم انضم الثوار إلى صف علي (عليه السلام)، فماذا كان رأي بقية المسلمين؟
بالطبع لم يكن عامة الناس يفكرون كما يفكر الثوار...
كما أن عليا (عليه السلام) نفسه، لم يكن تفكيره ينسجم، لا مع الثوار ولا مع مخالفيهم ولا مع عامة الناس...
فكانت النتيجة أن نفذ الثوار تهديدهم، دون أن يكون لعلي يد في ذلك(١٢٠). إن عليا (عليه السلام)، كان يعلم أن مقتل عثمان سوف يصبح مسألة توجب إثارة الفتنة(١٢١)، خصوصاً عند الالتفات إلى نكتة مهمة كشف عنها مؤخراً علماء الاجتماع، والمؤرخون المحققون الذين طالعوا تاريخ الإسلام بدقة وتمعن، ونلاحظ أن نهج البلاغة ـ أيضاً ـ قد أشار إلى هذه المسألة، وهي أن بعض المؤيدين لعثمان كان لهم ـ أيضاً ـ يد في قتله(١٢٢)، فكانوا يريدون أن يقتل عثمان لكي تقوم فتنة في عالم الإسلام، فيصطادون صيدهم في المياه العكرة.
وكان لمعاوية على الخصوص يد قوية في مقتل عثمان، فعمل في الخفاء على أن تستعر نار هذه الفتنة، ليستفيد هو بالتالي، من قتل الخليفة في تحقيق أطماعه ومآربه.
وهنا أريد أن أركز على نقطة هامة في هذه المشكلة التي واجهها علي (عليه السلام)، وهي أنه نجد تفاوتاً واضحاً بين مخالفيه، ومخالفي النبي (صلّى الله عليه وآله) في زمانه: فالنبي (صلّى الله عليه وآله) كان يواجه مجموعة من الكفار وعبدة الأوثان، وكانوا يحاربونه تحت شعار الوثنية، فكانوا ينكرون الله والتوحيد علناً، وكان أبو سفيان يصرّ على شعار (اعلُ هبل!)(١٢٣) فسهل على الرسول (صلّى الله عليه وآله) مواجهتهم ومقاومتهم بهذا الشعار الواضح (الله أعلى وأجل).
أما علي (عليه السلام) فكان يواجه طبقة من العلماء المنافقين(١٢٤)، يتظاهرون بالإسلام ولكنهم لم يكونوا في الحقيقة مسلمين، فكانت شعاراتهم شعارات إسلامية: وأهدافهم ضد الإسلام.
وكان معاوية بن أبي سفيان مثل أبيه، يملك الروح السفيانية نفسها، والأهداف الشيطانية ذاتها، ولكن تحت شعار الآية القرآنية: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا)(١٢٥).
صحيح أن هذا الشعار، شعار جميل، ولكن ألاّ يوجد من يسأل معاوية: من هو ولي الدم الشرعي بالنسبة لعثمان؟ إن نسب معاوية لا يتصل بنسب عثمان، إلا بأربعة أظهر صاعدة، أي أنهما يشتركان في الجد الرابع في حين أن عثمان له أولاد وأرحام أقرب إليه من معاوية، فكيف يتخطاهم معاوية جميعاً، وينصب نفسه ولياً للدم؟ ثم ما هي علاقة علي (عليه السلام) بمقتل عثمان؟ ليس لعلي (عليه السلام) أي يد في قتله ولكن شخصاً مخادعاً، مخاتلاً، مثل معاوية، لا يهمه كل ذلك، إنه يريد فقط أن يستغل الحادثة لصالحه، بأي صورة كانت.
وكان معاوية قد أوعز في وقت سابق إلى عيونه وجواسيسه، الذين بثهم حول عثمان، بأن يرسلوا إليه فوراً ثوب الخليفة الملطخ بالدم عندما يسقط صريعاً.
وفعلاً ما إن قتل عثمان، حتى قاموا بتنفيذ الأمر، قبل أن يجف دم القتيل وبعثوا بالثوب الملطخ مع أصابع امرأة عثمان إلى معاوية على جناح السرعة. وما أن استلم معاوية ثوب الخليفة، والأصابع المقطوعة، حتى بدأ يلعب لعبته، فأمر أن تعلق أصابع امرأة عثمان إلى جانب منبره، وشرع في الصباح: (يا أهل الشام، قد كنتم تكذبونني في علي، وقد استبان لكم أمره، والله ما قتل خليفتكم غيره، وهو أمر بقتله، ألّب الناس عليه، وآوى قتلته، وهم جنده وأنصاره وأعوانه...)(١٢٦) وجلس هناك يصرخ ويبكي على الخليفة المظلوم! وظل مدة في الشام على هذا الحال، يقرأ التعازي على روح عثمان، ويستدر دموع الناس عليه، كما يعبئهم للمطالبة بدمه.
فيا ترى، ممن يزعمون أن يطلبوا بدم عثمان؟!
إن مؤامرة معاوية تقضي بأن يطلبوا دم عثمان من علي (عليه السلام)، لأنه بزعمهم شريك للقتلة في دم الخليفة، والدليل على ذلك، أن الثوار الذين هجموا على بيت عثمان، وقتلوه، يقفون الآن في صف علي، ويؤلفون قسماً من جيشه وعساكره!!
هذه هي المشكلة المفتعلة التي اتخذت من قبل أشخاص مغرضين ذريعة لإشعال نار حربين عظيمتين: (الجمل) و(صفين).
٢ـ التشدد في إجراء العدالة:
وهناك مشكلة أخرى واجهها علي (عليه السلام)، تتعلق من جهة بأسلوبه في الحكم، ومن جهة أخرى بالتغيير الذي تعرض له المجتمع الإسلامي إبان خلافة (الثلاثة): وهي أنه (عليه السلام)، كان رجلاً صلباً، لا يلين في تطبيق أحكام الإسلام.
فبعد النبي (صلّى الله عليه وآله)، ولسنوات عديدة، تعود المسلمون شيئاً فشيئاً على مسألة إعطاء الامتيازات للأفراد المقربين من الخليفة، والسلطة الحاكمة، ولكن عليّاً (عليه السلام)، أبدى تصلباً شديداً إزاء هذه المسائل، وكان يقول: (... فإن في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل، فالجور عليه أضيق)(١٢٧)، حتى إن أصحابه جاءوا إليه يوماً وقد عاتبوه على التسوية في العطاء، فقال لهم: (أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه، والله لا أطور به ما سمر سمير)(١٢٨). أي تطلبون مني أن أسعى لتحقيق أهدافي بالظلم، وغمط حقوق الناس؟ كلا لن يكون مني هذا أبداً، وإن طال الزمان.
٣ـ الصراحة والصدق في السياسة:
والمشكلة الثالثة التي واجهها علي (عليه السلام)، في عهد خلافته، هي مسألة صدقه وصراحته في مجال الحكم والسياسة، ولم يستحسن ذلك أيضاً بعض أصحابه، وقالوا في ذلك: إنّ هذا غير معقول، لأن السياسة لا تتطلب هذا القدر من الصراحة والعفوية، ولا بد أن يشوبها شيء من المراوغة، والدّهاء لأن ذلك بمثابة ملح السياسة حتى أن بعضهم قالوا: إنّ عليّاً ليس عنده سياسة أصلاً، على العكس من معاوية الذي هو في نظرهم سياسي داهية، فكان علي (عليه السلام) يقول: (والله ما معاوية بأدهى مني، ولكنه يغدر ويفجر، ولولا كراهية القدر، لكنت من أدهى الناس، ولكن كل غدرة فجرة، وكل فجرة كفرة، ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة)(١٢٩).
فالتقوى هي التي حالت بينه (عليه السلام)، وبين أن يخوض مع الخائضين في المؤامرات والألاعيب السياسية الماكرة، ودفعته إلى الالتزام بالصدق، والاستقامة في كل مجالات الحياة، حتى في السياسة والحكم.
وقد يفهم من العبارة الأخيرة: (ولكل غادر لواء) أن الإمام يقصد تحذير الناس من الانخداع والسير، وراء الحاكم الغادر الفاجر، وإلا حشدوا تحت لوائه يوم القيامة، ويا له من مصير سيئ!
٤ـ الخوارج(١٣٠): مشكلة علي (عليه السلام) الرئيسية:
الخوارج الذين انفصلوا عن خط الإمام علي (عليه السلام) وخرجوا عليه في صفين، وأصبحوا فرقة تدعى بالخوارج(١٣١).
ثم إنهم عملوا ما في وسعهم لإيذاء الإمام والإساءة إليه، ولكن الأمير (عليه السلام) استعمل أقصى حد ممكن من المواراة معهم. ما دام أنهم لم يشهروا السيف، حتى أنه لم يقطع حقوقهم في بيت المال، ولم يقيد حرياتهم. وكانوا يأتون إليه أمام الناس، ويتجاوزون بحضرته إلى حدّ توجيه الإهانات الوقحة، ولكنه (عليه السلام) كان يعتصم بالحلم، ولا يرد عليهم.
فمثلاً بينما كان الإمام (عليه السلام) يوماً على المنبر يخطب، كان أحد هؤلاء يثير الصخب والضجيج ويصدر أصواتاً غير مهذبة.
وفي يوم آخر سأله أحد الناس مسألة، فأجابه بجواب بليغ أثار تعجب الحاضرين واستحسانهم، فارتفعت أصواتهم بالتكبير، ولكن خارجياً كان بينهم فقال: (قاتله الله ما أفقهه!) فأراد أصحاب علي (عليه السلام) أن ينقضوا عليه، فقال لهم الإمام: رويدكم، ماذا تريدون منه؟ إنه سبني ولكم فقط أن تردوا عليه سبابه لا أكثر. اتركوه وشأنه.
وفي يوم ثالث، كان علي (عليه السلام) منشغلاً بالصلاة، والناس يصلون خلفه (طبعاً لم يكن الخوارج يقتدون به، لأنهم سبق أن أفتوا بكفره)، وبينما كان يقرأ الحمد والسورة جاء أحدهم، ويدعى (ابن الكوا) وأخذ يقرأ هذه الآية بصوت عال: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)(١٣٢).
فكان يريد أن يقول: يا عليّ، نحن نقر بأنك أول من دخل في الإسلام، ونعترف بأن لك سوابق عظيمة، وخدمات جليلة للدين، وأنك من المجتهدين في العبادة... ولكن لأنك كفرت، وجعلت لله شريكاً (إشارة إلى مسألة التحكيم) لقد حبط عملك، وليس لك أجر عند الله!!
فماذا كان من علي (عليه السلام)؟ إنه ما إن بدأ الخارجي بتلاوة هذه الآية حتى توقف الإمام (عليه السلام) عن القراءة، عملاً بالآية الكريمة: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا)(١٣٣). ولما انتهى من التلاوة، عاد الإمام إلى قراءته، وهكذا ظل الخارجي يكرر الآية، وفي كل مرة، كان الإمام (عليه السلام) يسكت وينصت، ثم كان يعود ويواصل.
وفي المرة الرابعة: واصل الإمام صلاته، ولم يلتفت، وقرأ هذه الآية، (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ)(١٣٤).
هل اقتنع الخوارج بهذا القدر من الإيذاء؟ كلا، ولو كانوا فعلوا لما كانوا مشكلة كبيرة بالنسبة إلى علي (عليه السلام). ولكننا نراهم أخذوا يتجمعون شيئاً فشيئاً، حول بعضهم، وشكلوا حزباً، بل فرقة إسلامية منشقة (عندما أقول إسلامية، لا أعني أنهم في الواقع جزء من المسلمين، فهم في نظرنا كفار خرجوا عن الدين)(١٣٥)، وابتدعوا مذهباً جديداً في الإسلام، واصطنعوا لمذهبهم أصولاً وفروعاً.
وأخذ أمر الخوارج يستفحل أكثر فأكثر، إلى أن وجد الإمام (عليه السلام) نفسه مضطراً إلى أن يضرب معسكراً في مقابلهم، وكان عددهم قد بلغ حوالي اثني عشر ألفاً، وأصبحوا يشكلون خطراً جدياً، بحيث لا تجوز المهادنة معهم، وإرخاء الحبل لهم، أكثر من ذلك.
وأرسل إليهم ابن عباس مندوباً عنه، يناقشهم ويفاوضهم، ولكنه لم يستطع أن يصنع شيئاً معهم، وعاد خالي الوفاض(١٣٦).
فذهب إليهم أمير المؤمنين (عليه السلام) بنفسه، وكان حديثه معهم مؤثراً، بحيث أن كثيراً منهم ندموا على عملهم، وطلبوا قبول توبتهم، فأمر علي (عليه السلام) بنصب راية أمام معسكره، وأعلن أن كل من يأوي من الخوارج إلى هذه الراية، فهو في أمان. وكان الذين رجعوا، وتجمعوا تحت راية الأمان، ثمانية آلاف رجلاً منهم، أما الأربعة آلاف الباقون، فأصروا على موقفهم، وأعلنوا استحالة رجوعهم عن عقيدتهم.
وعند ذاك شنّ عليهم الإمام بجيشه هجوماً عنيفاً، وأعمل فيهم السيف، برغم كونهم من العابدين والزاهدين، والمصلين الخاشعين، الذين كثرت الثفنات والقروح في أيديهم، وجباههم، من كثرة السجود وظل يضرب منهم الرقاب إلى أن أتى عليهم جميعاً، ولم ينجُ منهم إلا أقل من عشرة أشخاص، بينهم عبد الرحمن بن ملجم.
وهنا لابدّ من وقفة نتأمل فيها هذا الموقف الخطير الذي اتخذه الإمام تجاه هذه الفرقة الضالة، وهل أن اتخاذ مثل هذا الموقف، أمر ميسور لشخص آخر غير الإمام علي (عليه السلام)؟
إن عامة المسلمين آنذاك، وخصوصاً الذين كانوا يقاتلون تحت لواء علي (عليه السلام) كانوا ينظرون إلى أفراد هذه الفرقة على أنهم من المسلمين وإن اختلافهم مع القيادة لا يخرجهم من حظيرة الإسلام، سيما وأنهم أهل عبادة، وزهادة وآثار القداسة بادية على محاياهم، وهم يحرمون على أنفسهم حتى الصغائر ويتعصبون للدين بشكل يصعب على أي أحد ليس عنده بصيرة حادة، وبصر نافذ، أن يحكم عليهم بالكفر، ويجوز قتلهم.
وفي الواقع لا يمكن أن يتجرّأ أحد على قتل أفراد مسلمين متدينين، لا يفارق ذكر الله، وقراءة القرآن، شفاههم، إلا نوعان من الناس:
النوع الأول: أناس لا يعتقدون بالله واليوم الآخر، ولا بالإسلام، مثل جماعة يزيد، الذين قتلوا الحسين (عليه السلام) وأصحابه.
النوع الثاني: أناس يملكون من العلم والبصيرة، ما يتمكنون به من اختراق ستار القداسة والجلالة، ليصلوا إلى الجوهر الخبيث الكافر.
هذا النوع ينحصر في فرد واحد، وهو شخص الإمام علي (عليه السلام).
يقول أمير المؤمنين (عليه السلام)، في نهج البلاغة: (أنا فقأت عين الفتنة، ولم يكن ليجترئ عليه أحد غيري، بعد أن ماج غيهبها، واشتد كلبها...)(١٣٧).
يقول (عليه السلام) بافتخار: أنا الذي وجهت ضربة قاصمة للخوارج، ولم يكن أحد غيري يملك الجرأة على تصفية أولئك المنشقين، وإخماد فتنتهم، وقد تمّ هذا الأمر كما يقول الإمام (عليه السلام): (بعد أن ماج غيهبها، واشتد كلبها..).
والشق الأول من هذه العبارة: يشير فيه إلى ظلمات الشبهات والشكوك التي ترسل أمواجها بين المسلمين لتغمرهم، وتجعل هذا الأمر ملتبساً عليهم، بحيث لا يتمكنون أن يخرجوا من دائرة الحيرة والتردد في أمر هؤلاء.
والشق الثاني: يشير فيه إلى إشعار هذه الفتنة، وقابليتها الكبيرة للانتشار بين المسلمين، باحتكاكهم مع هؤلاء، تماماً مثل انتشار مرض الكلب بين الذين يحتكون مع الكلاب المسعورة.
فكما أن كل من يرى كلباً مسعوراً، يعطي لنفسه الحق بأن يقتله، حتى لا يعض الآخرين ويسعرهم، فإن الإمام (عليه السلام) يقول:
لقد رأيت هؤلاء الكلاب المسعورة، فأدركت خطرهم على الإسلام، والمسلمين حالياً، وعلى مرّ العصور والأجيال، ورأيت أن لا مفر من إعدامهم وإلا فإنهم سرعان ما ينقلون مرضهم إلى غيرهم، ومن ثم يغرقون المجتمع الإسلامي في بحار الحماقة والجهل، والجمود، والتحجر الفكري.
٥ ـ مشكلة الفساد المالي والإداري والحقوقي
تسلّم الإمام (عليه السلام) الحكم في مجتمع ورث الفساد وكانت تنتظره مشاكل معقدة كثيرة على مختلف الأصعدة، فعمل الإمام (عليه السلام) بسياسته الثورية الجديدة التي قرر أن يتبعها من أجل تحقيق الأهداف التي قبل الحكم لأجلها.
وقد تناولت سياسته الثورية ثلاثة ميادين هي:
١ـ الميدان الحقوقي.
٢ـ الميدان المالي.
٣ـ الميدان الإداري.
وقد أثيرت ـ مع الأسف ـ حول سياسة الإمام (عليه السلام) وإصلاحاته الكثير من الشكوك والأحكام المرتجلة(١٣٨).. ففي:
الميدان الحقوقي:
تناولت إصلاحاته في المجال الحقوقي إلغاء مبدأ التفاضل في العطاء، وإعلان مبدأ المساواة الذي يساوي فيه كل المسلمين ويعتبرهم سواء في الحقوق والواجبات.
فجاء قوله (عليه السلام): (الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه)(١٣٩).
الميدان المالي:
وركز من خلاله على نقطتين مهمّتين:
أولاً: الثروات غير المشروعة التي تكونت أيام عثمان.
ثانياً: أسلوب توزيع العطاء التفضيلي.
حتى أن الإمام (عليه السلام) صادر جميع ما أقطعه عثمان من القطائع وما وهبه من الأموال العظيمة لطبقة الأرستقراطيين، وعالنهم بسياسته في توزيع المال بقوله: (أيها الناس إني رجل منكم لي ما لكم وعلي ما عليكم وإني حاملكم على منهج نبيكم ومنفذ فيكم ما أمره، إلا وإن كل قطيعة أقطعها عثمان، وكل مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال، فإن الحق لا يبطله شيء، ولو وجدته قد تزوج به النساء وملك الإماء وفرق في البلدان لرددته، فإن في العدل سعة، ومن ضاق عليه الحق فالجور عليه أضيق)(١٤٠).
ولعل قادة الطبقة الثرية فكرت في مساومة الإمام علي (عليه السلام) على بذل طاعتهم له على أن يغض عما سلف منهم، فأرسلوا إليه الوليد بن عقبة بن أبي معطي، وقال له: (يا أبا الحسن، إنك قد وترتنا جميعاً ونحن أخوتك ونظراؤك من بني عبد مناف، ونحن نبايعك اليوم على أن تضع عنا ما أصبناه من المال أيام عثمان وأن تقتل قتلته وإنا إن خفناك تركناك فالتحقنا بالشام)(١٤١).
أما الإمام علي (عليه السلام) فأكد لهم في خطبة له بكل وضوح على عزمه في مواصلة تطبيق المنهج الذي بدأ به فقال: (فأما هذا الفيء فليس لأحد على أحد فيه أثره، وقد فرغ الله من قسمته فهو مال الله وأنتم عباد الله المسلمون، وهذا كتاب الله به أقررنا وله أسلما، وعهد نبينا بين أظهرنا فمن لم يرض به فليتول كيف شاء(١٤٢).
وأما في الميدان الإداري:
فقد باشر الإمام (عليه السلام) سياسته الإدارية بعملين:
١ـ بعزل ولاة عثمان على الأمصار قائلاً: ولكني آسى أن يلي أمر هذه الأمة سفهاؤها وفجارها، فيتخذوا مال الله دولاً وعباده خولاً، والصالحين حرباً، والفاسقين حزباً، فإن منهم الذي قد شرب فيكم الحرام، وجلد حداً في الإسلام وإن منهم من لم يسلم حتى رضخت له على الإسلام الرضائخ)(١٤٣).
فقد قرب عثمان ممن طردهم الرسول (صلّى الله عليه وآله) أو أقصاهم، لقد رد عمه الحكم ابن أمية إلى المدينة بعد أن طرده الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأصبح يسمى طريد الرسول (صلّى الله عليه وآله) وآوى عبد الله بن سعد بن أبي سرح وكان النبي (صلّى الله عليه وآله) قد أهدر دمه وولاه عثمان مصر كما ولى عبد الله بن عامر البصرة فأحدث فيها من الأحداث ما جعل المؤمنين ينقمون عليه وعلى عثمان(١٤٤).
٢ـ إسناد ولايتها إلى رجال من أهل الدين والفقه والحزم، وذلك لأنه (عليه السلام) وجد أن أكبر عناصر الشكوى، وأهم أجزائها هو الجزء الخاص بالأمراء والولاة فبادر (عليه السلام) إلى تغيير التعيينات القديمة فأصدر أمره بتولية عثمان بن حنيف على البصرة وسهل بن حنيف على الشام وقيس بن سعد بن عبادة على مصر وأبي موسى الأشعري على الكوفة وهي الأمصار الكبرى آنذاك.
وقد كلمه الكثيرون ومنهم المغيرة بن شعبة بشأن ولاة عثمان فأشار عليه بأن يثبت هؤلاء الولاة على أعمالهم، ولكنه أبى عليه ذلك وعزلهم، وهكذا فعل مع طلحة والزبير بشأن ولاية الكوفة والبصرة وردهما رداً رفيقاً ممّا حملهما للضغط على الإمام علي (عليه السلام) والتشكيك بقيادته ونكث بيعتهما له والمجاهرة بمطالبته بدم عثمان، متناسيين أنهما كانا من بين المحضرين على الثورة على عثمان، بل وطالبوا بإعادة طرح أمر الخلافة شورى بين المسلمين وزعما أنهما بايعا عليّاً عن إكراه وأن بيعتهما لهذا لا تجوز(١٤٥).
وبينما الإمام علي (عليه السلام) يحث الخطى لصياغة نظم الدولة الإسلامية من الجذر، وأيضا تطبيق القوانين واللوائح الدستورية في كافة مرافق الدولة، أعلنت في غضون ذلك الطبقة البرجوازية، ـ كما كان متوقعاً ـ عن تمردها وعدم ارتياحها للتحولات الحاصلة في مجمل جوانب المجتمع منذ تسلم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) مقاليد الحكم، وخاصة ذلك التحول الذي خلط فيه أوراق الأغنياء وأصحاب الثروة.. فجاء طلحة والزبير يطلبان الإذن من الإمام علي (عليه السلام) للعمرة، فأعطى الإمام (عليه السلام) الإذن لهما، مع كونه على يقين تام بأن الهدف لم يكن العمرة وإنما هو قيادة حركة التمرد السياسي ضد الإمام علي (عليه السلام) وجاء الزبير وطلحة إلى مكة المكرمة وتحديداً إلى بيت عائشة زوجة النبي (صلّى الله عليه وآله) وراح الزبير وطلحة يحرّضان عائشة على الخروج لحرب الإمام علي (عليه السلام)، هذا مع أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد حذرها من أن تكون هي المرأة التي تنبح في وجهها كلاب الحوأب.. غير أن التحريض والتشجيع والدفع الذي لقيته من طلحة والزبير ومروان وغيرهم ساق بها للمضي في قيادة جيش التمرد والإعلان عن الحرب ضد حاكم الدولة الإسلامية أمير المؤمنين ووصي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الإمام علي (عليه السلام).
.. وفي يوم ٢٠ جمادي الأول سنة ٣٦هـ ـ أي بعد خمسة أشهر وواحد وعشرين يوماً من خلافة الإمام علي (عليه السلام) ـ وصلت كتيبة عسكرية تتقدمها ناقة تركبها عائشة وعلى جانبيها طلحة والزبير، فأقدمت الكتيبة على مشارف البصرة.
وصل الخبر إلى الإمام علي (عليه السلام) فجاء على راس جيش إلى حيث الموقع الذي حطّت به كتيبة عائشة، وبدأ الإمام (عليه السلام) يبث نصائحه وإرشاداته في أفراد جيش التمرد للتخلي عن قرار الحرب.. إلا أن القوم أبّوا إلا إشعال نارها، وحينما لم يصغ هؤلاء المتمردون للسان الحق، لم يكن أمام أمير المؤمنين (عليه السلام) خيار آخر سوى مواجهة جيش التمرد، فبدأ الحملات العسكرية من الطرفين التي استمرت إلى يوم واحد وانتهت بهزيمة المتمردين، ثم قام الإمام علي (عليه السلام) بإرجاع عائشة إلى مكة المكرمة وأصحب معها أربعين فارساً ملثماً وكانوا من النساء... وعاد الإمام علي (عليه السلام) إلى الكوفة واستأنف مراحل المشروع الإصلاحي في الدولة الإسلامية إضافة إلى القيام بتسوية الخلافات العالقة خلال فترة غيابه إلى جانب الخلافات الموروثة من العهد السابق... غير أن حركة التمرد بقيادة طلحة والزبير ومروان بن الحكم وغيرهم لم تنطفئ نارها بعد، بل تأججت واستعرت ثم سرت إلى مناطق أخرى.
وقام قادة التمرد بتحريك جبهة الشام الواقعة تحت سيطرة معاوية.. وجبهة الشام هذه كما نعلم جميعاً لم تدن في يوم ما للنظام الإسلامي تماماً كما هو الحال عند معاوية الذي احتسب الشام مملكة اموية غير خاضعة للنظام الإسلامي ولذلك: ظل معاوية والياً على الشام والأردن طيلة خلافة عمر يتصرف حيثما يشاء، قد استأثر بالأموال فشرى بها الضمائر، وأحاط نفسه بالأتباع من دون أن تكون لأي أحد عليه رقابة، ولم توجه له أيّ مسؤولية، وإنما كان يرى التسديد والمديح والرضا بما يعمل، وبعد وفاة عمر أقره عثمان على عمله، وزاد في رقعة سلطانه فضم إليه فلسطين بعد موت عاملها عبد الرحمن بن علقمة الكناني كما ضم إليه حمص بعد أن استعفاه عاملها عمير بن سعد الأنصاري، وبذلك خلصت أرض الشام كلها، وأصبح من أعظم الولاة قوة ومن أكثرهم نفوذاً، وأصبح قطره من أهم الأقطار الإسلامية وأمنعها وأكثرها هدوءاً واستقراراً(١٤٦).
وصل كل من الزبير وطلحة ومروان إلى الشام، وعقدوا على الفور اجتماعاً مغلقاً وعاجلاً في قصر معاوية بحضور عمرو بن العاص وآخرين من المقربين للبيت الأموي.. كانت المباحثات تدور في هذا الاجتماع حول التخطيط لشن حرب جديدة ضد الإمام علي (عليه السلام)، فانتهى الاجتماع بمقررات تجمع على قرار شن الحرب على الدولة الإسلامية من الجبهة الغربية.
تحركت جيوش الشام نحو الشرق وتمركزت عند الحدود العراقية، فوصل خبرها إلى الإمام علي (عليه السلام) وأعلن التعبئة العسكرية العامة في صفوف الشعب، فلبى جمع هائل من المسلمين نداء الإمام (عليه السلام) وتوجه هذا الجمع إلى معسكرات الجيش استعداداً لخوض المعركة مع جيش الشام.
وصل جيش الإمام علي (عليه السلام) منطقة صفين في مقابل جيش الشام وكعادته (عليه السلام) شرع في إسداء النصيحة وإلقاء الحجة على القوم للحيلولة دون اشتعال نار الحرب ولحفظ الدماء، غير أنّ قادة التمرد بزعامة معاوية هذه المرة كانوا في شوق إلى الدماء وزج أفراد الجيش في محرقة الأحقاد في أتون حرب قذرة يكون الرابح فيها ـ حال الانتصار ـ تلك الطبقة المصلحية التي تطمح إلى استرجاع سابق عهدها في عيش البذخ والترف والإثارة.
وفي اليوم الخامس من شهر شوال سنة ٣٦هـ ـ أي بعد أربعة أشهر ونصف من حرب الجمل ـ انقدحت شرارة حرب صفين والتي استمرت مائة وعشرة أيام، تكبد خلالها جيش الشام خسائر هائلة في الأرواح والمعدات، وقدرت بعض الإحصاءات التاريخية أن تسعين ألفاً من جيش الشام لقوا حتفهم في هذه الحرب بينما استشهد عشرون ألفاً من جيش الإمام علي (عليه السلام).. وكان من أشد معارك هذه الحرب الطويلة، هي التي جرت في ليلة الهرير حيث لم يسمع فيها إلا اصطكاك السيوف وقراع الأسنة وقعقعة الخيل وتساقط الأيدي والأرجل ولا يرى فيها سوى الغبار المتصاعد إلى عنان الفضاء، حتى بلغ الحال بجيش الشام إلى حد التقهقر والانهيار وبانت عليه علامات الهزيمة والتراجع... هنا سارع عمرو بن العاص لإنقاذ الجيش من الهزيمة المنكرة التي ستقع عليها فطلب من معاوية أن ترفع المصاحف على الأسنة إيذاناً بإيقاف الحرب والرغبة في المفاوضات.. وكانت هذه خدعة استخدمها عمرو بن العاص ومعاوية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تحل الهزيمة بدارهما فتتعرض سلطة بني العاص وبني أمية إلى الانهيار في منطقة الشام.
وللأسف فلقد انطلقت هذه المؤامرة الأموية على قطاع كبيرة من جيش الإمام علي (عليه السلام)، فهذا الأشعث بن قيس أحد الواجهات البارزة في جيش الإمام (عليه السلام) يأتي ويقول للإمام (عليه السلام): (إنا لك اليوم ما كنا عليه أمس ولسنا ندري ما يكون غداً وقد والله فلّ الحديد وكلت البصائر...) ثم جاء بعده آخرون وتكلموا بأكثر من ذلك، فرد الإمام علي (عليه السلام) على هذه التبريرات والأعذار قائلاً: (ويحكم إنهم ما رفعوها لأنكم تعلمونها ولا يعلمون، وما رفعوها لكم إلا خديعة ودهاءاً ومكيدة) فقالوا له: (إنه ما يسعنا أن ندعى إلى كتاب الله فنأبى أن نقبله) فقال (عليه السلام): (ويحكم إنما قاتلتهم ليدينوا بحكم الكتاب فقد عصوا الله فيما أمرهم به، ونبذوا كتابه فامضوا على حقكم وقصدكم وخذوا في قتال عدوكم فإن معاوية، وابن العاص، وابن أبي معيط وحبيب بن مسلمة وابن النايفة وعدداً غير هؤلاء ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن وأنا أعرف بهم منكم صحبتهم أطفالاً ورجالاً، فهم شر أطفال ورجال)(١٤٧) ولمّا رأى الإمام علي (عليه السلام) إصرار الجيش على قضية التحكيم والقبول بالمفاوضات ولما لم يجد (عليه السلام) حيلة لثني الجيش عن قناعته، سوى اضطرار القبول بالواقع المفروض خارج إرادته.. ثم أقدم الطرفان على تنفيذ خطوات عملية في موضوع المفاوضات (التحكيم) فكان الاتفاق مبدئياً على أن يخرج رجل من جيش الإمام علي (عليه السلام) وآخر من جيش الشام لبدء المفاوضات وإنهاء النزاع سلمياً.
وقد اختار معاوية ممثلاً عنه وهو عمرو بن العاص، أما بالنسبة لجيش الإمام علي (عليه السلام) فقد قام الأشعث وطلب من الإمام تعيين أبي موسى الأشعري، فرفض الإمام (عليه السلام) وقال: (قد عصيتموني في أول هذا الأمر فلا تعصوني الآن إني لا أرى أن أولّي أبا موسى الأشعري، فقال الأشعث ومن معه لا نرضى إلا بأبي موسى الأشعري، قال: (ويحكم هو ليس بثقة قد فارقني وخذل الناس مني.. ثم إنه هرب شهوراً حتى أمنته لكن هذا عبد الله بن عباس أولّيه ذلك فقال الأشعث وأصحابه: والله لا يحكم فينا مضريان، قال علي (عليه السلام): فالأشتر، قالوا: وهل هاج هذا الأمر إلا الأشتر. فقال الإمام (عليه السلام): فاصنعوا الآن ما أردتم وافعلوا ما بدا لكم أن تفعلوه. فبعثوا إلى أبي موسى وكتبوا له القصة وقيل لأبي موسى: إن الناس قد اصطلحوا، فقال: الحمد لله، قيل: وقد جعلوك حكماً، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون(١٤٨).
وليس ثمة شك في أن انعكاسات الموقف الخاسر الذي اتخذه القطاع الأكبر في جيش الإمام علي (عليه السلام) إزاء إيقاف الحرب من جهة ثم مسألة التحكيم من جهة ثانية، خلفت آثاراً خطيرة للغاية على الأوضاع السياسية والاجتماعية، حيث أن هذا الموقف أحدث انعطافة خطيرة في مسيرة الدولة الإسلامية، كما أربكت موازين القوى إذ بدأ العد التنازلي في مؤشر السلطة السياسية للإمام (عليه السلام) لا سيما وأن مصدر هذه المخاطر والأزمات من قضية مركزية ومحورية في موضوع النظام والمجتمع، وهي مسألة طاعة القيادة والتي ألغيت من راس خلال لحظات معدودة وفي أمر من أشد الأمور حساسية وخطورة وهو الحرب.
ولكن الذي جرى هو صدور قرارات بعيدة كل البعد عن قناعة أو شرعية القيادة الإسلامية، وإنما خروج على حكم الإمام (عليه السلام) المفترض الطاعة، ولعل من سخريات القدر أن عمرو بن العاص يتدخل في مصير المسلمين حينما سفّه أحلام أبي موسى الأشعري بعد أن طلب منه خلع صاحبه أي الإمام علي (عليه السلام) فيقوم ابن العاص ليعلن تثبيت صاحبه معاوية على الحكم..
ومهما يكن فإن الهدنة بين جيش الإمام علي (عليه السلام) وجيش الشام قد حصلت على أساس إجراء مفاوضات مباشرة وثنائية بصورة مستمرة لإنهاء موضوع التحكيم، وإن كان قد حصل نزاع على أصول التحكيم.. ورجع الإمام علي (عليه السلام) من صفين إلى الكوفة وقد اعتصره الألم وعلته سحابة من الكآبة والحزن بسبب ما أبداه أصحابه من عصيان وتراخي نفسي قبال حرب معسكر الشام... والغريب في الأمر أن هؤلاء الذين كانوا قد أكرهوا الإمام علي (عليه السلام) للقبول بقضية التحكيم، هم اليوم يرفعوا لواء المعارضة ضد الإمام علي (عليه السلام) لقبوله التحكيم، فخرج اثنا عشر ألفاً منهم إلى حروراء (قرية من قرى الكوفة) للإعلان عن حركة معارضة جديدة.
وبعد عودة الإمام علي (عليه السلام) إلى الكوفة اجتمع هؤلاء في المسجد وكان (عليه السلام) على المنبر فنادوه: جزعت من البلية ورضيت بالقضية وقبلت الدنية لا حكم إلا لله. فرد عليهم: حكم أنتظر فيكم وقال (عليه السلام) حينما سمع قول هؤلاء الخوارج (لا حكم إلا لله) كلمة حق يراد بها باطل! نعم إنه لا حكم إلا لله، ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلا لله، وإنه لابد للناس من أمير برّاً وفاجر يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر، فيبلّغ الله فيها الأجل، ويجمع به الغي ويقاتل به العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوى حتى يستريح بر، ويستراح من فاجر(١٤٩).
وبهذه الكلمة يكون الإمام (عليه السلام) قد كشف عن الخواء الفكري والمرتكزات العقائدية الباطلة التي كانت عند الخوارج، وأظهر حقيقة الأهداف التي يسعى الخوارج إلى تحقيقها ـ كما ذكرنا سابقاً.
ولكن الواقع انه بعد حرب صفين أصبحت الأوضاع السياسية في تدهور مستمر فلم تهدأ جبهة الشام حتى أشعل الخوارج حرباً جديدة فجاءت حرب النهروان سنة ٣٨ هجرية فخرج الإمام (عليه السلام) لصدّ الخوارج وقتالهم، ثم بعد أن اشتد أوار الحرب واقترب جيش الإمام (عليه السلام) من مرحلة النصر قام الإمام (عليه السلام) خطيباً في جيشه يستحثه على مواصلة الحملات العسكرية قائلاً: (إن الله قد أحسن إليكم وأعز نصركم فتوجهوا من فوركم هذا إلى عدوكم. فقالوا: يا أمير المؤمنين قد كلّت سيوفنا ونفذت نبالنا ونصلت أسنة رماحنا فدعنا نستعد بأحسن عدتنا.
ولم تكن هذه الأعذار والمبررات تعبر سوى عن حالة التململ والتداعي والانهيار في أوساط جيش الإمام (عليه السلام) من الحرب، ممّا جعل الجنود ينسلون من الجبهات والعودة إلى المدن، حتى لم يصمد مع الإمام (عليه السلام) إلا الطليعة الرسالية القليلة العدد، والتي هي غير قادرة على تعبئة الفراغ الهائل في الساحة والذي نجم عن نكوص الجيش وتمرده على قرارات قيادته والتي لم تورث هذه الحالة سوى هزائم متتابعة ومتواصلة.
فلم يكن زمن النزاع العسكري بن النظام الإسلامي وجيش الشام محدوداً بإيقاف حرب صفين وإعلان التحكيم، بل أن حملات عسكرية شكلت امتداداً لحرب صفين قادها جيش الشام على المناطق الواقعة تحت سلطة الدولة الإسلامية. فهذا بسر بن ارطأة يبعث به معاوية إلى الحجاز واليمن ليقوم بمجزرة رهيبة في أوساط المسلمين والمسؤولين في الدولة الإسلامية من أتباع الإمام (عليه السلام) فحينما دخل بسر اليمن وكان عليها عبيد الله بن العباس عامل الإمام علي (عليه السلام)، ارتكب بسر أبشع الجرائم من قتل ونهب وسلب حتى هرب منها عبيد الله بن العباس، ثم جاء بسر إلى المدينة فأثار الرعب في أهلها وحتى الصالحين من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لم يسلموا من بطش بسر، بينما هرب قسم منهم مثل جابر بن عبد الله الأنصاري وأبو أيوب الأنصاري كما هرب جمع كبير من النساء والشيوخ والأطفال الذين لم يجدوا ملجأً من جرائم الطاغية بسر إلا الهروب، وفيما لقي بسر ابني عبد الله بن العباس ذبحهما أمام أعين الناس، وكان يدخل بيوت المدينة وينتزع الطفل من أمه ويرمي به إلى الحائط فيصطبغ بالدم ويلتصق به أجزاء من مخ هذا الطفل البريء كما هدم دوراً كثيرة في المدينة بعد أن استباحها أياماً.
وهو بسر الذي هجم على حمدان وسبى نساءها كُنَّ أول مسلمات يسبين في الإسلام والمجزرة الرهيبة في أحياء بني سعد.
وعندما وصل خبر بسر إلى الإمام علي (عليه السلام) اغتاظ كثيراً وقام في الناس خاطباً وقال: (أنبئت بسراً، قد اطّلع من اليمن وإني والله لأظن أنّ هؤلاء القوم سينالون منكم باجتماعهم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم وبمعصيتكم إمامكم في الحق وطاعتهم إمامهم في الباطل وبأدائهم الأمانة إلى صاحبهم وخيانتكم وبصلاحهم في بلادهم وفسادكم، فلو ائتمنت أحدكم على قعب لخشيت أن يذهب بعلاقته..) وقال (عليه السلام) أيضاً بعد هذه الحادثة: (اللّهم إني قد مللتهم وملّوني وسئمتهم وسئموني فأبدلني بهم خيراً منهم وأبد لهم بي شراً مني، اللّهم مث قلوبهم كما يماث الملح في الماء، أما والله لوددت أن لي بكم ألف فارس من بني فراس بن غنم: هنالك لو دعوت أتاك منهم فوارس مثل أرمية الحميم.
وهناك حادث آخر في مصر حيث كان محمد بن أبي بكر والياً عليها من قبل الإمام علي (عليه السلام) فأرسل معاوية جيشاً من أهل الشام بقيادة عمرو بن العاص لحرب محمد بن أبي بكر فتقابل الجيشان واندلعت نار الحرب بينهما، غير أن جيش مصر خذل والي الإمام علي (عليه السلام) محمد بن أبي بكر، فدخل عمرو بن العاص مصر وارتكب جريمة بشعة حيث أدخل محمد بن أبي بكر في جوف حمار ثم أحرقه وهو في داخله، فوصل خبره إلى الإمام علي (عليه السلام) فبكى لشهادته وترحم عليه، ثم بعث بعده مالك الأشتر فوصل الخبر إلى معاوية فدسّ إليه السّم فاستشهد مالك وقال معاوية آنذاك: (إن لله جنوداً من عسل).
شعر الإمام (عليه السلام) آنذاك بخطورة الموقف خاصة وأن الطليعة الرسالية التي كان يعتمد عليها في كثير من المسؤوليات تتعرض اليوم إلى عملية تصفية بشعة.. فلقد قتل بالأمس عمار بن ياسر وهاشم المرقال في صفين، ومات حذيفة بن اليمان بالمرض كما قتل ابناءه في صفين وغيرهم، واليوم يستشهد محمد بن أبي بكر ومالك الأشتر، ولذلك وجد الإمام علي (عليه السلام) نفسه وحيداً في ساحة المواجهة مع العدو... ومن هنا بدأت تحاك خيوط المؤامرة من قبل المناوئين للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، خاصة وقد تقطعت أوصال الدولة الإسلامية أثر الحروب الداخلية والخارجية.
وكان للتداعي الهائل من أفراد الأمة للضغوطات التي تسببت من جراء سلسلة الحروب المفروضة عليها أثراً بارزاً وجرحاً عميقاً أنهك كاهل الدولة وأوقع هزيمة نفسية في أوساط المجتمع الإسلامي، فتعرضت الطليعة الرسالية لمؤامرة التصفية والاغتيالات الجسدية، بحيث كشفت الحزام الأمني الذي كان يشكله الطليعة حاجزاً بين العدو ومركز القيادة، فلمّا تساقط أفراد الطليعة شهداء في معركة الكرامة أو في المهام الرسالية انفرط عقد الحزام ولم يبق أمام العدو سوى شخص القيادة الإسلامية المتمثلة في أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقرر العدو تنفيذ مخطط اغتيال القيادة.
وكانت هذه من أخطر انعكاسات الهزيمة النفسية في الأمة، والتي يكون فيها المجال سانحاً لمثل هذه المخططات الحساسة والتي لا تتم سوى في حالة وصول الصراع إلى ذروته القصوى أو في حال تساوي موازين القوى بين النظام الحاكم والمعارضة، أو في حالة الفوضى وعدم استقرار الأوضاع الداخلية أو غيرها من الأسباب سواء بصورة منفصلة أو مجتمعة.
وفي التاسع عشر من شهر رمضان سنة أربعين هجرية وقعت الجريمة العظمى عبد الرحمن بن ملجم ونفذ عملية الاغتيال، حينما كان الإمام علي (عليه السلام) في محراب المسجد أثناء انشغاله بالصلاة فجرد عدو الله ورسوله سيف البغي، ثم هوى به على هامة الإمام (عليه السلام) فسقط (عليه السلام) مضرجاً بدمه ونادى (فزت ورب الكعبة، قتلني ابن اليهودية)(١٥٠).
وبقي الإمام علي (عليه السلام) ثلاث ليال يكابد ألم الضربة الحاقدة التي أصابت رأس العدل وهوّت ركن الحق وأسقطت علم التقى وقلعة الإيمان وغيبت روح الإسلام ولسان الصدق وسلوك الرسالة...
وفي الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة أربعين هجرية ارتجت الكوفة بأهلها فلقد استشهد أمير المؤمنين (عليه السلام) فنادى جبرائيل في السماء (تهدمت والله أركان الهدى قتل عليٌ المرتضى، قتله أشقى الأشقياء..) فبكى عليه الملأ الأعلى كما بكى عليه أهل الأرض.
تلك كانت إطلالة عاجلة على التاريخ الإسلامي في سبيل إعداد رؤية تمهيدية للفترة القادمة التي نبدأ فيها الحديث. بتركيز كبير ـ عن عهد الإمام الحسن (عليه السلام).
ولأن بعض الاستنتاجات التي نرى بأنها موضوعية فيما يرتبط بثمة قضايا وقعت خلال عهد الإمام المجتبى (عليه السلام) فوجدنا أن مخاطبة التاريخ وربط وقائعه وأحداثه الماضية والحاضرة والمستقبلية تجعلنا أكثر قدرة على معايشة الواقع التاريخي بروح موضوعية ومتجردة، وربما تفيدنا هذه الطريقة في التوصل إلى نتائج جديدة لم نوفق نحن للوصول إليها والاستفادة منها في فصول البحث.
خاتمة حكومة الإمام (عليه السلام):
تركت حكومة الإمام آثاراً بالغة الأهمية والخطورة في المجتمع الإسلامي ولعل من أهمها ما يلي:
١ـ إنها أبرزت الواقع الإسلامي بجميع طاقاته في عالم السياسة والحكم، فقد كان الإمام يهدف في حكمه إلى إزالة الفوارق الاجتماعية بين الناس، وتحقيق الفرص المتكافئة بينهم على اختلاف قومياتهم وأديانهم، ومعاملة جميع الطوائف بروح المساواة والعدالة فيما بينهم من دون أن تتمتع أي طائفة بامتياز خاص وقد أوجدت هذه السياسة للإمام رصيداً شعبياً هائلاً، فقد ظل عليّ قائماً في قلوب الجماهير الشعبية بما تركه من صنوف العدل والمساواة وقد هام بحبه الأحرار، ونظروا إليه كأعظم مصلح اجتماعي في الأرض، وقدموه على جميع أعلام تلك العصور، يقول أيمن ابن خريم الأسدي مخاطباً بني هاشم وعلى رأسهم الإمام:

أأجعلكم وأقواما سواء * * * وبينكم وبينهم الهواء
وهم أرض لأرجلكم وأنتم * * * لرؤوسهم وأعينهم سماء(١٥١)

٢ـ إن مبادئ الإمام وآراءه النيرة ظلت تطارد الأمويين وتلاحقهم في قصورهم فكانوا ينظرون إليها شبحاً مخفياً يهدد سلطانهم، ممّا جعلهم يفرضون سبه على المنابر للحط من شأنه، وصرف الناس عن قيمه ومبادئه.
٣ـ إن حكومة الإمام التي رفعت شعار العدالة الاجتماعية الكبرى قد جرت لأبنائه كثيراً من المشاكل والمصاعب، وألحقت بهم التنكيل والقتل من حكام عصرهم، وقد تنبأ النبي الأعظم (صلّى الله عليه وآله) بذلك فقد روى أبو جعفر الإسكافي أن النبي (صلّى الله عليه وآله) دخل على فاطمة فوجد علياً نائماً فذهبت لتوقظه، فقال (صلّى الله عليه وآله): (دعيه فرب سهر له بعدي طويل، ورب جفوة لأهل بيتي من أجله). فبكت فاطمة فقال لها: لا تبكي فإنّه معي وفي موقف الكرامة عندي(١٥٢).
لقد أمعن الحكم الأموي والعباسي في ظلم أبناء الإمام لأنهم تبنوا حقوق المظلومين والمضطهدين تبنوا المبادئ العليا التي رفع شعارها الإمام أمير المؤمنين فناضلوا كأشد ما يكون النضال في سبيل تحقيقها على مسرح الحياة، وكان من أشد أبناء الإمام حماساً واندفاعاً في حماية مبادئ أبيه الإمام الحسين (عليه السلام) فقد انطلق إلى ساحات الجهاد عازماً على الموت آيساً من الحياة ليحمي مبادئ جدّه وأبيه ويرفع راية الإسلام عالية خفاقة وينكس أعلام الشرك والإلحاد، ويحطم قيود العبودية والذل.
٤ـ وأوجد الإمام في أثناء حكمه القصير وعياً أصيلاً في مقارعة الظلم، ومناهضة الجور فقد هب في وجه الحكم الأموي أعلام أصحابه كحجر بن عدي، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وعبد الله بن عفيف الأزدي وأمثالهم من الذين تربوا بهدي الإمام، فدوخوا أولئك الظالمين بثورات متلاحقة أطاحت بزهوهم وجبروتهم، لقد كان حكم الإمام ـ حقاً ـ مدرسة للنضال والثورة، ومدرسة لبث الوعي الديني والإدراك الاجتماعي، وبهذا ينتهي بنا الحديث عن مخلفات حكومة الإمام (عليه السلام).

الفصل الثالث:

عهد الإمام الحسن (عليه السلام) ـ البيعة العامة:
.. بالأمس خسرت الأمة الإسلامية سيد المسلمين، وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين ولم تعرف الأمة كيف تحافظ على قيادتها، وبذلك تعثرت في حركتها، وغارت في غياهب الخنوع والهزيمة، في وقت كانت تمتلك فرصة ذهبية بوجود الإمام علي (عليه السلام)، في أن تشيد حضارة إسلامية شامخة تستند على ركائز العدل والحرية والرفاه والأمن...
غير أن الأمة حينما تستسلم للضغوطات الداخلية أو الخارجية وتخضع لرياح المؤامرات فيغزوها الوهن ويخبطها الضعف، فإن النتيجة هي الوقوع تحت نير القوى الطاغوتية.
عاد الإمام الحسن (عليه السلام) وأهل بيته (عليهم السلام) وأصحابه من تشييع أمير المؤمنين (عليه السلام) من قبره الطاهر، فخرج ابن عباس إلى الناس وقال: (إن أمير المؤمنين توفي، وقد ترك لكم خلفاً، فإن أحببتم خرج إليكم، وإن كرهتم فلا أحد على أحد) فبكى الناس وقالوا: بل يخرج إلينا.
فخرج الإمام الحسن (عليه السلام) وقد لبس ثوب السواد وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون، ولا يدركه الآخرون، ولقد كان يجاهد مع رسول الله صلّى الله عليه وآله فيقيه بنفسه، ولقد كان يوجّهه برايته، فيكتنفه جبرائيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، فلا يرجع حتى يفتح الله عليه؛ ولقد توفي في الليلة التي قبض فيها موسى بن عمران (عليه السلام)، ورفع فيها عيسى بن مريم (عليه السلام)، وأنزل القرآن، وما خلف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم من عطائه، أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله)(١٥٣). أيها الناس: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي وأنا ابن النبي، وأنا بن الوصي، أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى الله عز وجل بإذنه، وأنا ابن السراج المنير... وأنا من أهل البيت الذي كان جبرائيل ينزل إلينا ويصعد من عندنا، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وأنا من أهل البيت الذين افترض الله مودتهم على كل مسلم، فقال تبارك وتعالى لنبيّه: (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)(١٥٤)، (وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا)(١٥٥) فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت..).
بعد أن انتهى الإمام (عليه السلام) من خطبته، قام عبد الله بن العباس يستحث الناس لمبايعة الإمام الحسن (عليه السلام) وقال: معاشر الناس هذا ابن نبيكم ووصي إمامكم فبايعوه) وفي الناس إلى ذلك اليوم، كثير ممن سمع نص رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، على إمامته بعد أبيه.
فقالوا: ما أحبه إلينا وأوجب حقه علينا وأحقه بالخلافة فأقبل الناس واجتمعوا على الإمام (عليه السلام) يبايعونه بالخلافة ويسلمونه زمام أمورهم...
وكان ذلك يوم الواحد والعشرين من شهر رمضان، يوم وفاة أبيه (عليه السلام) سنة أربعين للهجرة(١٥٦).
وهكذا وفقت الكوفة لأن تضع الثقة الإسلامية في نصابها المفروض لها، من الله عز وجل ومن العدل الاجتماعي، وبايعته ـ معها ـ البصرة والمدائن وبايعه العراق كافة، وبايعه الحجاز واليمن على يد القائد العظيم (جارية بن قدامة)، وفارس على يد عاملها (زياد بن عبيد)، وبايعه ـ إلى ذلك ـ من بقى في هذه الآفاق من فضلاء المهاجرين والأنصار، فلم يكن لشاهد أن يختار ولا لغائب أن يرد، ولم يتخلف عن بيعته ـ فيما نعلم ـ إلا معاوية ومن إليه، واتبع بقومه غير سبيل المؤمنين، وجرى مع الحسن (عليه السلام) مجراه مع أبيه بالأمس. وتخلف أفراد آخرون عرفوا بعد ذلك بالقعّاد.
ويعود الإمام الحسن (عليه السلام) بعد أن أخذت البيعة له ـ فينفتح عهده الجديد، بخطابه التاريخي والبليغ، الذي يستعرض فيه مزايا أهل البيت وحقهم الصريح في الأمر، ثم يصارح الناس فيه بما ينذر به الجوّ المتلبد بالغيوم من مفاجئات وأخطار..
فيقول (عليه السلام) وهذا بعض خطابه:
(نحن حزب الله الغالبون، وعترة رسول الله الأقربون، وأهل بيته الطيبون الطاهرون، وأحد الثقلين اللذين خلّفهما رسول الله في أمته، ثاني كتاب الله الذي فيه تفصيل كل شيء، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فالمعوّل علينا في تفسيره، لا نتظنّى تأويله بل نتيقن حقائقه، فأطيعونا فإن طاعتنا مفروضة، إذ كانت بطاعة الله ورسوله مقرونة، قال الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)، وقال: ولو (ردّوه إلى الرسول وأولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم).
ثم يمضي في خطابه، ويردف أخيراً بقوله: (وأحذركم الإصغاء لهتاف الشيطان فإنه لكم عدوٌ مبين فتكونون كأوليائه الذين قال لهم: (لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ) فتلقون إلى الرماح أزراً، وللسيوف جزراً وللعمد حطماً(١٥٧)، وللسهام غرضاً ثم (لاَ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا) ثم نزل من على منبره، فرتب العمّال، وأمر الأمراء ونظر في الأمور)(١٥٨).
بداية الأزمة:
بعد أن أطلق جموع الناس البيعة للإمام الحسن (عليه السلام)، قام الإمام (عليه السلام) بدوره في إدارة الدولة الإسلامية، فاختار العمال والولاة على المناطق الإسلامية، ورسم مخطط تنظيم شؤون الدولة، وإعداد مستلزمات إدارة النظام السياسي في الأمة...
في الجبهة المقابلة، كان معاوية ـ آنذاك ـ مستمراً في تنفيذ مخطط المؤامرات السياسية بهدف تقويض الدولة الإسلامية... هذا المخطط الذي بدأ منذ عهد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، والذي كان يهدف معاوية بذلك إلى توسيع مملكته وبسط نفوذه إلى خارج حدود الشام...
وبقيت جبهة الشام ثغرة واسعة في جدار الدولة الإسلامية، كما شكلت خطورة جدية على الاستقرار السياسي والهدوء الداخلي للأقطار الإسلامية الأخرى...
ولذلك حينما علم معاوية بأن الناس قد اجتمعت على بيعة الإمام الحسن (عليه السلام) بدأت تعتمل في مخيلته فكرة شيطانية تقضي بإثارة الفتن الداخلية وخلق مناخ متقلب بهدف زعزعة الأوضاع وخلق أجواء من البلبلة وإشاعة القلاقل في الداخل فبدأ بإرسال الجواسيس إلى عاصمة الدولة الإسلامية في الكوفة ومدينة البصرة ذات الثقل السياسي والاجتماعي المميز.
فأرسل معاوية رجلاً يدعى الحميري إلى الكوفة، وآخراً يدعى القيني إلى البصرة، وقد طلب من هذين الجاسوسين مراقبة الأوضاع السياسية في العاصمة (الكوفة) ومدينة البصرة، ورصد حجم ولاء الجماهير للإمام الحسن (عليه السلام)، إضافة إلى الاتصال ببعض العناصر في الداخل وربطها بجهة المعارضة في الشام عبر الإغراء والترغيب، وهكذا التعرف على نقاط الضعف والنفوذ في الداخل، والتي تمكن معاوية من تمرير مؤامراته للإطاحة بالنظام الإسلامي.
غير أن خطة التآمر هذه لم تنجح حيث تم القبض على الجاسوسين، وأمر الإمام الحسن (عليه السلام) بإعدامهما في الساحات العامة أمام الناس.. فأعدم الحميري في الكوفة، كما أعدم القيني في البصرة التي كان عبيد الله بن العباس والياً عليها. من جهة أخرى أعرب الرأي العام الإسلامي عن سخطه إزاء المؤامرة الأموية، فيما كشف الإمام الحسن (عليه السلام) عن مخطط معاوية من وراء إرسال الجواسيس، فأرسل خطاباً شديد اللهجة يعلن فيه الإمام (عليه السلام) عن استعداده لخوض الحرب ضد جبهة التمرد التي يقودها معاوية وجاء في الخطاب (أما بعد: فإنك دسست إليّ الرجال، للاحتيال والاغتيال، وأرصدت العيون، كأنك تحب اللقاء، وما أشك في ذلك، فتوقعه إن شاء الله، وقد بلغني إنك شمت بما لا يشمت به ذوو الحجى، وإنما مثلك في ذلك كما قال الأولون:

وقل للذي يبقى خلاف الذي مضى * * * تجهّز لأخرى مثلها فكأنّ قد
وأنا ومن قد مات منّا لكالذي * * * يروح فيمسي في المبيت ليفتدي)

ومن الواضح أن رسالة الإمام الحسن (عليه السلام) إلى معاوية تضمنت تهديداً مباشراً لمعسكر الشام كما انه (عليه السلام) أبرز جانب القوة في قبال التهديدات التي وجهها معاوية بعد إرساله الجاسوسين.
ولعلنا نستوحي من رسالة الإمام (عليه السلام) أن الأمة حينما تدخل الصراع والمواجهة مع العدو يتطلب منها إظهار مواقع القوة والقدرة، في سبيل إدخال الرعب والهزيمة النفسية في قلب العدو، وإضعاف معنوياته، وتفويت الفرصة عليه للتفكير في استغلال جوانب الضعف ـ إن وجدت ـ والاستفادة منها في حالة المواجهة معه.
من جهة ثانية استطاع الإمام الحسن في هذه الرسالة أن يسحب البساط من تحت معاوية في أن يمتلك زمام المبادرة في تقرير الحرب ضد الدولة الإسلامية ولذلك نجد أن جواب معاوية على رسالة الإمام الحسن كان خالياً من الإثارة حيث جاء بصورة أراد فيها معاوية أن يتملق للإمام وأن يبعد نفسه عن قضية إرسال الجواسيس فقد كتب، (أما بعد: فقد وصل كتابك وفهمت ما ذكرت فيه ولقد علمت بما حدث فلم أفرح، ولم أشمت، ولم أيأس، وأن علي بن أبي طالب لكما قال أعش بن قيس بن ثعلبة:

وأنت الجواد وأنت الذي * * * إذا ما القلوب ملأن الصدورا
وما مزيد من خليج البحور * * * يعلو الأكام ويعلو الجسورا
بأجود منه ممّا عنده * * * فيعطي الألوف ويعطي البدورا(١٥٩))

وكتب عبيد الله بن العباس الوالي على البصرة رسالةً مماثلة إلى معاوية جاء فيها: فإنك ودسك أخابني قين إلى البصرة، تتلمس من غفلات قريش، مثل الذي ظفرت به من يمانيتك لكما قال أمية ـ يعني ابن الأشكري ـ:

لعمرك إني والخزاعي طارقاً * * * كنعجة غار حتفها تتحضر
وثارت عليها شفرة بكراعها * * * فظلت بها من آخر الليل تنحر
شمت بقوم من صديقك أهلكوا * * * أصابهم يوم من الدهر أصغر

وبعد أن تمكن الإمام الحسن (عليه السلام) أن ينتزع المبادرة من يد معاوية، أرسل الإمام (عليه السلام) رسالة ثانية أكثر تفصيلاً وتعنيفاً، سلط فيها الأضواء على حقه المشروع في ولاية المسلمين كما بيّن فيها فضائل أهل البيت (عليهم السلام) وحقوقهم، كما ضمّن الرسالة تهديداً لمعاوية وتحذيره من التمادي في غيّه، وشق الصف الإسلامي، وهذا نص الرسالة:
(من الحسن بن علي أمير المؤمنين، إلى معاوية بن أبي سفيان، سلام عليكم، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد؛ فإن الله جلّ جلاله، بعث محمداً رحمة للعالمين، وكافّة للناس أجمعين ينذر من كان حياً، ويحقّ القول على الكافرين، فبلّغ رسالات الله، وقام بأمر الله، حتى توفّاه الله غير مقصّر ولا واهن، وبعد أن أظهر الله به الحق ومحق به الشرك، وخصّ به قريش خاصة. فقال له: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) فلما توفّي، تنازعت سلطانه العرب فقالت قريش، نحن قبيلته وأسرته وأولياؤه، ولا يحلّ لكم أن تنازعونا سلطان محمد وحقه فرأت العرب أن القول ما قالت قريش، وأنّ الحجة في ذلك لهم على من نازعهم أمر محمد، فأنعمت لهم وسلّمت إليهم.
ثم حاججنا نحن قريش، بمثل ما حاججت به العرب، فمل تنصفنا قريش إنصاف العرب لها. إنهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالإنصاف والاحتجاج، فلما سرنا أهل بيت محمد وأولياؤه إلى محاججتهم، وطلب النصف منهم، باعدونا واستولوا بالاجتماع على ظلمنا، ومراغمتنا وللعنت منهم لنا فالموعد إليه، وهو الوليّ النصير.
ولقد كنا تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا، وسلطان بيتنا وإذ كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الإسلام، أمسكنا عن منازعتهم، مخالفة على الدين، أن يجد المنافقون والأحزاب في ذلك مغرماً يثلمون به، أو يكون لهم بذلك سببٌ إلى ما أرادوا إفساده، فاليوم فليتعجّب المتعجّب من توثبك يا معاوية، على أمر لست من أهله لا بفضل في الدين معروف، ولا أثر في الإسلام محمود.
وأنت ابن حزب من الأحزاب، وابن أعدى قريش لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولكتابه. والله حسيبك فسترد عليه، وتعلم لمن عقبى الدار وبالله لتلقين عن قليل ربّك، ثم يجزينّك بما قدّمت يداك. وما الله بظلام للعبيد. إن عليّاً لمّا مضى لسبيله رحمة الله عليه يوم قبض، ويوم، منّ الله عليه بالإسلام، ويوم يبعث حيّاً، ولاني المسلمون الأمر من بعده، فأسال الله أن لا يؤتينا في الدنيا الزائلة شيئاً، ينقصنا به في الآخرة، ممّا عنده من كرامة. وإنما حملني على الكتابة إليك، الأعذار فيما بيني وبين الله عز وجل في أمرك ولك في ذلك إن فعلته الحظ الجسيم والصلاح للمسلمين.
فدع التمادي في الباطل، وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي، فإنك تعلم، أني أحقّ بهذا الأمر منك، عند الله، وعند كل أواب حفيظ، ومن له قلب منيب، واتق الله ودع البغي، واحقن دماء المسلمين، فوالله ما لك خير في أن تلقى الله من دمائهم، بأكثر ممّا لاقيه به. وادخل في السّلم والطاعة، ولا تنازع الأمر أهله، ومن هو أحقّ به منك، ليطفئ الله النائرة بذلك، ويجمع الكلمة ويصلح ذات البين.
وإن أنت أبيت إلا التمادي في غيّك، سرت إليك بالمسلمين، فحاكمتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين)(١٦٠).
كانت هذه رسالة الإمام الحسن (عليه السلام) لمعاوية والتي فيها دلائل وإثباتات واضحة وصريحة لحق أهل البيت (عليهم السلام) وحق الإمام (عليه السلام) بصورة خاصة... هذه الرسالة كانت بمثابة الحرج الذي ألجم معاوية عن المراوغة والتملص من قوة البرهان القاطع، والذي قطع لسان معاوية عن إيراد حجة مقابلة لذلك راح يبحث عن قشة تنقذه.
فمعاوية الذي يجد نفسه متورطاً أمام دلائل واحتجاجات الإمام الحسن (عليه السلام)، ماذا يمكنه أن يفعل سوى اعتماد أسلوب المكر والخديعة الذي تربى عليهما من صُغرِه حتى تعشعشا في صدره.
ونحن إذ نورد نص جواب معاوية إلى الإمام الحسن (عليه السلام) لنرى إلى أي حد وصلت وسائل المكر بمعاوية في أن يلبس مسوح الإسلام ويغطي نفسه بجلباب الرعيّة ليتحدث باسم الإسلام، فيقول في رسالته: (قد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت به محمداً رسول الله من الفضل، وهو أحق الأولين والآخرين بالفضل كله، قديمه وحديثه، وصغيره وكبيره، وقد والله بلّغ وأدّى، ونصح وهدى، حتى أنقذ الله به من الهلكة وأنار به من العمى، وهدى به الجهالة والضلالة، فجزاه الله أفضل ما جزى نبياً عن أمته... وذكرت وفاته وتنازع المسلمين الأمر بعده وتغلبهم على أبيك، فصرّحت بتهمة أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق، وأبي عبيدة الأمين، وحواريي رسول الله، وصلحاء المهاجرين والأنصار، فكرهت ذلك لك،.. وإنك أمرؤ عندنا وعند الناس غير الظنين، ولا المسيء ولا اللئيم، وأنا أحب لك القول السديد والذكر الجميل، وإن هذا الأمة لما اختلفت بينها لم تجهل فضلكم، ولا سابقتكم ولا قرابتكم من نبيكم، ولا مكانكم في الإسلام وأهله، فرأت الأمة أن تخرج من هذا الأمر لقريش، لمكانها من نبيها، ورأي صلحاء الناس من قريش، والأنصار وغيرهم، وسائر الناس وعوامها، أن يولوا من قريش هذا الأمر أقدمها إسلاماً وأعلمها بالله، وأحبها وأقواها على أمر الله، فاختاروا أبا بكر وكان ذلك رأي ذوي الدين، والفضل، والناظرين للأمة، فارفع ذلك في صدوركم لهم التهمة، ولم يكونوا متهمين، ولا فيما أتوا بالمخطئين، ولو رأى المسلمون إنّ فيكم من يغني غناءه ويقوم مقامه، ويدب عن حريم الإسلام دبه، ما عدلوا بالأمر إلى غيره، رغبة عنه ولكنهم عملوا في ذلك بما رأوه صلاحاً للإسلام وأهله، والله يجزيهم عن الإسلام وأهله خيراً.
وقد فهمت الذي دعوتني إليّ من الصلح والحال فيما بيني وبينك اليوم، مثل الحال التي كنتم عليها أنتم وأبو بكر بعد وفاة النبي! فلو علمت إنك أضبط مني للرعية، وأحوط على هذه الأمة وأحسن سياسة وأقوى على جمع الأموال، وأكيد للعدو، لأجبتك إلى ما دعوتني إليه، ولو رأيتك لذلك أهلاً لسلمت لك الأمر بعد أبيك، فإن أباك سعى على عثمان، حتى قتل مظلوماً فطالب الله بدمه، ومن يطلبه الله فلن يفوته ثم ابتز الأمة أمرها، وخالف جماعتها فخالف نظراءه، من أهل السابقة والجهاد، والقدم في الإسلام، وادعى إنهم نكثوا بيعته، فقاتلهم، فسفكت الدماء واستحلت الحرم، ثم أقبل إلينا لا يدعي علينا بيعة ولكنه، يريد أن يملكنا اغتراراً فحاربناه وحاربنا، ثم صارت الحرب إلى أن أختار رجلاً واخترنا رجلاً ليحكما بما يصلح عليه، وتعود به الجماعة والألفة وأخذنا بذلك عليهما ميثاقاً، وعليه مثله، على الرضا بما حكما فأمضى الحكمان عليه الحكم، بما علمت وخلعاه، فوالله ما رضى بالحكم، ولا صبر لأمر الله، فكيف تدعوني إلى أمر، إنما تطلبه بحق أبيك وقد خرج، فانظر لنفسك ولدينك... وقد علمت، إني أطول منك ولاية وأقدم منك بهذه الأمة تجربة وأكبر منك سناً، فأنت أحق أن تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني، فادخل في طاعتي أعاننا الله وإيّاك على طاعته، انه سميع مجيب الدعاء)(١٦١)...
ومن خلال نظرة خاطفة على رسالة معاوية فإنها تحتوي على مغالطات مفضوحة وكذب صريح ويكفي أن ندلل على ذلك أنه قال في رسالته إن الأمة اجتمعت على أبي بكر واختارته، فإذا كان كذلك، أو لم تجمع الأمة على الإمام علي (عليه السلام) فلماذا شهر سيف البغي ضده وأعلنها حرباً على الدولة الإسلامية وحتى قتل أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كعمار بن ياسر الذي قال عنه رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (يا عمار تقتلك الفئة الباغية..). ومن فمك ندينك فلم يطلب معاوية البيعة من الإمام الحسن (عليه السلام) وقد بايعته الأمة وسلمته زمام أمورها؟ ثم إذا كانت جبهة الشام لم تبايع الإمام الحسن (عليه السلام)، فهي أيضاً لم تبايع ولم تدن في يوم من الأيام سلطة الخلفاء السابقين منذ ولاية معاوية عليها في عهد الخليفة الثاني عمر.
فأية ولاية يتشبث بها معاوية، وهي إنما كانت بئس الولاية وبئس التجربة، أراد منها زعامة سياسية وثاراً جاهلياً، وطمعاً شخصياً، وملكاً قلبياً. غير أنه لم يتخلّ عن مغالطاته الصريحة وكذبه المفضوح فقام ثانية بكتابة رسالة أخرى وبعث بها إلى الإمام (عليه السلام) وقال فيها: (بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فإن الله عز وجل، يفعل في عباده ما يشاء، لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب فاحذر أن تكون منيتك على أيدي رعاع من الناس، وآيس أن تجد فينا غمزة وإن أنت أعرضت عما أنت فيه وبايعتني، وفيت لك بما وعدت وأجزت لك ما شرطنا، وأكون في ذلك كما قال الأعشى بن بني قيس بن ثعلبة:

وإن أحداً أسدى إليك أمانة * * * فاوف بها تدعى إذا مت وافياً
ولا تحسب المولى إذا كان ذا غنى * * * ولا تجفه إن كان للمال فانياً

ثم الخلافة لك من بعدي، فأنت أولى الناس بها والسلام)(١٦٢).
حاول معاوية في رسالته هذه أن يرفع الإثارة والحدية مع الإمام (عليه السلام) فاعتمد أسلوب المراوغة والالتفاف، غير أن الإمام الحسن (عليه السلام) كشف النقاب عن الإطراء الأموي المزيف وكتب جواباً مختصراً أكد فيه الإمام (عليه السلام) موقفه الثابت تجاه السياسة الأموية وقال فيه: (أما بعد: فقد وصل إليّ كتابك، تذكر فيه ما ذكرت، وتركت جوابك، خشية البغي عليك، وبالله أعوذ من ذلك، فاتبع الحق تعلم أني من أهله، وعليّ إثم أن أقول فأكذب والسلام) وبهذه الرسالة يكون الإمام الحسن (عليه السلام) قد أوصد باب المراوغة أمام معاوية بعد أن ألقى عليه الإمام (عليه السلام) الحجة في رسالته الأولى، خاصة وأن معاوية عكف على استخدام الخداع والحياد عن الحق، وعلى ذلك تكون ـ والحال هذه ـ لغة المخاطبة والحوار هي الحرب ولهذا أنهى الإمام (عليه السلام) بجوابه الأخير لمعاوية أسلوب التفاوض وتسوية الخلاف على أساس الطرق السليمة، طالما أن المعتدي يصر على موقفه الرافض للتسليم للإمام الحق والحاكم الشرعي.
التعبئة العسكرية في الدولة الإسلامية:
وبعد أن أوقف الإمام (عليه السلام) المكاتبات مع معاوية، قام بالتعبئة العسكرية العامة وتثوير الشعب، وتشجيعه وتكتيل الطاقات في الداخل للاستعداد لخوض الحرب ضد معاوية ومعسكر الشام.
وخطب الإمام الحسن (عليه السلام) في الناس بهدف اطلاع الرأي العام الإسلامي على أبعاد القضية الراهنة وطرق علاجها فاجتمع الناس حول الإمام حسن (عليه السلام) فقام الإمام (عليه السلام) خطيباً فيهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
(أما بعد: فإن الله كتب الجهاد على خلقه وسمّاه كرهاً، ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين: (وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) فلستم نائلين ما تحبون إلا الصبر على ما تكرهون، وبلغني أن معاوية بلغه أنّا كنا أزمعنا على المسير إليه فتحرّك، لذلك اخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنخيلة حتى ننظر وتنظرون)(١٦٣). أراد الإمام (عليه السلام) في هذه الخطبة حث الناس على الجهاد وبعث فيهم الروح الثورية واستنهاض طاقات جماهير الأمة للحرب ضد معاوية.
أين الأمة من مسؤولية الجهاد؟
كانت الصدمة الأولى التي وقعت في بدء مرحلة الإعداد والتعبئة أن حصل إحجام من جماهير الأمة عن تلبية نداء قيادتها ورغبتها في الخنوع والراحة والتالي التنصل من الواجب المقدس..
وإن هذا الموقف المتخاذل الذي اتخذته جماهير الكوفة من الإمام الحسن (عليه السلام) إنما يعبر في حقيقته عن الروح الانطوائية وحب الراحة التي تعكس صورة الثقافة التخديرية الجامدة التي راجت وماجت في أوساط المجتمع الكوفي بعد أن خذل هذا المجتمع ـ من قبل ـ أمير المؤمنين (عليه السلام) وأكرهته على القبول بالمفاوضات مع معاوية.
وفي الواقع أن مثل هذه الثقافة من الممكن أن تغزو أي مجتمع خاصة وأنها تنمي عند الإنسان رغبة الراحة وحب الاستقرار وربما تجد لها مبرراً في أداء بعض المسؤوليات الدينية غير المجهدة أو المتعبة.. كما أن الناس حينما تعشق ثقافة الجمود يدفعها ذلك لأن تقف إلى جانب ذلك القائد الذي لا يطلب منها مسؤولية التحرك، ولا يكلفها مهمة البذل والعطاء، ولا يدفعها للإيثار والتضحية والذي بالتالي لا يعكر صف وضعها المعيشي...
ولذلك فإنّ مثل هذه الأمة تبحث وتتبنى الثقافة المخدرة الخاوية والخالية من المسؤوليات وتكتفي بتأدية الفرائض الاعتيادية والمسؤوليات البسيطة والتي لا تشكل خطورة عليها ولا تهدد مصالحها ورغباتها..
وفي مثل هذه الحالة، فإن البعض من الناس ترفض تبني الثقافة الثورية الداعية إلى الجهاد والتحرك والثورة ضد الواقع الفاسد، فتضع لنفسها التبريرات الواهية المستقاة من ثقافتها الجامدة فتعتبر التحرك الثوري تطرفاً، وأن الجهاد تهوراً وهكذا.
وهذا النمط من الثقافة ظهر وبوضوح في موقف الناس في الكوفة حينما دعا الإمام (عليه السلام) للتحرك والجهاد ضد معسكر الشام، حيث قابلت دعوة الإمام (عليه السلام) بالرفض ونكصت على عقبها وكأنما ألجمت أفواهها بالصمت معلنة عن تراجعها أمام قرار الحرب الذي اتخذه الإمام الحسن (عليه السلام).
وأمام هذا الموقف المتخاذل قام عدي بن حاتم من طليعة الإمام الحسن (عليه السلام) ليمزق طوق الصمت، مستنكراً من جواب الجماهير الانهزامي، ومعرباً عن سخطه وقال: (أنا ابن حاتم، سبحان الله ما أقبح هذا المقام ألا تجيبون إمامكم وابن بنت نبيكم، أين خطباء المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة، فإذا جد الجد فرّوا مراوغين كالثعالب أما تخافون مقت الله ولا عيبها وعارها...).
نستوحي من كلمة عدي بن حاتم هذه أنه كان يوجه انتقاداً لاذعاً لتلك الفئة المتبنية للثقافة الاستهلاكية والترف الفكري، والتي تتغذى على ثقافتها في زمن الهدوء والاستقرار، وتتخلى عن ثقافتها ـ كما يشير عدي في خطبته ـ في وقت الصراع والمواجهة... ثم اقترب عدي من الإمام الحسن (عليه السلام) وقال كلمات أعرب فيها عن استعداده للجهاد معه قائلاً: (أصاب الله بك المراشد، وجنّبك المكاره، ووفقك لما تحمد ورده وصدره، قد سمعنا مقالتك، وانتهينا إلى أمرك وسمعنا لك وأطعناك فيما قلت وما رأيت وهذا وجهي إلى معسكري فمن أحب أن يوافيني فليواف..).
قال بعده قيس بن سعد، وقيس بن عبادة الأنصاري، ومعقل بن قيس الرياحي، وزياد بن صعصعة التميمي، وقالوا بمثل ما قال عدي فأنّبوا الناس ولا موهم على الموقف المتخاذل الذي اتخذوه من الإمام (عليه السلام)، ثم استحثوا الناس للحرب ومقاومة المد الأموي ثم جاءوا للإمام (عليه السلام) وأعلنوا له عن استعدادهم لخوض الحرب معه، والإمام (عليه السلام) بدوره أعرب لهم عن ارتياحه من الموقف البطولي لصحابته فقال لهم: (صدقتم رحمكم الله ما زلت أعرفكم بصدق النية والوفاء والقبول والمودة الصحيحة فجزاكم الله خيراً)..
ولكن الحال أن خوض الحرب بحاجة إلى جيش، وهذا لا يكون إلا بتجنيد أعداد كبيرة من الناس محاولاً استنهاضهم وتشجيعهم ثانية للالتحاق بجبهات الحرب فقام الإمام (عليه السلام) خطيباً وقال: (معشر الناس: عفت الديار، ومحيت الآثار، وقلّ الاصطبار فلا قرار على همزات الشياطين وحكم الخائنين، الساعة والله صحّت البراهين وفصّلت الآيات، وبانت المشكلات، ولقد كنا نتوقع تمام هذه الآية تأويلها، قال الله عز وجلّ: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)(١٦٤).
فلقد مات والله جدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وقتل أبي (عليه السلام)، وصاح الوسواس الخنّاس في قلوب الناس، ونعق ناعق الفتنة، وخالفتم السنّة، فيا لها من فتنة صمّاء عمياء لا يسمع لداعيها، ولا يجاب مناديها، ولا يخالف واليها، أظهرت كلمة النفاق، وسيّرت رايات أهل الشقاق، وتكالبت جيوش أهل العراق، من الشام والعراق، هلّموا رحمكم الله إلى الافتتاح، والنور الوضّاح، والعلم الجحجاح، والنور الذي لا يطفئ، والحق الذي لا يخفى.
أيها الناس: تيقظوا من رقدة الغفلة ومن تكاشف الظلمة، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة، وتردى بالعظمة، لئن قام إليّ منكم عصبة بقلوب صافية وبنيّات مخلصة لا يكون فيها شوب نفاق ولا نية افتراق، لأجاهدن بالسيف قدماً ولأضيقنّ من السيوف جوانبها ومن الرماح أطرافها، ومن الخيل سنابكها فتكلموا رحمكم الله).
بهذا الخطاب البليغ الذي تقشعر له الأبدان وتصدع له العقول والأذهان، شرح الإمام الحسن (عليه السلام) خطورة الموقف، فدعا الناس إلى تحمل المسؤوليات الملقاة على عواتقهم. إلا أنه عميت أبصار قلوبهم عن مناصرة الحق ومقارعة الباطل، فاختارت لنفسها حياة الذل وسنرى ـ فيما بعد ـ كيف أن هذا الموقف الجبان كلف جماهير الكوفة وقطاع كبير من الأمة ثمناً باهظاً ومأساة رهيبة ونتائج سلبية في غاية الخطورة بسبب ذلك الموقف.
ومع ذلك لم يستسلم الإمام (عليه السلام) بالرغم من موقف الأمة السلبي هذا من أن يبادر في الاستعداد والتجهيز لحربه ضد معاوية، مع المجموعة تلك التي خرجت للقتال معه، هذه المجموعة التي سنأتي على شرح تركيبتها وقوامها، والدوافع الأساسية التي اعتمد عليها الإمام الحسن (عليه السلام) في إدخال هذه المجموعة ساحة الصراع المصيري ضد معاوية.
الفكر الاستراتيجي عند الإمام الحسن (عليه السلام):
بعد أن تمكن الإمام (عليه السلام) من حشد وتجنيد ما أمكنه من أبناء الأمة لحرب جيش الشام بدأ الإمام الحسن (عليه السلام) مرحلة تعبئة الصفوف إلى الجبهات...
وكانت أول فرقة عسكرية بعث بها الإمام (عليه السلام) هي فرقة عبيد الله بن العباس والتي تتشكل من اثني عشر ألف مقاتل، وهذه أكبر الفرق العسكرية في جيش الإمام الحسن (عليه السلام)، وقبل أن تتحرك هذه الفرقة وجه الإمام (عليه السلام) وصايا هامة لقائد الفرقة عبيد الله بن العباس جاء فيها: (يا ابن عمّ: إني باعث معك اثني عشر ألفاً من فرسان العرب وقرّاء مصر... فسر بهم وألن جانبك، وأبسط وجهك، وافرش لهم جناحك، وأدنهم من مجلسك، وسر بهم نحو الفرات، حتى تقطع بهم الفرات، ثم تصير بمسكن، ثم امضي حتى تستقبل معاوية فإن أنت لقيته، فاحبسه حتى نأتيك، فإني في أثرك وشيكاً، وليكن خبرك عندي كل يوم، وشاور هذين ـ يعني قيس بن سعد ـ وسعيد بن قيس ـ فإذا لقيت معاوية فلا تقاتلنّه حتى يقاتلك، وإن فعل فقاتله، فإن أصبت فقيس على الناس، وإن أصيب قيس، فسعيد بن قيس على الناس).
والإمام (عليه السلام) في حديثه مع عبيد الله بن العباس، تضمن مجموعة من الوصايا الضرورية للقائد العسكري والتي ترتبط بالصفات النفسية والأخلاقية عند القائد العسكري تجاه القيادة العليا للدولة من هذه الوصايا تنقسم إلى:
أولاً: أخلاقيات القائد العسكري:
فلقد سلط الإمام الحسن (عليه السلام) في وصاياه لعبيد الله بن العباس الضوء على بعد هام وهو البعد الأخلاقي في تعامل القائد العسكري مع عناصر فرقته هذا التعامل الذي ينعكس في طاعة جنود الفرقة واخلاصها لقائدها وتنفيذ القرارات الصادرة عنه بجدية وتفاني، وهذه بالتالي تترك آثارها في نتائج الحرب.
ومن الصفات الأخلاقية التي أوحى بها الإمام (عليه السلام) إلى عبيد الله بن العباس هي كالتالي:
أ. الرفق بالجنود:
إن طبيعة العمل العسكري والتدريبات البدنية الشاقة تتطلب من الجنود بذل جهود كبيرة حتى يتمكن الجنود من تأدية هذه المهمة على أحسن وجه، كقطع المسافات الطويلة، وصعود الجبال، والسهر في الليل، والبقاء فترة من الزمن دون غذاء أو شراب وغيرها...
غير أن المطلوب من القائد العسكري، ـ مع ضرورة هذه التدريبات في سبيل صقل شخصية الجندي وإعداده ـ أن لا يغفل هذا القائد قدرة تحمل الجنود والقابليات النفسية عند كل فرد من أفراد الفرقة خاصة إذا كان القائد يهدف من وراء كل ذلك تخريج كوادر عسكرية قادرة على القيادة في المستقبل، دونما الجمود على الأوامر، وتفريغ القرارات العسكرية من محتواها الأساسي.
ولذلك يوصي الإمام الحسن (عليه السلام) عبيد الله العباس بالرفق بالجنود (ألن جانبك).
ب. إدخال السرور على الجنود:
قد تكون الصرامة والجدية المفرطة في الجهاز العسكري حائلاً دون إشاعة المودة والسرور بين الجنود وقيادتها. فإذا كان الجهاز العسكري يعمل في إطار تربية الجنود على أساس خلق روحية خشنة تناسب مناخ العمل العسكري لا يعني ذلك أن يتعامل القائد العسكري مع جنوده وأفراد فرقته بخشونة وبصرامة خارج فترات التدريب.
وفي سبيل تشذيب هذا الأسلوب عند القائد العسكري، أي في تعامله مع عامة الناس والذي بالتالي يؤدي إلى صناعة حواجز نفسية ما بين القائد وجنوده، فتكون حلقات الوصل بين القرار القيادي وطاعة الجنود متشنجة ومشدودة لهذا يدخل عنصر التواضع في تفتيت الحواجز النفسية بين القائد العسكري وبين الجنود، ممّا يشكل عاملاً مهماً في التزام واحترام الجنود للقائد وتنفيذ الأوامر العسكرية باخلاص وقبول تام ورضى.
من هنا فالإمام الحسن يوصي ابن عباس (وافرش لهم جناحك).
ح. التعرف على مشاكل وهموم الجنود:
في سبيل إعداد كادر عسكري مخلص وقوي يتطلب من القائد العسكري أن يكون قادراً على توفير الإمكانيات النفسية الفاعلة في الجيش وهذا لا يتم إلا بالتعرف على المشاكل التي تكتنف مسيرة أفراد الجيش وتعميق نموهم واستقامتهم هذا ويلزم على القائد العسكري أن يضع في عين الاعتبار أن الجندي ليس آلية عسكرية جامدة تتحرك بفعل المؤثرات الخارجية، بل هو روح تنقبض وتنبسط له هموم ورغبات كغيره من أفراد المجتمع، وأن انتمائه في السلك العسكري لا ينفي أي من تلك الهموم والرغبات.. بل إن وظيفة القائد هي تشذيب تلك الهموم والرغبات والتعامل معها بواقعية معتمداً في ذلك على قاعدة (لا إفراط ولا تفريط) وهذا إنما يتم عبر تعرف القائد العسكري على هموم ومشاكل الجنود من خلال عقد اللقاءات الودية والحوار المشترك حتى يكون هذا القائد على علم بما يجري في الداخل أفراد الفرقة ومدى الاستعداد النفسي عند كل فرد مستوى التفاعل مع قرارات القائد العسكري فالإمام يقول (وأدنهم من محلك).
هذه كانت مجموعة من الوصايا التي وجهها الإمام الحسن (عليه السلام) إلى عبيد الله ابن العباس الذي نصبه الإمام (عليه السلام) قائداً عسكرياً على الفرقة الأولى المتوجهة إلى معسكر النخيلة وترتبط هذه الوصايا بالبعد الأخلاقي.
وهناك مسؤوليات هامة على القائد العسكري تجاه القيادة العليا للدولة، ذكرها الإمام الحسن (عليه السلام) لعبيد الله بن العباس ومنها.
أولاً: الالتزام بالقرارات العليا:
هناك مجموعة من الحدود الثابتة التي لا يحق للقائد العسكري أن يتجاوزها، أو يبت فيها كونها تختص بالاستراتيجية العامة للدولة ومن تلك الحدود هي قرار بدء الحرب أو تقرير مصيرها والتي هي من صلاحيات القائد الأعلى للدولة وإن كان له فرصة التشاور ولكن لا يحق له أن يتخذ قراراً فردياً في هذا الشأن، حيث أن مثل هذا القرار يرتبط بالخطة الاستراتيجية العامة في الدولة.
هذا إضافة إلى أن تعاليم الإسلام توحي بأن لا يبدأ المسلمون الحرب من جانبهم حتى يبدأ العدو وفي ذلك لإتمام الحجة عليه ويقول الإمام الحسن (عليه السلام) لابن عباس (فإن أنت لقيته فاحبسه).
ثانياً: رفع التقارير اليومية واطلاع القيادة العامة على مجريات الحرب:
للمهمة الصعبة والخطيرة التي يقوم بها الجيش ـ بكل فصائله ـ في الحرب ضد العدو، والتحركات التكتيكية والاستراتيجية الحساسة والتي تؤثر في مستقبل ومصير الحرب وبالتالي مستقبل الدولة وجوداً وعدماً، يلزم ذلك على القائد العسكري رفع التقارير اليومية للقيادة العليا، يشرح فيها سائر الأوضاع على جبهات الحرب بما فيها تحركات العدو وإعداداته ومواقعه، كل ذلك بصورة تفصيلية، والتي تساعد القيادة العليا على ضوء تقارير القائد العسكري في أن تضع الخطط الكفيلة والمناسبة في مواجهة تحركات جيش العدو، ومعرفة احتياجات قوات الجيش.
يقول الإمام الحسن (عليه السلام) لابن عباس، (وليكن خبرك عندي كل يوم).
ثالثاً: إقرار الشورى مع الكفاءات العسكرية في الجيش:
كون الفرقة العسكرية لا تقتصر تركيبتها على قائد عسكري وجنود اعتياديين ـ فضلاً عن داخل الجيش ـ بل هناك رتب عسكرية متفاوتة وفي أوساط هذه الرتب توجد كفاءات قادرة على التخطيط والمشاركة في صياغة القرار العسكري المخوّل بيد القائد العسكري ـ لاعتبارات مختلفة منها الخبرة والتجربة الطويلتين عند أفراد هذه الرتب خلال فترة العمل العسكري، والتي ساعدتهم في الوصول إلى مستوى متقدم في ميدان العمل العسكري.
ولهؤلاء الحق على القائد العسكري أن يشركهم في التفكير والمشاورة فيما يرتبط بمهام القائد العسكري فيوصي الإمام (عليه السلام) عبيد الله بن عباس ويقول له: (وشاور هذين قيس بن سعد وسعيد بن قيس).
رابعاً: اعتماد النوّاب:
يمثل القائد العسكري الرأس من الجسد، لذلك فهو أكثر حساسية وخطورة، وغالباً ما يقوم العدو بشل الجسد العسكري عبر اقتناص الرأس المتمثل في القائد العسكري، وذلك بهدف إثارة البلبلة والتخبط بين أفراد الجيش، ممّا يؤدي إلى شلّ التحرك العسكري وشقّ صفوف الجيش، وبالتالي القضاء على مفعول العمليات التي ينفذها عناصر الجيش كونها غير خاضعة لإشراف ونظر القائد العسكري أو تعرضه للتصفية.
ولذلك جاءت ضرورة تعيين نواب يكونوا على درجة من الكفاءة والخبرة في المجال العسكري للحيلولة دون إصابة الجيش بحالات من التدهور والانهيار في حال غياب القائد العسكري أو تعرضه للتصفية.
وهناك نقطة ضرورية وحساسة هي أن تعيين النواب في داخل الفرقة الواحدة يدفع خطر الانشقاق العسكري والتمرد والذي يسبب إثارة النزاعات والخلافات بين أفراد الفرقة في سبيل الاستئثار بمنصب القيادة... فالإمام (عليه السلام) يوصي ابن عباس: (فإن أصبت فقيس على الناس وأن أصيب قيس فسعد بن قيس على الناس).
وهنا قد يتساءل البعض عن ماهية الدوافع الرئيسية التي أدت بالإمام الحسن (عليه السلام) لأن يبعث في المرحلة الأولى بأكبر فرقة عسكرية وهي فرقة عبيد الله ابن العباس التي يبلغ عددها اثني عشر ألف جندياً والتي تضم أفضل الكفاءات العسكرية في جيش الإمام (عليه السلام) وكان لها دور فاعل وبارز في حرب صفين مع الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في حربه ضد جيش معاوية؟
والجواب على ذلك أن الهدف من وراء إرسال فرقة عبيد الله بن العباس بهذا الحجم والكيفية إنما كان لسببين وهما:
أولاً: إن الإمام الحسن (عليه السلام) أراد أن يظهر جانب القوة في جيشه أمام جيش الشام لذلك كانت فرقة عبيد الله بن العباس هي أقوى فرقة في جيش الإمام (عليه السلام) من حيث الكم والكيف، ومن جهة ثانية، الإمام (عليه السلام) إنما قدم أصحابه وطليعته لإثارة الحماس في نفوس الناس الذين تثاقلوا عن نصرة الإمام (عليه السلام)، وبعث فيهم روح الحماس والشجاعة للخروج مع الإمام (عليه السلام) في حربه ضد معاوية.
ثانياً: إدخال الرعب وإنزال الهزيمة النفسية بالعدو كون أن هذه الفرقة كانت تشكل خطورة بالغة على جيش الشام، حيث كان لها دوراً فاعلاً في إنزال ضربات ساحقة في معركة صفين حتى تكبد معاوية في ليلة الهرير تسعين ألف قتيل والتي اعتبرت أكبر هزيمة عسكرية قبل أن يستخدم معاوية خدعة رفع المصاحف لإيقاف مسلسل هزائمه في هذه المعركة.
لذلك الإمام الحسن (عليه السلام) في هذه الفرقة أراد أن يذكّر جيش الشام بصفين لإضعاف معنويات أفراد العدو.
ثم، وبعد مغادرة أول فرقة عسكرية بقيادة عبيد الله بن العباس والتي نزلت مسكن والأنبار وجواريها، واصل الإمام الحسن (عليه السلام) نداءاته في استنفار الجماهير للتعبئة العسكرية العامة، بينما بعث حجر بن عدي إلى العمال والولاة لكي يأمرهم باستنفار الناس والمسير بهم نحو معسكرات الإمام الحسن (عليه السلام) خارج الكوفة. وتمكن حجر أن يجند مجموعة من الناس للحرب مع الإمام (عليه السلام) ضد معاوية ويذكر الشيخ المفيد (رحمه الله) في الإرشاد أنه (سار معاوية نحو العراق ليقلب عليه ـ أي على الإمام (عليه السلام) ـ فلما بلغ جسر منبح (عشر فراسخ عن حلب) تحرك الحسن (عليه السلام) وبعث حجر بن عدي يأمر العمال بالمسير، واستنفر الناس للجهاد فتثاقلوا عنه ثم خفّوا معه أخلاط من الناس بعضهم شيعة لأبيه، وبعضهم محكمّة يؤثرون قتال معاوية بكل حيلة وبعضهم أصحاب فتن وطمع في الغنائم وبعضهم شكّاك، وبعضهم أصحاب عصبية اتبعوا رؤساء قبائلهم لا يرجعون إلى دين). وهذا المزيج من الناس التي خرجت مع الإمام (عليه السلام) كانت تشكل (٢/٥) من جيش الإمام (عليه السلام) ـ أي ثمانية آلاف رجلاً ـ وليس كما ذكر بعض الكتّاب المؤرخين على أن كل جيش الإمام الحسن (عليه السلام) تشكل من هذا المزيد ـ وذلك لأن حديث الشيخ المفيد (رحمه الله) يتعلق فقط بالفرق العسكرية التي خرجت مع الإمام الحسن (عليه السلام) بعد مغادرة فرقة عبيد الله بن العباس والتي بعثها بها الإمام (عليه السلام) في أول الأمر.
وهنا يمكن أن نتوقف قليلاً للتعرف على طبيعة الفرق العسكرية التي تحدث عنها الشيخ المفيد (رحمه الله) والتي خرجت مع الإمام الحسن (عليه السلام) وهي كالتالي:
١ـ الطليعة الرسالية:
وهذه تؤمن بحق الإمام الحسن (عليه السلام) المشروع في ولاية المسلمين وتقف إلى جانبه كما وقفت إلى جانب أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهذه الفئة هي قليلة قياساً بغيرها من الفئات الأخرى في الفرق العسكرية لجيش الإمام الحسن (عليه السلام).
٢ـ المحكمّة:
وسُميت بهذا الاسم لأنها قبلت بالتحكيم في حرب صفين وطلبت من الإمام علي (عليه السلام) القبول بذلك، ثم تظاهرت على الإمام علي (عليه السلام) بعدان أكرهته على التحكم. وهذه الفئة تكيد العداوة لمعاوية وتسعى لحربه بأي صورة كانت وتحت أية لواء كان طالما ضد معاوية إلا أن هذه الفئة لا تحمل ولاءً حقيقياً للإمام الحسن (عليه السلام)، وإنما أرادت أن تحارب مع الإمام (عليه السلام) ضد معاوية لأنها وجدت في الإمام (عليه السلام) لواءً يمكنها الانضواء تحته في الحرب ضد عدوها.
٣ـ المصلحيّون والمحاربون للمغنم:
وهذه الفئة لا تحمل هدفاً مقدساً أو غرضاً سامياً وإنما تستخدم الحرب كوسيلة لاكتساب المغانم وتحقيق المصالح والرغبات الشخصية. وهذه الفئة لا يمكن أن تدخل صراعاً حقيقياً بل لديها القابلية لانقلاب على الإمام الحسن (عليه السلام) والانحيار إلى جانب معاوية في حالة لو تعرض جيش الإمام (عليه السلام) للانكسار والتقهقر.
٤ـ الشكّاكون والمتذبذبون:
هذه الفئة لا تقف على أرض ثابتة وليس لها قدم راسخ فهي كالماشي على رمال متحركة، لا يقر لها قرار، ولا يهدأ لها بال، فقد يطفح كيل الشك بها فتترك الموقع التي هي فيه وتنزح إلى الأعداء وهذه الفرقة من الصعب الاعتماد عليها أو إيلائها الثقة في حال السلم فكيف في حال الحرب التي فيها امتحان الإرادات.
٥ـ أتباع الفكر القبلي:
أما هذه الفئة فينحصر ولاؤها لزعماء القبيلة، فهي تتلقّى أوامرها من هؤلاء الزعماء، فتقدم طاعة رؤساء القبيلة وزعاماتها على طاعة الإمام الحسن (عليه السلام)... وعليه فإن هذه الفئة غير قابلة لأن تتبع استراتيجية الإمام (عليه السلام) في حربه مع معاوية إلا بما يمكن زعماء القبيلة عليها.
وهنا يطرح السؤال التالي: إذا كان هذا حال الفرق، إذن لماذا جندهم الإمام الحسن (عليه السلام) في حربه ضد معاوية؟
والجواب على ذلك: لعل هناك سببين رئيسين في ذلك وهما:
أولاً: أراد الإمام (عليه السلام) توجيه كافة الحراب نحو معاوية، ولوجود جبهات معارضة في داخل الكوفة ضد جبهة الشام، لذلك استفاد الإمام (عليه السلام) من حركات المعارضة في الحرب مع معاوية بالرغم من اختلاف أهدافها وتطلعاتها.
ثانياً: لم يكن الإمام يأمن غائلة هذه الفرق خاصة وأن فيها من هي على استعداد تام لشهر السلاح ضد الإمام فيما لو لم يتم استغلالها وتوجيه سهامها نحو عدو آخر لها، من جهة ثانية أن بعض هذه الفئات لديها القابلية للحرب مع معاوية ضد الإمام وإذا لم يستفد منهم الإمام في حربه ضد معاوية، من الممكن أن يغريهم معاوية ويجندهم لصالحه، وفيهم من يركع لبريق المعدن ويسجد لطعم المال والشهوة والمنصب.
١ـ خيانات الجيش:
وبعد أن تحرك الإمام الحسن بالناس ووصل بهم معسكر المدائن بدأ يعدّ الفرق ويجهز الصفوف لخوض الحرب، وفي هذه الأثناء وصلت رسالة مستعجلة من قيس بن سعد إلى الإمام جاء فيها (إنهم نازلوا معاوية بقرية يقال لها الجنوبية بإزاء مسكن، وإن معاوية أرسل إلى عبيد الله بن العباس، يرغبه في المسير إليه، وضمن له ألف ألف درهم يعجل له فيها النصف، ويعطيه النصف الآخر عند دخوله الكوفة، فانسلّ عبيد الله في الليل إلى معسكر معاوية في خاصته...)(١٦٥).
كانت هذه الرسالة تشكل الصدمة العنيفة والكبرى التي هزّت القوى المجنّدة في جيش الإمام الحسن (عليه السلام) وهذه الصدمة حدثت بعد أن بث معاوية شائعة في أوساط جيش الإمام المرابط في الأنبار ومسكن، في رسالة بعثها معاوية إلى عبيد الله بن العباس قال فيها: (إن الحسن قد أرسلني في الصلح، وهو مسلّم الأمر إليّ فإن دخلت في طاعتي متبوعاً، وإلا دخلت وأنت تابع)(١٦٦).
ولقد قدم معاوية في رسالته الإغراءات المادية إلى عبيد الله بن العباس التي هي عبارة عن مائة ألف ديناراً يستلم نصفها حال وصوله إليه، والنصف الآخر في الكوفة بعد أن يدخلها معاوية للسيطرة على السلطة هذا إضافة إلى أن معاوية أخبر عبيد الله بأنه سيمنحه أحد كور الشام. وحينما وصلت هذه الرسالة من معاوية إلى عبيد الله بن العباس، جلس الأخير ينظر في ترغيبات معاوية، وراح يهيم بفكره المسند بشيطان الهوى إلى ما سيناله من أموال وقطائع وغاب عن ذهنه الهدف المقدس الذي جاء من أجله لمحاربة معاوية، فلم يخطر بباله عاقبة السوء التي تنتظره فآثر حب الذات والشهوات على هدفه الكبير.
وفي منتصف الليل سار عبيد الله على رأس ثمانية آلاف رجل، متخفياً صوب جبهة معاوية، فسلّم نفسه إليه مؤثراً إلحاد معاوية على إيمان إمامه الحسن (عليه السلام).
يقول اليعقوبي: (أنه ـ أي معاوية ـ أرسل عبيد الله بن عباس، وجعل له ألف ألف درهم، فصار إليه في ثمانية آلاف من أصحابه، وأقام قيس بن سعد على محاربته)(١٦٧).
... تسلم قيس بن سعد قيادة الجيش في الأنبار ومسكن، فصلى بالناس ثم خطب فيها خطبة أراد فيها استعادة معنويات الجيش المنهارة، وتسوية ما جرى من شكوك وظنون في داخل أفراد الفرقة، من هول الفتق الذي سببه عبيد الله في الجيش. فقال قيس في خطبته: (أيها الناس: لا يهولنكم ولا يعظمن عليكم ما صنع هذا الرجل المولّه، إن هذا وأباه وأخاه لم يأتوا بيوم خير قط، إن أباه عم رسول الله خرج يقاتله ببدر فأسره أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري فأتى به رسول الله فأخذ فداءه فقسمه بين المسلمين وإن أخاه ولاّه علي (عليه السلام) البصرة (البصرة) فسرق ماله ومال المسلمين، فاشترى به الجواري وزعم أن ذلك له حلال وأن هذا ولاّه على اليمن فهرب من بسر بن أرطأة وترك ولده حتى قتلوا وصنع الآن هذا الذي صنع).
وبعد أن وصل خبر عبيد الله بن العباس إلى الإمام الحسن (عليه السلام)، عمد بعدها الإمام (عليه السلام) إلى تعبئة الفراغ الذي خلّفه عبيد الله في جبهة الأنبار فوجه رجلاً آخر من كندة على رأس أربعة آلاف مقاتل وطلب منه الإمام (عليه السلام) أن لا يحدث شيئاً حتى تأتيه الأوامر من الإمام (عليه السلام).
ثم سار هذا الرجل مع فرقته متوجهاً نحو الأنبار، فنزل بها يستعد لتنفيذ أوامر الإمام (عليه السلام)، ووصل خبره إلى معاوية يفيد بوصول فرقة عسكرية جديدة إلى الأنبار، فأرسل معاوية رسالة إغراء مماثلة إلى قائد هذه الفرقة وقال له فيها (إنك أن أقبلت إليّ أوّلتك بعض كور الشام والجزيرة غير منفّس عليك).
كما أرفق معاوية مع رسالته هذه خمسمائة ألف درهم، فلما وصلت الرسالة إلى الكندي هاجت نفسه للقبول بإغراءات معاوية، والخضوع لترغيباته، فانسلّ ومائتا رجل باتجاه معسكر الشام، فترك فرقته دونما قيادة.
وعلم الإمام الحسن (عليه السلام) بخبر الكندي فقام وخطب في الناس وقال: (هذا الكندي توجه إلى معاوية وغدر بي وبكم وقد أخبرتكم مرة بعد مرة أنه لا وفاء لكم، أنتم عبيد الدنيا، وأنا موجه رجلاً آخر مكانه وإني أعلم أنه سيفعل بي ما فعل صاحبه ولا يراقب الله فيّ ولا فيكم).
ثم طلب الإمام (عليه السلام) رجلاً من مراد فسلّمه زمام القيادة العسكرية وأمدّه(١٦٨) بأربعة آلاف رجل، وقبل أن يغادر المرادي المدائن، جاء إلى الإمام (عليه السلام) أمام جموع الناس وعلى مرأى ومسمع منهم وحلف بالإيمان المغلظة التي لا تقوم لها الجبال بأنه لن يفعل ما فعله من كان قبله من القادة العسكريين.
وسار المرادي مع كتيبته إلى الأنبار، فلمّا وصل، جاء خبره إلى معاوية فعاود الأخير الكرّة ثالثة وأرسل إلى المرادي يغريه ويرغبه في المسير إليه وأرفق بالرسالة خمسة آلاف درهم كما وعده إحدى كور الشام والجزيرة، ولما وصلت الرسالة إلى المرادي مالت به ريح الشهوات إلى معاوية، فسلك الطريق إليه تاركاً وراءه العهود والمواثيق والأيمان التي اقتطعها على نفسه للإمام الحسن (عليه السلام). ولما بلغ الخبر الإمام (عليه السلام) جاء إلى الناس وقال: (قد أخبرتكم مرة بعد أخرى أنكم لا تفون لله بعهد وهذا صاحبكم المرادي غدر بي وبكم وصار إلى معاوية).
وأخيراً فما صمدت من الثلاثة فرق العسكرية التي بعث بها الإمام الحسن (عليه السلام) إلى جبهات القتال سوى المجموعة المتبقية من فرقة عبيد الله بن العباس والتي يبلغ عددها أربعة آلاف رجل وقد تسلم قيس بن سعد قيادة هذه البقية من الفرقة تلك.
٢ـ مخطط اغتيال الإمام الحسن (عليه السلام)
أ- المحاولة الأولى: بينما كان الإمام (عليه السلام) يستحث الناس للنهوض والانخراط في صفوف الجيش لحرب معاوية، كان الأخير ـ حينئذ ـ يغرق الكوفة من رسائله إلى رؤساء العشائر وزعماء القبائل من أمثال عمرو بن حريث، والأشعث بن قيس، والحجر بن الحجر، وشبث بن ربعي... وكانت هذه الرسائل تحتوي على فكرة مشتركة واحدة وهي: (إنك إن قتلت الحسن بن علي فلك مائتا ألف درهم وجند من أجناد الشام وبنت من بناتي).
وحينما كشف الإمام الحسن (عليه السلام) عن مؤامرة معاوية هذه، ارتدى درعاً واقياً فلا يتقدم الإمام (عليه السلام) للصلاة دونه، فيما كانت المجموعة ترسم مخطط الاغتيال ضد الإمام (عليه السلام) وقد اختارت هذه المجموعة موعد تنفيذ المخطط العدواني في وقت يكون فيه الإمام (عليه السلام) متلبساً، بالصلاة، فتحرك أحد أفراد المجموعة في الوقت المحدد لتنفيذ عملية الاغتيال، وبينما كان الإمام الحسن (عليه السلام) يصلي في مسجد الكوفة، قام ذلك المجرم بتسديد سهم في كبد قوسه، ثم أطلقه نحو الإمام (عليه السلام) فوقع السهم في منطقة الدرع الذي كان يلبسه الإمام (عليه السلام) فحال ذلك دون نجاح مخطط الاغتيال وبالتالي فشلت مؤامرة معاوية.
ثم قام الإمام الحسن (عليه السلام) بعد أن انتهى من صلاته خاطباً في الناس ومحذراً أقطاب المؤامرة وبعض الفئات المتعاطفة مع معاوية فقال: (يا قوم ويلكم والله أن معاوية لا يفي لأحد منكم بما ضمنه في قتلي وإني إن وضعت يدي في يده فأسالمه لم يتركني أدين بدين جدي وإني أقدر أن أعبد الله عز وجل وحدي ولكن كأني أنظر إلى أبنائكم واقفين على أبواب أبنائهم يستسقونهم ويستطعمونهم ممّا جعل الله لهم فلا يسقون ولا يطعمون فبعداً وسحقاً لما كسبته أيديهم (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)(١٦٩).
وكشف الإمام (عليه السلام) في خطبته هذه النقاب عن الجهة التي كانت وراء تنفيذ محاولة الاغتيال، حينما ذكر الإمام (عليه السلام) السبب الرئيسي وراء إقدام هذه الجهة على عملية عدوانية تسعى منها إلى تحقيق بعض المصالح والمطامع المادية التي وعدهم بها معاوية.
ثم انه (عليه السلام) حذر من مغبة النتائج التي تعقب تنفيذ مثل هذه المؤامرة الخبيثة، ومنها سيطرة معاوية على الحكم وإقراره نهجاً سياسياً فاسداً في إدارة الدولة الإسلامية، خاصة وأن هذه السيطرة ستقوم على غير شرعية الجماهير وارادتها، وأنّ الهدف الرئيسي من إقدام مرتزقة زعماء القبائل على تنفيذ عملية الاغتيال ضد الإمام الحسن (عليه السلام) إنما هو ضرب الشرعية الجماهيرية المتمثلة في قيادة الإمام الحسن (عليه السلام) وبذلك فرض نظام قمعي وإرهابي غير مستند على تأييد ودعم الجماهير.
وفي الواقع أن هذا يتم في حال غياب الوعي السياسي في الأمة، واسترسال الجماهير في البحث عن وسائل الرفاه والراحة واستسلامها للضغوطات وانتشار حالة التململ من الجهاد والمقاومة، هذه وغيرها من الأسباب حالت دون وقوف أبناء المجتمع في الكوفة والبصرة وغيرها، إلى جانب الإمام الحسن (عليه السلام).
هذا في وقت أن الإمام (عليه السلام) يستصرخ ضمائر الناس، ويكشف لهم عن الطبخات الأموية ومؤامرات معاوية في سبيل كرسي الحكم والتسلط على رقاب الشعب بالقوة والإكراه غير أن المشكلة الأم هي حينما تسكت الأمة عن حقوقها، وتطالب بالسلم وإن كان فيه الذلة لها وتهرب من الجهاد والمقاومة وإن كان فيه عزّتها وكرامتها.
إن مثل هذه الأمة تكون عرضة لألوان الهيمنة والتبعية، وبذلك تكون بمثابة الساحة المكشوفة التي تنفذ فيها المؤامرات في وضح النهار، وتمر في أرضها عربة المخططات السياسية، دونما اكتراث لصوت المعارضة، أو تأثير لصرخة الضمير الحر، فيقتل القادة، وتُباد الطليعة أو تُعتقل، ويُفرض الإرهاب في كل مكان...
فحينما يخيّم التقاعس في الأمة، ويضرب الملل أطنابه فيها فإنّ ذلك يعني تسليم مفاتيح الدولة للقوى المناوئة الداخلية والخارجية والسماح لها في التغلغل إلى داخل المجتمع والسيطرة على ممتلكاته وخيراته... وهذا إنما يتم حينما تنطفئ شمعة اليقظة، وتخبو روح المسؤولية عند أبناء هذه الأمة.
كما أن انكفاء الجماهير عن محاربة القوى المعادية والمتآمرة يعني ذلك إطلاق اليد لتلك القوى لتنفيذ سلسلة من المؤامرات المتلاحقة والشديدة الخطورة التي تهدد وجود الدولة واستقلالها.
ولذلك لمّا تنصلت الجماهيري عن المسؤولية الشرعية في دعم وتأييد ومناصرة الإمام الحسن (عليه السلام) كانت النتيجة الطبيعية والأتوماتيكية هي أن تتحول هذه الجماهير إلى لقمة سائغة للمخططات السياسية التي ينفذها العدو ضدها، بل قد يدفع هذا العدو جماهير الأمة في أن تشارك في تنفيذ مخططه ضد نفس هذه الجماهير.
وعلى العكس تماماً فيما لو استنهضت الجماهير قواها، وقدراتها وطاقاتها الذاتية وانتزعت المبادرة من إشغال العدو، فإنها حينئذ تكون قد ساهمت في صد الهجمات العدوانية، وتمكنت بذلك من تحصين حدودها من الغزو الخارجي، وضمان استقلالها.
وهنا نشير إلى مسألة هامة وهي أن البعض من الناس يعتقد بأن بث الوعي كفيل بتغيير الأوضاع السائدة في الأمة. غير أن عملية التغيير لا يمكن أن تتم إذا لم تساندها إرادة التغيير، فوجود حالة الوعي في الأمة لا تعني بحد ذاتها تغييراً حقيقياً في واقع الأمة حتى تنقدح هذه الحالة في صورة إرادة تغييرية عند الجماهير تسعى عبرها في تحريك الساحة الجماهيرية للثورة على الواقع الفاسد.
ب. المحاولة الثانية: أجرى الإمام الحسن (عليه السلام) ثلاث محاولات لاستعادة قوة الجيش، بعد ظهور الخيانات من قبل القادة العسكريين، بحيث تسلم بعدها الإمام (عليه السلام) قيادة الجيش فاجتمع الناس من حوله وقالوا: إن خانك الرجلان وغدرا بك فإنا مناصحون لك.
فقال الإمام (عليه السلام) لهم: لأعودن هذه المرة فيما بيني وبينكم وإني لأعلم أنكم غادرون ما بيني وبينكم، إنّ معسكري بالنخيلة فوافوني هناك والله لا تفون لي بعهدي ولتنقضن الميثاق بيني وبينكم)(١٧٠).
وبعد أن اتخذ الإمام (عليه السلام) قرار قيادة الجيش، تحرك نحو النخيلة وكان معه أربعة آلاف رجل، وحينما وصل الإمام (عليه السلام) إلى دار بكر نزل في ساباط ـ دون القنطرة ـ وهي إحدى قرى منطقة المدائن فبات الإمام (عليه السلام) مع جيشه في هذه القرية.
وفي صباح الغد وقرب موعد المسير إلى النخيلة، أراد الإمام الحسن أن يمتحن إرادة الجيش وأن يستبرئ ذمم الجيش وطاعتهم للإمام (عليه السلام) بهدف فرز الموالين من الخائنين ويكون على بصيرة من لقاء معاوية وأهل الشام، فأمر (عليه السلام) أن ينادي بالصلاة جامعة، فاجتمعوا، فصعد المنبر فخطبهم فقال: (الحمد لله كلّما حمده حامد، وأشهد أن لا إله إلا الله كلّما شهد له شاهد، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق وائتمنه على الوحي (عليه السلام)، أما بعد: فوالله إني لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنّه وأنا أنصح خلق الله لخلقه وما أصبحت محتملاً على مسلم ضغينة ولا مريداً له سوءاً ولا غائلة إلا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم ممّا تحبون في الفرقة، إلا وإني ناظر لكم خيراً من نظركم لأنفسكم فلا تخالفوا أمري ولا تردوا عليّ رأيي، غفر الله لي ولكم، وأرشدني وإياكم لما فيه المحبة والرضا)(١٧١).
ومن الواضح في هذه الخطبة أن الإمام (عليه السلام) إنما أراد استيضاح طاعة الجيش للإمام (عليه السلام) خاصة وأن الخيانات التي ارتكبتها قيادات الجيش في السابق تركت أثراً بالغاً وأعطت انطباعاً سيئاً عند أفراد الجيش، هذا بالإضافة إلى أن حبل الولاء بين الجندي والقائد أصبح شبه مقطوع.
وأن الإمام الحسن (عليه السلام) الذي عاش تجربة مريرة مع مختلف فصائل الجيش فوجد أن طاعة الجنود لقياداتها في الباطل ـ أكبر ممّا هي عليه بالنسبة للحق ـ كيف وقد انسل قطاع كبير من الجيش مع القادة العسكريين إلى جبهة العدو، فكان من الضروري غربلة النوايا فيما يرتبط بالحرب فبعد أن انتهى الإمام (عليه السلام) من خطبته، أخذ ينتظر ردود فعل الجيش فنظر الناس بعضهم إلى بعض وقالوا ما ترونه يريد بما قاله؟ قالوا: نظنه والله أن يصالح معاوية ويسلم الأمر إليه فقالوا: (كفر والله الرجل)، فهجموا على الإمام (عليه السلام) وانتهبوا متاعه وفسطاسه ثم كمن له رجل خارجي يدعى (الجراح ابن السنان) في الساباط ليقوم بتنفيذ عملية الاغتيال فعندما مرّ الإمام (عليه السلام) على الساباط، صرخ الخارجي قائلاً: (الله اكبر أشركت كما أشرك أبوك من قبل) ثم طعن الإمام (عليه السلام) برمح في فخذه حتى وصل العظم.
فسقط الإمام (عليه السلام) إلى الأرض وقد نزف دمه الشريف من فخذه ثم قال (عليه السلام): (عليكم لعنة الله من أهل قرية، فقد علمت أن لا خير فيكم، قتلتم أبي بالأمس واليوم تفعلون بي هذا)(١٧٢). فحمل الإمام الحسن (عليه السلام) إلى المدائن حيث دار سعد ابن مسعود الثقفي (والي المدائن) منذ عهد الإمام علي (عليه السلام) لتلقي العلاج هناك.
أما عن الجيش فأقل ما يمكن أن يقال عنه أنه لا يصلح لأن يخوض حرباً، ما دام يفتقر إلى العصب الرئيسي في تحركه وهو طاعة القيادة والالتزام بأوامرها، خاصة وأن هذا الجيش ـ كما عرفنا ـ لم يقترب بعد من خط النار ومن جبهة المواجهة فلم تشتبك بعد السيوف والأسنة والتي فيها صراع خبايا وخفايا الجنود وامتحان الإرادات وإظهار المعدن والجوهر.
وإن جيشاً مثل هذا لا يعلن ولاءه الكامل لقيادته، بل ويحاول اغتيالها فمن الصعب الحديث عن مقومات القدرة العسكرية عند الجيش، في ظل غياب المحور الأساسي ودينامو قدرات الجيش وامكانياته وهي طاعة القيادة، والتي بدونها تعني التخبط والفوضى والعشوائية... الخ، وبالتالي نزول الهزيمة بساحة المسلمين...
في حين نجد أن الإمام الحسن (عليه السلام) حينما يتحدث عن الجسم العسكري يركز على وحدة الصف والمصير ومحورها طاعة القيادة ففي خطبة للإمام (عليه السلام) ألقاها في الناس وهو يستحثهم لقتال معاوية قال (عليه السلام): (الحمد لله لا إله غيره، ولا شريك له...، إن ممّا عظم الله عليكم من حقه، وأسبغ عليكم من نعمه ما لا يحصى ذكره، ولا يؤدي شكره ولا يبلغه قول ولا صفة، ونحن إنما غضبنا لله ولكم، إنه لم يجتمع قوم قط على أمر واحد إلا اشتد أمرهم، واستحكمت عقدتهم فاحتشدوا في قتل عدوكم معاوية وجنوده، ولا تخاذلوا فإن الخذلان يقطع نياط القلوب، وإن الإقدام على الأسنة نخوة وعصمة، لم يمتنع قوم قط إلا رفع الله عنهم العلّة وكفاهم حوائج الذلّة، وهداهم معالم الملّة).
وفي هذه الخطبة الرائعة يؤكد الإمام (عليه السلام) على مسألة خطيرة وحساسة في داخل الجيش وهي اتفاق أفراد الجيش على هدف واحد ومصير واحد، واعتبر الإمام (عليه السلام) ذلك قطب الرحى في حركة الجيش بشتّى أنواعها وألوانها، ويشير الإمام (عليه السلام) إلى فائدتين عظيمتين من وراء وحدة الهدف والمصير في داخل الجيش وهما:
الأولى: تصليب الإرادة وتقوية الجسم العسكري، إضافة إلى بعث روح الجدّيّة والنشاط والتضحية في المواجهة وإنزال الضربات الساحقة في عمق مناطق حشود وتجمعات العدو، يقول الإمام (عليه السلام): (إلا واشتد أمرهم).
الثانية: توحيد صفوف الجيش للحيلولة دون عمليات الاختراق أو التسلل قد يقوم بها العدو في داخل فصائل الجيش، أو إثارة الفتن والخلافات في أوساط الجيش غير أن هذه المؤامرات تزول وتختفي في حال توحيد الصفوف التي تعكسها وحدة الهدف والمصير وطاعة القيادة في الجيش.
وهذا ما كان ينقص جيش الإمام الحسن (عليه السلام) بشكل واضح، بحيث كانت ثغرات الاختراق في الجيش واسعة ومتعددة، والتي يرجع إلى تعدد الأهداف، واختلاف القيادات وتباين المصالح عند كل فرقة هذا إضافة إلى عدد جيش الإمام (عليه السلام) القليل كمّاً ونوعاً، مقارنة بالحشود الهائلة التي تقاطرت من كل المناطق الواقعة تحت سيطرة معاوية لحرب الإمام الحسن (عليه السلام) والدولة الإسلامية.
٣ـ رسائل عملاء الكوفة إلى معاوية:
جاء الإمام الحسن (عليه السلام) مع جيشه إلى معسكر النخيلة بفترة قصيرة، بعد أن أخبر الناس عن موقعه لمن شاء أن يلتحق به، فراح قطاعٌ من أهل الكوفة يبعثون الرسائل إلى معاوية يخبروه فيها (بأنا معك وإن شئت أخذنا الحسن أسيراً وبعثناه إليك)(١٧٣).
وهكذا فعل الزعماء ورؤساء القبائل في الكوفة من أمثال عمرو بن سعد بن أبي وقاص، وحجر بن عمرو، وعمرو بن حريث، وأبو موسى الأشعري، وعمارة ابن الوليد بن عقبة، وعبد الله بن وهب الراسي، وشبث بن ربعي، والأشعث بن قيس... وغيرهم، وهؤلاء جميعاً كانوا قد بايعوا الإمام الحسن (عليه السلام) في أول الأمر، قبل أن تتم المواجهة مع معاوية على السمع والطاعة.
وقد كتب هؤلاء رسائل عديدة يطلبوا فيها من معاوية بالتحرك والمسير إلى الكوفة كما وأعلنوا له عن استعدادهم التام للوقوف بجانبه ضد الإمام الحسن (عليه السلام) ووعدوا بتسليم الإمام (عليه السلام) له عند وصول معاوية إلى الكوفة.
وبقي الإمام الحسن (عليه السلام) عشرة أيام ينتظر قدوم الناس للانضمام إلى جيشه لمحاربة جيش الشام، ولكن لم يحدث ذلك، بل تكثفت حجم المؤامرة ضد الإمام (عليه السلام) وتوسعت رقعة التواطؤ الداخلي مع جبهة الشام..
فالمؤامرة إذن في غاية الخطورة فبالأمس خيانات في الجيش، ثم محاولة اغتيال الإمام القائد (عليه السلام) والتي هذه كشفت عن شبكة عملية تضرب جذورها في أعماق المجتمع الكوفي وتتلقى توجيهات من الخارج وتنفذ مخططاته في داخل الدولة الإسلامية، واليوم تتسع هذه الشبكة لتطال قطاع كبير من أبناء الأمة، حتى دخل هذا القطاع في تشكيلة جيش الإمام (عليه السلام)، وإذا بسيل من الرسائل تصل إلى معاوية وتطالبه في الدخول إلى الكوفة والسيطرة على الحكم.
٤ـ مطالبة الجماهير بالحل السلمي وممارسة الضغوطات على الإمام (عليه السلام):
إن من أخطر الآفات التي تفتك بأي أمة من الأمم وتشل حركتها وتقدمها وتفقدها الاستقلالية هي أن تصاب بأحد هذين المرضين وهما:
أولاً: في حال أن يغزو التعب والتململ مراكز القيادة والتوجيه في الأمة، فتقوم هذه المراكز بممارسة مختلف الوسائل والطرق بهدف منع الجماهير عن التحرك والتقدم، بحيث تعمد قيادات الأمة إلى استخدام مواقعها في توجيه الناس نحو التقاعس والتكاسل من خلال بث الأنماط الثقافية الانهزامية كالاهتمام بالقشور والظواهر من الدين، ومطالبة الناس بالابتعاد عن المواضيع الضرورية والحساسة في حياة المجتمع بأكمله، كإغفال الجهاد والأمر بالمعروف وعليه فإنّ دور هذه القيادات ينحصر في إقعاد وتخدير الجماهير عن التحرك، وهكذا تجبين فئات المجتمع عن النهوض والثورة فعوضاً من أن تقوم هذه القيادات بدفع القاعدة الجماهيرية نحو الثورة والمقاومة تبدأ هذه القيادات تفكر بالحلول السلمية، واعتماد الصيغ الدبلوماسية في معالجة القضايا المصيرية.. وبذلك تصاب حركة الأمة بالشلل، فتفقد استقلاليتها. وتموت كرامتها وتندثر طاقاتها.
وكل ذلك بسبب اعتماد القيادات ومراكز التوجيه منهجية عقيمة في التعامل مع قضايا المجتمع.
ثانياً: أن تصاب الأمة نفسها بالتعب والتململ والاستسلام للدعة والتقاعس وحب الراحة فلا تستجيب لنداءات قياداتها، ولا تعبأ بمطالبها، فتغزوها الجيوش من كل جانب ويهيمن عليها أشرار الأمة، فتبقى كالأسيرة لا ترد مظلمة ولا تتصدى لهجمة، وذلك لأنها لم تسند القيادات الشرعية الحقيقية في الأمة ولم تؤثر طاعتهم على مصالحها وأهواءها وشهواتها.
وهنا المشكلة أنه حينما تؤثر الأمة السلم مع الذل، على الحرب مع العز، فإن مصير هذه الأمة يؤول نحو الهاوية والدمار الشامل. وكما يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (أما بعد، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى ودرع الله الحصينة وجنته الوثيقة، فمن تركه رغبه عنه ألبسه الله ثوب الذلّ وشمله البلاء وديّث بالصّغار والقماءة أو ضرب على قلبه بالإسهاب وأديل الحق منه بتضييع الجهاد، وسيم الخسف ومنع النصف)(١٧٤).
وليس ثمة شك في أن الإمام الحسن (عليه السلام) عاش بين مجتمع يهوى الراحة ويبحث عن الدعة يكره الحرب وحر السيف، ويتثاقل عن الجهاد في سبيل الله، ويخاف من زمجرة الجيوش ونقع العاديات..، ولذلك كان يعيش الإمام الحسن (عليه السلام) كالغريب في مثل هذا المجتمع، كما كان أبوه أمير المؤمنين (عليه السلام) من قبل، فهو أيضاً كان قد استصرخ ضمائر الناس لأن يهبوا الدفاع عن حريم الإسلام وحرمات المسلمين، فإذا بالقوم جامدون كأنما على رؤوسهم الطير، يخافون أن يتخطفهم الموت... فتسرق الأموال وتهتك الحرمات، ويذبح الرجال والنساء والأطفال وكأنما خليت الديار من أصحابها أو غشي أهلها الظلام حتى لا تكاد تبصر ما يري في ساحتها!!
وطبيعي أن يكون مصير كل أمة تفضل الراحة على الحركة وتميل إلى التقاعس والتخلي عن النهضة والانتفاض والهروب من الواجب المقدس رغبة أو رهبة، فإن أولى مصائبها الذلة والهوان وقد مارس المجتمع في عهد الإمام الحسن (عليه السلام) الحالات تلك بحذافيرها، حتى ظهرت فيه معالم المجتمع المهزوم الناكص، وسيطرت عليه حالة التوافق الاجتماعي باتجاه الاستسلام والتثاقل والتهرب من كل ما من شانه أن يقود إلى الحرب أو يمت إليها بصلة...
ولذلك أقفل الإمام الحسن (عليه السلام) راجعاً إلى الكوفة بعد أن مكث طويلاً في انتظار قدوم جموع من أهل الكوفة، وحينما بلغ اليأس حدّه عاد الإمام (عليه السلام) من معسكر النخيلة ودخل المسجد في الكوفة ثم خطب في الناس قائلاً: (أما والله ما ثنانا عن قتال أهل الشام ذلةٌ ولا قلة، ولكن كنّا نقاتلهم بالسلامة والصبر، فشيت السلامة بالعداوة، والصبر بالجزع، وكنتم في مسيركم إلى صفين ودينكم أمام دنياكم، وقد أصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم، وكنا لكم، وكنتم لنا، وقد صرتم اليوم علينا، ثم أصبحتم تصدّون قتيلين، قتيلاً بصفين تبكون عليه، وقتيلاً بالنهروان تطلبون بثأره فأما الباكي فخاذل وأما الطالب فثائر، وإن معاوية قد دعا إلى أمر ليس فيه عز ولا نصفة، فإن أردتم الحياة قبلنا منه وأغضينا على القذى، وإن أردتم الموت بذلناه في ذات الله، وحاكمناه إلى الله بظبا السيوف).
فنادى القوم بأجمعهم: بل التقية والحياة، أو قيل فناداه الناس من كل جانب: البقية البقية وأمضي الصلح)(١٧٥).
فقال الإمام (عليه السلام): (يا عجباً من قوم لا حياء لهم ولا دين، ولو سلمت الأمر فأيم الله لا ترون فرجاً أبداً مع بني أمية، والله ليسومونكم سوء العذاب حتى تتمنوا أنّ عليكم جيشاً ولو وجدت أعواناً ما سلمت له الأمر، لأنّه محرّم على بني أمية فأف وترحاً يا عبيد الدنيا)(١٧٦).
ثم كشف الإمام (عليه السلام) في حديث عن طبيعة المجتمع وموقفه خلال فترة التحول السياسي والاستراتيجي بعد حرب صفين وحتى عهد الإمام الحسن (عليه السلام) يقول الإمام (عليه السلام): (خالفتم أبي حتى حكم وهو كاره، ثم دعاكم إلى قتال أهل الشام بعد التحكيم فأبيتم حتى صار إلى كرامة الله، ثمّ بايعتموني على أن تسالموا من يسالمني وتحاربوا من حاربني وقد أتاني أن أهل الشرف منكم قد أتوا معاوية وبايعوه، فحسبي منكم لا تغروني من ديني ونفسي. يا أهل العراق: إنما سخي عنكم بنفسي ثلاث: قتلكم أبي وطعنكم إياي، وانتهابكم متاعي)(١٧٧).
وبطبيعة الحال إن الوضع العام كان في غاية الخطورة كون المناخ الاجتماعي ظلّ متردياً للغاية... فالجماهير التي كانت من المفترض أن تصبح رأس مال يستثمر في الضغط على العدو ودرء مؤامراته وأخطاره ـ تتحول هذه الجماهير ـ إلى عامل خسارة، وعنصر ضعف، ومؤشر انهيار في حساب القوة الإسلامية.. فيكون القرار قرار العدو، وتكون الإرادة الحاكمة هي إرادة المستعمر، وبالتالي يكون الحكم هو حكم الغريب والمحتل!!
من هذا المنطلق نجد أن مثل هذه الأمة لا تنفع لقائد كالإمام الحسن (عليه السلام) والذي لم يوفر لنفسه جهداً أو طريقاً لاستنهاض الهمم وبعث الحميات في جماهير هذه الأمة إلا وبذلها، ولكن حقيقة الأمر هي أنه (لا رأي لمن لا يطاع)، فماذا يمكن أن يقوم به الإمام (عليه السلام) لجماهير تصر على العمل خلاف مصلحتها، وتسري في ركب سياسة ليست تابعة لقافلتها، وتتمسك بعرى قرارات صادرة عن غير قيادتها.. ولذلك فهي الأمة وحدها التي خسرت وستدفع ضريبة موقفها المسالم هذا قسطين من العذاب، أوله العار والذل، وثانية ظلم الحاكم المستبد.
ولقد أخبرهم الإمام الحسن (عليه السلام) عن ذلك من قبل حين قال لهم: (عزرتموني كما عزرتم من كان قبلي، مع أيّ إمام تقاتلون بعدي، مع الكافر الظالم الذي لا يؤمن بالله ولا برسوله قط، ولا أظهر الإسلام هو وبنو أمية إلا فرقاً من السيف؟ ولو لم يبق لبني أمية إلا عجوز درداء لبغت دين الله عوجاً، وهكذا قال رسول الله)(١٧٨).
وبالرغم من أن الإمام (عليه السلام) في كلمته هذه وغيرها من الخطب والأحاديث يؤكد مراراً وتكراراً على حقه المشروع في قيادة الأمة، كما يكشف عن طبيعة البيت الأموي وما يدور في داخله من أطماع توسعية ومخططات للسيطرة والتسلط، إلا أن جماهير الكوفة عميت أبصارها عن معاينة الحق، بعد أن ربضت في أذهانها فكرة الاستسلام والركوع والانحناء للمستعمر الأموي.. وكيف يحصل على العزّ من له قابلية الذلّ؟ وهل تسرق كرامة من كان هو الحارس عليها؟ أم هل تنتزع إرادة من كان هو الكافل أمرها؟.. ولكن المجتمع الكوفي خرج من ذلك كله، فألقى بكلّه في حضن معاوية، ولذلك عاش ذليلاً وبقي مهاناً وظل مسلوب الإرادة، تماماً كالجسد الذي فقد المناعة التامة فلا هو قادر على الحفاظ على توازنه ولا هو قادر على توازنه ولا هو قادر على تنمية نفسه أو درء أخطار الهجومات الموجهة إليه من الخارج.
أما الإمام الحسن (عليه السلام) فقد وجد بعد أن انكفأت الأمة عن نصرته، أن يصبّ اهتمامه على كيفية الحفاظ على بيضة الإسلام وهكذا حفظ الصفوة والبقية الباقية من أبناء الرسالة لضمان استمرارية الخط الرسالي وتفاعله في أوساط الأمة وعبر الأجيال لتبقى شعلة الإسلام متقدة وبالتالي الاطمئنان على ديمومة الدين في مراحل حياة المجتمع المختلفة.
وقد اجتمعت تلك الأسباب والتي مر الحديث عنها فكانت بمثابة عوامل الضغط التي دفعت بالإمام الحسن (عليه السلام) للوقوف أمام الخيار الصعب والذي اختاره مرغماً وهو خيار الصلح، ليكون المخطط الاستراتيجي بعد (الصلح) ينحى باتجاه الإبقاء على نواة الرسالة والإعداد للمرحلة القادمة.

الفصل الرابع:

اتفاقية الهدنة.. الشروط والنتائج:
لم يكن الإمام الحسن (عليه السلام) في خيار سوى ترجيح كفة الحل السلمي لمشكلة الأمة، خاصة بعد أن تزاحمت عوامل الضغط الداخلية والخارجية، والتي اضطر الإمام (عليه السلام) للقبول باتفاقية الهدنة (الصلح) بينه وبين معاوية، والتي جاءت بعد محاولات عديدة وجادة أجراها الإمام (عليه السلام) مع جماهير الأمة للوقوف بوجه الهجمة الأموية قبل الوصول إلى هذه المرحلة.
وبعد أن شعر الإمام (عليه السلام) بخطورة موقف الأمة على مسيرة الحركة الرسالية، وجد (عليه السلام) أن السبيل الوحيد في الحفاظ على أبناء الحركة الرسالية هو في توقيع اتفاقية هدنة مع معاوية، وبهذه الاتفاقية يستطيع الإمام (عليه السلام) أن يحافظ على الميراث الرسالي ليصل إلى الأجيال القادمة خاصة وأن الأوضاع الأمنية باتت شبه مهددة سواء من جانب معاوية وجلاوزته أو من جانب قطاع كبير من جماهير الأمة... وعليه كان الأمر يتطلب تبريد الموقف وحينما دخل زيد بن وهب الجهني على الإمام (عليه السلام) وما زال ألم الجرح في فخذ الإمام (عليه السلام) شديداً فقال زيد للإمام (عليه السلام): (يا ابن رسول الله لقد اضطرب الناس وتحيروا في أمرهم ماذا تقدر لهم).
فأجابه الإمام (عليه السلام) قائلاً: (أرى والله أن معاوية خير لي من هؤلاء، يزعمون أنهم لي شيعة ابتغوا قتلي، وانتهبوا ثقلي، وأخذوا مالي، والله لأن آخذ من معاوية عهداً أحقن به دمي، وآمن به في أهلي، خير من أن يقتلوني، فيضيع أهل بيتي والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلماً فوالله لأن أسالمه وأنا عزيز، خير من أن يقتلني وأنا أسيره، أو يمنّ عليّ فيكون سبة على بني هاشم إلى آخر الدهر، ومعاوية لا يزال يمنّ بها وعقبها على الحي منا والميت. ثم قال زيد الجهني: وهل تترك شيعتك كأغنام غاب عنها رعاتها؟! فقال الإمام (عليه السلام): ما أصنع يا أخا جهينة؟ وإني والله أعلم بأمر قد أدى به إلا عن تقاته، إن أمير المؤمنين قال لي ذات يوم وقد رآني فرحاً، يا حسن أتفرح؟ كيف بك إذا رأيت أباك قتيلاً؟ أو كيف بك إذا وليّ هذا الأمر بنو أمية وأميرها الرحب البلعوم، الواسع الأعفاج، يأكل ولا يشبع يموت وليس له في السماء ناصر، ولا في الأرض عاذر، ثم يستولي على غربها وشرقها، تدين له العباد، ويطول ملكه، يسنّن بسنن البدع والضلال، ويميت الحق وسنّة رسول الله، يقسم المال في أهل ولايته، ويمنعه من هو أحق به، ويذلّ في ملكه المؤمن ويقوّي في سلطانه الفاسق، ويجعل المال بين أنصاره دولاً، ويتخذ عباد الله خولاً، ويدرس في سلطانه الحق ويظهر الباطل، ويلعن الصالحين، ويقتل من ناوأه على الحقّ، ويدين من والاه على الباطل فكذلك حتى يبعث الله رجلاً في آخر الزمان، وكلب من الدهر، وجهل من الناس يؤيده الله بملائكته، ويعصم أنصاره، وينصره بآياته، ويظهره على الأرض، حتى يدينوا له طوعاً وكرهاً، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً، ونوراً وبرهاناً، يدين له عرض البلاد وطولها، حتى لا يبقى كافر إلا آمن، وطالح إلا صلح، وتصطلح في ملكه السباع، وتخرج الأرض نبتها، وتنزل السماء بركتها، وتظهر له الكنوز، يملك ما بين الخافقين أربعين عاماً فطوبى لمن أدرك أيامه وسمع كلامه)(١٧٩)،(١٨٠).
وثيقة الهدنة... والإجراء الوقائي:
قبل أن يصادق الإمام الحسن (عليه السلام) على وثيقة الهدنة بينه وبين معاوية، كتب الإمام (عليه السلام) رسالة مقتضبة إلى معاوية يعلن فيها الإمام (عليه السلام) عن موقفه وسبب قدامه على توقيع الهدنة (أما بعد: فإن، خطبي انتهى إلى اليائس، من حقّ أحييته وباطل أمته، وخطبك خطب من انتهى إلى موارده، وإني اعتزل هذا الأمر وأخلّيه لك، وإن كان تخليتي إيّاه شراً لك في معادك، ولي شروط أشترطها لأبتهضنّك إن وفيت لي بها بعهد، ولا تخف إن غدرت، وستندم يا معاوية كما ندم غيرك، ممن نهض في الباطل أو قعد عن الحق حين لم ينفع الندم)(١٨١).
وبعد أن وصلت رسالة الإمام (عليه السلام) إلى معاوية، بعث الأخير بورقة بيضاء مختومة إلى الإمام (عليه السلام) حتى يكتب فيها شروطه لتوقيع اتفاقية الهدنة (الصلح) وهذا نص ما كتبه الإمام (عليه السلام): (بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما صالح عليه الحسن ابن علي بن أبي طالب (عليه السلام) معاوية بن أبي سفيان. صالحه على أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة رسوله وبسيرة الخلفاء الصالحين.
وليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد لأحد من بعده عهداً، بل يكون الأمر للحسن من بعده فإن حدث به حدث، فلأخيه الحسين. وأن يترك سبّ أمير المؤمنين والقنوت عليه بالصلاة، وأن لا يذكر عليّاً إلا بخير.
وأن لا يسمي الحسن (عليه السلام) معاوية أمير المؤمنين، ولا يقيم عنده شهادة. واستثناء ما في بيت مال الكوفة وهو خمسة آلاف ألف، وعلى معاوية أن يحمل إلى الحسين كل عام ألفي ألف درهم، وأن يفرّق في أولاد من قتل مع أمير المؤمنين يوم الجمل وأولاد من قتل معه بصفين، ألف ألف درهم، وأن يجعل ذلك من خراج دار ابجرد.
وعلى أن الناس آمنون، حيث كانوا من أرض الله، في شامهم، وعراقهم، وحجازهم ويمنهم، وأن يؤمّن الأسود، والأحمر، وأن يحتمل معاوية ما يكون من هفواتهم وأن لا يتبع أحداً بما مضى، وأن لا يأخذ أهل العراق بإحنة.
وعلى أمان أصحاب علي حيث كانوا، وأن لا ينال أحداً من شيعة علي بمكروه، وأن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم، وأموالهم، ونسائهم وأولادهم. وأن لا يتعقب عليهم شيئاً، وأن لا يتعرض لأحد منهم بسوء، ويوصل إلى كلّ ذي حق حقه.
وعلى أن لا يبغي للحسن بن علي، ولا لأخيه الحسين، ولا لأحد من أهل بيت رسول الله عائلة سراً ولا جهراً، ولا يخيف أحداً منهم في أفق من الآفاق. وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك عهد الله، وميثاقه، وما أخذ الله على أحد من خلقه بالوفاء بما أعطى من نفسه. شهد عليه بذلك الله وكفى بالله شهيداً والسلام)(١٨٢).
قبل أن نأتي على الحديث عن الظروف الموضوعية التي دفعت الإمام الحسن (عليه السلام) في توقيع اتفاقية الهدنة مع معاوية وهدف الإمام (عليه السلام) من وراء هذه الاتفاقية نتوقف مع شروط الإمام (عليه السلام) للتعرف على المعاني الحقيقية منها.
أضواء على شروط الإمام الحسن (عليه السلام):
في نظرة فاحصة للوثيقة التي كتبها الإمام الحسن (عليه السلام) وفرض الشروط الكفيلة بتوقيع اتفاقية الهدنة مع معاوية، نجد أن الإمام (عليه السلام) قد أعدّ في هذه الوثيقة برنامجاً متكاملاً لمعاوية في إدارة الدولة الإسلامية وقد تناول هذا البرنامج الأصعدة التالية:
إدارة الدولة:
أ. أن يلتزم معاوية في إدارة الدولة الإسلامية بمقررات الدستور الإسلامي المستنبط من كتاب الله وسنّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وسيرة الخلفاء الصالحين.
ب. أن لا يقوم معاوية بتعيين نواب عنه في استلام منصب الرئاسة للدولة الإسلامية بل إن الإمام الحسن (عليه السلام) هو صاحب الحق في ذلك في حال موت معاوية، فإذا حدث للإمام الحسن (عليه السلام) حادث، ينتقل هذا الحق للإمام الحسين (عليه السلام) وليس لمعاوية أن يوصي لأحد من بعده.
إدارة الشؤون المالية:
أ. أن يرفع معاوية يده عن بيت مال الكوفة، بمعنى أن تناط مسؤولية إدارة الشؤون المالية برجال خارج البيت الأموي.
ب. إقرار مليونان درهم من ميزانية الدولة الإسلامية، ليقوم الإمام الحسين (عليه السلام) بتوزيعها بين المسلمين.
ج. تخصيص ميزانية مالية لعوائل شهداء حربي الجمل وصفين بمقدار مليون درهم بحيث تكون هذه الميزانية من خراج دار ابجرد.
وأراد الإمام الحسن (عليه السلام) من ذلك أمرين هما:
أولاً: للحيلولة دون اعتماد معاوية السياسة الاقتصادية التي سار عليها الخليفة عثمان في عهده حينما ضاعف العطاء وأفرط في التوزيع لبني العاص ممّا سبب في نمو طبقة برجوازية فيما عاش قطاع كبير من المسلمين الفقر المدقع.
ولذلك أراد الإمام الحسن (عليه السلام) في هذا الشرط أن يمنع معاوية من اعتماد ذات السياسة.
ثانياً: أن يمنع معاوية من استخدام موقعه وقوته في الأخذ بالثارات الجاهلية ضد أبناء الحركات الرسالية الذين وقفوا بصمود وثبات مع قائد المسلمين وأمير المؤمنين علي (عليه السلام) في الجمل وصفين، ممّا يجعل معاوية يفكر في الانتقام منهم بعد الوصول إلى السلطة.
سياسة الأمن في الدولة:
أ. استخدام مبدأ الأمن والسلام مع كل أبناء الأمة الإسلامية وفي جميع الأقطار، العراق، الشام، الحجاز، اليمن، ومع مختلف الألوان، الأسود والأحمر... فالناس جميعاً سواء في العيش بأمن وسلام.
ب. الكف عن استخدام سياسة البطش والتنكيل مع الشعب، وعدم إنزال العقوبات بشتى صورها ضد أفراد الشعب.
سياسة الدولة مع المعارضة:
أ. أن لا يسلط معاوية سيف الدولة على رقاب القوى المعارضة له، خاصة تلك القوى التي وقفت أمام معاوية عندما كان يقود حركة التمرد ضد الدولة الإسلامية في عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) وبداية عهد الإمام الحسن (عليه السلام)، والتي كانت تتخذ هذه القوى من العراق مركزاً لها وقاعدة لانطلاقها.
ب. أن يكف معاوية عن استخدام سياسة الإرهاب السياسي والإعلامي والاقتصادي وغيره ضد طليعة الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وأهل بيته (عليهم السلام) وبأن لا يلاحقهم أو يتعقبهم، بل يكونوا في أمن من تنكيل النظام وبطشه.
ج. اعتماد مبدأ المساواة في التوزيع بين أفراد الشعب والقوى المعارضة للنظام وأن لا يستغل معاوية موقفه المعادي للمعارضة في فرض عقوبات اقتصادية عليها.
تعامل الدولة مع قادة التحرك:
أ. أن لا يتعرض معاوية بسوء لقادة الحركة الرسالية وتحديداً الإمام الحسن (عليه السلام) وأخيه الإمام الحسين (عليه السلام) وهكذا أهل بيت الرسالة (عليه السلام).
ب. أن لا يحاول معاوية تنفيذ عمليات الاغتيال السرية أو العلنية ضد قيادات التحرك الرسالي، أو أن يستخدم معاوية سياسة إرهابية ضدهم.
ج. أن ينتهي معاوية من استعمال وسائل التضليل الإعلامي للنيل من قادة الحركة الرسالية وأن يكف معاوية عن سب أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأن لا يجعل منبر الدولة وسيلة إعلامية لتصفية الحسابات الجاهلية مع الحركة الرسالية وقياداتها.
هذه كانت بعض الأضواء على وثيقة شروط الإمام الحسن (عليه السلام) لإبرام اتفاقية الهدنة مع معاوية قبيل عقد اللقاء بين الإمام (عليه السلام) ومعاوية في العاصمة الكوفة.
والملاحظ في شروط الإمام الحسن (عليه السلام) أنها لم تتضمن أي إشارة على تسليم الأمر لمعاوية، بل كانت هذه الشروط ـ في الواقع ـ برنامجاً منظماً يعرضه الإمام (عليه السلام) لمعاوية في كيفية إدارة الدولة.
وهنا نقطة في غاية الأهمية وهي أن الإمام الحسن (عليه السلام) يؤكد في هذه الوثيقة على أن الصلح مع معاوية يرتبط بتطبيق الشروط المكتوبة في الوثيقة فإذا انتفى الالتزام بالشروط فإن الصلح بالضرورة ينتفي.
وهنا نقول أن الإمام الحسن (عليه السلام) قد كان على علم مسبق بأن معاوية ليس الشخص الذي يقبل بتطبيق هذه الشروط أو الالتزام بها، كيف به وهو يحمل منهجية التفكير الجاهلي الأموي القائم على أساس التسلط وفرض الهيمنة واستعمال الخدع والمكر وباقي القيم الجاهلية.
ويأتي السؤال: إذن لماذا قام الإمام الحسن (عليه السلام) بكتابة وثيقة الشروط طالما أنه (عليه السلام) يعلم بأنّ معاوية لن يقدم على تطبيقها؟
وللجواب على ذلك نقول:
أولاً: أن الظروف التي اكتنفت فترة الإعداد لتوقيع اتفاقية الهدنة كانت مساعدة في أن يكتب الإمام (عليه السلام) شروطه فيها وأهمها أمرين: الأول: أن معاوية هو الذي طالب بالهدنة ووعد الإمام (عليه السلام) بتسليم الخلافة من بعده وقد طلب من الإمام (عليه السلام) أن يكتب شروطه الموافقة على توقيع اتفاقية الهدنة بينه وبين معاوية.
وقد عرفنا سلفاً أن معاوية بعث ورقة بيضاء مختومة بمهره، إلى الإمام (عليه السلام) ليكتب فيها شروط إجراء الهدنة.
وإن هذا الأمر ساعد الإمام (عليه السلام) في أن يملي شروطه وبحرية تامة، والتركيز في هذه الشروط على أهم المواضيع الأساسية المرتبطة بمصير التحرك الرسالي وقياداته. ونقطة القوة هنا أن شروط الإمام الحسن (عليه السلام) لم تكن ذات مطالب جزئية أو بسيطة بل كانت تمس الجوانب الرئيسية من أصل الصراع، وأبرزها إدارة الدولة على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية... ورد غيرها.
إذن هذه الشروط تعبر عن المطالب الرئيسية والمباشرة لحركته الرسالية في صراعها مع النظام الحاكم وإنّ عدم التزام النظام بتنفيذ هذه المطالبة يعني استمرار حالة الصراع بطريقة أو بأخرى وهذه الشروط تكشف عن مسألة كبيرة وهي أن النظام الحاكم غير مؤهل لقيادة الجماهير وبالتالي يفتقر إلى الشرعية في وجوده.
الثاني: أن جمعاً غفيراً من المسلمين بمختلف فرقهم وقبائلهم وكبار الشخصيات الدينية والاجتماعية، وبل وحتى أبناء الديانات الأخرى، ستشهد ذلك اليوم الذي سيتم فيه توقيع اتفاقية الهدنة بين الإمام (عليه السلام) ومعاوية.
وعليه فإن الإمام (عليه السلام) يجد فرصة في هذا المحفل البشري الكبير لأن يلقي بحجته على معاوية وأن يلزمه بكل البنود التي جاء ذكرها في وثيقة الهدنة والتي هذه تحمل ختم معاوية...
وفي حال مخالفة معاوية لبنود الاتفاقية يعني كشف القناع عن الوجه القبيح لمعاوية وسياسته.. ومع أن معاوية يخالف هذه البنود ـ كما سنجد فيما بعد ـ إلا أنه لن يتجرأ على استخدام القمع والتنكيل ضد شيعة أهل البيت (عليهم السلام) في ظل وجود الإمام الحسن (عليه السلام) على قيد الحياة.
وقفة مع رواية الصلح... الشبهة والرد:
إننا بحاجة إلى أن نتوقف حول ما أثير بالنسبة إلى مسألة الهدنة أو (الصلح) كون أنها أحيطت بملابسات كثيرة... ممّا يدفع ذلك إلى تدقيق النظر في هذه المسألة، خاصة وقد لوحظ أن العديد من الكتب التي تناولت تاريخ الإمام الحسن (عليه السلام) قد جمدت عند الحديث عن ما أسمته بـ(معاهدة الصلح)، أو خصصت بعض هذه الكتب جانباً كبيراً من البحث حول الصلح وأسبابه ونتائجه، هذا في حين أن بعضاً آخر من الكتب قد اختار الصلح كعنوان لها ممّا عكس ذلك أثراً سلبياً في ذهنية القارئ بحيث أوصلته إلى فكرة باطلة وهي أن الإمام الحسن رجل الصلح والدعة والجمود ـ وحاشاه ذلك ـ في وقت كان حري بهؤلاء الكتّاب أن يدرسوا بموضوعية الظروف التي مرت بها الأمة الإسلامية وانعكاسات ذلك على الفترات المتقدمة من تاريخ الدولة الإسلامية ثم ما هي ظروف عهد الإمام الحسن (عليه السلام)؟ وكيف انتهى الأمر بصعود معاوية وما هي طبيعة الاتفاقية التي أجراها معاوية والإمام الحسن (عليه السلام)؟ وما هو هدف الإمام (عليه السلام) من وراء تلك الاتفاقية إلى غير ذلك من التساؤلات..؟ ولعل الدافع الرئيسي في تركيز الكتّاب والمحلّلين التاريخيين والباحثين، على مسألة (الصلح) بحيث جهد هؤلاء في إيراد وحشد اكبر قدر من الأخبار والنصوص التاريخية والتي نقلوها مباشرة دونما تمحيص أو تدقيق إلى أوراق البحث.. وإنما ذلك يرجع إلى وقوع البعض في شرك أحد هذين المحذورين هما:
الأول: المصادر التاريخية:
فمن خلال مطالعة الغالبية العظمى من المصادر التاريخية التي تناولت حياة الإمام الحسن (عليه السلام) نجد أن هذه المصادر قد وقفت طويلاً عند أحداث ووقائع اتفاقية الهدنة أو ما أسموها بـ(الصلح) في حين اكتفت هذه المصادر بالمرور الخاطف على الأحداث التي سبقت هذه الاتفاقية. ولم تنته عند هذا الحد بل حاولت تضخيم مسألة (الصلح) عبر رصد وتسجيل جميع النصوص المتعلقة بهذا الأمر.
أما البعض الآخر من المصادر التاريخية فقد اختصرت الحديث حول تاريخ الإمام الحسن (عليه السلام) في قضية (الصلح) واعتبرته الحادثة الكبرى في حياة الإمام (عليه السلام)، دونما الحديث عن خلفية هذه القضية وجذورها وأصولها الحقيقية.
والمشكلة هنا أن حركة تدفق النصوص والأخبار نشطت وراجت بين المصادر التاريخية. وكما هو معروف أن مهمة هذه المصادر هي نقل كافة النصوص المعلقة بالقضية المطروحة دونما النظر في صحة أو سقم هذا الخبر أو ذاك فاختلط الحابل بالنابل...
... فأصبح قسم كبير من النصوص التاريخية يتردد بين التضارب والتناقض بين النصوص بعضها مع البعض الآخر، وأن هذه النصوص جاءت متناثرة ومشتتة بين ثنايا المصادر التاريخية.
وهنا يأتي دور الباحث والكاتب والمحلل في كيفية انتقاء الجيد من الرديء بين كومة النصوص التاريخية وليس هذا فحسب، بل عليه أيضاً إيجاد عامل الربط الموضوعي بينها.
وهذه العملية قد تكون صعبة كونها تتطلب بذل جهود وطاقات كبيرة، كما تستوجب المزيد من البحث والتنقيب في مصادر التاريخ وكتب السيرة، إضافة إلى التدقيق في متونها، إلا أن هذه العملية هي الطريقة السليمة والصحيحة في سبيل إعطاء نتائج ورؤى أكثر واقعية وأبلغ مصداقية إلى غير ذلك..
الثاني: رواج الروايات المختلفة والموضوعة حول مسألة (الصلح) بحيث أنها شغلت حيزاً خطيراً في كتابات المؤرخين، حتى لا نكاد نجد كتاباً تاريخياً تناول حياة الإمام الحسن (عليه السلام) إلا وأورد واحدة من تلك الروايات الموضوعة.
ولعل أشهر هذه الروايات، هي الرواية المنقولة ـ كذباً وزوراً ـ عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حول الإمام الحسن (عليه السلام) (إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين عظيمتين).
بحيث أن الكثير من الكتّاب والباحثين اعتمدوا هذه الرواية لتدليل على مسألة (الصلح) بين الإمام الحسن (عليه السلام) ومعاوية، بل إن بعض الكتّاب المعروفين اعتبروا هذه الرواية من العوامل الأساسية التي دفعت الإمام الحسن (عليه السلام) لتوقيع ما أسموه بـ(الصلح).
وإذا كنا نقبل عذراً من هؤلاء الكتّاب في مسالة التحقيق في متون المصادر التاريخية ونصوصها، فإنا نرفض عذر إهمال هؤلاء مسألة التدقيق في صحّة الرواية لأنه أمر ضروري ولازم.
وإلا فكيف يمكن إيراد النتائج دونما تحقيق في المقدمات وكيف نتلقف الروايات ونرمي بها في أبحاثنا وكتاباتنا دونما تدقيق في اصل الرواية وسندها أو دونما إرجاع هذه الرواية إلى مصادر التشريع الأربعة الكتاب والسنة والإجماع والعقل، ثم نقوم بإصدار حكم واقعي من هذه الرواية ثم اعتبار ذلك من المسلمات.
ونحن هنا إذ نتوقف على أساس التحقيق في سند ومتن هذه الرواية، لإثبات وضعية ما جاء فيها من خلال التالي:
أولاً: رواة التزوير والوضع:
فقد نشطت في عهد معاوية حركة التزوير بصورة بالغة حيث تزايد عدد الرواة الوضّاعين والمفترين وذلك بهدف التغطية على فضائل أهل البيت (عليهم السلام)، وقد تركزت هذه الروايات الموضوعة في مدح معاوية ومن لف لفّه، ومن جهة أخرى النيل والقدح في أهل بيت النبوة (عليهم السلام). ونظرة سريعة على رواة الحديث ـ وخاصة رواية الصلح ـ نجد أن الكثير من هؤلاء قد أجمع المؤرخون على كذبهم وتزويرهم ـ كما سيأتي الحديث فيما بعد ـ وقد وجدت في كتاب تاريخ ابن عساكر في ترجمة الإمام الحسن (عليه السلام) خير مثال للتدليل على حقيقة هؤلاء الرواة كون هذا الرجل قد أورد أسماء رجال السند لهذه الرواية ونحن إذ نورد أقوال بعض المحققين في سند هؤلاء الرواة:
أنبأنا أبو الحسن الحربي أنبأنا أبو بكر محمد بن هارون بن حميد بن المحدر، أنبأنا محمد بن حميد، أنبأنا عبد الرحمن بن مغراء، عن الأعمش، عن أبي سفيان الواسطي عن جابر وساق الحديث.
وأبو بكر محمد بن هارون يقول عنه السيد محسن الأميني (ناصبي منحرف)، وكان يعرف بالأغراب عن أمير المؤمنين (عليه السلام)(١٨٣).
وأخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أسعد: أبو أحمد الصوفي أنبأنا أبو الفضل محمد بن عبد الله بن محمد الصرّام أنبأنا أبو عمر محمد بن الحسين البسطافي، أنبأنا أبو بكر ابن عبد الرحمن الجارود الرقي، أنبأنا يونس بن عبد الأعلى وعلى أحمد بن حرب قالوا حدثنا سفيان أنبأنا موسى قال سمعت الحسن يتحدث عن أبي بكرة قال، (الحديث).
أحمد بن عبد الرحمن: اتفق كل من صاحب كتاب تاريخ البغدادي جزء ١، ص٢٤٧، وصاحب كتاب ميزان الاعتدال جزء ١، ص٥٥، وصاحب كتاب اللئالي المصنوعة جزء ١، ص١٧٢: على أنه (كذّاب وضّاع).
... أنبأنا عمرو بن هشام، أنبأنا محمد بن سلمة عن ابن إسحاق عن عمرو بن عبيد، عن الحسن، عن أبي بكرة (الحديث).
وعمرو بن عبيد: هو أبو عثمان المعتزلي البصري المتوفى ١٤٤، كان من الكذابين الآثمين مبتدعاً ولا كرامة له.
وقد ذكر ذلك أو شبهه البغدادي في تاريخه جزء ٢، ص١٨٢، وصاحب كتاب نصب الراية جزء ١، ص٤٩، والغدير جزء ٥، ص٢٤٩.
٤ـ في صفحة ١٣١ ذكر ابن عساكر وأخبرنا أبو عبد الله الغراوي أنبأنا أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا أبو القاسم علي بن المؤمل الماسر جرسي، أنبأنا محمد بن يونس القرشي أنبأنا محمد بن عبد الله الأنصاري أنبأنا أشعث بن عبد الملك عن الحسن عن أبي بكرة: الحديث).
محمد بن يونس الكريمي القرشي أحد الحفّاظ الأعلام بالبصرة المتوفى ٢٨٦هـ كذّاب يضع الحديث. عن النبي (صلّى الله عليه وآله) وعلى الثقات. قال ابن حبّان: قد وضع اكثر من ألف حديث.
ورد ذلك في كل من تاريخ بغداد جزء٣، ص٤٤١، وتذكرة الموضوعات ص١٤، ١٨، وشذرات الذهب للمكي جزء٢، ص١٩٤، وميزان الاعتدال للذهبي جزء٣، ص١٥٢، واللئالي المصنوعة للسيوطي جزء ٢، ص١٤٢، وص٢١٥، وطبقات الحفّاظ للذهبي جزء٢، ص١٧٥.
٥ـ وفي صفحة ٢١٢ أورد ابن عساكر أنه... أنبأنا أبو أيوب صاحب البصري أنبأنا حمّاد بن زيد، عن علي بن يزيد، وهاشم، عن الحسن، عن أبي بكرة قال: وساق الحديث.
علي بن زيد: قال عنه ابن حبّان يروي الموضوعات عن الإثبات فإذا روى عن علي بن يزيد أتى بالطّامات، وأضاف وإذا اجتمع في إسناد خبر عبد الله بن زحر وعلي بن يزيد والقاسم بن عبد الرحمن لم يكن متن الخبر إلا ما عملته أيديهم من كتاب تهذيب التهذيب جزء ٧، ص١٣.
وقال الأميني في الغدير جزء ٧، ص٢٨٧ ممّا اجتمع فيه هؤلاء الثلاثة فهو ممّا عملته أيديهم).
وهشام: هو هشام بن عمّار أبو اليد السلمي فقيه دمشق وخطيبها ومحدثها، قال أبو داوود: حدث بأربعمائة حديث لا أصل له. عن كتاب شذرات الذهب للمكي، جزء٢، ص١١٠.
وهناك عدد من رجال السند المرتبطين بالبيت الأموي أمثال يحيى بن سعد الأموي وعبد الله بن الحسن بن أحمد الأموي ويونس وأمثال هؤلاء الذين مارسوا الوضع في مدح معاوية وزوّروا الروايات البعيدة عن العقل والمنطق في تلميع آل سفيان وآل العاص وغيرهم.
إما عن اصل الرواية، ونحن إذ نعتقد بوضعيتها ولنا في ذلك ثلاث أمور:
أولاً: من سياق الحديث نفهم على أن الإمام الحسن (عليه السلام)، وكأنه اليد المباشرة في إدارة دفّة الصلح وصاحب المبادرة في تنفيذه، بينما نعلم تعييناً ومن خلال الوقائع التاريخية التي حصلت في عهد الإمام (عليه السلام) والنزاع الدار مع معاوية أن الإمام (عليه السلام) اضطر إلى القبول بالحل السلمي بعد أن استنفذ كافة الحلول الأخرى في ردع العدوان الأموي على الدولة الإسلامية والذي جاء نتيجة انهيار القدرة العسكرية في جيش الإمام الحسن (عليه السلام) وتتابع حالات الهزيمة والانفراط في قطاعات الجيش كلما اقتربت مرحلة الحرب من ساعة الصفر حتى أصبح الإمام (عليه السلام) غير قادر على حشد عترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وكما ورد قوله فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة وتردى بالعظمة لئن قام إليّ منكم عصبة بقلوب صافية ونيّات مخلصة لا يكون فيها شوب نفاق ولا نيّة افتراق لأجاهدنّ بالسيف قدماً قدماً ولأضيقنّ من السيوف جوانبها ومن الرماح أطرافها ومن الخيل سنابكها... ثم يقول الإمام الصادق (عليه السلام): فلم يجبه سوى عشرون رجلاً قاموا فقالوا له: يا ابن رسول الله ما نملك إلا أنفسنا وسيوفنا فها نحن بين يديك لأمرك طائعون وعن رأيك صادرون فمرنا ما شئت! فقال الإمام الحسن (عليه السلام): فنظرت يمنة ويسرة فلم أر أحداً غيرهم.
فقلت: لي أسوة بجدّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حين عبد الله سرّاً وهو يومئذٍ في تسعة وثلاثين رجلاً فلما أكلم الله له الأربعين صار في عدة وأظهر أمر الله فلو كان معي عدتهم جاهدت في الله حق جهاده.
إذن لم يكن الإمام الحسن (عليه السلام) مختاراً لهذا الصلح بل كان صلحاً مفروضاً بعد أن تصدعت إرادة الأمة ثم انهارت وابتعدت عن ساحة الصراع والمواجهة.
ومن جهة ثانية إن الحديث يشير إلى أن الإمام الحسن (عليه السلام) يصلح بين فئتين وكأنه (عليه السلام) خارج دائرة الصراع أو أن الأهداف التي من أجلها وقع النزال ليست موضع اهتمام الحسن (عليه السلام) ولا ترتبط به بصورة مباشرة، وهذا نوع من التهميش لحقيقة الصراع!!
ثانياً: أن الحديث ذكر بأن الإمام الحسن (عليه السلام) يصلح بين فئتين عظيمتين. ولا ندري أين موارد العظمة في هاتين الفئتين فإن كان بالحجم فقد ذكر الإمام الحسن (عليه السلام) فيما سبق أنه لم يتمكن من حشد سوى عشرين رجلاً، إضافة إلى انسحاب الآلاف من جبهات الحق وتوجهت نحو جبهة معاوية.
علاوة على ذلك، إن في حال إبرام معاهدة الصلح ـ كما يذكر الحديث ـ لم تكن هناك بالفعل فئتان عظيمتان بل إن الدافع الرئيسي لإبرام الصلح أن فئة الإمام الحسن (عليه السلام) كانت ضعيفة وقليلة للغاية حتى أنه لم يحصل على النصاب والعدة التي ذكرها الإمام (عليه السلام) وهي أربعون رجلاً.
أما إذا كان مورد العظمة على أساس المنزلة فلا أعلم بأن المصادر التاريخية أشارت إلى مورد واحد يدلّ على عظمة فئة معاوية بل على العكس من ذلك كانت موضع الإنكار واللعنة والثبور والأدلة على ذلك مستفيضة منها:
قوله (صلّى الله عليه وآله) لعمّار بن ياسر (تقتلك الفئة الباغية).
وقوله (صلّى الله عليه وآله) له أيضاً: (إن عماراً مع الحق والحق معه، يدور عمار مع الحق كما دار، وقاتل عمار في النار)(١٨٤).
ويقول ابن حجر في تفسير حديث الرسول (صلّى الله عليه وآله) لعمّار بن ياسر (فهذا إخبار من الصادق الصدوق أن معاوية باغ على عليّ، وإن عليّاً هو الخليفة الحق)(١٨٥).
ويقول ابن حجر في تفسير حديث الرسول (صلّى الله عليه وآله) لعمّار بن ياسر (فهذا إخبار من الصادق الصدوق أن معاوية باغ على عليّ، وإن علياً هو الخليفة الحق)(١٨٦).
ويقول ابن حجر: قوله (صلّى الله عليه وآله): (إنه يدعوهم إلى الجنة وهم يدعونه إلى النار)، بالضرورة أن الذي دعاهم عمار إلى ذلك هم فئة معاوية. فحكمه (صلّى الله عليه وآله): بأنهم يدعونه إلى النار صريح في أنهم على ضلال)(١٨٧).
فكيف يصح إطلاق العظمة على فئة معاوية وهي التي قتلت عماراً وحجراً بن عدي وأصحابه ومالك الأشتر ومحمد بن أبي بكر وثلة من خالص أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)!!
ثالثاً: من خلال استعراض الوقائع التاريخية منذ فتح مكة وحتى توقيع اتفاقية الصلح نجد أن بني أمية كانوا يكيدون للإسلام وأهله وإنما رفعوا شعار الإسلام رهبة وتضليلاً في سبيل تحقيق مطامع الجاهلية، وقد لعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أبا سفيان وابنيه عتبة ومعاوية في حادثة الناقة، ولمّا تولى معاوية ولاية الشام في عهد الخليفة عمر اقتطعها لنفسه ولم تدن لحظة واحدة للدولة الإسلامية بل أصبحت الشام مملكة أموية ولما وصل عثمان بن عفان إلى الخلافة عقد أبو سفيان اجتماعاً سرياً ضمّ أفراد قبيلة بني أمية في دار الخليفة عثمان فقال أبو سفيان: تلقفوها يا بني أمية تلقف الكرة فوالذي يحلف به أبو سفيان لا من جنّة ولا نار ولما عاد الحق إلى نصابه ورجعت الخلافة إلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بدأت المؤامرات تعتمل في نفس معاوية وكان لا يزال والياً على الشام فنشبت الحروب ضد حكومة العدل الإلهي وأشدّ هذه الحروب فتكاً بالمسلمين كانت حرب صفين كما مر ذكر بعض منها.
فنخلص ممّا سبق أن فئة معاوية التي كفرت بالولاية وشنّت الحرب على الإمام علي (عليه السلام) والإمام الحسن (عليه السلام) ولم تدن قط للدولة الإسلامية ليست هي الفئة المسلمة كما يذكر الحديث علاوة على ذلك أن الصلح الذي تمّ في عهد الإمام الحسن (عليه السلام) انتهى إلى تسلم معاوية الخلافة منتزعاً الولاية الشرعية من الإمام الحق الذي نصّبه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من قبل الباري عز وجل فكيف يصلح الإمام الحسن (عليه السلام) بين فئتين من المسلمين على أمر ليس لأحد سوى الله الحق في إقراره، فلم يجعل سبحانه وتعالى لأحد من بعده وحتى أشرف رسله وأعز خلقه محمد (صلّى الله عليه وآله) الحق في تغييره أو المساومة عليه كيف به وقد جعل هذا الأمر مرتبطاً بمصير الرسالة الإسلامية وبكمال الدين.
وهو أمر أراد منه رواة هذا الحديث تهميشه حتى وكأن القارئ لهذا الحديث يعتقد بأن موضع النزاع كان بسيطاً وهيناً كنزاع بين أسرتين على قطعة أرض فيقوم الإمام الحسن (عليه السلام) بتسوية الخلافات هذه وإنهاء الحرب بين الطرفين: كلاّ فالأمر ليس كذلك مطلقاً بل هو المعيار الأول والأخير في الإيمان برسالة محمد (صلّى الله عليه وآله) ولن يكون المرء مسلماً حتى يقرّ بولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) والأئمة من بعده.
والآن نرجع إلى ما سبق الحديث عنه حول مجريات أحداث اتفاقية الهدنة، فبعد أن سجّل الإمام (عليه السلام) شروطه في الوثيقة التي بعثها معاوية مع عبد الله بن عامر بعد أن ختمها بمهره وأرسلها إلى الإمام (عليه السلام) قام الإمام بعد ذلك بإرسال وثيقة الشروط إلى معاوية فكتب معاوية جميع ذلك بخطه، وختمه بخاتمه، وبذل عليه العهود المؤكدة، والأيمان المغلظة، وأشهد على ذلك جميع رؤساء أهل الشام ووجه به إلى عبد الله فأوصله إلى الحسن(١٨٨).
وفي طريقه إلى الكوفة لإبرام اتفاقية الهدنة، سار معاوية من الشام حتى نزل النخيلة (معسكر الكوفة) وكان ذلك اليوم جمعة، فخطب في الناس قائلاً: (ما اختلفت أمة بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها.
فتوقف معاوية قليلاً وشعر بخطورة ما قاله وكأنما كشف عن حقيقة مخططه فاستدرك قائلاً: (إلا هذه الأمة فإنها.. وإنها.. الخ، فاختلط عليه الأمر فلم يع ما يقول، فعاود الحديث سريعاً لاستدراك الموقف فقال: (إني والله ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا، ولا لتحجوا، ولا لتزكوا، إنكم لتفعلون ذلك ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون.
ألا وإني كنت منيت الحسن وأعطيته أشياء وجميعها تحت قدمي لا أفي بشيء منها وذكر المدائني أن معاوية قال: (... إن كل مال أو دم أصيب في هذه الفتنة لمطلول وكل شرط أشرطته فتحت قدمي هاتين ولا يصلح للناس إلا ثلاث: إخراج العطاء عند محله، وإقفال الجنود لوقتها، وغزو العدو في داره، فإن لم تغزوهم غزوكم)(١٨٩).
وبذلك أعلن معاوية في هذه الخطبة عن خيانته لكل الوعود والأيمان المغلظة والمواثيق والعهود التي أخذها على نفسه بالالتزام بكل شروط اتفاقية الهدنة.
وهذه كانت بداية افتضاح أمر معاوية لدى الرأي العالم الإسلامي ـ آنذاك ـ وقد سجلت هذه المبادرة الخيانة من معاوية، نقطة قوة لصالح الحركة الرسالية وقيادتها المتمثلة في الإمام الحسن (عليه السلام).
حيث أن هذه النقطة يمكن الاستفادة منها في تعرية نظام معاوية وتوظيفها في حركة التغيير.
وعندما وصل معاوية إلى الكوفة، وفي اليوم المقرر احتشد الناس من كل مكان ليشهدوا توقيع اتفاقية الهدنة، وقد شكل المحفل الجماهيري ـ يومئذ ـ ورقة ضغط على معاوية للالتزام ببنود اتفاقية الهدنة إلا أن الحركة الرسالية والإمام الحسن (عليه السلام) كان يعلم بأن معاوية لن يلتزم بالشروط فيما بعد.
فبعد أيام من توقيع اتفاقية الهدنة جاء معاوية إلى المسجد في الكوفة وصعد المنبر ثم نال من الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كما نال من الإمام الحسن (عليه السلام)، وكان الحسن (عليه السلام) والحسين (عليه السلام) حاضرين في المسجد فقام الحسين (عليه السلام) ليرد على معاوية فأخذ الحسن (عليه السلام) بيد أخيه الحسين (عليه السلام) وأجلسه ثم قام الإمام الحسن (عليه السلام) فقال لمعاوية! (أيها الذاكر عليّاً أنا الحسن وأبي عليّ، وأنت معاوية وأبوك صخر، وأمي فاطمة وأمك هند، وجدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وجدك حرب، وجدتي خديجة وجدتك فتيلة فلعن الله أخملنا ذكراً وألأمنا حسباً، وشرنا قدماً، وأقدمنا كفراً ونفاقاً. فقال طوائف من أهل المسجد آمين... آمين)(١٩٠).
ثم طلب معاوية من الإمام (عليه السلام) أن يصعد المنبر ويخبر الناس بأنه رأى معاوية أهلاً للخلافة دونه فصعد الإمام (عليه السلام) المنبر وخطب في الناس وقال: (الحمد لله كلما حمده حامد، وأشهد أن لا إله إلا الله كلما شهد له شاهد وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى، وائتمنه على الوحي (صلّى الله عليه وآله)).
(أيها الناس: إن الله هداكم بأوّلنا، وأحقن دماءكم بآخرنا، وإن لهذا الأمر مدة، والدنيا دول، قال عز وجل لنبيه محمد (صلّى الله عليه وآله): (فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ)(١٩١)، (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ)(١٩٢).
أيها الناس: إنّ معاوية زعم أني رأيته للخلافة أهلاً، ولم أر نفسي لها أهلاً، فكذب معاوية، نحن أولى الناس بالناس في كتاب الله عزّ وجلّ وعلى لسان نبيه، ولم نزل ـ أهل البيت ـ مظلومين منذ قبض الله نبيه، فالله بيننا وبين من ظلمنا، وتوثّب على رقابنا، وحمل الناس علينا، ومنعنا سهمنا من الفيء ومنع أمّنا ما جعل إليها رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وأقسم بالله لو أن الناس بايعوا أبي حين فارقهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لأعطتهم السماء قطرها، والأرض بركتها، ولما طمعت فيها ـ يا معاوية ـ فلما خرجت من معدنها وتنازعت قريش بينها، فطمع فيها الطلقاء، وأبناء الطلقاء، وأنت وأصحابك، وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (ما ولّت أمة أمرها رجلاً وفيهم من هو أعلم منه، إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالاً، حتى يرجعوا إلى ما تركوا) فقد ترك بنو إسرائيل، هارون وهم يعلمون أنه خليفة موسى فيهم، واتبعوا السامري وتركت هذه الأمة أبي وبايعوا غيره، وقد سمعوا رسول الله يقول (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة). وقد رأوا رسول الله نصّب أبي يوم غدير خم، وأمرهم أن يبلّغ أمره الشاهد الغائب. وهرب رسول الله من قومه وهو يدعوهم إلى الله حتى دخل الغار ولو أنه وجد أعواناً لما هرب، وقد كفّ أبي يده حين ناشدهم، واستغاث فلم يغث فجعل الله هارون في سعة حين استضعفوه وكادوا يقتلونه، وجعل الله النبي في سعة حين دخل الغار ولم يجد أعواناً، وكذلك أبي وأنا في سعة حين خدعتنا هذه الأمة. وإنما هي السنن والأمثال يتبع بعضها بعضاً)(١٩٣).
فو الذي بعث محمداً بالحق، لا ينتقص من حقّنا ـ أهل البيت ـ أحدٌ إلا نقصه الله من علمه، ولا تكون علينا دولة إلا وتكون لنا العاقبة وليعلمنّ نبأه بعد حين(١٩٤).
أيها الناس إنكم لو التمستم فيما بين المشرق والمغرب لم تجدوا رجلا من ولدني غيري وغير أخي(١٩٥).
وقبل كل شيء، فإن الإمام الحسن (عليه السلام) قد سفّه أحلام معاوية في أن يرضخ لمطلبه بعد انتهاكه السافر لشروط الاتفاقية ولذلك فإن الإمام (عليه السلام) في هذه الخطبة أظلم نهار معاوية، كما شرح مشكلة الأمة الإسلامية الحقيقية وكشف عن هوية المنتزين على كراسي الحكم والإدارة في الدولة الإسلامية، حتى جلس معاوية حائراً لا يدري ما يصنع فقد أحاط المكر السيئ بأهله.
وفي اليوم التالي جاء معاوية إلى المسجد وصعد المنبر وخطب ثم طلب من الإمام الحسن (عليه السلام) أن يصعد المنبر وصاح بالناس: أيها الناس هذا الحسن بن علي وابن فاطمة رآنا للخلافة أهلاً ولم ير نفسه لها أهلاً وقد أتانا ليبايع طوعاً فقام الحسن (عليه السلام) وكان الحاضرون قد شدّوا أنظارهم إلى الإمام (عليه السلام) وتقدم (عليه السلام) إلى المنبر فصعد وما نزل إلا وقد أظلمت الدنيا على معاوية فقد قال الإمام الحسن (عليه السلام) في خطبته:
(الحمد لله المستحمد بالآلاء وتتابع النعماء، وصارف الشدائد والبلاء عن الفهماء وغير الفهماء، المذعنين من عباده لامتناعه بجلاله وكبريائه وعلوّه عن لحوق الأوهام ببقائه، المرتفع عن كنه تظنيات المخلوقين، من أن تحيط بمكنون عينه روايات عقول الرائين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده في ربوبيته ووجوده ووحدانيته، صمداً لا شريك له، فرداً لا ظهير له معه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اصطفاه وانتجبه وارتضاه وبعثه داعياً إلى الحقّ، سراجاً منيراً، وللعباد ممّا يخلفون نذيراً، ولما يأملون بشيراً، فنصح للأمة، وصدع بالرسالة، وأبان لهم درجات العمالة، شهادة عليها أموت وأحشر، وبها في الآجلة أقرب وأحبر، وأقول معشر الخلائق فاسمعوا ولكم أفئدة وأسماع فعوا، إنا أهل بيت أكرمنا الله بالإسلام واختارنا واصطفانا واجتبانا فأذهب عنّا الرجس وطهرنا تطهيراً، والرجس هو الشك، فلا نشك في الله الحق ودينه أبداً، وطهرنا من كلّ آفن، وعيبة مخلصين إلى آدم نعمة منه، لم يفترق الناس قط فرقتين إلا جعلنا الله في خيرها، فأدت الأمور وأفضت الدهور، إلى أن بعث الله محمداً بالنبوة واختاره للرسالة، وأنزل عليه كتابه، ثم أمره بالدعوء إلى الله تعالى، فكان أبي أول من استجاب لله ولرسوله، وأول من آمن وصدّق الله ورسوله، وصدق الله تعالى في كتابه المنزل على نبيّه المرسل: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ)(١٩٦) وأبي الذي يتلوه وهو شاهد منه، وقد قال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حين أمره أن يسير إلى مكة والموسم ببراءة (سر بها يا علي فإني أمرت أن لا أسير بها إلا أنا أو رجل مني وأنت هو)(١٩٧). فعليّ من رسول الله ورسول الله منه، وقال له نبيّ الله حين قضى بينه وبين أخيه جعفر بن أبي طالب ومولاه زيد بن حارثة في ابنه حمزة (أما أنت يا علي فمني وأنا منك، وأنت وليّ كلّ مؤمن من بعدي)(١٩٨). فصدّق أبي رسول الله سابقاً ووقاه بنفسه، ثم لم يزل رسول الله في كل موطن يقدمه ولكل شديدة يرسله، ثقة منه به وطمأنينة إليه، لعلمه بنصيحته لله ورسوله، وأنّه أقرب المقرّبين من الله ورسوله، وقد قال الله عزّ وجل: (السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ)(١٩٩). فكان أبي سابق السابقين إلى الله عز وجل، والى رسوله، وأقرب الأقربين وقد قال الله تعالى: (لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً...)(٢٠٠).
أبي كان أوّلهم إسلاماً، وإيماناً وأوّلهم إلى الله ورسوله هجرة ولحوقاً وأوّلهم على وجده ووسعه نفقة قال سبحانه: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)(٢٠١).
فالناس من جميع الأمم يستغفرون له بسبقه إيّاهم إلى الإيمان بنبيه، وذلك أنّه لم يسبقه إلى الإيمان به أحد، وقال الله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ)(٢٠٢).
فهو سابق جميع السابقين فكما أنّه عز وجل فضل السابقين على المتخلفين والمتأخرين فكذلك فضل سابق السابقين، وقد قال الله عز وجل: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)(٢٠٣).
فهو المجاهد في سبيل الله حقاً وفيه نزلت هذه الآية، وكان ممن استجاب لرسول الله، عمّه حمزة، وجعفر ابن عمّه، فقتلا شهيدين رضي الله عنهما، في قتلى كثيرة معهما من أصحاب رسول الله، فجعل الله تعالى حمزة سيد الشهداء من بينهم، وجعل لجعفر جناحين يطير بهما مع الملائكة كيف يشاء من بينهم، وذلك لمكانهما من رسول الله ومنزلتهما وقرابتهما منه، وصلى رسول الله على حمزة سبعين صلاة، من بين الشهداء الذين استشهدوا معه، وكذلك جعل الله تعالى لنساء النبي المحسنة منهن أجرين، وللمسيئة منهن وزرين ضعفين لمكانهن من رسول الله وجعل الصلاة في مسجد رسول الله بألف صلاة في سائر المساجد، إلا المسجد الحرام مسجد خليله إبراهيم بمكة، وذلك لمكانة رسول الله من ربّه، وفرض الله عز وجل الصلاة على نبيه على كافة المؤمنين فقالوا يا رسول الله كيف الصلاة عليك، فقال (صلّى الله عليه وآله): (قولوا اللّهم صلي على محمد وآل محمد) فحقّ على كل مسلم أن يصلّي علينا مع الصلاة على النبي فريضة واجبة، وأجلّ الله تعالى خمس الغنيمة لرسول الله وأوجبها له في كتابه، وأوجب لنا من ذلك ما أوجب له، وحرّم عليه الصدقة وحرّمها علينا معه، فأدخلنا ـ وله الحمد ـ فيما أدخل فيه نبيه، وأخرجنا ونزّهنا ممّا أخرجه منه ونزّهه عنه، كرامة أكرمنا الله عزّ وجلّ بها، وفضيلة فضّلنا بها على سائر العباد، فقال الله تعالى لمحمد حين جحده كفرة أهل الكتاب وحاجّوه: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) فأخرج رسول الله من الأنفس معه أبي، ومن البنين أنا وأخي، ومن النساء أمي فاطمة، ومن الناس جميعاً، فنحن أهله، ولحمه، ودمه، ونفسه، ونحن منه، وهو منّا، وقد قال الله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا). فلما نزلت آية التطهير جمعنا رسول الله أنا وأخي وأمي وأبي فجلّلنا ونفسه في كساء لأمّ سلمة خيبري، وذلك في حجرتها وفي يومها، فقال: (الهم هؤلاء أهل بيتي، وهؤلاء أهلي وعترتي، فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً). فقالت أم سلمة: أأدخل معهم يا رسول الله؟ فقال لها رسول الله: يرحمك الله أنت على خير وإلى خير، وما أرضاني عنك، ولكنها خاصة لي ولهم. ثم قالها رسول الله بعد ذلك بقية عمره، حتى قبضه الله، يأتينا في كل يوم عند طلوع الفجر فيقول: (الصلاة يرحمكم الله، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) وأمر رسول الله بسدّ الأبواب الشارعة في مسجده غير بابنا، فكلموه في ذلك فقال: (أما إني لم أسدّ أبوابكم، ولم أفتح باب عليّ من تلقاء نفسي، ولكنّي أتبع ما يوحى إليّ، وإنّ الله أمر بسدّها وفتح بابه) فلم يكن من بعد ذلك أحد تصيبه جناية في مسجد رسول الله ويولد فيه الأولاد، غير رسول الله، وأبي علي بن أبي طالب، تكرمة من الله تعالى، وفضلاً اختصّنا به على جميع الناس، وهذا باب أبي قرين باب رسول الله في مسجده فبنى فيه عشرة أبيات، تسعة لنبيه وأزواجه وعاشرها وهو متوسطها لأبي، وها هو بسبيل مقيم، والبيت هو المسجد المطهّر، وهو الذي قال الله تعالى: (أَهْلَ الْبَيْتِ)، فنحن أهل البيت، ونحن الذين أذهب الله عنا الرجس وطهرنا تطهيراً...).
أيها الناس: إنه لا يعاب أحد بترك حقّه، وإما يعاب أن يأخذ ما ليس له، وكلّ صواب نافع وكل خطأ ضار لأهله وقد كانت القضية ففهمناها سليمان، فنفعت سليمان، ولم تضرّ داوود فأمر القرابة فقد نفعت المشرك وهي والله للمؤمن أنفع.
أيها الناس: اسمعوا وعوا، واتقوا الله وراجعوا، وهيهات منكم الرجعة إلى الحقّ، وقد صارعكم النكوص، وخامركم الطغيان، والجحود أنلزمكموها وأنتم لها كارهون. والسلام على من اتبع الهدى.
فقال معاوية: والله ما نزل الحسن حتى أظلمت عليّ الأرض وهممت أن أبطش به، ثم علمت، أن الإغضاء أقرب إلى العافية(٢٠٤).
وفي هذه الخطبة الرائعة التي حملت من المعاني أجلاها وأعظمها ومن الحكم أوثقها وابلغها نجد فيها تركيزاً على جانبين مهمين وهما:
أولاً: تبيان حقوق أهل البيت (عليهم السلام) وفضائلهم وقرابتهم من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وواجب المسلمين جميعاً في عقد الحب والولاء لهذا البيت الطاهر، وجريمة الفصل بين أهل البيت (عليهم السلام) وبين رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
ثانياً: إغفال الأمة في عهد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وابنه الحسن (عليه السلام) لهذه الحقوق ونكوصها عن الوقوف إلى جانب الإمام علي (عليه السلام) وابنه الحسن (عليه السلام) في المحن الشديدة والفتن الخطيرة التي عصفت رياحها بالدولة الإسلامية، فتخاذلت الأمة عن النهوض ومقاومة القوى المناوئة لأهل البيت (عليهم السلام)، وجمدت عن قطع دابر المخططات الأموية التي كانت تتربص الدوائر للإطاحة بالنظام الإسلامي واقامة نظام جاهلي قبلي تنبعث فيه قيم الشر ونزعات الفتنة...
ثم جاء معاوية في يوم آخر إلى المسجد، فطلب من الإمام الحسن (عليه السلام) وبإصرار أن يصعد المنبر ويمتدحه، فقام الإمام (عليه السلام) وصعد ثم قال (عليه السلام): (الحمد لله الذي توحّد في ملكه وتفرّد في ربوبيته يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء والحمد لله الذي أكرم بنا مؤمنكم، وأخرج من الشرك أولكم، وحقن دماء آخركم، فبلاؤنا عندكم قيماً وحديثاً أحسن البلاء، إن شكرتم أو كفرتم أيها الناس: إن رب عليّ كان أعلم بعليّ حين قبضه إليه، ولقد اختصه بفضل لم تعهدوا بمثله، ولم تجدوا مثل سابقته، فهيهات هيهات طال ما قلبتم له الأمور، حتى أعلاه الله عليكم، وهو صاحبكم، وعدوّكم في بدر وأخواتها، جرّعكم رنقاً، وسقاكم علقاً، وأذلّ رقابكم، وأشرقكم بريقكم فلستم بملومين على بغضه.
وأيم الله لا ترى أمة محمد خصباً، ما كانت سادتهم وقادتهم في بني أمية، ولقد وجّه الله إليكم فتنةً، لن تصدوا عنها حتى تهلكوا، لطاعتكم طواغيتكم وانضوائكم إلى شياطينكم، فعند الله احتسب ما مضى، وما ينتظر من سوء رغبتكم، وحيف حكمكم.
يا أهل الكوفة: لقد فارقكم بالأمس سهم من مرامي الله صائب على أعداء الله، نكّال على فجّار قريش، لم يزل آخذ بحناجرها، جاثماً على أنفاسها ليس بالملومة في أمر الله، ولا بالسروقة لمال الله، ولا بالغروقة في حرب أعداء الله أعطى الكتاب خواتمه وعزائمه، دعاه فأجابه، وقاده فاتّبعه لا تخذه في الله لومة لائم فصلوات الله عليه ورحمته(٢٠٥).
الذي يحدق النظر في كلام الإمام الحسن (عليه السلام) يجد أنه (عليه السلام) في كل مرة يطلب منه معاوية صعود المنبر ومدحه، يبدأ الإمام (عليه السلام) بذكر فضائل أهل البيت (عليهم السلام) والتركيز على ولاية أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وفضائله وخسارة الأمة الإسلامية حينما ضيعت الولاية وأفسحت المجال لسيطرة بني أمية عليها. كما نجد أن الإمام (عليه السلام) يخصص في حديثه عن الإمام أمير المؤمنين جانب القيادة وعلاقة الراعي مع الرعيّة، والتي أراد الإمام الحسن (عليه السلام) من تسليط الضوء على هذا الجانب لبث الوعي في جماهير الكوفة لما سيجري من مخاطر وأزمات ستهدد مستقبل الأمة في ظل السيطرة الأموية على دفة الحكم.

الفصل الخامس:

الإمام الحسن (عليه السلام)... وردود الفعل:
ظهرت بعض ردود الفعل بعد توقيع الإمام الحسن (عليه السلام) اتفاقية الهدنة مع معاوية وردود الفعل هذه جاءت من قبل الطليعة الرسالية والتيار الجماهيري المتعاطف مع الإمام الحسن (عليه السلام) وأهل البيت (عليهم السلام)، ممّا استدعى الأمر أن يتصدى الإمام (عليه السلام) لإزالة الغموض واللّبس الذي قد لف مسألة الهدنة والإجابة على الأسئلة التي كانت تدور في أذهان الطليعة وتيار الجماهير المتعاطف...
فقد اتخذت بعض العناصر الطليعية وجمع من المتعاطفين مع الإمام (عليه السلام) موقفاً متذمراً تجاه هدنة الإمام (عليه السلام) مع معاوية، وراح بعضهم يعنف القول للإمام (عليه السلام) دونما وعي بالظروف القائمة والموضوعية.
وقد اعتمد الإمام الحسن (عليه السلام) لمواجهة ردود الفعل تلك، حسب موقع الفرد ـ قرباً أو بعداً ـ من القيادة، لذلك كان جواب الإمام (عليه السلام) لطليعته أمثال عدي ابن حاتم، وقيس بن سعد، وسليمان بن صرد، وحجر بن عدي وغيرهم، يختلف عن جوابه (عليه السلام) لذلك الإنسان المتعاطف مع الإمام (عليه السلام) فكل حسب موقعه وقدرته على استيعاب الجواب وفهم ابعاده.
التيار الجماهيري المتعاطف:
جاء قوم من الشيعة إلى الإمام الحسن (عليه السلام) في طلب الإذن منه لقتال معاوية بعد الهدنة فقال لهم الإمام (عليه السلام): (أنتم شيعتنا وأهل مودتنا، فلو كنت بالحرام في أمر الدنيا أعمل ولسلطانها أركض وأنصب ما كان معاوية بأبأس مني بأساً ولا أشد شكيمة، ولا أمضى عزيمة، ولكني أرى غير ما رأيتم، وما أردت بما فعلت إلا حقن الدماء، فارضوا بقضاء الله، وسلّموا الأمر له وألزموا بيوتكم وأمسكوا)(٢٠٦).
ونجد في جواب الإمام (عليه السلام) هذا بالرغم من أنه حديث عام للقوم من شيعة أهل البيت (عليهم السلام) إلا أنه يتضمن مسألتين هامتين وهما:
أولاً: أن الصراع الذي يواجه الطليعة الرسالية، ليس صراعاً سياسياً يرتبط بالسلطة والمنصب، بل هو صراع القيم والمبادئ الرسالية مع الثقافة الجاهلية، لذلك فهو يتطلب إمكانيات وطاقات مناسبة لتغيير الواقع الفاسد في الأمة على مختلف الأصعدة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية... وغيرها.
والواضح من كلام الإمام (عليه السلام) إن هذا القوم الذي جاء لطلب الإذن من الإمام (عليه السلام) لقتال معاوية، كان يحمل بعداً واحداً في صراعه، وهو البعد السياسي بمعنى السيطرة على السلطة وإسقاط معاوية.
ثانياً: إن الصراع ليس عملية انتحارية أو مجازفة غير محسوبة العواقب، بل هي عملية طويلة المدى، تتطلب وسائل وإمكانيات هائلة في سبيل إدارة الصراع بصورة جيدة، كما أنه بحاجة إلى أفراد وكفاءات وتضحيات وعمل متواصل ومنظم ومؤسسات تتجاوز الحواجز الإرهابية، وإدخال المجتمع في دائرة الصراع إلى غيرها من العوامل المؤدية إلى تغيير الواقع الفساد في الأمة.
إلا أن تكون هناك فئة انتحارية يكون همها القيام بعمليات ثورية دونما اكتراث إلى الجوانب الأخرى من الصراع، فإن هذه الفئة تنتهي بسرعة، وإذا بقيت فإنها لن تصل إلى الأهداف الحقيقية في الصراع. كما أن هذه الفئة لن ـ والحال هذه ـ عن إرادة الجماهير بل قد تنقلب الجماهير ضدها وذلك لأنها أغفلت منذ البداية جانب نوعية الجماهير وتهيئة أفراد المجتمع لخوض الصراع وإن الانتكاسات التي ستصيب هذه الفئة لن تثير حفيظة الجماهير أو عاطفتها كون هذه الجماهير لم تفهم أهداف وتطلعات هذه الفئة في خوضها الصراع بل قد تعتبره صراعاً على المنصب والسلطان كما يحدث غالباً للصراعات الطرفية والفئوية ضد السلطة.
وفد قوم من شيعة أهل البيت (عليهم السلام) فلاموا الإمام (عليه السلام) لتسليمه زمام السلطة إلى معاوية وأعنفوا القول للإمام (عليه السلام) فقال لهم: (ويحكم ما تدرون ما عملت؟ والله الذي عملت خير لشيعتي ممّا طلعت عليه الشمس أو غربت، ألا تعلمون أني إمامكم، ومفترض الطاعة عليكم، وأحد سيدي شباب أهل الجنة بنص من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، قالوا: بلى، قال: أما علمتم أن الخضر لما خرق السفينة وأقام الجدار، وقتل الغلام، كان ذلك سخطاً لموسى بن عمران، إذ خفي عليه وجه الحكمة في ذلك وكان ذلك عند الله تعالى ذكره حكمةً وصواباً؟ أما علمتم أنّه ما منا أحد إلا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلا القائم الذي يصلي خلفه روح الله عيسى بن مريم؟ فإن الله عز وجل يخفي ولادته ويغيب شخصه، لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة، إذا خرج ذاك التاسع من ولد أخي الحسين ابن سيدة النساء يطيل الله عمره في غيبته، ثم يظهره بقدرته في صورة شاب دون الأربعين سنة، ذلك ليعلم أن الله على كل شيء قدير)(٢٠٧) وهنا يشير الإمام (عليه السلام) في جوابه للقوم، قضية مركزية وحساسة وهي موقع القيادة في المجتمع، وأسلوب تعامل الجماهير مع قرارات هذه القيادة.
فقد تصاب الجماهير ـ أحياناً ـ بحالة مرضية وهي المزاجية في قبول أو رفض القرارات القيادية والتي يرجع أحد أسبابها إلى عدم وعي القرار، أو عدم فهم أبعاده الإيجابية المختلفة.
فما دام أن هناك قيادة في الأمة تعمل على أساس تطبيق الإسلام في واقع المجتمع، وتغيير نظام الواقع الفاسد، فالمطلوب من أبناء الأمة إسناد ودعم قيادتها الشرعية، بدل التشكيك أو التردد في ذلك، ولا يعني ذلك صنمية القرار أو تقديس القائد بقدر ما هو التفاعل مع القضية المشروعة التي آمنت بها الجماهير منذ البدء.
في الواقع أن من أخطر الآفات التي تفتك بالمجتمع هي في أن يضع أفراد المجتمع مختلف التبريرات في التعامل مع القرارات ممّا يسبب في إضعاف موقع القيادة وبالتالي تفتيت الوحدة الاجتماعية المنبعثة من قوة مركز القيادة في الأمة.
والواقع أن الأمة التي تضع ثقتها في قيادتها، فهي التي تصل إلى أهدافها بسرعة وبنجاح. كونها لم تبحث في تفصيلات كل قرار يصدره القائد فتتردد في اتباعه بل مسكت بأزمة القرار بقوة وإخلاص وتفهم.
وجاء بعض من الشيعة إلى الإمام (عليه السلام) فابتدروا بالقول: يا مذل المؤمنين، ويا مسود الوجوه، فما كان جوابه إليهم إلا أن قال: لا تعزلوني، فإن فيها مصلحة، ولقد رأى النبي (صلّى الله عليه وآله) في منامه، أنه يخطب بنو أمية واحد بعد واحد فحزن، فأتاه جبرائيل فقال له: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) و(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)(٢٠٨).
إن الإمام (عليه السلام) وبالرغم من قبح كلام القوم له والذي لا يعبر سوى عن غياب الوعي عن فهم القرار، فضلاً عن فهم وإدراك موقع الإمام (عليه السلام) ومكانته في الأمة، مع ذلك يجيب الإمام (عليه السلام) على هؤلاء حسب مستوى إدراكهم بأن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد أخبره عن تسلط بني أمية على هذه الأمة.
موقف الإمام (عليه السلام) مع الطليعة:
١ـ عدي بن حاتم:
جاء عدي بن حاتم أحد طليعة الإمام الحسن (عليه السلام) وقال: (يا ابن رسول الله لوددت إني مت قبل ما رأيت أخرجتنا من العدل والجور، فتركنا الحق الذي كنا عليه، ودخلنا في الباطل الذي كنا نهرب منه، وأعطينا الدنية من أنفسنا، وقبلنا الخسيس التي لم تلق بنا.
فرد الإمام (عليه السلام) قائلاً: (يا عدي: إني رأيت هوى معظم الناس في الصلح، وكرهوا الحرب، فلم أحب أن أحملهم على ما يكرهون، فرأيت دفع هذه الحروب إلى يوم ما، فإن الله كلّ يوم هو في شأن).
وقد أراد الإمام (عليه السلام) من ذلك أن يلفت انتباه عدي إلى سبب إقدامه على توقيع اتفاقية الصلح مع معاوية وهي انثيال معظم الناس نحو فكرة الصلح والهروب من الحرب ممّا وضع الإمام (عليه السلام) إزاء الأمر الواقع.
بعدها يخبر الإمام (عليه السلام) عن إرجاء الحرب ضد معاوية إلى يوم آخر، لأن الجماهير لم تكن مستعدة اليوم لأن تخوض مع الإمام (عليه السلام) الحرب ضد معاوية، ولكن الأيام دول والأمة بحاجة إلى إعداد جديد للدخول في الصراع.
وهنا كلمة نقولها وهي عندما يكون هناك بون شاسع بين منهج القيادة وهوى الجماهير، فإنّ الحال آنذاك يصبح أكثر تعقيداً من غيره، لأنه قد يضطر القائد ـ مكرهاً ـ للنزول إلى رغبة الجماهير، فإن القائد آنذاك يتمكن من امتلاك الحزم والقوة في إصدار القرار الصائب والمناسب لأن القوة الفعلية التي يستند عليها هي الجماهير.
ولقد عاش الإمام الحسن (عليه السلام) محنة شديدة، في مجتمع طاعته الهوى، ويخشى حرّ السيف، يرغب في السلم مع الذل، ويكره الحرب مع العز... وأمة هكذا حالها لا يمكن أن تستفيد من قائد يدعوها إلى غير الهوى التي هي عليه... وقائد مثل الإمام الحسن (عليه السلام) لم ير من الناس سوى الدعة واللهث وراء شهوات الدنيا وحب الذات، بعد أن أضاء لهم الطريق لكي يهتدوا إلى مواقع الظلمة... ولكن ماذا يمكن للإمام (عليه السلام) صنعه مع أناس استحبوا الضلالة على الهدى واستهووا الظلام على النور...، ولأن الجماهير ـ والحال هذه ـ كانت تحمل في داخلها ثقافة معاوية وليست ثقافة الإمام الحسن (عليه السلام) ولذلك كانت تفتش عن قائد ينمي فيها غريزة الهوى وحب الدنيا، والانصياع للنظام الحاكم سواء عن طريق نشر الثقافة الجامدة والفكر المنحدر، أو ترويج وسائل الترف الفكري، أو إشاعة الفساد بألوانه وأشكاله، وعن طريق إطلاق الدعوات الماكرة لترويض الجماهير وإبعادها عن ساحة الصراع، فإنّ هذه الأمة صعب منها أن تنبعث لتحمل مسؤولية التغيير الجذري في واقعها الذاتية وقدراتها المتاحة، وتطيع قياداتها وتسندها بكل إمكانياتها فإن مثل هذه الأمة تنتصر وتتغير، لأنها غيّرت ما في داخلها ونبذت كل ضلالات الثقافة الجاهلية والله سبحانه وتعالى يقول: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ).
وحديث الإمام الحسن (عليه السلام) لعدي بن حاتم لا يخرج عن إطار تلك الأمة المتقاعسة والمخالفة لأمر إمامها وقائدها، فمصداقية القائد هي في طاعة الجماهير له، فإذا انتفت الطاعة، انتفى القائد أيّاً كان هذا القائد.
٢ـ مالك بن ضمرة:
جاء مالك فتلفظ بكلمات عنيفة، وألقى باللائمة على الإمام (عليه السلام) فرد عليه الإمام (عليه السلام) بلطف وهدوء وقال له: (إني خشيت أن يجتثّ المسلمون عن وجه الأرض فأردت أن يكون للدين ناع)(٢٠٩).
حكمة عظيمة، وقيمة بالغة قالها الإمام الحسن (عليه السلام) لمالك، ترتبط بجذور الصراع ويؤكد الإمام (عليه السلام) في جوابه على أن الصراع ليس محرقة للأفراد، ولا الأفراد حطب في فرن الأحداث، لأن بذلك يخرج الهدف عن إطاره السليم والصحيح بل إنما هو في سبيل الإبقاء على الرسالة الإلهية ونشر مبادئ وقيم الإسلام الفاضلة، وهذا يتم عبر وجود فئة رسالية قادرة على أن تحمل راية الدين بصدق وإخلاص.
إذن الهدف من الصراع هو تحكيم شريعة الله في المجتمع بوجود فئة عاملة وقادرة على تحقيق هذا الأمر أما أن يكون الصراع سبيلاً لاقتحام الأفراد في أتون معركة خاسرة تؤدي إلى تصفية المجتمع من العاملين والدعاة وبالتالي تغييب الدين، وإلغاء الشريعة، فإن هذا الصراع.. يكون للمصلحة لا للمبدأ. والإمام (عليه السلام) الذي أخبر أن هناك فئة محدودة في المجتمع هي طليعة الإمام (عليه السلام) التي تقبل خوض الحرب ضد معاوية، فإن الإمام (عليه السلام) لم يكن يفرط في حياة هذه الطليعة، التي ستتولى الحفاظ على الدين وتبليغ رسالته، هذا بالإضافة إلى أن هناك تياراً جماهيرياً ما زال يحمل ولاءً عاطفياً لأهل البيت (عليهم السلام) يمكن الاستفادة منه في المستقبل بعد تنمية هذا الولاء العاطفي إلى ولاء حقيقي فعلي للعمل والتحرك.
٣ـ حجر بن عدي:
جاء حجر بعد توقيع اتفاقية الهدنة إلى مجلس معاوية ليبايع وكان الإمام الحسن (عليه السلام) حاضراً في المجلس فالتفت حجر إلى الإمام (عليه السلام) وقال: (أما والله لوددت أنك مت في ذلك اليوم ومتنا معك ولم نر هذا اليوم فإنا رجعنا راغمين بما كرهنا ورجعوا مسرورين بما أحبوا).
ثم خرج الإمام الحسن (عليه السلام) ولقي حجراً فخلى به يخبره عن الهدف من وراء اتفاقية الهدنة.
فقال (عليه السلام): يا حجر قد سمعت كلامك في مجلس معاوية وليس كل إنسان يحب ما تحب، ولا رأيه كرأيك، وإني لم أفعل ما فعلت إلا إبقاءً عليكم والله تعالى كل يوم هو في شأن)(٢١٠).
إن للعلاقة الوثيقة التي كانت تربط الإمام الحسن (عليه السلام) بحجر، دورها في أسلوب التعامل، لذلك نجد أن الإمام (عليه السلام) وقد سمع كلام حجر في مجلس معاوية، لم يكن يغفل عن كشف الغموض واللبس عند حجر، فيخلوا الإمام (عليه السلام) بحجر ويقول له بكلمات بسيطة تحمل أهدافاً في غاية الأهمية والتعبير الصادق.
ونحن هنا نتوقف مع هذه الكلمات العظيمة من الإمام (عليه السلام) والتي تخص الطليعة وتبين جانب مهم من تفكير الطليعة وما هي الحدود التي يجب على أفراد هذه الطليعة مراعاتها الالتزام بها؟
نستفيد من موقف الإمام الحسن؟ مع حجر بن عدي، أن الطليعة في تحركها بحاجة إلى البصيرة والوعي بما يجري من أحداث وتغييرات في ساحة المجتمع، دونما الاكتفاء بالحالة الثورية، كونها كحالة متفاعلة في داخل أفراد الطليعة لا يمكن أن نتعامل مع أحداث ووقائع المجتمع وإذا لم تكن هناك بصيرة نافذة ووعي متقدم يستطيع استخدام الحالة الثورية في مكانها المناسب وفي زمانها المناسب.
وقد تصل بالطليعة حالة الثورية اللاواعية لممارسة العمليات الثورية المتطرفة في ساحة المجتمع فتتجاهل الطليعة ظروف المجتمع ودرجة وعيه بالأعمال الثورية. ممّا تسبب في قتل قابليات أبناء هذا المجتمع لعملية التغيير... لماذا؟ لأن الطليعة تعاملت مع المجتمع على أساس ما تحمل من منهجية في التفكير وطريقة في التحرك فتتصرف من واقعها هي، وليس من واقع المجتمع أو الأخذ بنظر الاعتبار الظروف السائدة في الساحة الاجتماعية هذا مع العلم أن عملية التغيير لن تتم بقرار من الطليعة وحدها إذا لم يسندها الجماهير ورغبتها في ذلك.
والإمام الحسن (عليه السلام) يقول لحجر: (وليس كل إنسان يحب ما تحب ولا رأيه كرأيك) ولأن الطليعة إنما سميت بذلك، لأنها تجاوزت الحواجز النفسية والثقافية وغيرها التي تقف أمام حركة المجتمع، ودور الطليعة يكون في تذويب هذه الحواجز حتى يتحول المجتمع بأكمله إلى مجتمع طليعي ولذلك فهو بحاجة إلى الدخول في عملية التغيير.
والإمام (عليه السلام) في حديثه مع حجر يقودنا إلى فهم عملية التغيير، وانها إنما تتم بمشاركة فئات المجتمع وذلك:
أولاً: إن عملية التغيير تتم في داخل المجتمع وليس خارجه بهدف تغيير المجتمع والصعود به إلى مستوى أفضل، وهذا يتطلب مساهمة فاعلة وشاملة من أبناء المجتمع ومن جهة ثانية إن التغيير في المجتمع ليس عميلة دراماتيكية أو دفعية، فالمجتمع إنما يتغير تدريجياً من خلال بناء الكوادر وتنظيم خلايا العمل وتوعية الجماهير ومد الجسور... الخ.
ثانياً: إن التغيير عملية شاقة وطويلة وليست سهلة وقصيرة، فتحتاج إلى طاقات وقدرات هائلة تتجاوز حدود الفئة، لأن عملية التغيير لا تقتصر على إطار الفئة والطليعة، بل هي تتسع لتشمل أفراد المجتمع، وأن يكون العمل التغييري نافذ إلى كل الأصعدة والجوانب في المجتمع وليس صعيداً أو جانباً واحداً. كأن تقف عند حد الإصلاحات الجزئية والمعالجات النصفية، بل أن التغيير عملية شاملة لكل مرافق المجتمع.
وهذا مما يستدعي وجود فئات المجتمع في ساحة للتغيير الشامل.
والإمام (عليه السلام) في حديثه مع حجر بن عدي، يؤكد على أن توقيع اتفاقية الهدنة للحفاظ على حياة الطليعة في ظل غياب الجماهير عن ساحة المواجهة لذلك أن حكمة الإمام (عليه السلام) اقتضت عدم المجازفة بأفراد الطليعة في الحرب ضد معاوية.
٤ـ أبو سعيد عقيقا:
ينقل أبو سعيد لبعض أصحابه قصته مع الإمام الحسن (عليه السلام) حول مسألة الصلح مع معاوية ويقول: قلت للحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام): يا ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لمَ داهنت معاوية وصالحته وقد علمت أن الحق لك دونه وأن معاوية ضال باغ؟
فقال: (يا أبا سعيد ألست حجة الله تعالى ذكره على خلقه وإماماً عليهم بعد أبي (عليه السلام)؟ قلت: بلى، قال: ألست الذي قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لي ولأخي: الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا؟ بلى، قال: فأنا إذن إمام لو قمت، وأنا إمام إذا قعدت، يا أبا سعيد علّة مصالحتي لمعاوية علّة مصالحة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لبني ضمرة وبني أشجع، ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية أولئك كفار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفّار بالتأويل، يا أبا سعيد إذا كنت إماماً من قبل الله تعالى ذكره لم يجب أن يسفه رأيي فيما أتيته من مهادنة أو محاربة وإن كان وجه الحكمة فيما أتيته ملتبساً ألا ترى الخضر (عليه السلام) لمّا خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار سخط موسى (عليه السلام) فعله، لاشتباه وجه الحكمة عليه حتى أخبره فرضي، هكذا أنا سخطتم عليّ بجهلكم وجه الحكمة فيه ولولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحداً إلا قُتل)(٢١١).
وهنا يشير الإمام (عليه السلام) إلى ملاحظتين هامتين وهما:
الأولى: إنه (عليه السلام) إمام على المسلمين من قبل الله تعالى ذكره وعلى المسلمين الطاعة لأوامره ونواهيه لأنه يحدث عن الله سبحانه وتعالى.
الثانية: لا يجوز لأحد من المسلمين ـ أي كان ـ أن يرفض أمراً صادراً عن الإمام (عليه السلام) أو يظهر سخطه ونفوره من قرار الإمام (عليه السلام) لأن في ذلك مخالفة لله سبحانه وتعالى وكما يقول الإمام الصادق (عليه السلام): (الراد علينا كالراد على الله).
فإذا حدث ولم يفقه أحد من المسلمين حكمة الأمر والنهي لا يجوز له أن يحجم عن الانقياد لهذا الحكم أو ذاك كونه لم يتعرف على خلفية ذلك أو لم يحط علماً بوجه الحكمة به، وهذا لا يعني أن يمارس الفرد المسلم الطقوس العبادية من أوامر ونواهي عن غير دراية، بل أن المسألة هي أن لا يتحول الدين إلى مادة استهلاكية عن الفرد المسلم فيقبل ما يناسبه منا ويرفض ما دون ذلك.
فقد نغفل أحياناً وننسب الخطأ إلى الحكم كوننا لم نعقل مفهومه ومضمونه فبدل أن ننسب الجهل لأنفسنا، نلقي ذلك على الدين والعياذ بالله.
والإمام الحسن (عليه السلام) يقول لأبي سعيد: (هكذا أنا سخطتم عليّ بجهلكم وجه الحكمة) فالذين عارضوا الإمام (عليه السلام) كانوا يجهلون وجه الحكمة من إقدام الإمام (عليه السلام) على الصلح ثم إن الإمام (عليه السلام) كشف عن ذلك حينما أجاب الأخير: (ولولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحد إلا قتل).
فكانت معاهدة الصلح حاجزاً أمام معاوية كي لا يقدم على تنفيذ جرائمه في حق أبناء الرسالة، فيتعرضوا للتصفية الجسدية ممّا تؤثر على مسيرة الحركة الرسالية في الأمة والذي بالتالي يهدد كيان الدين الإسلامي برمته للانهيار، إضافة إلى ذلك فالإمام (عليه السلام) قد أوضح في أن معاهدة الصلح التي أقدم عليها ليست هي المعاهدة الأولى التي تمت، بل مارسها الرسول (صلّى الله عليه وآله) مع بني ضمرة وبني شجاع وأهل مكة والتي كانت في وقت لم تتمكن فيه الحركة الرسالية أن تواجه كافة القوى المناوئة للإسلام، فجاء صلح الحديبية ليوقف الزحف لتلك القوى نحو مواقع التحرك الرسالي في الأمة، ممّا قد يسبب في كبح جموح انطلاقة الإسلام في أوساط مجتمع مكة، ومن جهة أخرى لم تكن الحركة الرسالية تمتلك القدرة على المواجهة فهي حديثة العهد والنشأة ولم تقف على رجليها آنذاك بعد.

الفصل السادس:

فصل الشهادة:
عاش الإمام الحسن (عليه السلام) قرابة العقد من الزمن في المدينة المنورة استطاع أن يبني قاعدة جماهيرية صلبة عبر الثورة في جذور المجتمع المدني ومن خلال تربية الكوادر ونشر الثقافة الرسالية وبث الوعي الديني والسياسي في أوساط المجتمع، وهكذا التصدي لكافة محاولات التحريف والتضليل الجاهلي.. ولقد حقق الإمام (عليه السلام) خلال هذه الفترة إنجازات هائلة وهذا ما اعترف به وأقره قطب الرحى في النظام الجاهلي الأموي، معاوية بن أبي سفيان والذي خشي من نشاطات الإمام (عليه السلام) وإنجازاته على انفراط السلطة من يده.
كان الإمام الحسن (عليه السلام) ولعقد من الزمن يعيش بين أظهر المسلمين، يمثل الكهف الحصين ومعدن الأمن، وملجأ الهاربين والمحتاجين، ومصدر غوث اللاجئين قبال البطش الأموي فهذا سعيد بن سرح حينما أقدم زياد بن أبيه على مصادرة ممتلكاته وإخراجه من بيته واعتقال زوجته وعياله وأخيه، جاء سعيد إلى الإمام (عليه السلام) وشكا له ما جرى عليه، فكتب الإمام الحسن (عليه السلام) رسالة إلى زياد جاء فيها: (من الحسن بن علي إلى زياد أما بعد: فإنك عمدت إلى رجل من المسلمين، له ما لهم، وعليه ما عليهم، فهدمت داره، وأخذت ماله، وحبست أهله وعياله، فإن أتاك كتابي هذا فابن له داره، واردد عليه عياله وماله وشفعني فيه فقد أجرته والسلام).
ولما بلغ الكتاب إلى زياد غضب لأن الإمام (عليه السلام) لم ينسبه إلى أبي سفيان، ولم يبدأ به قبله فكتب زياد رسالة نال منها من الإمام (عليه السلام) وأشبعها من سموم شتمه وقدحه والتي لا يزفرها سوى زياد وأمثاله ومن تبعه.
ورد الإمام (عليه السلام) على الرسالة في سطرين موجزين: (من الحسن بن فاطمة، إلى زياد بن سميّة، أما بعد: فإن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: (الولد للفراش وللعاهر الحجر والسلام) وأرسل الإمام (عليه السلام) كتاب زياد إليه لمعاوية مع رد زياد على رسالة الإمام (عليه السلام) الثانية، فما أن وصلت الرسائل إلى معاوية فبعث برسالة عاجلة إلى زياد وكتب فيما كتب:
(.. من ذلك كتابك إلى الحسن تشتم أباه وتعرض له بالفسق، ولعمري أنك لأولى بالفسق.. وأمّا تسلطه عليك بالأمر فحق لمثل الحسن أن يتسلط، وأما تركك تشفيعه فيما شفع فيه إليك، فحظ دفعته عن نفسك إلى من هو أولى به منك، وإذا ورد عليك كتابي فخل ما في يديك لسعيد بن أبي سرح، وابن له داره، واردد عليه ماله ولا تتعرض له، فقد كتبت إلى الحسن (عليه السلام) أن يخبره إن شاء أقام عنده وإن شاء رجع إلى بلده، ولا سلطان لك عليه ولا يد ولا لسان)(٢١٢).
هكذا كان الإمام الحسن (عليه السلام)، حتى أن التاريخ لم يذكر مورداً أو قصة أو حادثة واحدة أن معاوية أو أزلامه باشروا ارتكاب جرائم القتل في حياة الإمام الحسن (عليه السلام) وربما كان ذلك سبب إقدام معاوية على تنفيذ مخطط اغتيال الإمام (عليه السلام).
وبالفعل فكّر معاوية في طريقة يقوم بها لتصفية وجود الإمام (عليه السلام) خاصة وأن النشاط الرسالي بدأ يتصاعد بقوة وأن معاوية مكبّلاً في وجود الإمام (عليه السلام) لا يستطيع التعرض بالسوء لأي من أصحاب الحسن (عليه السلام).. فأوعز معاوية إلى المستشارين السياسيين وهكذا أفراد الحاشية وعناصر من المقربين له أن يدلّوه على طريقة مناسبة يتم فيها اغتيال الإمام (عليه السلام)، فالبعض اقترح التصفية المعلنة أمام الناس في المدينة لبث الرعب في كافة أرجاءها والبعض الآخر اقترح استدعاؤه إلى الشام ثم تنفيذ فيه خطة الاغتيال.. غير أن معاوية كان يخشى أن تؤدي هذه العمليات إلى تأليب فئات من الشعب ضد نظامه وتدهور الأوضاع السياسية في الداخل، ولذلك فكّر في طريقة يتفادى فيها أي بادرة إثارة وذلك من خلال أمرين وهما:
أولاً: عدم تنفيذ خطة الاغتيال بصورة علنية أو استفزازية ممّا قد تثير حفيظة الشعب أو المعارضة.
ثانياً: عدم المباشرة في تنفيذ خطة الاغتيال لإبعاد الشبهة قدر الإمكان عن السلطة ولذلك وجد معاوية في جعدة بنت محمد بن الأشعث الكندي وهي بنت لأم فروة أخت الخليفة أبي بكر لتكون هي الأداة المناسبة ـ بكافة المواصفات ـ لتنفيذ الجريمة، وقد اختار معاوية السمّ كوسيلة هادئة للجريمة..
واستطاع معاوية أن يتصل بجعدة وراح يعرض عليها الإغراءات المادية ويحدثها عن الأموال الطائلة والضياع والثروة التي سيعطيها إيّاها والتي بلغت عشرة آلاف دينار وإقطاع عشرة ضياع من سورار وهي موضع بالعراق من بلد السريانيين، وسواد الكوفة، ووعدها أيضاً بتزويجها من ابنه يزيد... ولكن بشرط أن تدس السم إلى الإمام الحسن (عليه السلام)، فلم تطل التفكير في الأمر بل أعطت موافقة فورية.
وفي اليوم المحدد جاءت جعدة بالطعام المسموم وقدمته إلى الإمام الحسن (عليه السلام) فلمّا وضعته بين يديه قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله على لقاء محمد سيد المرسلين، وأبي سيد الوصيين وأمي سيدة نساء العالمين، وعمي جعفر الطيار في الجنة، وحمزة سيد الشهداء صلوات الله عليهم أجمعين.
وأما إن رفعت جعدة المائدة من تحت الإمام (عليه السلام) حتى بدأ السم ينتشر داخل جسمه (عليه السلام) ويقطع أمعاءه فكان السم يسري.. والألم يسري معه.. وكلاهما يصرمان ما تبقى من عمره الشريف.
جاء إليه أخوه الإمام الحسين (عليه السلام) فلمّا رأى حاله بكى، فقال له الحسن (عليه السلام): ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ قال: أبكي على ما أراك فيه. فقال له الحسن (عليه السلام): إن الذي يأتي إليّ بسمّ يدبّر فأقتل به، ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبد الله يزدلف إليك ثلاثون ألف رجل، يدّعون أنهم من أمة جدنا، وينتحلون دين الإسلام فيجتمعون على قتلك، وسفك دمك، وانتهاك، وسبي ذراريك ونسائك وأخذ ثقلك، فعندها تحلّ ببني أمية اللعنة، وتمطر السماء رماداً ودماً، ويبكي عليك كلّ شيء حتى الوحوش في الفلوات والحيتان في البحار)(٢١٣).
وظل الإمام الحسن (عليه السلام) يكابد الألم وقد سيطر السّم على كل أنحاء جسمه حتى أنه شكا لأخيه الحسين (عليه السلام) قائلاً: (يا أخي سقيت السّم ثلاث مرات لم أسق مثل هذه، إني لأضع كبدي).
يقول جنادة بن أبي أمية: (... ثم انقطع نفسه وأصفر لونه، حتى خشيت عليه، ودخل الحسين (عليه السلام) والأسود بن الأسود عليه، حتى قبّل رأسه بين عينيه، ثم قعد عنده فتسارّا جميعاً فقال أبو الأسود: إنا لله إن الحسن قد نعيت إليه نفسه.
ودنا الإمام الحسين (عليه السلام) من أخيه الحسن (عليه السلام) فوجد أن وجه الإمام (عليه السلام) يميل إلى الاخضرار فقال الإمام الحسين (عليه السلام): مالي أرى لونك إلى الخضرة؟ فبكى الحسن؟ وقال: يا أخي لقد صحّ حديث جدي فيّ وفيك.
ثم تعانقا طويلاً وتعابرا ثم بكيا كثيراً فسأل الإمام الحسين (عليه السلام) أخاه الحسن (عليه السلام) عن حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال الإمام الحسن (عليه السلام): (أخبرني جدّي قال: لما دخلت ليلة المعراج روضات الجنان، على منازل أهل الإيمان رأيت قصرين عاليين متجاورين على صفة واحدة إلا أن أحدهما من الزبرجد الأخضر والآخر من الياقوت الأحمر، فقلت: يا جبرائيل لمن هذان القصران فقال: أحدهما للحسن والآخر للحسين (عليهما السلام). فقلت: يا جبرائيل فلم لا يكونان على لونٍ واحد؟ فسكت ولم يرد جواباً، فقلت لم لا تتكلم؟ قال: حياءً منك. فقلت له: سألتك بالله إلا ما أخبرتني فقال: أما خضرة قصر الحسن فإنه يموت بالسم ويخضر لونه عند موته، وأما حمرة قصر الحسين فإنه يقتل ويحمر وجهه بالدم.
ثم سكت الإمام الحسن (عليه السلام) وقال كلمته الأخيرة عليكم السلام يا ملائكة ربي ورحمة الله وبركاته وصعدت روحه الطاهرة إلى بارئها، وغاب شخص الإمام (عليه السلام) عن دار الدنيا إلى دار الخلد في الجنات النعيم)(٢١٤).
والمطاف الأخير ـ تشييع جنازة الإمام (عليه السلام):
تولى الإمام الحسين (عليه السلام) مهمة تغسيل الجسد الطاهر لأخيه الحسن (عليه السلام) وهكذا تكفينه ولفّه، وبعدها حملت جنازة الإمام الحسن (عليه السلام) إلى مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولمّا وصلوا المسجد اعترض مروان طريق الجنازة للحيلولة دون الدخول بها إلى المسجد، ثم مضى إلى عائشة يحرضها على منع دفن الإمام الحسن (عليه السلام) عند جده، فجاءت عائشة على بغلة لتمنع دفن الإمام (عليه السلام)، فدنا عبد الله بن عباس منها وزجرها وقال لها: يوم على الجمل ويوم على البغل، أو قال هو أو غيره: تجملت تبغلت وإن عشت تفيلت. فلم تنتهر، بل قامت بتهييج بني أمية، فأقدموا على رشق جنازة الإمام (عليه السلام) بالسهام، حتى أننا نقرأ في الزيارة المنقولة عن الإمام الحجة عجل الله فرجه الشريف ـ (يا مواليّ فلو عاينكم المصطفى وسهام الأمة معرفة في أكبادكم ورماحهم مشرعة في نحوركم وسيوفهم مولعة في دمائكم وأنتم بين صريع في المحراب قد فلق السيف هامته وشهيد فوق الجنازة قد اشتبكت بالسهام أكفانه..)(٢١٥).
فجرد بنو هاشم السيوف لمواجهة سهام بني أمية، لو لا تدخل الإمام الحسين (عليه السلام) الذي التزم بوصية أخيه الإمام الحسن (عليه السلام)، ثم أمر الحسين (عليه السلام) بأن تحمل الجنازة إلى البقيع، فمالوا بالجنازة نحو البقيع. وقد اجتمع الناس لجنازته حتى ما كان البقيع يسع أحداً من الزحام وقد بكاه الرجال والنساء سبعاً، واستمر نساء بني هاشم ينحبن عليه شهراً، وحدّت نساء بني هاشم عليه(٢١٦).
وقبل أو يوارى الجثمان الطاهر للإمام الحسن (عليه السلام) دنا منه أخوه محمد بن الحنفية ونعاه قائلاً: رحمك الله يا أبا محمد، فوالله لئن عزّت حياتك لقد هدّت وفاتك، ونعم الرّوح، روح عمّر به بدنك ونعم البدن، بدن ضمه كفنك، لم لا يكون كذلك وأنت سليل الهدى، وحلف أهل التقوى، ورابع أصحاب الكساء، غذتك كفّ الحق، وربيت في حجر الإسلام، وأرضعتك ثديا الإيمان، فطب حيّاً وميتاً، فعليك السلام ورحمة الله وإن كانت أنفسنا غير قالية لحياتك ولا شاكّة في الخيار لك(٢١٧). وحينما وضع الإمام الحسين (عليه السلام) جسد أخيه الحسن (عليه السلام) في لحده أنشأ يقول:

أأدهن رأسي أم تطيب محاسني * * * ورأسك معفور وأنت سليب
بكائي يطول والدموع غزيرة * * * وأنت بعيد والمزار قريب
غريب وأطراف البيوت تحوطه * * * ألا كلّ من تحت التراب غريب
فليس حريب من أصيب بماله * * * ولكنّ من وارى أخاه حريب

فسلام عليك يا أبا محمد يوم ولدت ويوم جاهدت وبلغت ويوم استشهدت ويوم تبعث حياً..
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين...

التعليقات

التعليقة رقم: ١
زوجات الحسن (عليه السلام)
لقد تحدث المؤرخون عن زوجات الحسن (عليه السلام) وأكثروا ومال أكثرهم إلى المبالغة في تعدادهن مبالغة لا تعتمد على أساس معقول، فقال بعضهم أنهن يتراوحن بين الستين والسبعين، وقال البعض الآخر بأنه تزوج بأكثر من مائتين وخمسين امرأة وأن أباه كان يتضجر من ذلك، ووقف بعضهم منه موقفاً يتسم بالاعتدال والتجرد فقال بأن تعدد الزوجات كان شائعاً ومألوفاً بين المسلمين ولم يكن أكثر زواجاً من غيره، وقلّ من مات من أعيان المسلمين عن أقل من أربع زوجات، أما رواية السبعين والتسعين وغيرها من الروايات التي تصفه بأنه مطلاق وأن والده كان يقول: لا تزوجوا ولدي الحسن فإنه مطلاق فلا مصدر لها إلا المدائني وأمثاله من الكذبة كما يبدو من أسانيدها.
والمدائني والواقدي وغيرهما من المؤرخين القدامى قد كتبوا التاريخ في ظل الحكومات التي كانت تناهض أهل البيت وتعمل بكل ما لديها من الوسائل على تشويه واقعهم وانتقامهم، ولم يكن حكام الدولة العباسية بأقل سوءاً وتعصباً من أسلافهم الأمويين، فقد شاركوهم في وضع الأحاديث التي تسيء إلى العلويين، وكانوا يحقدون على الحسنيين ن بصورة خاصة لأن أكثر الثائرين على الظلم كانوا من أولاد الحسن وأحفاده.
ولما قبض المنصور على عبد الله بن الحسن أحد الحسنيين الثائرين على الظلم والجور خطب في حشدٍ كبير من الناس ونال من علي بن أبي طالب (عليه السلام) ومن الإمام الحسن (عليه السلام) وجميع الطالبين، وكما ممّا قاله: (إن ولد أبي طالب تركناهم والذي لا إله غيره والخلافة ولم تتعرض لهم لا بقليل ولا كثير فقام فيها علي بن أبي طالب فما أفلح وحكم الحكمين فاختلفت عليه الأمة وافترقت الكلمة، ثم وثب عليه شيعته وأنصاره وثقاته فقتلوه، وقام من بعده الحسن بن علي (عليه السلام) فوالله ما كان برجل، لقد عرضت عليه الأموال فقبلها ودس إليه معاوية أني جاعلك ولي عهدي فخلعه وانسلخ له ممّا كان فيه وسلمه إليه، وأقبل على النساء يتزوج اليوم واحدة ويطلق غداً أخرى، فلم يزل كذلك حتى مات على فراشه.
وفي المجلد الأول من صبح الأعشى أن المنصور كتب إلى النفس الزكية الحسني كتاباً جاء فيه: (وأفضى أمر جدك إلى الحسن فباعها لمعاوية بخرق ودراهم ولحق بالحجاز واسلم شيعته بيد معاوية فدفع الأمر إلى غير أهله وأخذ مالاً من غير حلّة فإن كان لكم فيها شيء فقد بعتموه وأخذتم ثمنه إلى غير ذلك ممّا كان العباسيون يلصقونه بالحسن (عليه السلام) رداً على الانتفاضات الشعبية التي قادوها رداً على جورهم وطغيانهم. وكما ذكرنا فرواية السبعين رواها المدائني كما جاء في شرح النهج ورواية التسعين رواها الشبلنجي في نور الأبصار، ورواية المائتين وخمسين والثلاثمائة رواها المجلسي عن قوت القلوب لأبي طالب المالكي المتوفى سنة ٣٨٠هـ.
وجاء في الكتاب المذكور كما يروي القرشي عنه في المجلد الثاني من كتابه الحسن بن علي أن الحسن تزوج مائتين وخمسين امرأة وقيل ثلاثمائة وأن عليّاً كان يتضجر من ذلك حياء من أهلهن إذا طلقهن، وكان يقول: (إن حسناً مطلاق فلا تزوجوه، فقال له رجل من همدان: والله يا أمير المؤمنين لننكحنه ما شاء فمن أحب أمسك ومن كره فارق فسر بذلك أمير المؤمنين وأنشأ يقول:

لو كنت بواباً على باب جنة * * * لقلت لهمدان ادخلوا بسلام)

ومضى في قوت القلوب يقول: وهذا أحد ما كان الحسن يشبه فيه جده رسول الله، وهو يشبهه في الخلق، وقد قال له جده: أشبهت خلقي وخُلقي، وقال: حسن مني وحسين من علي، واضاف إلى ذلك أن الحسن كان ربما عقد على أربع وطلق أربعاً.
وعلى ما يبدو أن الذين ألصقوا بالحسن كثرة الزواج والطلاق هؤلاء الثلاثة المدائني والشبلنجي وأبو طالب المكي في قوت القلوب، وعنهم أخذ المؤرخون والكتاب من السنة والشيعة والمستشرقون، أما علي بن عبد الله البصري المعروف بالمدائني والمعاصر للعباسيين فهو من المتهمين بالكذب في الحديث.
وجاء في ميزان الاعتدال للذهبي أن مسلماً في صحيحه قد امتنع عن الرواية عنه، وأن ابن عدي قد ضعفه، وقال له الأصمعي: والله لتتركن الإسلام وراء ظهرك، وكان من خاصة أبي إسحاق الموصلي، وقد تبعه لثرائه، ويروي عن عوانة بن الحكم المتوفى سنة ١٥٨ هـ والمعروف بولائه لعثمان والأمويين.
ونص ابن حجر في لسان الميزان أن عوانة كان يضع الأخبار لبني أمية، وجاء في معجم الأدباء انه كان مولى لسمرة بن حبيب الأموي، أما صاحب لسان الميزان فقد قال: أنه كان مولى لعبد الرحمن بن سمرة ابن حبيب الأموي، هذا بالإضافة إلى أن أكثر رواياته من المراسيل، كل ذلك ممّا يبعث على الاطمئنان بأن رواية السبعين التي لم يروها غير المدائني من موضوعاته لمصلحة أعداء العلويين.
أما رواية التسعين فقد أرسلها الشبلنجي في كتابه نور الأبصار ولم ينسبها لأحد، والشبلنجي في كتابه المذكور لم يتحر الصحيح في مورياته وأخباره كما يبدو ذلك للمتشبع فيه، والمرسل إذا لم يكن مدعوماً بشاهد من الخارج أو الداخل للاستدلال، في حين أن الشواهد والقرائن ترجح بأنه من صنع الحاقدين على أهل البيت.
وأما رواية المكي في قوت القلوب فهي أقرب إلى الأساطير من غيرها لأنها لم ترد على لسان أحد من الرواة وأبو طالب المكي كان مصاباً بالهستيريا، كما نص على ذلك معاصروه وحينما وفد على بغداد وجد البغداديون في حديثه هذياناً (ليس على المخلوق اضر من الخالق). ويبيح استماع الغناء ولما عاتبه عبد الصمد بن علي أنشد:

فيا ليل كم فيك من متعة * * * ويا صبح ليتك لم تقرب

ومن شذوذه كما جاء في البداية والنهاية لابن كثير، والكنى والألقاب للقمي: (أنه أوصى أحد أصحابه إن غفر الله له إن ينثر على جنازته لوزاً وسكراً وجعل العلامة على ذلك أن يقبض على يد صديقه ساعة الاحتضار، فقبض على يده في تلك الساعة ونفذ صديقه ما أوصاه به).
وقد روى في البحار كما جاء في كتاب القرشي انه لما توفي الحسن (عليه السلام) خرجت جمهرة من النساء حافيات حاسرات وهن يقلن: نحن زوجات الحسن، على أن بعض المغفلين من الشيعة قد تقبلوا هذه المرويات ظناً منهم أن ذلك فضيلة للحسن ودليل على ثقة الناس به، كما يظهر ذلك من الشيخ راضي آل ياسين في كتابه صلح الحسن، وقد أشار في كتابه المذكور إلى انه كان يحلل المطلقات ثلاثاً لأزواجهن، ولا يثق الأزواج بغيره في هذه المهمة، فأساء إلى الإمام الحسن وإلى أهل البيت (عليهم السلام) من حيث لا يقصد، وفي الوقت ذاته أتاح لبعض الجهلة من الشيعة والحاقدين من غيرهم أن يتناولوه بالنقد والتجريح وأن يلصقوا به ما لا يرضاه لنفسه كرام الناس فضلاً عن سيد شباب أهل الجنة وريحانة رسول الله وأشبه الناس به خلقاً وخلقاً كما أجمع على ذلك الرواة والمحدثون.
على أن المدائني نفسه الذي ادعى أنه تزوج بسبعين، قد أحصى له عشر نساء لا غير وعدهن بأسمائهن كما جاء في المجلد الرابع من شرح وزواجه من عشر نساء ليس بغريب في ذلك العصر لأن الزواج كان مألوفاً ومتعارفاً بين الصحابة والتابعين، وقد مات كل من الزبير وعبد الرحمن بن عوف وطلحة عن أربع زوجات عدا مطلقاتهم كما نص على ذلك أكثر المؤرخين(٢١٨).
التعليقة رقم: ٢
مذكرة المصريين لعثمان
رأى الوفد المصري أن يرفع مذكرة لعثمان يدعوه فيها إلى التوبة والاستقامة في سياسته وسلوكه وهذا نصها:
(أما بعد: فاعلم أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فالله، الله، ثم الله الله، فإنك على الدنيا فاستقم معها آخرة، ولا تنسى نصيبك من الآخرة، فلا تسوغ لك الدنيا، واعلم إنا لله ولله نغضب، وفي الله نرضى، وإنا لن نضع سيوفنا عن عواتقنا حتى تأتينا منك توبة مصرحة، أو ضلالة مجلحة(٢١٩) مبلجة فهذه مقالتنا لك، وقضيتنا إليك والله عذيرنا منك والسلام..)(٢٢٠).
واضطرب عثمان، وقرأ الرسالة بإمعان وقد أحاط به الثوار فبادر إليه المغيرة وطلب منه الإذن بالكلام معهم فأذن له ولما قرب منهم صاحوا به:
(يا أعور وراءك)
وصاحوا به ثانياً: (يا فاجر وراءك)
وصاحوا به ثالثاً: (يا فاسق وراءك).
ورجع المغيرة خائباً مهاناً قد أخفق في سفارته، ودعا عثمان عمرو بن العاص وطلب منه أن يكلم القوم، فمضى إليهم وسلم عليهم فلم يردوا عليه السلام لعلمهم بفسقه وفجوره، وقالوا له:
(ارجع يا عدو الله)
(ارجع يا بن النابغة، لست عندنا بأمين ولا مأمون).
ورجع خائباً في وفادته، لم يستحب له القوم، وقابلوه بمزيد من التوهين والاستخفاف.(٢٢١)
التعليقة رقم: ٣
حول معاوية بن أبي سفيان
لم يستعمل عثمان معاوية على الشام والياً وإنما استعمله عمر وأقره عثمان عليها ولكنه زاد في نفوذه وبسط في سلطانه، ومهد له الطريق في نقل الخلافة الإسلامية إليه يقول طه حسين:
(وليس من شك في أن عثمان هو الذي مهد لمعاوية ما أتيح له من نقل الخلافة ذات يوم إلى آل أبي سفيان، ومثبتها في بني أمية فعثمان هو الذي وسع على معاوية في الولاية فضم إليه فلسطين وحمص وأنشأ له وحدة شامية بعيدة الأرجاء، وجمع له قيادة الأجناد الأربعة، فكانت جيوشه أقوى جيوش المسلمين، ثم مدّ له في الولاية أثناء خلافته كلها كما فعل عمر، وأطلق يده في أمور الشام أكثر مما أطلقها عمر. فلما كانت الفتنة نظر معاوية فإذا هو أبعد الأمراء بالولاية عهداً، وأقواهم جنداً، وأملكهم لقلب الرعيّة)(٢٢٢)، إن عثمان هو الذي مد في سلطان معاوية، وزاد في سعة ولايته، وبسط له النفوذ حتى كان من أقوى الولاة، وأعظمهم نفوذاً، وأصبح قطره من أهم الأقطار الإسلامية وأمنعها، وأكثرها هدوءاً واستقراراً.
وقد علق السيد مير علي الهندي على ولاة عثمان بقوله: (كان هؤلاء هم رجال الخليفة المفضلين، وقد تعلقوا بالولايات كالعقبان الجائعة، فجعلوا ينهشونها، ويكدسون الثروات منها بوسائل الإرهاق التي لا ترحم)(٢٢٣).
التعليقة رقم: ٤
حول الخوارج
نشأت هذه الفرقة بصفّين عندما طلب معاوية التحكيم من علي (عليه السلام) وهي خديعة استعملها معاوية بن أبي سفيان ودلّه عليها عمرو بن العاص عندما أحسّ بالهزيمة ولمس الضعف في جيشه وعرف تفوق عليّ بحقه وأن الحق مع عليّ (عليه السلام) وقد انضم لجيشه رجال مخلصون قد رسخ الإيمان في قلوبهم أراد معاوية أن يوقع الشك ويُحدث الفرقة في صفوف جيش علي وقد وقع ما أراد معاوية فقد نفرت طائفة لم يتركز الإيمان في قلوبهم ومرقوا من الدين فأصبحت شعار هذه الطائفة الخوارج.
والخوارج، يسمون الشراة والحرورية، والمحكمة، ويجمعهم إكفار عثمان وعلى كل من أتى كبيرة وأصول فرقهم خمس: الأزارقة، والأباضية، والصفرية، والبيهسية، والنجدات. ثم تشعبوا. وأنشأ مذهبهم عند التحكيم عبد الله بن الكوا وعبد الدين وهب، ومن مصنفيهم أبو عبيد، وأبو الضياء وغيرهما(٢٢٤).
وذكر للخوارج فرق كثيرة قاربت العشرين فرقة على حسب اختلافهم في الآراء واهم فرقهم المشهورة:
الأزارقة:
وهم أتباع نافع بن الأزرق وكان من أكبر فقهائهم وقد كفّر جميع المسلمين وقال إنه لا يحل لأحد من أصحابه أن يجيب أحداً من غيرهم إذا دعاهم إلى الصلاة ولا أن يأكلوا من ذبائحهم ولا أن يتزوجوا منهم ولا يتوارث الخارجي وغيره وهم مثل كفّار العرب وعبدة الأوثان لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف ودارهم دار حرب ويحلّ قتل أطفالهم ونسائهم ولا تحل التقية واستحل الغدر بمن خالفه وكان أصحاب نافع من أقوى فرق الخوارج وأكثرهم عدداً خرجوا من البصرة معه فتغلبوا على الأهواز وما وراءها من بلدان فارس وكرمان وقتلوا عمّال تلك النواحي واشتدت شوكتهم ووقعت حروب بينهم وبين الدولة الأموية بما لا يسع المجال لذكرها.
النجدات:
وهم أتباع نجدة بن عامر الحنفي وهم الذين خالفوا نافعاً وانفردوا بتعاليم منها أن المخطئ بعد أن يجتهد معذور وإن الدين أمران معرفة الله ومعرفة رسوله ومن أداه اجتهاده إلى استحلال حرام أو تحريم حلال فهو معذور.
الأباضية في المغرب وسلطنة عمان:
وهم أتباع عبد الله بن أباض التميمي الذي خرج أيام مروان الحمار آخر ملوك بني أمية ولا يزال أتباعه إلى اليوم في المغرب العربي دولة الملك الحسن الثاني وهم فرق البقية من جميع فرق الخوارج الكثيرة التي انقرضت ولم تبق منهم باقية إلا الأباضية وهم على عقيدتهم في تكفير جميع المسلمين ويعتذرون عنهم بأنهم يذهبون إلى تكفيرهم لا على سبيل الشرك بل يرون أنهم كفاراً ولا يحل من غنائمهم في الحرب إلا الخيل والسلاح ولا يزال الأباضيون يؤلفون جماعات عديدة في أفريقيا الشمالية ويوجد فريق آخر بزنجبار بأفريقية الشرقية أما الوطن الأصلي للأباضيين الذين يهاجرون إلى أفريقيا الشرقية فهو بلاد عمان.
اليزيدية:
وهم أتباع يزيد بن أنسية الخارجي وادّعوا أن الله سبحانه وتعالى يبعث رسولاً من العجم ينزل عليه كتاباً ينسخ الشريعة المحمدية.
الميمونية:
أتباع ميمون العجردي وأظهروا عقائد المجوس فكانوا يبيحون نكاح بنات الأولاد وبنات الأخوة وبنات أولاد الأخوات. وتقسم الأباضية ذاتها إلى ثلاثة شعب هي الحفصية والحارثية واليزيدية.
الصفرية:
وهم أتباع زياد بن الأصفر ومن زعماء الصُفرية أبو هلال مرادس الذي خرج أيام يزيد بن معاوية بناحية البصرة على عبيد الله بن زياد ومنهم عمران ابن حطان وقد انتخبه الخوارج اماماً لهم وهو القائل بمدح عبد الرحمن بن ملجم المرادي اللعين.

يا ضربة من منيب ما أراد بها * * * إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره يوماً فاحسبه * * * أوفى البرية عند الله ميزانا

وأجابه جماعة منهم عبد القادر البغدادي المتوفى ٤٢٩هـ:

يا ضربة من كفور ما استفاد بها * * * إلا الجزاء بما يصليه نيرانا
إني لألعنه دنياً وألعن من * * * يرجو له أبداً عفواً وعفرانا
ذاك الشقيّ لأشقى الناس كلهم * * * أخفهم عند رب الناس ميزانا

وعمران بن حطان قد خرّج حديثه البخاري ووثقه وهذا من مزايا صحيحة وامتيازه.
العجاردة:
وهم أتباع عبد الكريم بن عجرد وكانت العجاردة مفترقة عشرة فرق ثم افترقوا فرقاً كثيرة هذا جملة القول في أهم الفرق الخوارج وقد بلغت عشرين فرقة وكل فرقة تخالف الأخرى في تعليمها وآرائها إلا أنهم اتفقوا على النظريتين الأولى تكفير علي وعثمان وأصحاب الجمل والحكمين الثانية اعترفوا بصحة خلافة الشيخين والخوارج مع عظم إجرامهم لا يوصفون بما وصف به الشيعة كتاب المرتزقة من أمثال احمد ايمن والشيخ زهو وأبو زهرة والخطيب محب الدين صاحب الخطوط العريضة ويتجرأون على الشيعة بالعبارات القبيحة والألفاظ المستهجنة لأن جرمهم أنهم الشيعة يوالون عليّاً وأولاده صلوات الله عليهم جميعاً.
وبدون شك أن حركة الخوارج من أكبر العوامل التي هددت المسلمين بأخطار كثيرة وقد اتخذوا تكفير جميع فرق المسلمين والمالكي والحنبلي والشافعي وغيرهم(٢٢٥).
والخوارج وابتدعوا مذهباً جديداً في الإسلام، واصطنعوا لمذهبهم أصولاً وفروعاً وقالوا: ليس منّا إلا من يعتقد بالدرجة الأولى بأن كلاً من عثمان وعليّ ومعاوية، وكذلك من رضي بالتحكيم، جميعهم كفار على السواء، ونحن أيضاً بدورنا كفرنا، ولكننا تبنا، وكل من لا يتوب، لا نعتبره مسلماً أبداً وقالوا أيضاً: إن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مسألة مطلقة، لا تقيد بأي شرط فيجب القيام ضد الإمام الجائر، ايّاً كان، وفي كل الظروف ولو حصل اليقين بعدم جدوى هذا القيام! وهذه الفتوى صبغتهم بصبغة بالغة الصنف والخشونة. ووضعوا أصلاً آخر لمذهبهم، يحكي عن جهالتهم وضيق نظرهم فقالوا: إن العمل جزء من الإيمان، وليس لدينا إيماناً منفك عن العمل. فالإنسان لا يصبح مسلماً بتلفظ الشهادتين، بل ينبغي أن يضم إلى ذلك أداء فريضة الصلاة والصيام، والعبادات المفروضة كافة، وكذلك أن لا يشرب الخمر، ولا يلعب القمار ولا يزني، ولا يكذب، وأن يتجنب الكبائر جميعها، لكي يصح إطلاق اسم المسلم عليه، وإذا كذب المسلم كذبة واحدة، خرج أصلاً من الإسلام، وأصبح كافراً نجساً، وإذا اغتاب، أو شرب الخمر، ولو لمرة واحدة، وهكذا، فمرتكب الكبيرة عندهم خارج عن دين الإسلام.
واصطنعوا أيضاً سلسلة من الأصول الأخرى، التي يستفاد من مجموعها أنهم اعتبروا أنفسهم المسلمين الوحيدين على وجه الأرض، وأخرجوا بقية الطوائف بذلك عن حظيرة الإسلام.
وتمردوا واستخدموا أساليب بالغة الخطورة من الغلظة والخشونة ولأنهم لم يكونوا يعتبرون الآخرين من المسلمين، فقد قرروا أن لا يزوجوهم ولا يتزوجوا منهم، وحرموا أيضاً ذبائحهم.
والأكثر من ذلك، أنهم أهدروا دمهم، وجوزوا قتل أطفالهم ونسائهم، وارتكبوا سلسلة من أعمال السلب والنهب، والقتل، ضد المسلمين، وأصبحت أوضاعهم بذلك بالغة الغرابة حقاً.
وكمثال واحد على أعمالهم الإجرامية: إنه كان أحد أصحاب النبي (صلّى الله عليه وآله) يمرّ بمنطقتهم، بصحبة زوجته الحامل، فاعترضوا طريقه، وطلبوا منه أن يتبرأ من علي (عليه السلام)، فلم يفعل، فما كان منهم إلا أن قتلوه ابشع قتلة، وبقروا بطن زوجته بالرماح، لأنه بزعمهم كافر، مهدور الدم(٢٢٦).
وبقدر ما كانوا يستبيحون حرمات الآخرين، كانوا يتشددون فوق الحد، في المحافظة على حرمات أتباعهم، فمثلاً أن جماعة منهم يمرون ببستان نخيل، يتعلق بأحد الموالين لهم، فمد واحد منهم يده واقتطف حبة من التمر، وضعها في فمه، فما كان منهم إلا أن انهالوا عليه، يهددونه، ويتوعدونه، ويغلظون له القول: لأنه بنظرهم تعدى على مال أخيه المسلم(٢٢٧).
مميزات الخوارج:
كان للخوارج عدة مميزات:
واحدة منها: هي الشجاعة الفائقة، وروح الفداء العظيمة التي كانوا يتحلون بها، ويرجع السبب في ذلك إلى أن تصرفاتهم كانت تصدر عن عقيدة راسخة، ولهم قصص عجيبة مذكورة في التاريخ تبين مدى اقدامهم وتضحياتهم في الحرب.
والميزة الأخرى: أنهم متنسكون يجتهدون كثيراً في العبادة، وهذا ما أوقع سائر المسلمين في الشك والشبهة، حيالهم، ولذلك لم يكن أحد غير علي (عليه السلام) يمتلك الجرأة على قتلهم.
والميزة الثالثة: هي الجهل الزائد، والحماقة العجيبة التي كانت تسيطر عليهم، وتجعل أفكارهم جامدة متحجرة، ولا يتنازلون عن قناعاتهم الباطلة، أمام الدليل والبرهان.
والميزة الرابعة: وهي الدور الذي مثلوه، ويمثله اليوم أشباهم وهم مع الأسف كثيرون في عالمنا الإسلامي(٢٢٨).
التعليقة رقم: ٥
حول قول الإمام علي (عليه السلام) لجماعته بعد رفع المصاحف
قال (عليه السلام): (فإني إنما أقاتلهم ليدينوا لحكم الكتاب، فإنهم قد عصوا الله فيما أمرهم، ونسوا عهده، ونبذوا كتابه. فقال له مسعر بن فدكي التميمي، وزيد بن حصين الطائي، في عصابة من القراء، الذين صاروا خوارج بعد ذلك: يا علي أجب إلى كتاب الله عز وجل، إذ دعيت إليه، وإلا دفعناك برمتك إلى القوم، أو نفعل بك ما فعلنا بابن عفان)(٢٢٩).
(فقان زيد بن حصين الطائي، وكان من أصحاب البرانس المجتهدين)(٢٣٠).
التعليقة رقم: ٦
حول استشهاد الإمام علي (عليه السلام)
كان عبد الرحمن بن ملجم، أحد أولئك التسعة نفر، القديسين الزهاد والذين نجوا من القتل في معركة النهروان حيث اجتمع هؤلاء وذهبوا في يوم من الأيام إلى مكة وأبرموا بينهم عهداً، عند الكعبة المشرفة بأن يغتالوا كُلاً من علي (عليه السلام) ومعاوية وعمر بن العاص، لأن هؤلاء الثلاثة ـ بزعمهم ـ هم سبب كل تلك الفتن التي عصفت بالعالم الإسلامي، وبقتلهم وإزالتهم من الساحة، سوف تستتب أمور المسلمين، وانتخبوا من بينهم ابن ملجم، لاغتيال علي (عليه السلام) وكان قرارهم أن يكون التنفيذ ليلة التاسع عشر من شهر رمضان(٢٣١).
يقول ابن أبي الحديد، في شرح سبب هذا التوقيت بالذات: (ولما كانت ليلة الجمعة التاسعة عشرة من شهر رمضان، ليلة شريفة، يرجى أن تكون ليلة القدر، عينوها لفعل ما يفتقدونه قربة إلى الله، فليعجب المتعجب من العقائد، كيف تسري في القلوب، وتغلب على العقول، حتى يرتكب الناس عظائم الأمور وأهوال الخطوب لأجلها!)(٢٣٢).
وجاء ابن ملجم إلى الكوفة، وظل مدة طويلة هناك ينتظر الليلة الموعودة، وفي هذه الأثناء تعرف على فتاة تدعى (قطام)، وكانت خارجية مثله، فعشقها، ووله بها، وربما كان يريد إلى حد ما أن يجول في ذهنه من أفكار جهنمية، فذهب إليها، وعرض عليها الزواج، فوافقت، ولكن مهرها ثقيل جداً!
فقال لها اطلبي ما تشائين. فقالت: عندي أربعة شروط:
الأول: ثلاثة آلاف درهم. قال: حسناً. قالت: والثاني: عبد. قال حسناً. قالت: والثالث: قينة. قال: حسناً. قالت: وأما الشرط الرابع: فهو رأس علي بن أبي طالب!!
هنا اضطرب ابن ملجم، فقد كان يعتقد انه بهذا الزواج إنما يبعد نفسه عن التفكير في قتل علي (عليه السلام)، فقال: وما يشفيك؟ قالت: ثلاثة آلاف وعبد، وقينة، وقتل علي بن أبي طالب. قال: هو مهر لك، فأما قتل علي فلا أراك ذكرته لي، وأنت تريدينني! قالت: بلى، التمس غرّته، فإن أصبت شفيت نفسك ونفسي، ويهنئك العيش معي، وإن قتلت، فما عند الله خير من الدنيا وزينتها، وزينة أهلها. قال: فوالله ما جاء بي إلى هذا المصر إلا قتل ما سألت(٢٣٣).
فظل عبد الرحمن أياماً يفكر في أبعاد هذا الأمر، وبعد تنفيذه لجريمته العظمى أنشد ابن أبي مياس المرادي في قتل علي (عليه السلام):

لهم أر مهراً ساقه ذو سماحة * * * كمهر قطام من فصيح وأعجم
ثلاثة آلاف وعبد وقينة * * * وضرب علي بالحسام المسمّم
فلا مهر أغلى من عليّ وإن غلا * * * ولا قتل دون قتل ابن ملجم(٢٣٤)

وعندما كان علي (عليه السلام) على فراش الموت، كان ينظر إلى تيارين من الأحداث يخلفهما وراءه:
أحدهما: تيار معاوية الذي كان على رأس القاسطين، والمنافقين.
والآخر: تيار القديسين المزيفين، وهم الخوارج المارقون.
وهذان التياران يضاد أحدهما الآخر. فكيف يتصرف أصحاب علي (عليه السلام) من بعده؟
يقول علي (عليه السلام) في وصيته: (لا تقاتلوا الخوارج من بعدي، فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه)(٢٣٥)، يريد أن يقول: صحيح أن الخوارج قتلوني، ولكن لا تقتلوهم أنتم من بعدي، لأن قتلهم بعد ذلك، لن يكون لصالح الحق والحقيقة وإنما سيكون لصالح معاوية وجماعته.
فتخطر معاوية خطر من نوع آخر، لأن هؤلاء أرادوا الحق، ولكنهم بحمقهم وجهلهم، لم يصلوا إليه، ولكن معاوية منذ البداية، كان يريد الباطل على علم، وقد وصل إلى هدفه.
وهكذا نرى علياً (عليه السلام)، لم يكن يحمل في قلبه حقداً شخصياً، على أي أحد، وعندما كان يتكلم، فإن كلامه كان موزوناً، وموضوعياً، يهدف من ورائه المصلحة العامة، دون أن يكون للعواطف أي أثر فيه.
وعندما أسروا (ابن ملجم)، وأحضروه إلى أمير المؤمنين، وهو على فراش الموت، تحدث معه الإمام بصوت خافت، من أثر الضربة، فقال له بعتاب: (أي عدو الله! ألم أحسن إليك؟
قال: بلى.
قال: فما حملك على هذا؟
قال: شحذته أربعين صباحاً، وسألت الله أن يقتل به شر خلقه.
فقال علي: لا أراك إلا مقتولاً به، ولا أراك إلا من شر خلق الله)(٢٣٦).
وغادر علي (عليه السلام)، هذه الدنيا، بعد منتصف ليلة الحادي والعشرين من شهر رمضان المبارك، وكان ذلك في مدينة الكوفة العظيمة، وكان أهل الكوفة جميعهم، ما عدا تلك الشرذمة الباقية من خوارج (النهروان)، يريدون أن يشاركوا في تشييع جنازة أمير المؤمنين (عليه السلام).
ولكن ما إن فاضت روحه الشريفة، حتى قام أبناؤه: الحسن والحسين، ومحمد بن الحنفية، وأبو الفضل العباس، ونفر من خواص الشيعة ربما كانوا لا يتجاوزون الستة أشخاص، بغسله وتكفينه سراً، ودفنوه ليلاً في مكان يبدو أنه (عليه السلام)، كان قد عينه لهم سابقاً، وهو مدفنه الشريف الحالي نفسه، والذي تذكر الروايات أن عدداً من الأنبياء العظام، أيضاً مدفونون في تلك البقعة نفسها.
ثم أخفوا مكان القبر، ولم يطلعوا أحداً من الناس عليه.
وفي الصباح فقط علم الناس أن أمير المؤمنين (عليه السلام)، دفن ليلة البارحة ولكن أين؟ لا يدرون. وحتى إن بعض المؤرخين كتبوا: أن الإمام الحسن (عليه السلام) أرسل جنازة وهمية إلى المدينة، لكي يظن الناس أنّ جثمان علي (عليه السلام) قد تم نقله، ودفن هناك.
وهذا التمويه كان يقصد منه أن لا يقوم، من تبقّى من الخوارج، بالتجاسر على نبش قبر أمير المؤمنين (عليه السلام)، وإخراج الجثمان الشريف، وطالما كان للخوارج وجود، ونفوذ، بين المسلمين.
لم يكن أحد غير أولاد علي (عليه السلام)، وأولاد الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، يعلم بمكان دفنه (عليه السلام).
وظل الحال كذلك إلى أن انقرض الخوارج بعد مائة عام تقريباً، وبعد أن انقضى عهد بني أمية، وجاء عهد بني العباس، وزال من يُخشى انتهاكه لحرمة القبر الشريف، وعندها قام الإمام الصادق (عليه السلام) لأول مرة بإظهار محل قبر أمير المؤمنين (عليه السلام)(٢٣٧).
يقول صفوان الذي نُشاهد اسمه في سند رواة (دعاء علقمة) الذي يقرأ بعد (زيارة عاشوراء): (كنت عند الإمام الصادق (عليه السلام) في الكوفة، فجاء بنا إلى بقعة، وقال: هنا قبر علي (عليه السلام) وأمرنا أن ننصب عريشاً على القبر، ومن ذلك الوقت أصبح قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) معروفاً للناس)(٢٣٨).

الخاتمة

لا نستطيع أن نقول... ونحن نختم هذا البحث ـ بأننا قد أحطنا بشخصية الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) فإن شخصية مترامية الأطراف بعيدة المدى لا يسع البيان أن يسمو إلى أوج عظمتها ولكن الشيء الذي نستطيع أن نقوله: هو أننا لم نقصّر في البحث بل بذلنا كل ما في وسعنا من الجهود فاستقصينا أمهات كتب التاريخ والتراجم، حتى أخرجنا هذا البحث الذي يعتبر كثمرة مقتطفة من البحث المتواصل الدقيق الخالص والموصل إلى معرفة الكثيرة من النقاط المهمة في حياة الإمام الحسن (عليه السلام) والكشف عن وقائع ومواقف وآراء كثيرة ومهمة بحاجة إلى مطالعة وإحاطة بمفرداتها لأنها قراءة فكرية في حياة الإمام (عليه السلام) التي كانت حياته ـ حسب إخراج المؤرخين ـ مليئة بالدسائس من قبل المغرضين ووعاظ السلاطين في العصر الأموي والعباسي.
وفي النهاية إن اغتيال الإمام (عليه السلام) بالسّم دليل صارخ بتواجده (عليه السلام) عملاً ونشاطاً دائباً في بعث الأمة وإنهاضها من جديد. فالإمام لم ينفرد ولم يتخاذل عن قيادة الأمة ومتطلباتها في الكفاح. ومعاوية أدرك جيداً أن الإمام (عليه السلام) هو صاحب رسالة ومبدأ فلابد أنه عامل لإعطاء رسالته من جهده وعرقه سيادة الحكم بما يبذله من أساليب العمل والتغيير.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين...


 

 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) الكافي: ج٥ ص٦٥، تحف العقول: ص٢٥٦.
(٢) البحار: ج٤٧ ص٥٩، الكافي: ٥ج ص١٦٦.
(٣) سورة الأحزاب: ٢١.
(٤) بحار الأنوار: ج٤٥ ص٩.
(٥) تجد ذكر هذه المؤلفات ضمن تراجم مؤلفيها في كتب الرجال، كفهرست ابن النديم والنجاشي وغيرهما. وستجد معها أسماء كتب أخرى تخص موضوع الحسن (عليه السلام) في صلحه وفي مقتله. لا نريد الإطالة باستقصائها بعد أن أصبحت أسماء بلا مسميات.
(٦) سورة الكوثر، الآيات: ١-٣.
(٧) انظر في رحاب أهل البيت السيد محسن الأمين (رحمه الله) مجلد ٣، ٥، ودراسات في عقائد الشيعة الإمامية، ص١١٢، سيرة الأئمة الاثني عشر، ج١، ص٥١١.
(٨) صلح الحسن (عليه السلام)، راضي آل ياسين، ص٢٥.
(٩) في رحاب أئمة أهل البيت، السيد محسن الأمين(رحمه الله)، ص٤، المجلد ٣٥.
(١٠) صلح الحسن (عليه السلام)، راضي آل ياسين، ص٢٥.
(١١) سيرة الأئمة الاثني عشر، ص٥١٢.
(١٢) حول زوجات الإمام الحسن (عليه السلام)، في قسم التعليقات. التعليقة رقم ١.
(١٣) في رحاب أئمة أهل البيت (عليهم السلام) السيد الأمير المجلد ٣،٥. ص٥.
(١٤) صلح الحسن (عليه السلام) راضي آل ياسين، ص٢٦، في رحاب أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، السيد الأمين، ص٦، الفصول المهن ابن الصباغ المالكي.
(١٥) الإمام الحسن (عليه السلام) فؤاد الأحمد، دار البيان العربي، ص٦.
(١٦) في رحاب أئمة أهل البيت (عليهم السلام) السيد الأمين، المجلد٣،٥. ص٥ مصابيح السنة البغوي الحسين بن مسعود.
(١٧) أعيان الشيعة السيد الأمين، المجلد الأول، ص٥٦٣.
(١٨) صلح الحسن (عليه السلام)، راضي آل ياسين، ص٢٧.
(١٩) سيرة الأئمة، هاشم معروف، الجزء الأول، ص٥١٨. صلح الحسن (عليه السلام)، راضي آل ياسين. ص٢٨،٢٩.
(٢٠) سورة فصلت: ٣٤.
(٢١) الحمالة هي ما يتحمله الشخص من الدية ولغرامة عن قومه. وغيرهم، والمفظعة الثقيلة الشديدة.
(٢٢) ‏في رحاب أئمة أهل البيت (عليهم السلام) السيد الأمين المجلد، ٣، ٥. ص٦. عن الصدوق في الأمالي.
(٢٣) وكان من زهده ما خصص له محمد بن علي بن الحسين بن بابويه المتوفى سنة ٣٨١هـ، كتاباً أسماه كتاب زهد الحسن (عليه السلام).
(٢٤) كنز العمال: ج٧، ص١٠٥.
(٢٥) مستدرك الصحيحين: ج٣، ص١٦٥.
(٢٦) سورة الشورى: ٢٣.
(٢٧) سفينة البحار: ج١، ص٢٥٧.
(٢٨) ترجمة ابن عساكر: ص٣٨ ورواه الترمذي في جزء ١٣، ص١٩٨ والبخاري في صحيحه جزء ٥، ص٣٣ ومسلم جزء٧. ص١٣٠.
(٢٩) سنن البيهقي: ج٢، ص٢٦٣.
(٣٠) ترجمة الإمام الحسن (عليه السلام)، لابن عساكر، ص٤٠.
(٣١) ترجمة الإمام الحسن (عليه السلام)، لابن عساكر، ص٩٧.
(٣٢) البداية والنهاية، ابن كثير: ج٨، ص٣٧.
(٣٣) الصواعق المحرقة، ابن حجر: ص١٣٧، ١٣٨.
(٣٤) ترجمة الإمام الحسن (عليه السلام)، ابن عساكر، ص١٥.
(٣٥) ترجمة الإمام الحسن (عليه السلام)، ابن عساكر، ص١٥.
(٣٦) أسد الغابة، ابن الأثير، الجزء الأول.
(٣٧) مسند أحمد بن حنبل: ج٥، ص٣٦٦.
(٣٨) العوالم في أحوال الإمام الحسن (عليه السلام).
(٣٩) معالي السبطين.
(٤٠) العوالم في أحوال الإمام الحسن (عليه السلام).
(٤١) ترجمة الإمام الحسن (عليه السلام)، ابن عساكر، ص٤٠.
(٤٢) الإصابة: ج٢، ص١١.
(٤٣) العوالم الإمام الحسن (عليه السلام): ص٢٩٧.
(٤٤) عوالم العوالم المعارف.
(٤٥) بحار الأنوار، الشيخ المجلسي، ج٤٣، ص٣٣٣.
(٤٦) بحار الأنوار، الشيخ المجلسي، ج٤٣، ص٣٣٣.
(٤٧) سورة آل عمران: ٨٥.
(٤٨) غدير خم: بقعة بين مكة والمدينة منها يتفرق الحجاج كل يذهب إلى بلده.
(٤٩) سورة المائدة: ٦٧.
(٥٠) أخرج لفظ الحديث الطبراني وابن جرير والحكم الترمذي بسند مجمع على صحته عن زيد بن أرقم، وقد نقله ابن حجر في كتابه، (الصواعق المحرقة)، عن الطبراني وغيره باللفظ الذي أعلاه وأرسل صحته إرسال المسلمات. راجع ص٢٥ من الصواعق المحرقة.
(٥١) ينابيع المودة: للشيخ القندوزي الحنفي، الباب السابع والسبعين، ج٢، ص٤٤٥، عن الشيعة في عقائدهم.
(٥٢) منتخب الأثر، للطف الله الصافي الكاشاني، ص١١٤.
(٥٣) العوالم في أحوال الإمام الحسن (عليه السلام)، ص٣٥.
(٥٤) ترجمة الإمام الحسن، لابن عساكر، ص١٠٠.
(٥٥) العوالم: ص٤٥.
(٥٦) العوالم: ص٥٤.
(٥٧) أخرجه الترمذي وهو الحديث ٨٧٤ من أحاديث كنز العمال، ص٤٤، ج١، وعلى نسق هذا الحديث أحاديث كثيرة أخرى روتها الصحاح والمسانيد.
(٥٨) بولس سلامة.
(٥٩) قال معاوية فيما كتبه إليه مع أبي إمامة الباهلي: (وتلكأت في بيعته، (يعني أبي بكر)، حتى حملت إليه قهراً تساق بخزائم الاقتسار كما يساق الفحل المخشوش!
(٦٠) نهج البلاغة، شرح محمد عبده، ج١، ص٢٩٩.
(٦١) سيرة الرسول لابن هشام، ج٢، ١١٨.
(٦٢) انظر النزاع والتخاصم فيما بين أمية وبني هاشم للمقريزي تحقيق نوس، ص٤٨.
(٦٣) الإمامة والسياسة ١، ٤.
(٦٤) علي وبنوه، ص١٩.
(٦٥) الملك والنحل للشهرستاني.
(٦٦) دراسات في عقائد الشيعة الإمامية محمد علي الحسني، ص١١٠.
(٦٧) شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد، ج١، ص١٣٥.
(٦٨) مروج الذهب المطبوع على هامش ابن الأثير ج٥، ص١٣٥.
(٦٩) فتوح البلدان للبلاذري، ص١٠٣.
(٧٠) تاريخ ابن الأثير، ج٢، ص٢٨٩.
(٧١) الإصابة، ج٢، ص٤٤٤.
(٧٢) تاريخ ابن الأثير، ج٢، ص٢٨٩.
(٧٣) الإمام الحسين (عليه السلام) باقر القرشي، ص١١٩.
(٧٤) تاريخ الطبري، ج٢، ص٢٠٢.
(٧٥) شرح النهج ابن أبي الحديد، ج١، ص١٣٣.
(٧٦) شرح النهج ابن أبي الحديد، ج١، ص٥٥.
(٧٧) شرح النهج ابن أبي الحديد، ج٦، ص٣٤٣، دار إحياء الكتب العربية.
(٧٨) الإمامة والسياسة، ج١، ص١٩.
(٧٩) الآداب الشرعية والمنح المرعية، ج١، ص٤٩.
(٨٠) تاريخ الطبري، ج٤، ص٥٢.
(٨١) الإمامة والسياسة، ج١، ص١٩، طبقات ابن سعد، تاريخ الطبري.
(٨٢) الإمامة والسياسة، ج١، ص٢٠.
(٨٣) مروج الذهب، ج٢، ص١٩٥.
(٨٤) تاريخ ابن الأثير، ج٢، ص٢٩٠.
(٨٥) شرح النهج لابن أبي الحديد، ج٨، ص١١١.
(٨٦) الخراج، ص٢٤٢.
(٨٧) شرح النهج لابن أبي الحديد، ج ٨، ص١١١.
(٨٨) العصبية القبلية، ص١٩٠.
(٨٩) الغلو والفرق الغالية في الحضارة الإسلامية، ص٢٥١.
(٩٠) اتجاهات الشعر العربي، ص١٠٨.
(٩١) الإمام الحسين (عليه السلام) باقر القرشي، ص٢٣٢.
(٩٢) شرح النهج لابن أبي الحديد، ج ١، ص٧٤.
(٩٣) البرة: حلقة من صفر توضع في أنف الجمل الشرود فيربق بها جبل يقاد به.
(٩٤) شرح النهج لابن أبي الحديد، ج ٦، ص٣٤٢.
(٩٥) حياة الإمام الحسن بن علي (عليه السلام)، باقر القرشي، ج١، ص١٧٥.
(٩٦) النهج لابن أبي الحديد، ج ١، ص١٦٢.
(٩٧) نهج البلاغة، ج٩، ص٢٩، ٣٠.
(٩٨) نهج البلاغة، ج٩، ص٢٨، طبع دار إحياء الكتب العربية.
(٩٩) نهج البلاغة، ج٩، ص٥٤.
(١٠٠) الغدير الأميني، ج٦، ص٨٣، ص٣٣٣.
(١٠١) منشم ـ بكسر الشين ـ اسم امرأة بمكة كانت عطارة، وكانت خزاعة وجرهم إذا أرادوا القتال تطيبوا من طيبها، فإذا فعلوا ذلك كثرت القتلى فيما بينهم، فكان يقال؛ (أشأم من عطر منشم) جاء ذلك في صحاح الجوهري، ٥/٢٠٤١، وقد استجاب الله دعاء الإمام فكانت بين عثمان وعبد الرحمن أشد المنافرة والخصومة، وقد أوصى ابن عوف أن لا يصلي عليه عثمان بعد موته.
(١٠٢) الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام) باقر شريف القرشي، ج١، ص٣٣٠.
(١٠٣) انظر ـ التعليقة ـ رقم٢، حول مذكرة المصريين لعثمان، في قسم التعليقات.
(١٠٤) النهابير: المهالك.
(١٠٥) تاريخ الطبري، ج٥، ص١١٠، الأنساب ج٥، ص٧٤.
(١٠٦) انظر ـ التعليقة ـ رقم ٣، حول معاوية بن أبي سفيان، في قسم ـ التعليقات ـ.
(١٠٧) الكامل لابن الأثير، ج٥، ص٦٧، تاريخ اليعقوبي، ج٢، ص١٥٢.
(١٠٨) الفتوح، ج٢، ص٢١٨.
(١٠٩) الخطابة في صدر الإسلام، ج٢، ص٢٣.
(١١٠) تمام المتون، ص٧٩.
(١١١) حياة الإمام الحسن (عليه السلام) باقر شريف القرشي، ج١، ص٢٨١.
(١١٢) حش كوكب: اسم بستان لليهود كانوا يدفنون موتاهم فيه.
(١١٣) العقيدة والشريعة في الإسلام، ص٤٥.
(١١٤) وقد حدد الإمام علي (عليه السلام) هذه الحقوق في مناسبة قاسية من مناسبات حياته وذلك بعد صفين في خطبة له راجع نهج البلاغة، ج١، ص١٠٢، ١٠٥.
(١١٥) راجع للتوسع ثورة الحسين، لمحمد مهدي شمس الدين، ص٣٥، ٣٨.
(١١٦) نهج البلاغة، ج١، ص٢١٧.
(١١٧) المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة، ص٣٦، خطبة ٩٢، الكامل لابن الأثير: ٣٧، ١٩١.
(١١٨) انظر ـ التعليقة ـ رقم ٤، حول الخوارج، في قسم التعليقات.
(١١٩) راجع مروج الذهب، ج٣، ص٩٠.
(١٢٠) قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): (... والله لقد دافعت عنه (يعني عثمان) حتى أني خشيت أن أكون آثماً). المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: ص٨٤، الخطبة ٢٤٠.
(١٢١) قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لعثمان: (... وإني أنشدك الله ألا تكون إمام هذه الأمة المقتول فإنه كان يقال: يُقتل في هذه الأمة إمام، يفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة، ويلبس أمورها عليها، ويبث الفتن فيها، فلا يبصرون الحق من الباطل، يموجون فيها موجاً، ويمرجون فيها مرجاً، فلا تكون لمروان سيقه، يسوقك حيث شاء...) المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: ص٥٧.
(١٢٢) (... إن عثمان قتل ومعه في الدار ثمانية عشر رجلاً من بني أمية، منهم مروان بن الحكم) مروج الذهب: ج٣، ص٩١.
(١٢٣) راجع الكامل لابن الأثير: ج٢، ص١٦٠.
(١٢٤) انظر ـ تعليقة ـ رقم ٥، حول قول الإمام علي (عليه السلام) لجماعته بعد رفع المصاحف، في قسم التعليقات.
(١٢٥) سورة الإسراء، الآية: ٣٣.
(١٢٦) راجع جمهرة خطب العرب لأحمد زكي صفوت: ج١، ص٣٢٧، تاريخ ابن الأثير: ج٣، ص٢٧٧.
(١٢٧) المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة، ص١٩.
(١٢٨) المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة، ص٤٦.
(١٢٩) المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة، ص٧٥.
(١٣٠) انظر ـ التعليقة ـ رقم ٤، حول الخوارج، في قسم التعليقات.
(١٣١) نفس المصدر.
(١٣٢) سورة الزمر: ٦٥.
(١٣٣) سورة الأعراف: ٢٠٤.
(١٣٤) سورة الروم: ٦٠. راجع الطبري: ج٥، ص٧٣.
(١٣٥) من حياة الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، الأستاذ مرتضى المطهري، ص٣٢.
(١٣٦) تاريخ الطبري، ج٥، ص٧٣.
(١٣٧) المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: ص ٣٦.
(١٣٨) راجع كتاب الأئمة الاثنا عشر دراسة وتحليل، عادل الأديب، ص٦٩.
(١٣٩) نهج البلاغة، ج١، ص٢١٧.
(١٤٠) نهج البلاغة، ج١، ص٥٩، وشرح النهج جزء ١ ص٢٦٩، ٢٧٠.
(١٤١) شرح نهج البلاغة، ج٧، ص٣٧، ٣٩، ٤٠.
(١٤٢) نفس المصدر.
(١٤٣) نهج البلاغة، ج٧.
(١٤٤) النظم الإسلامية نشأتها وتطورها. رسول الله (صلّى الله عليه وآله). صبحي الصالح، ص٩١.
(١٤٥) اليمين واليسار في الإسلام، احمد عباس صالح ١١٨, ١١٩.
(١٤٦) حياة الإمام الحسن (عليه السلام)، للقرشي: ج١، ص٢٦٩.
(١٤٧) مروج الذهب: ج٢.
(١٤٨) مروج الذهب: ج٢، ص٤٠٤.
(١٤٩) نهج البلاغة، صبحي الصالح: ص٨٢.
(١٥٠) انظر ـ التعليقة رقم ٦ ـ حول استشهاد الإمام علي (عليه السلام) في قسم التعليقات.
(١٥١) الأغاني، ج١، ص٢١.
(١٥٢) شرح النهج ج٤، ص١٠٧.
(١٥٣) تاريخ اليعقوبي، ج٢، ص١٩٠، ابن الأثير ج٣، ص١٦، ومقاتل الطالبين.
(١٥٤) سورة الشورى: ٢٣.
(١٥٥) سورة الشورى: ٢٣.
(١٥٦) يرجع فيما ذكرناه هنا إلى شرح النهج لابن أبي الحديد، ج٤، ص١١ وذكر غيره مكان عبيد الله أخاه عبد الله. وسنشير فيما بعد إلى أن عبد الله لم يكن في الكوفة أيام بيعة الحسن (عليه السلام).
(١٥٧) روى هذه الخطبة هشام بن حسان. وقال: إنها بعض خطبته بعد البيعة له بالأمر، البحار، ج١٠، ص٩٩ والمسعودي.
(١٥٨) وروى هذا النص أكثر المؤرخين.
(١٥٩) شرح النهج لابن أبي الحديد: ج٤، ص١١.
(١٦٠) كلمة الإمام الحسن (عليه السلام) السيد حسن الشيرازي: ص١٠٨، ١١٠.
(١٦١) شرح النهج لابن أبي الحديد: ج٤، ص١٢.
(١٦٢) شرح النهج لابن أبي الحديد: ج٤، ص١٣.
(١٦٣) أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين، المجلد الأول.
(١٦٤) سورة آل عمران: ٤٤.
(١٦٥) الإرشاد، الشيخ المفيد، ص٧.
(١٦٦) شرح ابن أبي الحديد: ج٦، ص٤٢.
(١٦٧) تاريخ اليعقوبي: ج٢، ص١٩١.
(١٦٨) مقاتل الطالبين: ص٣٥.
(١٦٩) معالي السبطين للحائري: ص٢١.
(١٧٠) بحار الأنوار، ج٤٤.
(١٧١) أعيان الشيعة: ج١، ص٣٥.
(١٧٢) الروائع المختارة من خطب الإمام الحسن (عليه السلام): ص٥٩.
(١٧٣) معالي السبطين للحائري.
(١٧٤) نهج البلاغة، د. صبحي الصالح: ص٦٩.
(١٧٥) الكامل في التاريخ، لابن الأثير: ج٣، ص٢٠٤.
(١٧٦) بحار الأنوار، الشيخ المجلسي، ج٤٤.
(١٧٧) كلمة الإمام الحسن (عليه السلام)، السيد حسن الشيرازي: ص٩٤.
(١٧٨) كلمة الإمام الحسن (عليه السلام)، السيد حسن الشيرازي: ص٩٤.
(١٧٩) كلمة الإمام الحسن (عليه السلام): ص٨٢، ٨٣.
(١٨٠) المقطع الأخير من كلام الإمام (عليه السلام) إشارة إلى عهد الإمام الحجة (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
(١٨١) كلمة الإمام الحسن (عليه السلام): ص١١٢.
(١٨٢) كلمة الإمام الحسن (عليه السلام) ص١١٢، ١١٤. مع تعديل طفيف في ترتيب المقطع الأخير.
(١٨٣) الغدير: ج٥، ص٢٩٤.
(١٨٤) الغدير: ج١، ص٣١٢.
(١٨٥) الصواعق المحرقة: ج٢، ص٣٢.
(١٨٦) الصواعق المحرقة: ج٢، ص٣٢.
(١٨٧) الصواعق المحرقة: ج٢، ٣٢.
(١٨٨) الإمامة والسياسة لابن قتيبة: ص٢٠٠.
(١٨٩) أعيان الشيعة: المجلد الأول، ص٥٧٠.
(١٩٠) الإرشاد للمفيد: ص١٩١.
(١٩١) سورة الأنبياء: ١٠٩-١١٠.
(١٩٢) سورة الأنبياء: ١١١.
(١٩٣) بحار الأنوار، المجلس، ج١٠، ص١١٤ طبعة قديمة.
(١٩٤) المسعودي هامش ابن الأثير، ج٦، ص٦١، ٦٢.
(١٩٥) بحار الأنوار، المجلسي: ج٤٤، ص٢٣.
(١٩٦) سورة هود: ١٧.
(١٩٧) الإمام الحسن (عليه السلام)، فؤاد الأحمد، ص١٠٣.
(١٩٨) الإمام الحسن (عليه السلام)، فؤاد الأحمد، ص١٠٣.
(١٩٩) سورة الواقعة، الآيتان: ١٠-١١.
(٢٠٠) سورة الحديد: ١٠.
(٢٠١) سورة الحشر: ١٠.
(٢٠٢) سورة التوبة: ١٠٠.
(٢٠٣) سورة التوبة: ١٩.
(٢٠٤) جلاء العيون، ج١١، ص٣٤٩، ٣٥٤.
(٢٠٥) كلمة الإمام الحسن (عليه السلام): ص٩٣، ٩٤.
(٢٠٦) كلمة الإمام الحسن (عليه السلام): ص١٠٠، ١٠١.
(٢٠٧) كلمة الإمام الحسن (عليه السلام): ص١٠١-١٠٢.
(٢٠٨) كلمة الإمام الحسن (عليه السلام)، ص١٠٢.
(٢٠٩) كلمة الإمام الحسن (عليه السلام)، ص١٠٠.
(٢١٠) بحار الأنوار، المجلسي، ج٤٤.
(٢١١) بحار الأنوار: ج٤٤، ص١-٢.
(٢١٢) الإمام الحسن القائد والتاريخ، فؤاد الأحمد، ص٢٤٦.
(٢١٣) أمالي الصدوق: ص١٠١.
(٢١٤) معالي السبطين، الحائري، ص٤٧.
(٢١٥) معالي السبطين، الحائري، ص٣٧.
(٢١٦) البداية والنهاية، ابن كثير: ج٨، ص٤٤.
(٢١٧) تاريخ اليعقوبي، المجلد الثاني، ص٢٢٥.
(٢١٨) راجع كتاب (سيرة الأئمة الإثني عشر) الجزء الأول، ص٦١٧.
(٢١٩) مجلحة: مشتق من جلح على الشيء اقدم عليه.
(٢٢٠) تاريخ الطبري، ج٥، ص١١١، ١١٢، الأنساب ج٥، ص٦٤، ٦٥.
(٢٢١) حياة الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام)، باقر القرشي، الجزء الأول، ص٣٨٢، ٣٨٣.
(٢٢٢) الفتنة الكبرى، طه حسين، ج١، ص١٢٠.
(٢٢٣) روح الإسلام، ص٩٠.
(٢٢٤) المنية والأمل في شرح الملل والنحل لأحمد بن المرتضى السماني: ص٢٦.
(٢٢٥) عقائد الإمامية الإثني عشرية، إبراهيم الموسوي الزنجاني الحنفي، ج٣، ص١٩٧، ١٩٨.
(٢٢٦) هو عبد الله بن خباب وكانت زوجته وهي حامل، معه (راجع تفاصيل القصة في تاريخ الطبري: ج٥، ص٨٢. علي بن أبي طالب، عبد الكريم الخطيب، ص٥٣٣.
(٢٢٧) تاريخ الطبري: ج٥، ص٨٢.
(٢٢٨) من حياة الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، الشهيد مطهري، ص٣٦.
(٢٢٩) الكامل في التاريخ لابن الأثير: ج٣، ص٢١٦.
(٢٣٠) راجع وقعة صفين لنصر بن المنقري: ص٩٩، تاريخ الطبري: ج٥، ص٤٩.
(٢٣١) تعاهد ثلاثة من الخوارج، أو كلف ثلاثة منهم بقتل علي (عليه السلام) ومعاوية، وعمرو بن العاص، وتواعدوا واتفقوا على أن لا ينكص رجل منهم عن صاحبه، الذي يتوجه إليه، حتى يقتله، أو يقتل دونه، وهم عبد الرحمن بن ملجم، وكان من (تجيب)، وكان عدادهم في مراد، فنسب إليهم، وحجاج بن عبد الله الصريمي، ولقبه (البرك) وزادويه مولى بني العنبر... واتعدوا أن يكون ذلك ليلة سبع عشرة من شهر رمضان، وقيل ليلة إحدى وعشرين (راجع المسعودي: ج٣، ص١٦٤، الكامل لابن الأثير: ج٣، ص٢٨٩، الطبري: ج٥، ص١٤٤).
(٢٣٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي: ج٦، ١١٦.
(٢٣٣) تاريخ الطبري: ج٥، ص١٤٤.
(٢٣٤) المصدر السابق: ج٥، ص١٥٠.
(٢٣٥) العجم المفهرس: ص٢٦.
(٢٣٦) الكامل في التاريخ لابن الأثير: ج٣، ص٣٩٠.
(٢٣٧) قال ابن الأثير في تاريخه (الكامل): (ولما قتل علي (عليه السلام)، دفن عند مسجد الجماعة، وقيل في القصر، وقيل غير ذلك. والأصح أن قبره هو الموضع الذي يزار، ويتبرك به). (الكامل: ج٣، ص٣٩٦). وقال الطبري وابن سعد: ودفن عند مسجد الجماعة في قصر الإمارة، (الطبري: ج٥، ص١٥٢، طبقات ابن سعد: ج٦، ص١٢. أقول: قصة مدفنه (عليه السلام) في الغري في منطقة النجف القريبة في الكوفة، مشهورة جداً، ولا حاجة بنا إلى تخريفات كثير من المؤرخين الذين كانوا في القديم أتباعاً للسلطات الظالمة. (راجع علي من المهد إلى اللحد للسيد كاظم القزويني: ص٥٩٩). وروى المجلسي في (البحار) قال: (عن الحسن بن علي الحلال عن جده قال: قلت للحسين بن علي (عليه السلام): أين دفنتم أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ قال: خرجنا به ليلاً من منزله، حتى مررنا به على منزل الأشعث، حتى خرجنا به إلى الظهر بجنب (الغري) قلت: وهذه الرواية هي الحق، وعليها العمل، وقد نقلنا فيما تقدم إنّ أبناء الناس أعرف بقبور آبائهم من غيرهم من الأجانب، وهذا القبر الذي بالغري، هو الذي كان بنو عليّ يزورونه قديماً وحديثاً ويقولون: هذا قبر أبينا، لا يشك أحد في ذلك من الشيعة، ولا من غيرهم أعني بني عليّ من ظهر الحسن والحسين، وغيرهما من سلالته، المتقدمين منهم. والمتأخرين ما زاروا ولا وقفوا إلا على هذا القبر بعينه). البحار ك ج٤٢، ص٣٣٨).
(٢٣٨) راجع البحار: ج٤٢، ص٣٣٩.

التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 

التعليقات

 
COMMENTS_EMPTY

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
التحقق اليدوي: * إعادة التحميل