فهرس المكتبة الحسنية

   

البحث في المكتبة التخصصية

 
 

كتاب مختار:

   

المسار

  الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية » كتب المركز » مشاهدات الملأ الأعلى (البيت الفاطميّ تحت الكساء)  

كتب المركز

 

الكتب مشاهدات الملأ الأعلى (البيت الفاطميّ تحت الكساء)

القسم القسم: كتب المركز الشخص المؤلف: السيد محمد علي الحلو التاريخ التاريخ: ٢٠١٥/١٠/١٢ المشاهدات المشاهدات: ٧٢١٣ التعليقات التعليقات: ٠

مشاهدات الملأ الأعلى (البيت الفاطميّ تحت الكساء)

تأليف: السيّد محمّد عليّ الحلو
الناشر: العتبة الحسينية المقدّسة

مركز الإمام الحسن عليه السلام للدراسات التخصصية
الطبعة الأولى ١٤٣٦هـ – ٢٠١٥م

الفهرست

الإهداء

مقدّمة المركز
المقدّمة
الحديث.. بين التلاوة وبين الرواية
إشكاليّة سند الحديث
ولكن هل الفترة بين السيّدين مضرّةٌ بالسند؟
الاحتمال الأوّل:
الاحتمال الثاني:
الكلام في القاسم بن الجلاء الكوفيّ:
نقَلة حديث الكساء
قصّة الحديث
لماذا لم يُروَ هذا الحديث ويُتداول بصيغته هذه على ألسن الرواة؟!
تعدّد الحادثة أم وحدتها؟
أولاً: الجهد التحضيري للواقعة:
كان الجهد التحضيري أكثر من سنتين:
ثانياً: تكرار وقوع الحادثة فعلاً:
الرحمة الهابطة:
لماذا أُمّ سلمة؟
حديث الكساء اليمانيّ
شرح الحديث
توثيقات حديث الكساء الأدبيّة
منظومة السيّد محمّد عليّ الغريفيّ
شيوخه:
إجازاته:
تلامذته:
وفاته:
آثاره:
منظومة السيّد محمد مهدي القزويني
منظومة السيّد محيي الدين الغريفي
منظومة السيّد عدنان شبّر الغريفي
منظومة الشيخ مهدي الحجّار
منظومة الشيخ علي الجشّي
بيليوغرافيا التأليفات في حديث الكساء

الإهداء

لا زال صوته يتردد في جنبات ذاكرتي
وهو يُقرؤني حديث الكساء منذ صغري
فنشأت وفي نفسي ترنيماته القدسيّة..
وقد أوصاني بالمواظبة عليه
والمداومة على تقديسه..
فأهديت ما بذلته من شرح إلى روحه الطاهرة..
ثوابه المترجّى..
فإلى خالنا الحجة السيّد عبد علي
نجل العلّامة السيّد عبد الرزّاق الحلو..
ثواب عملي المتواضع

محمّد علي

مقدّمة المركز

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمّد وآله الطيّبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين آمين ربَّ العالمين.
أهل الكساء
شخوصٌ نورانيّة وأشخاصٌ ملكوتيّة, منها ولها وُجد الكون وإليها وعليها حساب الخلق, يتدفّقون نوراً وينطقون حياةً، شفاههم رحمةٌ وقلوبهم رأفة، وُضع الخيرُ بميزانهم فزانوه عدلاً ونَمَت المعرفة على ربوع ألسنتهم فغذّوها حكمة.
أنوارٌ هداة، قادةٌ سادات (ينحدر عنهم السيل ولا يرقى إليهم الطير) ألِفوا الخلق فألفوهم, تصطفُّ على أبوابهم أبناءُ آدم متعلِّمين مستنجدين سائلين وبمغانمهم عائدين.
لا يُكرِهون أحداً على موالاتهم ولا يُجبِرون فرداً على اتّباعهم, يُقيّد حبُّهم كلَّ من استمع إليهم ويشغفُ قلبَ كلِّ من رآهم, منهجهم الحقّ وطريقهم الصدق وكلمتهم العليا, هم فوق ما نقول ودون ما يقال، هُم أنوار السماء وأوتاد الأرض.

هُم النور نور الله جلّ جلاله * * * هُم التين والزيتون والشفع والوترُ
مهابط وحي الله خُزّان عِلمِهِ * * * ميامين في أبياتهم نَزَلَ الذكرُ
وأسماؤهم مكتوبةٌ فوق عرشه * * * ومكنونةٌ من قبل أن يُخلق الذرُّ
ولولاهم لم يخلق الله آدماً * * * ولا كان زيدٌ في الوجود ولا بكرُ
ولا سطحت أرضٌ ولا رُفعت سما * * * ولا طلعت شمسٌ ولا أشرقَ البدرُ
سَرَى سِرّهم في الكائنات وفضلهم * * * فكلُّ نبيٍّ فيه من سرِّهم سرُّ

فلهم ولنورهم ولأسمائهم نذر نفسَه ولدُهم البارّ سيّدنُا العلّامة الحجّة سماحة السيّد محمّد عليّ الحلو (أيّده الله) بشرح حديث الكساء اليماني، هذا الحديث المبارك الذي ما زال محيِّراً للألباب والعقول لما حواه من نفحات قدسيّة وبشائر سماويّة لا تُقرأ إلّا والرأس مرفوع لأنّها (مشاهدات الملأ الأعلى) ولا يتوسَّل بهذا الدعاء أحدٌ إلّا وقضى اللهُ حاجتَه وسهَّل أمرَه وما ذاك إلّا لأنّ (البيت الفاطميّ تحت الكساء).
فإلى رحلة نافعة في جنبات هذا الروض النافح نستودعكم على أمل اللقاء بكم في إصدار جديد إن شاء الله تعالى.

العتبة الحسينيّة المقدَّسة
مركز الإمام الحسن عليه السلام للدراسات التخصّصيّة
كاظم الخرسان

المقدّمة
بسم الله الرحمن الرحيم

لم أجد حديثاً يلامسُ جنبات النفس، ويؤنس مشاعر السامعين كما وجدته في حديث الكساء، ففيه من لمسات القداسة ما تنجذب إليه النفوس فيسلك بها إلى مراقي الملكوت ليستمع إلى حديثٍ لم يألفهُ، وإلى مشهدٍ لم ينفك عن المناجات التي تأخذ بنا إلى علاقة السماء بالأرض لنطّلع على صلة الملكوت الأعلى بأهل الأرض، وأي أهلٍ هُم؟ إذ تنقلب معادلة الاهتمام، حيث ينظر أهل الملكوت إلى أهل الارض بقداسةٍ لم نطّلع عليها من قبل، حيث مشاهدات الملأ الأعلى تسجلها فقرات الحديث بتراجيديا قدسيّة لا تنفك عن الأهميّة القصوى التي أشار إليها سبحانه في حديثه عن هذا المحفل المبارك، ليرسل مبعوثاً يؤكّد على أهميّة الحدث و آثار المحفل وقداسة الواقعة، وليكون جبرئيل شاهداً على تفاصيل الوقائع، والراوية له سيّدة النساء فاطمة، وشخصيّات فصوله النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعليّ والحسن والحسين، ولتكون فاطمة قطب هذا الجمع فيعرّف به فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها حتّى يخيل لي أن القارئ إذا أمعن في الحديث فإنّ عروجاً روحياً يرقى له إلى الملكوت الأعلى، ثمّ يُهبطه مع جبرئيل ليراقب المشهد عن كثب ولم تنفك خواطره عن تعزيز مشاهداته وهو يترنّم بهذا الحديث ليشّيد علاقةً ترقى إلى علاقة الروح بالملأ الأعلى.. و إلى مشاهد لم تكرّر على أسماعنا إلّا في مثل هذا الحدث العظيم الهائل بكل مكوّناته وفصوله..

محمّد عليّ السيّد يحيى الحلو

الحديث.. بين التلاوة وبين الرواية
يُعدّ حديث الكساء من أهمّ التراث المعصوميّ الذي وصل بين أيدينا, فهو بالرغم من تاريخٍ لواقعةٍ مقدَّسةٍ تحكي عن شأن أهل البيت عليهم السلام, أشارت سيرة السلف الصالح من علمائنا ومتديّنينا بأنّ له من الآثار الوضعيّة في قراءته ما جُرّب في هذا الشأن, إذ يُقرأ على المريض لغرض شفائه، ويجد القارئ أثراً فعّالا بعد ذلك, أو قراءته في حلّ مهمّة من المهمّات المتعسّرة، فإنّ بركة قراءة هذا الحديث سيسهّل ما تعسّر منه, أو يرفع عن كاهل صاحب الحاجة ما تكاد به ثقله، إلى غير ذلك من الآثار التي يلمسها المداومون على هذا الذكر الكريم, إضافةً إلى ما ذكره ذيل الدعاء في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّه: (ما ذُكر خبرنا هذا في محفل من محافل أهل الأرض وفيه جمع من شيعتنا ومحبّينا وفيهم مهمومٌ إلّا وفرّج الله همّه ولا مغمومٌ إلّا وكشف الله غمّه ولا طالب حاجة إلّا قضى الله حاجته...) وهو حثٌّ على قراءته ومداومة تداوله.
إشكاليّة سند الحديث
لم أجد ما يخدش في سند الحديث من اعتباره، إلّا بعض من تساءل عن السيّد ماجد البحراني الذي روى عنه السيّد هاشم البحراني، هل هو السيّد ماجد ابن السيّد هاشم ابن عليّ المعروف في المشايخ، وترجمه صاحب الحدائق في لؤلؤة البحرين؟ فإن كان هو المقصود فهو لا يروي عنه السيّد هاشم البحراني لبعد الطبقة بينهما، إذ السيّد ماجد البحراني توفّي سنة ١٠٢٨هـ والسيّد هاشم البحراني توفّي سنة ١١٠٧ هـ وبينهما ثمانين سنة وإن كان هو ماجد ابن محمد البحراني الذي ذكره الشيخ الحرّ العامليّ في القسم الثاني في (أمل الآمل) وذكره أنّه معاصر وأنّه عالم جليل كان قاضياً في شيراز ثمّ في أصفهان، فهو غير معروف في المشايخ وأسانيد الأخبار، بل الظاهر أنّه لا يروي عن الشيخ حسن بن زين الدين المذكور صاحب (المعالم) لبعد الطبقة بينهما(١)، هذا ما نقله المستدرك على كتاب العوالم السيّد محمد باقر الأبطحيّ.
ولكن هل الفترة بين السيّدين مضرّةٌ بالسند؟
ولكن غير واضح مقصوده من كون الفترة بين السيّدين البحرانيّين السيّد ماجد والسيّد هاشم هي ثمانون عام, وأنّ ذلك مانع لرواية السيّد ماجد عن السيّد هاشم، وقد احتملنا وجهين لحلّ إشكاليّة علاقة السيّد هاشم بالسيّد ماجد البحراني.
الاحتمال الأوّل:
أنّ ما عبّر السيّد هاشم عن السيّد ماجد البحراني عنه بشيخه ولعلّ ذلك يعني مشيخة إجازة الرواية ولربّما تحمّل الرواية في بداية تحصيله وكان السيّد ماجد قد امتدّ به العمر فأدركه السيّد هاشم ليروي عنه إجازة, وهو أثر لا يحتاج إلى استبعاد, واحتماليّة المستدرك بأنّه هو السيّد ماجد بن محمد البحراني القاضي بعيد. إذ جلالة السيّد ماجد البحراني بمشيخته للسيد هاشم تمنعه عن التدليس في روايته عن الشيخ حسن صاحب المعالم, ولكن ما يقرّب كونه السيّد ماجد البحراني الراوي عن صاحب المعالم هي قرينة المشيخة المشار إليها في السند.
الاحتمال الثاني:
وهناك ما احتملتُه كوجهٍ آخر في صحّة السند واتصاله بالسيّد هاشم البحرانيّ، حيث يحتمل أن يكون بين السيّد هاشم البحرانيّ وبين السيّد ماجد البحرانيّ واسطة سقطت تصحيفاً، وهو السيّد محمّد ابن السيّد ماجد البحرانيّ وقد ذكر صاحب تكملة أمل الآمل العلامة السيّد حسن الصدر أن وفاة السيّد هاشم البحراني كانت سنة ١١٠٧هـ، أي بعد وفاة السيّد محمد بن السيّد ماجد البحراني الذي روى عن أبيه، وهو احتمال قريب في تصحيح من توقّف في السند، وليس عندي ما يجعلني متوقفاً عن السيّد للاحتمالين المذكورين أو لأحدهما، ولعلّ الأول أقرب.
الكلام في القاسم بن الجلاء الكوفيّ:
ويبقى القاسم بن يحيى الجلّاء الكوفيّ، والظاهر هو القاسم ابن يحيى الراشدي وليس غيره، وقد ضعّفه العلّامة وتوقّف صاحب (معين النبيه في بيان رجال من لا يحضره الفقيه) في هذا التضعيف، حيث لا يعلم مأخذه، فقال: (لكن ضعّفه العلّامة وتبعه ابن داوود, ولا نعلم مأخذه, فالإصغاء إليه بمجرّده مشكل, مع أنّه من أهل الكتب وذوي التصانيف, واعتماد المعتبرين عنه إبراهيم بن هاشم وأحمد بن محمد بن عيسى)(٢).
والظاهر أنّ مأخذ العلّامة في التضعيف هو ابن الغضائريّ, إلّا أنّ المولى الوحيد البهبهاني تأمّل في ضعفه، حيث أشار إلى ما في الخلاصة للعلّامة بقوله: (إنّ هذا كلام ابن الغضائريّ ولا وثوق به, ورواية الآجلة سيّما مثل أحمد بن محمّد بن عيسى عنه تشير إلى الاعتماد عليه بل والوثاقة, وكثرة رواياته والإفتاء بمضمونها يؤيّده, ويؤيّد فساد كلام ابن الغضائريّ وعدم تضعيف شيخ من المشايخ العظام الماهرين بأحوال الرجال إيّاه وعدم طعن من أحد ممّن ذكره في مقام ذكره في ترجمته وترجمة جدّه وغيرهما, والعلّامة تبع ابن الغضائريّ بناءً على جواز عثوره على ما لم يعثروا عليه وفيه ما فيه)(٣).
ووافقه العلّامة المامقاني بقوله بعد نقله لكلام الوحيد البهبهاني رحمه الله (وأقول: إنّ سكوت النجاشيّ وغيره عن تضعيفه مع كثرة خطأ ابن الغضائريّ في التضعيفات والرمي بالغلوّ مع عدم بناء العلّامة في الخلاصة على التدقيق وإمعان النظر بما يثبّطنا عن الإذعان بضعف الرجل ويرغّبنا في عدّه من الحسان لكفاية كثرة رواياته ونحوها مما ذكره الوحيد رضوان الله عليه في ذلك بعد استفادة كونه إماميّاً من عدم غمز النجاشيّ والشيخ في مذهبه بوجه...)(٤).
وقد أحسن العلّامة المامقاني في اختيار الرجل من الحسان, وهو أوفق لحال الرجل ومن روى عنه, والأمر فيه سهل إذا رأينا سلسلة فطاحل العلماء في سند الحديث معتمدين على ما ورد في السند وسيكون على هذا النحو من التوجيه سند الحديث حسناً مقبولاً.
والسند هكذا: رأيت الكلام للشيخ عبد الله البحرانيّ صاحب عوالم العلوم, وهو الذي رأى الحديث ونقله بهذا السند وهي من رسالة الشيخ محمّد تقي بن محمّد باقر اليزدي البافقي بخط الشيخ الجليل السيّد هاشم، عن شيخه السيّد ماجد البحراني، عن الحسن بن زين الدين الشهيد الثاني، عن شيخه المقدّس الأردبيلي، عن شيخه عليّ بن عبد العالي الكركي، عن الشيخ عليّ ابن هلال الجزائري، عن الشيخ أحمد بن فهد الحليّ، عن الشيخ عليّ ابن الخازن الحائري، عن الشيخ ضياء الدين عليّ بن الشهيد الأوّل، عن أبيه فخر المحقّقين، عن شيخه العلّامة الحلّي، عن شيخه المحقّق، عن شيخه ابن نما الحلّي، عن شيخه محمّد بن إدريس الحلّي، عن ابن حمزة الطوسيّ صاحب ثاقب المناقب، عن شيخه الجليل محمد بن شهر آشوب، عن الطبرسي صاحب الاحتجاج، عن أبيه شيخ الطائفة (هكذا وردني في نسخة عوالم العلوم وهو بعيد ولكن في نسخة إحقاق الحق ورد هكذا: عن الطبرسي صاحب الاحتجاج، عن شيخه الجليل الحسن بن محمد بن الحسن الطوسيّ، عن أبيه شيخ الطائفة الحقّة, وهكذا ورد في نسخة الإحقاق وهو الأوفق)، عن شيخه المفيد، عن شيخه ابن قولويه القمّي، عن شيخه الكلينيّ، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطيّ، عن قاسم بن يحيى الجلّاء الكوفيّ، عن أبي بصير، عن أبان بن تغلب البكري، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، عن فاطمة الزهراء عليها السلام... رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، السند الذي أورده الابطحي عن عوالم العلوم عن نسخة البافقي، هذا هو سند الحديث، وسلسلة أساطين علماء الإمامية يغنينا عن البحث في سنده بل يدفعنا للبخوع بصحّته والتسليم له بكل اطمئنان.
نقَلة حديث الكساء
لم يقتصر نقل الحديث على ما أوردناه ـ أي نسخة العوالم فقط ـ بل ذكر السيّد المرعشي في إحقاق الحق نقلة هذا الحديث وغيرهم وسنورد بعضهم:
أولاً: العلّامة فخر الدين الطريحي صاحب مجمع البحرين في كتاب المنتخب الكبير وقال: ولا فرق بينه وبين النقول على العوالم إلّا زيادة أجوبة التسليمات وجملة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهمّ هؤلاء أهل بيتي وحامّتي إلخ.
ثانياً: العلّامة الجليل الديلمي صاحب الإرشاد في كتابه الغرر والدرر وقد أورد نصف الخبر.
ثالثاً: الحسين العلوي الدمشقي الحنفي من أسرة نقباء الشام، قال السيّد: وقد رأيته بخطّه.
رابعاً: العالم الجليل الحُجّة الشيخ محمّد جواد الرازي الكليني في كتابه (نور الآفاق) وقد نقل المتن المنقول من المرحوم البافقي وقال ما لفظه: وسمعت عن شيخي الثقة الحاج الشيخ محمّد حسين السيستاني في سند هذا الحديث الشريف وقال: سمعت عن السيّد مرتضى اليزدي قال: روى صاحب العوالم إلى آخر السند الذي نقلناه ـ على حدّ قول السيّد المرعشي رحمه الله(٥).
وهكذا لم يقتصر الحديث على مورد واحد بل على موارد عدّة أمكن الوقوف على بعضها.
قصّة الحديث
ينطلق حديث الكساء من الحبكة القصصيّة التي تصوغ مشهد الاجتماع المقدّس الذي روته السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام وكيفية اجتماع أهل البيت واحداً بعد واحد، مصوِّرةً بذلك هذه المَشاهد المقدّسة التي تأخذ بالقارئ والسامع بعيداً إلى حيث الاهتمام النبويّ بأهل بيته عليهم السلام، فضلاً عن احتفاء السماء بهذا الاجتماع المقدّس الذي حاز على اهتمام الملائكة المقرَّبين بعد ما استجاب الله تعالى دعاء نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم في أهل بيته وقوله تعالى بياناً لفضل هذا الجمع القدسيّ أنّ كلّ ما خلقه من سماء مبنيّة، وأرضٍ مدحيّة، وقمرٍ منير، وشمسٍ مضيئة، وفُلكٍ يدور، وبحرٍ يجري، وفُلكٍ يسري، لأجل هؤلاء المجتمعين تحت الكساء ثمّ استوضح ذلك جبرئيل مَن هم؟!
فقال تعالى: (هم فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها).
وهكذا ينتهي المشهد بهبوط جبرئيل ليخبر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: أنّ الله قد أذهب عنكم الرجس وطهّركم تطهيراً.
لماذا لم يُروَ هذا الحديث ويُتداول بصيغته هذه على ألسن الرواة؟!
إنّ ما يميّز هذا الحديث كونه اختصّ بالملأ الأعلى وعالم الملكوت هو الشاهد لهذه الحادثة دون غيره من العالمين، فالواقعة وإن حدثت في الأرض إلاّ أنّ عالم الملكوت هو المحتفي بهذه الواقعة، فالخطاب موجّه إلى العالم العُلوي دون غيره بخطابه تعالى: (يا ملائكتي ويا سكّان سماواتي) وليس الخطاب لأهل الأرض، وهذا من أعظم خصوصيّات حديث الكساء، إذ لم يحضر أحد من الرواة لينقل الخبر ومجريات الواقعة بقدر ما تكفّل بنقل هذه المشاهد الأمين جبرئيل عليه السلام، وليكون هو الراوي وحده لهذه الحادثة في عالم الملكوت, ومن هنا نجد عدم تداول حديث الكساء على ألسن الرواة عدا ما اختصّت به السيّدة فاطمة عليها السلام راوياً عنها جابر بن عبد الله الأنصاريّ تفاصيل الخبر ومجريات الحديث, في حين سنجد الحادثة تشهدها السيّدة أم سلمة وتنقل وقائعها وكذلك عائشة، إلّا أنّ البعض ادّعوا أنّها نزلت في بيتها إشارة إلى أنّ الآية نزلت بها وهو خلاف المتواتر المشهور في حادثة نزول الآية, وسنأتي إلى الإشارة في بعض ذلك.
تعدّد الحادثة أم وحدتها؟
أثبت المحدّثون بروايتهم لسبب نزول آية التطهير وتواتر حديث الكساء, إذ لم يختلف على ذلك اثنان, نعم، الاختلاف من حيث التوسّع في مفهوم أهل البيت, فبعضهم أدخل أزواجه وآخرون توسّعوا حتّى شملوا عصبته صلى الله عليه وآله وسلم من عمومته وأبنائهم، ولكلّ ذلك دوافعه التي لا تخفى, ولكن الذي يهمنا في المقام أنّ الحادثة قد تعدّدت وقائعها, أي هي لم تكن واقعةً واحدة، وإنّما كانت هذه الحادثة تشير إلى تعدد الوقوع، كما يُستفاد ذلك من الأخبار الصحاح، ويمكن تقسيم الحادثة بحسب وقوعها زمنياً كما يلي:
أولاً: الجهد التحضيري للواقعة:
سعى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يحضّر لهذه الواقعة قبل حدوثها تهيئةً لأذهان الأُمّة في استقبال الحادثة واستئناساً لنفوسها, ولئلّا يكثر اللغط والتساؤل في مَن هم أهل البيت, فأراد صلوات الله عليه أن يحصر هذا المفهوم المقدّس بتلك المجموعة المقدّسة, أي أهل البيت الفاطميّ دون غيره, ومع كل هذا التحضير والاستعداد الكبير فإنّ نزول الآية في أزواج النبيّ كما حاول البعض ادّعاءه بإدخال غير البيت الفاطميّ في حادثة التطهير, إلّا أنّ ذلك لا يضرّ في أصل القضيّة، فقد أخرج الحاكم، عن وكيع بن الحارث، عن أبي الحمراء خادم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجيء عند كلّ صلاة فجر فيأخذ بعضادة هذا الباب ثمّ يقول: السلام عليكم يا أهل البيت ورحمة الله وبركاته، فيردّون عليه من البيت: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فيقول: الصلاة يرحمكم الله (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) قال: فقلت: يا أبا الحمراء من كان في البيت؟ قال: عليٌّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام.
إلّا أنّ أبا الحمراء حدّد ذلك بستّة أشهر، فقال في رواية له عن أبي داوود السبيعي، عن أبي الحمراء قال: كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يمرّ ببيت فاطمة ستّة أشهر فيقول الصلاة (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) ولعلّ أبا الحمراء أقام في المدينة هذه المدّة من الستّة أشهر وكانت مشاهداته لها هذه المدة ولا يعني أنّ ذلك الزمن الحقيقيّ للحادثة, بل تجاوز أبو الحمراء في إحدى رواياته الأكثر من ذلك، حتّى روى الطبري بلفظ القاضي هكذا: رابطت المدينة سبعة عشر شهراً على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذا طلع الفجر جاء إلى باب عليّ وفاطمة فقال: الصلاة الصلاة (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).
كان الجهد التحضيري أكثر من سنتين:
ولعلّنا نستفيد من الرواية أنّ وقوف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من المدّة التي رواها أبو الحمراء سبعة عشر شهراً, فرواية أبي الحمراء تشير إلى أنّ المدّة المذكورة كانت بعد ولادة الحسن والحسين، لكن أنس روى أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقف على باب فاطمة بعد زواجها من عليّ لمدّة ستّة أشهر, فإذا أضفنا مدّة رواية أنس الستّة أشهر إلى رواية أبي الحمراء السبعة عشر شهراً كانت مدّة وقوفه صلى الله عليه وآله وسلم بحدود السنتين وهي مدة أكثر من الكافية لتأهيل ذهنية المسلمين على نزول آية التطهير، ومن المؤسف أنّ هذا الجهد النبويّ العظيم يقابَل بتشكيك بعضهم وتساؤلات آخرين وإصرار جماعة من كون أهل البيت هم أهله أو أزواجه أو عصبته؟!! وهو أمر يثير التساؤل عن دوافع هذا التشويش للمقصود النبوي، إلّا أنّنا نعود فنقول: إنّ دوافع السياسة والتحزّبات إبّان الفتن كان لها أثرها في محاولات تغيير مسارات القصود النبوية، إلّا أنّ الأهمّ تبقى القصود النبوية جليّة بجلاء حقيقتها.
ثانياً: تكرار وقوع الحادثة فعلاً:
اتّخذت واقعة الكساء أهميةً كبرى من قبل المسلمين وكان لحضور أكثر الصحابة في الوقائع المتعددة أمرٌ دفع بهم إلى تسجيل مشاهداتهم بشكل سجّل للواقعة حضورها في أذهان أكثر الصحابة, بل كانت الحادثة من ضمن جهود النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في تبليغه لمقامات أهل البيت بشكل حاضر وملموس, لذا فإنّنا لو استقصينا الحادثة برواتها لوجدناها تشير إلى شيء لم يدركه حتّى المشاهد لهذه الواقعة.
الرحمة الهابطة:
روى الحاكم بسنده عن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب عن أبيه قال: لمّا نظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرحمة الهابطة قال: ادعوا لي، ادعوا لي، فقالت زينب (المقصود منها أُمّ سلمة) مَنْ يا رسول الله؟ قال: عليّ وفاطمة والحسن والحسين، فجاء بهم، فألقى عليهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كساءً له ثمّ رفع يده فقال: اللهمّ إنّ هؤلاء آلي فصلّ على محمّد وعلى آل محمّد وأنزل الله (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(٦).
والتعبير بالرحمة الهابطة لا يرقى إلى فهمنا فضلاً عن فهم الراوي، ولا يمكن أن نقف على مفهوم واضح لهذه الرحمة الهابطة بقدر ما هي إشارات إلى الفيض الربوبيّ الذي تجلّل به الجمع المقدّس من أهل البيت عليهم السلام ومثّله النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالكساء، ولعلّ إدراك المشاهد من الرواية والسامع كذلك لا يستطيع أن يستوعب هذا الفيض الإلهي إلّا بواقعه المادّي الذي مثّله كساء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فلمّا جلّلهم بردائه القدسيّ تجلّت لنا حقيقة الفيض الربوبيّ وكيف يجلّل المصطفين الأبرار بفيض رحمته.
لماذا أُمّ سلمة؟
المتابع لحديث الكساء أو نزول آية التطهير سيجد اسم أُمّ سلمة شاخصاً في أكثر الروايات، ولعلّ رواية السيّدة أُمّ سلمة احتلّت المساحة الأوسع من نقل الحادثة, على أنّ العلماء والرواة والمتابعين أثبتوا أنّ أُمّ سلمة لم تتفرّد في نقل الواقعة، بل هي إحدى الراويات لِما حدث من هذه المشاهدة النبويّة المقدّسة, وكأنّ المتابع يبدو له في الوهلة الأولى أنّ الرواية اختصّت بها أُمّ سلمة, في حين سيجد غير أُمّ سلمة من أزواج النبيّ حضرتها. نعم، كانت أم سلمة وحدها في مشاهداتها الحادثة بل ولعلّ خصوصيّة رواية أُمّ سلمة أنّها تعدّدت الحادثة بحضورها وتكفّلت بنقل مشاهد الحادثة بكلّ أمانة وصدق, فضلاً عن كون أُمّ سلمة أخذت تُكرّر روايتها لهذه الحادثة بعد رحيل النبيّ وأهل بيته صلوات الله عليهم إلى الرفيق الأعلى, فوجدت أُمّ سلمة أنّ التكليف يقتضي الإصرار على تداول الرواية في كثير من مجالسها لتكون الشاهدة الأولى على وقائع مجريات آية التطهير، فقد تعهّدت رضوان الله عليها على أن تتصدّى لأيّة محاولة من شأنها إقحام غير أهل البيت عليهم السلام, فكان موقفها مسؤولاً يقطع الطريق على محاولات التشويه للحادثة الربّانيّة التي تعهّدت في بيان بعض مقاماتهم عليهم السلام, فمهما بذلته السيّدة أُمّ سلمة لتصدّيها لبيان الحقائق حين يسألها أحدهم عن كون آية التطهير نزلت في حقّ أزواج النبيّ؟ كما في الرواية التالية:
عن عبد الواحد بن عمر قال: أتيت شهر بن حوشب فقلت: إنّي سمعت حديثاً يروى عنك فأحببت أن أسمعه منك فقال: ابن أخي وما ذاك؟ فقد حدّثت عنّي أهل الكوفة ما لم أحدّث به. قلت: هذه الآية (انما يريد الله ليذهب الرجس عنكم اهل البيت ـ وهي قراءة عبد الله هكذا ـ ويطهركم تطهيرا) قال: نعم أتيت أُمّ سلمة زوج النبيّ فقلت لها: يا أُمّ المؤمنين، إنّ أُناساً من قبلنا قد قالوا في هذه الآية أشياء، قالت: وما هي؟ قلت: ذكروا هذه الآية (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)، فقال بعضهم: في شأنه، وقال بعضهم: في أهل بيته.
قالت: يا شهر بن حوشب والله لقد نزلت هذه الآية في بيتي هذا وفي مسجدي هذا، أقبل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم حتّى جلس معي في مسجدي هذا على مصلّاي هذا، فبينا هو كذلك إذ أقبلت فاطمة معها خبزها [كذا] ومعها ابناها الحسن والحسين تمشي بينهما، فوضعت طعاماً قدّام النبيّ، فقال لها النبي: أين بعلك يا فاطمة؟ قالت: بالأثر يا رسول الله يأتي الآن، فلم يلبث أن جاء عليٌّ فجلس معهم إذ أحسّ النبيُّ بالروح، فسلّ مصلاي هذا من تحتي فتجافيت له عنها حتّى سلّه، فإذا عباءة قطوانية فجلّل بها رؤوسهم ثمّ أدخل رأسه معهم ويده فوق رؤوسهم فقال اللهمّ هؤلاء أهل بيتي قد اجتمعوا (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) قالها ثلاثاً، قلت: يا رسول الله، أُدخل رأسي معكم؟ قال: يا أُمّ سلمة، إنّكِ على خير... إلى آخر الحديث الذي اختصره الحاكم وقال: والحديث اختصرته من طول.
وهنا أكدّت أُمّ سلمة أنّها ـ وهي إحدى أزواجه صلى الله عليه وآله وسلم ـ غير مشمولة بمقام التشريف الذي اقتصر على أهل البيت تصديقاً للآية الشريفة التي أفادت الحصر بأداتها (إِنَّما)، بل في رواية أبي سعيد قال: حدّثتني أُمّ سلمة أنّ هذه الآية نزلت في بيتها (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) قالت: وفي البيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليٌّ وفاطمة وحسن وحسين، قالت: وأنا جالسة على الباب فقلت: يا رسول الله ألستُ من أهل البيت؟ قال: إنّكِ إلى خير، إنّكِ من أزواج النبيّ.
إذن أكّدت أُمّ سلمة أنّها من أزواجه، أي: ليست من أهل بيته, وهكذا كانت السيّدة أُمّ سلمة أمينةً في مشاهداتها وفي دفاعها عن حومة الواقعة المقدسة، وحياض الحديث النبويّ وهو الذي أهّلها لأن تضطلع بمسؤولية الشهادة لمرّات تكرّرت ولحوادث تعدّدت.
حديث الكساء اليمانيّ
إذن حديث الكساء اليمانيّ هو إحدى وقائع أسباب نزول الآية الكريمة (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)، إذ من المعلوم أنّ الآيات القرآنية متعدّدة في أسباب النزول, أي يمكن أن تكون للآية الواحدة أحياناً مناسبات عدّة في أسباب النزول ويتكرّر نزولها بتكرّر المناسبة، ويبدو أنّ تعدّد أغراض الآية تقتضي تعدّد أسباب النزول بل تعدد النزول بمقتضى أسبابه وهكذا, ومن ذلك آية التطهير، فإنّنا نستوحي من تعدّد الروايات الصحاح تعدّد الحادثة، فمرّات عدّة كان نزول الآية في بيت أُمّ سلمة، وأخرى أمام عائشة وبعضها في غير هذه الموارد، وليكن حديث الكساء اليماني إحدى موارد نزول آية التطهير إلّا أنّ خصوصيات هذا الحديث امتاز بالآتي:
أولاً: إنّ الشاهد على هذه الحادثة لم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا حتّى أزواجه, بل كانت الحادثة مختصّة بالملأ الأعلى، إذ اطّلعت على هذا الاجتماع ملائكة السماء, أي الملأ العُلويّ بما فيه ملائكة الله المقرَّبين, وكان لهبوط جبرئيل إلى الأرض ودخوله بعد الاستئذان معهم تحت الكساء خصوصيّة كذلك, وإن كان في بعض الروايات أنّ جبرئيل وميكائيل وإسرافيل هبطوا إلى الأرض، والظاهر أنّ ذلك إحدى حوادث نزول الآية المباركة.
ثانياً: إنّ الراوي لهذا الحديث الشريف هي فاطمة عليها السلام, وكانت المشاهدات التي ترويها عليها السلام تضفي لوناً آخر من ألوان العذوبة في الرواية, بل تضفي قدسيّة فوق قدسيّة الحديث.
هذا هو حديث الكساء اليماني الذي رواه جابر عن سيّدة النساء فاطمة عليها السلام.
قال الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني: رأيت بخطّ الشيخ الجليل السيّد هاشم، عن شيخه السيّد ماجد البحراني، عن الحسن ابن زين الدين الشهيد الثاني، عن شيخه المقدَّس الأردبيلي، عن شيخه علي بن عبد العالي الكركي، عن الشيخ عليّ بن هلال الجزائري، عن الشيخ أحمد بن فهد الحلّي، عن الشيخ عليّ بن الخازن الحائريّ، عن الشيخ ضياء الدين عليّ بن الشهيد الأوّل، عن أبيه، عن فخر المحقّقين، عن شيخه العلّامة الحلّي، عن شيخه المحقّق، عن شيخه ابن نما الحلّي، عن شيخه محمد بن إدريس الحلّي، عن ابن حمزة الطوسي صاحب ثاقب المناقب، عن شيخه الجليل الحسن بن محمد بن الحسن الطوسيّ، عن الشيخ الجليل محمد بن شهر آشوب، عن الطبرسي ـ صاحب الاحتجاج ـ، عن أبيه شيخ الطائفة، عن شيخه المفيد، عن شيخه ابن قولويه القمي، عن شيخه الكلينيّ، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن أحمد بن محمد ابن أبي نصر البزنطي، عن القاسم بن يحيى الجلّاء الكوفيّ، عن أبي بصير، عن أبّان بن تغلب البكري، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، عن فاطمة الزهراء عليها السلام:
قال: سمعت فاطمة الزهراء أنّها قالت: دخل عليَّ أبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بعض الأيّام فقال: السلام عليكِ يا فاطمة، فقلت: وعليكَ السلام، قال: إنّي أجد في بدني ضعفاً، فقلت له: أعيذك بالله يا أبتاه من الضعف، فقال: يا فاطمة إيتيني بالكساء اليمانيّ فغطّيني به، فأتيته بالكساء اليمانيّ فغطّيته به وصرت أنظر إليه وإذا وجهه يتلألأ كأنّه البدر في ليلة تمامه وكماله.
فما كانت إلّا ساعة وإذا بولدي الحسن عليه السلام قد أقبل وقال: السلام عليكِ يا أُمّاه، فقلت: وعليكَ السلامُ يا قُرّةَ عيني وثمرةَ فؤادي، فقال لي:
يا أمّاه، إنّي أشمّ عندكِ رائحةً طيّبة، كأنّها رائحة جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقلت: نعم، إنّ جدّك تحت الكساء، فأقبل الحسن نحو الكساء وقال: السلام عليك يا جدّاه يا رسول الله، أتأذن لي أن أدخل معك تحت الكساء؟
قال صلى الله عليه وآله وسلم: وعليك السلام يا ولدي ويا صاحب حوضي، قد أذنت لك، فدخل معه تحت الكساء.
فما كانت إلّا ساعة وإذا بولَدي الحسين عليه السلام قد أقبل وقال: السلام عليكِ يا أماه، فقلت: وعليك السلام يا ولدي ويا قُرّة عيني وثمرة فؤادي، فقال لي: يا أُمّاه، إنّي أشمّ عندكِ رائحةً طيّبة كأنّها رائحة جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت: نعم يا بُنيّ إنّ جدّك وأخاك تحت الكساء، فدنا الحسين نحو الكساء وقال: السلام عليك يا جداه، السلام عليك يا من اختاره الله، أتأذن لي أن أكون معكما تحت الكساء؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: وعليك السلام يا ولدي وشافع أمّتي، قد أذنت لك، فدخل معهما تحت الكساء.
فأقبل عند ذلك أبو الحسن عليّ بن أبي طالب عليه السلام وقال: السلام عليكِ يا بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت: وعليك السلام يا أبا الحسن ويا أمير المؤمنين، فقال: يا فاطمة إنّي أشمُّ عندكِ رائحةً طيّبةً كأنّها رائحةُ أخي وابن عمي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فقلت: نعم ها هو مع ولديك تحت الكساء.
فأقبل علي عليه السلام نحو الكساء وقال: السلام عليك يا رسول الله، أتأذن لي أن أكون معكم تحت الكساء؟
قال له: وعليك السلام يا أخي ويا وصيّي وخليفتي وصاحب لوائي قد أذنت لك، فدخل عليٌّ عليه السلام تحت الكساء.
ثمّ أتيت نحو الكساء وقلت: السلام عليك يا أبتاه يا رسول الله، أتأذن لي أن أكون معكم تحت الكساء؟
قال: وعليكِ السلام يا بنتي ويا بضعتي قد أذنت لكِ، فدخلت تحت الكساء.
فلمّا اكتملنا جميعاً تحت الكساء أخذ أبي رسول الله بطرفي الكساء وأومأ بيده اليمنى إلى السماء وقال:
اللهمّ إنَّ هؤلاء أهل بيتي وخاصّتي وحامّتي، لحمهم لحمي ودمهم دمي، يؤلمني ما يؤلمهم ويحزنني ما يحزنهم، أنا حربٌ لمن حاربهم وسلمٌ لمن سالمهم وعدو لمن عاداهم ومحبٌّ لمن أحبَّهم، إنّهم منّي وأنا منهم، فاجعل صلواتك وبركاتك ورحمتك وغفرانك ورضوانك عليَّ وعليهم، وأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
فقال الله عزّ وجلّ: يا ملائكتي، ويا سكان سماواتي، إنّي ما خلقتُ سماءً مبنيّة ولا أرضاً مدحيّة، ولا قمراً منيراً ولا شمساً مضيئةً، ولا فَلَكاً يدور ولا بحراً يجري ولا فُلْكاً تسري، إلّا في محبّة هؤلاء الخمسة الذين تحت الكساء.
فقال الأمين جبرائيل: يا ربّ ومن تحت الكساء؟
فقال عزّ وجلّ: هم أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة، وهم فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها. فقال جبرائيل: يا ربّ أتأذن لي أن أهبط إلى الأرض لأكون معهم سادساً؟
فقال الله: نعم، قد أذنتُ لك.
فهبط الأمين جبرائيل وقال: السلام عليك يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، العليُّ الأعلى يقرؤك السلام ويخصُّك بالتحيّة والإكرام ويقول لك: وعزَّتي وجلالي إنّي ما خلقتُ سماءً مبنيّةً ولا أرضاً مدحيّةً، ولا قَمَراً مُنيراً ولا شمساً مضيئةً، ولا فَلَكاً يدور ولا بحراً يجري ولا فُلكاً تسري، إلّا لأجلكم ومحبّتكم، وقد أذن لي أن أدخل معكم فهل تأذن لي يا رسول الله؟
فقال رسول الله: وعليك السلام يا أمين وحي الله، نعم، قد أذنت لك.
فدخل جبرائيل معنا تحت الكساء، فقال لأبي: إنّ الله عزّ وجلّ قد أوحى إليكم يقول: (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).
فقال عليٌّ لأبي: يا رسول الله، أخبرني ما لجلوسنا هذا تحت الكساء من الفضل عند الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
والذي بعثني بالحقّ نبيّاً، واصطفاني بالرسالة نجيّاً، ما ذُكر خبرنا هذا في محفل من محافل أهل الأرض، وفيه جمعٌ من شيعتنا ومحبّينا، إلّا ونزلت عليهم الرحمة وحفّت بهم الملائكة واستغفرت لهم إلى أن يتفرّقوا.
فقال عليٌّ: إذاً والله فزنا وفاز شيعتنا وربّ الكعبة.
فقال أبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا عليُّ، والذي بعثني بالحقّ نبيّاً، واصطفاني بالرسالة نجيّاً، ما ذُكر خبرُنا هذا في محفلٍ من محافل أهل الأرض وفيه جمعٌ من شيعتنا ومحبّينا وفيهم مهمومٌ إلّا وفرّج اللهُ همَّه، ولا مغمومٌ إلّا كشف اللهُ غمَّه، ولا طالبُ حاجةٍ إلّا وقضى اللهُ حاجتَه، قال عليٌّ: إذن والله فزنا وسُعدنا، وكذلك شيعتنا فازوا وسُعدوا في الدنيا والآخرة وربِّ الكعبة.
شرح الحديث
قال جابر بن عبد الله الأنصاريّ عن فاطمة الزهراء عليها السلام بنتِ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: سمعتُ فاطمة(٧) أنّها قالت: دخل عليَّ أبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بعض الأيّام فقال: السلام عليكِ يا فاطمة، فقلتُ: وعليك السلام، قال: إنّي أجد في بدني ضعفاً(٨).
فقلتُ: أعيذكَ بالله يا أبتاه من الضعف(٩)، فقال: يا فاطمة ائتيني بالكساء اليمانيّ فغطّيني به(١٠)، فأتيته بالكساء اليماني فغطّيته به وصرت أنظر إليه وإذا وجهُه يتلألأ كأنّه البدرُ في ليلة تمامه وكماله(١١).
وما كانت إلّا ساعة وإذا بولدي الحسن عليه السلام قد أقبل وقال: السلام عليكِ يا أُمّاه, فقلت: وعليكَ السلامُ يا قُرّة عيني(١٢) وثمرة فؤادي(١٣)
فقال لي: يا أُمّاه إنّي أشمّ عندكِ رائحةً طيّبةً(١٤) كأنّها(١٥) رائحة جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فقلت: نعم، إنّ جدّك تحت الكساء. فأقبل الحسن نحو الكساء وقال: السلام عليكَ يا جدّاه يا رسول الله، أتأذن لي أن أدخل معك تحت الكساء؟
قال صلى الله عليه وآله وسلم: وعليك السلام يا ولدي(١٦)
ويا صاحب حوضي(١٧) قد أذنت لك, فدخل معه تحت الكساء.
فما كانت إلّا ساعة(١٨), وإذا بولدي الحسين عليه السلام قد أقبل وقال: السلام عليكِ يا أُمّاه، فقلت: وعليك السلام يا ولدي ويا قُرّة عيني وثمرة فؤادي(١٩), فقال لي: يا أُمّاه إنّي أشمّ عندكِ رائحةً طيّبةً كأنّها رائحة جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(٢٠)، فقلت: نعم يا بُنيّ, إنّ جدّك وأخاك تحت الكساء.
فدنا الحسين نحو الكساء وقال: السلام عليكَ يا جدّاه, السلام عليك يا من اختاره الله(٢١), أتأذن لي أن أكون معكما تحت الكساء؟
فقال صلى الله عليه وآله وسلم: وعليك السلام يا ولدي وشافع أمتي(٢٢) قد أذنت لك, فدخل معهما تحت الكساء.
فأقبل عند ذلك(٢٣) أبو الحسن عليّ بن أبي طالب عليه السلام وقال: السلام عليكِ يا بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فقلتُ: وعليك السلام يا أبا الحسن ويا أمير المؤمنين(٢٤).
فقال: يا فاطمة إنّي أشمّ عندكِ رائحةً طيّبةً كأنّها رائحة أخي وابن عمي(٢٥) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فقلت: نعم ها هو مع ولديك تحت الكساء.
فأقبل عليّ عليه السلام نحو الكساء وقال: السلام عليك يا رسول الله, أتأذن لي أن أكون معكم تحت الكساء؟
قال له: وعليك السلام يا أخي(٢٦) ويا وصيّي(٢٧)
وخليفتي(٢٨) وصاحب لوائي(٢٩) قد أذنت لك فدخل عليٌّ تحت الكساء.
ثمّ أتيت نحو الكساء وقلت: السلام عليك يا أبتاه يا رسول الله(٣٠), أتأذن لي أن أكون معكم تحت الكساء؟
قال: وعليكِ السلام يا بنتي(٣١) ويا بضعتي(٣٢) قد أذنت لك، فدخلت تحت الكساء.
فلمّا اكتملنا جميعاً(٣٣) تحت الكساء، أخذ(٣٤) أبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بطرفي الكساء(٣٥) وأومأ بيده اليمنى(٣٦) إلى السماء وقال: اللهمّ إنّ هؤلاء أهل بيتي(٣٧) وخاصّتي(٣٨)، وحامّتي(٣٩)، لحمهم لحمي(٤٠)، ودمهم دمي(٤١)، يؤلمني ما يؤلمهم(٤٢)، ويحزنني ما يحزنهم(٤٣)، أنا حربٌ لمن حاربهم(٤٤)، وسلمٌ لمن سالمهم(٤٥)، وعدوٌّ لمن عاداهم(٤٦)، ومحبٌّ لمن أحبهم(٤٧)، إنّهم منّي وأنا منهم(٤٨)، فاجعل صلواتك(٤٩) وبركاتك(٥٠)، ورحمتك(٥١) وغفرانك(٥٢) ورضوانك(٥٣) عليَّ وعليهم(٥٤) وأذهب عنهم الرجس(٥٥) وطهّرهم تطهيرا(٥٦).
فقال الله عز وجل(٥٧): يا ملائكتي(٥٨) ويا سكّان سماواتي(٥٩)، إنّي ما خلقتُ سماءً مبنيّة(٦٠)، ولا أرضاً مدحيّة(٦١)، ولا قمراً منيراً(٦٢)، ولا شمساً مضيئة(٦٣)، ولا فَلَكاً يدور(٦٤)، ولا بحراً يجري(٦٥)، ولا فُلكاً تسري(٦٦)، إلّا في محبّة هؤلاء الخمسة(٦٧) الذين هم تحت الكساء.
فقال الأمين جبرئيل(٦٨): يا ربّ ومَن تحت الكساء؟
فقال عزّ وجلّ(٦٩):
هُم أهل بيت النبوّة(٧٠)، ومعدن الرسالة(٧١)، وهم فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها(٧٢)، فقال جبرئيل: يا ربّ، أتأذن لي أن أهبط إلى الأرض لأكون معهم سادساً؟(٧٣)
فقال الله: نعم، قد أذنت لك(٧٤).
فهبط الأمين جبرائيل(٧٥) وقال: السلام عليك يا رسول الله(٧٦)، العليُّ الأعلى(٧٧) يقرؤك السلام(٧٨)، ويخصّك بالتحيّة والإكرام(٧٩)،(٨٠) ويقول لك: وعزّتي(٨١) وجلالي(٨٢)، إنّي ما خلقتُ سماءً مبنيّةً ولا أرضاً مدحيّةً، ولا قمراً منيراً ولا شمساً مضيئةً، ولا فَلَكاً يدور ولا بحراً يجري ولا فُلكاً تسري، إلّا لأجلكم(٨٣) ومحبّتكم(٨٤) وقد أذن لي أن أدخل معكم، فهل تأذن لي يا رسول الله(٨٥)؟
فقال رسول الله: وعليك السلام يا أمين وحي الله(٨٦)، نعم، قد أذنت لك.
فدخل جبرئيل معنا تحت الكساء(٨٧)، فقال لأبي: إنّ الله عزّ وجلّ قد أوحى إليكم (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(٨٨).
فقال عليٌّ لأبي: يا رسول الله، أخبرني ما لجلوسنا هذا تحت الكساء من الفضل عند الله(٨٩)؟
فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: والذي بعثني بالحقّ نبيّاً(٩٠)، واصطفاني بالرسالة(٩١) نجيّاً(٩٢)، ما ذُكر خبرُنا هذا(٩٣) في محفل من محافل أهل الأرض(٩٤)، وفيه جمعٌ(٩٥) من شيعتنا ومحبّينا(٩٦) إلّا ونزلت عليهم الرحمة(٩٧)، وحفّت بهم الملائكة(٩٨) واستغفرت لهم(٩٩) إلى أن يتفرّقوا(١٠٠).
فقال عليٌّ: إذن والله فزنا(١٠١) وفاز شيعتنا(١٠٢) وربِّ الكعبة(١٠٣).
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: والذي بعثني بالحقّ نبيّاً واصطفاني بالرسالة نجيّاً، ما ذُكر خبرنا هذا في محفلٍ من محافل أهل الأرض، وفيه جمعٌ من شيعتنا ومحبّينا(١٠٤)، وفيهم مهمومٌ إلّا وفرّج الله همّه، ولا مغموم إلّا وكشف الله غمّه(١٠٥)، ولا طالب حاجة لّا وقضى الله حاجته(١٠٦)، فقال عليٌّ: إذن والله فزنا وسعدنا(١٠٧)، وكذلك شيعتنا فازوا وسعدوا في الدنيا والآخرة(١٠٨) بربّ الكعبة(١٠٩).
توثيقات حديث الكساء الأدبيّة (١١٠)

لم يكن الشعر وسيلة ترفيه وترويح نفسي يستحسنه الناظم أو يتابعه المستمع المتذوّق لفنون الشعر وترنيمات الأدب، بل بات الشعر سبباً من أسباب التوثيق المعرفيّ الذي ينهض بالقضيّة التاريخيّة، أو يقوّم المسألة العلميّة، أو يقرّب الواقعة الأدبيّة في ملفات خاصّة يعتني بها هذا ويحفظها ذاك، وبما أنّ حديث الكساء من الوقائع الحديثيّة المقدسة فقد ألهمت الشاعر وأوقدت ملكة الأديب إلى مراقي الإبداع فكتب فيها ونظمها من خلالها وحاول أن يستقصي الواقعة والحادثة بكلّ تفاصيلها سيما وأنّ حديث الكساء يثير مشاعر الأديب، ويؤجج هواجس الشاعر لينهض بهذه الحادثة إلى مستوياتها الأرقى، فكتب الشعراء بها واستلهمها الأدباء وأبدع بها ذووا القدرات الخاصّة فكان لحديث الكساء دواعي الإبداع ومجالات الترقّي.
وسنشير إلى جزء من هذه التوثيقات الشعريّة في هذا الباب لنقرّب الصورة للقارئ وكيف أثيرت لديهم حالات التقصّي والملاحقة للحقائق المقدّسة، معتمدين في ذلك على كتاب نظم حديث الكساء اليمانيّ للمحقّق الشيخ رسول زين الدين، وقد حرصنا أن لا نخرج عن استقصاءاته ومتابعاته.
منظومة السيّد محمّد عليّ الغريفيّ
(١٣٠٤ ـ ١٣٦٨) هـ
السيّد محمّد عليّ بن محسن بن محمّد بن عليّ الموسويّ البحرانيّ الغريفيّ، عالم بارع ومحقّق. وُلد في النجف سنة ١٣٠٤هـ ونشأ به، قرأ المقدّمات الأوّليّة على جمع من الأفاضل. انتقل إلى بغداد سنة ١٣٥٤هـ عالماً مرشداً وإمام الجماعة هناك إلى وفاته.
شيوخه:
حضر الأبحاث العالية على:
١ ـ الشيخ عبد الله شومان العاملي.
٢ ـ السيّد عبد الصاحب الحلو.
٣ ـ الشيخ أحمد كاشف الغطاء.
٤ ـ الشيخ محمّد كاظم الخراساني.
٥ ـ الشيخ عبد الله المازندراني.
٦ ـ السيّد عليّ الداماد.
٧ ـ السيّد أبي تراب الخونساري.
٨ ـ شيخ الشريعة الأصفهاني.
٩ ـ السيّد محمّد كاظم اليزدي.
١٠ ـ الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء.
١١ ـ الشيخ ضياء الدين العراقي.
١٢ ـ الشيخ النائيني.
١٣ ـ السيّد أبي الحسن الأصفهاني.
١٤ ـ الشيخ جواد البلاغي.
١٥ ـ السيّد حسن الصدر.
إجازاته:
يروي بالإجازة عن أساتذته الحلو، والصدر، والنائيني، والسيد مهدي الغريفي، والسيد محمد حسين الشاه عبد العظيمي، والشيخ مرتضى كاشف الغطاء، والشيخ هادي كاشف الغطاء.
ويروي عنه بالإجازة أخوه السيّد محمّد جواد وولده السيّد موسى المذكور.
تلامذته:
تتلمذ عليه في النجف جمع من الفضلاء، منهم: ولده المذكور والشيخ عباس المظفر والسيد أحمد الهندي والشيخ عند المنعم الكاظمي والشيخ يحيى الجواهري والشيخ هادي اليعقوبي.
وفاته:
توفّي في بغداد ٩ رجب سنة ١٣٦٨هـ ونقل إلى النجف ودفن به، وأرّخ وفاته ابن أخيه السيّد محيي الدين الغريفي بقوله:

فجع الإسلام وأسود الفضا * * * بسميّ المصطفى والمرتضى
فبكت عين الهدى مذ أرخت * * * (في البكا المولى عليّاً قد قضى)

آثاره:
له مؤلّفات خطّيّة كثيرة منها:
١ ـ الهداية في الإمامة.
٢ ـ تعليقة على وسيلة النجاة.
٣ ـ مختصر أحوال النبيّ والأئمّة عليهم السلام والنوّاب.
٤ ـ رسالة في حرمة حلق اللحية.
٥ ـ مباحث الألفاظ.
قال في نظم حديث الكساء:

هاك حديثاً جاء عن خير النسا * * * خامسة الأقطاب أصحاب الكسا
وغيره مما اقتضاه النظم * * * وصحّ حيث لا يسوغ الكتم
ممّا أبان فضلهم واشتهرا * * * وإن أغاض ذكره من كفرا
أذكر في الحديث ما قد وقعا * * * في غيره كأنّما صار معا
مرتبطاً كما اقتضاه الحال * * * وما أقتضى أن يحسن المقال
مضمّناً إيّاه في المقال * * * أجعله نحو لسان الحال
قالت أتاني زائراً يوماً أبي * * * فاطمة الزهراء بضعة النبي
وقال إنّي واجد في بدني * * * ضعفاً عليّ بالكساء اليمني
غطّي به جسم أبيك المصطفى * * * فاطمة لكي تنالي الشرفا
بما حبانا ربنا الودود * * * من أنّنا من أجلنا الوجود
قلت أعيذ المصطفى من ضعف * * * بواجب الوجود خير كهف
قالت أتيت بالكسا اليماني * * * غطيته به كما أوصاني
فصرت بعد ذا إليه أنظر * * * ووجهه كالبدر نوراً يزهر
قالت وجاء بعده الرضيُّ * * * نجلي سبط المصطفى الزكيُّ
ذاك شبيه المجتبى والمؤتمن * * * خلقاً وخُلقاً ذاك ابنه الحسن
مسلّماً يقول من في الدار * * * أشمّ طيب أحمد المختار
قلت عليك ولدي السلام * * * فذا الكسا وتحته الهُمام
وجاءه مسلّماً مستأذناً * * * عليه بالدخول لمّا أن دنا
قال عليك جدّي السلام * * * صلّى عليك المفضل العلّام
قال وهل أدخل في الكساء * * * عليك كي أهنأ بالحباء
قال نعم أذنت في الدخول * * * عليك منّي أحسن القبول
قالت وجاء بعده الشهيد * * * سبط النبي المصطفى الرشيد
أعني حسيناً من به السعادة * * * ومن له في الجنّة السيادة
أقبل بالسلام والتحيّة * * * مبتدءاً بأُمّه المرضيّة
يقول يا ابنة الهادي * * * أشمّ طيب المصطفى الجواد
قلت عليك سيّد العباد * * * منّي السلام طيّب الميلاد
تحت الكساء جدّك الرضيُّ * * * وسبط طه الحسن النقيُّ
أما ترى نورهما تلالا * * * على ضياء البدر قد تعالى
جاء الحسين نحو سيد البشر * * * مستبشراً يحكي محيّاه القمر
مسلّماً عليهما مستأذناً * * * من النبيّ من له تمّ الغنا
اكتنفا جدّهما تحت الكسا * * * وارتضعا منه النهى واقتبسا
قالت ولمّا كان بعد ساعة * * * جاء الوصيّ صاحب الشفاعة
ذاك قسيم النار والجنان * * * ذاك شريك الوحي والبيان
ذاك إمام الإنس والجن الولي * * * ذاك أبو السبطين مولانا علي
يقول يا ابنةَ النبيّ ذي الرشد * * * وسيّد البشر البشير المعتمد
عليكِ منّي أفضل السلام * * * ما خطّ في الألواح بالأقلام
أشمّ طيب المصطفى الرسول * * * أخي ابن عمي الصادق المقول
فقلت منّي عادت التحيّة * * * عليك يا خير الورى سجيّة
هذا الرسول حاضن شبليكا * * * مشرّفاً تحت الكسا لابنيكا
قالت وراح المرتضى واقتربا * * * نحو الهداة الغرّ أصحاب العبا
يقول يا من خصّه الرحمن * * * من بيننا واختاره المنّان
أرسله الباري نذيراً للبشر * * * ينقذهم يوم الجزاء من سقر
عليك صلّى مالك البريّة * * * عليك منّي أفضل التحيّة
يا هل ترى لي معكم تحت الكسا * * * مقتبساً منك الهدى ملتمسا
أدخل كي أفوز بالكرامة * * * وأبتغي من ذي العلى الزعامة
قال مجيباً والدُ البتول * * * لأجلكم تحت الكسا دخولي
عليك فادخل معنا السلام * * * وأنت بعدي القائد الهُمام
قالت ولمّا اجتمع الأبرار * * * تحت الكسا وأحمد المختار
فاطمة وقمت نحوهم مسلِّمة * * * عليهم ومن أبي مستعلمة
وقلت صلّى الملك الجليل * * * عليك هل لي يصلح الدخول
لي من حواه ذا الكسا اليماني * * * أدخلني بفضله غطّاني
وقال لي أنت غداة الجنّة * * * سيّدة دون نساء الأُمّة
عليكِ منّي بضعتي السلامُ * * * ما دامت الألواح والأقلام
لمّا حواهم ذلك الكساء * * * وكل صيد حازه الفراء
بفضلهم جلّ وعزّ أعلما * * * على البرايا معلناً أهل السما
نادى بسكان السما أملاكي * * * عصمتكم أسكنتكم أفلاكي
لكن برأت أشرف البرايا * * * حازوا النهى وأفضل السجايا
هم خمسة أودعتهم أسراري * * * قد سترت عن غيرهم أستاري
بـعزّتي أقسم والجلالة * * * هم حجّتي واضحة الدلالة
وما خلقت من سماً مبنيّة * * * كذا ولا أرضاً لها مدحيّة
وما خلقت فلكاً يدور * * * كلّا ولا بدراً له ينير
وما خلقت من بحارٍ جارية * * * كلّا ولا فلكاً تروها سارية
وما برأت الشمس والنهارا * * * ولا خلقت الحجب والستارا
إلّا لأجل من حوى الكساء * * * ومن بهم يستدفع البلاء
فقال جبرئيل يا ربّ ومن * * * تحت الكساء من على السر ائتمن
فقال هم فاطمة وطه * * * والدها وبعلها وابناها
هم أهل بيت الوحي والدلالة * * * ومعدن التنزيل والرسالة
هذا الحديث فضلهم أبانا * * * كفى به مستنداً برهانا
هم علّة الإيجاد والدوام * * * هم أسس الإيمان والإسلام
لولاهم ما كان شمس وقمر * * * لولاهم ما كان أرض وشجر
لولاهم ما كانت الأفلاك * * * لولاهم ما عبدت أملاك
لولاهم ما كان جنّ وبشر * * * لولاهم ما كان بحر ومدر
هم سفينة النجاة باب حطة * * * يهلك من دان بغير الخطة
 (هم آية التطهير والقربى هم * * * هم آية الخمس هم التقدّم)
هم شركاء الوحي في التمسك * * * هم مرجع الأُمّة في التشكّك
قال الأمين بعد ذا البيان * * * مستأذناً من ذي العلى المنّان
يا ربّ هل تأذن في السعادة * * * فأجتني بقربهم سيادة
أهبط فيهم سادساً أكون * * * مبشّراً لفضلهم أبين
فقال ذو العزّة والجلالة * * * أبن لهم في هذه العجالة
حبوتهم بما أشا من رحمة * * * منحتهم دون الورى بالعصمة
جاء الأمين هابطاً نحو الكسا * * * مسلّماً مسترفداً مقتبسا
يقول يا من خُصّ بالسفارة * * * واختاره اللطيف للنذارة
إلهُنا أقراك بالسلام * * * وخصّك البارئ بالإكرام
وهو يقول قسماً مبرورا * * * وعزّتي فكن بذا مسرورا
وبالإجلال ما خلقت خضرا * * * مبنيّة ولا دحوت غبرا
ولا خلقت الفلك والبحارا * * * ولا برأت قمراً أنارا
ولا خلقت فلكاً يدور * * * كلا ولا شمساً به تسير
إلّا وفي محبّة الأبرار * * * محمّد وآله الأطهار
لأجلكم كان الوجود عن عدم * * * بحبّكم نلنا من الله النعم
مَنَّ عليَّ أن أكون الباري * * * سادسكم مصاحب الأبرار
فامنن عليَّ أن أحوز ذا الشرف * * * وأسكن الفردوس فيكم والغرف
قال النبي ادخل ولمّا أن دخل * * * طوبى له حيث اجتنى خير العمل
 (تلا عليهم آية التطهير * * * عن اللطيف العاصم القدير
مبشراً بإنّما يريد * * * حيث بها لعصمة تأييد)
قال عليٌّ عندما تمّ العدد * * * أبِن لنا خير الورى والمحتشد
ما الفضل عند الله في الجلوس * * * تحت الكسا هل من هدى مأنوس
قال مجيباً والذي بالرحمة * * * وبالهدى أرسلني في الأُمّة
ذا خبر يشيد الإمامة * * * يجعلكم لدينه الدعامة
يثبت فيكم عصمة المنّان * * * بما به من واضح البرهان
فيه حديث قدسه المبين * * * جاء به من عنده الأمين
ذا خبر من الأمين مستمع * * * ما ذكرت آياته في مجتمع
وفيه جمع شايعوا أولادي * * * لهم عليهم سمة الوداد
إلّا وفيهم حلّت الكرامة * * * من ذي العلى لفزعة القيامة
حفّت بهم ملائك الغفران * * * حلّت بهم نفائس الرحمن
واستغفرت لمن حواه المحفل * * * ممن إليه المنتهى والموئل
حلّت بهم رحمته ما داموا * * * إنّهم قاموا له أو صاموا
قال عليٌّ عند ذاك فزنا * * * بما حبانا ربُّنا سعدنا
كذاك فاز سعد الأبرار * * * شيعتنا وهم غداً أحرار
قال النبيّ والذي اصطفاني * * * أرسلني بالحقّ واجتباني
مبشّراً ومنذراً نجيّا * * * وداعياً وهادياً مرضيّا
ذا خبر بفضلنا ينادي * * * حياته للخلق والعباد
ما ذكرت في محفل ونادي * * * يجمع أهل الرشد والسداد
آياته الناصعة المنوّرة * * * محكمة عن فضلنا المعبّرة
وفيه جمع من ذوي الولاية * * * شيعتنا ومن لهم دراية
ومن لهم في لبّنا المكان * * * كما لنا في لبّهم حنان
وكان فيهم أحداً مهموماً * * * إلّا وكان همّه معدوماً
إن كان فيهم أحد ذا غمّ * * * إلّا وكان غمّه ذا عدم
ولم يكن ذا حاجة ومسألة * * * إلّا قضى ربُّ العلى الحاجة له
قال عليٌّ صاحب الولاية * * * من في غدٍ في كفه السقاية
فاز إذاً شيعتنا وفزنا * * * كسعدهم وربّنا سعدنا
دنياًً وأخرى كانت السعادة * * * ونبتغي من ذي العلى الزيادة
أعظم به كم رحمة أولاها * * * أعزز به كم نعمةً والاها
أحمده في السر والإعلان * * * أشكره بالفضل والإحسان
بهم علينا قد أتمّ النعمة * * * خالقنا فيا لها من رحمة
به أعوذ والكسا ومن حوى * * * وبالوليّ وحبّ من فيه ثوى
وبالهدى ومن به قد نزلا * * * وبالحديث وبمن له تلا
لهم أعيذ بدني من المرض * * * وصيّتي من كلّ داء وعرض
أعيذ ديني وكذاك أهلي * * * كذاك عملي أن يرى كالجهل
أختم ذا النظم بصلى الله * * * على محمّد وذي قرباه
أرجو بذاك الفوز والسعادة * * * أرجو بذاك العفو والرفادة
أرجو بذاك سعةً في المال * * * وعصمة في القول والفعال
حتّى أعود للجزا بلا ألم * * * وأئمن العقبى فلا أخشى الألم
محاور الأقطاب أصحاب الكسا * * * أرجو بهم ذاك المنى ملتمسا
وكلّها خالصة مقبولة * * * لحشرة نافعة مرحولة
بهم السلام وبه الختام * * * عليهم ما قامت الأعلام

منظومة السيّد محمد مهدي القزويني
هو السيّد أبو جعفر معزّ الدين محمّد مهدي الملقَّب بالقزويني علمٌ فذّ، وعلّامة جهبذ، وفقيهٌ متضلّع، جدّ الأسرة المعروفة بالحلّة اليوم.
وُلد في النجف سنة ١٢٢٢ هـ ونشأ فيها، فدرس العلوم على أعلامها واختصّ بالعلّامة الشيخ عليّ بن الشيخ جعفر صاحب كشف الغطاء، ولمزيد علميّته زوّجه من كريمته أُمّ الأشبال.
تلقّى علومه على فقهاء النجف وعلمائهم ومنهم:
١ـ الشيخ عليّ بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء وقد أذن له برواية كتابه (نفائس الأحكام).
٢ـ الشيخ موسى بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء.
٣ـ الشيخ حسن بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء.
٤ـ عمه السيّد باقر القزويني، وقد تتلمذ عليه ما يقرب من أربع وعشرين سنة وقد درس عليه أغلب العلوم العقليّة والنقليّة.
وتتلمذ عليه جمهرة من الأعلام الذين أصبحوا فيما بعد من العلماء والمراجع الكبار الذين يشار إليهم بالبنان والمعوّل عليهم في الحلّ والعقد في شؤون الطائفة ومنهم من استجاز منه وهم:
١ـ الشيخ حسين النوري.
٢ـ ولده السيّد محمد القزويني.
٣ـ الميرزا جعفر علي نقي الطباطبائي.
٤ـ الميرزا محمّد بن عبد الوهّاب الهمداني الكاظمي وغيرهم.
وتميّز بغزارة التأليف وجودته وتنوّعه، فقد كتب في أغلب العلوم المتداوَلة في زمانه من فقه وأصول ورجال ونحو وصرف وشرح أخبار وعقائد وتفسير، وهو يعدّ بحقّ مفخرة للجامعة العلميّة الشيعيّة إلّا أنّ من المؤسف جدّاً أنّ أغلب تصانيفه فُقدت نتيجة الحوادث التي مرّت بها بلدان الطائفة من إهمال وأمراض وفتن متلاحقة إضافة إلى إهمال المؤسّسات التحقيقيّة والمعاهد العلميّة في المدن الشيعيّة لما كتب وصنّف فالمتأمّل لقائمة مؤلّفاته لا يجد منها مطبوعاً إلّا القليل جداً وقد قام بطبعها أفراد تحمّلوا عبأ تحقيقها وإخراجها على عاتقهم.
توفّي قرب مدينة (السماوة) على بعد فرسخين منها عصر يوم الثلاثاء عند عودته من الحجّ في ١٣ ربيع الأوّل سنة ١٣٠٠هـ ونقل جثمانه إلى النجف فدفن في مقبرته الخاصّة قرب عمه السيّد باقر القزويني ورثاه الشعراء بقصائد كثيرة.
قال في نظم حديث الكساء:

روت لنا فاطمة خير النسا * * * حديث أهل الفضل أصحاب الكسا
تقول إنّ سيّد الأنام * * * قد جاءني يوماً من الأيّام
فقال لي إنّي أرى في بدني * * * ضعفاً أراه اليوم قد أنحلني
قومي عليّ بالكسا اليماني * * * وفيه غطّيني بلا تواني
قالت فجئته وقد لبّيته * * * مسرِعةً وبالكسا غطّيته
وكنت أرنو وجهه كالبدر * * * في أربع بعد ليالٍ عشر
فما مضى إلّا يسير من زمن * * * حتّى أتى أبو محمد الحسن
فقال يا أُمّاه إنّي أجد * * * رائحة طيّبة أعتقد
بأنّها رائحة النبيّ * * * أخي الوصيّ المرتضى عليّ
قلت نعم ها هو ذا تحت الكسا * * * من علّة مدّثر به اكتسى
فجاء نحوه ابنه مسلِّماً * * * مستأذِناً قال له ادخل كرماً
فما مضى غير القليل إلّا * * * وجاءني الحسين مستقلّا
فقال يا أُمّ أشمّ عندكِ * * * رائحةً كأنّها المسك الذكي
وحقّ من أولاك منه شرفا * * * أظنّها ريح النبيّ المصطفى
قلت نعم تحت الكسا هذا * * * بجنبه أخوك فيه لاذا
فجاء نحوه ابنه مستأذنا * * * مسلِّماً قال له ادخل معنا
فما مضت من ساعةٍ إلّا وقد * * * جاء أبوهما الغضنفر الأسد
أبو الأئمّة الهداة النجبا * * * المرتضى رابع أصحاب العبا
فقال يا سيّدة النساء * * * ومن بها زُوّجتُ في السماء
إنّي أشمّ في حماك رائحة * * * كأنّها الورد الندى فائحة
يحكي شذاها عرف سيّد البشر * * * وخير من طاف ولبّى واعتمر
قلت نعم تحت الكساء التحفا * * * وضمَّ شبليك وفيه اكتنفا
فجاء يستأذن منه قائلا * * * أأدخلنّ قال فادخل عاجلا
قالت فجئت نحوهم مسلِّمة * * * قال ادخلي محبوبة مكرَّمة
فعندما بهم أضاء الموضعُ * * * وكلّهم تحت الكساء اجتمعوا
نادى إله الخلق جلّ وعلا * * * يسمع أملاك السماوات العلى
أقسم بالعزّة والجلال * * * وبارتفاعي فوق كل عال
ما من سما خلقتها مبنيّة * * * وليس أرض في الثرى مدحيّة
ولا خلقت قمراً منيرا * * * كلّا ولا شمسا أضاءت نورا
كلا ولا خلقت بحراً يجري * * * ماءً ولا فُلك البحار تسري
إلّا لأجل من هم تحت الكسا * * * مَن لم يكن أمرهم ملتبسا
قال الأمين قلت يا ربّ ومن * * * تحت الكسا بحقّهم لنا أبن
فقال لي هم معدن الرسالة * * * ومهبط التنزيل والجلالة
وقال هم فاطمة وبعلها * * * والمصطفى والحسنان نسلها
فقلت: يا ربّ وهل تأذن لي * * * أن أهبط الأرض لذاك المنزل
فأغتدي تحت الكساء سادسا * * * كما جعلت خامساً وحارسا
قال اهبطن فجاءهم مسلما * * * مستأذناً يتلو عليهم (إنّما)
يقول إنّ الله خصّكم بها * * * معجزة لمن غدا منتبها
أقرأكم ربّ العُلا سلامه * * * وخصّكم بغاية الكرامة
وهو يقول معلناً ومفهما * * * أملاكه الغُرّ بما تقدّما
قال عليٌّ قلت يا حبيبي * * * ما لاجتماعنا هذا من النصيب
فقال والله الذي اصطفاني * * * وخصّني بالوحي واجتباني
ما أن جرى ذكر لهذا الخبر * * * في محفل الأشياع خير معشر
إلّا وأنزل الإله الرحمة * * * وفيه قد حفّت جنود جمّة
من الملائك الذين صدّقوا * * * تحرسهم في الأرض ما تفرّقوا
كلّا وليس فيهم مهموم * * * إلّا وعنه كشفت غموم
كلّا ولا طالب حاجة يرى * * * قضاءها عليه قد تعسّرا
إلّا قضى الله الكريم حاجته * * * وأنزل السرور فضلاً ساحته
قال عليٌّ نحن والأحباب * * * شيعتنا الذين قدماً طابوا
فزنا بما نلنا وربّ الكعبة * * * فليشكرنّ كل فرد ربّه
يا عجباً يستأذن الأمين * * * عليهم ويهجم الخؤون
قال سليم قلت: يا سلمان * * * هل دخلوا ولم يك استئذان
فقال: إي وعزّة الجبار * * * ليس على الزهراء من خمار
لكنها لاذت وراء الباب * * * رعاية للستر والحجاب
فمذ رأوها عصروها عصرة * * * كادت بروحي أن تموت حسرة
تصيح: يا فضة أسنديني * * * فقد وربّي قتلوا جنيني
فأسقطت بنت الهدى واحزنا * * * جنينها ذاك المسمّى محسنا

منظومة السيّد محيي الدين الغريفي
هو السيّد محيي الدين بن محمّد جواد، عالماً فاضلاً فقيهاً كاملاً، مجتهداً ورعاً، محبوب بين أهله وأقرانه.
ولد في النجف الأشرف سنة ١٣٥٠ للهجرة ونشأ في حجر والده حجّة الإسلام السيّد محمّد جواد الغريفي وأخذ عليه جميع المقدّمات.
هاجر إلى النجف سنة ١٣٧٦ للهجرة فأتمّ السطوح وحضر أبحاث السيّد محسن الحكيم والسيّد الخوئي، مجاز من والده والشيخ أغا بزرك الطهراني.
له من المؤلفات:
١ـ قواعد الحديث ط.
٢ـ آية التطهير ط.
٣ـ الاجتهاد والفتوى في زمن المعصوم وغيبته خ.
٤ـ الأخلاق الإسلاميّة خ.
٥ـ كتاب عن الأسرة الغريفيّة خ.
٦ـ الوقت والقبلة ط.
٧ـ ديوان شعر خ.
لبّى نداء ربّه في بغداد ١٣ شهر رمضان سنة ١٣١٢ للهجرة.
قال في نظم حديث الكساء:

روت لنا الطهر بنت المصطفى خبرا * * * بنقل خير ثقات كان معتبرا
تلك البتول التي قدراً سمت ورقت * * * عزّاً بخدمتها جبريل قد فخرا
قالت أتاني أبي يوماً وقال أيا * * * بنتاه للضعف في جسمي أرى أثرا
فقلت يا أبتي بالله عذتك من * * * ضعف دهاك فمنه القول قد صدرا
غطّي بنيّة جسمي بالكساء ومذ * * * غطّيته صرت منه أُكثر النظرا
إذ محيّاه تحكي البدر طلعته * * * في ليلةٍ بتمام النور قد ظهرا
فما انقضت ساعة حتّى أتى حسن * * * وبالسلام ابتدأني منه مبتشرا
ومذ رددت سلامي قلت يا ثمر الـ * * * ـفؤاد أهلاً ومن لي أصبح البصرا
فقال إنّي أشمّ اليوم رائحة * * * كأنّها ريح من أسري به سحرا
فقلت جدّك ذا تحت الكسا فأتى * * * مسلِّما واقفا للإذن منتظرا
فجاء إذن الدخول للزكيّ من الجَدّ * * * النبيّ وبالإكرام قد ظفرا
وما انقضت ساعة حتّى أتى ولدي * * * السبط الشهيد وبالتسليم قد بدرا
وقال رائحة في الدار طيّبة * * * أشمّ تعطي لريح المصطفى صوَرا
فقلت جدّك ذا والمجتبى حسن * * * تحت الكساء فراح السبط منحدرا
نحو الكساء ومذ بالمصطفى بصرا * * * أهداه منه سلاماً للهموم برا
وقال هل يأذن الجدّ الرسول بأن * * * مضاجعا لهما تحت الكساء أرى
فجاء الإذن من خير الورى وأتى * * * من بعده من به الإسلام قد نصرا
ذاك الوصي وحيّاني تحيّته * * * وقال ريح أخي في دارنا انتشرا
فقلت مع ولديك المصطفى التحفا * * * بذا الكساء اليمانيّ الذي ازدهرا
فجاء حيدرة يهدي السلام إلى * * * أخيه ذي الآية العظمى الذي كبرا
مستأذنا في أن يدخلنّ إلى * * * الكسا الذي لهم قد كان مدّخرا
أجابه ادخل أخي، قالت: فجئت أنا * * * من بعد ما دخلوا والبيت قد زهرا
وقلت من بعد أن سلّمت يا أبتي * * * هل أدخلن معكم تحت الكساء ترى
وبعد أن دخلت والخمسة اكتملوا * * * تحت الكساء وبهم ذاك الكسا ابتشرا
نادى الإله بسكّان السماء وبالـ * * * ـملائك السامعي الأمر أن أمرا
وعزّتي وجلالي ما خلقت سماً * * * ولا ثرىً لا ولا شمساً ولا قمرا
ولا سرى الفلك في بحر ولا فلك * * * في الجوّ دارَ ولا بحر ترون جرى
إلّا لحبّ كرام خمسة اجتمعوا * * * تحت الكسا الكون فيهم قد غدا نظرا
فقال جبريل يا ربّ العباد ومَن * * * تحت الكساء فأصغى كلّ من حضرا
فقال مَن بيتهم فيه النبوّة ومن * * * هم للرسالة أضحوا معدنا ذخرا
هم فاطمة الطهر وابناها ووالدها * * * وبعلها حيدر مَن شرّفوا مضرا
فقال جبريل للباري أتأذن لي * * * أن أهبطنّ لأغدو سادس الأُمرا
أجابه اهبط فجاء الروح ممتثلاً * * * يهدي السلام إلى خير الورى بشرا
وقال يقرؤك الله السلام وبالـ * * * ـإكرام خصّك يا من بلغ النذرا
وبالجلالة إنّي ما خلقت سما * * * أو بدراً أو شمساً بل ما دحوت ثرى
ولا جرى البحر في الدنيا وسار به * * * فلك ولا فلك في الخافقين سرى
إلّا لأجلكم والإذن منه بدت * * * لي بالدخول فهل لي ذاك أنت ترى
أجابه ادخل معي فيه ومذ دخل الـ * * * ـكسا الأمين وفي قرباهم افتخرا
 (أضحى يبلّغ إنّ الله طهّركم * * * وأذهب الرجس عنكم من برا البشرا)
فقال حيدر ما فضل الجلوس لنا * * * تحت الكسا يا رسول الله مختبرا
أجابه والذي بالحقّ أرسلني * * * ثمّ اصطفاني نجيّا ما روى الخبرا
بمحفل الأرض جمع فيه شيعتنا * * * ومن لنا مخلصاً أضحى ومنتصرا
إلّا وأنزل ربّ الخلق رحمته * * * عليهم فعليهم خيره انتثرا
وفيهم كرماً حفّت ملائكة * * * واستغفرت لهم فالذنب قد غُفرا
فقال حيدرة فزنا وشيعتنا * * * ورب ذا البيت مَن سبع السما فطرا
وأقسم المصطفى من بعد ذا علناً * * * بأن حديث الكسا في الأرض ما ذكرا
في محفل فيه أشياع لنا وبهم * * * مهموم إلّا وعنه الهمُّ قد دثرا
أو كان مغموم أو داع لحاجته * * * إلّا وفرّج عنه الغمّ واندحرا
فأقسم المرتضى فزنا وشيعتنا * * * كما سعدنا وهم نالوا بنا الظفرا
دنيا ويوم يقوم الناس أجمعهم * * * لربّهم كلّهم قد أشخصوا البصرا

منظومة السيّد عدنان شبّر الغريفي
(١٢٨٥- ١٣٤٠هـ)
السيّد عدنان بن شبّر بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن أحمد الغريفي، يتّصل نسبه بحسين الغريفي البحراني البصري، عالم فذّ وشاعر أديب، وُلد في المحمّرة عام ١٢٨٥هـ ـ ١٨٦٨م ونشأ بها يتيماً، حيث مات أبوه وهو ابن أربع سنين فكفله خاله السيّد سلمان وبعثته والدته إلى معلّمة علّمته حروف الهجاء، ولمّا أن شرعت في تعليمه وقالت له ألف نصب له فقال لها قفي ثمّ قرأ لها باقي الحروف بحركاتها.
وفي السنة الرابعة عشرة هاجر إلى النجف فدرس فيها أربعة عشر عاماً وتخرّج على علمائها فقرأ على السيّد عليّ البحراني والخارج عند الشيخ محمد طه نجف، وله عدّة مؤلَّفات قيّمة، منها: أنساب العرب و قبسة العجلان ومنظومة في الحجّ وأسراره، وغيرها، توفّي في الكاظميّة عام ١٣٤٠هـ ودُفن في الجهة الغربيّة من الصحن الحيدري.
قال في نظم حديث الكساء:

دع عنك حزواء واترك شعب سعدان * * * واستوقف العيس في أكناف كوفان
والثم ثرى بقعة أرست برفعتها * * * دعائم فوق غيوق وكيوان
واجعل شعارك لله الخشوع بها * * * ولذ بقبر إمام الإنس والجان
القادر القاهر الفرد العليّ ومن * * * قد أظهر الله فيه خير أديان
الأوّل الآخر العلاّم مَن * * * به الزبور وتوراة ابن عمران
الباطن الظاهر الحبر الذي شهدت * * * بما أقول به آيات قرآن
أصل الوجود وعين الواحد الأ حد * * * الربّ الودود ومردي كل شيطان
من يوشع الطهر موسى عند مفخره * * * من آصف الملك المولى سليمان
أخو الرسول أبو السبطين حيدرة * * * زوج البتول ومنجي المذنب الجاني
أولئك الغرّ أصحاب الكساء ومَن * * * قد باهل الله فيهم أهل نجران
يا طالباً للكساء شرحاً تبيّنه * * * اسمع مقالي وما أروي بتبياني
روى الثقات الكرام الصادقون لنا * * * رواية وردت عن خير نسوان
بنت الرسول البتول الطهر فاطمة * * * ذات الفخار وذات القدر والشان
أنّ النبيّ أتى يوماً لمنزلها * * * يشكو من الضعف شكوى المدنف العان
قالت: فقلت له إنّي أعيذك بـ * * * ـاللَّه المهيمن من ضعف وأهوان
فقال قومي وغطّيني بنيّة بـ * * * ـالكساء اليمانيّ فإنّ الضعف أضناني
قالت: فغطّيته مذ قال لي وإذا * * * ذاك المحيّا وذاك البدر سيّان
فما مضت ساعة إلّا وقد قدم * * * السبط الزكيّ لي عندي وحيّاني
وقال إنّي أشمّ اليوم رائحة * * * المختار جدّي بلا زور وبهتان
فقلت ها هو ذا تحت الكساء أيا * * * سرور قلبي ويا رَوحي وريحاني
فجاءه ثمّ حيّاه وقال: ألا * * * هل يأذن الجدّ أن أغدو له ثاني
فقال ادخل وكن تحت الكساء معي * * * يا نور عيني ويا روحي وجثماني
فما مضت ساعة من بعد ذا وإذا * * * السبط نجلي غريب الطف وافاني
وقال لي بعد أن حيّا تحيّته * * * مستبشراً جذلاً قولاً بإعلان
يا أُمّ إنّي أشمّ اليوم رائحة * * * لديك طيّبة أودت بأشجاني
كأنّها يا بنت المختار رائحة * * * الجدّ العطوف ونجل الطهر عدنان
فقلت ها هو ذا والمجتبى ولدي * * * أخوك تحت الكساء السامي ضجيعان
فجاءه ثمّ حيّاه وقال له: * * * هل يدخل اليوم أيضاً سبطك الثاني
فقال: ادخل وكن تحت الكساء معي * * * يا سلوة البضعة الزهراء وسلواني
قال وجاء أمير المؤمنين إلى * * * عندي سريعاً وحيّاني وناداني
يا بنت أكرم مبعوث لأُمّته * * * وأشرف الخلق من إنسٍ ومن جان
إنّي أشمّ لديك اليوم رائحة * * * الهادي أبوك ابن عمي خير خِلّاني
فقلت ها هو ذا تحت الكساء مع * * * السبطين بنيك يا حصني وأحصاني
فجاء نحو الكساء مستبشراً جذلا * * * مسلِّما غير كسلان ولا واني
وقال: هل يأذن الهادي النبيّ بأن * * * أكون تحت الكساء إن كان يهواني
فقال: ادخل أخي فيه وكن معنا * * * ذا اليوم يا خير مطعام ومطعان
قالت: فجئت أنا من بعد ما دخلوا * * * فيه وسلّمت تسليماً بإحسان
وقلت: هل يأذن البرّ العطوف أبي * * * لي بالدخول فأعطاني وغطّاني
قالت: فلمّا اجتمعنا فيه خمستنا * * * نادى الإله بإظهار وإعلان
يا ملائكتي الساكنين من * * * الغر الكرام سماواتي وأكوان
وعزّتي وجلالي ما خلقت سماً * * * مبنيّة لا ولا أرضاً وسكان
إلّا لحُبّ الكرام الخمس مَن جُمعوا * * * تحت الكساء بهذا الوقت والآن
فقال جبريل: مَن تحت الكساء أيا * * * ربَّ العباد ومولى كلّ سلطان
فقال هم أهل بيت للنبوّة بل * * * هم معدن لرسالاتي وخزّاني
هم فاطمة الزهرا ووالدها * * * وبعلها وبنوها آل عدنان
فقال جبريل يا ربّي أتأذن لي * * * أكون سادس ساداتي وأحزاني
فقال فاهبط وأبلغ للنبيّ أخي * * * القدر العليّ تحيّاتي ورضواني
قالت فجاء وحيّاه وقال ألا * * * إنّ العليّ الجليل القدر والشان
يقريك منه تحيّات معظمة * * * مشفوعة بكرامات وإيمان
وإنّه ما دحى أرضاً ولا خلق الـ * * * ـسبع الطباق بتشييد وبنيان
ولا جرى أبداً بحر وسار به * * * فلك ولا ضاء في الآفاق بدر نوراني
كلّا ولا دار في السبع العلى فلك * * * إلّا لأجلكم من غير بهتان
وقد رضي يا أخي أن أكون لكم * * * تحت الكساء هل أنت ترضاني
فقال ادخل فإنّي قد رضيت بما * * * يرضى الإله به يا خير إخواني
فعندها قال إنّ الله طهّركم * * * وأذهب الرجس عنكم خير منّان
قالت: فقال عليٌّ للنّبي ألا * * * يا أشرف الخلق من إنسٍ ومن جان
ما في الجلوس لنا تحت الكساء مِن * * * الفضل المعدّ لدى ربّي ورحماني
فقال اعلم ومن بالحقّ أرسلني * * * ثمّ اصطفاني ونبّاني ونجّاني
ما محفل جمع الأشياع وادّكروا * * * هذا الحديث يا خير إنسان
إلّا وقد أنزل الرحمن رحمته * * * عليهم وجزاهم خير إحسان
وحفّ فيهم إلى حين افتراقهم * * * غرّ الملائك من قاصٍ ومن دان
واستغفرت لهم عن كل ما اكتسبت * * * أيديهم وانثنوا عنهم بغفران
فقال والله قد فزنا وفاز بنا * * * أشياعنا والعدى بانت بخسران
وقال ما اجتمعت أشياعنا وتلت * * * هذا الحديث بتصديق وإيمان
وفيهم كان مهموم لنائبة * * * أو فيهم كان مغموم بأحزان
إلّا فرّج عنهم الهمّ وانكشفت * * * تلك الغموم وأضحى غير ولهان
فقال حيدر فزنا وخالقِنا * * * يوم القيام وفي الدنيا برضوان
وفاز شيعتنا طُرّاً وقد سعدوا * * * كما سعدنا بِحورٍ ثمّ وِلدان
يا منكراً فضل أصحاب الكسا سفهاً * * * وراغباً عنهم من غير برهان
سَلْ أُمّك العاهر للخنا إن صدقت * * * كم أشركت فيك من رجس وشيطان
إنّا عذرناك تصديقاً لسيّدنا * * * الهادي النبيّ وقد نادى بإعلان
إنّا لَقومٌ كرامٌ ليس يبغضنا * * * إلّا ابن زانية فَدْعاء أو زاني
وحرمة البيت والهادي وعترته * * * وتلك غاية أقسامي وأيماني
لو أجمع الناس طرّاً في محبّتهم * * * في الذرِّ لم يختلف في ذاك اثنان

وزاد في آخرها السيّد باقر بن محمد الهندي بيتين:

لم يخلق الله شأنا مثل شأنهم * * * هيهات هيهات فاخسأ أيُّها الشاني
ولا ابتلى أحداً مثل ابتلائهم * * * ففضلهم ورزاياهم بميزان

هذه المنظومة اختلف في نسبتها للسيد عدنان، فإنّي نقلتها من حاشية قبسة العجلان ولها قصّة طريفة أنقلها للقارئ الكريم كما وجدتها في حاشية القبسة:
يقول حميد الذاكر النجفي: طلبت من السيّد عدنان شبّر أن يؤلّف رسالة في الأحكام مختصرة كي نطبعها ويُستفاد منها، فألّف رسالة سماها (قبسة العجلان) وأعطانيها كي أطبعها، فتوانيت عن طبعها مدّة مشغولاً مع إخواني وكنت نائماً ذات ليلة فرأيت كأنَّ قائلاً يقول: ما لك يا حميد عن طبع الرسالة مشغول؟ فقمت لأدخل إلى الحجرة التي فيها الأسباب لآخذها وأكلّف بطبعها بعض الأصحاب، فلم أدخل إلّا ورأيت الشموع في تلك الحجرة معلّقة وجماعة من السادات بجناب السيّد محدقة وهو يقرأ حديث الكساء، إلّا أنّه بالشعر كما تقرؤه القرّاء، فالتفت إليّ بعض السادات وقال: اكتب هذا على حاشيتها لتكون حرزاً لك من البلاء وسلامة لمن حلّت في داره من الوباء، فانبهرت وأنا متعجّب مما رأيت، فلمّا أصبحت ونقلت ذلك إلى صاحب ذلك البيت تعجّب ودخل الدار، فأتى بأوراق مكتوب هذا الحديث الجليل، وإذا هو على وضع ما سمعته ليلاً من المصنّف الجليل عدنان، فقلت له: من أين لك هذا ولم أكن أره من قبل ولم تكن عندي نسخة وقد كنت متحيّراً في تحصيلها بأصفهان، فقال: إنّي رأيته العام في مجموعة عن بعض المؤمنين الكرام فنقلته عندي فلمّا أخبرتني برؤياك علمت أنّها من كرامات السيّد.
وقد أخبرني السيّد محمود ابن المرحوم المقدس الغريفي أنّ الأبيات ليست للسيّد عدنان وقد كتب رأيه هذا في كتابه مع النسب والنسّابين ومعجم مصطلحاتهم في ترجمة محمد الغيّاث الغريفي قائلاً: من شعره القصيدة التي تضمّنت حديث الكساء والتي مطلعها:

دع عنك حزواء واترك شعب سعدان * * * واستوقف العيس في أكناف كوفان

والتي نسبها العلامة السيّد عبد الرزاق المقرّم في كتابه (وفاة الصدّيقة الزهراء عليها السلام) إلى العلّامة السيّد عدنان بن شبر الغريفي قدس سره، والتي طبعت على حاشية رسالة السيّد عدنان، لكن من سياق كلام الناشر للرسالة والذي قدّم مقدّمة للقصيدة ـ لكرامة حصلت معه ـ أنّها للسيد عدنان الغريفي قدس سره، بل يستفاد من كلام السيّد عدنان مع الناشر نفيها عنه كما ذكر عمّنا الحجّة السيّد محيي الدين الغريفي قدس سره في كتابه (آية التطهير).
إلّا أنّ السيّد المقرّم لم ينفرد بنسبتها إلى السيّد عدنان بل نسبها إليه الحجّة في هذا الباب الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة قائلاً:

دع عنك حزواء واترك شعب سعدان * * * واستوقف العيس في أكناف كوفان

نظم حديث الكساء: لعدنان بن شبر أوله:
إلى تمام ٧٢ بيتاً.
وزاد في آخرها السيّد باقر بن محمد الهندي بيتين:

لم يخلق الله شأناً مثل شأنهم * * * هيهات هيهات فاخسأ أيُّها الشاني
ولا ابتلى أحداً مثل ابتلائهم * * * ففضلهم ورزاياهم بميزان

وقال في مكان آخر:
السيّد عدنان بن شبّر التستري البحراني، له نظم حديث الكساء، طبع في ١٣١٧هـ على صدر صفحات قبسة العجلان، رسالته في الطهارة والصلاة.
منظومة الشيخ مهدي الحجّار
الشيخ مهدي الحجّار، وُلد سنة ١٣٢٢هـ وتوفّي سنة ١٣٥٨هـ في النجف الأشرف. هو ابن داود بن سلمان بن إسماعيل، وكان جدّه سلمان وهّابياً ينتمي إلى فخذ الشيخان من عشيرة الجبور، العشيرة العراقيّة الساكنة في ناحية القاسم من قضاء الهاشميّة وفي الإسكندريّة، وكان أجداده ممّن سكن الإسكندريّة ثمّ انتقل سلمان إلى الكوفة سنة ١٣١٩هـ وعمل هناك في الحقول فلاّحاً مع الفلاّحين وفي هذه الفترة انتقل إلى المذهب الشيعيّ ثمّ توفّي سلمان في الكوفة تاركاً ولده داود والد المترجم، فوُلد لداود عدّة أولاد، منهم: عبد الرضا وكان يجيد نظم الشعر الشعبي، وهادي وكان نادباً للحسين عليه السلام، وكاظم ثمّ المترجم. وكان داود أُمّيّاً يشتغل باستخراج الأحجار من أنقاض الحيرة القديمة وبيعها في الكوفة ومن هنا لُقّب بالحجّار.
قرأ أوّل الأمر في الكوفة، ثمّ انتقل إلى النجف حيث تابع دراسته في المقدّمات ثمّ في الفقه والأصول، وكان من أساتذته الشيخ آغا ضياء العراقي والشيخ أحمد كاشف الغطاء والشيخ حسين النائيني والشيخ جواد البلاغي.
عاش فقيراً معوزاً ولكن عفيفاً مجدّاً، وكان كلّ ما حوله يثبط الهمم ولكنّه صمد للزمن صموداً كريماً فلم تثبط همّته حتّى غدا من أعلام النجف الأشرف فضلاً وعلماً وأدباً وشعراً، ولكن ظلّت حياته ضيّقة إلى أن احتضنه مرجع عصره السيّد أبو الحسن الأصفهاني، فأرسله معتمَداً من قِبله إلى ناحية المعقل في البصرة، وقد ظلّ في البصرة خمس عشرة سنة داعية صلاح ونصير إصلاح وفيها توفّي ونُقل جثمانه إلى النجف الأشرف، حيث دُفن في وادي السلام بعد أن صلّى عليه السيّد أبو الحسن الأصفهاني.
نظمه لحديث الكساء:

صلّوا على الخمسة أصحاب العبا * * * أفضل خلق الله أُمّاً وأبا
روت لنا البتول خير القصص * * * حديث سبطيها وطه والوصي
قالت أتاني والدي محمّدُ * * * فقال يا بنتاه ضعفاً أجدُ
فقلت عوّذتك بالرحمن * * * يا أبتاه من طارق الزمان
فقال يا بنتاه ناوليني * * * الكسا اليماني وبه غطّيني
فلمّا تغطّى به صرت أنظر * * * لوجهه كالبدر حين يسفر
فما تمضّت ساعة من الزمن * * * حتّى أتى قُرّة عيني الحسن
فقال يا أُمّاه ما هذا الشذا * * * جدّي هنا؟ قلت بلى ها هو ذا
فجاء نحو جدّه ملتمسا * * * بأن يكون معه تحت الكسا
مسلِّما عليه بالتبجيل * * * مستأذِناً عليه بالدخول
فقال يا ريحانتي وشيحي * * * ادخل معي فأنت روح الروح
فما استمر ساعة من أمده * * * حتّى أتى الشهيد فلذة كبده
وبالسلام بعدما حيّاني * * * يا أُمُّ يا سيّدتي ناداني
إنّي أشمُّ نفحةً في الدار * * * كأنّها رائحة المختار
قلت أجل يا ولدي إنَّ أبي * * * وابني في هذا الكسا مختبي
فقال وهو السرور يبدي * * * عليك صلّى ربّنا يا جدّي
تأذن يا جدّاه بالدخول * * * قال نعم وأنعم القبول
ألست منّي يا حسين وأنا * * * منك فما الحاجة أن تستاذنا
ثمّ أتى من بعدهم عليُّ * * * أبو الحسين السيّد الوصيُّ
فقال يا فاطمة الوصيّة * * * عليكِ منّي أفضل التحيّة
أشمّ في دارك خير شمِّ * * * كأنّها رائحة ابن عمّي
قلت أجل إنَّ أخاك المصطفى * * * وابناك في هذا الكساء التحفا
فأقبل الكرار خير البشر * * * بعد النبيّ الطاهر المطهَّر
وبالصلاة والسلام جاء معلنا * * * على النبيّ ثمّ منه قد دنا
قال أخي تأذن أن أغدو معك * * * قال بلى أخي قد أذنت لك
فادخل فأنت يا عليّ منّي * * * هارون من موسى فبلّغ عنّي
ثمّ أتت سيّدة النساء * * * من بعدهم تمشي إلى الكساء
وافتتحت بأفضل السلام * * * على أبيها سيّد الأنام
وبعد ذاك استاذنت عليه * * * بأن تضمّ نفسها إليه
فقال يا بضعة خير الرسل * * * ريحانتي أنتِ هلمّي فادخلي
فقال لمّا اكتملوا واجتمعوا * * * ربُّ السما يا ساكنيها فاسمعوا
وعزّتي ورفعتي وجودي * * * أهل الكساء علّة الوجودِ
لولاهم لم أخلق الأملاكا * * * كلّا ولا النجوم والأفلاكا
كلّا ولا أرضاً ولا سماً ولا * * * شمساً ولا بدراً ولا كان الملا
غاية خلقي للورى حبُّهم * * * فقال جبريل إلهي مَن هم
قال هم خمسة طه * * * وفاطم وبعلها وابناها
فقال جبرائيل يا ربّ العلى * * * تأذن لي عليهم أن أنزلا
لكي أكون سادس الأشباح * * * قال إذن تفوز بالنجاح
فانزل عليهم واتل قولي (إنّما * * * يريد تطهيركم ربّ السما)
فجاء وهو رافع للصوت * * * بآية التطهير لأهل البيت
وقال يا من قد هدى الأناما * * * ربّ السما يقرؤك السلاما
وهو يقول لك إي وحقّي * * * من أجل حبّكم خلقت خلقي
وإنّه أذن بالمصير * * * كي أكون سادس العشير
فهل ترى لي يا نبيّ الرحمة * * * بأن أكون معكم للخدمة
قال نعم حبيبي يا جبريل * * * ادخل فقد جاز لك الدخول
فعندها قال عليٌّ ذو العُلى * * * لأحمد المختار مولى الملا
بيّن لنا يا عليَّ الجنابِ * * * ما لجلوسنا من الثوابِ
فقال وهو الصادقُ الأمينُ * * * وعنه يُروى الخبرُ اليقينُ
حديثنا ما ذكرته الأُمّة * * * في محفلٍ إلّا ونالوا الرحمة
ولا دعا اللهَ به مهمومُ * * * إلّا وعنه زالت الهمومُ
 وطالباً لحاجة إن دعا به * * * فوراً يرى قضاءها من ربّه
قال فزنا إذن وربّ الكعبة * * * ونالت الشيعة أعلى رتبة

منظومة الشيخ علي الجشّي
(١٢٩٦ ـ ١٣٧٦ هـ)
العلّامة الشيخ عليّ بن حسن بن محمد بن يوسف بن محمد ابن عليّ بن ناصر آل الجشّي.
وُلد في القطيف فنشأ وترعرع في حجر والده وكان تقيّاً ورعاً على جانبٍ عظيمٍ من الإباء، فغذّى فلذّة كبده بالتقى والصلاح وأسّس في نفسه أساس الشرف والفضيلة وتدرّج في أحضان الكمال والنبوغ، فأصبح بفطرته محبّاً للعلم والأدب وأهّلهُ لذلك عقله الوافر الثاقب.
درس المبادئ الأوّليّة في وطنه على جملة من علمائها، منهم:
الشيخ عليّ أبي الحسن.
الشيخ عليّ أبي عبد الكريم.
السيّد ماجد القطيفي.
هاجر إلى النجف الأشرف وحضر على جملة من عباقرها وثلّة من أكابرها، حتّى شرب كأس العلم دهاقاً فروى ظمأه العلمي.
توفّي شاعرنا سنة ١٣٧٦هـ.
له آثار جليلة منها:
(منظومة في أصول الفقه) وهي وحيدة في بابها.
كتاب العقائد سمّاه (الأنوار).
منظومة في التوحيد والشواهد المنبريّة المطبوع سنة ١٣٦٠هـ.
ديوانه الكبير المحتوي على ثمانية آلاف بيت المطبوع سنة ١٣٨٣ه(١١١).
قال ناظماً حديث الكساء:

أحمَدُ مَن علّل ما أنشا بحب * * * محمّد وأهل بيته الحجب
فإنّهم أنفسه قد اصطنع * * * وما سواهم لهم قد ابتدع
عليهم الصلاة ما أسدى النعم * * * في حبّهم على الورى باري النسم
وبعد فالراجي لعفو ذي المنن * * * بحبّهم وإن له الذنب وهن
عليٌّ الجشّي نجل الحسن * * * يقول ربّي بالولا أكرمني
غذّى به جسمي صغيراً في اللبن * * * وعندما كبرت بالبرهان مَنّ
وزادني بصيرةً ومعرفة * * * فتمَّ داعي الحبِّ ذاتاً وصفة
فلم يكن شيء أحبّ عندي * * * من خدمتي لهم بكلّ جهدي
وإنّ فضل المصطفى والآل لم * * * يحط بكنهه سوى باري النسم
فرمت أن أنظم بعض ما ورد * * * تلذّذاً بذكرهم وإن يعد
فلم أجد مدحاً إليهم يذكر * * * إلّا معاداً نشرته الزبر
وما بدا للخلق حتّى الرسل * * * سوى مقامات رسوم الفضل
وإن تكن لو أنّ فارضاً فرض * * * ما بينها قيس فذات وعرض
قد جاوز الإحصاء ما منها انتشر * * * وإن يكن أكثر ما بدا استتر
أخفى العدى بغضاً لهم ومن أحبّ * * * أخفى لما يعلم من خوف العطب
وكونهم علّة خلق ما وجد * * * منقبة من عدد ليس يحد
هذا حديثهم غداة اجتمعوا * * * تحت الكسا نور هداه يلمع
وإن يكن في الظاهر البعض به * * * قد خصّ لكن عمّهم فانتبه
ومك به معنى دقيقاً قد بطن * * * تقاصرت من دون فهمه الفطن
وبعض ما منها علمنا لم يبح * * * إبداؤه وما ترى رشح طفح
وهو إن أبان أسنى شرف * * * فإنّه من ألف لم تعطف
قد شاع بين الشيعة الأبرار * * * ولم يزل غضّاً مع التكرار
وهو دواء دائهم عند المرض * * * ومُذهب لغمّهم إذا عرض
قد سبكت فيه سبائك الذهب * * * في النظم قومٌ أهل فضلٍ وأدب
فرمت أنّني أعدَّ في العدد * * * ولا تلم من جاد بالذي وجد
والورد أنواع لكلٍّ رائحة * * * متى شممتها تجدها فائحة
روى لنا عن معدن الأسرار * * * بضعة طه مظهر الأنوار
قالت أبي المختار سلطان الرسل * * * عليَّ في المنزل يوماً قد دخل
فقال لي في بدني ضعفاً أجد * * * قلت كفيت بالإله ما تجد
قال عليَّ بالكسا اليماني * * * كيما تغطّي بالكسا جثماني
قالت فغطّيت أبي ولم أزل * * * ناظرة إليه إذ أضا المحل
ووجهه يسطع منه النور * * * كالبدر في تمامه ينير
فما مضت ساعة إلّا وأتى * * * قرّة عيني المجتبى خير فتى
فقال يا أُمّ ويا بنت الهدى * * * عليكِ منّي السلام سرمدا
قالت بنيّ والسلام الأسنى * * * عليك يا مَن تمّ حسناً معنى
فقال يا أُمّاه إنّي لأشم * * * رائحة بطيبها تحيى الرمم
كأنّها تضوعت من أحمدا * * * جدي فمثل طيبة لن يوجدا
قالت نعم ها جدك المختار * * * تحت الكسا وهو له دثار
قال السلام من إله العالم * * * عليك يا سيّد ولد آدم
وقال هل أدخل يا أفضل من * * * كان بِكُنْ قال أجل بُنَي حسن
تقول ثمّ جاء من بعد الحسن * * * قُرّة عيني الشهيد الممتحَن
وبالسلام افتتح الكلاما * * * أجبته بردّه إكراما
فقال إنّي لأشم رائحة * * * كأنّها من طيب جدّي فائحة
قلت نعم جدك مع أخيكا * * * تحت الكسا بمهجتي أفديكا
ثمّ دنا وكرّر السلاما * * * على النبيّ جدّه إعظاما
واستاذن النبيَّ في الدخول * * * قال له ادخل في لقاك سؤلي
قالت فعند ذاك جاء المؤتمن * * * نفس النبيّ المصطفى أبو الحسن
قال السلام بضعة المختار * * * عليكِ في الأدوار والأكوار
قلت وهكذا السلام الدائم * * * عليك ما قامت بك العوالم
فقال لي أشمّ طيباً فاح لم * * * أخله إلّا طيب صهري وابن عم
قلت نعم ها هو مع نجليك قد * * * ضمّهم الكساء يا باب الرشد
هناك أقبل الوصيّ المرتضى * * * يؤمُّ خير مصطفى ومرتضى
قال عليك منّي السلام ما * * * قرّت بك الأرض وقامت السما
وقال هل أدخل معك يا ابن عم * * * قال نعم أنت شقيقي في القدم
ثمّ دنت والدة السبطين * * * كفو الوصي مجمع البحرين
تكرّر السلام والمخاطبة * * * بيا رسول الله طورا وأبه
يا من له الولاية الكبرى أهَل * * * تأذن بالدخول لي قال أجل
قالت فلما اكتملوا تحت الكسا * * * وفيهم طاول حتى الأطلسا
لم تدر ما هذا الكساء جمع * * * إذ ضمّ خيرَ من له الباري ابتدع
طوى مكارماً وأسرار جمع * * * لنشرها فضا الوجود لم يسع
وكم لهذا الاجتماع من أثر * * * مبارك عمَّ الوجود واستمر
وقد تجلّى الله للتنويه في * * * سمائه بما حووا من شرف
أوحى هناك مالك الأملاك * * * إليهم يا ساكني أفلاكي
وعزّتي وبجلالي لم أكن * * * أوجد موجداً من الخلق بِكُن
وما رفعت من سما مبنيّة * * * ولا دحوت أرضها المدحيّة
ولم يكن من قمر منير * * * ولم تكن شمس تضيء بالنور
ولم يكن من فلك دوار * * * أو أبحر تجري وفلك ساري
إلّا وكان في محبّة الأولى * * * تحت الكساء اجتمعوا أهل الولا
فهؤلاء الخمسة الذين هم * * * تحت الكساء رحمتي بهم تعم
فدلّ أن لولاهم لم يكن * * * في الأرض والسماء من مكون
إذ كل شىء للمكان مفتقر * * * وبانتفاه ينتفي ما يفتقر
فقال جبريل ومَن تحت الكسا * * * يا ربِّ قال ربّنا تقدّسا
هم من لهم بيت النبوة انتسب * * * ومعدن الرسالة السامي لقب
هم فاطم والمصطفى أبوها * * * وبعلها وخيرتي بنوها
وإنَّ تقديم الجليل الزهرا * * * عليهم ذكراً أبان سرّا
لا يسع التصريح لكن من فهم * * * بأنّها أُمّ أبيها يغتنم
فقال جبريل فهل تأذن أن * * * أكون سادساً لهم يا ذا المنن
أراد أن يجعل جلّ منصبه * * * متمّماً لما اقتضته المرتبة
قال نعم هنا لكم تنزّلا * * * مسلِّما ينهي سلام ذي العلا
وهو يقول ثمّ قصّ ما مضى * * * وإنّه جاء يبلّغ الرضا
فهل ترى يا صاحب الولاية * * * تأذن لي حتّى أنال الغاية
 وربّما يسأل سائل فطن * * * لم يطلب الإذن وربّه أذن
قلت هنا أجوبة تنوّعت * * * لكنّها عند واحد تفرّعت
الإذن لم يحوّل الماهيّة * * * في الروح بل للمصطفى العلّيّة
وإنّ للعلّة أعلى هيمنة * * * فيستحيل أن تزول السلطنة
قال إليك قد أذنت فدخل * * * فقال قد أوحى لكم عزّ وجل
وهو يقول إنّما يريد * * * بها خصصتم ولكم مزيد
بوحي جلّ لها اقتضى المحل * * * حيث أبانت من جعلهم علل
دلّت بأن ليس سواهم اتصف * * * بما تضمّنت لعمري من شرف
قد أذهب الرجس وبالتطهير من * * * فلم يشب كمالهم نقص درن
فتمّ فيهم اقتضا الإيجاد * * * من الحكيم المطلق الجواد
وغيرهم ما تمّ فيه الاقتضا * * * إلّا إذا شاؤوا فهم سرّ القضا
وكم لذي الآية من أسرار * * * يرجع عنها ثاقب الأفكار
قال عليٌّ وهو الباب لِما * * * مدينة العلم حوت مستفهما
ما لجلوسنا من الفضل لدى * * * ربِّ الورى يا خير داعٍ للهدى
أراد تبياناً بأن لم يصدر * * * فعل لهم آناً خلا من مفخر
إذا قصرت أفعالها فيما يشا * * * خالقها فكلّما شاء تشا
والله جلّ لم يشأ أمراً خلا * * * من حكمةٍ ولم يكن معلّلا
فقال خير مخبر أمين * * * يؤكّد الأخبار باليمين
ليعلم المؤمن أنّ للخبر * * * منزلة شامخة ذات خطر
فيطمئنّ وينال ما قصد * * * إذ نُجحه نيط بحسن المعتقد
قال ومن صيّرني نبيّا * * * وبالرسالة اصطفى نجيّا
لم تذكر الشيعة هذا الخبرا * * * بمجمع إليهم فوق الثرى
إلّا عليهم أنزل الجبار * * * رحمته والملك الأبرار
حفّت بهم واستغفرت لهم إلى * * * أن يتفرّقوا بأمر ذي العلى
قال إذن فزنا وربّ الكعبة * * * ومن لنا يدين بالمحبّة
قال وقد أقسم بالذي سبق * * * خير نبيّ لم يفه إلّا بحقّ
وما بهم مهموم أو مغموم * * * إلّا وزال الغمّ والهموم
ولم يكن من طالب لحاجة * * * إلّا قضى الربّ الكريم الحاجة
فقال فزنا وسعدنا المرتضى * * * دنيا وعقبى والذي لنا ارتضى
وهكذا شيعتنا فازوا بنا * * * في النشأتين وبنا نالوا المنى
لا غرو أن أدرك من أحبّهم * * * أسنى المنى فالكون خلقه لهم
لكن الأمر العجيب المثكل * * * عن منصب الولا راحت تعزل
فبينما هم ولاة الأُمّة * * * عادت من الذلّ محلّ الرحمة
قال عدي ما رحمت أحداً * * * كرحمتي للمرتضى بين العدا
لبب قسراً علناً لم يحتشم * * * كأنّه للمصطفى ليس ابن عم
يساق بالعنف إلى العجل ولم * * * تجد له ناصراً يرعى الذمم
حتّى إذا اجتازوا على قبر النبي * * * وهو يقاد يا بنفسي وأبي
فمذ رنا القبر الشريف نادى ابن أُم * * * أخوك بين القوم أمسى مهتظم
كأنّني به لما عراه * * * قد صاح وا غوثاه وا أخاه
فحقّ أن نسعد فيه المصطفى * * * ولنبكه من حزن تأسّفا
إذ أوقفوه وقفة العبد على * * * رأس ابن عتيق بأبي مولى الملا
وقيل بايعْ قال إن لم أفعلِ * * * قيل إذن تُقتل جهراً يا علي
ولم يكن قصدهم المبايعة * * * بل قتله إذ يظهر الممانعة
وقتل سبطي الهدى والزهرا * * * كي لا يروا لخير هادٍ ذِكرا
ألا ترى ناراً عليهم أضرموا * * * في بيتهم وما رَعوا حقّهم
لكن أبت مشيّة الجبار * * * حيث هم سرُّ الوجود الساري

بيليوغرافيا التأليفات في حديث الكساء
أحدث حديث الكساء حركة علميّة واسعة في أوساط العلماء والمحقّقين، فمن بين تحقيق إلى تأليف وحتى النظم إلى غيرها من الجهود المبذولة في توثيقات الحديث، ولعلّ المتابع سيجد كمّاً هائلاً من الأعمال الأدبيّة والعلميّة التي أسهمت في تقديم حديث الكساء وأودعته في خزاناتها العلميّة، حتّى صار لحديث الكساء شخصيّته المستقلّة الخاصّة به، أو قُل علماً مستقلاً من علوم الحديث، لِما كان لهذا الحديث من أهمّيّة في المعارف والعقائد والأدب والتاريخ إلى غير ذلك من مناحي الجهد العلمي ولم يقتصر الجهد العلمي والتحقيقي في حديث الكساء على لونٍ واحدٍ فقط، بل تعدّدت هذه الجهود حتّى أوقفنا المحقّق الأستاذ إسماعيل الأنصاري على الجهود المقدّمة في هذا الشأن واستصقى استقصاءً شبه تام عن المؤلّفات التي ألّفت في حديث الكساء وأودعها في موسوعته القيّمة الموسومة (الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء عليها السلام) وقد وقفت بدوري على ما أُلِّف بعد نشر هذه الموسوعة، وسأكتفي بما قدّمه الأستاذ الأنصاري من جهدٍ مشكورٍ ضمَّ أكثر المؤلَّفات والأعمال في هذا الشأن.
إلّا أنّ الملاحظ أنّ الكتب المنشورة في هذا المجال كانت باللغة الفارسيّة خصوصاً في شروحات هذا الحديث، لذا أشرنا في عنوان كتابنا هذا بأنّه أوّل شرح لحديث الكساء، أي باللغة العربية، ولا يعني أنّ علمائنا ومحقّقينا قد أغفلوا ذلك، بل كون هؤلاء كانوا تحت نير السلطات الظالمة التي لم تسمح بمثل هذه الجهود، ومحاولة إلغائها، وأحسب أنّ الأكثر قد كتب في حديث الكساء إلّا أنّه لم يستطع نشره خوفاً من الرقيب السلطوي الذي حبس الأنفاس وحاصر الجهود، وسنشير إلى بعض هذه الجهود وكما وردت في موسوعة الأنصاري:
١. ترجمة حديث شريف كساء (منظوم)، غلامرضا الأسدي، فارسي، مخطوط.
٢. ترجمة حديث كساء، بدايع نكار الخراساني، فارسي، مطبوع.
٣. ترجمة حديث كساء، السيّد زوَّار حسين الميرزابوري، اردو، مطبوع.
٤. ترجمة حديث كساء، السيّد آغا مهدي اللكنهوئي، أردو، مطبوع.
٥. ترجمة حديث كساء، السيّد محمد تقي عرف مجن، اردو، مطبوع.
٦. ترجمة حديث كساء، المؤلف:؟، اردو، مطبوع.
٧. ترجمة حديث كساء، عباس مصباح زاده، فارسي، مطبوع.
٨. ترجمة حديث كساء، محمود الأشرفي التبريزي، فارسي، مطبوع.
٩. ترجمة حديث كساء، مقرب علي خان الحسيني الزائر، اردو، مطبوع.
١٠. ترجمة حديث كساء، السيّد مرتضى حسين الموسوي بن سجاد حسين اللكنهوئي، اردو، مطبوع.
١١. ترجمة حديث كساء، المؤلف:؟، فارسي، مخطوط.
١٢. ترجمة حديث كساء منظوم، السيّد قمر عباس الرضوي القمي، اردو، مطبوع.
١٣. ترجمة حديث كساء وخواص آن، المؤلف:؟، فارسي، مخطوط.
١٤. ترجمة حديث لوح فاطمة، أحمد البروجردي الجواهري، فارسي، مطبوع.
١٥. حديث شريف كساء، إسماعيل إسماعيل نجاد، فارسي، مطبوع.
١٦. حديث شريف كساء، المؤلف:؟، فارسي، مطبوع.
١٧. حديث شريف كساء، محمد صادق الأُميدواري، فارسي، مطبوع.
١٨. حديث شريف كساء، فاطمة الإمام الدزفولي، فارسي، مطبوع.
١٩. حديث شريف كساء، السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي، فارسي، مطبوع.
٢٠. حديث شريف كساء، محمد الصدوقي، فارسي، مطبوع.
٢١. حديث شريف كساء، نشر عفت، فارسي، مطبوع.
٢٢. حديث شريف كساء، نشر الهلال، فارسي، مطبوع.
٢٣. حديث شريف كساء، عباس القمي، فارسي، مطبوع.
٢٤. حديث شريف كساء، المترجم: مهدي الإلهي القمشه اي، فارسي، مطبوع.
٢٥. حديث شريف كساء، عبدالحسين الأشعري، فارسي، مطبوع.
٢٦. حديث شريف كساء مترجم، السيّد ضياء الدين التنكابني، فارسي، مطبوع.
٢٧. حديث شريف كساء منظوم، قنبر، فارسي، مخطوط.
٢٨. حديث شريف كساء منظوم، شرف الدين جعفر بن محمد باقر الشوشتري، عربي، مطبوع.
٢٩. حديث شريف كساء يا شفيعي مطمئن، السيّد جمال الدين الأسترآبادي، فارسي، مطبوع.
٣٠. حديث كساء، نشر جمال، فارسي، مطبوع.
٣١. حديث كساء، سالم الدزفولي، فارسي، مطبوع.
٣٢. حديث كساء، منشورات لوح محفوظ، فارسي، مطبوع.
٣٣. حديث كساء، نشر دار الثقلين، فارسي، مطبوع.
٣٤. حديث كساء، علي أكبر التلاقي، فارسي، مطبوع.
٣٥. حديث كساء، السيّد محمد الرياضي، فارسي، مطبوع.
٣٦. حديث كساء، المترجم:؟، تركي إستنبولي، مطبوع.
٣٧. حديث الكساء، إيمان الكحيل، عربي، مطبوع.
٣٨. حديث كساء، المؤلف:؟، فارسي، مخطوط.
٣٩. حديث كساء، رضا ولي زاده، فارسي، مطبوع.
٤٠. حديث كساء، المؤتمر العالمي لفاطمة الزهراء، فارسي، مطبوع.
٤١. حديث كساء، المؤلف:؟، فارسي، مطبوع.
٤٢. حديث كساء، مؤسسة الجليل، فارسي، مطبوع.
٤٣. حديث كساء، السيّد فرمان علي، اردو، مطبوع.
٤٤. حديث كساء، المؤلف:؟، اردو، مطبوع.
٤٥. حديث كساء، محمد حسين البيكلربيكي تاج بخش، فارسي، مطبوع.
٤٦. حديث كساء، جواد، فارسي، مطبوع.
٤٧. حديث كساء، السيّد علي حسن أختر، اردو، مطبوع.
٤٨. حديث كساء، محمد تقي البافقي، فارسي، مطبوع.
٤٩. حديث كساء، وزارة الارشاد، فارسي، مطبوع.
٥٠. حديث كساء، زلفعلي، البختياري، فارسي (لُرى)، مطبوع.
٥١. حديث كساء، علي محمد الخسروي الناصح، فارسي، مطبوع.
٥٢. حديث كساء، حسين علي بن محمد تقي السائل الخوئي، فارسي، مطبوع.
٥٣. حديث الكساء، مؤسسة الإمام علي، سواحلي، مطبوع.
٥٤. حديث كساء، المؤلف:؟، فارسي، مطبوع.
٥٥. حديث كساء، المؤلف:؟، فارسي، مطبوع.
٥٦. حديث كساء، علي النصر آبادي الناصري، فارسي، مطبوع.
٥٧. حديث كساء، المترجم: السيّد زوار حسين الميروابوري، اردو، مطبوع
٥٨. حديث الكساء، ضياء الأعلمي، عربي، مطبوع.
٥٩. حديث كساء (منظوم)، محمد باقر الصامت البروجوردي، فارسي، مخطوط.
٦٠. حديث الكساء في كتب مدرسة الخلفاء ومدرسة أهل البيت، جبار الخلفي، عربي، مطبوع.
٦١. حديث الكساء في مصادره، السيّد جعفر العاملي، عربي، مطبوع.
٦٢. حديث كساء منظوم، السيّد زوار حسين البنارسي، اردو، مطبوع.
٦٣. حديث كساء منظوم، السيّد علي حسن صاحب أختر الأمروهي، اردو، مطبوع.
٦٤. حديث كساء منظوم، زوار، اردو، مطبوع.
٦٥. حديث كساء منظوم، السيّد محمد شاه الركني الدزفولي، فارسي، مطبوع.
٦٦. حديث كساء منظوم، مقبول أحمد الدهلوي، اردو، مطبوع.
٦٧. حديث كساء منظوم، ميرزا آقا الولادي الوافي، فارسي، مطبوع.
٦٨. حديث كساء منظوم، عبدالحسين، فارسي، مطبوع.
٦٩. حديث كساء منظوم، رضا قلي بن ميرزا بزرك النوري المازنداني (مشرق)، فارسي، مطبوع.
٧٠. حديث كساء منظوم، علي الخاموش اليزدي، فارسي، مخطوط.


 

 

 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) عوالم العلوم للشيخ عبد الله البحراني والعبارة مأخوذة من مستدركات العوالم للسيد محمد باقر الأبطحي محقّق الكتاب ومستدركه ٦٣٨.
(٢) معين النبيه في بيان رجال من لا يحضره الفقيه للشيخ ياسين البلادي البحراني:٢٤٦.
(٣) تنقيح المقال في باب القاسم.
(٤) تنقيح المقال في باب القاسم.
(٥) إحقاق الحق ٢: ٥٥٨.
(٦) المستدرك على الصحيحين ـ للحافظ النيسابوري ـ ١: ٥٦، دار الكتاب العربي، بيروت.
(٧) الاستماع للسيدة فاطمة من قبل جابر كان من وراء حجاب, ولا ضير أن يكون جابراً قد أخذ الحديث عن السيدة فاطمة عليها السلام بعد أن تحرّى فضائل أهل البيت عليهم السلام, وبما أنّ وقائع الحديث كان لها احترامها من قبل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لأهميّة الحدث وخطورته في إثبات مقاماتهم وشؤونهم الملكوتيّة, فقد دفع حرص جابر إلى أن يتحرّى الأمر ويستمع مجريات الأحداث من قبل فاطمة عليها السلام, ولعلّ من يشكل أنّ جابر كان بوسعه التحرّي من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أو الإمام أمير المؤمنين أو الحسنين عليهما السلام في واقعة الكساء فلماذا لم يسأل منهم عليهم السلام.
نقول: إنّ سؤاله فاطمة عليها السلام بعد أن أحيل إليها يظهر منه بيان مقام فاطمة عليها السلام ولتكون الأنظار متّجهة إليها, ولئلّا يغمط حقّها وليعرف قدرها أمام الملأ بعد أن يتداولها الناس, وبذلك يتوجّه الناس إلى مقامها وشأنها عليها السلام. لذا كان سؤال جابر مباشرة من فاطمة عليها السلام ليكون راوياً لأحداث ما سمعه عنها صلوات الله عليها.
كما أن ذلك إثبات لمقامها العلمي، ومعلوم أنّ مقامها العلمي هو إحدى مراتب حجّيتها عليها السلام وقد حرص النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على بيان إثباته وتأكيده.
(٨) لم تحدّد الرواية ماهية هذا الضعف, هل هو كناية عن مرضٍ كان يشتكي منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ أم هو عارضٌ من الضعف اعترضه لما كان يجد صلى الله عليه وآله وسلم من الحاجة إلى الطعام الذي كان صلى الله عليه وآله وسلم يفتقده في أكثر أوقاته؟ لكن ظاهر الحديث أنّ الضعف الذي يعترض الأبدان لتعبٍ أو قلّة طعام غير مسبوق بمرض ولعلّه هو الأقرب.
ويمكن أن يقال: إنّ التعب الذي اعتراه أو يعتريه هو تعب الغشية التي تصيبه صلى الله عليه وآله وسلم، ففي أحيان كثير تراوده صلى الله عليه وآله وسلم تلك الغشية حتى يحمرّ وجهه ويتصبّب عرقاً ويثقل ويجد في نفسه الضعف، وهي حالة ليس نزول جبرئيل فيها، فلا تأثير لجبرئيل عليه صلوات الله وسلامه عليه بل أحواله وقابلياته أعظم وأقوى وأشدّ من جبرئيل وليس لجبرئيل إلّا التبليغ والتشرّف بين يديه، حتّى ورد أنّه يجلس بين يدي رسول الله جلسة العبد، تواضعاً واستكانة. أمّا الغشية فهي مما لم يكن بين الله وبينه حجاب فقد سأل زرارة الإمام الصادق عليه السلام عن ذلك، حيث قال له: (جُعلت فداك، الغشية التي كانت تصيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا نزل عليه الوحي. فقال: ذلك إذا لم يكن بينه وبين الله أحد، ذاك إذا تجلّى الله له. ثمّ قال: تلك النبوة يا زرارة، وأقبل يتخشّع (أسرار حديث الكساء عن توحيد الصدوق: ١١٥ والبحار ١٨: ٢٥٦).
ومعلوم أنّ البنية البشريّة لا تحتمل هذا الأثر القدسي من الغشية، فمهما كانت الأبدان من النورانيّة إلّا أنّها تخشع لله ويصيبها ما يصيبها من الضعف، ألا ترى عندما صُقع نبيّ الله موسى ومن معه حينما تجلّى من نوره سبحانه أقلّ من رأس الإبرة كما في بعض الأخبار واندكّ الجبل لخشيته ولم يثبت خوفاً لجلال قدسه النوري.
إذن فبالرغم من خصوصيّات بدن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وقوته وعظمته إلّا أنّه بات لم يقاوم تجلّيات نوره القدسيّ سبحانه، لذا فتعبير النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (أجد في بدني ضعفاً) لعلّه أقرب، وقد استقربت هذا الوجه على غيره من الوجوه التي ذكرتها.
(٩) مقتضى الجواب أن يكون كلاماً يحمل فيه الدعاء والاستعاذة من أيّ سوء, وكانت عليها السلام تزيل عن وجه أبيها كلّ ما يكره, فكان دأبه معها الاستئناس بوجودها, وكان دأبها إزالة ما يسوؤه صلوات الله عليه. فهي أُمّ أبيها كما في بعض ألقابها، فقد ورد عن الصادق عليه السلام أنّه قال: لفاطمة عليها السلام تسعة أسماء عند الله تعالى: فاطمة، الصدّيقة، المباركة، الطاهرة، الزكيّة، الراضية، المرضيّة، المحدّثة، الزهراء. وكنيتها: أُمّ أبيها (أسرار حديث الكساء الهامش: ٢٠).
وعن الإمام الصادق عليه السلام عن أبيه عليه السلام: أنّ فاطمة عليها السلام كانت تُكنّى أُمّ أبيها (بحار الأنوار ١٩: ٤٣).
وأُمّ أبيها بمعنى: مظهره، كما يقال: أُمّ الدماغ لجلدة الوجه؛ لأنّها مجمعه وما تحمله من بهاء الإنسان وطبيعته التي تميّزه من صفات، وهكذا فاطمة عليها السلام فإنها مُظهرة النبوّة بصفات الإمامة، أو امتداد النبوّة القدسيّة بإيجادها ـ الطبيعيّ ـ لسلسلة الإمامة، لذا فقد صارت مظهر أبيها أو هي أُمّه فهي أُمّ أبيها.
(١٠) لا بدّ من بيان بعض الكلام في الكساء الذي غطّت به فاطمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, وإليك بعض تفاصيله:
١- كونه مرحل من الشعر أسود:
روى مسلم في صحيحه باب فضائل أهل البيت ٧: ١٣٠، والحاكم في مستدركه ٣: ١٤٧، والبيهقي في سننه الكبرى ٢: ١٤٩، والطبري في تفسيره ٥: ٢٢، وابن كثير في تفسيره ٣: ٤٨٥، عن عائشة قالت: خرج رسول الله غداةً وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثمّ جاء الحسين فدخل معه، ثمّ جاءت فاطمة فأدخلها، ثمّ جاء علي فأدخله ثمّ قال: (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).
والمرحل: أي الأسود المخطط بأبيض.
والكساء خيبري, أي من صنع أهل خيبر، فهو متميّز بذلك كما في حديث أمّ سلمة, فقد روى الطبري والقرطبي في تفسير الآية عن أبي سعيد عن أُمّ سلمة قالت:
لما نزلت هذه الآية (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ) دعا رسول الله عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً فجلّل عليهم كساءً خيبريّاً.
وفي النصّ كونه(يماني) فهو من اليمن، ولا مشاحّة بين الوصفين من كونه خيبريّ ويمانيّ, فلعلّ خيبريّ من صنع خيبر ويمانيّ مأتيّ به من اليمن، فهو خيبريّ يمانيّ.
وكونها كانت عباءة:
كما في تفسير السيوطي عن أُمّ سلمة.. إلى أن قالت: وغطّى عليهم عباءة.
(١١) وهو إشارة إلى أنّ الضعف لم يغيّر معالمه الشريفة, بل أنّ نورانيّته تطغى على أوصافه مع ما به من الضعف, إذ عادة الضعف أن يجعل في وجه صاحبه شحوباً وتغيّراً, لكنّ ملامحه صلى الله عليه وآله وسلم لم تتغيّر، فنورانيّته تعلو وجهه الشريف وهي بعض خصائصه, وكلّ من شاهده أو التقى به صلوات الله عليه لاحظ ذلك، فكانت إحدى صفاته الشريفة.
وما يعنيه الإمام الحسن عليه السلام في وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث قال بحسب وصف هند ابن أبي هالة أي أنّ هذا كان وصفاً للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخماً مفخماً يتلألأ كالقمر ليلة البدر، أطول من المربوع وأقصر من المشذب، عظيم الهامة، رجل الشعر، واسع الجبين، أزجّ الحواجب... إلى آخر وصفه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. (بحار الأنوار ١٦: ١٤٩).
(١٢) قُرّة عيني: إقرار العين أي: استقرارها, وهي كناية عن السعادة والاستقرار النفسيّ الذي يصيب الإنسان بسببب حالة الاطمئنان التي تدخل على النفس, وكأنّ الإنسان الذي يصيبه السوء من مصيبةٍ وغيرها يجعله قلقاً غير مطمئن, ولا ترقأ عينه إلى النوم ولا تستقر فتكون قلقة بانتظار عواقب ما ألمّ بها من بلاء, فإذا كان أمرٌ يفرحها استقرت العين لما يدخلها من أمن وأمان، فتقرّ عينه أي: ذهب ما يكدرها من أمرٍ سيّء, والشيء الذي يسعد النفس يكون صاحبها قرير العين كناية عن الفرح والسرور.
(١٣) وثمرة فؤادي: الثمرة كل ما يكون نماءً من الشيء فهو ثمر, ومن الإنسان الولد.
وقُرّة العين وثمرة الفؤاد: كثيراً ما ينادى به الولد لمحبّة والديه له.
(١٤) مقتضى الأدب أن يبدأ سؤاله لأُمّه عليها السلام بذكر أجلى صفة من صفات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وهي الرائحة الطيّبة التي كانت تفوح من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, وهي من خصائصه الشريفة. روي أنّ عرقه الشريف أنبت منه ورد يتميّز برائحة طيّبة, أو أنّ لشدة محبّته له وتعلّقه به فإنّ نفسه تنجذب إلى نفس جدّه صلى الله عليه وآله وسلم، فينعكس هذا الحُبّ على صفحة النفس برائحةٍ طيّبةٍ أو هي كناية عن شدّة الحُبّ له, والأوّل أقرب؛ حيث كانت رائحته الزكيّة تفوح في أرجاء الأفق.
وقد ورد في ذلك أخبار، منها: ما روي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنّه قال: كانت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسكة، إذا هو توضّأ أخذ بيده وهي رطبة، فكان إذا خرج عرفوا أنّه رسول الله برائحته (مكارم الاخلاق: ٣٤).
(١٥) وهذا التشبيه لإثبات حقيقة ما يجده من رائحة ولم يقل هي رائحته, وهو أقرب إلى إثبات الواقع, لئلا يكون قوله عليه السلام عن مجازفةٍ بل عن واقعٍ أكّده بالتقريب لإثبات صحة قوله عليه السلام بإيجاده رائحة طيبة تفوح منه, والشيء المراد إثباته إذا كان خلاف العادة يثبت المتكلم بتقريبه وتشبيهه ليكون ادعاءً تدريجياً.
(١٦) مقتضى الأدب النبويّ أن يقابل ولده بالتحيّة، فردّ عليه بأحسن منها, حيث سلّم الحسن على جدّه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (السلام عليك يا جدّاه يا رسول الله)، فكانت صفة النسب ومقام الرسالة في سلامه على جدّه صلى الله عليه وآله وسلم, فقابله النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بصفة النسب كون الحسن ولده ثمّ مقامه القدسيّ وهو مقام الشفاعة.
أما كون الحسن ولد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لقول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في الحسن والحسين هذان ابناي, ولا يشكل كون الحسن سبطه فكيف يكون أبوه مع أنّه ابن بنته؟ وهذه قضيّة شغلت الكثير من المخالفين الذين نقضوا على الشيعة بأنّ الحسنين لم يكونا ابنين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حقيقيّين وقد بذل الشيعة برعاية أئمّتهم جهوداً في إثبات أنّ الحسن والحسين أولاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتكون لهم الحجّة البالغة في أحقيّتهم بالخلافة ولا ينازعهما أحد إلّا منكِر, ومن تلك الأدلّة التي استدلّ بها أئمّة أهل البيت وشيعتهم:
ما روي عن أبي الجارود قال: قال أبو جعفر: يا أبا الجارود ما يقولون في الحسن والحسين؟ قلت: ينكرون علينا أنّهما ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال: فبأيّ شيء احتججتم عليهم؟ قال: قلت: بقول الله في عيسى بن مريم عليه السلام: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسَى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ) (الأنعام: ٨٤ و٨٥)، فجعل عيسى من ذريّة إبراهيم. قال: فأيّ شيءٍ قالوا لكم؟ قلت: قالوا: قد يكون ولد الابنة من الولد ولا يكون من الصلب. قال: فبأيّ شيءٍ احتججتم عليهم؟ قال: قلت: احتججنا عليهم بقوله تعالى: (فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ) (آل عمران: ٦١). ثمّ قال: فأيّ شيءٍ قالوا؟ قال: قلت: قد يكون في كلام العرب ابني رجل من واحد فيقول أبناءنا وإنّما هما ابنٌ واحد. قال: قال أبو جعفر عليه السلام والله يا أبا الجارود لأعطينّكها من كتاب الله آية تسمّيها أنّهما لصلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يردّها إلّا كافر. قال: قلت: جعلت فداك وأين؟ قال: قال: حيث قال الله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ ـ إلى قوله ـ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ). فسلهم يا أبا الجارود هل يحلّ لرسول الله نكاح حليلتيهما؟ فإن قالوا: نعم فكذبوا والله. وإن قالوا: لا, فهما والله ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لصلبه وما حرمت عليه إلّا للصلب. وهكذا هي مناظرة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام مع هارون العباسيّ ومناظرة الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام مع المأمون ومناظرة يحيى بن يعمر العامري البصري مع الحَجّاج الثقفي، حيث أثبتت هذه المناظرات أنّ الحسن والحسين عليهما السلام أولاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا ينكر ذلك إلّا معاند مكابر.
(١٧) صاحب حوضي: أي: المقيم على حوضه صلى الله عليه وآله وسلم والمتولّي أمره, والحوض هو حوض الكوثر، يكثر الناس عليه يوم القيامة كما روي. والمروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه نهر في الجنة أعطاه الله نبيّه عوضاً عن ابنه إبراهيم. وكون الإمام الحسن عليه السلام المتولّي لحوض جدّه, بمعنى الشافع لشيعته وسيأتي مزيد حديث عن الشفاعة.
(١٨) ساعة: الوقت من ليلٍ أو نهار, والعرب تطلقها وتريد بها الحين والوقت، وهي ليست الساعة الزمانية, بل كناية عن الوقت وجزئه, وهنا ذكرت السيدة الزهراء عليها السلام مجيء الحسين بعد مجيء الحسن عليه السلام لوقتٍ ما, فهي ليست لتحديد وصوله عليه السلام.
(١٩) جواب السيدة فاطمة لولدها الحسين عليه السلام لم يختلف عمّا هو لولدها الحسن فكلاهما قُرّة العين وثمرة الفؤاد لها صلوات الله عليها وعليهما.
(٢٠) وقد سبق ذلك عن الإمام الحسن عليه السلام بقوله عن جدّه صلى الله عليه وآله وسلم وهذا دأبهم في أدبهم.
(٢١) بيان لمقامات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وهو الاختيار والاصطفاء, فإنّ اختياره من عالم الذر حين امتحن الله خلقه بالتوحيد واختبرهم بالإقرار، وأقرّهم على العبوديّة، وأشهدهم على الربوبيّة، فأولّ من شهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالوحدانية ثمّ تلاه عليّ ثمّ المعصومون عليهم السلام، فادّخرها سبحانه لنبيّه ليصطفيه ويجتبيه نبيّاً لرسالته ومصطفىً لوحيه، ثمّ عليّ ثمّ فاطمة فالحسن ثمّ الأئمة فجعلهم خلفاءه وأوصياءه حججاً على العباد، ومناراً في البلاد.
(٢٢) الشفاعة: وصف به صلى الله عليه وآله وسلم ولده الحسين عليه السلام ولا فرق بين وصف الشفاعة وبين صفة الحسن عليه السلام بأنّه صاحب حوض النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حيث تؤول إليه الشفاعة فإنّ القيمومة على الحوض تعني الشفاعة إذ لا يحق لأحد أن يقف على الحوض ما لم يشفع إليه الحسن عليه السلام, إلّا أنّ الظاهر أنّ الشفاعة لها صفة العمومية والشفاعة أعمّ من القيمومة على الحوض لخصوصية الإمام الحسين عليه السلام على ما يظهر من بعض الروايات بما مضمونه عن الصادق عليه السلام: كلّنا سفن النجاة وسفينة جدّي الحسين أسرع، وفي بعضها: أوسع, أي: إنّ شفاعته لها خصوصيّاتها المتميّزة, ولا يخفى أنّ الشفاعة تختصّ بمن اصطفاهم الله وارتضاهم حيث (لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى) واعتقاد القائلين بالشفاعة مثل الإماميّة يوكلون أمرها إلى الله تعالى فهي لا تكون إلّا بإذن الله تعالى (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) وإنّ أهل البيت عليهم السلام هم أحقّ من يكون لهم إذن الشفاعة, وهم الوسيلة المقبولة (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ), فوصف الحسين عليه السلام من قبل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بأنّه (شافع أمّتي) لا ينفي الشفاعة عن غيره من الأئمّة عليهم السلام, بل هذا مزيد عنايةٍ وكمال تأكيد على خصوصيّة شفاعة الحسين عليه السلام.
(٢٣)ظرف زمانيّ يُقصد منه الأمر القريب, أي حين دخول الحسين عليه السلام تحت الكساء أقبل أبو الحسن عليه السلام, فهي تعطي معنى الحين, ودلالته الوقت القريب أو المزامن للحدث أو بعد وقوعه بقليل.
(٢٤) خاطبته عليها السلام بكنيته المحبّبة إليه وهي أبو الحسن, وعادة الخطاب أن يكون أحبّ شيء للمخاطب كأنّ تكون كنيةً أو صفةً يأنس إليها, ومقتضى العلاقة الأسريّة أن يكون خطاب فاطمة لعليّ عليه السلام بكنيته المحبّبة إليه, ثمّ خاطبته بصفته على نحو الالتفات، حيث إمرة المؤمنين مقامه الذي اختصّ به دون غيره, فمقتضى طاعتها لمقام إمامته خاطبته بما يعطي حالة الطاعة والاتباع.
(٢٥) أخي وابن عمي: تقديم الأخوّة على غيرها من الصفات التي تشير إلى حالة القرب الذي لا ينازعه فيه أحد, وهي إشارة إلى حديث المؤاخاة الذي تواتر عند المسلمين, ففي سنن الترمذي عن جميع بن عمير التميمي عن ابن عمر قال: آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أصحابه, فجاء عليّ تدمع عيناه فقال: يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد, فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنت أخي في الدنيا والآخرة. (سنن الترمذي٥: ٦٣٧).
لذا ابتدأ بخطابه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه أخوه ومقتضى أن يكون هو الأولى من غيره كما في قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي) (صحيح مسلم٤: ١٨٧، سنن ابن ماجه ١: ٤٢).
وكون هارون وصيّ موسى فهو أخوه, فقد جمع لعليّ الأخوّة والوصاية في حديثه هذا وفي غيره صلى الله عليه وآله وسلم.
(٢٦) تأكيد النبيّ لأخوّة عليّ عليه السلام التي نسبها لنفسه الشريفة، وكأنّ عليّاً أراد أن يثبت هذه الأخوّة على لسان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وبإقراره، فادّعاه لنفسه ليقرّها صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا من لطيف الأدلّة وطرق الإثبات الادّعائي ثمّ الإقرار التأكيدي، وهو كثير في المحاورات الواردة بين النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وبين عليّ عليه السلام.
(٢٧) ويا وصيّي: إضافة إلى أخوّته وصايته له, وكونه وصيّ بحكم حديثه المعروف (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي) حيث نفى النبوّة عنه وأثبت الوصاية له.
(٢٨) وخليفتي: وهو أحد النصوص التي أكّدها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في ولاية عليّ وإمامته وكم من النصوص التي صرّحت بخلافته فضلاً عن مؤهّلات الخلافة التي توفّرت لديه، حيث هو أفضل الصحابة علماً وزهداً وشجاعةً وكل ما من شأنه أن يؤهّله للإمامة والخلافة.
(٢٩) صاحب لوائي: أي حامل لواء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في حملاته بنفي حمل اللواء عن غيره, حيث أراد إثبات أنّه عليه السلام قائد جميع مواطن معاركه دون استثناء لأنّ الصحبة تفيد التقييد وإخراج ما دونه, فيما إذا الموضوع لا يحتمل أكثر من واحد كما لو قال صاحب الديوان وصاحب البريد وصاحب الجند، أي: المسؤول عن الديوان دون غيره, والمؤتمن على البريد دون سواه, والقائم على أمر الجند دون الآخرين، فلا يحتمل في هذه الموارد أن يشاركه غيره, وهنا صاحب اللواء أو صاحب الراية أي: قائد أمر الجيش لا يزاحمه أحد, ويحتمل بصاحب اللواء هو لواء الحمد الذي ينشر على رأس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سمّي بذلك أي اختصاص الحمد كلّه يوم القيامة للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فينشر له لواءً يسمّى بلواء الحمد، ولعلّ الذي يرفع هذا اللواء هو عليّ بن أبي طالب عليه السلام, ولا ينافي أن يكون صاحب لواءه في الدنيا وصاحب لواءه في الآخرة.
(٣٠) يا أبتاه يا رسول الله: حيث انتسابها له بالأبوّة أمرٌ يسعد قلبه صلى الله عليه وآله وسلم, إذ مناداتها له بهذا أحب إليه من أيّ لقب، مع أنّ النداء بالأبوّة لا يُلغي خصوصية الرسالة التي تراها فاطمة عليها السلام من مكملات علاقتها بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وإذعانها له وطاعتها إليه.
(٣١) جوابه صلى الله عليه وآله وسلم بما يقابل نداء الأبوّة لقولها (يا ابتاه) فقابلها (يا بنتي), وهو أحبّ إلى النفس وأنمى إلى القلب, وهي مبادلة عنوانٍ بعنوان في المحبّة والقرب والألفة.
(٣٢) يا بضعتي: لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (فاطمة بضعةٌ مني) بفتح الباء، أي: إنّها جزء منّي كما أنّ القطعة من اللحم جزء من اللحم. وهذا التبعيض يثبت لفاطمة عليها السلام خصوصيّات النبيّ كلّها إلّا النبوّة, لأنّ الجزء يحمل صفات الكلّ دون تخلّف إلّا ما يستثنى من خصوصيّات الكلّيّة, على أنّ ذلك إشارة إلى مؤهلات فاطمة عليها السلام, وهو مثل قوله في الحسين عليه السلام (حسينٌ منّي وأنا من حسين) حيث تأكيد البعضيّة بصفات الكلية أمرٌ عقليّ فضلاً عن كون وحدة المحمول دون الموضوع في هذه البعضيّة, وفي كلّ تبعيض يقصده العقلاء.
والملاحظ أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم خصّ فاطمة والحسين في هذا التبعيض حيث ذكر صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة بضعةٌ مني, وفي قوله للحسين عليه السلام (حسين منّي) ولعلّ ذلك يحمل خصوصيّات المذكورين: فاطمة والحسين بحركةٍ تثير تساؤل الآخرين, واستفهاماتهم، أي: وكأن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حضّر لحركة السيدة فاطمة عليها السلام ولثورة الإمام الحسين عليه السلام مشروعيّتهما وغطاءهما المشروع في مشروعيّة تحرّكهما حتّى أعطى لكلّ واحدٍ منهما شرعيّته في الثورة والتحرّك ضدّ الظالمين.
فالسيّدة فاطمة عليها السلام تحرّكت في ظروف تنكّر الناس لها وتخاذل القوم عنها فكان تحرّكها كأنّه شاذّ في ظلّ هذه الظروف الاستثنائية, لو لا الرجوع إلى أحاديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في كون فاطمة بضعة منه، حيث دعمت موقف السيّدة الزهراء وأعطت لها دفعاً باتجاه الشرعيّة فأحبطت جهود كل المتقوّلين والملتفين على حقّ النبي في استخلاف من يجده مناسباً بنص السماء حيث أوصى لعليّ عليه السلام.
 وكذلك في الإمام الحسين عليه السلام حيث الثورة التي قام بها الإمام كانت في ظل ظروف قاصمة لكلّ شرعيّة, وفي هذه الظروف التي صوّرت نظام بني أميّة بأنّه البديل عن النظام الرسالي.
(٣٣) فلما اكتملنا جميعاً: أي: النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعليّ وفاطمة والحسن والحسين وهم أهل الكساء الذين انضمّوا تحته بإذن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
وهم الأنوار الذين كانوا محدقين حول العرش، فاكتمالهم النوريّ مقدَّم على اكتمالهم الجسديّ في ذلك الملكوت الأعلى، واجتماع نوريّتهم يمثّله مظهرهم البشريّ تحت الكساء.
(٣٤) أخذ: أي: تناول من أخذ الشيء إذا تناوله بيده، بمعنى أخذ الكساء بيده.
(٣٥) طرفي الكساء: ناحيته وجانبه، وطرفيه ناحيتيه وجانبيه، أي مسك النبيّ بجانبي الكساء بيده والظاهر أنّها كانت اليسرى لانشغال يده اليمنى بالإيماء.
(٣٦) أومأ: أشار، والإيماء: الإشارة فإذا كان إيماءً باليد بمعنى الحركة التي تدلّ على شيء يريد المشير أن يوصلها إلى مقابله، وأومأ بكلامه، أي: إشارة إلى أمر ضمنه فيه وهي من باب الكناية حيث أقلّ وضوحاً من التصريح.
(٣٧) أهل بيتي: هم عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام حيث نزلت فيهم حصراً دون غيرهم حتّى أنّ أُمّ سلمة أرادت أن تدخل معهم تحت الكساء، فصرفها وقال (إنّك على خير) (مسند أحمد بن حنبل ٦: ٢٣٣، وذخائر العقبى: ٢١). ومن حديث إسعاف الراغبين قالت أُمّ سلمة: وأنا معكم يا رسول الله؟ فقال: إنّكِ من أزواج النبيّ (إسعاف الراغبين: ١٠٦). أي: نفى الأزواج عن أهل البيت وكون ذلك مختصّ بهؤلاء الخمسة، بل في حديث الثعلبي عند تفسيره الآية: (قالت زينب بنت جحش زوجة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله ألا أدخل معكم؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: مكانك فإنّك إلى خير إن شاء الله) (تفسير الثعلبي في تعرّضه للآية الكريمة). فلو اقتربت زينب أنملة لاحترقت، كما في قول جبرئيل لو اقتربت أنملة لاحترقت، فانّ أنوارهم عليهم السلام لا يداينها أحد ولا يحتملها مخلوق إلّا جبرئيل، وأشعر من حديثه صلى الله عليه وآله وسلم أنّ زينب هالكة لا محالة لو اقتربت إليهم، وهذا يعني هلاك جميع أزواج النبيّ لو حاولن الاقتراب والدخول إلى الكساء، وهو يعني بالبرهان الآنيّ عدم شمول آية التطهير لأزواج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ومعنى ذلك عدم طهارتهنّ من الرجس، أي: من ارتكاب القبائح والذنوب وحالهن كحال المكلّفين، نعم، حرمتهنّ من حرمة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وهتك هذه الحرمة هتك لحرمتهنّ ولا كرامة، وقد أحبطنا بذلك جهود ومحاولات البعض من إدخال أزواج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في آية التطهير.
وفي الصواعق المحرقة: عن أُمّ سلمة كذلك (الصواعق المحرقة: ٨٥) وفي ذخائر العقبى مثله (ذخائر العقبى: ٢٤). والشبلنجي في نور الأبصار (نور الأبصار: ١١٢). وفي الخصائص الكبرى: أخرج السيوطي عن الحاكم حديث أُمّ سلمة (الخصائص الكبرى٣: ٣٥٩). وكذا ما أورده ابن عساكر في تاريخه (تاريخ ابن عساكر: ترجمة الإمام الحسن). وفي الدرّ المنثور للسيوطي في حديث ابن مردوية (الدر المنثور٥: ١٩٨).
وبهذا فقد أثبتت المصادر التي ذكرناها وغيرها كثير، اختصاص أهل البيت بهؤلاء الذين هم تحت الكساء وهو فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها، وقد اتّفقت كلمة المسلمين بجميع طوائفهم ومشاربهم بأنّ المشار إليهم هم أهل البيت دون غيرهم فلا نساؤه ولا قرابته الأدنين أو الأبعدين.
(٣٨) خاصّتي: خاصّة الرجل قريبوه، سواء كان في النسب أو قريبوه في أمر يخصّهم به أو يخصّونه فيه، والخاصّة خلاف العامّة، وخاصّة النبيّ هم الذين أشارت إليهم الآية الكريمة بقوله تعالى: (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)، وهم: عليٌّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم من الله الزاكيات الناميات.
(٣٩) وحامّتي: الحميم: القريب في النسب وقوله تعالى: (وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً) إشارة إلى التباعد بين الأقرباء في وقتٍ كلٌّ يحتاج إلى صاحبه وهي إشارة إلى هول الموقف وانشغال الحميم عن حميمه. وحامّتي أي: خاصّتي, أهل بيتي وذووا شأني.
(٤٠) لحمهم لحمي: أي هم بعضي، وهو إشاره عن كونهم منبته الشريف، وهم من نوره خلقوا، حيث شقَّ الله تعالى ذلك النور إلى شقّين فكان أحدهما محمّد والثاني عليّ، ففاطمة من محمّد والحسنان من عليّ وكلّهم من الكل، فهم بعض الكلّ وهم كلُّ الكلّ، أي: تبعيض الشيء لا ينافي إثبات صفات الكليّة عنه كما أشرنا في بضعة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام.
(٤١) ودمهم دمي: الدم هي المادة التي فيها قوام الحياة، والنفس لا تقوم إلّا بهذه المادة، فهي مادة الحياة التي فيها بقاء الآدمي، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم دمهم دمي أي: حياتهم حياتي وبقائي قائم ببقائهم. وقد جاءت النفس على معانٍ منها الدم: يقال سالت نفسه أي: دمه، والروح كما يقال: خرجت نفسه (مجمع البحرين للطريحي، مادة: النفس).
(٤٢) يؤلمني ما يؤلمهم: الألم: الوجع الشديد الناجم من إيجاد مقتضٍ يزعج النفس فتتحرّك بسببه دواعي الألم، والألم العضويّ هو ما يصيب العضو الإنسانيّ بشيءٍ يوجب تهييج الألم، والمقصود هنا هو ما يلمّ بالنفس من مصائب تزعجها فتهيّج آلامها، فما يؤلم أهل بيتي يكون سبباً في إيلامي، وهذا الارتباط النفسي بل والعضوي لشدّة التعلّق النوري في المرحلة النورانيّة التي نوّه عنها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وقد وردت أحاديث النورانية بألفاظ مختلفة، وقد اخترت هذا الحديث لكنوزه المعرفيّة التي ادّخرها الإمام الكاظم عليه السلام في مكنون العلم الصادر عنهم عليهم السلام، فقد روى الشيخ أبو جعفر الطوسي: بإسناده عن الفضل بن شاذان عن رجاله عن موسى بن جعفر عليه السلام قال: (إنّ الله تبارك وتعالى خلق نور محمّدٍ من اختراعه، من نور عظمته وجلاله، وهو نور لاهوتيّته الذي تبدّى وتجلّى لموسى عليه السلام في طور سيناء، فما استقرّ له ولا أطاق موسى لرؤيته، ولا ثبت له حتى خرَّ صعقاً مغشيّاً عليه، وكان ذلك النور نورَ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم فلمّا أراد أن يخلق محمّداً منه قسّم ذلك النور شطرين: فخلق من الشطر الأوّل محمّداً، ومن الشطر الآخر عليّ بن أبي طالب، ولم يخلق من ذلك النور غيرهما، خلقهما بيده ونفخ فيهما بنفسه لنفسه، وصوّرهما على صورتهما، وجعلهما أُمناء له، وشهداء على خلقه، وخلفاء على خليقته، وعيناً له عليهم ولساناً له إليهم، قد استودع فيهما علمه، وعلّمهما البيان، واستطلعهما على غيبه وبهما فتح بدء الخلائق، وبهما يختم الملك والمقادير.
ثّم اقتبس من نور محمّد فاطمة ابنته، كما اقتبس نوره من المصابيح، هم خلقوا من الأنوار، وانتقلوا من ظهرٍ إلى ظهر، وصلب إلى صلب، ومن رحمٍ إلى رحم في الطبقة العليا من غير نجاسةٍ، بل نقلٍ بعد نقلٍ، لا من ماءٍ مهين، ولا نطفةٍ فشرة كسائر خلقه، بل أنوار انتقلوا من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات، لأنّهم صفوة الصفوة، اصطفاهم لنفسه، لأنّه يَرى ولا يُدرَك، ولا تُعرف كيفيّته ولا...، فهؤلاء الناطقون المبلّغون عنه، المتصرّفون في أمره ونهيه، فيهم تظهر قدرته، ومنهم تُرى آياتُه ومعجزاته، وبهم ومنهم عبادة نفسه، وبهم يُطاع أمره، ولولاهم ما عُرف الله، ولا يُدرى كيف يُعبد الرحمن، فالله يجري أمره كيف يشاء فيما يشاء، ولا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسئلون.
قال المجلسيّ: الخشارة: ردئ من كل شيء (بحار الأنوار٢٨: ٢٥/٢٤).
وفي حديث آخر عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه عبد الله بن عباس... إلى أن قال إنّ الله تعالى خلقني وخلق عليّاً من النصف الآخر قبل الأشياء كلّها ثمّ خلق الأشياء فكانت مظلمة، فنوّرها من نوري ونور عليّ... إلى آخر الحديث الشريف (بحار الأنوار٢٩: ٣٥/٢٥).
إلى غيرها من أحاديث النورانية الذي يشير إلى هذا الارتباط النفسي بل العضوي كذلك.
(٤٣) يحزنني ما يحزنهم: الحزن ضد الفرح، والحزن: كدر النفس مما يسوؤها من الهموم والآلام، وأحزنه: أحدث له حزناً، قيل: هو حالة نفسانيّة تحصل لتوقّع المكروه أو وقوعه، أو فوات محبوب في الماضي.
فكلُّ ما يكون سبباً في أحزانهم هو أحزان لي؛ لأنّ لحمهم لحمي ودمهم دمي، فالعلاقة الروحيّة النورانيّة بل العضويّة بين النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته سبب في إثارة كلّ ما يحزنه ويحزنهم، ويؤلمه ويؤلمهم.
(٤٤) حربٌ لمن حاربهم: حرب حرباً من باب (تعب): أخذ جميع ماله فهو حريب، وحُرب بالبناء للمفعول كذلك، فهو محروب، والحرب: المقاتلة والمنازلة.
والحرب بمعنى العداوة وهي أعمّ ممّا سبق من المعاني، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: حربٌ لمن حاربهم، أي: أنا مبارزٌ لمن عاداهم بالعداوة.
(٤٥) وسلمٌ لمن سالمهم: بمعنى الرضا وعدم العداوة أو المحاربة: أي راضٍ عن كل من رضي عنهم ورضوا عنه.
وحربٌ لمن حاربهم، وسلمٌ لمن سالمهم، فقد ورد هذا المعنى في أحاديث كثيرة من النصوص النبويّة ونذكر مصادر الحديث منها: (أمالي الصدوق: ٢٢٢)، (كمال الدين للصدوق: ٢٤١)، (بحار الأنوار٢٣: ١٢٥)، (جامع الأخبار: ٥٣)، (بشارة المصطفى لشيعة المرتضى: ٦٣)، (مناقب المغازلي: ٥٠)، (مناقب الخوارزمي: ١٢٨)، (كشف الغمة: ٢٨٧)، (فرائد السمطين٢: ٣٧٢).
(٤٦) وعدوٌّ لمن عاداهم: العداوة ضدّ الموالاة: وهو كل ما من شأنه الإيذاء والعمل بما ينافي استئناس النفس وراحتها، وما يؤدي إلى إثارة الغضب وهيجان دواعيه.
(٤٧) ومحبٌّ لمن أحبَّهم: المحبّة: ميل الطبع إلى الشيء الملذّ، ويقابلها البغض ونفور الطبع من المؤلم المتعب، وأحبّهم أي: أطاعهم ولم يخالفهم، بل لم ينصب لهم العداوة والبغضاء.
(٤٨) إنّهم منّي وأنا منهم: التبعيض الذي عناه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هي وحدة المحمول في كل حركاتهم وسكناتهم، أي: إمضاء ما هم عليه وهم امتداد لروحه الطاهرة، وخصّص ذلك لفاطمة عليها السلام بقوله صلى الله عليه وآله وسلم (فاطمة بضعةٌ منّي) وقوله في الحسين عليه السلام (حسينٌ منّي وأنا من حسين) فهم منه وهو منهم.
وبالرجوع إلى فقرة (يؤلمني ما يؤلمهم) وفيها أحاديث النورانيّة حيث التبعيض النفسيّ والعضويّ الذي ينشأ من حدّة نورانيّته يشير إلى معنى يؤذيني ما يؤذيهم، يحزنني ما يحزنهم، يفرحني ما يفرحهم وتعليلاته صلى الله عليه وآله وسلم لأنّهم: خاصتّي، حامّتي، لحمهم لحمي، دمهم دمي إلى غير ذلك من التعليلات التي تكشف عن مقاماتهم النورانيّة القدسيّة صلّى الله على أنوارهم وأرواحهم وأجسادهم وأبدانهم ما طلعت الشمس أو غربت.
(٤٩) صلواتك: قال الراغب: صلاة الله على العباد في التحقيق تزكية لهم، أي: تنمية بالخيرات والبركات وهي من الملائكة والناس: الدعاء والاستغفار.
قال ابن قيّم الجوزيّة في كتاب جلاء الأفهام: إنّ الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم من العبد هي دعاء. ودعاء العبد وسؤاله من ربّه نوعان:
أحدهما: سؤاله حوائجه ومهمّاته وما ينويه في الليل والنهار. فهذا دعاء وسؤال وإيثار لمحبوب العبد ومطلوبه.
والثاني: سؤاله أن يثني على خليله وحبيبه ويزيد في تشريفه وتكريمه وإثارة ذكره ورفعه.
ولا ريب أنّ الله تعالى يحبّ ذلك ورسوله يحبّه، فالمصلّي عليه صلى الله عليه وآله وسلم قد صرف سؤاله ورغبته وطلبه إلى محابّ الله ورسوله وآثر ذلك على طلبه حوائجه ومحابّه هو، بل كان هذا المطلوب من أحبّ الأمور إليه وآثر عنده، فقد آثر ما يحبّه الله ورسوله على ما سواه ـ والجزاء من جنس العمل ـ فمن آثر الله على غيره آثره الله على غيره (قاموس الصحيفة للإمام زين العابدين عليه السلام السيّد أبو الفضل الحسيني: ٢٤٣).
وهنا طلب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من الله تعالى أن يجعل أثر الصلاة من الله عليهم وهي رفع مقاماتهم وعلوّ درجاتهم عليهم السلام.
(٥٠) بركاتك: البركة: ثبوت الخير الإلهي في الشيء والمبارك: ما فيه ذلك الخير ومنه قوله تعالى (أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً) أي حيث يوجد الخير الإلهي، كما عن الراغب. والبركات: إفاضة البركة، وهي توالي النعم وتتابع الخيرات، فاجعل يا ربّ بركاتك على أهل بيتي وأفض عليهم من خيراتك ما يكون لهم فيه رضا.
(٥١) ورحمتك: من قوله تعالى (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) هما اسمان مشتقّان من الرحمة وهي في بني آدم عند العرب: رقّة القلب ثمّ عطفه، وفي الله: عطفه وبرّه ورزقه وإحسانه، والرحمن هو ذو الرحمة ولا يوصف به غير الله، بخلاف الرحيم الذي هو عظيم الرحمة (مجمع البحرين للطريحي: باب رحم). فاجعل رحمتك عليهم، وهنا تفيد المضارعة والاستمرار، أي: أن لا تنقطع رحمتك لهم ومواصلة خيراتك عليهم.
ولعلّ هذه الرحمة هي رضاه التامّ الدائم، إذ جزاء الطاعة الرضا، ولمّا كانت طاعتهم غير منقطعة طرفة عين أو دون ذلك، فإنّ رضاه مثله، ومقتضى هذا الرضا عطاؤه الدائم المستمرّ (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى) (سورة الضحى: ٥).
وهو الرضا الذي لا ينقطع حتّى يرضيه ربّه ولأهل بيته عليهم الصلاة والسلام.
(٥٢) وغفرانك: بمعنى العفو والصفح وهي ستر الذنب والتغاضي عنه، وهنا المغفرة التي يسألها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من الله تعالى لأهل البيت عليهم السلام لا على سبيل العفو من الذنب؛ لمنافاة ذلك مع عصمتهم، بل هو على وجه الانقطاع إلى الله تعالى والتقرّب إليه، لا لوقوع المعصية منهم صلوات الله على عصمتهم وطاعتهم المطلقة له تعالى.
(٥٣) رضوانك: الرضا: ضدّ السخط وتعني الثواب كما عن الصادق عليه السلام: رضاه، ثوابه وسخطه، عقابه. والرضوان بكسر الراء بمعنى الرضا وعن الراغب: الرضا الكثير. (واجعل يا ربِّ رضوانك على أهل بيتي) أي بما يزيد في علوّ مكاناتهم ورفيع مقاماتهم كلّما رضيت عنهم وأرضيتهم.
(٥٤) عليَّ وعليهم: طلب كل ذلك لنفسه ولأهل بيته فكلّما يطلب لنفسه من المقامات يطلبه لأهل بيته، لأنّهم منه وهو منهم كما تقدّم.
(٥٥) وأذهب عنهم الرجس: طلب من الداني إلى العالي بمعنى الرجاء والتوسّل، والرجس: القذر وكلّ شي يستقذر فهو رجس (قاموس الصحيفة: مادة الرجس). وقيل الرجس: لطخ الشيطان ووسوسته (مجمع البحرين: مادة الرجس). وهنا كلّ قبيح لا يناسب مقام عصمتهم وطاعتهم وشرفهم، وهو دليل على عصمتهم من كل ما يشينهم من الذنوب والآثام والبلايا والآفات.
(٥٦) وطهّرهم تطهيراً: الطهارة: النقاء من الدنس والنجس، والطاهر: النقيّ منهما, وهنا طلب من الله تعالى أن يجعلهم مطهَّرين من كل قبيح وما تنفر النفس منه وما يتعارض مع مقاماتهم وعصمتهم. وتطهيراً: مفعول مطلق تأكيد لعامله الطهارة وهي على صيغة المبالغة، أي: طهّرهم تطهيراً يعصمهم من كلّ دنس.
(٥٧) فقال الله عزّ وجلّ: هل قوله سبحانه وكلامه ألفاظ كما هو عند الآدميّين حيث اللفظ مخرج المعنى؟ أم أنّ كلامه أمرٌ آخر. اختلف المسلمون في حقيقة كلامه فمنهم من قال: إنّ كلامه يعني الكلام المكون من حروف بواسطة شفتين، وبطلانه واضح، وهو رأي الأشاعرة، وبعضهم قال: إنّ كلامه تعالى حروف وأصوات، وهي قديمة، بل قال بعضهم بقِدَم الجِلد والغِلاف أيضاً، وهو قول الحنابلة. ومنهم من ذهب إلى أنّ كلامه تعالى صفة له مؤلَّفة من الحروف والأصوات الحادثة القائمة بذاته تعالى وهو قول الكرامية، وكل هذه الأقوال بديهيّة البطلان ولا نريد البسط في بحثها هنا.
أمّا الإماميّة: فترى أنّ الخطابات السماويّة لا بدّ أن تكون من خلال الكلام وأنّ الكلام مركّب من الحروف والأصوات، فالكلام عرض يقوم بالغير وهو حادثٌ ضرورة، فيكون غير الذي يقوم به الكلام محلّا للحوادث فيكون الغير حادثاً، وعلى هذا فمعنى أنّ الله تعالى متكلّم بمعنى أنّه موجد للكلام في جسمٍ من الأجسام، كما أوجد الكلام في شجرة الطور فكلّم بها موسى عليه السلام، وكذا في طبقات الأفلاك فتسمع الملائكة، وكذلك قلوب الأنبياء والرسل، وقد يوجِد النقوش في الألواح السماويّة وتقرؤها الملائكة فينزلون بالوحي، أو يوجِدها في قلوب الملائكة والأنبياء والأوصياء، وكيف كان: فالغرض من وصفه تعالى بالكلام قدرته تعالى على إيجاد الكلام لعموم قدرته، فإنّها جميع المقدورات، ومنها خلق الحروف والأصوات، فلعموم قدرته على كلّ شيء نقول: إنّ الله على كلّ شيءٍ قدير، ومن قدرته الخاصّة الجزئيّة على إيجاد الكلام نقول: إنّه متكلّم كما يقال: (فريد نجّار وزرّاع) أي: يقدر على التجارة والزراعة ويقال إنّه قادر ويُراد العموم، ونفس الكلام حينئذٍ من صفات الأفعال الحادثة كالخالقيّة والرازقيّة، ويدلّ على حدوثه العقل والنقل.
أما العقل فلأنّ الكلام مركّب من الحروف المتتالية التي يتقدّم بعضها بعضاً ويسبق بعضُها على بعض، فيكون حادثاً.
وأمّا النقل فلقوله تعالى: (ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ)، والذكر هو القرآن، لقوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ)، وقوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ)، وقوله تعالى: (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ)، وقد وصفه الله تعالى بالحدوث، وإنمّا أفرد صفة التكلّم بالذكر مع أنّه من صفات الأفعال، لأنّ عليه بناء التكليف ومبنى البعثة وإنزال الكتب والوحي من الله تعالى. ولا ريب أنّ الخطاب قبل وجود المخاطب لغو صريح، وهو في حقّ الحكيم غير صحيح، وقد قال تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً)، ويا نوح، ويا آدم، ويا إبراهيم، وأمثال ذلك، فلو كان الكلام قديماً كيف يحسن الخطاب (حقّ اليقين في معرفة أصول الدين: للسيد عبد الله شبر: ٥٥).
فاطمة عليها السلام تروي عن الله مباشرةً:
الملاحظ أنّ السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام روت عن الله سبحانه مباشرةً وبدون واسطة، مع أنّنا نعلم أنّ الإيحاء للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إمّا أن يكون بواسطة الغشية، أي أن لا يكون بين الله وبينه حجاب، وهي ما يُطلق عليها الغشية، ومرّة أن يكون الإيحاء بواسطة الوحي وهو جبرئيل عليه السلام، ولم نعهد أن يكون أحدٌ من أهل البيت عليهم السلام قد روى عن الله تعالى مباشرةً، إلّا في هذا المورد، حيث روت السيّدة فاطمة عليها السلام عن الله مباشرةً، ولا بدّ من الوقوف عند هذا الأمر.
إنّ روح القدس هو الصفة المشتركة بين أهل البيت، وبروح القدس تتوحّد كل مقاماتهم عليهم السلام، والرواية التالية تتكفّل بإيضاح ذلك:
روى جابر بن يزيد قال: قال أبو جعفر عليه السلام: يا جابر إنّ الله أوّل ما خلق خلق محمّداً وعترته الهداة المهتدين فكانوا أشباح نور بين يدي الله قلت: وما الأشباح؟ قال: ظلّ النور، أبدانٌ نورانيّة بلا أرواح، وكان مؤيّداً بروح واحدةٍ، وهي روح القدس، فيه كان يعبُدُ اللهَ وعترتُه، ولذلك خلقهم حلماء، علماء، بررة، أصفياء، يعبدون الله بالصلاة، والصوم، والسجود، والتسبيح، والتهليل، ويصلّون الصلوات، ويحجّون، ويصومون (بحار الأنوار٢٤: ١٥/٤٧).
وواضح أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعترته عليهم السلام أشباح نوريّة ولعلّها هي أجساد مثاليّة كما احتملها العلّامة المجلسي، وأهمّ ما نقف عليه في هذا المضمار هو وحدة الروح التي تسدّد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام وهو روح القدس التي تسدّد النبيّ والإمام لتجعل لهم أعظم صفات من روح واحدة وهي روح القدس، وهذا على المستوى النوري لجميعهم كلّهم، لذا فإنّ الاتحاد الروحي النوري يجعلهم في مستوى واحد لا يتخلف كما في قوله تعالى مشيراً إلى تأييد عيسى عليه السلام (وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) فالتأييد الإلهي بروح القدس هو التسديد الذي أراده لعباده المصطفين، ولتوضيح روح القدس فقد ورد في حديث جابر عن أبي جعفر قال: قال أبو جعفر عليه السلام: إنّ الله خلق الأنبياء والأئمّة على خمسة أرواح: (روح القوّة، وروح الإيمان، وروح الحياة، وروح الشهوة، وروح القدس، فروح القدس من الله...) (بحار الأنوار٥٨: ٢٥/٢٦). وهكذا روح القدس عند النبيّ وأهل بيته عليهم السلام فبهذه الروح يشتركون في صفات الكمال.
على أنّ الحقيقة المحمّدية الجامعة للصفات العلويّة عند مستواها الأعلى والصفات الفاطميّة عند مستواها الأدنى وهي عليها السلام مطهَّره ومجمع نوره حتى لقّبت بأمّ أبيها ـ كما ذكرنا ذلك في مورده ـ وهي أمّ الدماغ أي جلدة الوجه التي تحمل صفات الوجه وخصائصه.
فاتحادها النوري مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يعطي صفاته أو بعضها، ومنه: ما يوحى إليها من الله تعالى مباشرةً، حيث روت عن الله تعالى دون واسطة.
(٥٨) يا ملائكتي: خطاب للملائكة، مفردها ملك قال الفخر الطريحي: وأصله مالك فقدّم اللام وأخّر الهمزة ووزنه مفعل من الألوكة وهي الرسالة، ثمّ تركت الهمزة لكثرة الاستعمال فقيل ملك، فلمّا جمعوه ردّوه إلى أصله فقالوا ملائك فزيدت التاء للمبالغة أو لتأنيث الجمع. وعن ابن كيسان: هو فعال من الملك. وعن ابن عبيدة: مفعل من لاك إذا أرسل. وفي الحديث عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما من شيء أكثر من الملائكة، وأنّه يهبط في كل يوم سبعون ألف ملك فيأتون البيت فيطوفون به، ثمّ يأتون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيسلّمون عليه، ثمّ يأتون أمير المؤمنين عليه السلام فيسلّمون عليه، ثمّ يأتون الحسين عليه السلام فيقيمون عنده، وإذا كان السَحَر وُضع لهم معراجٌ إلى السماء ثمّ لا يعودون أبداً. واختلف في حقيقة الملائكة، فذهب أكثر المتكلّمين ـ لمّا أنكروا الجواهر المجرّدة ـ إلى أنّ الملائكة والجنّ أجسام لطيفة قادرة على التشكّل بأشكال مختلفة. وفي شرح المقاصد: الملائكة أجسام لطيفة نورانيّة كاملة في العلم والقدرة على الأفعال الشاقّة، شأنها الطاعات ومسكنها السماوات، وهم رسل الله إلى الأنبياء، يسبّحون الليل والنهار لا يفترون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (مجمع البحرين للطريحي، مادّة: ملك).
(٥٩) ويا سكّان سماواتي: صفة للملائكة الذين يسكنون السماء، مع أنّ هناك روايات تشير إلى أنّ الملائكة ينزلون إلى الأرض ويقيمون عند قبر الحسين عليه السلام إلى غير ذلك، فكيف يكون سكان السماوات صفة للملائكة، والجواب: أنّ ذلك على نحو الغلبة، حيث الأغلب أنّ الملائكة تتّخذ السماوات سكناً لها، فلذلك غلبت صفة السماوات على سكنها. ولعلّ هناك خلق يسكنون السماوات لا نعلمهم، الله أعلم بشؤون خلقه.
والظاهر أنّ الواو استئنافيّة حيث جملة سكان سماواتي مستأنفة تشير إلى خلق آخر غير الملائكة أو هي أرواح عرجت إلى السماوات تسكن هناك ولا يعلم ملكوت ربّك إلّا هو، جلّت قدرته وعظمت إرادته.
(٦٠) سماءً مبنيّة: نسبة خلق السماء لنفسه تعالى، بياناً لقدرته، لقوله تعالى: (وَالسَّماءِ وَما بَناها) تعداداً لمظاهر قدرته المطلقة، كما ورد قبلها: (وَالشَّمْسِ وَضُحاها * وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها * وَالنَّهارِ إِذا جَلاَّها)، ثمّ أردف قوله: (وَالسَّماءِ وَما بَناها)، حيث أظهر قدرته في الخلق على نحو التعداد والتفضّل.
وقد وردت أحاديث كثيرة في هذا الشأن: منها ما روي في كتب أخبار المعراج عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال الله تعالى: (فلولاكم ما خلقتُ الدنيا ولا الآخرة، ولا الجنّة ولا النار) (كفاية الأثر: ٧٢، غاية المرام١: ٤٦، الجواهر السنيّة: ٢٧٩، أسرار حديث الكساء: ١٢٠).
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم من حديثه تعالى مع آدم لما رأى الأشباح الخمسة في يمنة العرش وسأل عنهم فقال: (هؤلاء خمسةٌ من ولدك لولاهم ما خلقتُك ولا خلقتُ الجنّة ولا النار، ولا العرش ولا الكرسيّ، ولا السماء ولا الأرض، ولا الملائكة، ولا الإنس ولا الجن) (أسرار حديث الكساء:١٢٠).
وعن أمير المؤمنين عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث: يا عليّ: أنت الإمام والخليفة من بعدي، حربك حربي وسلمك سلمي، وأنت أبو شبليّ وزوج ابنتي، من ذريّتك الأئمّة المطهَّرون، فأنا سيّد الأنبياء، وأنت سيّد الأوصياء، وأنا وأنت من شجرة واحدة، ولولانا لم يخلق الجنّة ولا النار، ولا الأنبياء ولا الملائكة.
قال: فقلت: يا رسول الله، مَن أفضل من الملائكة؟
فقال: يا عليّ، نحن خير خليقة الله على بسيط الأرض وخير الملائكة المقرّبين، وكيف لا نكون خيراً منهم وقد سبقناهم إلى معرفة الله وتوحيده، فينا عرفوا الله، وبنا عبدوا الله، وبنا اهتدوا السبيل إلى معرفة الله.
يا عليّ: أنت منّي وأنا منك، وأنت أخي ووزيري. (كفاية الأثر: ١٥٧، بحار الأنوار٢٦: ٣٤٩/٢٣، غاية المرام١: ٤٦/١١.
وعن أبي عبد الله عليه السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام في خطبةٍ: (وإنّ جميع الرسل والملائكة والأرواح خُلقوا لخلقنا). (تفسير فرات الكوفي: ١٧٨، بحار الأنوار٣٥: ٣٩/٢٤).
أهل البيت عليهم السلام.. الأدلاّء على الله:
الأحاديث الواردة في هذا الشأن تشير إلى قضيّة مهمّة، وهي عبادة الله تعالى لقوله: (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، والعبادة بدون معرفته تعالى لا تعطي ما ينبغي منها على الوجه المطلوب، بل تكون هذه العبادة سبباً للعصيان والتمرّد، كما كان من إبليس حيث أراد أن يعبد حسبما يراه لا من الباب الذي أراده الله سبحانه وكانت المعرفة حاضرةً لديه إلّا أنّه لم يتبعها عناداً، ولم يذعن للحجّة التي جعلها الله عليه وهو آدم، فكانت عبادته أو عرضه للعبادة هباءً لا قيمة لها حيث روي عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ما مضمونه: بعد أن أمر الله تعالى إبليس بالسجود لآدم فقال: أسجد لك سجدةً لم يسجدها أحدٌ قبلي ولا بعدي، فأبى الله تعالى ذلك وجعل عبادته عناداً، وهو وإن أراد أن يعبد ربّه ويسجد له، لكن بحسب ما يراه لا بحسب ما يريده ربّه، إذن فمن دون المعرفة لا تكون العبادة عبادةً، بل تكون خلافاً للمقصود وتكون عناداً ومعاداةً، من هنا نجد أنّ وجود الحجج هو من أهمّ مقوّمات الحياة على هذه الأرض، إذ بدون ذلك تنتفي علّة الوجود، وفي القدسيّ (كنتُ كنزاً مخفيّاً فأحببت أن أُعرف فخلقتُ الخلقَ لكي أُعرف) (تفسير الرازي٢٨: ٢٣٤) ولا شكّ أنّ كمال المعرفة هي المقصودة من ذلك لا مجرد المعرفة، وكمالها لا يكون إلّا عند النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعليّ وآلهما، فقد ورد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قوله لعليّ عليه السلام: يا عليّ: ما عرف اللهَ إلّا أنا وأنت (مختصر بصائر الدرجات: ١٢٥). بل ورد عن الإمام الصادق عليه السلام ما رواه ابن أبي يعفور.
(نحن حجّة الله في عباده، وشهداؤه على خلقه، وأمناؤه على وحيه، وخزّانه على علمه، ووجهه الذي يؤتى منه، وعينه في بريّته، ولسانه الناطق، وقلبه الواعي، وبابه الذي يدلّ عليه. ونحن العاملون بأمره، والداعون إلى سبيله، بنا عُرف الله، وبنا عُبِدَ ونحن الأدلّاء على الله، ولولانا ما عُبد الله) (توحيد الصدوق: ١٥٢/٩).
وفي بصائر الدرجات: عن عبد الرحمن بن كثير قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: (نحن ولاة أمر الله، وخزنة علم الله، وعيبة وحي الله وأهل دين الله، وعلينا نزل كتاب الله، وبنا عُبد الله، ولولانا ما عُرف الله، ونحن ورثة نبيّ الله وعترته) (بصائر الدرجات: ٨١/٣).
ومن هذا كلّه يتبيّن أنّ خلق الأرض والسماء والبحر والفلك وكلّ ما يُرى وكلّ ما لا يُرى لأجل عبادته التي لا تتمّ إلّا بمعرفته والنبيّ وأهل بيته هم أساس هذه المعرفة لله والأدلّاء عليه ليتمّ سبب الخلقة وعلّة الإيجاد، وبهذا نفهم المقصود: ما خلقت سماءً مبنيّة ولا أرضاً مدحيّة... إلخ، إلّا في محبّة هؤلاء الخمسة، ولأنّهم هم الذين يكونون سبباً لمعرفته ومن ثمّ عبادته، وبذلك يتمّ قوله تعالى: (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ).
(٦١) ولا أرضاً مدحيّة: الأرض المدحوّة أي: المبسوطة، لقوله تعالى: (وَالأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها)، قال الراغب: أي: أزاحها عن مقرّها. وهي بيان قدرته تعالى في خلق الأرض فصارت مدحيّة، أي: مخلوقة بعد انبساط.
(٦٢) ولا قمراً منيراً: المنير: صفة للقمر، وهو دليل قدرته تعالى، وقد نسب الجعل والخلق لهذين الجرمين له تعالى استدلالاً على صانعيته وخالقيته المبدعة كما في قوله تعالى: (تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً) (سورة الفرقان: ٦١) وقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً) (سورة يونس: ٥) وتخصيص الشمس بالضوء والقمر بالنور من حيث أنّ الضوء أخصّ من النور، والبروج: هي منازل الشمس والقمر، والظاهر أنّ ضوء الشمس ونور القمر هو بفعل هذه التحوّلات في الأبراج التي جعلها الله تتحوّل من حالٍ إلى حال.
(٦٣) وقد سبق الكلام عن الشمس المضيئة التي جعلها الله برهاناً لقدرته.
(٦٤) ولا فَلَكاً يدور: الفَلَك مجرى الكواكب، قال تعالى: (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) (سورة يس: ٤٠). قال بعض المتأخّرين: فإنّ الواو والنون حقيقة لا يستعمل لغير العقلاء وقد أطبق الطبيعيّون على أنّ الأفلاك بأجمعها حيّة ناطقة عاشقة مطيعة لمبدعها وخالقها، وأكثرهم على أنّ غرضها من حركاتها نيل التشبّه بجنابه والتقرّب إليه جلّ شأنه، وبعضهم على أنّ حركاتها لورود الشوارق القدسيّة عليها آناً فآناً فهي من قبيل هزّة الطرب والرقص من شدّة السرور والمرح.
وذهب جمٌّ غفير منهم إلى أنّه لا ميّت في شيء من الكواكب أيضاً، حتى أثبتوا لكلّ واحد منها نفساً على حدة، تحرّكه حركةً مستديرة على نفسه. وابن سينا مال في الشفاء إلى هذا القول ورجّحه وحكم به في النمط السادس من الإشارات. ولو قال به قائل لم يكن مجازفاً، وكلام ابن سينا وأمثاله وإن لم يكن حجّة يركن إليها الربّانيّون في أمثال هذه المطالب إلّا أنّه يصلح للتأييد، ولم يرد في الشريعة المطهَّرة ما ينافي ذلك القول، ولا قام دليلٌ عقليٌّ على بطلانه، وإذا جاز أن يكون لمثل البعوضة والنملة فما دونها حياة فأيّ مانع من أن يكون لتلك الأجرام الشريفة أيضاً حياة؟ (قاموس الصحيفة، لأبي الفضل الحسيني، مادة: الفلك).
وهنا ذكر الفلك ودوراته لمناسبة الشمس والقمر اللذين هما واثبين في حركاتهما الفلكيّة، وإظهار قدرته وإعجاز خلقه يتناسب في التأكيد والبيان لعظمة إبداعه في مخلوقاته.
(٦٥) ولا بحراً يجري: أصل البحر: كل مكانٍ واسعٍ جامعٍ للماء الكثير، والجري: المَرّ السريع، وأصله: كرّ الماء، ولما يجري جريه، يقال: جري يجري جريةً جرياناً، قال عزّ وجلّ: (وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي) (سورة الزخرف: ٥١)، وقال تعالى: (جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) (سورة الكهف: ٣١)، ومعنى ذلك أنّ جريان البحر من قدرته تعالى أحيا بها كلّما خلقه سبحانه وتفضّل عليهم بذلك.
(٦٦) ولا فُلكاً تسري: الفُلك بضمّ الفاء: بمعنى السفن، وقد ورد في الذكر الحكيم بقوله تعالى: (حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ) (سورة يونس: ٢٢)، وقوله تعالى: (وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ) (سورة البقرة: ١٦٤)، وقوله تعالى: (وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ) (سورة فاطر: ١٢)، وقوله تعالى: (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ) (سورة الزخرف: ١٢)، وكلّ ذلك من مصاديق إبداعه ومظاهر قدرته، والسريان: الحركة الدائمة دون توقّف، ومنه سمّي الجدول السرّي، وجمعها السريان، أخذ من حركة الماء الدائمة غير المتوقّفة. ولمناسبة الفلك والبحر وترادفهما للعلاقة والارتباط بينهما.
(٦٧) إلّا في محبّة هؤلاء الخمسة: استثناء يفيد الحَصر، أي: ما خلقت شيئاً ممّا ذكرت إلّا لمحبّة هؤلاء، أي: سبب الخلقة وداعي الإيجاد، فهو من أجل هؤلاء، وهو مؤدّى حديث: (يا محمّد، لولاك ما خلقت الأفلاك، ولولا عليّ ما خلقتك، ولولا فاطمة ما خلقتكما)، وهو بيان لعلّة الخلق، حيث بهؤلاء تكتمل دواعي الخلقة، وهي العبادة والغرض من الإيجاد (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، فإنّ السير التكاملي العباديّ لا يتمّ إلّا عن هؤلاء ببيان إرادته تعالى، وكيفيّة عبادته، إذ لا يكون إلّا عن طريق الأتمّ في الرسالة والأكمل في التبليغ وهم محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام.
وقد بيّنّا ذلك ببعض البيان.
(٦٨) فقال الأمين جبرئيل: جبرئيل الأمين على وحي الله ورسالاته، وهو المؤتمَن على كلّ ما يبعث الله إلى رسله، أي: مؤدٍّ عن الله ما ائتمنه، وهو من الكروبيّين وهم سادة الملائكة وفي الحديث: (وجبرئيل هو رأس الكروبيّين) بتخفيف الراء.
وهنا لم يعلم جبرئيل مَن هُم تحت الكساء، حيث أثار تساؤله للعناية والاهتمام التي أولاها سبحانه لهذا المحفل الأرضيّ الذي هو تحت الكساء، ولعلّ جميع الملائكة كانت صاغية لذلك، إلّا أنّ جبرئيل أُذن له في السؤال، حيث لا أحد في حضرته وجلال قدسه يحقّ له أن ينطق ما لم يأذن له بالكلام، فكان قرب جبرئيل ومكانته إذناً بعد أن لا يحقّ لأحد أن يتكلّم إلّا بإذنه: (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا) (سورة النبأ: ٣٨). وإن كان انصرافها إلى يوم القيامة إلّا أنّ الحقّ أنّهم في كلّ حين لا يتكلّمون إلّا من أذن له الرحمن، وهذا شأن الملائكة في طاعته سبحانه، فهم من خشيته دائمون خائفون مشفقون. وكلام جبرائيل عليه السلام طلباً للعلم عمّن هُم تحت الكساء.
(٦٩) فقال عزّ وجلّ: كلمة تستخدم لتنزيه الذات عن كلّ ما لا يليق.
وعزّ: العزّ بمعنى الرفعة والغلبة والامتناع. و في قاموس الصحيفة: وقال بعضهم: عزّ سلطانك العزيز: هو النادر وجوده، الكثير الاحتياج إليه، فلو كثر وجوده وإن كان محتاجاً إليه كالهواء لم يكن عزيزاً إليه، وإن ندر وجوده كنبتٍ فريد في صحراء لم يسمّ عزيزاً، والله سبحانه أعزّ من كلّ عزيز، لوحدة وجوده والاحتياج التامّ إليه.
وهو الموصوف تعالى بالعزّة لقوله سبحانه: (أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً) (سورة النساء: ١٣٩)، فكلّ عزّة دونه ليست بعزيزة، فالعزّة المطلقة له سبحانه وما يترشّح منها لرسوله وللمؤمنين، كما في قوله تعالى: (لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) (سورة المنافقون: ٨)، بل هو ربّ العزّة وخالقها ومبدعها فلا عزّة دونه لقوله تعالى: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ) (سورة الصافات: ١٨٠).
وجلّ: بمعنى عظم وتناهى في الجلال والعظمة، قال الراغب: الجلالة: عظم القدر، والجلال ـ بغير الهاء ـ: التناهي في ذلك، وخصّ بوصف الله تعالى فقيل: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) (سورة الرحمن: ٢٧)، ولم يستعمل في غيره، والجليل: العظيم القدر، ووصفه تعالى بذلك: إمّا لخلقه الأشياء العظيمة المستدلّ بها عليه، أو لأنّه يجلّ عن الإحاطة به، أو لأنّه يجلّ أن يدرك بالحواسّ.
فتلخّص من ذلك: أنّ معنى عزَّ وجلّ: أي: الذي له المنعة والغلبة والقدرة ومن له العظمة، فقد عزّ عن كل شائبة أو أمر قبيح، وجلّ عن كل شيء، وقد ورد في دعاء الصباح لأمير المؤمنين عليه السلام: (يا من دلّ على ذاته بذاته، وتنزّه عن مجانسة مخلوقاته، وجلّ عن ملائمة كيفيّاته).
(٧٠) هم أهل بيت النبوّة: جواب لسؤال جبرئيل عليه السلام، حيث بدأ سبحانه بالتعريف بمن هم تحت الكساء، حيث لم يكتفِ بقوله فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها، بل عرّفهم لسكّان سماواته وملائكته الكرام بهذه التعريفات التي لم يغفل عنها ملائكة السماء، ولم يتنكّر لهم فيها، بل أراد سبحانه أن يصرف عنهم ما يوهم السامع بقلّة الاهتمام، بل أشعره بمزيد عنايةٍ وكبير تبجيل، كقول السائل حينما يسأل أحداً: مَن القادم؟ فلم يكتفِ بقوله: القادم زيد، بل عرّفه بأفضل التعريفات المشرّفة باهتمامه له بقوله: القادم ذلك العالم والعظيم والفاضل زيد، فيتلقّى السامع مزيد اهتمام لزيد من المعّرف به، وهكذا في جوابه تعالى، حيث لم يكتفِ بأسمائهم المباركة، بل عرّفهم بأنّهم: أهل بيت النبوّة، وواضحٌ حصر النبوّة في هذا البيت دون غيره، فدخول غير هذا البيت في دائرة المصطلح تعدٍّ مذموم.
(٧١) معدن الرسالة: أي: مركزها، لأنّ المعدن مركز الشيء بمعنى: أصله وأساسه، ومعدن الرسالة أي: أصل الرسالة وأساسها.
(٧٢) إظهار لعظمة فاطمة عليها السلام، حيث عّرف أهل البيت بها، وانتسابهم لها شيء يدلّ على خطورة مكانتها عليها السلام، فهي كالقطب الذي تدور حوله أنوار النبوّة، وذلك يؤول لقوله تعالى في الحديث القدسيّ: يا محمّد، لولاك لما خلقت الأفلاك، ولولا عليّ لما خلقتك، ولولا فاطمة لما خلقتكما (انظر: مذهب أهل البيت عليهم السلام: ٤٩، وطهارة آل محمّد عليهم السلام: ١٦٥). فكونها عليها السلام بدء الوجود ومنتهاه، وعلّة التكليف وغايته.
والتعريف بفاطمة عليها السلام له أسباب عدّة كما نراها:
السبب الأوّل:
إنّ فاطمة نورها ملتقى نورين: نور النبوّة ونور الإمامة، والتعريف بها كونها مجمع نوريهما، وهذا مقام نوريّ لا يدانيه مقام، حيث برزخيّته النوريّة بين النبوّة والإمامة يعطيه استقلالاً آخر، فلا هو نورٌ نبويّ، ولا هو نورٌ إماميّ، بل هو (نورٌ فاطميّ) نبويّ ـ علويّ، وبذلك فقد حقَّ التعريف بها لأنّه يؤول للتعريف بهما ـ أي: بمحمّدٍ وبعليٍّ (صلوات الله عليهما) ـ وهما نوران مستطيران قائمان بنفسيهما صلوات الله على أنوارهم جميعاً وأرواحهم وأبدانهم وأجسادهم.
السبب الثاني:
إنّ النور الفاطميّ بوجودها عليها السلام معرَّفٌ عند جبرئيل عليه السلام، ومعلوم أنّ التعريف المنطقي يبدأ من أوضح البديهيّات الواضحات ليدخل إلى تعريف الأخفى، وفاطمة عليها السلام واضحة التجلّيات لدى جبرئيل وسكان السماوات، فابتدأ سبحانه بالجواب بأجلى التعريفات، لينتهي بنتيجة التعريف ويوضح لأخفى المصاديق، وهم محمّد وعليّ عليهم وعلى آلهم الصلوات الزاكيات فيما تغتدي وتروح.
السبب الثالث:
لعلّ اهتمام جبرئيل وسكان السماوات منصبٌ على النبيّ وعليّ عليهما السلام، وعدم وضوح مقام فاطمة بلحاظها النوريّ المعصوميّ، فأراد سبحانه استرعاء انتباه جبرئيل وسكّان السماوات بمقام فاطمة عليها السلام فقال: هم فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها.
وبهذا فقد وقفنا على بعض أسباب التعريف بفاطمة عليها السلام كما أرشدتنا على ذلك بعض الأدلة، والله أعلم بحقائق الأمور.
(٧٣) تمنّي جبرئيل أن يكون معهم بعد أن عرّفهم ربُّ العزّة بهذه الأوصاف، بل سبق منه تعالى أنّه ما خلق خلقاً أكرم وأعزّ منهم عليه، فكلّ ما خلقه الله تعالى هو لأجلهم. على أنّ استئذان جبرئيل بالهبوط إلى الأرض بحثٌ يحتاج إلى بعض الكلام، حيث عبّر عن نزوله إلى الأرض بالهبوط، يعني انتقاله من العالي وهو مقام الملكوت وكونه بين يدي ربّ العزّة إلى مكانٍ أقلّ وهي الأرض، حيث هي مكان للمعاصي وعدم الطاعة والإفساد كما عبّر عن ذلك الملائكة من قبل (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا) (سورة البقرة: ٣٠) وهو استنكار استفهامي عن سبب خلق غير الملائكة في الأرض حينما قال سبحانه: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) (سورة البقرة: ٣٠)، وقد أردنا الإشارة إلى أنّ الأرض مكان غير السماء، فهي أقلّ منها رتبة، لذا كان التعبير بالهبوط.
والإذن الذي طلبه جبرئيل من الله قبل هبوطه إشارة إلى أنّهم: (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) (سورة الأنبياء: ٢٧)، بل أكّد القرآن أنّ ما يرسله تعالى من مَلَك لا يكون إلّا بإذنه، ومنهم وحيه الأمين وهو جبرئيل لقوله تعالى: (مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ) (سورة البقرة: ٩٧)، بل لعموم الملائكة، كما في قوله تعالى: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ) (سورة القدر: ٤) بل كلٌّ يعمل بإذن ربّه، كما في قوله تعالى: (وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى) (سورة النجم: ٢٦)، فالإذن الإلهيّ لا يفارق حركة الملائكة صغيرةً أو كبيرةً، فهم يعملون بأمره وإذنه تعالى.
(٧٤) أذنت لكَ: الإذن هنا على الظاهر ألقاه في قلبه، وهو كلّ أمر إلهيّ لا يكون من كلمات وألفاظٍ وحروف، بل هو إلقاء الأمر في روع النفس ومكنونها، وقد أشرنا إلى ذلك فيما سبق.
(٧٥) فهبط الأمين جبرائيل: الحركة الهبوطيّة والصعوديّة ليست من جنس حركاتنا الماديّة، فالأجساد النورانيّة لا تخضع للقانون المادّي، ولا تكون أسيرة للمكان والزمان المادّيين، بل هي متحرّرة ناشطة في فضاءات ما وراء المادة، والأجسام المقيّدة بقوانين المكان والزمان تبقى محدودة الحركة دون أن تتجاوز حدود قابلياتها الماديّة، لذا فهي تخضع إلى الحركة الانتقالية الكاملة لأجسادها، في حين أنّ الملائكة لا تخضع إلى قيود المادّة بل تتمرّد عليها كونها أجسام لطيفة حُرّة تنتشر بما يسمح لها الفضاء من الانتشار دون البقاء تحت قيود الزمن، لذا فهي تنتقل في طرفة عين لتقطع مسافات ضوئية شاسعة، ولعلّ هبوط جبرئيل عليه السلام يحدّد بحساب زمان معيّن، فيكون بين مقرّه الملكوتي وبين الأرض أقلّ من طرفة عين، أو معشار معشار طرفة عين فسبحان المبدع المصوِّر.
ولابدّ من معرفة علّة الاستئذان هنا، حيث ذكر الشيخ محمد باقر الكجوري قدس سره في علّة استئذان جبرئيل من الله والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالدخول تحت الكساء: ولجبرئيل خصوصيّة من بين مفردات السلسلة الملكوتيّة في حفظ الأسرار والحرمة المعنويّة مع السيّد المختار، فله موقع خاصّ من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من بين سكّان السماوات، وكما كان لأمير المؤمنين عليه السلام موقع خاصّ منه في الأرض، ولذا استأذن جبرئيل في الدخول تحت الكساء ـ في حديث الكساء ـ مع وجود فاطمة، ثمّ أذن له، فدخل ونال ذاك الشرف العظيم.
وفي رواية: أنّه باهى بهذا الإذن ملائكة السماء.
(٧٦) السلام عليك يا رسول الله: واضح أنّ الابتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سلام جبرئيل دلالة ببيان أشرفيّته على بقيّة أهل الكساء، وذلك كاشف عن تكريم الله له حيث ابتدأه بالسلام ثمّ خصّه بالتحيّة والإكرام، وهو مُشعِر بعنايةٍ تفوق كلّ المخلوقين حتّى أصحاب الكساء.
(٧٧) العليّ الأعلى: صفة لله سبحانه وتعالى، والعليّ من العلوّ، أي: الارتفاع، وقد علا يعلو علوّاً وهو عالٍ، وعليّ يَعلى علاءً فهو عليّ، وهو مشترك للأمكنة والأجسام كذلك، كما في قوله تعالى: (عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ) (سورة الإنسان: ٢١)، وعلا: يقال في المحمود والمذموم (وعليّ) لا يقال إلّا في المحمود، ففي الشيء المذموم كما في قوله تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ) (سورة القصص: ٤)، وقوله تعالى: (لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ) (سورة يونس: ٨٣)، وقوله تعالى: (إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ) (سورة المؤمنون: ٤٦)، وكثير من الآيات تشير إلى العلوّ بمعنى الاستكبار والتعسف وعدم الحقّ، أمّا في المعنى المحمود فقد وُصف به تعالى، حيث هو الرفيع القدر من علي وقد ورد في قوله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) (سورة لقمان: ٣٠)، وقوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيراً) (سورة النساء: ٣٤)، فمعناه: يعلو أن يحيط به وصفُ الواصفين بل علم العارفين، وعلى ذلك يقال: تعالى نحو قوله: (تَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (سورة النمل: ٦٣)، وقال الزركشي في البرهان: وتخصيص لفظ التفاعل لمبالغة ذلك منه لا على سبيل التكلّف كما يكون من البشر. (البرهان للزركشي٢/ ٣٥٩).
(٧٨) يقرؤك السلام: بمعنى يحمله السلام إذا ألقاه عليه. قال الطريحي: فلانٌ يقرؤك السلام، قيل: أي: يحملك على قراءة السلام، يقال: اقرأ فلاناً السلام، واقرأ عليه السلام، كأنّه حين يبلّغه سلامه يحمله على أنّه يقرأ السلام ويردّه، كما إذا قرأ القرآن أو الحديث على الشيخ يقول: أقرأني فلان، أي: حملني على أن أقرأه عليه، ومنه (أقرأني النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم خمسة عشرة سجدةً)، أي: حمله أن يجمع في قراءته ذلك، وقيل: اقرأه عليك، أي: اتله عليك، واقرأه منّي السلام، أي: بلّغه سلامي، ويقرؤك السلام، أي: يبلّغك السلام ويتلوه عليك.
(٧٩) يخصّك بالتحيّة والإكرام: تخصيص النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالتحيّة والإكرام من الله تعالى مزيد تشريف وكبير عنايته له، وبيان لمقامه الأقدس.
والتحيّة مشتقّ من الحياة، وهو دعاء المتكلّم للمخاطَب بأن يسلّمه من كلّ مكروه وأشدّ المكاره وهو الموت، ويؤول ذلك الدعاء له بالحياة التي هي من أحسن ما يتمناه المتكلّم للمخاطب إذا أراد أن يحسن له في خطابه، بل أراد المتكلم من تحيّته للمخاطب السلام، أي: السلامة من كلّ آفةٍ وعاهةٍ ومكروه.
(٨٠) والإكرام: أي: فوق التحيّة والسلام، وهو الإكرام، أي: يزيده تعالى كرامة فوق كرامة حتّى يبلغ مبلغاً يكون معه التكريم إكراماً فهو اسم مصدر، أي: ما يكون سبباً لصدور الكرامة وهي مبلغ العطاء ومنتهاه.
(٨١) وعزّتي: العزّة بمعنى الرفعة والامتناع والغلبة، قال بعضهم: عزَّ سلطانك العزيز: هو النادر الوجود الكثير الاحتياج إليه، وهنا الواو للقسم فقد قسم بعزّته تعالى.
(٨٢) جلالي: الواو للقسم، والجلال بمعنى العظمة والارتفاع، أي: وعظمتي وارتفاعي، وهو بيان قدرته تعالى. والجلال تنزيهه عن كلّ ما يقبح وارتفاعه، أي: ترفّعه عن كلّ قبيح.
(٨٣) لأجلكم: اللام تعليليّة، أي: علّة الخلق وغايته هم أنتم أهل البيت، ويقال: من أجله صار كذا، أي: من سببه كان كذا.
(٨٤) محبّتكم: المحبّة ميل الطبع إلى الشيء الملذّ، ويقابلها البغض ونفور الطبع من المؤلم المتعب، ومحبّته تعالى لأهل البيت يعني إرادة إكرامهم وتعظيم منزلتهم ودرجتهم ورفيع قدرهم.
(٨٥) أتأذن لي يا رسول الله: استئذان الرسول يأتي بعد استئذان الله تعالى، وهو من قبيل الطاعة بترتيبها الطولي، لقوله تعالى: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (سورة آل عمران: ١٣٢) مع أنّ الخطاب للمكلّفين.
فهل يشمل الملائكة، جبرئيل ومن دونه؟
والجواب: أنّ الآية ناظرة إلى مطلق الطاعة وبيان مقام التكريم للنبيّ وكون طاعته مطلقة والإطلاق غير مقتصر على الأحكام وحدها ليكون الخطاب للمكلّفين، بل يشمل كذلك غير الأحكام، أي: مطلق الطاعة، ليكون غير المكلّفين داخلين في الخطاب ومنهم الملائكة وغيرهم من الخلائق أجمعين.
واستئذان جبرئيل من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يشير إلى القيمومة والهيمنة لمقامه صلى الله عليه وآله وسلم على جميع المقامات الملكوتيّة وما دونها، وهي إشارة جليلة في هذا المقام.
على أنّ هنا سؤال لعلّه يتردّد في هذا المقام وهو: ما معنى استئذان جبرئيل مرّة ثانية من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بعد الاستئذان الأوّل من الله تعالى.
وللجواب على ذلك نقول: إنّ إذن الله تعالى على نحو الرخصة والإباحة والتخيير، والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إن لم يأذن هنا في هذا المستوى من الإذن لم يخالف أمره سبحانه، ومعنى ذلك أنّ هناك فرضٌ وهناك نافلة، فما في الفرض لا يمكن أن يخالفه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وما في النفل مخيّر بين الإذن وبين عدمه، وما حصل في استئذان جبرئيل من النبيّ بعد استئذانه من الله هو على النحو الثاني، أي: إذن الله ليس إذناً مولويّاً، بل هو إذن تخييريّ، وترك ذلك إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يأذن أو لا يأذن، كما في تخييره للنوافل دون الفرائض..
وبذلك فلا مجال للإشكال بأنّ إذن النبيّ قد يعارض إذن الله، فإذنه صلى الله عليه وآله وسلم طوليّ في طول إذن الله تعالى وليس عرضيّاً كما هو واضح عند التمعّن وتدقيق النظر.
(٨٦) يا أمين وحي الله: شهادة النبيّ لجبرئيل بأمانة الوحي بعد فترة من البعثة النبويّة ومعاينة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لما كان عليه جبرئيل من طاعة وتفانٍ في الرضا الإلهي الذي بلغه جبرئيل، فأقرّ له ما هو عليه من الأمانة والطاعة والإخلاص لله تعالى.
(٨٧) فدخل جبرئيل معنا تحت الكساء: دخول جبرئيل مع أهل الكساء وانضمامه معهم إشارة بليغة في اندكاكه فيهم والبخوع لهم، والتأكيد على أنّهم هم الوحي المؤتمن عليه من الله تعالى، بل هم الرسالة التي يبلّغها للخلق أجمعين، لكن عن طريقهم ووسائطهم النورانيّة التي هي أجسادهم في مرتبة من مراتب النورانيّة وأرواحهم التي هي مرتبة أسمى لا يعلمها إلّا بارئها. وهذا يرجع إلى القول في أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم العقل الكلّي، أي: الصادر الأول لكلّ المخلوقين ومنهم جبرئيل عليه السلام، حتّى عبّر بعضهم أنّ الوحي عبارة عن وحي النبي إلى نفسه من نفسه.
(٨٨) (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا): إخبارٌ عن إرادة الله في إذهاب الرجس عن أهل الكساء، والرجس: كل شيء مستقذر فهو رجس، على أنّ إزالة الرجس المعنوي والروحي هو المقصود، مع كون إزالة الرجس الماديّ الظاهري مفروغٌ عنه، ولا معنى للحديث عنه؛ لأنّ البديهيّ الواضح لا يحتاج إلى مزيد بيان، بل بيانه لغوٌ عند العقلاء لا تقتضيه الحكمة، فالحديث عن الرجس الروحي وأقبحه الذنب، وهل الإرادة هذه المُخبر عنها إرادة تشريعيّة أم تكوينيّة أم كلاهما معاً.
الظاهر أنّها الأخير، فمن جهتها فهي إرادة تشريعيّة، حيث شرّع سبحانه التطهير، أي: ملازماته وأظهرها عصمتهم المتفرّع عنها طاعتهم، فطاعة الذين أذهب عنهم الرجس بمقتضى العصمة والتي تعني تنزيههم عن القبيح.
ومن جهة أخرى فهي تكوينيّة، أي: جعل فيهم ما يقتضي عصمتهم، لما علم منهم الصدق في سابق علمه وفي عوالم الأشباح في تنزيه أنفسهم عن القبيح، فأعانهم وأرشدهم بعد أن علم أهليّتهم واستحقاقهم للتنزيه والتطهير، وبذلك استدلّوا على عصمتهم بآية التطهير، بل شهادة الله لهم في تطهيرهم.
(٨٩) فقال عليٌّ لأبي: أخبرني...: استفهام عن أهمية هذا الاجتماع الذي حدث تحت الكساء عند الله تعالى حيث الفضل الذي يشير إليه هبوط جبرئيل ليكون معهم سادساً، إذ ذلك يأذن بوجود حالة خاصّة لها مقامها وشأنيّتها، بعد القسم الصادر منه تعالى في بيان فضل هؤلاء المجتمعين تحت الكساء، وإشهاد الملائكة وسكّان السماوات بعظمة هؤلاء، وأن لولاهم لما خلق الله هذا الخلق، ممّا يشير إلى عناية فائقة لهذا الاجتماع، وفيه من بيان فضلهم وعلوّ مراتبهم ما لا يخفى على المتابع لأحداث هذا الاجتماع ووجود هذا الجمع القدسيّ.
(٩٠) والذي بعثني بالحقّ نبيّاً: الواو للقسم، والذي اسم موصول لصلة جملة بعثني بالحقّ نبيّاً، أي: أقسم بالذي بعثني بالحقّ نبيّاً، وهو تأكيد على حقيقة بعثته وصدق رسالته.
(٩١) واصطفاني بالرسالة نجيّاً: الاصطفاء هو الاختيار من اختيار صفو الشيء، والاجتباء مثله، واختيار الله لعباده يعني اصطفاءهم بحكمته وإرادته، وقد وردت في ذلك آيات كثيرة: (اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (سورة الحج: ٧٥) وقوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا) (سورة آل عمران: ٣٣) وقوله تعالى: (يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ) (سورة آل عمران: ٤٢) وقوله تعالى: (وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ) (سورة ص: ٤٧)، واصطفاه للنبوّة: اختاره على عِلم منه لرسالته.
(٩٢) نجيّاً: بمعنى استخلاصه لسرّه، كما في قوله تعالى: (وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا) (سورة مريم: ٥٢)، أي: خصّه لسرّه، كما أنّ التناجي هو اختصاص الشخص بهذه المناجاة التي لا تحدث إلّا سرّاً، فقد خصّه بسرّه دون غيره، والغالب أن يكون بسبب القرب أو لخصوصية المناجى من المناجي، كذلك الاستخلاص للسّر هو النجيّ، فاصطفاء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم للرسالة نجيّاً تأكيداً على قربه لله تعالى واختصاصه به.
(٩٣) ما ذُكر خبرنا هذا: اسم الإشارة يدلّ على الذكر المعهود، وهو خبر اجتماعهم عليهم السلام تحت الكساء، وهو بيان لآثار هذا الذكر، لكن هل هو بمعنى الدعاء أو كون مجرّد ذكره له تأثيره التكوينيّ؟
الظاهر هو ليس دعاءً بل له آثار الدعاء، أي: لمجرّد ذكر هذا الخبر سيكون له تأثيره التكوينيّ من نزول الرحمة، وهو كما في تلاوة القرآن الكريم فإنّ مجرّد تلاوته تكون لها آثارها من البركات التي لا تُحصى، حتّى وردت أخبار بمضامين مختلفة، منها عن عليّ بن موسى الرضا عليه السلام قال: (اجعلوا لبيوتكم نصيباً من القرآن فإنّ البيت إذا قُرِئَ فيه القرآن يسّر على أهله وكثر خيره وكان سكانه في زيادة، وإذا لم يُقرأ فيه القرآن ضيّق على أهله وقلّ خيره وكان سكّانه في نقصان) فمجرّد التلاوة ولو من دون التفقّه فيه له هذه الآثار المذكورة. وعن عليّ عليه السلام قال: (أحسنوا تلاوة القرآن فإنّه أسنّ القصص، واستشفوا به فإنّه شفاء الصدور).
وكثير من الأحاديث التي أشارت إلى أثر مجرد القراءة، أي: لها آثارها التكوينيّة، كما أنّ مجرّد نزول القرآن على الجبل له آثاره كذلك ففي قوله تعالى: (لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) (سورة الحشر: ٢١)، فقد ذهب بعضهم إلى إمكانيّة تأثّر الجمادات بالقرآن الكريم لتعقّلها ومن ثم تأثّرها بالقرآن، وهذا تقريب لمعنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم (ما ذُكر خبرنا هذا) حيث آثار الذكر ممّا لا ينكرها أحد.
كما أنّ تلاوة آيات القرآن الكريم عند أهل الاختصاص لها آثارها، أي: لكلّ آية أثر، وهكذا هو قراءة الحديث وذكره له آثاره التكوينيّة كما هو واضح.
(٩٤) في محفلٍ من محافل أهل الأرض: المحفل: اسم موضع الحفل وهو الموضع للاجتماع أي مجلس الجمع، والمحفل هذا مضاف إلى أهل الأرض لإرادة الاختصاص بهم، ولا يبعد التعدّي إلى غيرهم، أي: ذكره في محفل أهل السماء له آثاره كذلك، لكنّ محفل أهل الأرض ورد من باب التغليب.
(٩٥) وفيه جمعٌ: تأكيد للمحفل الذي يضمّ الجمع، وهنا إشارة لطيفة إلى أنّ المحفل يمكن أن يكون اسم مكان مجرداً عن الجمع، فهو من باب مجلس، أي: اسم آلةٍ لجلوس الناس، والجمع: هم المجتمعون في هذا المحفل.
(٩٦) شيعتنا ومحبّينا: الشيعة: الأتباع والأعوان والأنصار وكل قوم اجتمعوا على أمرٍ فهم شيعة، ثمّ صارت الشيعة جماعة مخصوصة، والجمع شِيَع مثل سِدرة وسِدَر، وفي النهاية: أصل الشيعة الفرقة من الناس، وتقع على الواحد والاثنين والجمع المذكر والمؤنث بلفظ واحد ومعنى واحد، وغلب هذا الاسم على كلّ من يزعم أنّه يوالي عليّاً وأهل بيته حتّى صار لهم اسماً خاصاً. (راجع مجمع البحرين، مادة: شيع). ومحبّينا: فإنّ الحُبّ أعمّ، حيث الحُبّ ميل النفس إلى المحبوب وليس بالضّرورة اتّباعه ومشايعته، أمّا الشيعة فهم محبّوهم والسائرون على نهجهم وهداهم.
وهل المراد من قوله صلى الله عليه وآله وسلم أنّ محبّيهم هم شيعتهم بالمعنى الأعمّ أم أنّ الإضافة بيانيّة، حيث أنّ شيعتهم هم محبّوهم، أم أنّها استئنافية فإنّ المحبّين غير الشيعة كذلك؟
الظاهر أنّ المراد من محبّينا هم شيعتنا، وعلى نحو التأكيد فإنّ ما من شيعةٍ إلّا وهم محبّوهم، أو أنّ محبّيهم صفة أخرى وغير شيعتهم، حتّى أنّ كلّ من مال إليهم بقلبه وأحبّهم حتّى لو لم يكن من شيعتهم فإنّ آثار ذكر الحديث تشمله؟
الظاهر أنّه كذلك، فإنّ لأثر الحديث وجوده حتّى عند محبّيهم من غير شيعتهم، والله أعلم بحقائق الأمور.
(٩٧) إلّا ونزلت عليهم الرحمة: إلّا: حصريّة، أي: حصر جزاء، بمعنى لا يذكر أحد ذلك إلّا والرحمة نازلة عليهم، أي: جزاء الذكر محصور بالرحمة النازلة. وما معنى الرحمة النازلة، هل نزولها حدوث مجازيّ، حيث نزول الملائكة ومعها الرحمة فذَكَرَ اللاّزم لمعرفة الملزوم، أو هو نزول حقيقيّ بمعنى البركة والمغفرة وهما غير محسوستين، ولعلّ كلا المعنيين وارد، حيث نزول الملائكة والرحمة فيها والمغفرة معها.
(٩٨) حفّت بهم الملائكة: أي: طافت بهم وأحاطتهم من كل أرجائهم، وهو بيان لعناية الملائكة التي أحاطت أهل الذكر.
ومن المؤكّد أنّ حفّ الملائكة بالفرد أو بالجمع هو من باب بيان العناية ووجود الأثر التكوينيّ لحفّ الملائكة بهؤلاء، ولعلّ من آثار وجود الملائكة نزول الرحمة وجميع ملازماتها من الشفاء والرزق والبركة إلى غير ذلك من الآثار.
(٩٩) واستغفرت لهم: أي: الدعاء لهم بالمغفرة وهو اسم من الغفر بمعنى الستر ثمّ أطلق على الصفح عن الذنوب.
والملائكة دائمة الاستغفار والذكر حيث من ضروريات بقاء الملائكة وحياتهم هو الذكر والتسبيح والتقدير لله تعالى ولعلّ كلّ ثواب ذلك لأهل الجمع الذين يذكرون خبرهم عليهم السلام فيكون ثوابه لهم، أو استغفار الملائكة على نحو الحقيقة لهؤلاء الذاكرين للخبر.
(١٠٠) إلى أن يتفرّقوا: فان انتهاء دعاء الملائكة للذاكرين مغيّى بغاية التفرّق وانفضاض المجلس، بغاية الانتهاء من الذكر، بمعنى أنّ ما بعد الذكر تبقى الرحمة محفوفة بأهله إلى غاية تفرّقهم، وهذا مزيد عناية وكبير اهتمام بأهل الذكر لخبرهم عليهم السلام.
(١٠١) إذن والله فزنا: إذن: حرف جواب وجزاء ناصبة لمضارعها استقبالاً كما في قوله (آتيك) فتقول: إذن أُكرمك، وهو جزاء للمضارع بصيغته الاستقبالية، وهكذا بعد أن ذكروا خبرهم عليهم السلام وحفّت بهم الملائكة فكان جزاء ذلك الفوز بالرضا الذي هو الجنّة والخلود.
(١٠٢) وفاز شيعتنا: كأنّه اللازم لفوزهم وهو فوز شيعتهم، وهو بيان من كون شيعتهم من طينتهم عليهم السلام فما أصابهم أصاب شيعتهم، حيث: شيعتنا خُلقوا من فاضل طينتنا، يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا وهي العلاقة النورانيّة بين نورانيّتهم عليهم السلام وبين أصل شيعتهم النورانيّة.
(١٠٣) وربِّ الكعبة: قسم بالله تعالى، ونسبته تعالى إلى أشرف مخلوقاته وهو من باب التعظيم والتبجيل.
(١٠٤) والذي بعثني... ومحبّينا: تكرار الجملة من باب التأكيد لمزيد العناية والاهتمام بالواقعة، وهو وارد في القرآن الكريم كقوله تعالى: (وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ * رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ * مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ * بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ). وهو مشعر باهتمام المتكلّم في تأكيد المورد.
وهكذا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ذكر الاجتماع هذا مكرّراً على نحو التأكيد وبيان الاهتمام منه صلوات الله وعلى أهل بيته.
(١٠٥) وفيهم مهمومٌ... وكشف الله غمّه: قال في قاموس الصحيفة: الهمّ والغمّ قيل: كلاهما بمعنى الحزن، وقيل الغمّ: الكرب وهو الحزن الشديد فيكون أخصّ من الهمّ، وقيل: الهمّ ما يقدر الإنسان على إزالته كالإفلاس، والغمّ: ما لا يقدر على إزالته، كموت الولد.
وقالوا: إنّ الهمّ قسمان: قسم يختصّ بالدنيا وعلائق أحوالها، وقسم يختصّ بالآخرة.
أمّا الذي يختصّ بالدنيا: فهو الذي يجب التخلّي عنه والرغبة إلى الله تعالى في كشفه وإزالته، إذ كان أعظم شاغل للعبد وقاطع به عن سلوك سبيل الحقّ وقصده، بل أشدّ مهلك جاذب له عن الترقّي في مدارج القرب إلى الحضيض. وأما الذي يختصّ بالآخرة: فهو الذي يجب التحلّي به وحمل النفس عليه وعدم الانفكاك عنه، إذ كان أعظم آخذ بزمام النفس إلى سلوك سبيل الهدى وأشّد جاذب إلى الوصول إلى ساحل عزّة ذي الجلال ومطالعة أنوار كبريائه، كما أشار إلى ذلك أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه في خطبة له، حيث قال: (إنّ من أحبّ عباد الله إليه عبداً أعانه على نفسه فاستشعر الحزن وتجلبب الخوف، فزهر مصباح الهدى في قلبه... إلى أن قال: قد خلع سرابيل الشهوات وتخلّى من الهموم إلّا همّاً واحداً انفرد به فخرج من صفة العمى ومشاركة أهل الهوى... إلى آخره.
وفرّج الهم وكشف الغم، بمعنى أزالهما، ولعلّ الفرج من الهمّ التخلّص منه، والانكشاف أشدّ تكلّفاً من الانفراج، إذ الغمّ أشدّ من الهم، وكأنّ الغم منطبقٌ على صاحبه فينكشف عنه بالإزالة.
(١٠٦) قضى الله حاجته: أنجزها كما يحبّ، وأنهاها كما يريد، والحاجة مطلق التمنّي حيث أنجزها بقضائه، أي: بحكمه وإرادته وهي من باب الأمر النفسيّ الخارج عن الألفاظ المعهودة، بل هو في عوالم (كن) المتعلّقة بأمره وقضائه.
(١٠٧) إذن والله فزنا وسعدنا: جواب لما قبلها من أمور، وهي ملازمات مطلق العناية الإلهيّة لمن يذكر خبرهم هذا، وأجلى مصاديقها الفوز بالجنان والسعادة بالرضوان.
(١٠٨) فازوا وسعدوا في الدنيا والآخرة: متعلّق الفوز والسعادة وظرفهما، حيث الدنيا والآخرة، بمعنى الرعاية لهم في الدنيا والعناية بهم في الآخرة.
وهي إشارة لطيفة إلى أنّ موالاتهم عليهم السلام هي من أسباب السعادة الدنيويّة ولا تقتصر على السعادة الأخرويّة، حيث (فاز وسعد من والاكم) كما في الزيارة الجامعة، فالفوز الدنيويّ والأخروي بموالاتهم، فلا يظنّ أحد أنّ فوزه في موالاتهم هي في المسألة الأخرويّة فقط، بل الفوز الدنيويّ من آثار ولايتهم ومودّتهم عليهم السلام، وما ورد من أنّ الموالي لأهل البيت يعاني المصائب والبلايا في الدنيا، فهو من باب الاختبار والامتحان الذي يكون له شأنه وأهميته في هذا المضمار.
(١٠٩) بربّ الكعبة: الباء للقسم وهي تخصّ الاستعانة، أي: أستعين بالله على قولي إنّنا فزنا وفاز شيعتنا، وهو تشديد وتأكيد.
(١١٠) حفلت القريحة الأدبيّة للعلماء والشعراء بفيضٍ من مشاعر الاهتمام ودواعي الإعجاب لحادثة الكساء وتحرّكت قرائح الكثير منهم لنظم هذا الحديث بطريقة توثيقيّة تُشعرك بصدق هذه المشاعر في احتواء الحادثة بمنهجيتها الشعريّة حتّى بدت أنّها من أهمّ الجهود التي ساهمت في تثبيت حقيقة هذه الواقعة.
وسنشير إلى فيض القصائد مع استقصاء للجهود الأدبيّة التي قدّمتها قرائح الشعراء لتسجيل هذا المحفل القدسيّ المبارك.
(١١١) رياض المدح:٤١٠ ـ ٤١٨, شعراء القطيف:٢٨١.

المرفقات المرفقات:
التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 

التعليقات

 
COMMENTS_EMPTY

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
التحقق اليدوي: * إعادة التحميل