فهرس المكتبة الحسنية

   

البحث في المكتبة التخصصية

 
 

كتاب مختار:

   

المسار

  الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية » كتب أخرى » كلمة الإمام الحسن عليه السلام  

كتب أخرى

 

الكتب كلمة الإمام الحسن عليه السلام

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: السيد حسن الشيرازي التاريخ التاريخ: ٢٠١٥/١٠/١٢ المشاهدات المشاهدات: ١١٧٥٧ التعليقات التعليقات: ٠

كلمة الإمام الحسن عليه السلام

تأليف: السيد حسن الشيرازي

الفهرس

المقدمة
إلهيات
الحمد لله
صفة الله
الله عارضنا
لا تناله الأوهام
القدر
لا جبر ولا تفويض
عفو الله
لطف الله
الجواد
القرآن
ولائيات
الولاية
الله أدّب نبيّه
علم آل محمّد
علم الإمام
علم أمير المؤمنين (عليه السلام)
الله يصوّر أهل البيت
نحن الأوّلون
لنا العاقبة
حبّنا
نحن الأبرار
الأئمّة منّا
انا الحسن بن علي
نحن احد الثقلين
اتقوا الله
إعقلوا عن ربّكم
من كان يباهي
لو دعوت الله تعالى
ما وراء الأرض
فيّ عزّة
الشيعي والمحب
يتيم آل محمد
عبادات
الصلاة
أهل المسجد
الاختلاف إلى المساجد
الزكاة
البيت والحجر
الله يباهي بعباده
مواعظ
جوامع الموعظة
استجيبوا لله
التقوى
المتقون
أهل النار
المبادرة إلى العمل
تزودوا
حبّ الدنيا
دار غفلة
المأكول والمعقول
النهي عن اللعب
تعزية
الاجمال في الطلب
يستجاب دعاه
الموت يطلبك
الموت
هول المطّلع
أخلاق
أخ كريم
صفات الأخ
تفسير الأخلاق الفاضلة
مكارم الأخلاق
فضائل
العقل
العقل والحلم
العقل والهمة والدين
المروءة
المروءة والكرم والنجدة
الصمت
الذل واللؤم والعقوق
الكبر والحرص والحسد
البخل
الناس أربعة
أحسن الناس
أشرّ الناس
شرّ الناس
اذا طلبتم الحوائج
لا تمدح ولا تكذب
السلام
التقبيل
آداب الطعام
غسل اليدين
لقطات من الاخلاق
العلم
علّم وتعلّم
حسن السؤال
سياسيات
السياسة
ما يجب على الملك
استنصار
غضبنا الله ولكم
رفض وتوبيخ
حكما بالهوى
شرط البيعة
استفتاء عامّ
اعلان الحرب
التعبئة الفكرية
تعاليم حربية
عبيد الدنيا
تخلّف الجيش
ابناؤكم على ابواب أبنائهم
استفتاء عام
معاوية خير لي
قرار المصير
اعذار
عند الله احتسب
حسبي منكم
تركت حقي لصلاح الأمة
كفوا أيديكم
سيوفهم علينا
على الملك
ولكني أردت صلاحكم
لا تعنفني
تباطؤ اصحابي
علمت ما ينفعني
سمعت كلامك
كرهوا الحرب
خشيت أن يجتثّ المسلمون
أردت حقن الدماء
لا تؤنبني
هو خير
جماجم العرب
لا تعذلوني
أنا إمام قمت او قعدت
إنّ الله بالغ أمره
رسائل
إنذار
أدخل في طاعتي
انا من اهل الحق
خطبي انتهى إلى اليأس
وثيقة الصلح
لو قاتلت احداً
شفعني في سعيد
للعاهر الحجر
سيصير اليها الآخرون
مناقضات
الحسن ومناوئوه (١)
الحسن ومناوئوه (٢)
الحسن ومناوئوه (٣)
الحسن ومناوئوه (٤)
الحسن ومناوئوه (٥)
الحسن ومناوئوه (٦)
الحسن ومناوئوه (٧)
الحسن على لسانه
الحق أبلج
نحن المغبوطون
لشد ما علوت به
ملكنا وملككم
ران على قلوبهم
ابليس شارك أباك
بل اراد الغدر
الشاتم علياً
انا ابن النبي
وصايا
لا تهرق محجمة دم
اصرفني إلى أمي
الحسين إمامك بعدي
الحسين خليفة بعدي
لا تترك الجهاد
متفرقات
ما خفي عليك شيء
الخضر يسأل
ألغاز وحلول
سجن المؤمن وجنة الكافر
لعلك شبّهت
فان قبلت الميسور
وانا سائل
تمام المروّءة
التهنئة بالولد
تحيّة المستحمّ
سقيت السم مراراً
ما وفى
أول يوم من الآخرة
لا يوم كيومك
حكم
شعر
قدم لنفسك
حان الرحيل
الدنيا
الحق أبلج
فمهلاً
عزمت تصبراً
فيم الكلام
ظل زائل
عاجلتنا
حين يسأل
السخي والبخيل
لو علم البحر
أسرعت فيّ المنايا
عندي شفاء الجهل
نسود أعلاها
السخاء فريضة
حياء
كسرة وكفن
فراق دار
قال العيون
أدعية
دعاء على باب المسجد
دعاء للقنوط
دعاء للاستسقاء
دعاء للدخول على ظالم
دعاء للدخول على كافرٍ
دعاء للدخول على الأشرار
دعاء للتّخلّص من ظالمٍ
احتجاب من المتربّصين
متفرقات
الشاهد والمشهود
خشوع الإمام عليّ
خذوا زينتكم
السّعي إلى الحجّ
أيّ فقيرٍ أفقر منّي
أبكي لخصلتين
اتّبع ما كتبت إليك
أموت بالسّمّ
صفة النّبيّ
أسئلة ملك الرّوم
أحاجي وحلول
ليعلم ما كان
ذبح ذاك وأحيا هذا
ترجم المحصنة
ما فضل فاهده
لعلّ سيّداً يرعاني
الغائط
ما بذل أعظم
أحضر ما عندك
لغاض من بعد فيضه
انصرفوا
تحاربوا من حاربت
أعلم أنّكم غادرون
أخبرتكم أنّكم لا تفون
نحن ذوو القربى
أعلم أنّك لا تفي
الخلافة لي
حقناً للدّماء
لا خير في الغدر
أحبّ أن لا تتعرّض له
يا عمّاه..
عبادة الله
مكانة المؤمن ودرك الكافر
الفكر
نصف ونصف
حسنة وحسنة
يصوّر الباطل حقّاً
لم ننتفع بالعلم
المتكلّف
الحرص
الدّنيا وديعة
حسرات ثلاث
الشّاة أعقل
طلب الآخرة
افعل خمسة أشياء
المسألة
من قلّ
صاحب النّاس
يومك
النّعمة
المعاجل والمؤجّل
أعظم النّاس
أعظم النّاس قدراً
المروّة
الرّأي
الإنجاز
البخل
الصّبر
أهل العفو
المصافحة
تشابه أهل البيت
هكذا أدّبنا الله
القرآن يوم القيامة
القرآن والقول فيه
خلا بينه وبينك
نفسك نفسك
أغلال أهل النّار
لو كانت الدّنيا له
عمّرت دار غيرك
زوّار الله
تمام المروءة
كذبتم والله
.. ولم تفعل شيئاً
وداع الأخوين

المقدمة

الإمام الحسن (عليه السلام) من قواعد الإشعاع الفكريّ، ومصادر الفكر الإسلامي، وقمم الحياة، التي استطالت حتى أحاطت بكلّ شيءٍ، فلم يعزب عنه ما يعزب عن غير المعصومين، من قمم الوجود الذين يسمّون (مفكرين) وشعراء الطبيعة، الذين يسمّون (أدباء).
فهو من أولئك الرجال الذين آثرهم الله بحاسّةٍ نفاذة تكتنه حقائق الأشياء، فلا تخفى عليهم خافية في الأرض ولا في السماء. انهم يرون ما يرى الناس - جميعاً - ويدركون - وحدهم - كنه ما يرون وما لا يرون، دون سائر الناس. وعند ما ينظرون إلى نجوم السماء، ورمال الصحراء، ومياه البحار، وأبراد الطبيعة، يشعرون بجمالها الآسر الخلاّب، ويدركون صلتها ببقية عناصر الطبيعة وما وراء الطبيعة، من الأزل حتى الأبد.
فأدبه ليس تملّقاً لجمالٍ، ولا ادّعاءاً لجمالٍ، وإنما هو صرخات تنطلق من قلب عبقريٍّ، نفذ إلى أغوار الأشياء، حتى عرف ما تباين منها، ثابتاً على قاعدةٍ واحدةٍ، وما اختلف منها، نابعاً من أصلٍ واحدٍ، وما تفرق منها مضموماً برباطٍ واحدٍ.
وبذلك الفكر الشامل، وهذا الأدب العميق، خرج إلى الناس يدوّي بصوته، ليلهم الأجيال هذا التناسق الجماليّ، الذي يجمع الكون وما وراء الكون، في وحدةٍ متداعمةٍ، طرفاها الأزل والأبد، وأبعادها كلّ ما خلق الله.
فأنّى ضربت في أدب الإمام الحسن (عليه السلام)، وجدته شاعراً بشيءٍ جديدٍ، ومبشّراً بشيءٍ جديد. وهو ذلك الرباط الخفيّ الشامل الذي يركّز مظاهر الحياة والموت، على أصولٍ ثابتةٍ، لا يجوز فيها القديم، والجديد ولا الأول والأخير، ولا تراه لحظةً يتغرغر - مع الأدباء - بعرض عواطفه، أو وصف الأشياء، التي يدركها هو والناس سواء بسواءٍ، بل تراه - دائما - يجهد لإيقاظ حسٍ جديدٍ في الناس. يطمئنهم إلى ان منظومات الكون، ليست حبّات مسبحةٍ انفرطت بلا نظام، وإنما هو منبثق عن الله في ابتدائه، ومرتبط به في دوامه، وعائد إليه في انتهائه، ولكنّه لا ينجز هذا العمل الفلسفيّ الشعريّ العميق، بلهجة الفيلسوف النابه وإنما بنزعة الفنان العظيم، الذي يشترك عقله وقلبه وذوقه في تصميم كلّ أداء، ليحيط بسامعه من عقله وقلبه وذوقه، فلا يترك فيه منفذاً يتسلّل اليه غيره بغير رأيه.
واذا قدّر لجميع العظماء أن يكونوا أدباء - على تباين ميادينهم الاجتماعية ومذاهبهم الفكرية - منذ داود، وسليمان، وأيوب، والمسيح، ومحمد إلى سقراط، وافلاطون، وادوار، ونابليون، وهتلر، فان الإمام الحسن (عليه السلام)، يتميّز - هو والقليل من الناس - بتفوّقٍ ظاهرٍ في كلّ ما قال أو كتب، فهو إمام في البلاغة، كما هو إمام في الدين، وفي كلامه اصالة الواقع، ووميض البروق، وهدير البراكين، ورخاء الاسحار وهينمات الأنسام.
لأن البيان الرفيع، التأم سابقه بلاحقه في الإمام الحسن (عليه السلام) فضمّ قوّة البيان الجاهليّ الصافي المنبثق من الفطرة السليمة إلى روعة البيان الإسلامي المهذّب، المنبثق من المنطق السليم، فجمع قوّة البلاغة الجاهلية، إلى روعة البلاغة النبوية، فاقتطف من كلّ طارفٍ وتليدٍ طريفاً، حتى اجتمعت فيه عناصر الأدب الرفيع، من الذوق المطبوع الذي ورثه من سلالته ومجتمعه، ومن رصيده العلمي الواسع، الذي جعله قويّ الحجّة، راسخ البرهان، ومن وعيه الاجتماعي الشامل، الذي اكتسبه من التجارب المرة الرهيبة، التي خاضها برباطةٍ وصمودٍ، والازمات العصيبة التي لفّته بعنفٍ لا توجد في القواميس لفظة تعبّر عنها بصدقٍ وأمانة، والتطاحن الفكريّ الجبار، الذي عاشه بعقله في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم وبكل كيانه في أيامه وأيام أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام).
وهذه العناصر، صقلت المؤهلات الذاتية للإمام الحسن (عليه السلام) فكانت الآلام التي انصبت عليه انصباباً، مبضعاً فجّر معين البلاغة في قلبه، على جرّ لسانه، فتدفقت البلاغة، بانسيابٍ تلقائي، يحكي كلّ ما في الواقع من حرارة، وفي الفكر من لوعة، ليهيمن على العقل والقلب والضمير فلا تجد إزاءه إلا أن تردّد ما يقول بخشوع واستسلام، وإذا كتب انتزع من مهجة الأزل إلى ضمير الأبد قصة الدمع والدم والنار، فكتب على الورق، أوجاع قلبه ونحيب مجتمعٍ تدافع في مهجته، فجرى يراعه بمدادٍ من عصير الشمس، ليؤكّد الحقّ الذي اطمأنّ اليه، فظلّ يدور معه حيثما دار، ويكافح الباطل الذي انقشع عنه، ليلاحقه أينما سار.
وكلام الإمام الحسن (عليه السلام) - جميعاً - ينضح بدلائل الشخصية النادرة، حتى كأنّ معانيه خواطر قلبه، واحداث زمانه.
تتجسّد على لسانه كلاماً، فيه من رنة الحق والجمال الخلوب، ما يطاول أبلغ الكلام بما هو أغنى وأجمل.
فكلمته المرتجلة، أقوى ما تكون الكلمة المرتجلة، من عمق الفكرة وفتنة التعبير، حتّى لا تنطلق من فمه، الاّ لتمضي مثلاً سائراً من بلدٍ إلى بلدٍ، ومن جيلٍ إلى جيلٍ، وهل تقطعت الكلمة الجزلة، باروع من هذه الاقوال (ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد) و(السداد: دفع المنكر بالمعروف) و(المجد: ان تعطي في العزم، وتعفو عن الجرم) و(العقل حفظ كلّ ما استوعيته) و(القبور محلتنا، والقيامة موعدنا، والله عارضنا).
وخطبته، اروع ما تكون الخطبة، وخاصةً عندما يعالج أزمة في اصحابه، او يقارع طغمة من اعدائه، أي في الموقف الذي تثور فيه عواطفه الجياشة، ويهيج خياله الوهاب، بالنقمة والتذمّر فتعجّ فيها معان مفرقعة، تتتابع بقوةٍ كفرقعات المدافع، وصور حارة من لهيب قلبه، وأوار الاحداث حتى يأتي صلداً كالجلاميد، مزمجراً كالرعود، مشرقاً كالبروق.
وها هو يؤنّب اهل الكوفة، على تفريطهم به في سبيل معاوية فيقول:
(.. وايم الله، لا ترى امة محمدٍ خصباً، ما كانت سادتهم وقادتهم في بني أمية، ولقد وجّه الله إليكم فتنةً، لن تصدّوا عنها حتى تهلكوا، لطاعتكم طواغيتكم إلى شياطينكم، فعند الله احتسب ما مضى وما ينتظر، من سوء رغبتكم، وحيف حكمكم..).
(..عرفت أهل الكوفة وتلوّنهم، ولا يصلح لي منهم ما كان فاسداً، إنهم لا وفاء لهم ولا ذمة، في قولٍ ولا فعلٍ، انهم لمختلفون، ويقولون: إن قلوبهم معنا، وسيوفهم لمشهورة علينا).
(..أما والله ما ثنانا عن قتال أهل الشام ذلة ولا قلة، ولكن كنا نقاتلهم بالسلامة والصبر، فشيب السلامة بالعداوة، والصبر بالجزع وكنتم تتوجّهون معنا، ودينكم أمام دنياكم، وقد أصبحتم الآن، ودنياكم أمام دينكم، وكنتم لنا وقد صرتم اليوم علينا، ثم أصبحتم تصدّون قتيلين، قتيلاً بصفّين تبكون عليهم وقتيلاً بالنهروان تطلبون بثأرهم، فأما الباكي فخاذل واما الطالب فثائر..)
ففي هذه المواقف، تبدو قوة الإمام الحسن (عليه السلام)، في بلاغة الأداء وقوة التأثير، وتدرجه في إثارة شعور سامعيه، نحو ما يصبو اليه.
وانك لتعجب من نخوة العاطفة، تثور حتى تتقطّع، فاذا بعضها يزاحم بعضاً في هياجٍ رهيب، على مثل هذه الكلمات:
(.. غرر تموني كما غررتم من كان من قبلي، مع ايّ إمام تقاتلون بعدي؟ مع الكافر الظالم، الذي لا يؤمن بالله ولا برسوله قط، ولا اظهر الإسلام هو وبنو أمية الا فرقاً من السيف، ولو لم يبق لبني أمية الا عجوز درداء، لبغت دين الله عوجاً، وهكذا قال رسول الله..).
ترى ما في أقواله هذه، من الذكاء الشهم، والأصالة في التفكير والتعبير، تتدفق فكرة ولحناً، لتفسّر سبب حظوته بالقلوب، حتى (احبّه الناس اكثر مما احبوا أباه).
ومن هنا كان تراث الإمام الحسن (عليه السلام) في ذروة ما خلّفته الإنسانية لروّادها من نتاج الفكر والذوق، وان كان ما وصل الينا منه هو القليل القليل، وما محته الرياح السافيات، هو الكثير الكثير. ولكن هذا القليل، الذي انفلت من العصور المظلمة، التي كانت تتربص بكلّ بصيصٍ من النور، يؤلف صفحة كاملةً، لشخصيةٍ فذةٍ، تبقى في التاريخ مشرقةً كالشمس، نقيةً كالنجوم، خالدةً كالأبد.
ورغم ان آثار الإمام الحسن (عليه السلام)، منيت بإعراض بعضٍ وإنكار آخرين، فإنها كانت من القوّة والجدارة، أن فرضت نفسها على الحياة والتاريخ، رغم كلّ ما منيت به من إعراضٍ وإنكارٍ.
وفي هذه المجموعة، نعرض مختاراتٍ مما وصل الينا، كنموذج من المجموعة الضخمة التي توجد بين أيدينا الآن عسى أن نوفّق لنشرها في المستقبل القريب.

حسن
كتب في كربلاء المقدسة
ليلة الواحد والعشرين من شهر رمضان المبارك
عام ١٣٨٤ هـ

إلهيات

الحمد لله (١)
الحمد لله الذي كان في أوّليّته، وحدانياً في أزليّته، متعظّماً بإلهيته، متكبّراً بكبريائه وجبروته. ابتدأ ما ابتدع، وأنشأ ما خلق، على غير مثالٍ كان سبق مما خلق.
ربّنا اللطيف بلطف ربوبيّته، وبعلم خبره فتق، وبإحكام قدرته خلق جميع ما خلق، فلا مبدّل لخلقه، ولا مغيّر لصنعه، ولا معقب لحكمه، ولا رادّ لأمره، ولا مستراح عن دعوته. خلق جميع ما خلق ولا زوال لملكه، ولا انقطاع لمدته، فوق كلّ شيءٍ علا، ومن كلّ شيءٍ دنا، فتجلّى لخلقه من غير أن يكون يرى وهو بالمنظر الأعلى.
احتجب بنوره، وسما في علوّه، فاستتر عن خلقه، وبعث إليهم شهيداً عليهم، وبعث فيهم النبيين مبشّرين ومنذرين، ليهلك من هلك عن بيّنةٍ، ويحيا من حيّ عن بيّنةٍ، وليعقل العباد عن ربّهم ما جهلوه، فيعرفوه بربوبيته بعد ما أنكروه.
والحمد لله الذي أحسن الخلافة علينا أهل البيت، وعنده نحتسب عزانا في خير الآباء: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعند الله نحتسب عزانا في أمير المؤمنين ولقد أصيب به الشرق والغرب. والله ما خلّف درهماً ولا ديناراً إلا أربعمائة درهمٍ، أراد أن يبتاع لأهله خادماً، ولقد حدّثني حبيبي: جدي: رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الأمر يملكه اثنا عشر إماماً من أهل بيته وصفوته، ما منّا إلا مقتول أو مسموم.
صفة الله (٢)
الحمد لله الذي لم يكن له اول معلوم، ولا آخر متناهٍ، ولا قبل مدرك، ولا بعد محدود، ولا أمد بحتّى، ولا شخص فيتجزأ، ولا اختلاف صفةٍ فيتناهي، فلا تدرك العقول وأوهامها، ولا الفكر وخطراتها ولا الألباب وأذهانها صفته فيقول: متى؟ ولا بدئ ممّ؟ ولا ظاهر على ممّ؟ ولا باطن ممّ؟ ولا تارك فهلاّ؟ خلق الخلق فكان بديئاً بديعاً، ابتدأ ما ابتدع، وابتدع ما ابتدأ، وفعل ما أراد، وأراد ما استزاد، ذلكم الله ربّ العالمين(٣).
الله عارضنا (٤)
الحمد لله الذي من تكلم سمع كلامه، ومن سكت علم ما في نفسه، ومن عاش فعليه رزقه، ومن مات فإليه معاده. والحمد لله الواحد بغير تشبيهٍ، الدائم بغير تكوينٍ، القائم بغير كلفةٍ، الخالق بغير منصبة، الموصوف بغير غايةٍ المعروف بغير محدوديّةٍ العزيز لم يزل قديماً في القدم، وعنت القلوب لهيبته، وذهلت العقول لعزّته، وخضعت الرقاب لقدرته، فليس يخطر على قلب بشر مبلغ جبروته، ولا يبلغ الناس كنه جلاله، ولا يفصح الواصلون منهم لكنه عظمته. ولا تبلغه العلماء بألبابها ولا أهل التفكير بتدبير أمورها. أعلم خلقه به الذي بالحدّ لا يصفه. يدرك الأبصار ولا تدركه الأبصار وهو اللطيف الخبير، أمّا بعد فإن القبور محلّتنا، والقيامة موعدنا، والله عارضنا، وإن عليّاً باب من دخله كان آمناً ومن خرج منه كان كافراً، أقول قولي وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
لا تناله الأوهام (٥)
يا فتح! من أرضى الخالق، لم يبال بسخط المخلوق، ومن أسخط الخالق فقمن ان يسلّط عليه سخط المخلوق، وإنّ الخالق لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، وأنّى يوصف الذي تعجز الحواسّ أن تدركه، والأوهام أن تناله، والخطرات أن تحدّه، والأبصار عن الإحاطة به! جلّ عما وصفه الواصفون، وتعالى عما ينعته الناعتون، نأى في قربه، وقرب في نأيه، قريب وفي قربه بعيد، كيّف الكيف، فلا يقال له: كيف، وأيّن الأين، فلا يقال له: أين، إذ هو مبدع الكيفوفيّة، والأينونيّة.
يا فتح! كلّ جسمٍ مغذّىً بغذاء، إلا الخالق الرازق، فإنه جسّم الأجسام، وهو ليس بجسمٍ ولا صورةٍ، لم يتجزّأ، ولم يتناه، ولم يتزايد، ولم يتناقص، مبرّا من ذات ما ركّب في ذات من جسّمه، وهو اللطيف الخبير، الواحد الأحد، الصمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد. منشئ الأشياء، ومجسّم الأجسام، ومصوّر الصور، لو كان كما تقول المشبّهة لم يعرف الخالق من المخلوق، ولا الرازق من المرزوق، ولا المنشئ من المنشأ، لكنه المنشئ، فرّق بين من جسّمه وصوّره، وشيّأه وبيّنه، إذا كان لا يشبهه شيء.
قلت: فالله واحد، والانسان واحد، فليس قد تشابهت الوحدانية؟
قال: أحلت - ثبّتك الله -، إنما التشبيه في المعاني، وأمّا في الأسماء فهي واحدة، وهي دلالة على المسمّى، وذلك أنّ الانسان وإن قيل: واحد فانه يجزّأ، إنه جثّة واحدة، وليس باثنين والانسان نفسه [و] ليس بواحدٍ، لأن أعضاءه مختلفة، وألوانه مختلفة غير واحدة، وهو أجزاء متجزأة، ليس سواء، دمه غير لحمه، ولحمه غير دمه، وعصبه غير عروقه، وشعره غير بشره، وسواده غير بياضه، وكذلك سائر جميع الخلق، فالانسان واحد في الاسم، لا واحد في المعنى، والله جلّ جلاله واحد لا واحد غيره، ولا اختلاف فيه، ولا تفاوت، ولا زيادة، ولا نقصان، فامّا الانسان، المخلوق المصنوع المؤلّف، فمن أجزاءٍ مختلفةٍ، وجواهر شتّى، غير انّه بالاجتماع شيء واحد.
قلت: فقولك: اللطيف، فسّره لي، فإني أعلم: أن لطفه خلاف لطف غيره للفصل، غير أنّي أحبّ أن تشرح لي.
فقال: يا فتح إنّما قلت: اللطيف للخلق اللطيف، ولعلمه بالشيء اللطيف، ألا ترى إلى اثر صنعه في النبات اللطيف وغير اللطيف، وفي الخلق، من اجسام الحيوان، من الجرجس، والبعوض، وما هو أصغر منهما، مما لا يكاد تستبينه العيون، بل لا يكاد يستبان لصغره، الذكر من الأنثى، والمولود من القديم، فلمّا رأينا صغر ذلك في لطفه، واهتداءه للسفاد، والهرب من الموت، والجمع لما يصلحه ممّا في لجج البحار، وما في لحاء الأشجار، والمفاوز والقفار، وافهام بعضها عن بعضٍ منطقها، وما تفهم به أولادها عنها، ونقلها الغذاء إليها، ثم تأليف ألوانها: حمرةً مع صفرة، وبياضاً مع حمرةٍ، علمنا: أنّ خالق هذا الخلق لطيف، وانّ كلّ صانع شيءٍ فمن شيءٍ صنع، والله الخالق اللطيف الجليل، خلق وصنع لا من شيء.
قلت: - جعلت فداك - وغير الخالق الجليل خالق؟
قال: إنّ الله تبارك وتعالى يقول: (تبارك الله أحسن الخالقين) فقد أخبر: أن في عباده خالقين وغير خالقين، منهم عيسى (عليه السلام) خلق من الطين كهيئة الطير باذن الله، فنفخ فصار طائراً باذن الله. والسامريّ خلق لهم عجلا جسداً له خوار.
قلت: إنّ عيسى خلق من الطين طيراً، دليلاً على نبوته، والسامريّ خلق عجلاً جسداً لنقض نبوة موسى (عليه السلام) وشاء الله أن يكون ذلك كذلك، إن هذا لهو العجب.
فقال: ويحك - يا فتح - إن لله إرادتين ومشيئتين: ارادة حتمٍ وارادة عزمٍ، ينهى وهو يشاء، ويأمر وهو لا يشاء، أو ما رأيت أنّه نهي آدم وزوجته: أن يأكلا من الشجرة، وهو شاء ذلك، لولم يشأ لم يأكلا، ولو أكلا لغلبت مشيئتهما مشية الله.. وأمر ابراهيم بذبح ابنه إسماعيل (عليه السلام) وشاء أن لا يذبحه، ولو لم يشأ أن لا يذبحه لغلبت مشيئة ابراهيم مشية الله عزّ وجلّ.
قلت: فرّجت عني، فرّج الله عنك، غير أنك قلت: السميع البصير، سميع بأذنٍ وبصير بالعين؟
فقال: إنه يسمع بما يبصر، ويرى بما يسمع، بصير لا بعينٍ مثل عين المخلوقين، وسميع لا بمثل سمع السامعين، لكن لمّا لا تخفى عليه خافية، من أثر الذرة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، تحت الثرى والبحار، قلنا: بصير لا بمثل عين المخلوقين، وسميع بما لم تشتبه عليه ضروب اللغات، ولم يشغله سمع عن سمعٍ. قلنا: سميع لا بمثل السامعين.
قلت: - جعلت فداك - قد بقيت مسألة.
قال: هات لله أبوك.
قلت: يعلم القديم، الشيء الذي لم يكن، ان لو كان كيف كان يكون؟
قال: ويحك - إنّ مسائلك لصعبة - أما سمعت الله يقول: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) وقوله: (ولعلا بعضهم على بعضٍ) وقال - ويحكى قول أهل النار -: (أرجعنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل) وقال: (ولو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه) فقد علم الشيء الذي لم يكن، ان لو كان كيف كان يكون.
فقمت لأقبّل يده ورجله، فأدنى رأسه، فقبّلت وجهه ورأسه، فخرجت وبي من السرور والفرح، ما أعجز عن وصفه، لما تبينت من الخير والحظّ.
القدر (٦)
بسم الله الرحمن الرحيم. وصل إليّ كتابك، ولولا ما ذكرت من حيرتك، وحيرة من مضى قبلك، إذاً ما أخبرتك، أمّا بعد فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشرّه، أنّ الله يعلمه فقد كفر، ومن أحال المعاصي على الله فقد فجر، إنّ الله لم يطع مكرها، ولم يعص مغلوباً، ولم يهمل العباد سدىً من المملكة، بل هو المالك لما ملّكهم، والقادر على ما عليه أقدرهم، بل أمرهم تخييراً، ونهاهم تحذيراً، فان ائتمروا بالطاعة لم يجدوا عنها صادّاً، وان انتهوا إلى معصيةٍ فشاء أن يمنّ عليهم بأن يحول بينهم وبينها فعل، وان لم يفعل فليس هو الذي حملهم عليها جبراً، ولا ألزموها كرهاً، بل منّ عليهم بأن بصّرهم وعرّفهم وحذّرهم، وأمرهم ونهاهم، لا جبلا لهم على ما أمرهم به فيكونوا كالملائكة، ولا جبراً لهم على ما نهاهم عنه، (ولله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين) والسلام على من اتبع الهدى.
لا جبر ولا تفويض (٧)
من لم يؤمن بالله قضائه وقدره فقد كفر، ومن حمل ذنبه على ربّه فقد فجر. إنّ الله لا يطاع استكراهاً. ولا يعصى لغلبةٍ، لانه المليك لما ملّكهم، والقادر على ما أقدرهم، فإن عملوا بالطاعة لم يحل بينهم وبين ما فعلوا، فإذا لم يفعلوا فليس هو الذي أجبرهم على ذلك، فلو أجبر الله الخلق على الطاعة لاسقط عنهم الثواب، ولو أجبرهم على المعاصي لا سقط عنهم العقاب، ولو أهملهم لكان عجزاً في القدرة، ولكن له فيهم المشيئة التي غيّبها عنهم، فإن عملوا بالطاعات كانت له المنّة عليهم، وإن عملوا بالمعصية كانت الحجة عليهم.
عفو الله (٨)
إنّ الله ليعفو يوم القيامة، عفواً يحيط على العباد، حتى يقول أهل الشّرك: والله ربّنا ما كنّا مشركين.
لطف الله (٩)
ما فتح الله عزّ وجلّ على أحدٍ باب مسألة فخزن عنه باب الإجابة، ولا فتح على رجلٍ باب عملٍ فخزن عنه باب القبول، ولا فتح لعبدٍ باب شكرٍ فخزن عنه باب المزيد.
الجواد (١٠)
كان (عليه السلام) يطوف في بيت الله الحرام فسأله رجل عن معنى الجواد فقال له:
إنّ لكلامك وجهين، فإن كنت تسأل عن المخلوق فإنّ الجواد الذي يؤدّي ما افترض عليه، والبخيل الذي يبخل بما افترض عليه، وإن كنت تسأل عن الخالق، فهو الجواد إن أعطى، وهو الجواد إن منع، لأنه إن أعطى عبداً أعطاه ما ليس له، وإن منع منع ما ليس له.
القرآن (١١)
إنّ هذا القرآن فيه مصابيح النور، وشفاء الصدور، فليجل جالٍ بضوئه، وليلجم الصفة قلبه، فإنّ التفكير حياة القلب البصير كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور.
ما بقي في الدنيا بقية غير هذا القرآن، فاتّخذوه إماماً يدلّكم على هداكم. وإنّ أحقّ الناس من عمل به وإن لم يحفظه، وابعدهم من لم يعمل به وإن كان يقرأه(١٢).
إنّ هذا القرآن يجيء يوم القيامة قائداً وسائقاً، يقود قوماً إلى الجنة أحلّوا حلاله وحرّموا حرامه وآمنوا بمتشابهه، ويسوق قوماً إلى النار ضيّعوا حدوده وأحكامه واستحلّوا محارمه(١٣).
من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ(١٤).

ولائيات

الولاية (١٥)
إنّ الله تعالى بمنّه ورحمته، لما فرض عليكم الفرائض، لم يفرض ذلك عليكم لحاجةٍ منه إليه، بل رحمةً منه إليكم، لا إله إلا هو، ليميز الخبيث من الطيّب، وليبتلي ما في صدوركم، وليمحّص ما في قلوبكم، ولتتسابقوا إلى رحمته، ولتتفاضل منازلكم في جنّته، ففرض عليكم الحجّ والعمرة، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصّوم، والولاية، وجعل لكم باباً لتفتحوا به أبواب الفرائض، ومفتاحاً إلى سبيله، ولولا محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم والاوصياء من ولده، كنتم حيارى كالبهائم، لا تعرفون فرضاً من الفرائض وهل تدخل قريةً الا من بابها، فلمّا منّ الله عليكم بإقامة الاولياء بعد نبيكم (صلّي الله عليه وآله) قال الله عز وجل: (اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) وفرض عليكم لأوليائه حقوقاً، فأمركم بأدائها اليهم، ليحلّ لكم ما وراء ظهوركم، من أزواجكم وأموالكم، ومأكلكم ومشربكم، ويعرفّكم بذلك البركة والنماء والثروة، وليعلم من يطيعه منكم بالغيب، وقال الله تبارك وتعالى (قل لا أسألكم عليه اجراً إلا المودة في القربى) فاعلموا: أنّ من يبخل، فانما يبخل على نفسه، إنّ الله هو الغنيّ وأنتم الفقراء اليه، لا إله الاّ هو، فاعملوا من بعد ما شئتم (فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ثم تردّون إلى عالم الغيب والشهادة فينبّئكم بما كنتم تعملون) والعاقبة، للمتقين، والحمد لله ربّ العالمين.
الله أدّب نبيّه (١٦)
انّ الله عزّ وجلّ أدّب نبيّه أحسن الأدب فقال:
(خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) فلمّا وعى الذي أمره قال تعالى:
(ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا). فقال لجبرائيل (عليه السلام): وما العفو؟
قال: أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمّن ظلمك. فلمّا فعل ذلك، أوحى الله اليه: (انّك لعلى خلقٍ عظيمٍ).
علم آل محمّد
ما يعلم المخزون المكنون المجزوم المكتوم، الذي لم يطّلع عليه ملك مقرّب، ولا نبيّ مرسل، غير محمدٍ وذريته.
علم الإمام (١٧)
يا معاوية: أما والله لولا أنك تكفر، لأخبرتك بما تعمله، وذلك أنّ رسول الله كان في زمانٍ لا يكذّب، وأنت تكذّب وتقول،: متى سمع من جدّه على صغر سنّه؟ والله لتدعنّ زياداً ولتقتلنّ (حجراً)، ولتحملنّ اليك الرؤوس من بلدٍ إلى بلد.
علم أمير المؤمنين (عليه السلام)
إنّ الله تبارك وتعالى علّم رسوله الحرام والحلال، والتنزيل والتأويل فعلّم رسول الله عليّاً علمه كلّه.
الله يصوّر أهل البيت (١٨)
صوّر الله عزّ وجلّ عليّ بن أبي طالبٍ في ظهر أبي طالبٍ على صورة محمّدٍ، فكان عليّ بن أبي طالبٍ أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله، وكان الحسين بن عليٍّ أشبه الناس بفاطمة، وكنت أنا أشبه الناس بخديجة الكبرى.
نحن الأوّلون (١٩)
نحن الآخرون، ونحن الأوّلون، ونحن النور، بنور الروحانيّين، ننوّر بنور الله، ونروح بروحه، فينا مسكنه، وإلينا معدنه، الآخر منا كالأول، والأول منا كالآخر.
لنا العاقبة (٢٠)
إنّ الله اختارنا لنفسه، وارتضانا لدينه، واصطفانا على خلقه، وأنزل علينا وحيه، وإنّ الله لم يبعث نبيّاً، الا اختار له نفساً ورهطاً وبيتاً [ونحن نفس محمّدٍ ورهطه وأهل بيته](٢١) فوالذي بعث محمّداً بالحقّ، لا ينتقص من حقّنا - أهل البيت - أحد، إلا نقصه الله من حقّه مثله من عاجل دنياه وآخرته، ولا يكون علينا دولة، إلا وتكون لنا العاقبة (ولتعلمنّ نبأه بعد حين).
حبّنا (٢٢)
والله لا يحبّنا عبد أبداً، ولو كان أسيراً في الديلم، إلا نفعه حبّنا، وإنّ حبّنا ليساقط الذنوب من بني آدم، كما يساقط الريح الورق من الشجر.
نحن الأبرار (٢٣)
كلّ ما في كتاب الله عزّ وجلّ: (إن الابرار) فوالله ما أراد به إلا عليّ بن أبي طالبٍ (عليه السلام) وفاطمة وأنا والحسين، لأنّا نحن أبرار بآبائنا وأمهاتنا، وقلوبنا علت بالطاعات والبرّ وتبرّأت من الدنيا وحبّها، وأطعنا الله في جميع فرائضه، وآمنّا بوحدانيته، وصدّقنا برسوله.
الأئمّة منّا (٢٤)
يا معاوية قد سمعت ما قلبت وما قال ابن عباس. العجب منك يا معاوية ومن قلة حيائك، ومن جرأتك على الله حين قلت: قد قتل الله طاغيتكم وردّ الامر إلى معدنه، فأنت يا معاوية معدن الخلافة دوننا؟ كلا: ما أنت أهله ولكني أقول لتسمعه بنو أبي: هؤلاء حولي.
إنّ الناس قد اجتمعوا على أمورٍ كثيرة، ليس بينهم اختلاف فيها، ولا تنازع ولا فرقة: على شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمّداً رسول الله وعبده، والصلوات الخمس، والزكاة المفروضة، وصوم شهر رمضان، وحجّ البيت، ثم أشياء كثيرةٍ من طاعة الله، التي لا تحصى ولا يعدّها الا الله واجتمعوا على تحريم الزنا، والسرقة، والكذب، والقطيعة، والخيانة، وأشياء كثيرة من معاصي الله لا تحصى ولا يعدّها الا الله.
واختلفوا في سننٍ اقتتلوا فيها، وصاروا فرقاً يلعن بعضهم بعضاً، وهي الولاية، ويبرأ بعضهم من بعض، ويقتل بعضهم بعضاً، أيّهم أحقّ وأولى بها، الا فرقة تتبع كتاب الله، وسنة نبيّه صلى الله عليه وآله فمن أخذ بما عليه أهل القبلة الذي ليس فيه اختلاف، وردّ علم ما اختلفوا فيه إلى الله، سلم ونجابه من النار، ودخل الجنّة، ومن وفّقه الله ومنّ عليه واحتجّ عليه، بأن نوّر قلبه بمعرفة ولاة الامر من أئمتهم ومعدن العلم أين هو؟ فهو عند الله سعيد، ولله وليّ، وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم (رحم الله امرءاً علم حقّاً فقال فغنم، أو سكت فسلم).
نحن نقول أهل البيت: إنّ الأئمة منّا، وإنّ الخلافة لا تصلح إلا فينا وإنّ الله جعلنا أهلها في كتابه وسنة نبيّه صلى الله عليه وآله، وإنّ العلم فينا ونحن أهله، وهو عندنا مجموع كلّه بحذافيره وإنّه لا يحدث شيء إلى يوم القيامة، حتّى أرش الخدش إلا وهو عندنا مكتوب بأملاء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وخط عليّ (عليه السلام) بيده.
وزعم قوم أنهم أولى بذلك منّا، حتّى أنت يا ابن هند تدّعي ذلك، وتزعم: أنّ عمر أرسل إلى أبي: إني اريد أن أكتب القرآن في مصحفٍ فابعث اليّ بما كتبت من القرآن، فأتاه فقال: تضرب والله عنقي قبل أن يصل اليك، قال: ولم؟ قال؛ لأنّ الله تعالى قال: (والراسخون في العلم)(٢٥) قال: إياي عني ولم يعنك ولا أصحابك. فغضب عمر.
ثم قال: ان ابن أبي طالبٍ يحسب أن أحداً ليس عنده علم غيره، من كان يقرأ من القرآن شيئاً فليأتني، فاذا جاء رجل فقرأ شيئاً معه فيه آخر(٢٦) كتبه وإلاّ لم يكتبه؛ ثم قالوا: قد ضاع منه قرآن كثير. بل كذبوا والله، بل هو مجموع محفوظ عند أهله.
ثم أمر عمر قضاته: أجهدوا آراءكم واقضوا بما ترون أنّه الحقّ، فلا يزال هو وبعض ولاته قد وقعوا في عظيمةٍ، فيخرجهم منها أبي، ليحتجّ عليهم بها، فتجتمع القضاة عند خليفتهم، وقد حكموا في شيءٍ واحدٍ بقضايا مختلفةٍ، فأجازها لهم، لأنّ الله لم يؤته الحكمة وفعل الخطاب، وزعم كلّ صنفٍ من مخالفينا من أهل هذه القبلة: أنّه معدن الخلافة والعلم دوننا، فنستعين بالله على من ظلمنا، وجحدنا حقّنا، وركب رقابنا، وسنّ للناس علينا ما يحتجّ به مثلك، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
انما الناس ثلاثة: مؤمن يعرف حقّنا، ويسلّم لنا، ويأتمّ بنا، فذلك ناجٍ محب لله وليّ، وناصب لنا العداوة يتبرّأ منّا ويلعننا، ويستحلّ دماءنا ويجحد حقّنا ويدين الله بالبراءة منا، فهذا كافر مشرك فاسق، وانما كفر وأشرك من حيث لا يعلم، كما سبّوا الله (عدواً) بغير علمٍ(٢٧) كذلك يشرك بالله بغير علمٍ، ورجل آخذ بما (لا) يختلف فيه، وردّ علم ما أشكل عليه إلى الله مع ولايتنا، ولا يأتمّ بنا، ولا يعادينا، ولا يعرف حقّنا، فنحن نرجو ان يغفر الله له، ويدخله الجنّة، فهذا مسلم ضعيف.
انا الحسن بن علي (٢٨)
لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون بعملٍ، ولم يدركه الآخرون بعملٍ، لقد كان يجاهد مع رسول الله فيقيه بنفسه، وكان رسول الله يوجّهه برايته، فيكفيه جبرائيل، عن يمينه وميكائيل، عن شماله، ولا يرجع حتى يفتح الله على يديه، ولقد توفي في الليلة التي نزل فيها القرآن، وعرج فيها بعيسى بن مريم، والتي قبض فيها يوشع بن نون: وصيّ موسى، وما خلّف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهمٍ فضلت في عطيّته أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله(٢٩).
أيها الناس:
من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي وأنا ابن النبيّ، وأنا ابن الوصيّ، وأنا ابن البشير، وأنا ابن النذير، وأنا ابن الداعي إلى الله بإذنه، وأنا ابن السراج المنير.. وأنا أهل البيت الذي كان جبريل ينزل الينا ويصعد من عندنا، وأنا من أهل البيت الذي أذهب الله، عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وأنا من أهل البيت الذي افترض الله مودتهم على كلّ مسلمٍ، فقال تبارك وتعالى لنبيّه: (قل لا أسألكم عليه أجراً الا المودة في القربى، ومن يقترف حسنةً نزد له فيها) فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت..
نحن احد الثقلين (٣٠)
نحن حزب الله الغالبون، وعترة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأقربون، وأهل بيته الطيبون، وأحد الثقلين اللذين خلفهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في امّته وتالي كتاب الله (الذي) فيه تفصيل كل شيءٍ لأ يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فالمعوّل علينا في تفسيره، لا نتظنّى تأويله، بل نتيقّن حقائقه فأطيعونا فإطاعتنا مفروضة اذ كانت بطاعة الله والرسول، وأولي الأمر مقرونةً (فان تنازعتم في شيءٍ فردوه إلى الله والرسول، ولو ردّوه إلى الرسول والى أولي الأمر منهم لعلمّه الذين يستنبطونه منهم) واحذّركم الاصغاء لهتاف الشيطان، انّه لكم عدوّ مبين، فتكونون كأوليائه الذين قال لهم: (لا غالب لكم اليوم من الناس واني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون) فتلقون إلى الرماح أزراً، وللسيوف جزراً، وللعمد حطماً، وللسهام غرضاً، ثم (لا ينفع نفساً ايمانها لم تكن آمنت من قبل او كسبت في ايمانها خيراً).
اتقوا الله (٣١)
يا أهل الكوفة اتقوا الله في جيرانكم وضيفانكم، وفي أهل بيت نبيّكم صلى الله عليه وآله، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
إعقلوا عن ربّكم (٣٢)
أيّها الناس: إعقلوا عن ربّكم (إنّ الله [عزّ وجلّ] اصطفى آدم ونوحاً وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين، ذريةً بعضها من بعضٍ، والله سميع عليم) فنحن الذرية من آدم، والأسرة من نوحٍ، والصفوة من ابراهيم، والسلالة من اسماعيل، وآل محمّدٍ. نحن فيكم كالسماء المرفوعة، والأرض المدحوّةِ والشمس الضاحية، وكالشجرة الزيتونة، لا شرقيةٍ، ولا غربيةٍ، التي بورك زيتها: النبيّ أصلها، وعليّ فرعها، ونحن والله ثمرة تلك الشجرة، من تعلّق بغصنٍ من أغصانها نجا، ومن تخلّف عنها فإلى النار هوى.
من كان يباهي
من كان يباهي بجدٍّ فانّ جدي الرسول، أو كان يباهي بأمّ فانّ أمي البتول أو كان يباهي بزوّرٍ فزائرنا جبرئيل.
لو دعوت الله تعالى
لو دعوت الله تعالى لجعل العراق شاماً، والشام عراقاً، وجعل المرأة رجلاً، والرجل امرأةً.
ما وراء الأرض (٣٣)
إن لله مدينتين: إحداهما بالمشرق، والأخرى بالمغرب، عليهما سوران من حديد، وعلى كل مدينةٍ ألف ألف مصراعٍ من ذهب، وفيها سبعون ألف ألف لغةٍ، يتكلّم كلّ لغة بخلاف صاحبه، وأنا أعرف جميع اللغات وما فيهما وما بينهما وما عليهما حجّة غيري والحسين أخي.
فيّ عزّة (٣٤)
وقيل له: فيك عظمة، فقال (عليه السلام) بل فيّ عزّة قال الله (والله العزة ولرسوله وللمؤمنين).
الشيعي والمحب (٣٥)
قال له رجل: يا بن رسول الله اني من شيعتكم! فقال (عليه السلام): يا عبدالله إن كنت لنا في أوامرنا وزواجرنا مطيعاً فقد صدقت، وان كنت بخلاف ذلك فلا تزد في ذنوبك بدعواك مرتبةً شريفةً لست من أهلها، لا تقل: أنا من شيعتكم، ولكن قل: أنا من مواليكم ومحبيكم ومعادي أعدائكم، وأنت في خيرٍ وإلى خير.
يتيم آل محمد (٣٦)
فضل كافل يتيم آل محمدٍ المنقطعِ عن مواليه، الناشب في رتبة الجهل يخرجه من جهله، ويوضّح له ما اشتبه عليه، على فضلِ كافلِ يتيمٍ، يطعمه ويسقيه، كفضل الشمس على السهى(٣٧).(٣٨)

عبادات

الصلاة (٣٩)
يا ابن آدم: من مثلك وقد خلّى ربّك بينه وبينك؟ متى شئت أن تدخل إليه، توضأت وقمت بين يديه، ولم يجعل بينك وبينه حجاباً ولا بوّاباً، تشكو إليه همومك وفاقتك، وتطلب منه حوائجك، وتستعينه على أمورك.
أهل المسجد (٤٠)
أهل المسجٍد زوّار الله وحقّ على المزور التحفة لزائره.
الاختلاف إلى المساجد (٤١)
من أدام الاختلاف إلى المسجد أصاب إحدى ثمانٍ: آية محكمة، وأخاٍ مستفاداً، وعلماً مستطرفاً ورحمةً منتظرةً، وكلمةً تدلّه على الهدى، أو تردّه عن ردى، وترك الذنوب حياءً، وخشيةً.
الزكاة (٤٢)
إنّ الله تعالى أوحى إلى آدم: أن زكّ نفسك يا آدم! قال: يا ربّ وما الزكاة؟ قال: صلّ عشر ركعات فصلّى ثم قال: ربّ هذه الزكاة عليّ وعلى الخلق؟ قال الله: هذه الزكاة عليك، وعلى ولدك بالمال من جمع من ولدك مالاً.
البيت والحجر (٤٣)
إنّ آدم (عليه السلام) لما هبط من الجنة، هبط على (أبي قبيس)(٤٤) والناس يقولون بالهند فشكا ربّه الوحشة، وأنه لا يسمع ما كان يسمع في الجنة، فأهبط الله تعالى عليه ياقوتةً حمراء، فوضعت في موضع البيت، فكان يطوف بها آدم (عليه السلام)، وكان يبلغ ضوءُها الأعلام، فعلمت الأعلام على ضوئها، فجعله الله عزّ وجلّ حرماً.
الله يباهي بعباده (٤٥)
ان الله يباهي ملائكته بعباده يوم عرفة فيقول: عبادي جاءوني شعثاً يتعرضون لرحمتي، فأشهدكم أني قد غفرت لمحسنهم وشفعت محسنهم في مسيئهم، وإذا كان يوم القيامة فمثل ذلك.

مواعظ

جوامع الموعظة (٤٦)
يا ابن آدم: عفّ عن محارم الله تكن عابداً، وارض بما قسم الله تكن غنيّاً وأحسن جوار من جاورك تكن مسلماً، وصاحب الناس بمثل ما تحبّ أن يصاحبوك به تكن عادلاً. إنه كان بين يديكم أقوام يجمعون كثيراً، ويبنون مشيداً، ويأملون بعيداً، أصبح جمعهم بوراً، وعملهم غروراً، ومساكنهم قبوراً. يا ابن آدم: لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمّك، فخذ مما في يديك لما بين يديك، فانّ المؤمن يتزود والكافر يتمتّع.
استجيبوا لله (٤٧)
أيّها الناس: إنه من نصح لله وأخذ قوله دليلاً، هدي للتي هي أقوم، ووفّقه الله للرشاد، وسدّده للحسنى، فانّ جار الله آمن محفوظ وعدوّه خائف مخذول، فاحترسوا من الله بكثرة، الذكر، واخشوا الله بالتقوى، وتقرّبوا إلى الله بالطاعة، فانه قريب مجيب، قال الله تبارك وتعالى: (وإذا سألك عبادي عنيّ، فاني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان، فليستجيبوا لي، وليؤمنوا بي لعلّهم يرشدون) فاستجيبوا لله وآمنوا به، فانّه لا ينبغي لمن عرف عظمة الله أن يتعاظم، فإنّ رفعة الذين يعلمون عظمة الله أن يتواضعوا، و(عز) الذين يعرفون الله أن يتذللوا (له) وسلامةَ الذين يعلمون ما قدرة الله أن يستسلموا له، ولا ينكروا أنفسهم بعد المعرفة، ولا يضلوا بعد الهدى.
واعلموا علماً يقيناً: أنكم لن تعرفوا التقى، حتى تعرفوا صفة الهدى ولن تمسكوا بميثاق الكتاب، حتى تعرفوا الذي نبذه، ولن تتلوا الكتاب حق تلاوته، حتى تعرفوا الذي حرّفه، فاذا عرفتم ذلك، عرفتم البدع والتكلّف، ورأيتم الفرية على الله، والتحريف، ورأيتم كيف يهوي من يهوي، ولا يجهلنّكم الذين لا يعلمون، والتمسوا ذلك عند أهله، فانهم خاصة نورٍ يستضاء بهم، وأئمة يقتدى بهم، بهم عيش العلم وموت الجهل، وهم الذين أخبركم حلمهم عن جهلهم، وحكم منطقهم عن صمتهم، وظاهرهم عن باطنهم، لا يخالفون الحقّ، ولا يختلفون فيه، وقد خلت لهم من الله سنّة، ومضى فيهم من الله حكم، ان في ذلك لذكرى للذاكرين، واعقلوه اذا سمعتموه، عقل رعايةٍ، ولا تعقلوه عقل رواية، فانّ رواة الكتاب كثير، ورعاته قليل، والله المستعان.
التقوى (٤٨)
إعلموا أن الله لم يخلقكم عبثاً، وليس بتارككم سدى، كتب آجالكم وقسّم بينكم معائشكم، ليعرف كل ذي لبٍ منزلته، وانّ ما قدّر له أصابّه وما صرف عنه فلن يصيبه، قد كفاكم مؤونة الدنيا وفرّغكم لعبادته، وحثّكم على الشكر، وافترض عليكم الذكر، وأوصاكم بالتقوى. منتهى رضاه، والتقوى باب كلّ توبة، ورأس كلّ حكمة، وشرف كلّ عملٍ بالتقوى، فاز من فاز من المتّقين، قال الله تبارك وتعالى: (ان للمتقين مفازاً)، قال: (وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسّهم السوء ولاهم يحزنون فاتقوّا الله عباد الله، واعلموا: أنّه من يتق الله يجعل له مخرجاً من الفتن ويسدده في أمره ويهيئ له رشده، ويفلحه بحجته، ويبيض وجهه ويعطه رغبته، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين، والشهداء والصالحين، وحسن اولئك رفيقاً.
المتقون (٤٩)
لقد اصبحت أقوام كأنهم ينظرون إلى الجنة ونعيمها، والنار وحميمها، يحسبهم الجاهل مرضى وما بهم من مرضٍ، أو قد خولطوا وإنما خالطهم امر عظيم خوف الله ومهابته في قلوبهم كانوا يقولون: ليس لنا في الدنيا من حاجةٍ وليس لها خلقنا ولا بالسعي لها أمرنا، أنفقوا اموالهم وبذلوا دماءهم واشتروا بذلك رضي خالقهم، علموا انّ الله اشترى منهم اموالهم وانفسهم بالجنة فباعوه وربحت تجارتهم وعظمت سعادتهم وأفلحوا وأنجحوا فاقتفوا آثارهم رحمكم الله، واقتدوا بهم فانّ الله تعالى وصف لنبيّه صلى الله عليه وآله صفة آبائه ابراهيم واسماعيل وذريتهما وقال: (فبهداهم اقتدوه) واعلموا عباد الله أنكم مأخوذون الاقتداء بهم والاتّباع لهم، فجدّوا واجتهدوا واحذروا أن تكونوا اعواناً للظالم، فانّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من مشى مع ظالمٍ ليعينه على ظلمه فقد خرج من ربقة الإسلام، ومن حالت شفاعته دون حدٍ من حدودٍ الله فقد حادّ الله ورسوله، ومن اعان ظالماً ليبطل حقاً لمسلمٍ فقد برئ من ذمة الله وذمة رسوله، ومن دعا لظالمٍ بالبقاء، فقد احبّ ان يعصى الله، ومن ظلم بحضرته مؤمن او اغتيب وكان قادراً على نصره ولم ينصره فقد باء بغضبٍ من الله ومن رسوله، ومن نصره فقد استوجب الجنّة من الله تعالى وإن الله تعالى اوحى إلى داود (عليه السلام): قال: لفلان الجبار إني لم ابعثك لتجمع الدنيا على الدنيا ولكن لتردّ عني دعوة المظلوم تنصره، فاني آليت على نفسي ان انصره، وانتصر له، ممن ظلم بحضرته، ولم ينصره.
أهل النار (٥٠)
قال الحسن (عليه السلام): إن الله تعالى لم يجعل الأغلال في أعناق اهل النار لانهم أعجزوه، ولكن إذا أطفىء بهم اللهب ارسبهم في قعرها.
ثم غشي عليه، فلما أفاق من غشوته قال:
يا ابن آدم نفسك نفسك، فانما هي نفس واحدة، إن نجت نجوت وان هلكت لم ينفعك نجاة من نجا.
المبادرة إلى العمل (٥١)
إتقوا الله عباد الله، وجدّوا في الطلب وتجاه الهرب، وبادروا العمل قبل مقطعات النقمات، وهادم اللذات، فانّ الدنيا لا يدوم نعيمها، ولا يؤمن فجيعها، ولا تتوقّى مساويها، غرور حائل، وسناد مائل، فاتعظوا عباد الله بالعبر، واعتبروا بأثر. وازدجروا بالنعيم. وانتفعوا بالمواعظ، فكفى بالله معصتماً ونصيراً، وكفى بالكتاب حجيجاً وخصيما، وكفى بالجنّةِ ثواباً، وكفى بالنار عقاباً ووبالاً.
تزودوا
يا ابن آدم عفّ عن محارم الله تكن عابداً، وارض بما قسم الله تكن غنياً، وأحسن جوار من جاورك تكن مسلماً، وصاحب الناس بمثل ما تحبّ أن يصاحبوك به تكن عادلاً، إنه كان بين ايديكم قوم يجمعون كثيراً، ويبنون مشيداً، ويأملون بعيداً، اصبح جمعهم بوراً، وعملهم غروراً، ومساكنهم قبوراً، يا ابن آدم انك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن امّك، فجد بما في يديك، فإنّ المؤمن يتزود، والكافر يتمتع (وتزودوا فانّ خير الزاد التقوى).
حبّ الدنيا (٥٢)
من احبّ الدنيا ذهب خوف الآخرة من قلبه، ومن ازداد حرصاً على الدنيا، لم يزدد منها الا بعداً، وازداد هو من الله بغضاً.
والحريص الجاهد والزاهد القانع كلاهما مستوفٍ أكله، غير منقوصٍ من رزقه شيئاً، فعلام التهافت في النار؟ والخير كله في صبر ساعةٍ واحدةٍ، تورث راحةً طويلةً وسعادةً كثيرةً.
والناس طالبان: طالب يطلب الدنيا حتى إذا أدركها هلك، وطالب يطلب الآخرة حتى إذا أدركها فهو ناجٍ فائز.
واعلم - أيها الرجل!- أنه لا يضرّك ما فاتك من الدنيا، وأصابك من شدائدها إذا ظفرت بالآخرة، وما ينفعك ما أصبت من الدنيا، إذا حرمت الآخرة.
دار غفلة
الناس في دار سهوٍ وغفلة، يعملون ولا يعلمون، فإذا صاروا إلى دار يقينٍ، يعلمون ولا يعملون.
المأكول والمعقول (٥٣)
عجبت لمن يفكر في مأكوله، كيف لا يفكر في معقوله، فيجنّب بطنه ما يؤذيه، ويودع صدره ما يرديه(٥٤)؟
النهي عن اللعب (٥٥)
إن الله جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه، فيستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته فسبق قوم ففازوا، وقصر آخرون فجابوا، فالعجب كل العجب من ضاحكٍ لاعب، في اليوم الذي يثاب فيه المحسنون، ويخسر فيه المبطلون وأيم الله لو كشف الغطاء لعلموا: أنّ المحسن مشغول بإحسانه، والمسيء مشغول بإساءته.
تعزية (٥٦)
إن كانت المصيبة أحدثت لك موعظةً، وكسّبتك أجراً فهو، وإلا فمصيبتك في نفسك أعظم من مصيبتك في ميتك.
الاجمال في الطلب (٥٧)
لا تجاهد الطلب جهاد الغالب ولا تتكل على القدر اتكال المستسلم، فان ابتغاء الفضل من السنة، والاجمال في الطلب من العفة، وليست العفة بدافعةٍ رزقاً، ولا الحرص بجالبٍ فضلاً، فانّ الرزق مقسوم، واستعمال الحرص استعمال المآثم.
يستجاب دعاه (٥٨)
يا عبد الله كيف يكون المؤمن مؤمناً وهو يسخط قسمه، ويحقّر منزلته، والحاكم عليه الله؟ وأنا الضامن لمن لم يهجس في قلبه إلا الرضا أن يدعو الله فيستجاب له.
الموت يطلبك (٥٩)
يا جنادة! استعدّ لسفرك، وحصّل زادك قبل حلول أجلك، واعلم انّك تطلب الدنيا والموت يطلبك، ولا تحمل همّ يومك الذي لم يأت على يومك الذي أنت فيه، واعلم انك لا تكسب من المال شيئاً فوق قوتك، الا كنت فيه خازناً لغيرك، واعلم: انّ الدنيا في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، وفي الشبهات عتاب، فأنزل الدنيا بمنزلة الميتة خذ منها ما يكفيك، فان كان حلالاً كنت قد زهدت فيه، وان كان حراماً لم يكن فيه وزر، فأخذت منه كما أخذت من الميتة، وإن العقاب، فالعقاب يسير، واعمل لدنياك كأنك تعيش ابداً، واعمل لآخرتك كأنّك تموت غداً، واذا أردت عزّاً بلا عشيرة، وهيبةً بلا سلطان، فاخرج من ذل معصية الله إلى عزّ طاعة الله عزّ وجلّ، واذا نازعتك إلى صحبة الرجال حاجة، فاصحب من اذا صحبته زانك، واذا أخذت منه صانك، واذا أردت منه معونةً أعانك، وان قلت صدق قولك، وان صلت شدّ صولتك، وان مددت يدك بفضلٍ مدّها، وان بدت منك ثلمة سدّها، وان رأى منك حسنةً عدّها، وان سألته اعطاك، وان سكتّ عنه ابتدأك، وان نزلت بك إحدى الملمات واساك، من لا تأتيك منه البوائق، ولا تختلف عليك منه الطرائق، ولا يخذلك عند الحقائق وان تنازعتما منقسما آثرك.
الموت
سئل الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام: ما الموت الذي جهلوه؟ قال: أعظم سرورٍ يرد على المؤمنين، اذا نقلوا عن دار النكد إلى نعيم الابد، وأعظم ثبور يرد على الكافرين، اذا نقلوا عن جنتهم، إلى نارٍ لا تبيد ولا تنفذ(٦٠).
قال رجل للحسن: إني أخاف الموت! قال:
ذاك أنك أخرّت مالك، ولو قدمته لسرّك أن تلحق به(٦١).
ومرّ (عليه السلام) على ميت يراد دفنه فقال:
ان أمراً هذا آخره، لحقيق بأن يزهد في أوّله، وإنّ أمراً هذا أوله لحقيق أن يخاف من آخره(٦٢).
هول المطّلع (٦٣)
لما حضرت الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهما السلام الوفاة، بكى فقيل: يا ابن رسول الله تبكي ومكانك من رسول الله الذي أنت به، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله فيك ما قال، وقد حججت عشرين حجةً ماشياً، وقد قاسمت ربّك مالك ثلاث مرّات حتى النعل بالنعل؟ فقال: (إنما أبكي لخصلتين: لهول المطّلع، وفراق الأحبّة).

أخلاق

أخ كريم (٦٤)
إني أخبركم عن أخٍ كان من أعظم الناس في عيني، وكان عظيم ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينه، كان خارجاً عن سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر اذا وجد.
وكان خارجاً عن سلطان فرجه، فلا يستخفّ له عقله ولا رأيه.
وكان خارجاً عن سلطان جهله، فلا يمدّ يداً إلا على ثقةِ المنفعة، ولا يخطو خطوةً إلا لحسابه.
وكان لا يسخط ولا يتبرم.
كان اذا اجتمع بالعلماء يكون على أن يسمع، أحرص منه على أن يتكلّم، وكان اذا غلب على الكلام، لا يغلب على الصمت.
كان أكثر دهره صامتاً، فاذا قال بزّ القائلين.
وكان لا يشارك في دعوى، ولا يدخل في مراء، ولا يدلي بحجة، حتى يرى قاضياً يقول مالا يفعل ويفعل مالا يقول، تفضلاً وتكرماً.
كان لا يغفل عن اخوانه، ولا يستخصّ بشيء دونهم.
كان لا يكرّم أحداً فيما يقع القدر بمثله.
كان اذا ابتدأه أمران، لا يدري أيهما أقرب إلى الحقّ، نظر فيما هو اقرب إلى هواه فخالفه.
صفات الأخ (٦٥)
يا بني لا تؤاخ أحداً حتى تعرف موارده ومصادره، فاذا استنبطت الخبرة ورضيت العشرة، فآخيه على اقالة العثرة، والمواساة في العسرة.
تفسير الأخلاق الفاضلة (٦٦)
وجه الإمام علي (عليه السلام) إلى الحسن اسئلةً تتعلق بأصول الأخلاق والفضائل، فأجابه الإمام الحسن (عليه السلام) فكان بينهما الحوار التالي:
أمير المؤمنين - يا بني ما السداد؟
الحسن: يا أبت السداد دفع المنكر بالمعروف.
أمير المؤمنين: ما الشرف؟
الحسن: اصطناع العشيرة وحمل الجريرة.
أمير المؤمنين: - ما المروءة؟
الحسن: - العفاف واصلاح المرء ماله.
أمير المؤمنين: ما الدنيئة؟
الحسن: النظر في اليسير ومنع الحقير.
أمير المؤمنين: ما اللؤم؟
الحسن: احتراز المرء نفسه وبذله عرسه.
أمير المؤمنين: ما السماحة؟
الحسن: البذل في العسر واليسر.
أمير المؤمنين: ما الشحّ؟
الحسن: أن ترى ما في يديك شرفاً وما أنفقته تلفاً.
أمير المؤمنين: ما الإخاء؟
الحسن: الوفاء في الشدة والرخاء.
أمير المؤمنين: ما الجبن؟
الحسن: الجرأة على الصديق والنكول عن العدو.
أمير المؤمنين: ما الغنيمة؟
الحسن: - الرغبة في التقوى، والزهادة في الدنيا هي الغنيمة الباردة.
أمير المؤمنين: ما الحلم؟
الحسن: كظم الغيظ وملك النفس.
أمير المؤمنين: ما الغنى؟
الحسن: رضى النفس بما قسم الله لها وإن قلّ وإنما الغنى عن النفس.
أمير المؤمنين: ما الفقر؟
الحسن: شره النفس في كل شيء.
أمير المؤمنين: ما المنعة؟
الحسن: شدة البأس ومنازعة أعزّ الناس.
أمير المؤمنين: ما الذّلّ؟
الحسن: الفرع عند المصدوقة.
أمير المؤمنين: ما العيّ؟
الحسن: العبث باللحية وكثرة البزاق عند المخاطبة.
أمير المؤمنين: ما الجرأة؟
الحسن: موافقة الاقران.
أمير المؤمنين: ما الكلفة؟
الحسن: كلامك فيما لا يعنيك.
أمير المؤمنين: ما المجد؟
الحسن: أن تعطي في الغرم وتعفو عن الجرم.
أمير المؤمنين: ما العقل؟
الحسن: العقل حفظ كلّ ما استوعيته.
أمير المؤمنين: ما الخرق؟
الحسن: معاداتك إمامك ورفعك عليه كلامك.
أمير المؤمنين: ما السناء؟
الحسن: إتيان الجميل وترك القبيح.
أمير المؤمنين: ما الحزم؟
الحسن: طول الاناة والرفق بالولاة.
أمير المؤمنين: ما السفه؟
الحسن: إتباع الدّناة ومصاحبة الغواة.
أمير المؤمنين: ما الغفلة؟
الحسن: تركك المسجد وطاعتك المفسد.
أمير المؤمنين: ما الحرمان؟
الحسن: تركك حظّك وقد عرض عليك.
أمير المؤمنين: من السيّد؟
الحسن: الأحمق في ماله. والمتهاون في عرضه: يشتم فلا يجيب، المهتمّ بأمر عشيرته، هو السيّد(٦٧).
أمير المؤمنين: فما الجهل؟
الحسن: سرعت الوثوب على الفرصة، قبل الاستمكان منها، والامتناع عن الجواب. ونعم العون الصمت، في مواطن كثيرة، وإن كنت فصيحاً(٦٨).
مكارم الأخلاق (٦٩)
قال جابر: سمعت الحسن (عليه السلام) يقول: مكارم الأخلاق عشرة:
صدق اللسان، وصدق البأس، واعطاء السائل، وحسن الخلق، والمكافأة بالصنائع، وصلة الرحم، والتذميم(٧٠) على الجار ومعرفة الحق للصاحب، وقري الضيف، ورأسهن الحياء.
فضائل (٧١)
الحزم أن تنتظر فرصتك وتعاجل ما أمكنك، والمجد حمل المعازم وابتناء المكارم، والسماحة اجابة السائل وبذل النائل، والرقة طلب اليسير، ومنع الحقير والكلفة التمسك لمن لا يواتيك، والنظر بما لا يعنيك والجهل وان كنت فصيحاً.
العقل (٧٢)
سئل الحسن بن علي، فقيل له: (ما العقل؟) فقال: التجرع للغصة، حتى ننال الفرصة، ومداهنة الأعداء.
العقل والحلم (٧٣)
اعلموا أن العقل حرز والحلم زينة والوفاء مروءة والعجلة سفه والسفه ضعف ومجالسة أهل الدنيا شين، ومخالطة أهل الفسوق ريبة، ومن استخف بإخوانه فسدت مروءته، ولا يهلك إلا المرتابون وينجو المهتدون الذين لم يتهموا الله في آجالهم طرفة عينٍ، ولا في أرزاقهم، فمروءتهم كاملة وحياؤهم كامل، يصبرون حتى يأتي بهم الله برزقٍ، ولا يبيعون شيئاً من دينهم ومروءاتهم بشيءٍ من الدنيا ولا يطلبون شيئاً منها بمعاصي الله، ومن عقل المرء ومروءته أن يسرع إلى قضاء حوائج اخوانه وان لم ينزلوها به، والعقل أفضل ما وهب الله تعالى للعبد إذ به نجاته في الدنيا من آفاتها وسلامته في الآخرة من عذابها، وقد قيل: إنهم وصفوا رجلاً عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحسن عبادته، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: انظروا إلى عقله فانما يجزى العباد يوم القيامة على قدر عقولهم، وحسن الأدب دليل على صحة العقل.
العقل والهمة والدين (٧٤)
قال (عليه السلام): لا أدب لمن لا عقل له، ولا مودّة لمن لا همّة له ولا حياة لمن لا دين له، ورأس العقل معاشرة الناس بالجميل، وبالعقل تدرك سعادة الدارين، ومن حرم العقل حرمهما جميعاً.
المروءة (٧٥)
سئل عن المروءة، فقال (عليه السلام): شح الرجل على دينه وإصلاحه ماله، وقيامه بالحقوق.
المروءة والكرم والنجدة (٧٦)
أما المروءة فإصلاح الرجل أمر دينه، وحسن قيامه على ماله، ولين الكفّ وافشاء السلام، والتحبب إلى الناس. والكرم: العطية قبل السؤال والتبرع بالمعروف، والاطعام في المحل. ثم النجدة: الذبّ عن الجار، والمحاماة في الكريهة، والصبر عند الشدائد..
الصمت (٧٧)
وسئل عن الصمت؟ فقال:
هو ستر العيّ، وزين العرض، وفاعله في راحة، وجليسه في أمنِ.
الذل واللؤم والعقوق (٧٨)
سئل عن الذلّ واللؤم فقال:
من لا يغضب من الجفوة، ولا يشكر على النعمة
وسئل عن العقول فقال:
ان تحرمهما.
الكبر والحرص والحسد
هلاك الناس في ثلاثٍ، الكبر، والحرص، والحسد
(الكبر) به هلاك الدين، وبه لعن إبليس.
و(الحرص) عدوّ النفس، وبه أخرج آدم من الجنة.
و(الحسد) رائد السوء، وبه قتل هابيل قابيل(٧٩)
البخل (٨٠)
وسئل عن (البخل) فقال:
هو أن يرى الرجل ما أنفقه، وما أمسكه شرفاً.
الناس أربعة (٨١)
يا جعيد بن همدان:
إن الناس أربعة: فمنهم من له خلاق وليس له خلق، ومنهم من له خلق وليس له خلاق، ومنهم من ليس له خلق ولا خلاق، فذاك أشرّ الناس. ومنهم من له خلق وخلاق فذاك أفضل الناس.
أحسن الناس
قيل له: من أحسن الناس عيشاً؟ قال:
من أشرك الناس في عيشه.
أشرّ الناس (٨٢)
وقيل؛ من أشرّ الناس؟ قال:
من لا يعيش في عيشه أحد.
شرّ الناس
قال رجل للحسن: من شرّ الناس؟ فقال:
من يرى أنّه خيرهم.
اذا طلبتم الحوائج (٨٣)
اذا طلبتم الحوائج، فاطلبوها من أهلها. - قيل: يا ابن رسول الله! ومن اهلها؟ قال: الذي خصّ الله في كتابه، وذكرهم فقال: (انما يتذكّر اولو الالباب). هم اولو العقول.
لا تمدح ولا تكذب (٨٤)
سأله رجل ان يكون صديقاً له وجليساً، فقال (عليه السلام) له:
إياك أن تمدحني، فأنا أعلم بنفسي منك، أو تكذبني فانّه لا أرى لمكذوب أو تغتاب عندي أحداً فقال الرجل: ائذن لي في الانصراف قال له: نعم اذا شئت.
السلام (٨٥)
من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه.
التقبيل (٨٦)
اذا لقي أحدكم أخاه، فليقبّل موضع النور من جبهته.
آداب الطعام (٨٧)
في المائدة اثنتا عشرة خصلة يجب على كل مسلم أن يعرفها، أربع فيها فرض، وأربع سنة وأربع تأديب:
الفرض: المعرفة، الرضا، التسمية، الشكر.
السنة: الوضوء قبل الطعام، الجلوس على الجانب الأيسر، الأكل بثلاثة أصابع، ولعق الأصابع.
التأديب: الأكل مما يليك، تصغير اللقمة، تجويد المضغ، قلة النظر في وجوه الناس.
غسل اليدين (٨٨)
غسل اليدين قبل الطعام ينفي الفقر وبعده ينفي الهم.
لقطات من الاخلاق (٨٩)
اعلموا يا أهل الكوفة!
أن الحلم زينة والوفاء مروءة، والعجلة سفه، والفرّ ضعف، ومجالسة أهل الدناءة شين، ومخالطة أهل الفسوق ريبة.
العلم (٩٠)
يا بني وبني أخي، إنّكم صغار قومٍ، وتوشكون أن تكونوا كبار قوم آخرين، فتعلّموا العلم، فمن لم يستطع منكم أن يرويه او يحفظه، فليكتبه، في بيته.
علّم وتعلّم (٩١)
علّم الناس وتعلّم علم غيرك، فتكون قد أتقنت علمك، وعلمت مالم تعلم.
حسن السؤال (٩٢)
حسن السؤال نصف العلم.

سياسيات

السياسة (٩٣)
سأله شخص عن رأيه في السياسة؛ فقال (عليه السلام):
هي أن ترعى حقوق الله، وحقوق الأحياء، وحقوق الأموات، فأمّا حقوق الله فأداء ما طلب، والاجتناب عما نهى، وأمّا حقوق الأحياء فهي ان تقوم بواجبك نحو اخوانك، ولا تتأخّر عن خدمة أمتك، وان تخلص لوليّ الأمر ما أخلص لأمّته، وأن ترفع عقيرتك في وجهه اذا ما خلا عن الطريق السويّ، واما حقوق الأموات فهي ان تذكر خيراتهم وتتغاضى عن مساوئهم فانّ لهم ربّا يحاسبهم.
ما يجب على الملك (٩٤)
وقال له معاوية: ما يجب لنا في سلطاننا؟
الإمام: ما قال سليمان بن داود!
معاوية: وما قال سليمان؟
الإمام: إنه قال لبعض أصحابه: أتدري ما يجب على الملك في ملكه، وما لا يضرّه اذا أدّى الذي عليه منه، اذا خاف الله في السرّ والعلانية، وعدل في الغضب والرّضا، وقصد في الفقر والغنى، ولم يأخذ الأموال غصباً، ولم يأكلها إسرافاً وتبذيراً، ولم يضرّه ما تمتّع به من دنياه اذا كان من خلّته.
استنصار (٩٥)
بعد الحمد والثناء:
ايّها الناس، إنّا جئنا ندعوكم إلى الله، وإلى كتابه، وسنة رسوله، والى أفقه من تفقّه من المسلمين، واعدل من تعدلون، وافضل من تفضلون وأوفى من تبايعون، من لم يعبه القرآن، ولم تجهله السّنّة، ولم تقعد به السابقة، إلى من قرّبه الله تعالى ورسوله قرابتين: قرابة الدين وقرابة الرحم. إلى من سبق الناس إلى كلّ مأثرة. إلى من كفى الله به رسوله والناس متخاذلون، فقرّب منه وهم متباعدون، وصلّى معه وهم مشركون، قاتل معه وهم منهزمون، وبارز معه وهم مجمعون، وصدّقه وهم يكذبون، كلّ ذلك من منّ الله على عليّ. إلى من لم تردّ له ولا تكافاً له سابقة، ثم والله ما دعا إلى نفسه، ولقد تداكّ الناس عليه، تداك الابل الهيم عند ورودها، فبايعوه طائعين، ونكث منهم ناكثون، بلا حدثٍ احدث، ولا خلاف اتاه، حسداً له وبغياً عليه.
ايها الناس! إنه قد كان من مسير امير المؤمنين ما قد بلغكم، وقد أتيناكم مستنفرين، لأنكم جبهة الانصار، ورؤس العرب.. وهو يسألكم النصر، ويدعوكم إلى الحقّ ويأمركم بالمسير اليه، لتؤازروه وتنصروه، على قومٍ نكثوا راية بيعته، وقتلوا اهل الصلاح من أصحابه، ومثلوا بعماله وانتهبوا بيت ماله.. فاشخصوا اليه - رحمكم الله - فأمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، واحضروا بما يحضر به الصالحون.
وايم الله، لولم يصره احد منكم، لرجوت أن يكون في من اقبل معه من المهاجرين والانصار كفاية.. فأجيبوا دعوة اميركم، وسيروا إلى اخوانكم، سيوجد لهذا الامر من ينفر اليه، ووالله لأن يليه اولو النّهى، امثل في العاجل والآجل، وخير في العافية فأعينونا على ما ابتلينا به وابتليتم. انّ امير المؤمنين يقول: (قد خرجت مخرجي هذا ظالماً او مظلوماً فاذكر الله رجلا رعى حقّ الله الا نفر، فان كنت مظلوماً اعانني، وان كنت ظالماً اخذ مني.. والله إنّ طلحة والزبير، لأوّل من بايعني، وأوّل من غدر. فهل استأثرت او بدّلت حكماً؟).
فعليكم - عباد الله - بتقوى الله - وطاعته، والجدّ والصبر، والاستعانة بالله، والخفوف إلى ما دعاكم إليه أمير المؤمنين.
عصمنا الله واياكم، بما عصم به اولياءه وأهل طاعته، والهمنا وإياكم بتقواه، وأعاننا وإياكم على جهاد أعدائه، وأستغفر الله لي ولكم.
قد بلغنا مقالة ابن الزبير في أبي وقوله فيه: إنه قتل عثمان، وانتم يا معشر المهاجرين والأنصار وغيرهم من المسلمين، علمتم بقول الزبير في عثمان، وما كان اسمه عنده، وما كان يتجنّى عليه، وأنّ طلحة يومذاك ركّز رايته على بيت ماله وهو حيّ، فأنّى لهم أن يرموا أبي بقتله وينطقوا بذمّه، ولو شئنا القول فيهم لقلنا.
وأما قوله: إن علياً ابتزّ الناس أمرهم، فان اعظم حجة لأبيه زعم أنه بايعه بيده ولم يبايعه بقلبه فقد أقرّ بالبيعة وادّعى الوليجة، فليأت على ما ادعاه ببرهانٍ وأنّى له ذلك؟
وأمّا تعجّبه من تورّد أهل الكوفة على أهل البصرة، فما عجبه من أهل حقٍّ تورّدوا على أهل باطل.
أمّا أنصار عثمان فليس لنا معهم حرب ولا قتال.
غضبنا الله ولكم (٩٦)
ان مما عظّم الله عليكم من حقّه، واسبغ عليكم من نعمه، ما لا يحصى ذكره، ولا يؤدّى شكره، ولا يبلغه قول ولا صفة.
ونحن إنما غضبنا لله ولكم، فإنّه منّ علينا بما هو اهله، أن تشكر فيه آلاؤه وبلاؤه ونعماؤه، قولا يصعد إلى الله فيه الرضا، وتنتشر فيه عارفة الصدق يصدق الله فيه قولنا، ونستوجب فيه المزيد من ربّنا، قولا يزيد ولا يبيد، فانه لم يجتمع قوم قطّ على امرٍ واحدٍ الا اشتدّ امرهم، واستحكمت عقدتهم، فاحتشدوا في قتال عدوّكم وجنوده ولا تخاذلوا، فانّ الخذلان يقطع نياط القلوب، وان الإقدام على الأسنة، نخوة وعصمة، لانه لم يمتنع قوم قطّ، الا رفع الله عنهم العلة، وكفاهم حوائج الذلة، وهداهم إلى معالم الملة.

والصلح تأخذ منه ما رضيت به * * * والحرب يكفيك من انفاسها جرع

رفض وتوبيخ (٩٧)
كلا!. والله لا يكون ذلك. لكأني انظر اليك مقتولاً في يومك أو غدك! أما إن الشيطان قد زيّن لك وخدعك، حتى أخرجك مخلقاً بالخلوف، ترى سناء أهل الشام موقفك. وسيصرعك الله ويبطحك لوجهك قتيلاً.
حكما بالهوى (٩٨)
ايّها الناس! قد اكثرتم في هذين الرجلين، وانما بعثا ليحكما بالكتاب على الهوى فحكما بالهوى على الكتاب، ومن كان هكذا لم يسمّ حكماً، ولكنه محكوم عليه، وقد اخطأ عبد الله بن قيس اذ جعلها لعبد الله بن عمر، فأخطأ في ثلاث خصال، واحدةٍ أنّه خالف (يعني أبا موسى) أباه (يعني عمر) اذ لم يرضه لها، ولا جعله من أهل الشّورى، وأخرى أنه لم يستأمر الرجل في نفسه، ولا علم ما عنده من ردٍّ أو قبول(٩٩) وثالثها: أنه لم يجتمع عليه المهاجرون والأنصار، الذين يعقدون الإمارة، ويحكمون بها على الناس. وأما الحكومة فقد حكّم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم سعد بن معاذ في بني قريضة، فحكم بما يرضى الله به ولا شكّ ولو خالف لم يرضه رسول الله.
شرط البيعة (١٠٠)
الحمد لله على ما قضى من أمرٍ، وخصّ من فضلٍ، وعمّ من أمر وجلّل من عافيةٍ، حمداً يتمّ به علينا نعمه، ونستوجب به رضوانه، إنّ الدنيا دار بلاءٍ وفتنةٍ وكلّ ما فيها إلى زوال، وقد نبّأنا الله عنها كي ما نعتبر فقدّم الينا بالوعيد، كيلا يكون لنا حجة بعد الإنذار، فازهدوا فيما يغني وارغبوا فيما يبقى، وخافوا الله في السرّ والعلانية إنّ علياً (عليه السلام) في المحيا والممات والمبعث عاش بقدرٍ ومات بأجل، وإني أبايعكم على أن تسالموا من سالمت، وتحاربوا من حاربت.
استفتاء عامّ (١٠١)
معشر الناس:
عفت الديار، ومحيت الآثار، وقلّ الاصطبار، فلا قرار على همزات الشياطين وحكم الخائنين، الساعة والله صحّت البراهين، وفصّلت الآيات وبانت المشكلات، ولقد كنا نتوقّع تمام هذه الآية تأويلها، قال الله عز وجلّ: (وما محمد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شيئاً، وسيجزي الله الشّاكرين).
فلقد مات والله جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقتل أبي (عليه السلام)، وصاح الوسواس الخناس في قلوب الناس، ونعق ناعق الفتنة، وخالفتم السّنّة، فيالها من فتنةٍ صمّاء عمياء لا يسمع لداعيها، ولا يجاب مناديها، ولا يخالف واليها، ظهرت كلمة النفاق وسيّرت رايات أهل الشّقاق. وتكالبت جيوش أهل المراق، من الشام والعراق، هلمّوا رحمكم الله إلى الافتتاح، والنور الوضّاح، والعلم الجحجاح والنّور الذي لا يطفى، والحقّ الذي لا يخفى.
ايّها الناس تيقّظوا من رقدة الغفلة، ومن تكاثف الظّلمة، فو الذي فلق الحبّة، وبرأ النسمة، وتردّى بالعظمة، لئن قام اليّ منكم عصبة بقلوبٍ صافيةٍ، ونيّاتٍ مخلصةٍ، لا يكون فيها شوب نفاق، ولا نيّة افتراق، لأجاهدنّ بالسيف قدماً ولأضيقنّ من السيوف جوانبها، ومن الرّماح أطرافها، ومن الخيل سنابكها، فتكلّموا رحمكم الله.
فكأنما ألجموا بلجام الصّمت.
اعلان الحرب (١٠٢)
أما بعد:
فإنّ الله كتب الجهاد على خلقه وسمّاه كرهاً، ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين: (إصبروا إن الله مع الصّابرين). فلستم أيّها الناس نائلين ما تحبّون، الا بالصبر على ما تكرهون. بلغني أن معاوية بلغه أنّا كنّا أزمعنا على المسير اليه فتحرّك، لذلك اخرجوا رحمكم الله، إلى معسكركم - بالنخيلة - حتى ننظر وتنظرون ونرى وترون.
التعبئة الفكرية (١٠٣)
الحمد لله كلّما حمده حامد، واشهد أن لا إله إلا الله كلّما شهد له شاهد، وأشهد ان محمداً عبده ورسوله: أرسله بالحق، وأتمنه على الوحي صلى الله عليه وآله وسلم، أمّا بعد: فوالله اني لأرجو أن اكون قد أصبحت بحمد الله ومنّه، وأنا أنصح خلق الله لخلقه، وما أصبحت محتملاً على مسلمٍ ضغينة، ولا مريداً له سوءاً ولا غائلةً، ألا وإنّ ما تكرهون في الجماعة، خير لكم مما تحبّون في الفرقة، ألا وإني ناظر لكم خيراً من نظركم لأنفسكم، فلا تخالفوا أمري، ولا تردّوا عليّ رأيي، غفر الله لي ولكم، وأرشدني وإياكم لما فيه المحبة والرّضا.
تعاليم حربية (١٠٤)
يا ابن عمّ: إني باعث معك اثني عشر ألفاً من فرسان العرب وقرّاء مصر.. فسر بهم والن جانبك وابسط وجهك، وافرش لهم جناحك، وأدنهم من مجلسك، وسر بهم على شطّ الفرات، حتى تقطع بهم الفرات، ثم تصير بمسكن، ثم امض حتّى تستقبل معاوية، فان انت لقيته فاحبسه حتى نأتيك، فإني في اثرك وشيكا، وليكن خبرك عندي كلّ يوم، وشاور هذين - يعني قيس بن سعيد وسعيد بن قيس - فاذا لقيت معاوية فلا تقاتلنّه حتى يقاتلك، وان فعل فقاتله، فان أصبت فقيس على الناس، وإن اصيب قيس، فسعيد بن قيسٍ على النّاس.
عبيد الدنيا (١٠٥)
هذا الكنديّ توجّه إلى معاوية، وغدر بي وبكم، وقد اخبرتكم مرةً بعد مرة: أنّه لا وفاء لكم، انتم عبيد الدنيا. وأنا موجّه رجلاً آخر مكانه وإني أعلم: أنه سيفعل بي وبكم ما فعل صاحبه (حكم) ولا يراقب الله فيّ ولا فيكم.
تخلّف الجيش (١٠٦)
غررتموني كما غررتم من كان من قبلي، مع أيّ إمامٍ تقاتلون بعدي مع الكافر الظالم الذي لا يؤمن بالله ولا برسوله قطّ ولا أظهر الإسلام هو وبنو أمية إلا فرقاً من السيف؟ ولو لم يبق لبني أمية إلا عجوز درداء لبغت دين الله عوجاً. وهكذا قال رسول الله.
ابناؤكم على ابواب أبنائهم (١٠٧)
ويلكم! والله إنّ معاوية لا يفي لأحدٍ منكم بما ضمنه في قتلي، وإني أظنّ ان وضعت يدي في يده فأسلمه، لم يتركني أدين لدين جدّي، وأني اقدر أن اعبد الله عزّ وجلّ وحدي، ولكنّي كأني انظر إلى ابنائكم، واقفين على أبواب ابنائهم، يستسقونهم ويستطعمونهم، بما جعل الله لهم، فلا يسقون ولا يطعمون، فبعداً وسحقاً لما كسبته أيديهم، فسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون!.
استفتاء عام (١٠٨)
أما والله ما ثنانا عن قتال أهل الشام ذلة ولا قلة، ولكن كنّا نقاتلهم بالسلامة والصبر، فشيب السلامة بالعدواة، والصبر بالجزع، وكنتم في مسيركم إلى صفّين ودينكم أمام دنياكم، وقد أصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم، وكنّا لكم وكنتم لنا، وقد صرتم اليوم علينا، ثم أصبحتم تصدّون قتلين، قتيلاً بصفّين تبكون عليه، وقتيلاً بالنّهروان تطلبون بثأره فأما الباكي فخاذل، وأما الطالب فثائر، وإنّ معاوية قد دعا إلى أمرٍ ليس فيه عزّ ولا نصفة فإن أردتم الحياة قبلناه منه وأغضينا على القذى وإن أردتم الموت بذلناه في ذات الله، وحاكمناه إلى الله (بظبات السيوف)(١٠٩).
فنادى القوم بأجمعهم: بل التقية والحياة.
معاوية خير لي (١١٠)
أرى والله أنّ معاوية خير لي من هؤلاء، يزعمون: أنهم لي شيعة(١١١) ابتغوا قتلي، وانتهبوا ثقلي، وأخذوا مالي، والله لأن آخذ من معاوية عهداً احقن به دمي، وآمن به في أهلي، خير من أن يقتلوني فيضيع أهل بيتي، والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني اليه سلماً فوالله لأن اسالمه وأنا عزيز، خير من أن يقتلني وأنا اسيره، أو يمنّ عليّ فيكون سبةً على بني هاشم إلى آخر الدّهر، ومعاوية لا يزال يمنّ بها وعقبه على الحيّ منا والميت(١١٢).
وما أصنع يا أخا جهينة؟ إني والله أعلم بأمرٍ قد أدى به إلا عن ثقاته: إنّ امير المؤمنين قال لي ذات يومٍ وقد رآني فرحاً: (يا حسن اتفرح؟ كيف بك اذا رأيت أباك قتيلاً؟ أم كيف بك اذا ولي هذا الأمر بنو أمية، وأميرها الرحب البلعوم، الواسع الأعفاج. يأكل ولا يشبع يموت وليس له في السماء ناصر، ولا في الارض عاذر، ثم يستولي على غربها وشرقها، تدين له العباد، ويطول ملكه، يسنّن بسنن البدع والضّلال ويميت الحقّ وسنّة رسول الله، يقسّم المال في أهل ولايته، ويمنعه من هو أحقّ به، ويذلّ في ملكه المؤمن، ويقوّي في سلطانه الفاسق، ويجعل المال بين انصاره دولاً، ويتخذ عباد الله خولاً، ويدرس في سلطانه الحقّ، ويظهر الباطل، ويلعن الصالحين، ويقتل من ناوأه على الحقّ، ويدين من والاه على الباطل، فكذلك حتى يبعث الله رجلاً في آخر الزمان، وكلب من الدهر، وجهل من الناس يؤيّده الله بملائكته، ويعصم انصاره وينصره بآياته، ويظهره على الارض، حتى يدينوا له طوعاً وكرهاً، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً، ونوراً وبرهاناً، يدين له عرض البلاد وطولها حتى لا يبقى كافر إلا آمن، وطالح إلا صلح، وتصطلح في ملكه السباع، وتخرج الارض نبتها، وتنزل السماء بركتها، وتظهر له الكنوز، يملك ما بين الخافقين اربعين عاماً، فطوبى لمن أدرك ايّامه وسمع كلامه).
قرار المصير (١١٣)
أيّها الذاكر علياً، انا الحسن وابي عليّ، وانت معاوية وابوك صخر، وأمّي فاطمة، وامّك هند، وجدّي رسول الله وجدّك عتبة بن ربيعة، وجدتي خديجة وجدّتك فتيلة، فلعن الله أخملنا ذكراً، وألأمنا حسباً وشرفاً، قديماً وحديثاً، واقدمنا كفراً ونفاقاً(١١٤).
(ثم صعد الإمام المنبر فقال)(١١٥)
الحمد لله كلّما حمده حامد، واشهد ان لا إله إلا الله كلّما شهد له شاهد، وأشهد ان محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى، وأتمنه على الوحي، صلّى الله عليه وآله وسلّم.
أمّا بعد، فوالله إني لأرجو أن أكون قد اصبحت بحمد الله ومنّه وأنا أنصح خلق الله لخلقه، وما أصبحت محتملاً على مسلمٍ ضغينةً، ولا مريداً له سوءاً، ولا غائلةً الا وإنّ ما تكرهون في الجماعة، خير لكم مما تحبّون في الفرقة، ألا وإني ناظر لكم خيراً من نظركم لأنفسكم فلا تخالفوا أمرى، ولا تردّوا عليّ رأيي، غفر الله لي ولكم، وارشدني وايّاكم لما فيه المحبة والرّضا(١١٦)
ايها الناس!
إنّ اكيس الكيس التّقى، وأحمق الحمق الفجور، والله لو طلبتم مابين جابلق وجابرس رجلاً جده رسول الله صلى الله عليه وآله ما وجدتموه غيري وغير أخي الحسين، وقد علمتم أنّ الله هداكم بجدّي محمدٍ، فانقذكم به من الضّلالة، ورفعكم به من الجهالة، واعزّكم به بعد الذلة، وكثّركم به بعد القلّة، [و] إنّ معاوية نازعني حقاً هو لي دونه فنظرت لصلاح الأمّة، وقطع الفتنة، وقد كنتم بايعتموني على أن تسالموا من سالمت، وتحاربوا من حاربت، فرأيت أن أسالم معاوية، وأضع الحرب بيني وبينه وقد بايعته، وقد رأيت أنّ حقن الدماء خير من سفكها، ولم أرد بذلك الا صلاحكم وبقاءكم وإن أدر لعلّه فتنة لكم ومتاع إلى حين(١١٧).
ايّها الناس!
إنّ الله هداكم بأوّلنا واحقن دماءكم بآخرنا، وإنّ لهذا الأمر مدةً والدنيا دول. قال عزّ وجلّ لنبيّه محمدٍ صلى الله عليه وآله: (قل إن أدر أقريب أم بعيد ما توعدون، إنّه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون وإن أدر لعلّه فتنة لكم ومتاع إلى حين)(١١٨).
.. وإن معاوية زعم لكم أني رأيته للخلافة أهلا، ولم أر نفسي لها أهلاً، فكذب معاوية، نحن أولى الناس بالناس في كتاب الله عزّ وجلّ على لسان نبيّه، ولم نزل - أهل البيت - مظلومين منذ قبض الله نبيّه، فالله بيننا وبين من ظلمنا، وتوثّب على رقابنا، وحمل الناس علينا، ومنعنا سهمنا من الفيء، ومنع أمّنا ما جعل لها رسول الله. وأقسم بالله لو أنّ الناس بايعوا أبي حين فارقهم رسول الله، لأعطتهم السماء قطرها والأرض بركتها، ولما طمعت فيها - يا معاوية -.. فلما خرجت من معدنها، تنازعتها قريش بينها، فطمع فيها الطّلقاء وابناء الطّلقاء أنت وأصحابك، وقد قال رسول الله: (ما ولّت امة امرها رجلاً وفيهم من هو أعلم منه، إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالاً، حتّى يرجعوا إلى ما تركوا.) فقد ترك بنو اسرائيل هارون وهم يعلمون انّه خليفة موسى فيهم، واتّبعوا السامريّ، وتركت هذه الامة أبي وبايعوا غيره، وقد سمعوا رسول الله يقول له: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوّة). وقد رأوا رسول الله نصّب أبي يوم غدير خم، وأمرهم أن يبلّغ أمره الشاهد الغائب. وهرب رسول الله من قومه وهو يدعوهم إلى الله، حتّى دخل الغار، ولو أنّه وجد اعواناً لما هرب وقد كفّ أبي يده حين ناشدهم، واستغاث فلم يغث فجعل الله هارون في سعةٍ حين استضعفوه وكادوا يقتلونه، وجعل الله النبيّ في سعة حين دخل الغار ولم يجد اعواناً، وكذلك أبي وأنا في سعةٍ من الله، حين خذلتنا هذه الأمة. وانما هي السنن والأمثال يتبع بعضها بعضاً(١١٩).
فوالذي بعث محمداً بالحقّ، لا ينتقص من حقّنا - أهل البيت - أحد الا نقصه الله من علمه، ولا تكون علينا دولة الا وتكون لنا العاقبة ولتعلمنّ نبأه بعد حين(١٢٠).
اعذار (١٢١)
الحمد لله المستحمد بالآلاء وتتابع النّعماء، وصارف الشدائد والبلاء عن الفهماء وغير الفهماء، المذعنين من عباده لامتناعه بجلاله وكبريائه، وعلوّه عن لحوق الأوهام ببقائه، المرتفع عن كنه تظنيات المخلوقين، من أن تحيط بمكنون غيبه روايات عقول الرائين، وأشهد أن لا اله إلاّ الله وحده في ربوبيّته، ووجوده ووحدانيته، صمداً لا شريك له، فرداً لا ظهير له معه، واشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، اصطفهاه وانتجبه وارتضاه وبعثه داعياً إلى الحقّ، سراجاً منيراً، وللعباد مما يخلفون نذيراً، ولما يأملون بشيراً، فنصح للأمّة، وصدع بالرسالة، وأبان لهم درجات العمالة، شهادة عليها أموت وأحشر، وبها في الآجلة اقرب واحبر، واقول معشر الخلائق فاسمعوا ولكم افئدة واسماع فعوا، إنّا أهل بيتٍ اكرمنا الله بالإسلام، واختارنا واصطفانا واجتبانا فأذهب عنا الرجس وطهّرنا تطهيراً، والرجس هو الشكّ، فلا نشكّ في الله الحقّ ودينه ابداً، وطهّرنا تطهيراً، والرجس هو الشكّ، فلا نشكّ في الله الحقّ ودينه ابداً، وطهّرنا من كلّ افنٍ وعيبةٍ مخلصين إلى آدم نعمةً منه، لم يفترق الناس قطّ فرقتين الا جعلنا الله في خيرهما، فأدت الامور، وافضت الدهور، إلى أن بعث الله محمداً للنبوّة واختاره للرسالة، وانزل عليه كتابه، ثم أمره بالدّعاء إلى الله تعالى، فكان أبي اولّ من استجاب لله ولرسوله، وأول من آمن وصدّق الله ورسوله، وقد قال الله تعالى في كتابه المنزل على نبيّه المرسل (أفمن كان على بيّنةٍ من ربّه ويتلوه شاهد منه) وأبي الذي يتلوه وهو شاهد منه، وقد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين أمره أن يسير إلى مكّة والموسم ببراءة (سر بها يا عليّ فإني أمرت ان لا أسير بها إلا انا أو رجل مني وأنت هو).
فعليّ من رسول الله ورسول الله منه، وقال له نبيّ الله حين قضى بينه وبين أخيه جعفر بن أبي طالب، ومولاه زيد بن حارثة في ابنةِ حمزة (اما أنت يا عليّ فمني وأنا منك، وانت وليّ كلّ مؤمنٍ من بعدي) فصدّق أبي رسول الله سابقاً ووقاه بنفسه، ثمّ لم يزل رسول الله في كلّ موطنٍ يقدمه ولكلّ شديدةٍ يرسله، ثقةً منه به وطمأنينةً اليه، لعلمه بنصيحته لله ورسوله، وأنّه اقرب المقرّبين من الله ورسوله، وقد قال الله عزّ وجلّ: (والسّابقون السّابقون أولئك المقرّبون) فكان أبي سابق السابقين إلى الله عزّ وجلّ، والى رسوله، وأقرب الأقربين وقد قال الله تعالى: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجةً..) فأبي كان اوّلهم إسلاماً وايماناً واوّلهم إلى الله ورسوله هجرةً ولحوقاً وأوّلهم على وجده ووسعه نفقةً قال سبحانه: (والّذين جاؤوا من بعدهم، يقولون: ربّنا اغفرلنا ولإخواننا الّذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاّ للّذين آمنوا، ربّنا إنّك رؤوف رحيم) فالناس من جميع الأمم يستغفرون له بسبقه إيّاهم إلى الإيمان بنبيّه، وذلك أنّه لم يسبقه إلى الايمان به أحد، وقد قال الله تعالى: (والسّابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان) فهو سابق جميع السابقين فكما انّ الله عزّ وجلّ فضّل السابقين على المتخلفين والمتأخّرين، فكذلك فضّل سابق السابقين، وقد قال الله عزّ وجلّ: (أجعلتم سقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام، كمن آمن بالله واليوم الآخر، وجاهد في سبيل الله) فهو المجاهد في سبيل الله حقاً وفيه نزلت هذه الآية، وكان ممن استجاب لرسول الله، عمّه حمزة، وجعفر بن عمّه، فقتلا شهيدين رضي الله عنهما، في قتلى كثيرةٍ معهما من اصحاب رسول الله، فجعل الله تعالى حمزة سيّد الشهداء من بينهم، وجعل لجعفر جناحين يطير بهما مع الملائكة كيف يشاء من بينهم، وذلك لمكانهما من رسول الله، ومنزلتهما وقرابتهما منه، وصلّى رسول الله على حمزة سبعين صلاة، من بين الشهداء الذين استشهدوا معه، وكذلك جعل الله تعالى لنساء النبيّ المحسنة منهنّ أجرين، وللمسيئة منهنّ وزرين ضعفين، لمكانهن من رسول الله، وجعل الصلاة في مسجد رسول الله بألف صلاةٍ في سائر المساجد، إلا المسجد الحرام: مسجد خليله ابراهيم بمكّة، وذلك لمكان رسول الله من ربّه، وفرض الله عزّ وجلّ الصلاة على نبيّه على كافّة المؤمنين، فقالوا يا رسول الله كيف الصلاة عليك، فقال قولوا: اللّهم صلّ على محمّدٍ وآل محمد) فحقّ على كلّ مسلمٍ أن يصلّي علينا مع الصلاة على النبيّ، فريضةً واجبةً وأحلّ الله تعالى خمس الغنيمة لرسول الله، واوجبها له في كتابه، وأوجب لنا من ذلك ما أوجب له، وحرّم عليه الصدقة وحرّمها علينا معه، فأدخلنا - وله الحمد - فيما ادخل فيه نبيّه، واخرجنا ونزّهنا مما اخرجه منه ونزّهه عنه، كرامةً اكرمنا الله عزّ وجلّ بها، وفضيلةً فضّلنا بها على سائر العباد، فقال الله تعالى لمحمدٍ حين جحده كفرة أهل الكتاب وحاجّوه: (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم، ونساءنا ونساءكم، وأنفسنا وأنفسكم، ثمّ نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) فأخرج رسول الله من الانفس معه أبي، ومن البنين أنا وأخي، ومن النساء امي فاطمة، من الناس جميعاً فنحن أهله، ولحمه، ودمه، ونفسه، ونحن منه وهو منّا، وقد قال الله تعالى (إنّما يريد الله ليذهب عنّكم الرّجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) فلما نزلت آية التطهير جمعنا رسول الله أنا وأخي وأمّي وأبي، فجلّلنا ونفسه في كساءٍ لأمّ سلمة خيبري، وذلك في حجرتها وفي يومها، فقال: (اللهمّ هؤلاء اهل بيتي، وهؤلاء اهلي وعترتي، فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً فقالت امّ سلمة: أأدخل معهم يا رسول الله؟ فقال لها رسول الله: يرحمك الله انت على خيرٍ والى خيرٍ وما أرضاني عنك، ولكنها خاصة لي ولهم. ثم مكث رسول الله بعد ذلك بقيّة عمره، حتى قبضه الله، يأتينا في كلّ يومٍ عند طلوع الفجر فيقول: الصلاة يرحمكم الله، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) وأمر رسول الله بسدّ الأبواب الشارعة في مسجده غير بابنا، فكلموه في ذلك فقال: (أما اني لم أسدّ أبوابكم، ولم افتح باب عليٍّ من تلقاء نفسي، ولكنّي اتبع ما يوحي إليّ، وانّ الله أمر بسدّها وفتح بابه) فلم يكن من بعد ذلك أحد تصيبه جنابة في مسجد رسول الله ويولد فيه الاولاد، غير رسول الله، وابي علي بن أبي طالب، تكرمةً من الله تعالى، وفضلاً اختصّنا به على جميع الناس، وهذا باب أبي قرين باب رسول الله في مسجده، ومنزلنا من منازل رسول الله، وذلك أنّ الله أمر نبيّه ان يبني مسجده فبنى فيه عشرة ابياتٍ تسعةً لبنيه وأزواجه وعاشرها وهو متوسّطها لأبي، وها هو بسبيلٍ مقيم، والبيت هو المسجد المطهّر، وهو الذي قال الله تعالى: (أهل البيت) فنحن أهل البيت، ونحن الذين أذهب الله عنا الرجس، وطهرنا تطهيرا، ايّها الناس اني لو قمت حولاً فحولاً اذكر الذي أعطانا الله عزّ وجلّ، وخصّنا به من الفضل في كتابه، وعلى لسان نبيّه، لم احصه، وأنا ابن النذير والبشير، والسراج المنير الذي جعله الله رحمةً للعالمين، وأبي عليّ وليّ المؤمنين، وشبيه هارون، وانّ معاوية بن صخر زعم، أني رأيته للخلافة اهلاً، ولم أر نفسي لها أهلاً، فكذب معاوية، وأيم الله، لأنا أولى الناس بالناس في كتاب الله، وعلى لسان رسول الله غير أنّا لم نزل أهل البيت مخيفين، مظلومين مضطهدين منذ قبض رسول الله، فالله بيننا وبين من ظلمنا حقّنا، ونزا على رقابنا، وحمّل الناس على اكتافنا، ومنعنا سهمنا في كتاب الله من الفيء والغنائم، ومنع أمّنا فاطمة إرثها من أبيها، إنّا لا نسمي احداً، ولكن أقسم بالله قسماً تالياً لوأنّ الناس سمعوا قول الله ورسوله لأعطتهم السماء قطرها، والأرض بركتها، ولما اختلف في هذه الأمّة سيفان، ولأكلوها خضراء خضرةً إلى يوم القيامة، واذاً ما طمعت فيها يا معاوية، ولكنّها لما أخرجت سالفاً من معدنها، وزحزحت عن قواعدها، تنازعتها قريش بينها، وترامتها كترامي الكرة، حتى طمعت أنت فيها يا معاوية وأصحابك من بعدك، وقد قال رسول الله: (ما ولّت امة أمرها رجلاً قطّ، وفيهم من هو أعلم منه إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالاً، حتى يرجعوا إلى ما تركوا).
وقد تركت بنو اسرائيل، وكانوا أصحاب موسى، هارون أخاه وخليفته ووزيره وعكفوا على العجل، وأطاعوا فيه سامريّهم، وهم يعلمون: أنه خليفة موسى، وقد سمعت هذه الأمة رسول الله يقول ذلك لأبي: (انه مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبيّ بعدي) وقد رأوا رسول الله حين نصّبه لهم بغدير خم؛ وسمعوه نادى له بالولاية، ثم أمرهم ان يبلّغ الشاهد منهم الغائب، وقد خرج رسول الله حذراً من قومه إلى الغار لما أجمعوا على أن يمكروا به وهو يدعوهم، لما لم يجد عليهم أعواناً، ولو وجد عليهم أعوانا لجاهدهم، وقد كفّ أبي يده، وناشدهم واستغاث أصحابه فلم يغث، ولم ينصر، ولو وجد عليهم اعواناً ما أجابهم، وقد جعل في سعةٍ كما جعل النبيّ في سعةٍ، وقد خذلتني الأمة، وبايعتك، وقد جعل هارون في سعة حين استضعفه قومه وعادوه، كذلك أنا وأبي في سعة من الله حين تركتنا الأمة، وبايعت غيرنا، ولم نجد عليهم اعواناً وانما هي السنن والامثال، يتبع بعضها بعضاً. ايّها الناس انكم لو التمستم بين المشرق والمغرب، رجلاً جدّه رسول الله، وأبوه وصيّ رسول الله، لم تجدوا غيري وغير أخي، فاتّقوا الله ولا تضلّوا بعد البيان، وكيف بكم، وإني قد بايعت هذا - وأشار بيده إلى معاوية - (وإن أدري لعلّه فتنة لكم، ومتاع إلى حينٍ) ايّها الناس إنّه لا يعاب أحد بترك حقّه، وإنّما يعاب أن يأخذ ما ليس له، وكلّ صوابٍ نافع، وكلّ خطأٍ ضارّ لأهله وقد كانت القضية ففهّمناها سليمان، فنفعت سليمان، ولم تضرّ داود، فأما القرابة فقد نفعت المشرك، وهي والله للمؤمن أنفع. ايّها الناس اسمعوا وعوا، واتّقوا الله وراجعوا، وهيهات منكم الرجعة إلى الحقّ، وقد صارعكم النكوص، وخامركم الطغيان والجحود انلزمكموها وانتم لها كارهون. والسلام على من اتّبع الهدى.
فقال معاوية: والله ما نزل الحسن حتى أظلمت عليّ الارض وهممت أن ابطش به، ثم علمت: ان الاغضاء اقرب إلى العافية.
عند الله احتسب (١٢٢)
الحمد لله الذي توحّد في ملكه، وتفرّد في ربوبيّته، يؤتي الملك من يشاء وينزعه عمن يشاء، والحمد لله الذي أكرم بنا مؤمنكم، واخرج من الشّرك أولكم، وحقن دماء آخركم، فبلاؤنا عندكم قديماً وحديثاً أحسن البلاء، ان شكرتم او كفرتم، ايّها الناس! إن ربّ عليٍّ كان أعلم بعليٍّ حين قبضه إليه، ولقد اختصّه بفضلٍ لم تعهدوا بمثله، ولم تجدوا مثل سابقته، فهيهات هيات، طال ما قلبتم له الامور، حتى أعلاه الله عليكم، وهو صاحبكم، وعدوّكم في بدرٍ وأخواتها، جرّعكم رنقاً، وسقاكم علقاً، وأذلّ رقابكم، وأشرقكم بريقكم، فلستم بملومين على بغضه.
وايم الله لا ترى امة محمدٍ خصباً، ما كانت سادتهم وقادتهم في بني أمية، ولقد وجّه الله اليكم فتنةً، لكن لن تصدّوا عنها حتى تهلكوا، لطاعتكم طواغيتكم، وانضوائكم إلى شياطينكم، فعند الله احتسب ما مضى وما ينتظر من سوء رغبتكم، وحيف حكمكم، يا أهل الكوفة لقد فارقكم بالأمس سهم من مرامي الله صائب على اعداء الله، نكال على فجّار قريش، لم يزل آخذا بحناجرها، جاثماً على انفاسها، ليس بالملومة في امر الله، ولا بالسروقة لمال الله، ولا بالفروقة في حرب أعداء الله، أعطى الكتاب خواتمه وعزائمه، دعاه فأجابه، وقاده فاتّبعه، لا تأخذه في الله لومة لائمٍ فصلوات الله عليه ورحمته.
حسبي منكم (١٢٣)
خالفتم أبي حتى حكم وهو كاره، ثم دعاكم إلى قتال أهل الشام بعد التحكيم فأبيتم، حتى صار إلى كرامة الله ثمّ بايعتموني على أن تسالموا من سالمني وتحاربوا من حاربني، وقد أتاني أنّ أهل الشرف منكم قد أتوا معاوية وبايعوه، فحسبي منكم لا تغروني من ديني ونفسي.
يا أهل العراق: انما سخي عنكم بنفسي ثلاث: قتلكم أبي، وطعنكم إياي، وانتهابكم متاعي.
تركت حقي لصلاح الأمة (١٢٤)
أيّها الناس! إنّكم لو طلبتم ما بين جابلقا وجابلسا رجلاً جدّه رسول الله، ما وجدتموه غيري وغير أخي الحسين، وقد علمتم: أنّ الله تعالى هداكم بجدّي رسول الله صلى الله عليه وآله، فأنقذكم به من الضّلالة، ورفعكم به من الجهالة، واعزّكم به بعد الذّلة، وكثّركم به بعد القلّة، وإن معاوية نازعني حقاً هو لي، فتركته لصلاح الأمة، وحقن دمائها، وقد بايعتموني على أن تسالموا من سلمت، وقد رأيت أن أسالمه وان يكون ما صنعت حجةً على من كان يتمنّى هذا الأمر، وإن ادر لعلّه فتنة لكم ومتاع إلى حين.
كفوا أيديكم (١٢٥)
أمّا بعد، فانّكم شيعتنا وأهل مودّتنا، ومن نعرفه بالنصيحة والصحبة والاستقامة لنا، وقد فهمت ما ذكرتم ولو كنت بالحزم في أمر الدنيا، وللدنيا أعمل وانصب، ما كان معاوية بأبأس منّي بأساً، واشدّ شكيمةً، ولكان رأيي غير ما رأيتم، ولكنّي اشهد الله وايّاكم أني لم أرد بما رأيتم، الا حقن دمائكم واصلاح ذات بينكم، فاتّقوا الله، وارضوا بقضاء الله وسلّموا الأمر لله والزموا بيوتكم، وكفّوا أيديكم، حتّى يستريح برّ، أو يستراح من فاجرٍ مع أنّ أبي كان يحدثني: أن معاوية سيلي الأمر، فوالله لو سرنا اليه بالجبال والشجر، ما شككت انّه سيظهر، إنّ الله لا معقب لحكمه، ولا رادّ لقضائه. وامّا قولك: يا مذلّ المؤمنين فوالله لأن تذلّوا وتعافوا، أحبّ اليّ من أن تعزّوا وتقتلوا(١٢٦) فإن ردّ الله علينا حقّنا في عافيةٍ قبلنا وسألنا الله العون على أمره، وإن صرفه عنّا رضينا، وسألنا الله أن يبارك في صرفه عنّا فليكن كلّ رجلٍ منكم حلساً من أحلاس بيته، مادام معاوية حيّاً، فان يهلك ونحن وانتم احياء، سألنا الله العزيمة على رشدنا، والمعونة على أمرنا، وان لا يكلنا إلى أنفسنا (فانّ الله مع الذين اتّقوا والذين هم محسنون).
سيوفهم علينا (١٢٧)
والله اني ما سلّمت الأمر إلاّ لأني لم أجد انصاراً، ولو وجدت انصاراً لقاتلته ليلي ونهاري حتّى يحكم الله بيني وبينه، ولكن عرفت اهل الكوفة وبلوتهم ولا يصلح لي منهم من كان فاسداً، إنّهم لا وفاء لهم ولا ذمة في قولٍ ولا فعل إنّهم لمختلفون ويقولون لنا أنّ قلوبهم معنا وأنّ سيوفهم لمشهورة علينا.
على الملك (١٢٨)
دخل ابن الفضل سفين بن الليل على الإمام الحسن وقال: السّلام عليك يا مذلّ المؤمنين! فقال له الأمام:..
لا تقل ذاك يا أبا عمر!
لست بمذلّ المؤمنين، ولكنّي كرهت ان أقتلكم على الملك.
ولكني أردت صلاحكم (١٢٩)
يا مسيّب، إني لو أردت - بما فعلت - الدنيا لم يكن معاوية بأصبر عند اللقاء، ولا أثبت عند الحرب مني، ولكنّي أردت صلاحكم، وكفّ بعضكم عن بعضٍ.
لا تعنفني (١٣٠)
ويحك ايها الخارجيّ، لا تعنّفني فإنّ الذي أحوجني إلى ما فعلت قتلكم أبي، وطعنكم اياي، وانتهابكم متاعي، وانّكم لما سرتم إلى صفّين كان دينكم أمام دنياكم، وقد أصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم. ويحك أيّها الخارجيّ!!! إني رأيت اهل الكوفة قوماً لا يوثق بهم، وما اعتزّ بهم الا من ذلّ، وليس أحد منهم يوافق رأي الآخر، ولقد لقي أبي منهم اموراً صعبةً، وشدائد مرةً، وهي أسرع البلاد خراباً، وأهلها هم الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً.
تباطؤ اصحابي (١٣١)
لست مذلاً للمؤمنين، ولكنّي معزّهم ما أردت بمصالحتي الا أن أدفع عنكم القتل، عند ما رأيت تباطؤ أصحابي ونكولهم عن القتال.
علمت ما ينفعني (١٣٢)
ألا إن أمر الله واقع اذلاله رافع وان كره الناس، اني ما أحببت ان ألي من أمر أمة محمدٍ مثقال حبةٍ من خردلٍ يهراق فيه محجمة من دم قد علمت ما ينفعني مما يضرّني فالحقوا بطبننكم [بمطننكم].
سمعت كلامك (١٣٣)
يا حجر! قد سمعت كلامك في مجلس معاوية، وليس كلّ انسانٍ يحبّ ما تحبّ، ولا رأيه كرأيك، وإني لم أفعل إلا ابقاء عليكم والله تعالى كلّ يوم في شأن.
كرهوا الحرب (١٣٤)
يا عديّ، اني رأيت هوى معظم الناس في الصّلح، وكرهوا الحرب فلم أحبّ أن أحملهم على ما يكرهون، فرأيت دفع هذه الحروب إلى يومٍ ما فان الله كلّ يومٍ هو في شأنٍ.
خشيت أن يجتثّ المسلمون (١٣٥)
إني خشيت أن يجتثّ المسلمون عن وجه الأرض، فأردت ان يكون للدين ناع.
أردت حقن الدماء (١٣٦)
انتم شيعتنا وأهل مودتنا فلو كنت بالحزم في امر الدنيا أعمل ولسلطانها أركض وانصب، ما كان معاوية بأبأس مني بأساً ولا أشدّ شكيمةً ولا أمضى عزيمةً، ولكني أرى غير ما رأيتم، وما أردت بما فعلت إلا حقن الدماء فارضوا بقضاء الله، وسلّموا لأمره، والزموا بيوتكم وأمسكوا.
لا تؤنبني (١٣٧)
لا تؤنّبني رحمك الله، فإنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أري بني امية على منبره فساءه ذلك، فنزلت: (إنا اعطيناك الكوثر) يا محمد - يعني نهراً في الجنة - ونزلت (إنا انزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من الف شهرٍ) يملكها بعدك بنو أمية يا محمد.
هو خير (١٣٨)
ويحكم ما تدرون ما عملت؟ والله الذي عملت خير لشيعتي مما طلعت عليه الشمس أو غربت، الا تعلمون: أني إمامكم، ومفترض الطاعة عليكم، وأحد سيدي شباب أهل الجنة، بنصٍّ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليّ؟ قالوا: بلى. قال: أما علمتم أنّ الخضر لما خرق السفينة وأقام الجدار، وقتل الغلام، كان ذلك سخطاً لموسى بن عمران إذ خفي عليه وجه الحكمة في ذلك وكان ذلك عند الله تعالى ذكره حكمةً وصواباً؟
أما علمتم أنّه ما منّا أحد إلا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلا القائم الذي يصلّي خلفه روح الله عيسى بن مريم؟ فانّ الله عزّ وجلّ يخفي ولادته ويغيب شخصه، لئلا يكون لأحدٍ في عنقه بيعة، اذا خرج ذاك التاسع من ولد أخي: الحسين بن سيدة النساء يطيل الله عمره في غيبته، ثم يظهره بقدرته، في صورة شابٍّ دون الأربعين سنة، ذلك ليعلم انّ الله على كلّ شيءٍ قدير.
جماجم العرب (١٣٩)
كانت جماجم العرب بيدي، يسالمون من سالمت ويحاربون من حاربت فتركتها ابتغاء وجه الله، ثمّ أثيرها ثانياً من أهل الحجاز.
لا تعذلوني (١٤٠)
لا تعذلوني فإنّ فيها مصلحةً، ولقد رأى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في منامه، أنّه يخطب بنو أمية واحد بعد واحدٍ فحزن، فأتاه جبرئيل بقوله: (إنا اعطيناك الكوثر) و(إنّا انزلناه في ليلة القدر).
أنا إمام قمت او قعدت (١٤١)
يا أبا سعيدٍ! ألست حجة الله تعالى ذكره على خلقه وإماماً عليهم بعد أبي؟ قال: بلى قال: ألست الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لي ولأخي (الحسن والحسين إمامان إن قاما وإن قعدا)؟ قال بلى! قال: فأنا إذن إمام لو قمت وأنا إمام اذا قعدت. يا أبا سعيدٍ علّة مصالحتي لمعاوية علة مصالحة رسول الله لبني ضمرة، وبني أشجع، ولأهل مكّة، حين انصرف من الحديبية، اولئك كفار بالتنزيل، ومعاوية وأصحابه كفار بالتأويل، يا أبا سعيد! اذا كنت إماماً من قبل الله تعالى ذكره لم يجب أن يسفّه رأيي فيما أتيته من مهادنةٍ أو محاربةٍ، وان كان وجه الحكمة فيما أتيته ملتبساً، ألا ترى الخضر لما خرق السفينة، وقتل الغلام واقام الجدار، سخط موسى فعله لاشتباه وجه الحكمة عليه، حتى أخبره فرضي، هكذا أنا سخطتم عليّ بجهلكم بوجه الحكمة فيه، ولولا ما اتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض احد إلا قتل.
إنّ الله بالغ أمره (١٤٢)
يا سفيان! إنا أهل بيت إذ علمنا الحق تمسكنا به، وإني سمعت علياً يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (لا تذهب الأيام والليالي حتى يجتمع أمر هذه الأمة، على رجل واسع السرم، ضخم البلعوم، يأكل ولا يشبع، لا ينظر الله إليه، ولا يموت حتى لا يكون له في السماء عاذر ولا في الأرض ناصر، وإنه لمعاوية، وإني عرفت أن الله بالغ أمره.

رسائل

إنذار (١٤٣)
أما بعد: فانّك دسست إليّ الرجال، للاحتيال والاغتيال، وأرصدت العيون، كأنّك تحبّ اللقاء وما أشكّ في ذلك، فتوقّعه، إنشاء الله، وقد بلغني: أنّك شمتّ بما لا يشمت به ذوو الحجى، وإنما مثلك في ذلك كما قال الأولون:

وقل الذي يبقى خلاف الذي مضى * * * تجهّز لأخرى مثلها فكأن قد
وإنا ومن قد مات منّا لكالذي * * * يروح فيمسي في المبيت ليفتدي(١٤٤)

أدخل في طاعتي (١٤٥)
من الحسن بن عليّ: امير المؤمنين، إلى معاوية بن أبي سفيان، سلام عليكم، فاني أحمد اليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد: فان الله جل جلاله، بعث محمداً رحمةً للعالمين، ومنّةً للمؤمنين، وكافّةً للناس أجمعين لينذر من كان حياً، ويحقّ القول على الكافرين، فبلّغ رسالات الله، وقام بأمر الله، حتى توفاه الله غير مقصّر ولا وانٍ، وبعد أن أظهر الله به الحقّ ومحق به الشرك، وخصّ به قريشاً خاصةً، فقال له: (وإنّه لذكر لك ولقومك) فلما توفّي، تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش: نحن قبيلته وأسرته وأولياؤه ولا يحلّ لكم أن تنازعونا سلطان محمدٍ وحقّه، فرأت العرب أنّ القول ما قالت قريش، وأنّ الحجّة في ذلك لهم. على من نازعهم أمر محمدٍ، فأنعمت لهم وسلمت إليهم.
ثم حاججنا نحن قريشاُ، بمثل ما حاججت به العرب، فلم تنصفنا قريش انصاف العرب لها.
إنّهم أخذوا هذا الامر دون العرب بالانصاف والاحتجاج، فلما سرنا - أهل بيت محمدٍ وأولياؤه - إلى محاجتهم، وطلب النّصف منهم، باعدونا واستولوا بالاجتماع على ظلمنا، ومراغمتنا وللعنت منهم لنا. فالموعد الله، وهو الوليّ النصير.
ولقد كنّا تعجّبنا لتوثّب المتوثبين علينا في حقّنا، وسلطان بيتنا واذ كانوا ذوي فضيلة وسابقةٍ في الإسلام، أمسكنا عن منازعتهم، مخافةً على الدين أن يجد المنافقون، والأحزاب في ذلك مغمراً يثلمون به، أو يكون لهم بذلك سبب إلى ما أرادوا من افساده.
فاليوم فليتعجّب المتعجّب، من توثّبك يا معاوية، على أمرٍ لست من أهله، لا بفضلٍ في الدين معروفٍ ولا أثرٍٍ في الإسلام محمودٍ. وانت ابن حزبٍ من الأحزاب، وابن أعدى قريشٍ لرسول الله صلى الله عليه وأله ولكتابه. والله حسيبك فسترد عليه، وتعلم لمن عقبى الدار وبالله لتلقينّ عن قليلٍ ربّك، ثم ليجزينّك بما قدّمت يداك. وما الله بظلاّمٍ للعبيد.
إنّ علياً لمّا مضى لسبيله رحمة الله عليه يوم قبض، ويوم منّ الله عليه بالإسلام، ويوم يبعث حيّاً، ولاّني المسلمون الأمر من بعده، فاسأل الله ان لا يؤتينا في الدنّيا الزائلة شيئاً، ينقصنا به في الآخرة مما عنده من كرامةٍ.
وانما حملني على الكتابة اليك، الاعذار فيما بيني وبين الله عزّ وجلّ في أمرك، ولك في ذلك إن فعلته الحظّ الجسيم والصلاح للمسلمين.
فدع التمادي في الباطل، وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي، فإنّك تعلم: أني أحقّ بهذا الأمر منك، عند الله، وعند كلّ أوابٍ حفيظٍ، ومن له قلب منيب، واتّق الله، ودع البغي، واحقن دماء المسلمين، فوالله ما لك خير في أن تلقى الله من دمائهم، بأكثر مما انت لاقيه به. وادخل في السّلم والطاعة، ولا تنازع الأمر أهله، ومن هو احقّ به منك، ليطفئ الله النائرة بذلك، ويجمع الكلمة ويصلح ذات البين.
وإن أنت أبيت الا التمادي في غيّك، سرت اليك المسلمين، فحاكمتك حتّى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين(١٤٦).
انا من اهل الحق (١٤٧)
أما بعد
فقد وصل إليّ كتابك، تذكر فيه ما ذكرت، وتركت جوابك خشية البغي عليك، وبالله اعوذ من ذلك، فاتّبع الحقّ، تعلم: أني من اهله. وعلى إثم أن اقول فأكذب. والسلام.
خطبي انتهى إلى اليأس (١٤٨)
أما بعد: فان خطبي انتهى إلى اليأس، من حقٍّ أحييته، وباطلٍ أمتّه وخطبك خطب من انتهى إلى موارده، وإنّي اعتزل هذا الأمر وأخلّيه لك، وإن كان تخليتي اياه شراً لك في معادك، ولي شروط أشترطها، لأبتهظنّك إن وفيت لي بها بعهد، ولا تخف ان غدرت - وكتب الشرط في كتابٍ آخر فيه يمنيّه بالوفاء وترك الغدر - وستندم يا معاوية كما ندم غيرك، ممّن نهض في الباطل أو قعد عن الحقّ، حين لم ينفع الندم والسلام.
وثيقة الصلح (١٤٩)
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما صالح عليه الحسن بن عليٍّ بن أبي طالبٍ، معاوية بن أبي سفيان.
صالحه: على ان يعمل فيهم بكتاب الله، وبسنة رسوله(١٥٠) وبسيرة الخلفاء الصالحين(١٥١)
وليس لمعاوية بن أبي سفيان: ان يعهد لاحدٍ - من بعده - عهداً بل يكون الأمر للحسن من بعده(١٥٢)، فان حدث به حدث، فلأخيه الحسين(١٥٣).
وأن يترك سبّ امير المؤمنين، والقنوت عليه بالصلاة(١٥٤)، وان لا يذكر عليّاً الا بخير(١٥٥).
واستثناء ما في بيت مال الكوفة - وهو خمسة آلاف الفٍ - وعلى معاوية ان يحمل إلى الحسين كلّ عامٍ الفي الف درهمٍ، وان يفضّل بني هاشم في العطاء والصّلات، على بني عبد شمس، وان يفرّق في أولاد من قتل مع امير المؤمنين - يوم الجمل - وأولاد من قتل معه - بصفين - الف الف درهمٍ، وان يجعل ذلك، من خراج (دار ابجر)(١٥٦).
وعلى أنّ الناس آمنون، حيث كانوا من ارض الله، في شامهم، وعراقهم، وحجازهم، ويمنهم، وان يؤمّن الاسود والاحمر، وان يحتمل معاوية ما يكون من هفواتهم، وان لا يتبع احداً بما مضى، وان لا يأخذ أهل العراق بإحنة(١٥٧).
وعلى امان اصحاب عليٍّ حيث كانوا وان لا ينال احداً من شيعة عليٍ بمكروهٍ، وأنّ أصحاب عليٍ وشيعته آمنون على انفسهم، واموالهم ونسائهم واولادهم، وان لا يتعقّب عليهم شيئاً، وان لا يتعرّض لاحدٍ منهم بسوءٍ، ويوصل إلى كلّ ذي حقٍ حقّه(١٥٨) وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك عهد الله، وميثاقه، وما اخذ الله على احدٍ من خلقه، بالوفاء بما اعطى من نفسه.
وعلى ان لا يبغي للحسن بن علي، ولا لأخيه الحسين، ولا لاحدٍ من أهل بيت رسول الله غائلةً سراً ولا جهراً، ولا يخيف احداً منهم في افقٍ من الافاق(١٥٩) شهد عليه بذلك الله وكفى بالله شهيداً والسلام(١٦٠).
لو قاتلت احداً (١٦١)
لو آثرت أن أقاتل أحداً من أهل القبلة، لبدأت بقتالك، فإني تركتك لصلاح الأمة، وحقن دمائها.
شفعني في سعيد (١٦٢)
من الحسن بن عليّ إلى زياد: أما بعد: فإنّك عمدت إلى رجلٍ من المسلمين، له مالهم، وعليه ما عليهم، فهدمت داره، وأخذت ماله، وحبست أهله وعياله، فإن اتاك كتابي هذا فابن له داره، واردد عليه عياله وماله وشفّعني فيه فقد أجرته، والسلام.
للعاهر الحجر (١٦٣)
من الحسن بن فاطمة إلى زياد بن سمية، أما بعد فإنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: (الولد للفراش، وللعاهر الحجر) والسلام(١٦٤).
سيصير اليها الآخرون (١٦٥)
أمّا بعد: فقد بلغني كتابكم، تعزّونني بفلانة، فعند الله أحتسبها، تسليماً لقضائه، وصبراً على بلائه، فان أوجعتنا المصائب وفجعتنا النوائب بالأحبّة المألوفة، التي كانت بنا حفيّة والإخوان المحبين، الذين كان يسرّ بهم الناظرون وتقرّبهم العيون.
أضحوا قد اخترمتهم الأيام، ونزل بهم الحمام، فخلفوا الخلوف، وأودت بهم الحتوف، فهم صرعى في عساكر الموتى، متجاورون في غير محلة التجارة، ولا صلات بينهم ولا تزاور، ولا يتلاقون عن قرب جوارهم، أجسامهم نائية، من أهلها، خالية من أربابها، قد أخشعها اخوانها، فلم أر مثل دارها داراً ولا مثل قرارها قراراً، في بيوتٍ موحشةٍ، وحلول مضجعةٍ، قد صارت في تلك الديار الموحشةٍ، وخرجت عن الدار المؤنسة، ففارقتها من غير قلىً فاستودعتها للبلى، وكانت امه مملوكةً، سلكت سبيلاً مسلوكة، صار اليها الأولون، وسيصير اليها الآخرون والسلام.

مناقضات

الحسن ومناوئوه (١) (١٦٦)
لم يكن في الإسلام يوم في مشاجرة قومٍ اجتمعوا في محفلٍ، اكثر ضجيجاً، ولا أعلى كلاماً، ولا اشدّ مبالغةً في قولٍ، من يومٍ اجتمع فيه عند معاوية بن أبي سفيان، عمرو بن عثمان بن عفان، وعمرو بن العاص وعتبة بن أبي سفيان، والوليد بن عتبة بن أبي معيط، والمغيرة بن شعبة، وقد تواطؤا على أمرٍ واحدٍ.

فقال عمرو بن العاص لمعاوية: ألا تبعث إلى الحسن بن عليٍّ فتحضره فقد أحيا سيرة أبيه، وخفقت النّعال خلفه إن أمر فأطيع، وإن قال فصدق وهذان يرفعان به إلى ما هو اعظم منهما، فلو بعثت اليه فقصرنا به وبأبيه وسببناه وسببنا أباه، وصغّرنا بقدره وقدر أبيه، وقعدنا لذلك حتى صدق لك فيه.
فقال لهم معاوية: إني أخاف ان يقلّدكم قلائد، يبقى عليكم عارها حتى تدخلكم قبوركم، والله ما رأيته قطّ إلا كرهت جنابه، وهبت عتابه وإني إن بعثت إليه لأنصفته منكم.
قال عمرو بن العاص: أتخاف ان يتسامى باطله على حقّنا، ومرضه على صحّتنا؟
قال: لا.
قال: فابعث اذاً اليه.
فقال عتبة: هذا رأي لا أعرفه، والله ما تستطيعون ان تلقوه بأكثر ولا أعظم مما في أنفسكم عليه، ولا يلقاكم إلا بأعظم مما في نفسه عليكم، وانه لمن أهل بيتٍ خصمٍ وجدلٍ.
فبعثوا إلى الحسن (عليه السلام)، فلما أتاه الرسول، قال له: يدعوك معاوية.
قال: ومن عنده؟.
قال الرسول: عنده فلان وفلان، وسمّى كلاً منهم باسمه.
فقال الحسن (عليه السلام): مالهم، خرّ عليهم السقف من فوقهم، وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون.
ثم قال: يا جارية أبلغني ثيابي.
ثم قال: اللهم إني أدرأ بك في نحورهم، وأعوذ بك من شرورهم وأستعين بك عليهم، فاكفنيهم بما شئت وأنّى شئت، من حولك وقوّتك يا ارحم الراحمين.
وقال للرسول: هذا كلام الفرج.
فلما أتى معاوية رحّب به وحيّاه وصافحه.
فقال الحسن (عليه السلام): إن الذي حييت به سلامة، والمصافحة أمنة.
فقال معاوية: أجل، إن هؤلاء بعثوا اليك وعصوني، ليقرورك ان عثمان قتل مظلوماً، وان أباك قتله، فاسمع منهم، ثم أجبهم بمثل ما يكلمونك ولا يمنعك مكاني من جوابهم.
فقال الحسن (عليه السلام): سبحان الله، البيت بيتك، والاذن فيه اليك، والله لئن أجبتهم إلى ما أرادوا، إني لأستحيي لك من الفحش، ولئن كانوا غلبوك إني لأستحيي لك من الضعف، فبأيهما تقرّ؟ ومن أيّهما تعتذر؟ أما أني لو علمت بمكانهم واجتماعهم، لجئت بعدتهم من بني هاشمٍ، ومع وحدتي هم أوحش مني مع جمعهم، فإنّ الله عزّ وجلّ لوليّي اليوم وفيما بعد اليوم، فليقولوا فأسمع، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلىّ العظيم.
فقال معاوية:، إني كرهت أن أدعوك، ولكنّ هؤلاء حملوني على ذلك مع كراهتي له، وإنّ لك منهم النصّف، ومني، وانما دعوناك لنقرّر ان عثمان قتل مظلوماً، وأن اباك قتله، فاستمع منهم، ثم أجبهم، ولا تمنعك وحدتك واجتماعهم، أن تتكلّم بكلّ لسان.
فتكلّم عمرو بن عثمان بن عفان فقال: ما سمعت كاليوم، أن بقي من بني عبد المطلب، على وجه الأرض من أحدٍ، بعد قتل الخليفة، عثمان بن عفان وكان [من] ابن اختهم، والفاضل في الإسلام منزلةً، والخاصّ برسول الله صلى الله عليه وآله أثرةً، فبئس كرامة الله حتى سفكوا دمه اعتداءً وطلباً لفتنة، وحسداً ونفاسةً، وطلب ما ليسوا بأهل لذلك، مع سوابقه ومنزلته من الله، ومن رسوله، ومن الإسلام، فيا ذلاه أن يكون (حسن) وسائر بني عبد المطلب: قتلة عثمان، أحياء يمشون على مناكب الأرض، وعثمان مضرج بدمه مع انّ لنافيكم تسعة عشر دماً بقتلى بني امية ببدرٍ!
ثم تكلّم عمرو بن العاص، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: إي يا ابن أبي تراب! بعثنا اليك لنقرّرك أنّ اباك سمّ أبابكرٍ الصديق، واشترك في قتل عمر الفاروق، وقتل عثمان ذا النّورين مظلوماً، فادّعى ما ليس له بحق، ووقع فيه - وذكر الفتنة وعيّره بشأنها - ثم أضاف:
إنكم يا بني عبد المطلب! لم يكن الله يعطيكم الملك فترتكبون فيه مالا يحلّ لكم، ثم أنت يا (حسن) تحدّث نفسك بأنك كائن امير المؤمنين وليس عندك عقل ذلك، ولا رأيه، فكيف وقد سلبته، وتركت أحمق في قريش، وذلك لسوء عمل أبيك، وانما دعوناك لنسبك وأبيك، ثمّ انت لا تستطيع أن تعتب علينا ولا أن تكذّبنا في شيءٍ به، فان كنت ترى أنا كذبناك في شيءٍ وتقوّلنا عليك بالباطل، وادّعينا خلاف الحقّ فتكلم، والا فاعلم أنّك وأباك من شرّ خلق الله.
أمّا أبوك فقد كفانا الله قتله وتفردّ به، وأما انت فإنّك في أيدينا نتخير فيك، والله أن لو قتلناك، ما كان في قتلك إثم عند الله، ولا عيب عند الناس.
ثم تكلّم عتبة بن ابي سفيان، فكان أوّل ما ابتدأ به أن قال: يا حسن، إن اباك كان شرّ قريشٍ لقريش، أقطعه، أرحامها، واسفكه لدمائها، وإنّك لمن قتلة عثمان، وان في الحقّ أن نقتلك به، وانّ عليك القود في كتاب الله عزّ وجلّ، وإنّا قاتلوك به، فأمّا ابوك فقد تفرّد الله بقتله فكفاناه وأما رجاؤك للخلافة فلست منها لا في قدحة زندك، ولا في رجحة ميزانك.
ثم تكلّم الوليد بن عقبة بن ابي معيط بنحوٍ من كلام أصحابه، وقال: يا معاشر بني هاشم، كنتم أول من دبّ بعيب عثمان، وجمع الناس عليه، حتى قتلتموه حرصاً على الملك، وقطيعةً للرحم، واستهلاك الامة(١٦٧) وسفك دمائها حرصاً على الملك، وطلباً للدنيا الخسيسة وحمّاً لها، وكان عثمان خالكم فنعم الخال كان لكم، وكان صهركم فكان نعم الصهر لكم، قد كنتم أول من حسده، وطعن عليه، ثم وليتم قتله، فكيف رأيتم صنع الله بكم.
ثم تكلّم المغيرة، بن شعبة، وكان كلامه، وقوله كلّه وقوعاً في عليٍّ (عليه السلام) ثمّ قال: يا حسن إن عثمان قتل مظلوماً، فلم يكن لابيك في ذلك عذر بريءٍ، ولا اعتذار مذنبٍ، غير أنّا يا حسن قد ظننا لأبيك في ضمّه قتلته، وايوائه لهم وذبّه عنهم، أنّه بقتله راضٍ، وكان والله طويل السيف واللّسان: يقتل الحيّ، ويعيب الميت، وبنو امية خير لبني هاشمٍ من بني هاشمٍ لبني أمية، ومعاوية خير لك يا حسن منك لمعاوية.
وقد كان أبوك ناصب رسول الله صلّى الله عليه وآله في حياته، وأجلب عليه قبل موته، واراد قتله، فعلم ذلك من امره رسول الله صلّى الله عليه وآله، ثمّ كره ان يبايع أبابكر حتى أتي به قوداً، ثم دسّ إليه فسقاه سمّاً فقتله، ثم نازع عمر حتى همّ أن يضرب رقبته، فعمل في قتله، ثم طعن على عثمان حتّى قتله، كلّ هؤلاء قد شرك في دمهم، فأيّ منزلةٍ له من الله يا حسن، وقد جعل الله السلطان لوليّ المقتول في كتابه المنزل، فمعاوية وليّ المقتول بغير حقّ، فكان من الحقّ لو قتلناك وأخاك والله مادم عليٍّ بخطرٍ من دم عثمان، وما كان الله ليجمع فيكم يا بني عبد المطلب الملك والنبوّة ثم سكت.
فتكلّم ابو محمدٍ الحسن بن عليّ صلوات الله عليهما، فقال:
الحمد لله الذي هدى أوّلكم بأوّلنا، وآخركم بآخرنا، وصلى الله على سيدنا محمدٍ النبي وآله وسلم. إسمعوا منّي مقالتي، واعيروني فهمكم وبك ابدأ يا معاوية.
إنه لعمر الله يا أزرق، ما شتمني غيرك، وما هؤلاء شتموني، ولا سبّني غيرك، وما هؤلاء سبّوني، ولكن شتمتني وسببتني، فحشاً منك، وسوء رأي، وبغياً وعدوانا، وحسداً علينا، وعداوةً لمحمدٍ صلّى الله عليه وآله قديماً وحديثاً.
وإنّه والله لو كنت أنا وهؤلاء يا أزرق! مثاورين في مسجد رسول الله وحولنا المهاجرون والانصار ما قدروا أن يتكلمون بمثل ما تلكّموا به،. ولا استقبلوني بما استقبلوني به، فاسمعوا مني أيها الملأ المجتمعون المعاونون عليّ، ولا تكتموا حقاً علمتموه ولا تصدّقوا بباطلٍ نطقت به، وسأبدأ بك يا معاوية فلا اقول فيك إلا دون ما فيك.
أنشدكم بالله! هل تعلمون: انّ الرجل الذي شتمتموه صلّى إلى القبلتين كلتيهما، وأنت تراهما جميعاً ضلالةً، تعبد اللات والعزّى؟ وبايع البيعتين كلتيهما: بيعة الرضوان وبيعة الفتح، وأنت يا معاوية بالاولى كافر، وبالاخرى ناكث؟
أنشدكم بالله! هل تعلمون: انما أقول حقاً، أنه لقيكم مع رسول الله يوم بدرٍ، ومعه راية النبي، ومعك يا معاوية راية المشركين، تعبد اللات والعزّى، وترى حرب رسول الله والمؤمنين فرضا واجباً، ولقيكم يوم أحد، ومعه راية النبي، ومعك يا معاوية راية المشركين، ولقيكم يوم الاحزاب ومعه راية النبي، ومعك يا معاوية راية المشركين، كلّ ذلك يفلج الله حجته، ويحقّق دعوته، ويصدق احدوثته، وينصر رايته، وكلّ ذلك رسول الله يرى عنه راضياً في المواطن كلّها؟
ثم أنشدكم بالله هل تعلمون: أنّ رسول الله حاصر بني قريظة وبني النضير، ثمّ بعث عمر بن الخطاب ومعه راية المهاجرين، وسعد بن معاذ ومعه راية الانصار، فأمّا سعد بن معاذ فجرح وحمل جريحاً، وأما عمر فرجع وهو يجبّن أصحابه ويجبّنه أصحابه، فقال رسول الله (لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، كرّار، غير فرّار، ثمّ لا يرجع حتى يفتح الله عليه، فتعرّض لها أبو بكر وعمر وغيرهما من المهاجرين والانصار، وعليّ يومئذٍ أرمد شديد الرمد، فدعاه رسول الله، فتفل في عينيه، فبرأ من الرمد، فأعطاه الراية فمضى ولم يثن حتى فتح الله (عليه) بمنّه وطوله(١٦٨) وأنت يومئذٍ بمكة عدوّ لله ورسوله، فهل يسوى بين رجلٍ نصح لله ولرسوله، ورجلٍ عادى الله ورسوله!؟
ثم اقسم بالله ما أسلم قلبك بعد، ولكنّ اللسان خائف، فهو يتكلّم بما ليس في القلب.
[ثم] أنشدكم بالله! أتعلمون: أن رسول الله استخلفه على المدينة في غزوة تبوك، ولا سخطه ذلك ولا كرهه، وتكلّم فيه المنافقون، فقال: (لا تخلفني يا رسول الله. فاني لم اتخلّف عنك في غزوةٍ قط (فقال رسول الله (انت وصيّي وخليفتي في أهلي، بمنزلة هارون من موسى) ثم أخذ بيد عليّ: ثم قال: (ايّها الناس! من تولاني فقد تولّى الله، ومن تولّى عليّاً فقد تولاّني، ومن أطاعني فقد اطاع الله، ومن أطاع عليّاً فقد أطاعني ومن أحنّي فقد أحبّ الله، ومن أحبّ عليّاً فقد أحبني)؟
أنشدكم بالله! أتعلمون: أن رسول الله قال في حجة الوداع: (ايّها الناس! إني قد تركت فيكم مالم تضلّوا بعده، كتاب الله فأحلّوا حلاله وحرّموا حرامه، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: آمنّا بما انزل الله من الكتاب، وأحبّوا اهل بيتي وعترتي، ووالوا من والاهم، وانصروهم على من عاداهم، وانهما لم يزالا فيكم، حتى يردا عليّ الحوض يوم القيامة).
ثم دعا - وهو على المنبر - عليّاً، فاجتذبه بيده فقال: (اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه، اللهمّ من عادى عليّاً فلا تجعل له في الأرض مقعداً، ولا في السماء مصعداً، واجعله في اسفل دركٍ من النار).
أنشدكم بالله! أتعلمون: أنّ رسول الله قال له: (انت الذائد عن حوضي يوم القيامة! تذود عنه كما يذود أحدكم الغريبة من وسط إبله)؟
أنشدكم بالله! أتعلمون: انه دخل على رسول الله في مرضه الذي توفّي فيه، فبكى رسول الله، فقال عليّ: ما يبكيك يا رسول الله؟ فقال: (يبكيني أني أعلم: أنّ لك في قلوب الرجال من أمتي ضغائن، لا يبدونها حتى أتولّى عنك)؟
أنشدكم بالله! أتعلمون: انّ رسول الله حين حضرته الوفاة، واجتمع أهل بيته قال: (الهمّ هؤلاء أهلي وعترتي، اللهمّ وال من والاهم، وانصرهم على من عاداهم) وقال: (انما مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوحٍ، من دخل فيها نجا، ومن تخلّف عنها غرق)؟
أنشدكم بالله! أتعلمون: أن اصحاب رسول الله قد سلّموا عليه بالولاية في عهد رسول الله وحياته؟
أنشدكم بالله: أتعلمون أن عليّاً أول من حرّم الشهوات كلّها على نفسه، من أصحاب رسول الله فأنزل الله عزّ وجلّ (يا أيّها الّذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ الله لكم، ولا تعتدوا إنّ الله لا يحبّ المعتدين وكلوا ممّا رزقكم الله حلالاً طيّباً واتّقوا الله الّذي أنتم به مؤمنون)(١٦٩).
وكان عنده علم المنايا، وعلم القضايا، وفصل الخطاب، ورسوخ العلم، ومنزل القرآن، وكان في رهطٍ لا نعلمهم، يتمّون عشرةً، نبّأهم الله أنهم به مؤمنون، وأنتم في رهطٍ قريبٍ من عدة اولئك لعنوا على لسان رسول الله، فأشهد لكم وأشهد عليكم أنّكم لعناء الله على لسان نبيّه، كلكم أهل البيت.
وأنشدكم بالله! هل تعلمون: انّ رسول الله بعث اليك، لتكتب لبني خزيمة، حين أصابهم خالد بن الوليد، فانصرف اليه الرسول فقال: هو يأكل، فأعاد الرسول اليك ثلاث مرات، كل ذلك ينصرف الرسول ويقول هو يأكل، فقال رسول الله، (اللهمّ لا تشبع بطنه) فهي والله في نهمتك وأكلك إلى يوم القيامة؟
أنشدكم بالله! هل تعلمون: إنما أقول حقاً إنك يا معاوية كنت تسوق بأبيك على جملٍ أحمر، ويقوده أخوك هذا القاعد، وهذا يوم الأحزاب، فعلن رسول الله، الراكب والقائد والسائق فكان أبوك الراكب وأنت يا أزرق السائق. واخوك هذا القاعد القائد؟
ثم أنشدكم بالله! هل تعلمون، أنّ رسول الله لعن أبا سفيان في سبعة مواطن: أولهنّ حين خرج من مكة إلى المدينة، وأبو سفيان جاء من الشام، فوقع فيه أبو سفيان فسبّه وأوعده وهمّ أن يبطش به، ثم صرفه الله عزّ وجلّ عنه.
والثاني: يوم العير حيث طردها أبو سفيان، ليحرزها من رسول الله.
والثالث: يوم أحدٍ، يوم قال رسول الله: (الله مولانا ولا مولى لكم) وقال أبو سفيان: لنا العزى ولا لكم العزى، فلعنه الله وملائكته ورسوله والمؤمنون اجمعون.
والرابع: يوم حنين، يوم جاء أبو سفيان بجمع قريش وهوازن، وجاء عيينة، بغطفان واليهود، فردّهم الله عزّ وجلّ بغيظهم لم ينالوا خيراً(١٧٠) هذا قول الله عزّ وجلّ له في سورتين في كلتيهما يسمّي أبا سفيان وأصحابه كفاراً، وأنت يا معاوية يومئذٍ مشرك على رأي أبيك بمكة، وعليّ يومئذٍ مع رسول الله وعلى رأيه ودينه.
والخامس: قول الله عزّ وجلّ (والهدي معكوفاً أن يبلغ محلّه)(١٧١) وصددت أنت وأبوك ومشركو قريشٍ، رسول الله صلّى الله عليه وآله فلعنه الله لعنةً شملته وذرّيته إلى يوم القيامة.
والسادس: يوم جاء أبو سفيان بجمع قريش، وجاء عيينة بن حصنٍ ابن بدر بغطفان، فلعن رسول الله القادة والاتباع والساقة إلى يوم القيامة فقيل يا رسول الله: أما في الأتباع مؤمن؟ فقال: لا تصيب اللعنة مؤمناً من الأتباع، وأما القادة فليس فيهم مؤمن ولا مجيب ولا ناجٍ.
والسابع: يوم الثنية، يوم شدّ على رسول الله اثني عشر رجلا، سبعة منهم من بني امية، وخمسة من سائر قريش، فلعن الله تبارك وتعالى ورسوله من حلّ الثنية غير النبي وسائقه وقائده؟
ثم أنشدكم بالله! هل تعلمون: أنّ أبا سفيان دخل على عثمان حين بويع في مسجد رسول الله فقال: يا بن أخي هل علينا من عين؟ فقال: لا، فقال ابو سفيان، تداولوا الخلافة، فتيان بني امية، فوالذي نفس أبي سفيان(١٧٢) بيده ما من جنةٍ ولا نار.
وأنشدكم بالله! أتعلمون أنّ أبا سفيان أخذ بيد الحسين حين بويع عثمان وقال: يا بن اخي أخرج معي إلى بقيع الغرقد فخرج، حتى اذا توسّط القبور اجترّه فصاح بأعلى صوته: يا أهل القبور! الذي كنتم تقاتلونا عليه، صار بأيدينا وأنتم رميم، فقال الحسين بن علي: قبّح الله شيبتك، وقبّح وجهك، ثم نترَ يده وتركه، فلولا النعمان بن بشير أخذ بيده وردّه إلى المدينة، لهلك(١٧٣).
ومن لعنتك يا معاوية، أنّ أباك أبا سفيان كان يهمّ أن يسلم، فبعثت اليه بشعرٍ معروفٍ مرويٍّ في قريش وغيرهم، تنهاه عن الإسلام، وتصدّه، أو تنسى يا معاوية قولك لأبيك:

يا صخر لا تسلمن يوماً فتفضحنا * * * بعد الذين ببدرٍ أصبحوا مزقا
خالي وعمّي وعم الأم ثالثهم * * * وحنظل الخير قد أهدى لنا الأرقا
لا تركننّ إلى أمرٍ تكلفنا * * * والراقصات به في مكة الخرقا
فالموت أهون من قول العداة لقد * * * حاد ابن حربٍ عن العزّى اذا فرقا

ومن سيّء اعمالك: أنّ عمر بن الخطاب ولاّك الشام، فخنت به، وولاّك عثمان، فتربّصت به ريب المنون.
ثمّ اعظم من ذلك أنّك قاتلت علياً صلوات الله عليه وآله، وقد عرفت سوابقه وفضله وعلمه، على أمر هو أولى به منك، ومن غيرك عند الله وعند الناس، ولا دنية بل أوطأت الناس عشوةً، وأرقت دماء خلقٍ من خلق الله، بخدعك وكيدك وتمويهك، فعل من لا يؤمن بالمعاد، ولا يخشى العقاب، فلما بلغ الكتاب أجله صرت إلى شرّ مثوى، وعليّ إلى خير منقلبٍ والله لك بالمرصاد.
فهذا لك يا معاوية خاصةً، وما أمسكت عنه من مساويك وعيوبك، فقد كرهت به التطويل، فهل تستطيع ان تردّ علينا شيئاً؟
وأما أنت يا عمر بن عثمان، فلم تكن حقيقاً لحمقك أن تتبع هذه الامور، فإنما مثلك مثل البعوضة اذ قالت للنخلة: استمسكي فاني اريد ان انزل عنك، فقالت لها النخلة: ما شعرت بوقوعك، فكيف يشق علي نزولك؟ وإني والله ما شعرت انّك تحسن أن تعادي لي فيشقّ علي ذلك، واني لمجيبك في الذي قلت.
ان سبّك عليّاً، أبنقص في حسبه؟ أو تباعده من رسول الله، أو بسوء بلاءٍ في الإسلام؟ أو بجورٍ في حكمٍ؟ أو رغبة في الدنيا؟ فان قلت واحدةً منها فقد كذبت، وأما قولك انّ لكم فينا تسعة عشر دماً بقتلى مشركي قريش بني أمية ببدرٍ، فإنّ الله ورسوله قتلهم، ولعمري ليقتلنّ من بني هاشم تسعة عشر وثلاثة بعد تسعة عشر، ثم يقتل من بني أمية تسعة عشر وتسعة عشر في موطنٍ واحدٍ، سوى ما قتل من بني امية لا يحصي عددهم إلا الله.
انّ رسول الله قال: (إذا بلغ ولد الوزغ ثلاثين رجلاً، أخذوا مال الله بينهم دولاً، وعباده خولا، وكتابه دغلا، فاذا بلغوا ثلاث مائة وعشراً، حقّت عليهم اللعنة، ولهم، فإذا بلغوا أربع مائةٍ وخمسةً وسبعين، كان هلاكهم أسرع من لوك تمرة) فأقبل الحكم بن أبي العاص وهم في ذلك الذّكر والكلام، فقال رسول الله: (أخفضوا أصواتكم(١٧٤) فإن الوزغ يسمع). وذلك حين رآهم رسول الله، ومن يملك بعده منهم أمره هذه الأمّة يعني في المنام، فساءه ذلك وشقّ عليه، فأنزل الله عزّ وجلّ في كتابه: (ليلة القدر خير من ألف شهرٍ) فأشهد لكم وأشهد عليكم ما سلطانكم بعد قتل عليٍّ إلاّ ألف شهر، التي أجّلها الله عزّ وجلّ في كتابه.
وامّا أنت يا عمرو بن العاص الشانئ اللعين الأبتر، فإنما أنت كلب، أوّل امرك امّك لبغيّة، وأنّك ولدت على فراشٍ مشترك، فتحا كمت فيك رجال قريشٍ، منهم أبو سفيان بن حرب، والوليد بن المغيرة، وعثمان بن الحارث، والنضر بن الحارث بن كلدة، والعاص بن وائل، كلّهم يزعم انك ابنه، فغلبهم عليك من بين قريشٍ ألأمهم حسباً، وأخبثهم منصباً، وأعظمهم بغية.
ثمّ قمت خطيباً وقلت: أنا شانئ محمّد، وقال العاص بن وائل: إنّ محمداً رجل أبتر لا ولد له، فلو قد مات انقطع ذكره، فأنزل الله تبارك وتعالى: (إنّ شانئك هو الأبتر) فكانت أمّك تمشي إلى عبد قيسٍ لطلب البغية، تأتيهم في دورهم ورحالهم وبطون أوديتهم، ثم كنت في كلّ مشهدٍ يشهد رسول الله عدوّه، أشدّهم له عداوةً وأشدّهم له تكذيباً.
ثمّ كنت في أصحاب السفينة الذين أتوا النّجاشي، والمهرج الخارج إلى الحبشة، في الإشاطة بدم جعفر بن أبي طالب، وسائر المهاجرين إلى النّجاشي، فحاق المكر السيّء بك، وجعل جدّك الاسفل، وأبطل أمنيتك وخيّب سعيك، وأكذب أحد وثتك، وجعل كلمة الذين كفروا السّفلى وكلمة الله هي العليا.
وأما قولك في عثمان، فأنت يا قليل الحياء والدين، ألهبت عليه ناراً ثم هربت إلى فلسطين تتربّص به الدّوائر، فلمّا أتاك (خبر) قتله، حبست نفسك على معاوية، فبعته دينك يا خبيث بدنيا غيرك، ولسنا نلومك على بغضنا، ولا نعاتبك على حبّنا، وانت عدوّ لبني هاشم في الجاهلية والإسلام، وقد هجوت رسول الله بسبعين بيتاً من شعر. فقال رسول الله: (اللّهمّ إني لا أحسن الشّعر، ولا ينبغي لي أن أقوله، فالعن عمرو بن العاص بكلّ بيتٍ (الف) لعنة. فعليك إذاً من الله ما لا يحصى من اللعن وبالله ما نصرت عثمان حيّاً، ولا غضبت له مقتولاً، ويحك يا بن العاص، ألست القائل في بني هاشم لما خرجت من مكة إلى النّجاشي:
تقول ابنتي:

أين هذا الرحيل * * * وما السّير مني بمستنكر

فقلت:

ذريني فانّي امرؤ * * * أريد النّجاشيّ في جعفر
لأكويه من عنده كيّةً * * * أقيم بها نخوة الأصعر
وشأني أحمد من بينهم * * * وأقوالهم فيه بالمنكر
وأجري على عتبةٍ جاهداً * * * ولو كان كالذهب الأحمر
ولا أنثني عن بني هاشمٍ * * * وما اسطعت في الغيب والمحضر
فإن قبل العتب منّي له * * * وإلاّ لويت له مشفري

ثم أنت يا عمرو المؤثر دنيا غيرك على دينك، أهديت إلى النّجاشيّ الهدايا، ورحت إليه رحلتك الثانية، ولم تنهك الأولى عن الثانية، كلّ ذلك ترجع مغلولاً حسيراً، تريد بذلك هلاك جعفرٍ وأصحابه، فلما أخطأك ما رجوت وأمّلت، أحلت على صاحبك عمارة بن الوليد.
وأمّا أنت يا وليد بن عقبة، فوالله ما ألومك أن تبغض عليّاً، وقد جلدك في الخمر ثمانين سوطاً، وقتل أباك بين يدي رسول الله، وأنت الّذي سمّاه الله: الفاسق. وسمّى عليّاً: المؤمن، حيث تفاخرتما، فقلت له: اسكت يا عليّ، فأنا اشجع منك جناناً، وأطول منك لساناً، فقال لك عليّ: اسكت يا وليد، فأنا مؤمن وأنت فاسق، فأنزل الله في موافقة قوله: (أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون)(١٧٥) ثمّ أنزل على موافقة قوله: (إن جاءكم فاسق بنبأٍ فتبيّنوا أن تصيبوا قوماً بجهالةٍ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)(١٧٦) ويحك يا وليد! مهما نسبت فلا تنس قول الشاعر فيك وفي عليٍّ (عليه السلام):

أنزل الله في الكتاب علينا * * * في عليٍّ وفي الوليد قرانا
فتبوّا الوليد منزل كفرٍ * * * وعليّ تبوّأ الإيمانا
ليس من كان مؤمناً يعبد الله * * * كمن كان فاسقاً خوّانا
سوف يدعى الوليد بعد قليل * * * وعليّ إلى الجزاء عيانا
فعليّ يجزى هناك جناناً * * * وهناك الوليد يجزى هوانا(١٧٧)

وما أنت وذكر قريش، وإنما أنت ابن عليجٍ من أهلِ صفّورية يقال له: ذكوان.
وأمّا زعمك أنّا قتلنا عثمان، فوالله ما استطاع طلحة والزبير وعائشة أن يقولوا ذلك لعليّ بن أبي طالب، فكيف تقوله أنت؟ ولو سالت أمّك: من أبوك، إذ تركت ذكوان، فألصقتك بعقبة بن أبي معيط، اكتست بذلك عند نفسها سناءً ورفعة، مع ما أعدّ الله لك ولأبيك وأمّك من العار والخزي في الدّنيا والآخرة، وما الله بظلاّمٍ للعبيد.
ثم أنت يا وليد - والله - اكبر في الميلاد ممّن تدّعي له النّسب، فكيف تسبّ عليّاً؟ ولو اشتغلت بنفسك لبينت نسبك إلى أبيك، لا إلى من تدّ عي له، ولقد قالت لك أمّك: يا بنيّ أبوك - والله - ألأم وأخبث من عقبة.
وأما أنت يا عتبة بن أبي سفيان، فوالله ما أنت بحصيف فأجاوبك ولا عاقل فأعاتبك، وما عندك خير يرجى ولا شرّ يخشى، وما كنت لو سببت عليّاً لأغار به عليك لأنك عندي لست بكفوٍ لعبد عبد علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فأردّ عليك وأعاتبك، ولكنّ الله عزّ وجلّ، لك ولأبيك وأمّك وأخيك بالمرصاد، فأنت ذرّيّة آبائك الذين ذكرهم الله في القرآن فقال: (عاملة ناصبة تصلى ناراً حاميةً تسقى من عينٍ أنيةٍ - إلى قوله - من جوعٍ)(١٧٨).
وأمّا وعيدك إيّاي بقتلي فهلاً قتلت الّذي وجدته على فراشك مع حليلتك، وقد غلبك على فرجها، وشاركك في ولدها، حتّى الصق بك ولداً ليس لك، ويلاً لك لو شغلت نفسك بطلب ثارك منه كنت جديراً وبذلك حرياً، غذ تسومني القتل وتوعدني به، أما تستحي من قول نصر بن الحجّاج فيك:

يا للرّجال وحادث الأزمان * * * ولسبّةٍ تخزي أبا سفيان
نبئت عتبة هيّأته عرسه * * * لصداقه الهذلي من اللحيان
ألفاه معها في الفراش فلم يكن * * * فحلا وأمسك خشية النّسوان
لا تعتبن يا عتب نفسك حبّها * * * إنّ النساء حبائل الشّيطان!

ولا ألومك أن تسبّ علياً، وقد قتل أخاك مبارزةً، واشترك هو وحمزة بن عبد المطلب في قتل جدّك، حتى أصلاهما (الله) على أيديهما نار جهنّم، وأذاقهما العذاب الأليم، (ونفي عمك بأمر رسول الله)(١٧٩).
وأمّا رجائي الخلافة، فلعمر الله لئن رجوتها، فإنّ لي فيها لملتمساً وما أنت بنظير أخيك، ولا خليفة أبيك، لأنّ اخاك اكثر تمرداً على الله وأشدّ طلباً لإراقة دماء المسلمين، وطلب ما ليس له بأهل، يخادع الناس ويمكرهم، ويمكر الله، والله خير الماكرين.
وأمّا قولك: إن عليّاً كان شرّ قريشٍ لقريش، فوالله ما حقّر مرحوماً ولا قتل مظلوماً.
وأما انت يا مغيرة بن شعبة، فإنك لله عدوّ، ولكتابه نابذ، ولنبيّه مكذّب، وانت الزّاني وقد وجب عليك الرّجم، وشهد عليك العدول البررة الأتقياء، فأخّر رجمك، ودفع الحق بالباطل، والصدق بالأغاليط، وذلك لما أعدّ الله لك من العذاب الأليم، والخزي في الحياة الدّنيا، ولعذاب الآخرة أخزى.
وأنت ضربت فاطمة بنت رسول الله حتى أدميتها، وألقت ما في بطنها، استذلالاً منك لرسول الله، ومخالفةً منك لأمره، وانتهاكاً لحرمته وقد قال لها رسول الله: (انت سيدة نساء أهل الجنّة) والله مصيرك إلى النار، وجاعل وبال ما نطقت به عليك.
فبأيّ الثلاثة(١٨٠) سببت عليّاً، انقصاً من حسبه؟ ام بعداً من رسول الله ام سوء بلاءٍ في الإسلام، ام جوراً في حكم، أم رغبةً في الدّنيا؟ ان قلت بها فقد كذبت وكذبك النّاس.
اتزعم أن عليّاً قتل عثمان مظلوماً؟ فعليّ والله أتقى وأنقى من لائمه في ذلك، ولعمرى إن كان علي قتل عثمان مظلوماً، فوالله ما انت من ذلك في شيء، فما نصرته حيّاً، ولا تعصّبت له ميتاً، وما زالت الطائف دارك، تتبع البغايا، وتحيي أمر الجاهلية، وتميت الإسلام حتّى كان في أمس (ما كان).
وامّا اعتراضك في بني هاشم وبني أميّة، فهو ادعاؤك إلى معاوية، واما قولك في شأن الإمارة، وقول اصحابك في الملك الذي ملكتموه، فقد ملك فرعون مصر اربعمائة سنة، وموسى وهارون عليهما السلام نبيّان مرسلان يلقيان ما يلقيان، وهو ملك الله يعطيه البرّ والفاجر وقال الله عز وجل: (وإن أدري لعلّه فتنة لكم ومتاع إلى حين)(١٨١) وقال: (وإذا اردنا أن نهلك قريةً أمرنا مترفيها، ففسقوا فيها، فحقّ عليها القول، فدمّرناها تدميراً)(١٨٢).
ثم قام الحسن (عليه السلام) فنفض ثيابه، وهو يقول: (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات) هم والله يا معاوية: انت واصحابك هؤلاء وشيعتك (والطيبات للطيّبين والطيّبون للطيّبات أولئك مبرّؤون ممّا يقولون لهم مغفرة ورزق كريم)(١٨٣) هم عليّ بن أبي طالبٍ واصحابه وشيعته.
ثم خرج وهو يقول: (ذق وبال ما كسبت يداك، وما جنيت، وما قد أعدّ الله لك ولهم من الخزي في الحياة الدّنيا والعذاب الأليم في الآخرة).
فقال معاوية لأصحابه: وانتم فذوقوا وبال ما قد جنيتم، فقال له الوليد بن عقبة: والله ماذقنا إلا كما ذقت، ولا اجترأ إلا عليك، فقال معاوية: ألم اقل لكم إنكم لن تنتصفوا من الرجل؟ فهل(١٨٤) اطعتموني أول مرة، أو انتصرتم من الرجل اذ فضحكم، والله ما قام حتى أظلم عليّ البيت وهممت أن اسطو به، فليس فيكم خير، اليوم ولا بعد اليوم.
وسمع مروان بن الحكم بما لقي معاوية وأصحابه المذكورون من الحسن بن عليٍّ (عليه السلام)، فأتاهم فوجدهم عند معاوية في البيت، فسألهم: ما الّذي بلغني عن الحسن وزعله؟ قالوا: قد كان ذلك، فقال لهم مروان: فهلا أحضرتموني ذلك، فوالله لأسبّنّه، ولأسبّنّ أباه، وأهل البيت سبّاً تغنّي به الإماء والعبيد، فقال معاوية، والقوم: لم يفتك شيء - وهم يعلمون من مروان بذر لسانٍ وفحش - فقال مروان: فأرسل اليه يا معاوية، فأرسل معاوية إلى الحسن بن عليٍّ عليهما السلام؛ فلما جاءه الرسول، قال له الحسن (عليه السلام): (ما يريد هذا الطاغية، منّي؟ والله لئن أعاد الكلام، لأوقرنّ مسامعه، ما يبقى عليه عاره وشناره إلى يوم القيامة).
فأقبل الحسن (عليه السلام)، فلمّا أن جاءهم وجدهم بالمجلس، على حالتهم التي تركهم فيها، غير أنّ مروان قد حضر معهم في هذا الوقت فمشى الحسن (عليه السلام) حتّى جلس على السرير مع معاوية، وعمرو ابن العاص، ثم قال الحسن (عليه السلام) لمعاوية: لم أرسلت إليّ؟ قال: لست انا أرسلت اليك، ولكنّ مروان الذي أرسل اليك.
فقال مروان: انت يا حسن السباب رجال قريش؟ فقال: وما الذي أردت؟ فقال: والله لأسبّنّك واباك وأهل بيتك سبّاً تغنّي به الإماء والعبيد، فقال الحسن بن عليٍّ عليهما السلام: أمّا أنت يا مروان، فلست أنا سببتك ولا سببت أباك، ولكنّ الله عزّ وجلّ لعنك ولعن أباك، وأهل بيتك وذرّيّتك، وما خرج من صلب ابيك إلى يومِ القيامة على لسان نبيّه محمّد.
والله يا مروان: ما تنكر أنت ولا أحد ممّن حضر هذه اللعنة من رسول الله لك ولأبيك من قبلك، وما زادك الله يا مروان بما خوّفك إلا طغياناً كبيراً، صدق الله وصدق رسوله، يقول: (والشجرة الملعونة في القرآن، ونخوّفهم فما يزيدهم إلاّ طغياناً كبيراً)(١٨٥) وأنت يا مروان وذرّيتك الشجرة الملعونة في القرآن عن رسول الله فوثب معاوية فوضع يده على فم الحسن (عليه السلام) وقال: يا أبا محمّد ما كنت فحّاشاً، فنفض الحسن (عليه السلام) ثوبه، وقام وخرج، فتفرّق القوم عن المجلس بغيظ وحزنٍ وسواد الوجوه(١٨٦).
الحسن ومناوئوه (٢) (١٨٧)
واجتمع معاوية مع بطانته، فجعل بعضهم يفخر على بعضٍ ويتطاول بالمآثر المكذوبة، فأراد معاوية أن يضحك عليهم فقال لهم: -
أكثرتم الفخر، فلو حضركم الحسن بن عليّ، وعبد الله بن عبّاسٍ لقصّرا من أعنّتكم ما طال.
فقال زياد لمعاوية:
وكيف ذلك يا أمير المؤمنين؟ ما يقومان لمروان بن الحكم في غرب منطقة، ولا لنا في بواذخنا، فابعث اليهما في غدٍ حتى تسمع كلامنا.
فالتفت معاوية إلى عمرو بن العاص مستشيراً.
ما تقول؟
فقال ابن العاص: إبعث إليهما غداً.
فلما كان من غدٍ بعث معاوية ابنه يزيد، إلى الإمام الحسن وعبد الله ابن عبّاس. فأتياه فلمّا استقر بهما المجلس، التفت اليهما معاوية، مبتدئاً:
إني أجلّكما وأرفع قدركما عن المسامرة باللّيل، ولا سيّما أنت يا أبا محمّد، فإنك ابن رسول الله، وسيد شباب أهل الجنّة.
ثم قال ابن العاص:
يا حسن، إنّا قد تفاوضنا، فقلنا: إنّ رجال بني امية اصبر عند اللّقاء، وأمضى في الوغى، وأوفى عهداً، وأكرم خيماً، وامنع لما وراء ظهورهم، من بني عبد المطّلب.
ثم سكت. فقال مروان بن الحكم:
وكيف لا نكون كذلك، وقد قارعناكم فغلبناكم، وحاربناكم فملكناكم فان شئنا عفونا وإن شئنا بطشنا.
ولما سكت مروان، تكلّم زياد فقال:
ما ينبغي لهم أن ينكروا الفضل لأهله، ويجحدوا الخير في سلطانه نحن أهل الحملة في الحروب، ولنا الفضل على سائر النّاس قديماً وحديثاً.
فقال الإمام (عليه السلام):
ليس من العجز أن يصمت الرجل عند إيراد الحجّة، ولكن من الإفك أن ينطق الرجل بالخنا، ويصوّر الباطل بصورة الحقّ.
ثم وجّه (عليه السلام) خطابه إلى عمرو بن العاص فقال له:
يا عمرو، افتخاراً بالكذب، وجرأةً على الإفك؟ ما زلت أعرف مثالبك الخبيثة، أبديها مرةً وأمسك عنها أخرى، فتأبى إلا انهماكاً في الضّلالة، أتذكر مصابيح الدّجى، واعلام الهدى، وفرسان الطّراد، وحتوف الأقران، وأبناء الطّعان، وربيع الضّيفان، ومعدن النّبوة، ومهبط العلم؟ وزعمتم أنّكم أحمى لما وراء ظهوركم، وقد تبيّن ذلك يوم بدرٍ حين نكصت الأبطال، وتساورت الأقران واقتحمت اللّيوث، واعتركت المنية، وقامت رحاها على قطبها، وافترّت عن نابها، وطار شرار الحرب، فقتلنا رجالكم ومن النبيّ على ذراريكم، فكنتم لعمري في ذلك اليوم غير مانعين لما وراء ظهوركم، من بني عبد المطلّب.
ثم التفت إلى مروان، فقال له:
وأمّا انت يا مروان، فما أنت والإكثار في قريشٍ وانت طليق، وأبوك طريد، يتقلّب من خزايةٍ إلى سوأة، ولد جيء بك إلى أمير المؤمنين، فلمّا رأيت الضرغام قد دميت براثنه، واشتبكت انيابه، كنت كما قال القائل:
ليث إذا سمع الليوث زئيره بصبصن ثم قذفن بالأبعار(١٨٨)
فلمّا منّ عليك بالعفو، وأرخى خناقك بعد ما ضاق عليك، وغصصت بريقك، لم تقعد معنا مقعد أهل الشّكر، ولكن تساوينا وتجارينا(١٨٩) ونحن مما لا يدركنا عار ولا يلحقنا خزاية.
ثم وجّه (عليه السلام) خطابه إلى زيادٍ فقال له:
وما أنت يا زياد وقريشاً؟ لا أعرف لك فيها أديماً صحيحاً، ولا فرعاً نابتاً، ولا قديماً ثابتاً، ولا منبتاً كريماً، بل كانت امّك بغيّاً، تداولها رجال قريشٍ وفجّار العرب، فلمّا ولدت، لم تعرف لك العرب والداً، فادّعاك هذا - وأشار إلى معاوية - بعد ممات أبيه، مالك افتخار، تكفيك سميّة، ويكفينا رسول الله وأبي عليّ بن أبي طالبٍ (عليه السلام): سيد المؤمنين، الذي لم يرتدّ على عقبيه، وعمّي حمزة سيد الشّهداء، وجعفر الطيّار، وأنا وأخي سيّدا شباب أهل الجنّة.
ثمّ انعطف على ابن عباسٍ قائلاً:
يا ابن العمّ، إنما هي بغاث الطيّر انقضّ عليها أجدل.
وأراد ابن عبّاسٍ أن يتكلم، فخاف معاوية من حديثه، فأقسم عليه أن يسكت، فسكت.
ثم خرج الإمام وابن عباس، فالتفت معاوية إلى بطانته مستهزئاً بهم:
- أجاد عمرو الكلام لولا أنّ حجته دحضت، وتكلم مروان، لولا أنه نكص، ثم التفت إلى زياد، فأنكر عليه هذا التّدخّل قائلاً:
ما دعاك إلى محاورته، ما كنت إلاّ كالحجل في كفّ البازي؟
فقال ابن العاص لمعاوية:
_ ألا رميت من ورائنا؟
فردّ عليه معاوية:
- إذاً كنت شريككم في الجهل، افاخر رجلاً رسول الله جدّه، وهو سيّد من مضى ومن بقي، وامّه فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين.
ثم التفت إلى ابن العاص:
- والله لئن سمع به أهل الشام لهي السّوءة السوآء.
فقال عمرو:
- لقد أبقى عليك ولكنّه طحن مروان وزياداً طحن الرّحى بثفالها، ووطأهما وطء البازل القراد بمنسمه.
فقال زياد:
- قد والله فعل، ولكنّ معاوية يأبى الا الإغراء بيننا وبينهم، لا جرم والله لا شهدت مجلساً يكونان فيه، إلا كنت معهما على من فاخرهما.
وخلص ابن عبّاسٍ بالإمام، فقبّل ما بين عينيه وأظهر الاعجاب بحديثه، وردّه على القوم قائلاً:
- أفديك يا بن العمّ، والله ما زال بحرك يزخر، وأنت تصول حتى شفيتني من أولاد البغايا.
الحسن ومناوئوه (٣) (١٩٠)
دخل الإمام يوماً على معاوية، وكان عنده عبد الله بن الزّبير، فقال له معاوية - مغرياً إياه بمطاولة الإمام:
- لو افتخرت على الحسن، فإنك ابن حواريّ رسول الله وابن عمّته، ولأبيك في الإسلام نصيب وافر.
فقال ابن الزبير:
- أنا له.
حتى اذا استوى المجلس بالإمام انبرى اليه ابن الزبير قائلاً:
- لولا أنّك خوّار في الحرب غير مقدام، ما سلّمت لمعاوية الأمر، وكنت لا تحتاج إلى اختراق السّهوب، وقطع المفاوز، تطلب معروفه، وتقوم ببابه، وكنت حرياً أن لا تفعل ذلك، وأنت ابن عليّ في باسه ونجدته، فما أدري ما الذي حملك على ذلك؟ أضعف في الرّأي، أم وهن ونحيزة، فما أظنّ لك مخرجاً من هاتين الخلّتين، أما والله لو استجمع لي ما استجمع لك، لعلمت: أني ابن الزّبير، وأني لا أنكص عن الأبطال وكيف لا أكون كذلك، وجدّتي صفية بنت عبد المطّلب، وأبي الزبير، من حواري رسول الله، وأشدّ الناس بأساً، وأكرمهم حسباً في الجاهلية وأطوعهم لرسول الله.
فقال له الإمام:
- أما والله لولا أنّ بني أمية تنسبني إلى العجز عن المقال لكففت عنك تهاوناً، ولكن سأبيّن لك ذلك لتعلم: أني لست بالعيّ، ولا الكليل اللّسان، إيّاي تعيّر، وعليّ تفتخر، ولم يكن لجدّك بيت في الجاهليّة، ولا مكرمة، فزوجته جدّتي صفية بنت عبد المطّلب، فبذخ على جميع العرب بها، وشرف بمكانها، فكيف تفاخر من هو من القلادة واسطتها ومن الأشراف سادتها، نحن اكرم اهل الأرض زنداً، لنا الشرف الثاقب والكرم الغالب، ثم تزعم: اني سلّمت الأمر، فكيف يكون ذلك ويحك هكذا؟ وأنا ابن أشجع العرب، وقد ولدتني فاطمة سيدة نساء العالمين وخيرة الإماء، لم افعل ذلك ويحك جبناً ولا ضعفاً، ولكنه بايعني مثلك وهو يطلبني بترة، ويداجيني المودّة، ولم أثق بنصرته لأنكم اهل بيت غدر، وكيف لا يكون كما أقول؟ وقد بايع ابوك امير المؤمنين، ثم نكث بيعته، ونكص على عقبيه، واختدع حشيّةً من حشايا رسول الله ليضلّ بها النّاس، فلما دلف نحو الأعنّة، وراى بريق الأسنّة، قتل مضيعة لا ناصر له، وأتي بك أسيراً، قد وطأتك الكماة بأظلافها، والخيل بسنابكها واعتلاك الأشتر، فغصصت بريقك، وأقعيت على عقيبك كالكلب اذا احتوشه الليّوث، فنحن ويحك نور البلاد وأملاكها، وبنا تفخر الأمّة وإلينا تلقى مقاليد الأمة، أتصول وانت تختدع النّساء؟ ثم تفخر على بني الأنبياء، لم تزل الاقاويل منّا مقبولة، وعليك وعلى ابيك مردودة، دخل الناس في دين جدّي طائعين وكارهين، ثم بايعوا امير المؤمنين، فسار إلى ابيك وطلحة، حين نكثا البيعة، وخوى عرس رسول الله، فقتل أبوك وطلحة، وأتي بك أسيراً، فبصبصت بذنبك، وناشدته الرّحم ان لا يقتلك فعفا عنك، فأنت عتاقة أبي، وأنا سيّدك وسيّد أبيك، فذق وبال أمرك).
فسكت ابن الزبير وخجل، فأردف الإمام:
اعذر يا ابا محمّد، فإنما حملني على محاورتك هذا - واشار إلى معاوية - فهلاّ إذ جهلت امسكت عنّي، فانكم اهل بيتٍ سجيتكم الحلم والعفو.
ثم التفت الإمام إلى معاوية قائلاً:
أنظر هل أكيع عن محاورة أحد، ويحك أتدري من ايّ شجرةٍ أنا، وإلى من أنتمي؟ إنته قبل أن أسمك بميسمٍ تتحدّث به الرّكبان في الآفاق والبلدان.
فقال ابن الزبير:
هو لذلك أهل.
فقال له معاوية:
أما إنه قد شفا بلابل صدري منك، ورمى مقتلك، فصرت كالحجل في كفّ البازي، يتلاعب به كيف أراد، فلا أراك تفتخر على أحدٍ بعدها.
الحسن ومناوئوه (٤) (١٩١)
قال مروان بن الحكم، للحسن بن عليٍّ عليهما السلام بين يدي معاوية:
أسرع الشيب إلى شاربك يا حسن! ويقال إنّ ذلك من الخرق.
فقال (عليه السلام):
ليس كما بلغك، ولكنّا معشر بني هاشمٍ طيّبة أفواهنا، عذبة شفاهنا، فنساؤنا يقبلن علينا بأنفاسهنّ، وانتم معشر بني أمية، فيكم بخر شديد، فنساؤكم يصرفن أفواهنّ وانفاسهنّ إلى أصداغكم، فإنما يشيب منكم موضع العذار من أجل ذلك.
قال مروان:
أما إنّ فيكم يا بني هاشمٍ خصلة (سوء)(١٩٢).
قال: وما هي؟
قال: الغلمة.
قال: أجل نزعت من نسائنا، ووضعت في رجالنا، ونزعت الغلمة من رجالكم، ووضعت في نسائكم، فما قام لأمويّةٍ إلا هاشميّ.
ثم خرج يقول:

ومارست هذا الدهر خمسين حجّةً * * * وخمساً أرجّي قابلاً بعد قابل
فما أنا في الدّنيا بلغت جسيمها * * * ولا في الّذي أهوى كدحت بطائل
فقد أشرعتني في المنايا أكفّها(١٩٣) * * * وأيقنت أنّي رهن موتٍ معاجل

الحسن ومناوئوه (٥) (١٩٤)
وتحدّث الإمام (عليه السلام) في مجلس معاوية، عن فضله وشرف نسبه وعلوّ منزلته، قائلاً:
قد علمت قريش بأسرها: أنّي منها في عزّ أرومتها، لم أطبع على ضعف، ولم أعكس على خسف، أعرف بشبهي، وأدعى لأبي.
فاغتاظ ابن العاص وقال:
قد علمت قريش: أنّك من أقلّها عقلاً، وأكثرها جهلاً، وانّ فيك خصالاً لولم يكن فيك إلا واحدة منهنّ لشملك خزيها كما شمل البياض الحالك، لعمرو الله لتنتهين عما أراك تصنع، أو لأكبسنّ لك حافةً كجلد العائط، أرميك من خللها، بأحرّ من وقع الأثافي، أعرك منها اديمك عرك السّلعة، فإنّك طالما ركبت صعب المنحدر، ونزلت في اعراض الوعر، التماساً للفرقة وإرصاداً للفتنة، ولن يزيدك الله إلا فظاعة.
فردّ عليه الإمام قائلاً:
أما والله لو كنت تسمو بحسبك، وتعمل برأيك، ما سلكت فجّ قصد، ولا حللت رابية مجد، وأيم الله لو أطاعني معاوية لجعلك بمنزلة العدوّ الكاشح، فإنّه طالما طويت على هذا كشحك، وأخفيته في صدرك وطمع بك الرجاء إلى الغاية القصوى، التي لا يورق لها غصنك، ولا يخضرّ لها مرعاك، أما والله ليوشكنّ يا بن العاص، أن تقع بين لحي ضرغامٍ من قريش، قويّ ممتنع، فروسٍ ذي لبد، يضغطك ضغط الرّحا للحب، لا ينجيك منه الرّوغان، إذا التقت حلقتا البطان.
فقال ابن العاص:
- يا حسن، أزعمت أنّ الدين لا يقوم إلا بك وبأبيك؟ فلقد رأيت الله عز وجل أقامه بمعاوية، فجعله راسياً بعد ميله، وبيّناً بعد خفائه، أفرضي الله قتل عثمان؟ أم من الحقّ أن تدور بالبيت، كما يدور الجمل بالطّحين، عليك ثياب كغرقئ البيض، وأنت قاتل، عثمان؟ والله إنّه لا ألمّ للشّعث وأسهل للوعث، أن يوردك معاوية حياض أبيك.
فقال الإمام:
- إنّ لأهل النّار علاماتٍ يعرفون بها وهي: الإلحاد لأولياء الله، والموالاة لأعداء الله، والله إنّك لتعلم أنّ عليّاً (عليه السلام) لم يتريّب في الأمر، ولم يشكّ في الله طرفة عين، وايم الله لتنتهينّ يا بن امّ عمرو أو لأنفذنّ حضنيك، بنوافذ أشدّ من الأقضية، أو لأقرعنّ جبينك بكلام، تبقى سمته عليك ما حييت، فإياك والا براز عليّ، فإني من قد عرفت، لست بضعيف الغميزة، ولا بهشّ المشاشة، ولا بمريء المأكلة، واني من قريشٍ كواسطة القلادة، يعرف حسبي، ولا أدعى لغير أبي وأنت تعلم ويعلم النّاس وتحاكمت فيك رجال قريش، فغلب عليك جزّارها: الأمهم حسباً وأظهرهم لؤماً، فإياك عني فإنك رجس، ونحن أهل بيت الطّهارة، أذهب الله عنّا الرّجس، وطهّرنا تطهيراً(١٩٥).
فأفحم عمرو واكتأب.
الحسن ومناوئوه (٦) (١٩٦)
ودخل الإمام الحسن (عليه السلام) على معاوية، فلمّا رآه قابله بحفاوة وتكريم، فاستاء مروان وقال له:
- يا حسن، لولا حلم امير المؤمنين، وما قد بنى له آباؤه الكرام من المجد والعلا، ما أقعدك هذا المقعد، ولقتلك، وأنت له مستوجب بقودك الجماهير، فلما أحسست بنا، وعلمت أن لا طاقة لك بفرسان أهل الشام، وصناديد بني أميّة، أذعنت بالطّاعة، واحتجزت بالبيعة، وبعثت تطلب الأمان، أما والله لولا ذلك لأريق دمك، وعلمت أنّا نعطي السيوف حقّها عند الوغى، فاحمد الله إذ ابتلاك بمعاوية، فعفا عنك بحكمه، ثم صنع بك ما ترى!!.
فردّ عليه الإمام:
ويحك يا مروان! لقد تقلّدت مقاليد العار في الحروب عند مشاهدتها والمخاذلة عند مخالطتها، نحن - هبلتك الهوابل!- لنا الحجج البوالغ، ولنا إن شكرتم عليكم النّعم السّوابغ، ندعوكم إلى النّجاة، وتدعوننا إلى النّار، فشتان ما بين المنزلتين، تفخر ببني امية، وتزعم أنهم صبر في الحروب، أسد عند اللّقاء، ثكلتك أمّك، اولئك البهاليل السّادة، والحماة الذّادة، والكرام القادة، بنو عبد المطّلب، أما الله لقد رأيتهم وجميع من في هذا البيت، ما هالتهم الأهوال، ولم يحيدوا عن الأبطال، كالليوث الضّارية الباسلة الحنقة، فعندها وليّت هارباً، وأخذت أسيراً، فقلدت قومك العار لأنك في الحروب خوّار، أيراق دمي زعمت؟!! أفلا أرقت دم من وثب على عثمان في الدّار، فذبحه كما يذبح الجمل؟ وأنت تثغو ثغاء النّعجة!! وتنادي بالويل والثّبور، كالأمة اللّكعاء، ألا دفعت عنه بيدٍ أو ناضلت عنه بسهم؟! لقد ارتعدت فرائصك!! وغشي بصرك، فاستغثت بي كما يستغيث العبد بربّه، فأنجيتك من القتل، ومنعتك منه، ثم تحثّ معاوية على قتلي؟ ولو رام ذلك معك لذبح كما ذبح ابن عفّان، أنت معه اقصر يداً، وأضيق باعاً، وأجبن قلباً من أن تجسر على ذلك، ثم تزعم أنّي ابتليت بحلم معاوية، أما والله لهو أعرف بشأنه، وأشكر لما وليّناه هذا الأمر، فمتى بداله، فلا يغضينّ جفنه على القذى معك، فوالله لأعقبن أهل الشام بجيش، يضيق عنه فضاؤها، ويستأصل فرسانها ثم لا ينفعك عند ذلك الهرب والزّوغان، ولا يردّ عنك الطلب تدريجك الكلام، فنحن من لا يجهل آباؤنا القدماء الأكابر، وفروعنا السادة الأخيار، انطق إن كنت صادقاً.
فقال ابن العاص مستهزئاً بمروان:
ينطق بالخنا، وتنطق بالصّدق. ثم أنشأ يقول:

قد يضرط الـعير والمكواة تأخذه * * * لا يضرط العير والمكواة في النّار

ذُق وبال أمرك يا مروان.
وصاح معاوية بمروان:
قد كنت نهيتك عن هذا الرجل، وأنت تأبي إلاّ انهماكاً فيما لا يعنيك، اربع على نفسك فليس أبوك كأبيه، ولا أنت مثله، أنت ابن الطريد الشريد، وهو ابن رسول الله الكريم، ولكن ربّ باحثٍ عن حتفه وحافرٍ عن مديته.
وانتفخت أوداج مروان غضباً وغيظاً، فاندفع نحو معاوية قائلاً:
ارم من دون بيضتك، وقم بحجّة عشيرتك.
ثم التفت إلى ابن العاص:
وطعنك أبوه، فوقيت نفسك بخصييك، فلذلك تحذره.
ثم قام وخرج حنقاً، فقال معاوية:
لا تجار البحور فتغمرك، ولا الجبال فتبهرك.
الحسن ومناوئوه (٧) (١٩٧)
وفد الحسن بن عليٍّ عليهما السلام على معاوية، فحضر مجلسه واذا عنده مروان بن الحكم، والمغيرة بن شعبة، والوليد بن عقبة، وعتبة بن أبي سفيان، ففخر كلّ رجلٍ منهم على بني هاشم فوضعوا منهم، وذكروا أشياء ساءت الحسن (عليه السلام) وبلغت منه، فقال الحسن بن عليّ عليهما السلام:
أنا شعبة من خير الشّعب، آبائي أكرم العرب، لنا الفخر والنّسب والسماحة عند الحسب، من خير شجرةٍ أنبتت فروعاً نامية، وأثماراً زاكية وأبداناً قائمة، فيها أصل الإسلام، وعلم النبوّة، فعلونا حين شمخ بنا الفخر واستطلنا حين امتنع منا العز، بحور زاخرة لا تنزف، وجبال شامخة لا تقهر.
فقال مروان:
مدحت نفسك، وشمخت بأنفك، هيهات يا حسن، نحن والله الملوك السّادة، والأعزة القادة، لا ننحجز(١٩٨) فليس لك مثل عزّنا، ولا فخر كفخرنا. ثم أنشأ يقول:

ستفنينا أنفساً طابت وقورا * * * فنالت عزّها فيمن يلينا
وأبنا بالغنيمة حيث أبنا * * * وأبنا بالملوك مقرّبينا

ثم تكلم المغيرة بن شعبة فقال:
نصحت لأبيك فلم يقبل النّصح، لولا كراهية قطع القرابة، لكنت في جملة أهل الشّام، فكان يعلم أبوك أني أصدر الوراد عن مناهلها بزعارة قيس، وحلم ثقيفٍ وتجاربها للامور على القبائل.
فتكلّم الحسن (عليه السلام) فقال:
يا مروان أجبناً وخوراً، وضعفاً وعجزاً؟ أتزعم أني مدحت نفسي وأنا ابن رسول الله وشمخت بأنفي، وأنا سيّد شباب أهل الجنّة؟ وإنّما يبذخ ويتكبّر ويلك - من يريد رفع نفسه، ويتبجّح من يريد الإستطالة، فأما نحن فأهل بيت الرّحمة، ومعدن الكرامة، وموضع الخيرة، وكنز الإيمان، ورمح الإسلام، وسيف الدّين، ألا تصمت ثكلتك أمّك، قبل أن أرميك بالهوائل، وأسمك بميسمٍ تستغني به عن اسمك.
فأمّا إيابك بالنّهاب والملوك، أفي اليوم الّذي ولّيت فيه مهزوماً وانحجزت مذعوراً، فكانت غنيمتك هزيمتك، وغدرك بطلحة حين غدرت به فقتلته، قبحاً لك، ما أغلظ جلدة وجهك!
فنكس مروان رأسه، وبقي المغيرة مبهوتاً، فالتفت إليه الحسن (عليه السلام) فقال:
[يا] أعور ثقيف! ما أنت من قريشٍ فأفاخرك، أجهلتني يا ويحك وأنا ابن خير الآباء، وسيدة النّساء، غذّانا رسول الله بعلم الله تبارك وتعالى، فعلّمنا تأويل القرآن ومشكلات الأحكام، لنا العزة الغلباء، والكلمة العلياء، والفخر والسناء، وأنت من قومٍ لم يثبت لهم في الجاهلية، نسب، ولا لهم في الإسلام نصيب، عبد آبق ماله والافتخار عند مصادمة الليّوث، ومجاحشة، الأقران، نحن السّادة، ونحن المذاويد القادة، نحمي الذّمار، وننفي عن ساحتنا العار، وانا ابن نجيبات الأبكار.
ثمّ أشرت - زعمت بخير وصيّ خير الأنبياء؟ كان هو بعجزك أبصر، وبخورك أعلم، وكنت للردّ عليك منه أهلاً، لو غرّك في صدرك وبدو الغدر في عينك، هيهات لم يكن ليتّخذا المضلّين عضداً(١٩٩) وزعمت لو أنّك كنت بصفّين بزعارة قيس، وحلم ثقيف، في ماذا ثكلتك أمّك! أبعجزٍ عند المقامات، وفرارك عند المجاحشات؟ أما والله لو التفّت عليك من أمير المؤمنين الأشاجع، لعلمت أنه لا يمنعه منك الموانع، ولقامت عليك المرنات الهوالع.
وأمّا زعارة قيس، فما أنت وقيساً؟ إنما أنت عبد آبق، فتسمّى ثقيفاً(٢٠٠) فاحتل لنفسك من غيرها، فلست من رجالها، أنت بمعالجة الشّرك، وموالج الزرائب، أعرف منك بالحروب، فأيّ الحلم عند العبيد القيون.
ثم تمنّيت لقاء أمير المؤمنين (عليه السلام) فذاك من قد عرفت، أسد باسل، وسمّ قاتل، لا تقاومه الأبالسة، عند الطّعن والمخالسة، فكيف ترومه الضّبعان، وتناوله الجعلان بمشيتها القهقرى، وأمّا وصلتك فمنكولة(٢٠١) وقرابتك فمجهولة، وما رحمك منه، إلا كنبات الماء من خشفان الظبّا، بل أنت أبعد منه نسباً.
فوثب المغيرة، والحسن (عليه السلام) يقول:
عذرنا من بني أميّة أن تجاورنا بعد مناطقة القيون، ومفاخرة العبيد.
فقال معاوية:
ارجع يا مغيرة! هؤلاء بنو عبد مناف، لا تقاومهم الصّناديد، ولا تفاخرهم المذاويد.
ثم أقسم على الحسن (عليه السلام) بالسكوت، فسكت.
الحسن على لسانه (٢٠٢)
بعد ما انتهى الصلح بين الإمام الحسن ومعاوية، كان الإمام - ذات يومٍ - جالساً في مجلس معاوية، فقال له: يا حسن! اصعد المنبر واذكر فضلنا، فصعد الإمام المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النبيّ محمد وآله، ثم قال:
من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن ابن رسول الله، أنا ابن البشير النّذير، أنا ابن المصطفى بالرسالة، أنا ابن من صلّت عليه الملائكة، أنا ابن من شرفت به الأمّة، ابن من كان جبرئيل السفير من الله إليه، أنا ابن من بعث رحمةً للعالمين (صلى الله عليه وآله أجمعين).
فلم يقدر معاوية، أن يكتم عداوته وحسده، فقال: يا حسن عليك بالرّطب فانعته لنا. قال: نعم يا معاوية، الريح تلقحه، والشمس تنفخه، والقمر يلوّنه، والحرّ ينضجه، والليل يبرده.
ثم أقبل على منطقه فقال: أنا ابن المستجاب الدّعوة، أنا ابن من كان من ربّه كقاب قوسين أو أدنى، أنا ابن الشفيع المطاع، أنا ابن مكّة ومنى، أنا ابن من خضعت له قريش رغماً، أنا ابن من سعد تابعه وشقي خاذله، أنا ابن من جعلت الأرض له طهوراً ومسجدا، أنا ابن من كانت أخبار السماء إليه تترى، أنا ابن من أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا. فقال معاوية: أظنّ نفسك يا حسن تنازعك إلى الخلافة؟ فقال: ويلك يا معاوية! إنّما الخليفة من سار بسيرة رسول الله وعمل بطاعة الله، ولعمري إنّا لأعلام الهدى ومنار التّقى، ولكنك يا معاوية ممّن أباد السّنن وأحيا البدع، واتّخذ عباد الله خولا، ودين الله لعباً، فكان قد أخمل ما أنت فيه فعشت يسيراً وبقيت عليك تبعاته.
يا معاوية، والله لقد خلق الله مدينتين، إحداهما بالمشرق والأخرى بالمغرب أسماهما: جابلقا وجابلسا، ما بعث الله إليهما أحداً غير جدّي رسول الله.
فقال معاوية: يا أبا محمّدٍ أخبرنا عن ليلة القدر. قال: نعم عن مثل هذا فاسأل، إنّ الله خلق السماوات سبعاً والأرضين سبعاً، والجنّ من سبع، والانس من سبع، فتطلب من ليلة ثلاثٍ وعشرين إلى ليلة سبعٍ وعشرين، ثم نهض (عليه السلام) من المنبر فنزل.
الحق أبلج (٢٠٣)
إنّ معاوية قصد يثرب، فلمّا انتهى إليها رأى حفاوة الناس بالإمام الحسن، وإكبارهم له، فساءه ذلك، فاستدعى أبا الأسود الدّؤلي والضّحّاك ابن قيسٍ الفهري، ولما مثلا عنده، استشارهما في أمر الحسن، وان يوصمه بشيءٍ ينقصه في أعين النّاس، فأشار عليه أبو الأسود بالتّرك قائلاً:
رأي أمير المؤمنين أفضل، وأرى ألاّ يفعل، فإنّ أمير المؤمنين لن يقول فيه قولاً إلا أنزله سامعوه منه به حسداً، ورفعوا به صعداً، والحسن يا أمير المؤمنين معتدل شبابه، احضر ما هو كائن جوابه، فأخاف أن يردّ عليك كلامك بنوافذ تردع سهامك، فيقرع بذلك ظنبوبك، ويبدي به عيوبك، فإذن كلامك فيه صار له فضلاً وعليك كلاّ، إلا أن تكون تعرف له عيباً في أدب، أو وقيعةً في حسب، وإنّه لهو المهذّب، قد أصبح من صريح العرب، في عزّ لبابها وكريم محتدها، وطيب عنصرها فلا تفعل يا أمير المؤمنين.
ولكنّ الضّحّاك بن قيس أشار على معاوية بالوقيعة فيه قائلاً:
امض يا أمير المؤمنين فيه برأيك، ولا تنصرف عنه بدائك، فإنّك لو رميته بقوارص كلامك ومحكم جوابك، لذلّ لك كما يذلّ البعير الشّارف من الإبل.
واستصوب معاوية رأي الضحّاك، فلما كان يوم الجمعة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على نبيّه، ثم ذكر أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبٍ (عليه السلام)، فانتقصه وكان ممّا قال:
أيّها النّاس، إنّ صبيةً من قريشٍ ذوي سفهٍ وطيش، وتكدّرٍ من عيش، أتعبتهم المقادير، فاتخذ الشيطان رؤوسهم مقاعد، وألسنتهم مبارد، فباض وفرّخ في صدورهم، ودرج في نحورهم، فركب بهم الزّلل، وزيّن لهم الخطل، وأعمى عليهم السّبل، وأرشدهم إلى البغي والعدوان، والزّور والبهتان، فهم له شركاء وهو لهم قرين (ومن يكن الشّيطان له قريناً فساء قرينا) وكفى لهم مؤدّباً، والمستعان الله.
فوثب إليه الإمام الحسن (عليه السلام) قائلاً:
أيّها النّاس!
من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن عليّ بن أبي طالب، أنا ابن نبيّ الله، أنا ابن من جعلت له الارض مسجداً وطهورا أنا ابن السّراج المنير، أنا ابن البشير النّذير، أنا ابن خاتم النّبيين وسيّد المرسلين، وإمام المتّقين، ورسول ربّ العالمين. أنا ابن من بعث رحمةً للعالمين.
وشقّ على معاوية كلام الإمام، فأراد أن يقطعه فقال له: يا حسن عليك بصفة الرّطب. فقال (عليه السلام):
الريح تلقحه، والحرّ ينضجه، والليل يبرده ويطيبه على رغم أنفك يا معاوية.
ثم استرسل (عليه السلام) في كلامه فقال:
أنا ابن مستجاب الدّعوة، أنا ابن الشفيع المطاع، أنا ابن أوّل من ينفض رأسه من التّراب، ويقرع باب الجنّة، أنا ابن من قاتلت الملائكة معه ولم تقاتل مع نبيٍّ قبله، أنا ابن من نصر الأحزاب، أنا ابن من ذلّت له قريش رغماً.
وغضب معاوية فصاح:
أما إنك تحدّث نفسك بالخلافة.
فأجابه الإمام (عليه السلام):
امّا الخلافة فلمن عمل بكتاب الله وسنّة نبيه، وليست الخلافة لمن خالف كتاب الله وعطّل السّنّة، إنما مثل ذلك مثل رجل أصاب ملكاً فتمتّع به، وكأنه انقطع عنه وبقيت تبعاته عليه.
وراوغ معاوية فقال:
ما في قريشٍ رجل إلاّ ولنا عنده نعم جزيلة ويد جميلة.
فردّ عليه الإمام قائلاً:
بلى، من تعزّزت به بعد الذّلّة، وتكثّرت به بعد القلّة.
فقال معاوية:
من اولئك يا حسن؟
وردّ عليه الإمام:
من يُلهيك عن معرفتهم.
ثم استمرّ (عليه السلام) في كلامه:
أنا ابن من ساد قريشاً شاباً وكهلا، أنا ابن من ساد الورى كرماً ونبلاً، أنا ابن من ساد أهل الدّنيا بالجود الصّادق، والفرع الباسق والفضل السّابق، أنا ابن من رضاه رضى الله وسخطه سخطه، فهل لك أن تساميه يا معاوية؟
فقال معاوية: أقول لا، تصديقاً لقولك.
فقال الحسن: الحقّ أبلج والباطل لجلج، ولم يندم من ركب الحقّ وقد خاف من ركب الباطل، (والحقّ يعرفه ذوو الألباب).
فقال معاوية على عادته من المراوغة: لا مرحباً بمن ساءك(٢٠٤)!
نحن المغبوطون (٢٠٥)
خطب الحسن عائشة بنت عثمان. فقال مروان: أزوّجها عبد الله ابن الزّبير، ثم إنّ معاوية كتب إلى مروان، وهو عامله على الحجاز يأمره أن يخطب أمّ كلثوم بنت عبد الله بن جعفرٍ لابنه يزيد. فأبى عبد الله بن جعفر، فأخبره بذلك فقال عبد الله: إنّ أمرها ليس إليّ إنما هو إلى سيّدنا الحسن، وهو خالها، فأخبر الحسن بذلك فقال: أستخير الله تعالى: اللهم وفّق لهذه الجارية رضاك من آل محمّد، فلما اجتمع الناس في مسجد رسول الله أقبل مروان حتى جلس إلى الحسن (عليه السلام)، وعنده من الجلّة وقال: إنّ أمير المؤمنين معاوية، أمرني أن أخطب زينب بنت عبد الله بن جعفر، ليزيد بن معاوية، وان أجعل مهرها حكم أبيها بالغاً ما بلغ مع صلح ما بين هذين الحيّين، مع قضاء دينه، واعلم انّ من يغبطكم بيزيد اكثر مّمن يغبطه بكم، والعجب كيف يستمّهر يزيد، وهو كفو من لاكفو له، وبوجهه يستسقى الغمام، فردّ خيراً يا أبا محمّد. فقال الحسن (عليه السلام):
الحمد لله الذي اختارنا لنفسه، وارتضانا لدينه، واصطفانا على خلقه.. يا مروان قد قلت فسمعنا، أما قولك: مهرها حكم أبيها بالغاً ما بلغ، فلعمري لو أردنا ذلك ما عدونا سنّة رسول الله في بناته ونسائه وأهل بيته: وهو اثنتا عشرة أوقيةً يكون أربعمائة وثمانين درهماً.
وأما قولك: مع قضاء دين أبيها، فمتى كان نساؤنا يقضين عنّا ديوننا.
وأما صلح ما بيه هذين الحيّين، فإنّا قوم عادينا كم لله وفي الله، ولم نكن نصالحكم للدّنيا، فلعمري فلقد أعيى النسب فكيف السّبب.
وأمّا قولك: العجب ليزيد كيف يستمهر؟ فقد استمهر من هو خير من يزيد، ومن أب يزيد، ومن جدّ يزيد.
وأمّا قولك: إن يزيد كفو من لا كفو له، فمن كان كفوه قبل اليوم فهو كفوه اليوم، ما زادته إمارته في الكفاية شيئاً.
وأمّا قولك: بوجهه يستسقى الغمام، فإنّما كان ذلك بوجه رسول الله.
وأمّا قولك: من يغبطنا به اكثر ممّن يغبطه بنا، فإنّما يغبط به أهل الجهل ويغبطه بنا أهل العقل. ثم قال بعد كلام: فاشهدوا جميعاً أني قد زوّجت أمّ كلثوم بنت عبد الله بن جعفرٍ من ابن عمّها القاسم بن محمّد بن جعفرٍ على أربعمائة وثمانين درهماً، وقد نحلتها ضيعتي بالمدينة، أو قال: أرضي بالعقيق وإنّ غلّتها في السّنة ثمانية آلاف دينار، ففيها لهما غنى إن شاء الله.
فتغيّر وجه مروان وقال: أغدراً يا بني هاشمٍ تأبون إلا العداوة.
فذكّره الحسين خطبة الحسن عائشة وفعله. ثم قال" فأين موضع الغدر يا مروان؟
فقال مروان:

أردنا صهركم لنجدّ ودّاً * * * قد اخلقه به حدث الزّمان
فلمّا جئتكم فجبهتموني * * * وبحتم بالضمير من الشّنان

فأجابه ذكوان مولى بني هاشم:

أماط الله منهم كلّ رجسٍ * * * وطهّرهم بذلك في المثاني
فما لهم سواهم من نظيرٍ * * * ولا كفؤ هناك ولا مداني
أيجعل كلّ جبارٍ عنيدٍ * * * إلى الأخيار من أهل الجنان

لشد ما علوت به (٢٠٦)
دخل الإمام الحسن يوماً على معاوية، فقال له:
يا حسن! أخير منك!!.
فقال الإمام:
وكيف ذاك يا بن هند؟
فقال معاوية:
لأنّ الناس قد أجمعوا عليّ، ولم يجمعوا عليك..
فقال الإمام:
هيهات: الشرّ ما علوت به يا بن آكلة الأكباد، المجتمعون عليك رجلان، بين مطيعٍ ومكره، فالطائع لك عاصٍ لله، والمكره معذور بكتاب الله، وحاشا الله أن اقول: أنا خير منك لأنّك لا خير فيك، فان الله قد برّأني من الرّذائل، كما برّأك من الفضائل.
ملكنا وملككم (٢٠٧)
إنّ الحسن بن عليٍّ عليهما السلام مرّ في مسجد رسول الله بحلقةٍ فيها قوم من بني أميّة، فتغامزوا به، وذلك عندما تغلّب معاوية على ظاهر أمره، فرآهم وتغامزهم به، فصلّى ركعتين ثم قال: (قد رأيت تغامزكم، أما والله لا تملكون يوماً إلا ملكنا يومين، ولا شهراً إلا ملكنا شهرين، ولا سنةً إلا ملكنا سنتين، وإنّا لنأكل في سلطانكم، ونشرب ونلبس وننكح ونركب، وأنتم لا تأكلون في سلطاننا ولا تشربون ولا تنكحون).
فقال له رجل: فكيف يكون ذلك يا أبا محمّد؟ وأنتم أجود الناس وأرأفهم وارحمهم، تأمنون في سلطان القوم، ولا يأمنون في سلطانكم؟
فقال: لأنّهم عادونا بكيد الشّيطان، وكيد الشّيطان ضعيف، وعاديناهم بكيد الله، وكيد الله شديد.
ران على قلوبهم
لقي الإمام الحسن (عليه السلام) حبيب بن سلمة الفهريّ في الطّواف - وكان من أتباع معاوية - فقال له الإمام: يا حبيب! ربّ مسيرٍ لك في غير طاعة الله، فقال حبيب مستهزئاً به: أمّا مسيري من أبيك فليس من ذلك، فقال له الإمام: بلى والله، ولكنّك أطعت معاوية على دنيا قليلةٍ زائلة، فلئن قام بك في دنياك (فـ) لقد قعد بك في آخرتك، ولو كنت إذ فعلت قلت خيراً، كان ذلك كما قال الله تعالى: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيّئاً)(٢٠٨).
ولكنّك، كما قال الله سبحانه: (كلاّ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون)(٢٠٩).
ابليس شارك أباك (٢١٠)
عن ابن عبّاسٍ في قوله تعالى: (وشاركهم في الأموالٍ والأوّلاد)(٢١١) أنّه جلس الحسن بن عليّ، ويزيد بن معاوية بن أبي سفيان يأكلان الرّطب، فقال يزيد: يا حسن! اني مذ كنت أبغضك، قال الحسن:
اعلم يا يزيد! أنّ إبليس شارك أباك في جماعة، فاختلط الماءان فأورثك ذلك عداوتي، لأنّ الله تعالى يقول: (وشاركهم في الأموال والأولاد)، وشارك الشيطان حرباً عند جماعة، فولد له صخر، فلذلك كان يبغض جدّي رسول الله.
بل اراد الغدر (٢١٢)
قال معاوية ذات يوم: لا ينبغي ان يكون الهاشميّ غير جواد، ولا الأمويّ غير حليم، ولا الزّبيريّ غير شجاع، ولا المخزوميّ غير تيّاه. ونقل كلامه إلى الإمام الحسن (عليه السلام) فقال:
قاتله الله! أراد ان يجود بنو هاشمٍ فينفذ ما بأيديهم، ويحلم بنو أمية فيتحبّبوا إلى النّاس، ويتشجّع إلى الزبير فيفنوا، ويتيه بنو مخزومٍ فيبغضهم النّاس.
الشاتم علياً (٢١٣)
انت الشاتم علياً عند آكلة الأكباد؟ أما والله لئن وردت الحوض ولا ترده، لترينّه مشمّراً عن ساقيه، حاسراً عن ذراعيه، يذود عنه المنافقين.
انا ابن النبي (٢١٤)
ايها النّاس! من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فسأبيّن له نفسي، بلدي مكّة ومنى، وانا ابن المروة والصّفا، وانا ابن النّبيّ المصطفى، وانا ابن من علا الجبال الروّاسي، وأنا ابن من كسا محاسن وجهه الحّياء، أنا ابن فاطمة سيّدة النّساء، انا ابن قليلات العيوب نقيّات الجيوب.
واذّن المؤذّن فقال: اشهد أن لا إله إلا الله، اشهد أنّ محمداً رسول الله، فقال لمعاوية:
محمد أبي أم أبوك؟ فان قلت ليس بأبي فقد كفرت، وإن قلت نعم فقد أقررت، ثم قال:
أصبحت قريش تفتخر على العرب بأن محمّداً منها، وأصبحت العرب تفتخر على العجم بأنّ محمداً منها، وأصبحت العجم تعرف حقّ العرب بأنّ محمّداً منها، يطلبون حقّنا، ولا يردّون إلينا حقّنا.

وصايا

لا تهرق محجمة دم (٢١٥)
هذا ما أوصى به الحسن بن عليّ إلى أخيه الحسين بن علي، أوصى أنه: يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّه يعبده حقّ عبادته، لا شريك له في الملك، ولا وليّ له من الذلّ، وأنه خلق كلّ شيء، فقدّره تقديراً، وأنه أولى من عبد، وأحقّ من حمد، من أطاعه رشد، ومن عصاه غوى، ومن تاب إليه اهتدى، فإني أوصيك يا حسين بمن خلّفت من أهلي وولدي وأهل بيتك: أن تصفح عن سيئهم، وتقبل من محسنهم وتكون لهم خلفاً ووالداً.
وأن تدفنّي مع رسول الله فإني أحقّ به، وببيته ممّن أدخل بيته بغير إذنه، ولا كتاب جاءهم من بعده، قال الله فيما أنزله على نبيّه في كتابه (يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبيّ إلا أن يؤذن لكم) فو الله ما أذن لهم في الدخول عليه في حياته بغير إذنه، ولا جاءهم الإذن في ذلك من بعد وفاته، ونحن مأذون لنا في التصرّف فيما ورثناه من بعده، فإن أبت عليك الامرأة، فأنشدك بالله وبالقرابة التي قرّب الله عزّ وجلّ منك، والرحم الماسّة من رسول الله: أن لا تهريق في محجمةٍ من دم، حتّى نلقى رسول الله، فنختصم اليه، ونخبره بما كان من الناس إلينا من بعده.
اصرفني إلى أمي (٢١٦)
يا أخي! إني أوصيك بوصيةٍ فاحفظها، فاذا أنا متّ فهيّئني، ثم وجّهني إلى رسول الله، لأجدّد به عهداً ثم اصرفني إلى أمّي فاطمة، ثمّ ردّني، فادفنّي بالبقيع، واعلم: أنه سيصبني من الحمراء ما يعلم النّاس صنيعها، وعداوتها لله ولرسوله، وعداوتها لنا أهل البيت(٢١٧).
يا أخي! إنّ هذه آخر ثلاث مرّاتٍ سقيت فيها السمّ، ولم أسقه مثل مرّتي هذه، وأنا ميّت من يومي، فإذا أنا متّ فادفنّي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، فما أحد أولى بقربه مني، إلا أن تمنع من ذلك فلا تسفك فيه محجمة دم(٢١٨).
يا أخي! إذا انا متّ، فغسّلني وحنّطني وكفّنّي، واحملني إلى جدّي صلى الله عليه وآله، حتّى تلحدني إلى جانبه، فان منعت من ذلك، فبحقّ جدّك رسول الله، وأبيك امير المؤمنين، وامّك فاطمة الزّهراء: ان لا تخاصم أحداً، واردد جنازتي من فورك إلى البقيع، حتى تدفنّي مع أمّي(٢١٩).
الحسين إمامك بعدي (٢٢٠)
لمّا حضرت الحسن الوفاة قال: (يا قنبر: انظر هل ترى وراء بابك مؤمناً من غير آل محمّد)، فقال: (الله ورسوله وابن رسوله أعلم)، قال: (امض فادع لي محمّد بن عليّ)، قال: فأتيته، فلما دخلت عليه قال: (هل حدث إلاّ خير؟) قلت: (أجب أبا محمّد)، فعجّل عن شسع نعله فلم يسوّه، فخرج معي يعدو.
فلمّا قام بين يديه سلّم، فقال له الحسن: (اجلس فليس يغيب مثلك عن سماع كلامٍ يحيا به الأموات، ويموت به الأحياء، كونوا أوعية العلم ومصابيح الدّجى، فإن ضوء النهار بعضه اضوأ من بعض، أما علمت أن الله عزّ وجلّ جعل ولد ابراهيم أئمةً وفضّل بعضهم على بعض، وآتى داود زبوراً، وقد علمت بما استأثر الله محمداً صلى الله عليه وآله.
يا محمد بن عليّ! إنّي لا أخاف عليك الحسد، وإنما وصف الله تعالى به الكافرين فقال: (كفّاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبيّن لهم الحقّ)(٢٢١) ولم يجعل الله للشيطان عليك سلطاناً.
يا محمّد بن عليّ، ألا أخبرك بما سمعت من أبيك (عليه السلام) فيك؟ قال: بلى.
قال: سمعت أباك يقول يوم البصرة: من أحبّ أن يبرّني في الدنيا والآخرة قليبرّ محمداً.
يا محمد بن عليّ! لو شئت أن أخبرك وأنت نطفة في ظهر أبيك لأخبرتك.
يا محمد بن عليّ! أما علمت: أن الحسين بن عليٍّ بعد وفاة نفسي ومفارقة روحي جسمي، إمام من بعدي، وعند الله في الكتاب الماضي، وراثة النبيّ أصابها في وراثة أبيه وأمه، علم الله أنّكم خير خلقه، فاصطفى منكم محمّداً واختار محمد عليّاً، واختارني عليّ للإمامة، واخترت أنا الحسين.
فقال له محمد بن علي: أنت إمامي (وسيدي)(٢٢٢)، وأنت وسيلتي إلى محمّد، والله لوددت أنّ نفسي ذهبت قبل أن أسمع منك هذا الكلام. ألا وإن في رأسي كلاماً لا تنزفه الدّلاء، ولا تغيّره بعد الريّاح(٢٢٣) كالكتاب المعجم، في الرقّ المنمنم، أهمّ بابدائه فأجدني سبقت إليه سبق الكتاب المنزل، وما جاءت به الرّسل، وانه لكلام يكلّ به لسان الناطق، ويد الكاتب(٢٢٤) ولا يبلغ فضلك، وكذلك يجزي الله المحسنين ولا قوة إلا بالله، الحسين أعلمنا علماً، وأثقلنا حلماً، أقربنا من رسول الله رحما، كان إماماً قبل أن يخلق، وقرأ الوحي قبل أن ينطق، ولو علم الله أنّ أحداً خير منّا(٢٢٥) ما اصطفى محمّداً صلى الله عليه وآله، فلمّا اختار محمّداً واختار محمّد عليّاً إماماً، واختارك عليّ بعده، واخترت الحسين بعدك، سلّمنا ورضينا بمن هو الرّضا، وبمن نسلم به من المشكلات.
الحسين خليفة بعدي (٢٢٦)
أوصيك يا أخي باهلي وولدي خيراً، واتبع ما أوصى به جدّك وابوك وامّك عليهم أفضل الصلوات والسّلام.
يا أخاه لا تحزن عليّ فإن مصابك اعظم من مصيبتي ورزءك اعظم من رزئي. فإنّك تقتل - يا ابا عبد الله الحسين - بشطّ الفرات بأرض كربلا عطشاناً لهيفاً وحيداً فريداً مذبوحاً يعلو صدرك أشقى الأمّة، ويحمحم فرسك ويقول في تحمحمه: الظليمة الظليمة من امّةٍ قتلت ابن بنت نبيّها، وتسبى حريمك وييتّم اطفالك، ويسيّرون حريمك على الأقتاب بغير وطاءٍ ولا فراش، ويحمل رأسك يا أخي على رأس القنا، بعد أن تقتل ويقتل انصارك، فيا ليتني كنت عندك أذبّ عنك كما يذبّ عنك أنصارك بقتل الأعداء، ولكنّ هذا الأمر يكون وانت وحيد لا ناصر لك منا، ولكن لكلّ أجلٍ كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب، فعليك يا أخي بالصبر على البلاء حتّى تلحق بنا، ثم التفت إلى الحاضرين فقال:
ايها الحاضرون، اسمعوا وانصتوا ما اقول لكم الآن، هذا الحسين أخي إمام بعدي فلا إمام غيره، ألا فليبلّغ الحاضر الغائب، والوالد الولد، والحرّ والعبد والذكر والانثى، وهو خليفتي عليكم لا أحد يخالفه منكم، فمن خالفه كفر وأدخله الله النّار وبئس القرار، ونحن ريحانتا رسول الله وسيّدا شباب أهل الجنّة، فلعن الله من يتقدّم أو يقدّم علينا أحداً فيعذبه الله عذاباً أليما، وإنّي ناصّ عليه كما نصّ رسول الله صلى الله عليه وآله على امير المؤمنين (عليه السلام)، وكما نصّ أبي عليّ، وهو الخليفة بعدي من الله ومن رسوله.
حفظكم الله، أستودعكم الله، الله خليفتي عليكم وكفى به خليفة، وإنّي منصرف عنكم ولا حق بجدّي وابي وأمي وأعمامي ثم قال:
عليكم السلام يا ملائكة ربّي ورحمة الله وبركاته.
لا تترك الجهاد (٢٢٧)
يا ولدي يا قاسم! أوصيك: أنك إذا رأيت عمّك الحسين في كربلاء وقد أحاطت به الأعداء، فلا تترك البراز والجهاد، لأعداء الله وأعداء رسوله، ولا تبخل عليه بروحك، وكلّما نهاك عن البراز، عاوده ليأذن لك في البراز، لتحظى في السعادة الأبديّة.

متفرقات

ما خفي عليك شيء (٢٢٨)
قال حذيفة بن اليمان: بينما كان رسول الله صلّى الله عليه وآله في جماعةٍ من أصحابه، إذ اقبل اليه الحسن، فأخذ النبيّ في مدحه، فما قطع رسول الله صلّى الله عليه وآله كلامه، حتّى اقبل إلينا أعرابيّ يجرّ هراوةً له، فلما نظر رسول الله صلّى الله عليه وآله اليه قال: (قد جاءكم رجل يكلمكم بكلامٍ غليظ، تقشعرّ منه جلودكم، وإنّه يسألكم من أمور، إنّ لكلامه جفوة).
فجاء الأعرابيّ فلم يسلّم وقال: أيّكم محمّد؟.
قلنا: ما تريد؟.
قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: (مهلاً).
فقال: يا محمّد لقد كنت أبغضك ولم أرك، والآن فقد ازددت لك بغضاً.
فتبسّم رسول الله صلّى الله عليه وآله، وغضبنا لذلك، وأردنا بالأعرابيّ إرادة، فأومأ إلينا رسول الله أن: (اسكتوا).
فقال الأعرابيّ: يا محمّد: إنّك تزعم: أنك نبيّ، وأنّك قد كذبت على الأنبياء، وما معك من برهانك شيء.
قال له: (وما يدريك؟).
قال: فخبّرني ببرهانك.
قال: (إن أحببت أخبرك عضو من أعضائي، فيكون ذلك أو كد لبرهاني).
قال: أو يتكلّم العضو؟
قال: (نعم، يا حسن قم!).
فازدرى الأعرابيّ نفسه(٢٢٩) وقال: هو ما يأتي، ويقيم صبيّاً ليكلّمني.
قال: (إنك ستجده عالماً بما تريد).
فابتدره الحسن (عليه السلام) وقال: مهلاً يا أعرابيّ.

ما غبيّاً سألت وابن غبيّ * * * بل فقيهاً إذن وأنت الجهول
فإن تك قد جهلت فإن عندي * * * شفاء الجهل ما سأل السّؤول
وبحراً لا تقسمه الدّوالي * * * تراثاً كان أورثه الرسول

لقد بسطت لسانك، وعدوت طورك، وخادعت نفسك، غير أنك لا تبرح حتّى تؤمن إن شاء الله.
فتبسّم الأعرابيّ وقال: هيه(٢٣٠)!
فقال له الحسن (عليه السلام): نعم، اجتمعتم في نادي قومك، وتذاكرتم ما جرى بينكم، على جهلٍ وخرقٍ منكم، فزعمتم: أنّ محمداً صنبور(٢٣١) والعرب قاطبةً تبغضه، ولا طالب له بثأره، وزعمت: انّك قاتله، وكان في قومك مؤنته، فحملت نفسك على ذلك، وقد أخذت قناتك بيدك تؤمّه تريد قتله، فعسر عليك مسلكك، وعمي عليك بصرك وأبيت إلاّ ذلك، فأتيتنا خوفاً من أن يشتهر، وإنّك إنما جئت بخيرٍ يراد بك.
أنبئك عن سفرك: خرجت في ليلةٍ ضحياء، إذ عصفت ريح شديدة، اشتدّ منها ظلماؤها وأطلّت سماؤها، وأعصر سحابها، فبقيت محرنجماً كالأشقر، إن تقدّم نحر، وان تأخّر عقر(٢٣٢) لا تسمع لواطئٍ حسّاً ولا لنافخ نارٍ جرساً، تراكمت عليك غيومها، وتوارت عنك نجومها، فلا تهتدي بنجمٍ طالع، ولا بعلمٍ لامع، تقطع محجّة، وتهبط لجّة، في ديمومةٍ قفر، بعيدة القعر، محجفةٍ بالسّفر، اذا علوت مصعداً ازددت بعداً، الريح تخطفك، والشوك تخبطك، في ريحٍ عاصف، وبرقٍ خاطف، قد أوحشتك آكامها، وقطعتك سلامها، فأبصرت فإذا أنت عندنا فقرّت عينك، وظهر دينك، وذهب انينك).
قال: من أين قلت ياغلام هذا؟ كأنك كشفت عن سويداء(٢٣٣) قلبي، ولقد كنت كأنّك شاهدتني، وما خفي عليك شيء من أمري، وكأنّه علم الغيب. [ف] قال له: ما الإسلام؟
فقال الحسن (عليه السلام): الله أكبر، اشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمداً عبده ورسوله.
فأسلم وحسن إسلامه، وعلّمه رسول الله صلّى الله عليه وآله شيئاً من القرآن. فقال:
يا رسول الله: أرجع إلى قومي فأعرّفهم ذلك؟ فأذن له، فانصرف ورجع ومعه جماعة من قومه، فدخلوا في الإسلام. فكان الناس إذا نظروا إلى الحسن (عليه السلام) قالوا:
لقد أعطي مالم يعط أحد من النّاس.
الخضر يسأل (٢٣٤)
أقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) ومعه الحسن بن عليّ (عليه السلام)، وهو متّكئ على يد سلمان، فدخل المسجد الحرام فجلس، إذ اقبل رجل حسن الهيئة واللبّاس، فسلّم على أمير المؤمنين فردّ (عليه السلام) فجلس، ثم قال: يا أمير المؤمنين، أسألك عن ثلاث مسائل، إن أخبرتني بهنّ، علمت: أن القوم ركبوا من أمرك ما أقضى عليهم: إنّهم ليسوا بمأمونين في دنياهم ولا في آخرتهم، وإن تكن الأخرى علمت: أنّك وهم شرع سواء.
فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): (سلني عمّا بدا لك) قال: أخبرني عن الرجل إذا نام أين تذهب روحه؟ وعن الرجل كيف يذكر وينسى عن الرجل كيف يشبه ولده الأعمام والأخوال؟ فالتفت أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الحسن بن عليّ (عليه السلام) فقال: يا أبا محمّدٍ أجبه، فقال الحسن (عليه السلام):
أمّا ما سألت عنه من أمر الرجل إذا نام أين تذهب روحه؟ فإنّ روحه معلقة بالرّيح، والرّيح معلّقة بالهواء إلى وقت ما يتحرّك صاحبها لليقظة، فإذا أذن الله عزّ وجلّ بردّ تلك الروح على صاحبها، جذبت الروح الريح وجذبت الريح الهواء فأسكنت الروح في بدن صاحبها وإذا لم يأذن الله بردّ تلك الروح على صاحبها، جذب الهواء الريح، وجذبت الريح الروح فلم تردّ على صاحبها إلى وقت ما يبعث.
وأمّا ما سألت عنه من أمر الذّكر والنّسيان؟ فإنّ قلب الرجل في حقّ، وعلى الحقّ طبق، فان هو صلّى على النّبي صلاةً تامّة، انكشف ذلك الطبق عن ذلك الحقّ، فذكر الرجل ما كان نسي.
وأمّا ما ذكرت من أمر الرجل يشبه ولده أعمامه وأخواله، فإنّ الرجل إذا أتى أهله بقلبٍ ساكن وعروق هادئة، وبدنٍ غير مضطرب، استكنّت تلك النّطفة، في تلك الرّحم، فخرج الولد يشبه أباه وأمّه، وإن هو أتاها بقلبٍ غير ساكن، وعروقٍ غير هادئة، وبدنٍ مضطرب، اضطربت تلك النطفة في جوف تلك الرّحم، فوقعت على عرقٍ من العروق، فإن وقعت على عرقٍ من عروق الأعمام أشبه الولد أعمامه، وإن وقعت على عرقٍ من عروق الأخوال أشبه الولد أخواله.
فقال الرجل: أشهد أن لا إله إلاّ الله، ولم أزل أشهد بذلك، واشهد أنّ محمّداً رسول الله ولم أزل اشهد بذلك، وأشهد أنّك وصيّ رسول الله والقائم بحجته بعده - وأشار إلى امير المؤمنين (عليه السلام) - ولم أزل اشهد بذلك، واشهد أنك وصيّه والقائم بحجته - واشار إلى الحسن - وأشهد أنّ الحسين وصيّ ابيه والقائم بحجّته بعدك، واشهد على عليّ بن الحسين: انه القائم بأمر الحسين بعده، واشهد على محمّد بن علي: أنه القائم بأمر عليّ بن الحسين، واشهد على جعفر بن محمّد: أنه القائم بأمر محمّد بن عليّ، واشهد على موسى بن جعفر: أنه القائم بأمر جعفر بن محمد، وأشهد على علي بن موسى أنه القائم بأمر موسى بن جعفر، واشهد على محمد بن عليّ: أنه القائم بأمر عليّ بن موسى، واشهد على عليّ ابن محمّد: أنه القائم بأمر محمّد بن علي، واشهد على الحسن بن علي: انه القائم بأمر عليّ بن محمدّ واشهد على رجلٍ من ولد الحسين لا يكنّى ولا يسمّى، حتى يظهر أمره، فيملأها عدلاً كما ملئت جوراً، والسلام عليك يا امير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
ثم قام فمضى فقال امير المؤمنين للحسن: يا أبا محمد، اتبعه فانظر أين يقصد، فخرج الحسن بن عليّ (عليه السلام) فقال: ما كان إلا أن وضع رجله خارج المسجد، فما دريت اين اخذ من ارض الله عزّ وجلّ، فرجعت إلى امير المؤمنين (عليه السلام) فأعلمته. فقال: يا ابا محمدٍ أتعرفه؟ قلت: الله ورسوله وامير المؤمنين أعلم، فقال: هو الخضر (عليه السلام).
ألغاز وحلول (٢٣٥)
بعث معاوية رجلاً متنكّراً يسأل امير المؤمنين (عليه السلام) عن مسائل سأله عنها ملك الرّوم، فلمّا دخل الكوفة وخاطب امير المؤمنين (عليه السلام) أنكره، فقرّره فاعترف له بالحال، فقال امير المؤمنين (عليه السلام): قاتل الله ابن آكلة الأكباد، ما اضلّه وأضلّ من معه! قاتله الله! لقد أعتق جاريةً ما أحسن أن يتزوّجها، حكم الله بيني وبين هذه الأمّة، قطعوا رحمي وصغّروا عظيم منزلي واضاعوا أيّامي.
عليّ بالحسن والحسين ومحمّد، فدعوا، فقال (عليه السلام): يا أخا أهل الشام هذان ابنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وهذا ابني فاسأل أيّهم احببت، فقال الشاميّ: أسأل هذا، يعني الحسن (عليه السلام) ثمّ قال:
كم بين الحقّ والباطل؟ وكم بين السماء والأرض؟ وكم بين المشرق والمغرب؟ وعن هذا المحو الذي في القمر، وعن قوس قزح، وعن هذه المجرّة، وعن اول شيءٍ انتضح على وجه الارض، وعن اوّل شيءٍ اهتزّ عليها، وعن العين التي تأوي اليها ارواح المؤمنين والمشركين، وعن المؤنث وعن عشرة أشياء بعضها اشدّ من بعض.
فقال الحسن (عليه السلام): يا أخا أهل الشام: بين الحقّ والباطل اربع أصابع، ما رأيت بعينك فهو الحقّ، وقد تسمع بأذنيك باطلاً كثيراً.
وبين السماء والأرض، دعوة المظلوم، ومدّ البصر، فمن قال غير هذا فكذّبه.
وبين المشرق والمغرب، يوم مطرد للشمس، تنظر إلى الشمس حين تطلع، وتنظر إليها حين تغرب، من قال غير هذا فكذّبه.
وامّا هذه المجرّة، فهي اشراج السماء، مهبط الماء المنهمر على نوح (عليه السلام).
وامّا قوس قزح: فلا تقل: قزح، فإن قزح شيطان، ولكنّها قوس الله، وامان من الفرق.
وامّا المحو الذي في القمر، فإنّ ضوء القمر كان مثل ضوء الشمس فمحاه الله. وقال في كتابه: (فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهارٍ مبصرة).
واما اول شيء، انتضح على وجه الأرض، فهو وادي دلس.
وأمّا أوّل شيءٍ اهتزّ على وجه الأرض، فهو النّخلة.
وأمّا العين التي تأوي إليها ارواح المؤمنين، فهي عين يقال لها: سلمى. وأمّا العين التي تأوي إليها أرواح الكافرين، فهيّ عين يقال لها: برهوت.
وأمّا المؤنّث، فإنسان لا يدري امرأةً هو أو رجل، فينتظر به الحلم، فإن كانت امرأةً بانت ثدياها، وان كان رجلاً خرجت لحيته، وإلا قيل له يبول على الحائط، فان أصاب الحائط بوله فهو رجل، وإن نكص كما ينكص بول البعير فهو امرأة.
وأمّا عشرة أشياء بعضها اشدّ من بعض، فاشدّ شيءٍ خلق الله الحجر، وأشدّ من الحجر الحديد، وأشدّ من الحديد النّار، وأشدّ من النار الماء، واشدّ من الماء السّحاب، وأشدّ من السحاب الرّيح، واشدّ من الريح الملك، وأشدّ من الملك ملك الموت، واشدّ من ملك الموت الموت، واشدّ من الموت أمر الله.
قال الشامي: أشهد أنك ابن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وان عليّاً وصيّ محمد، ثمّ كتب هذا الجواب ومضى به إلى معاوية، وانفذه معاوية إلى ابن الأصفر فلما اتاه قال: اشهد انّ هذا ليس من عند معاوية، ولا هو إلاّ من معدن النبوّة.
سجن المؤمن وجنة الكافر (٢٣٦)
كان الإمام الحسن (عليه السلام) يسير في بعض طرق يثرب، وقد لبس حلّةً فاخرة، وركب بغلةً فارهة، وحفّت به خدمه وحاشيته، فرآه أحد أغبياء اليهود، فبادر اليه وقال له:
يا بن رسول الله عندي سؤال؟
فقال الحسن: ما هو؟
قال اليهوديّ: إنّ جدّك رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يقول: الدّنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر، فأنت المؤمن وأنا الكافر، وما الدنيا إلا جنة لك تتنعّم فيها وتستلذّ بها وأنت مؤمن وما اراها إلا سجناً قد أهلكني حرّها وأجهدني فقرها.
فقال الحسن: لو نظرت إلى ما أعدّ الله لي وللمؤمنين في الدار الآخرة، ممّا لاعين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، لعلمت: أني قبل انتقالي اليها وأنا في هذه الحالة سجين، ولو نظرت إلى ما أعدّ الله لك ولكلّ كافرٍ في دار الآخرة، من سعير نار جهنّم، ونكال العذاب الأليم المقيم، لرأيت قبل مصيرك اليه أنّك في جنّةٍ واسعةٍ ونعمةٍ جامعة.
ثم تركه الإمام واليهوديّ يتميّز من الغيظ والحقد.
لعلك شبّهت
أيها الشيخ أظنّك غريباً، ولعلّك شبّهت، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استر شدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا أحملناك، وإن كنت جائعاً أشبعناك، وان كنت عرياناً كسوناك، وان كنّت محتاجاً أغنيناك، وإن كنت طريداً آويناك، وإن كانت لك حاجة قضيناها لك؛ فلو حرّكت رجلك إلينا، وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك، كان أعود عليك، لأنّ لنا موضعاً رحباً وجاهاً عريضاً ومالاً كثيراً.
فان قبلت الميسور (٢٣٧)
يا هذا حقّ سؤلك يعظم لديّ، ومعرفتي بما يجب لك يكبر لديّ، ويدي تعجز عن نيلك بما انت اهله والكثير في ذات الله عزّ وجلّ قليل، وما في ملكي وفاء لشكرك، فإن قبلت الميسور، ورفعت عنّي مؤنة الاحتفال والاهتمام بما أتكلّفه من واجبك، فعلت(٢٣٨).
وانا سائل (٢٣٩)
قيل له: لأيّ شيء لا نراك تردّ سائلاً؟ فأجاب:
إنّي لله سائل، وفيه راغب، وأنا أستحي أن أكون سائلا، وأردّ سائلاً، وإنّ الله عوّذني عادة أن يفيض نعمه، عليّ، وعوّدته أن أفيض نعمه على النّاس، فأخشى إن قطعت العادة أن يمنعني العادة، أنشأ يقول:

إذا ما أتاني سائل قلت: مرحباً * * * بمن فضله فرض عليّ معجّل
ومن فضله فضل على كلّ فاضلٍ * * * وأفضل أيّام الفتى حين يسأل

تمام المروّءة (٢٤٠)
سأل رجل الحسن بن عليٍّ شيئاً، فأعطاه خمسين ألف درهم، وأعطى الجمّال طيلسانه كراه، وقال: تمام المروّءة، إعطاء الأجرة لحمل الصّدقة.
التهنئة بالولد (٢٤١)
رزق الإمام غلاماً فأتته قريش تهنّئه فقالوا: يهنيك الفارس، فقال (عليه السلام): أيّ شيء هذا القول؟ ولعله يكون راجلا، فقال له جابر: كيف تقول يا بن رسول الله؟ فقال (عليه السلام): إذا ولد لأحدكم غلام فأتيتموه فقولوا له: شكرت الواهب، وبورك لك في الموهوب، وبلغ الله به اشدّه، ورزقك برّه.
تحيّة المستحمّ (٢٤٢)
خرج الحسن بن عليّ (عليه السلام) من الحمّام، فقال له رجل: طاب استحمامك. فقال: يا لكع! وما تصنع بالاِسْتِ هاهنا؟ قال: فطاب حمّامك قال: إذا طاب الحمّام فما راحة البدن؟ قال: فطاب حميمك. قال: ويحك: أما علمت أنّ الحميم: العرق؟ قال: فكيف أقول؟ قال: قل: طاب ما طهر منك، وطهر ما طاب منك.
سقيت السم مراراً (٢٤٣)
لمّا سقي الإمام السُّمّ، جاءه أخوه الحسين، فقال له الإمام:
لقد سقيت السُّمّ مراراً، ما سقيت مثل هذه المرّة، لقد قطعت قطعة، من كبدي، فجعلت، أقلّبها بعودٍ معي.
وفي رواية عبد الله البخاري أنه قال:
يا أخي! انّي مفارقك ولا حق بربّي، وقد سقيت السّمّ ورميت بكبدي في الطّست، وانني لعارف بمن سقاني، ومن أين دهيت، وأنا أخاصمه إلى الله عزّ وجلّ، فقال له الحسن: ومن سقا كه؟
قال: ما تريد به؟ أتريد أن تقتله، ان يكن هو هو، فالله أشدّ نقمةً منك، وان لم يكن هو فما أحبّ أن يؤخذ بي بريء.
ما وفى (٢٤٤)
لقد حاقت شربته، وبلغ أمنيّته، والله ما وفى بما وعد، ولا صدق فيما قال.
أول يوم من الآخرة
أجدني في أوّل يومٍ من أيام الآخرة، وآخر يومٍ من أيام الدّنيا، واعلم أني لا أسبق أجلي، وأني وارد على أبي وجدّي، وعلى كرهٍ منّي لفراقك، وفراق اخوتك، وفراق الأحبّة، وأستغفر الله من مقالتي هذه بل على محبةٍ منّي للقاء رسول الله، وأمير المؤمنين، وأمّي فاطمة، وحمزة وجعفر، وفي الله عزّ وجل خلف من كلّ هالك، وعزاء من كلّ مصيبة، ودرك من كلّ ما فات، رأيت يا أخي كبدي في الطّست، ولقد عرفت من دهاني، ومن اين ابتليت فما أنت صانع به يا أخي؟ قال الحسين: أقتله والله! قال: فلا أخبرك ابداً حتى نلقى رسول الله(٢٤٥).
لا يوم كيومك (٢٤٦)
إنّ الذي يأتي إليّ بسمٍّ يدبّر إليّ فأقتل به، ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبد الله، يزدلف إليك ثلاثون الف رجل، يدّعون: أنهم من أمة جدّنا، وينتحلون دين الإسلام، فيجتمعون على قتلك، وسفك دمك، وانتهاك حرمتك، وسبي ذراريك ونسائك، وأخذ ثقلك، فعندها تحلّ ببني أميّة اللّعنة، وتمطر السماء رماداً ودماً، ويبكي عليك كلّ شيءٍ حتّى الوحوش في الفلوات، والحيتان في البحار.
حكم
أبحث النّاس عن صغيرة، وأتركهم لكبيرة(٢٤٧).
ابن آدم! إنّك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمّك، فخذ ممّا في يديك لما بين يديك، فإنّ المؤمن يتزوّد، وإنّ الكافر يتمتّع، (وتزوّدوا فإنّ خير الزاد التّقوى)(٢٤٨).
أسلم القلوب ما طهر من الشّبهات(٢٤٩).
أسمع الأسماع ما وعى التذكير وانتفع به(٢٥٠).
اجعل ما طلبت من الدنيا فلم تظفر به بمنزلة ما لم يخطر ببالك.
إذا أضرّت النّوافل بالفريضة فاتركوها.
أشدّ من المصيبة سوء الخلق.
أنا الخلف من رسول الله، وأبي أمير المؤمنين الخليفة(٢٥١).
إن لم تطعك نفسك فيما تحملها عليه ممّا تكره، فلا تطعها فيما تحملك عليه ممّا تهوى.
إنّ أبصر الأبصار ما نفذ في الخير مذهبه(٢٥٢).
إنّ خير ما بذلت من مالك ما وقيت به عرضك، وإن من ابتغاء الخير اتقاء الشرّ(٢٥٣).
إنّ مروّة القناعة والرّضا أكبر من مروّة الإعطاء، وتمام الصنيعة خير من ابتدائها.
إنّ المسألة لا تصلح إلاّ في غرمٍ فادحٍ، أو فقرٍ مدقعٍ أو حمالةٍ مفظعة.
إنّ من طلب العبادة تزكّى لها(٢٥٤).
أوسع ما يكون الكريم بالمغفرة، إذا ضاقت بالمذنب المعذرة(٢٥٥).
أوصيكم بتقوى الله، وإدامة التفكّر، فإنّ التفكّر أبو كلّ خيرٍ وأمّه.
البخل جامع للمساوئ والعيوب، وقاطع للمودّات من القلوب.
بالعقل تدرك الدّران جميعاً، ومن حرم العقل خسرهما جميعاً.
بينكم وبين الموعظة حجاب العزّة(٢٥٦).
تجهل النّعم ما أقامت، فاذا ولّت عرفت(٢٥٧).
ترك الزّنا، وكنس الفناء، وغسل الإناء، مجلبة للغناء(٢٥٨).
حقّ على كلّ من وقف بين يدي ربّ العرش: أن يصفرّ لونه وترتعد مفاصله.
الخير الذي لا شرّ فيه: الشكر مع النّعمة، والصبر على النّازلة(٢٥٩).
رأس العقل: معاشرة الناس بالجميل.
العار أهون من النّار(٢٦٠).
الغدر لا خير فيه(٢٦١).
الفرصة سريعة الفوت، بطيئة العود.
فضح الموت الدنيا.
فوت الحاجة خير من طلبها إلى غير أهلها، والعبادة انتظار الفرج.
القريب من قربته المودّة وان بعد نسبه، والبعيد من باعدته المودّة وان قرب نسبه، فلا شيء أقرب من يدٍ إلى جسد، وانّ اليد تغلّ فتقطع وتحسم(٢٦٢).
قطع العلم عذر المتعلمين(٢٦٣).
الكثير في ذات الله قليل.
كفاك من لسانك ما أوضح لك سبيل رشدك من غيّك(٢٦٤).
كلّ معاجل يسأل النّظرة، وكل مؤاجلٍ يتعلّل بالتّسويف(٢٦٥).
كن في الدّنيا ببدنك، وفي الآخرة بقلبك.
لا أدب لمن لا عقل له.
لا تأت رجلاً إلاّ أن ترجو نواله، أو تخاف بأسه، أو تستفيد من علمه، أو ترجو بركته ودعاء، أو تصل رحماً بينك وبينه.
لا تؤاخ أحداً حتى تعرف موارده ومصادره، فإذا استنبطت الخبرة، ورضيت العشرة، فآخه على إقالة العثرة، والمواساة في العسرة(٢٦٦).
لا تعاجل الذّنب بالعقوبة، واجعل بينهما للاعتذار طريقاً.
لا حياة لمن لا دين له.
لا مروّة لمن لا همّة له.
لا يغشّ العاقل من استنصحه.
اللّؤم أن لا تشكر النّعمة(٢٦٧).
لقضاء حاجة أخٍ لي في الله أحبّ إليّ من اعتكاف شهر(٢٦٨).
ما أعرف أحداً إلا وهو أحمق فيما بينه وبين ربّه(٢٦٩).
ما تشاور قوم إلا هدوا إلى رشدهم(٢٧٠).
المزاح يأكل الهيبة، وقد أكثر من الهيبة الصامت(٢٧١).
المسؤول حرّ حتى يعد، ومسترقّ حتى ينجز(٢٧٢).
المصائب مفاتيح الأجر(٢٧٣).
المعروف مالم يتقدّمه مطل ولا يتبعه منّ، والإعطاء قبل السؤال من أكبر السّؤدد(٢٧٤).
من اتكل على حسن الاختيار من الله له، لم يتمنّ أنّه في غير الحال التي اختارها الله له(٢٧٥).
من تذكّر بعد السفر اعتدّ.
من عرف الله أحبّه، ومن عرف الدنيا زهد فيها. والمؤمن لا يلهو حتّى يغفل، وإذا تفكّر حزن(٢٧٦).
من نافسك في دينك فنافسه، ومن نافسك في دنياك فألقها في نحره.
من عدّد نعمةً محق كرمه(٢٧٧).
من قلّ ذلّ. وخير الغنى القنوع. وشرّ الفقر الخضوع(٢٧٨).
الوعد مرض في الجود، والإنجاز دواؤه.
الوحشة من الناس على قدر الفطنة بهم(٢٧٩).
هو (: الصمت) ستر العمى، وزين العرض، وفاعله في راحة، وجليسه آمن(٢٨٠).
يتولّد من احتمال الأذى، البلوغ إلى الغايات.
اليقين معاذ السّلامة.

شعر

قدم لنفسك

قدّم لنفسك ما استعطت من التّقى * * * إنّ المنية نازل بك يا فتى
أصبحت ذا فرحٍ كأنك لا ترى * * * أحباب قلبك في المقابر والبلى(٢٨١)

حان الرحيل

قل للمقيم بغير دار إقامةٍ * * * حان الرحيل فودّع الأحبابا
انّ الذين لقيتهم وصحبتهم * * * صاروا جميعاً في القبور ترابا(٢٨٢)

الدنيا

ذري كدر الدنيا فإنّ صفاءها * * * تولّى بأيام السرور الذّواهب
وكيف يعزّ الدهر من كان بينه * * * وبين الليالي محكمات التجارب(٢٨٣)

الحق أبلج

ألحقّ أبلج ما يخيل سبيله * * * والحقّ يعرفه ذوو والألباب(٢٨٤)

فمهلاً (٢٨٥)

أتأمر يا معاوي عبد سهمٍ * * * بشتمي والملا منّا شهود
اذا أخذت مجالسها قريش * * * فقد علمت قريش ما تريد
أأنت تظلّ تشتمني سفاها * * * لضغنٍ ما يزول وما يبيد
فهل لك من أبٍ كأبي تسامى * * * به من تسامى أو تكيد؟
ولا جدّ كجدّي يا بن حربٍ * * * رسول الله ان ذكر الجدود
ولا أمّ كأمي من قريشٍ * * * اذا ما حصل الحسب التليد
فما مثلي تهكم يا بن حربٍ * * * ولا مثلي ينهنهه الوعيد
فمهلاً لا تهج منّا أموراً * * * يشيب لهو لها الطفل الوليد(٢٨٦)

عزمت تصبراً

لئن ساءني دهر عزمت تصبّراً * * * وكلّ بلاءٍ لا يدوم يسير
وان سرّني لم أبتهج بسروره * * * وكل سرورٍ لا يدوم حقير(٢٨٧)

فيم الكلام

فيم الكلام؟ وقد سبقت مبرّزا * * * سبق الجواد من المدى المتنفس(٢٨٨)
والصلح تأخذ منه ما رضيت به * * * والحرب يكفيك من انفاسها جرع(٢٨٩)

ظل زائل

يا أهل لذات دنياً لا بقاء لها * * * ان المقام بظلٍّ زائلٍ حمق(٢٩٠)

عاجلتنا (٢٩١)

عاجلتنا فاتاك وابل برّنا * * * طلاّ ولو أمهلتنا لم نقصر
فخذ القليل وكن كأنّك لم تبع * * * ما صنته وكأنّنا لم نشتر

حين يسأل

إذا ما أتاني سائل قلت مرحباً * * * بمن فضله فرض عليّ معجل
ومن فضله فضل على كلّ فاضلٍ * * * وأفضل أيام الفتى حين يسأل(٢٩٢)

السخي والبخيل

خلقت الخلائق من قدرةٍ * * * فمنهم سخيّ ومنهم بخيل
فأمّا السخيّ ففي راحةٍ * * * وأما البخيل فحزن طويل(٢٩٣)

لو علم البحر

نحن أناس نوالنا خضل * * * يرتع فيه الرجاء والأمل
تجود قبل السؤال أنفسنا * * * خوفاً على ماء وجه من يسل
لو علم البحر فضل نائلنا * * * لغاض من بعد فيضه خجل(٢٩٤)

أسرعت فيّ المنايا

ومارست هذا الدهر خمسين حجةً * * * وخمساً أرجّي قائلاً بعد قائل
فما أنا في الدنيا بلغت جسيمها * * * ولا في الذي أهوى كدحت بطائل
وقد أسرعت فيّ المنايا أكفّها * * * وأيقنت أني رهن موتٍ معاجل(٢٩٥)

عندي شفاء الجهل

ما غبيّاً سألت وابن غبيٍّ * * * بل فقيهاً إذن وأنت الجهول
فإن تك قد جهلت فإن عندي * * * شفاء الجهل ما سأل السؤول
وبحراً لا تقسمه الدوالي * * * تراثاً كان أورثه الرسول(٢٩٦)

نسود أعلاها

نسود أعلاها وتأبى أصولها * * * فليت الذي يسودّ منها هو الأصل(٢٩٧)

السخاء فريضة

ان السخاء على العباد فريضة * * * لله يقرأ في كتابٍ محكم
وعد العباد الاسخياء جنانه * * * وأعدّ للبخلاء نار جهنّم
من كان لا تندى يداه بنائلٍ * * * للراغبين فليس ذاك بمسلم(٢٩٨)

حياء

أجامل أقواماً حياء ولا أرى * * * قلوبهم تغلي عليّ مراضها(٢٩٩)

كسرة وكفن

لكسرة من خسيس الخبز تشبعني * * * وشربة من قراحٍ الماء تكفيني
وطرة من دقيق الثوب تسترني * * * حياً وان متّ تكفيني لتكفيني(٣٠٠)

فراق دار (٣٠١)

ولا عن قلىّ فارقت دار معاشري * * * هم المانعون حوزتي وذماري(٣٠٢)

قال العيون (٣٠٣)

قال العيون وما أرد * * * ن من البكاء على عليّ
وتقبلنّ من الخليّ * * * فليس قلبك بالخليّ

أدعية

دعاء على باب المسجد (٣٠٤)
وكان (عليه السلام) إذا بلغ باب المسجد رفع رأسه وقال: إلهي ضيفك ببابك، يا محسن قد أتاك المسيء، فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك يا كريم.
دعاء للقنوط (٣٠٥)
يا من بسلطانه ينتصر المظلوم، وبعونه يعتصم المكلوم، سبقت مشيّتك، وتمّت كلمتك، وأنت على كلّ شيءٍ قدير، وبما تمضيه خبير، يا حاضر كلّ غيبٍ، وعالم كلّ سرٍّ وملجأ كلّ مضطرٍّ ضلّت فيك الفهوم، وتقطّعت دونك العلوم. أنت الله الحيّ القيوم، الدائم الديموم، قد ترى ما أنت به عليم، وفيه حكيم، وعنه حليم، وأنت بالتّناصر على كشفه والعون على كفّه غير ضائق، وإليك مرجع كلّ أمرٍ كما عن مشيّتك مصدره، وقد أبنت عن عقود كل قومٍ وأخفيت سرائر آخرين، وأمضيت ما قضيت، وأخّرت مالا فوت عليك فيه، وحملت ما تحمّلت في غيبك، ليهلك من هلك عن بيّنةٍ ويحيا من حيي عن بيّنةٍ، وإنّك أنت السّميع العليم، الأحد البصير، وأنت الله المستعان وعليك التّوكّل، وأنت وليّ من تولّيت، لك الأمر كلّه، تشهد الانفعال، وتعلم الاختلال، وترى تخاذل أهل الخبال، وجنوحهم إلى ما جنحوا إليه من عاجلٍ فانٍ، وحطامٍ عقباه حميم آنٍ، وقعود من قعد، وارتداد من ارتد، وخلوّي من النصّار، وانفرادي عن الظهّار، وبك أعتصم وبحبلك أستمسك وعليك أتوكّل، اللّهمّ فقد تعلم أني ما ذخرت جهدي ولا منعت وجدي حتى انفلّ حدّي، وبقيت وحدي فاتّبعت طريق من تقدّمني في كفّ العادية وتسكين الطّاغية عن دماء أهل المشايعة، وحرست ما حرسه أوليائي من أمر آخرتي ودنياي فكنت ككظمهم أكظم وبنظامهم أنتظم ولطريقتهم أتسنّم وبميسمهم أتّسم، حتى يأتي نصرك وأنت ناصر الحقّ وعونه وإن بعد المدى عن المرتاد ونأى الوقت عن افناء الأضداد، اللّهمّ صلّ على محمّدٍ وآله وامزجهم مع النصّاب في سرمد العذاب، واعم عن الرشد أبصارهم وسكّعهم في غمرات لذّاتهم حتى تأخذهم بغتةً وهم غافلون، وسحرةً وهم نائمون، بالحقّ الذي تظهره، واليد التي تبطش بها، والعلم الذي تبديه، إنّك كريم عليم.
دعاء للاستسقاء (٣٠٦)
اللّهمّ هيّج لنا السّحاب بفتح الأبواب بماءٍ عباب، وربابٍ بانصبابٍ وانسكابٍ يا وهّاب، واسقنا مطبقةً مغدقةً مونقةً، فتّح اغلاقها وسهّل اطلاقها وعجّل سياقها بالأندية والأودية يا وهّاب بصوب الماء يا فعّال، إسقنا مطراً قطراً طلاً مطلاً طبقاً عاماً معمارهما بهما رحيماً رشاً مرشاً، واسعاً كافياً عاجلاً طيباً مباركاً، سلاطح بلاطح يناطح الأباطح، مغدودقاً مطبوبقاً مغرورقاً، واسق سهلنا وجبلنا وبدونا وحضرنا حتى ترخص به أسعارنا وتبارك به في ضياعنا ومدننا، أرنا الرزق موجوداً والغلاء مفقوداً، آمين يا ربّ العالمين.
دعاء للدخول على ظالم (٣٠٧)
بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله العظيم الأكبر، اللّهمّ سبحانك يا قيّوم، سبحان الحيّ الذي لا يموت، أسألك كما أمسكت عن دانيال أفواه الأسد وهو في الجبّ أن تمسك عني أمر هذا الرّجل وكلّ عدو لي في مشارق الأرض ومغاربها من الإنس والجنّ، خذ بآذانهم وأسماعهم وأبصارهم وقلوبهم وجوارحهم واكفني كيدهم بحولٍ منك وقوّةٍ، وكن لي جاراً منهم ومن كلّ شيطانٍ مريدٍ لا يؤمن بيوم الحساب، إنّ وليي الله الذي نزّل الكتاب وهو يتولى الصالحين، فإن تولّوا فقل حسبي الله لا إله إلاّ هو عليه توكّلت وهو ربّ العرش العظيم.
دعاء للدخول على كافرٍ (٣٠٨)
الحمد لله الذي لم يجعلني يهودياً ولا نصرانياً ولا مجوسياً ولا عابد الشّمس والقمر ولا الصّنم والبقر، وجعلني حنيفاً مسلماً ولم يجعلني من المشركين، تبارك الله ربّ العرش العظيم، والحمد لله ربّ العالمين.
دعاء للدخول على الأشرار (٣٠٩)
لمّا دخل على معاوية وعنده جماعة من أصحابه ارادوا نقصه قال: اللّهمّ إني أعوذ بك من شرورهم وأدرأ بك في نحورهم وأستعين بك عليهم فاكفنهم كيف شئت وأنّى شئت بحوّلٍ منك وقوّةٍ يا أرحم الراحمين.
دعاء للتّخلّص من ظالمٍ (٣١٠)
استغاث الناس من زياد إلى الحسن (عليه السلام) فرفع يده وقال:
اللّهمّ خذلنا ولشيعتنا من زياد بن أبيه، وأرنا فيه نكالاً عاجلاً إنّك على كلّ شيءٍ قدير.
فخرج خرّاج في إبهام يمينه يقال له السّلعة وورم إلى عنقه فمات.
احتجاب من المتربّصين (٣١١)
اللّهمّ يا من جعل بين البحرين حاجزاً وبرزخاً وحجراً محجوراً يا ذا القوّة والسّلطان، يا عليّ المكان، كيف أخاف وأنت أملي وكيف أضام وعليك متّكلي، فغطّني من أعدائك بسترك وأظهرني على أعدائي بأمرك، وأيدني بنصرك، إليك ألجأ ونحوك الملتجأ فاجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً يا كافي أهل الحرم من أصحاب الفيل والمرسل عليهم طيراً أبابيل ترميهم بحجارةٍ من سجّيل إرم من عاداني بالتّنكيل، اللّهمّ إني أسألك الشّفاء من كلّ داء، والنّصر على الأعداء والتّوفيق لما تحبّ وترضى يا إله من في السّماء والأرض وما بينهما وما تحت الثرى، بك أستشفي وبك أستعفي وعليك أتوكّل، فسيكفيكهم الله وهو السّميع العليم.

متفرقات

الشاهد والمشهود (٣١٢)
سئل الإمام الحسن (عليه السلام) في الشّاهد والمشهود، فقال:
أمّا الشّاهد فمحمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأمّا المشهود فيوم القيامة. أما سمعته يقول: (يا أيّها النّبيّ إنّا أرسلناك شاهداً ومبشّراً ونذيراً)؟ وقال تعالى: (ذلك يوم مجموع له النّاس، وذلك يوم مشهود).
خشوع الإمام عليّ (٣١٣)
ما دخلت على أبي قطّ إلاّ وجدته باكياً.
خذوا زينتكم (٣١٤)
كان الحسن بن عليّ عليهما السلام إذا قام إلى الصلاة لبس أجود ثيابه، فقيل له في ذلك، فقال:
إنّ الله جميل يحبّ الجمال، فأتجمّل لربي وقرأ: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كلّ مسجدٍ).
السّعي إلى الحجّ (٣١٥)
إنّي لأستحي من ربّي أن ألقاه ولم أمش إلى بيته.
أيّ فقيرٍ أفقر منّي (٣١٦)
قيل له: كيف أصبحت يا بن رسول الله؟ فقال: أصبحت ولي ربّ فوقي، والنار أمامي، والموت يطلبني، والحساب محدق بي، وأنا مرتهن بعملي لا اجد ما أحبّ، ولا أدفع ما اكره، والأمور بيد غيري فإن شاء عذّبني، وإن شاء عفى عنّي، فأيّ فقيرٍ أفقر منّي.
أبكي لخصلتين (٣١٧)
قيل للحسن بن عليّ (عليه السلام): أتبكي ومكانك من رسول الله صلّى الله عليه وآله مكان الذي أنت به؟ فقال: إنّما أبكي لخصلتين: لهول المطّلع، وفراق الأحبّة.
اتّبع ما كتبت إليك (٣١٨)
أمّا بعد فإنّا أهل بيتٍ كما ذكرت عند الله وعند أوليائه فأمّا عندك وعند أصحابك فلو كنّا كما ذكرت ما تقدّمتمونا ولا استبدلتم بنا غيرنا، ولعمري لقد ضرب الله مثلكم في كتابه حيث يقول: أتستبدلون الّذي هو أدنى بالذي هو خير، هذا لأوليائك فيما سألوا ولكم فيما استبدلتم، ولولا ما اريد من الاحتجاج عليك وعلى اصحابك ما كتبت اليك بشيءٍ مما نحن عليه، ولئن وصل كتابي إليك لتجدنّ الحجّة عليك وعلى اصحابك مؤكّدةً حيث يقول الله عزّ وجلّ: أفمن يهدي إلى الحقّ أحقّ أن يتّبع أمّن لا يهدي إلا أن يهدى فمالكم كيف تحكمون. فاتّبع ما كتبت اليك في القدر فانّه من لم يؤمن بالقدر خيره وشرّه فقد كفر، ومن حمل المعاصي على الله فقد فجر، إنّ الله عزّ وجلّ لا يطاع بإكراه ولا يعصى بغلبةٍ ولا يهمل العباد من الملكة، ولكنّه المالك لما ملّكهم والقادر على ما أقدرهم، فإن ائتمروا بالطاعة لن يكون عنها صادّاً مثبّطاً، وإن ائتمروا بالمعصية فشاء ان يحول بينهم وبين ما ائتمروا به فعل، وإن لم يفعل فليس هو حملهم عليها، ولا كلّفهم إياها جبراً، بل تمكينه إيّاهم وإعذاره إليهم طرقهم ومكنهم، فجعل لهم السبيل إلى أخذ ما أمرهم به وترك ما نهاهم عنه، ووضع التّكليف عن اهل النقصان والزمانة والسّلام.
أموت بالسّمّ (٣١٩)
إنّي أموت بالسّمّ، كما مات رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.
صفة النّبيّ (٣٢٠)
عرض ملك الروم على الحسن بن عليٍّ صور الأنبياء فعرض عليه صنماً بلوحٍ فلمّا نظر اليه بكى بكاء شديداً، فقال له الملك: ما يبكيك؟ فقال (عليه السلام): هذه صفة جدّي محمّد صلّى الله عليه وآله: كثّ اللّحية، عريض الصّدر، طويل العنق، عريض الجبهة، أقنى الانف، أفلج الاسنان، حسن الوجه، قطط الشّعر، طيّب الريح، حسن الكلام، فصيح اللسان، كان يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، بلغ عمره ثلاثاً وستّين سنة، ولم يخلّف بعده إلا خاتماً مكتوباً عليه: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وكان يختتم في يمينه، وخلّف سيفه ذا الفقار، وقضيبه، وجبّة صوفٍ، وكساء صوفٍ كان يتسرول به، لم يقطعه ولم يخطه حتى لحق بالله.
أسئلة ملك الرّوم (٣٢١)
سأل ملك الرّوم الحسن بن عليٍّ (عليه السلام) عن سبعة أشياءٍ خلقها الله لم تركض في رحمٍ: فقال (عليه السلام): أوّل هذه آدم (عليه السلام)، ثم حوّا، ثم كبش إبراهيم، ثم ناقة صالحٍ، ثم إبليس الملعون، ثم الحية، ثم الغراب الذي ذكره الله في القرآن.
ثمّ سأله الملك عن أرزاق الخلائق؟ فقال (عليه السلام): أرزاق الخلائق في السّماء الرّابعة، تنزل بقدرٍ وتبسط بقدرٍ.
ثمّ سأله عن أرواح المؤمنين: أين يكونون إذا ماتوا؟ فقال (عليه السلام): تجتمع عند صخرة بيت المقدس في كلّ ليلة جمعةٍ - وهو عرش الله الأدنى - منها يبسط الله الأرض وإليه يطويها، ومنها المحشر، ومنها استوى ربّنا على السّماء والملائكة.
ثمّ سأله عن أرواح الكفّار: أين تجتمع؟ فقال (عليه السلام): تجتمع في وادي حضر موت وراء مدينة اليمن، ثمّ يبعث الله نارا من المشرق وناراً من المغرب، ويتبعها بريحين شديدتين، ويحشر النّاس عند صخرة بيت المقدس، فيحشر أهل الجنّة عن يمين الصّخرة ويزدلف المتّقون، وتصير جهنّم عن يسار الصّخرة في تخوم الأرضين السّابعة، وفيها الفلق والسّجّين، فيعرف الخلائق من عند الصّخرة، فمن وجبت له الجنة دخلها، ومن وجبت له النّار دخلها. وذلك قوله تعالى: (فريق في الجنّة وفريق في السعير).
أحاجي وحلول (٣٢٢)
كتب ملك الرّوم إلى معاوية يسأله عن مسائل، فلم يعرف معاوية اجوبتها، فأرسل معاوية رجلاً إلى الحسن يسأله عنها. وهي:
أين هو وسط السماء في الارض؟ وما هي اول قطرةٍ دمٍ وقعت على الارض؟ وما هو المكان الذي طلعت عليه الشمس مرّةً؟ وما هو المكان الذي لا قبلة له؟ ومن هو الذي لا قرابة له؟ فقال له الحسن (عليه السلام):
أكتب: وسط السماء الكعبة. وأوّل قطرة دمٍ وقعت على الارض دم حوّاء. والمكان الذي طلعت عليه الشمس مرّةً ارض البحر حين ضربه موسى. وما لا قبلة له فهي الكعبة. وما لا قرابة له فهو الربّ تعالى.
ليعلم ما كان (٣٢٣)
وروي أنّ الحسن (عليه السلام) كان عنده رجلان فقال لأحدهما:
إنّك حدّثت البارحة فلاناً بحديث كذا وكذا، فقال الرجل: إنه ليعلم ما كان - وعجب من ذلك -.
فقال (عليه السلام): إنّا لنعلم ما يجري في الليل والنهار. ثم قال: إنّ الله تبارك وتعالى علّم رسول الله صلّى الله عليه وآله الحلال والحرام والتنزيل والتأويل، فعلّم رسول الله علياً علمه كلّه، وعلّمنيه امير المؤمنين كلّه.
ذبح ذاك وأحيا هذا (٣٢٤)
أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) برجلٍ وجد في خربةٍ وبيده سكّين ملطّخة بالدّم، وإذا رجل مذبوح يتشحّط في دمه، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): ما تقول؟ قال: يا امير المؤمنين انا قتلته. قال: اذهبوا به فأقيدوه به، فلما ذهبوا به ليقتلوه به أقبل رجل مسرع فقال: لا تعجلوه ردّوه إلى امير المؤمنين (عليه السلام) فردّوه.
فقال: والله يا امير المؤمنين ما هذا صاحبه، انا قتلته. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) للاوّل: ما حملك على إقرارك على نفسك؟ فقال: يا امير المؤمنين وما كنت أستطيع ان أقول وقد شهد عليّ أمثال هؤلاء الرجال وأخذوني وبيدي سكّين ملطّخة بالدم والرجل يتشحّط في دمه، وانا قائم عليه وخفت الضرب فأقررت، وأنا رجل كنت ذبحت بجنب هذه الخربة شاةً وأخذني البول فدخلت الخربة فرأيت الرجل يتشحّط في دمه، فقمت متعجّباً فدخل عليّ هؤلاء فأخذوني، فقال امير المؤمنين (عليه السلام): خذوا هذين فاذهبوا بهما إلى الحسن وقولوا له: ما الحكم فيهما؟ فذهبوا إلى الحسن وقصّوا عليه قصّتهما.
فقال الحسن (عليه السلام): قولوا لأمير المؤمنين (عليه السلام): أنّ هذا ان كان ذبح ذاك فقد أحيا هذا، وقد قال الله عزّ وجل ومن احياها فكأنّما أحيا الناس جميعاً، يخلّى عنهما وتخرج دية المذبوح من بيت المال.
ترجم المحصنة (٣٢٥)
سئل الحسن (عليه السلام) عن امرأةٍ جامعها زوجها فقامت بحرارة جماعه فساحقت جاريةً بكراً وألقت النطفة اليها فحملت.
فقال (عليه السلام): أما في العاجل فتؤخذ المرأة، بصداق هذه البكر، لأنّ الولد لا يخرج منها حتى تذهب عذرتها، ثم ينتظر بها حتى بلد فيقام عليها الحدّ ويؤخذ الولد فيردّ إلى صاحب النطّفة، وتؤخذ المرأة ذات الزوج فترجم.
ما فضل فاهده
سأل أعرابيّ أبابكرٍ فقال: إني أصبت بيض نعامٍ فشويته وأكلته وأنا محرم فما يجب عليّ؟ فدلّه على امير المؤمنين (عليه السلام)، فقال له: سل أيّ الغلامين - يعني الحسن والحسين - شئت، فتحوّل الأعرابيّ إلى الحسن (عليه السلام).
فقال الحسن (عليه السلام): يا أعرابيّ، ألك إبل؟ قال: نعم. قال: فاعمد إلى عدد ما أكلت من البيض نوقاً فاضر بهنّ بالفحول، فما فضل منهما فأهده إلى بيت الله العتيق الذي حججت اليه.
فقال امير المؤمنين (عليه السلام): إنّ من النوق السلوب ومنها ما يزلق، فقال الحسن (عليه السلام): ان يكن من النوق السلوب ومنها ما يزلق فان من البيض ما يمرق.
لعلّ سيّداً يرعاني (٣٢٦)
كان الحسن (عليه السلام) يحضر مجلس رسول الله صلّى الله عليه وآله فيسمع الوحي ويحفظه، فيأتي أمّه فيلقي إليها ما حفظه. فلمّا دخل عليّ (عليه السلام) وجد عندها علماً فسألها عن ذلك فقالت: من ولدك الحسن. فتخفّى عليّ (عليه السلام) يوماً في الدار، وقد دخل الحسن (عليه السلام)، وقد سمع، فأراد أن يلقي اليها فارتج عليه، فعجبت أمّه من ذلك.
فقال (عليه السلام): لا تعجبي يا أمّاه فان كبيراً يسمعني واستماعه قد أوقفني - وفي رواية اخرى - يا أماه قلّ بياني وكلّ لساني لعلّ سيداً يرعاني، فخرج علي (عليه السلام) فقبّله.
الغائط (٣٢٧)
سأله أحد: ما الغائط؟ فقال: لا تستقبل القبلة ولا تستدبرها، ولا تستقبل الرّيح ولا تستدبرها.
ما بذل أعظم (٣٢٨)
وأتاه رجل في حاجةٍ، فقال (عليه السلام) له: إذهب فاكتب حاجتك في رقعةٍ، وارفعها إلينا نقضها لك. فرفع إليه حاجته فأضعفها له. فقال بعض جلسائه: ما أعظم بركة الرّقعة عليه يا ابن رسول الله؟ فقال (عليه السلام): بركتها علينا أعظم، حين جعلنا للمعروف أهلاً، أما علمت أنّ المعروف ما كان ابتداءاً من غير مسألةٍ، فامّا أعطيته بعد مسألةٍ فإنّما أعطيته بما بذل لك من ماء وجهه، وعسى أن يكون بات ليله متململاً أرقاً يميل بين اليأس والرجاء، لا يعلم لما يتوجّه من حاجته، أبكآبة الردّ أم بسرور النّجح؟؟ فيأتيك وفرائصه ترتعد، وقلبه خائف يخفق، فإن قضيت له حاجةً فبما بذل لك من ماء وجهه، فإنّ ذلك أعظم ممّا نال من معروفك.
أحضر ما عندك (٣٢٩)
وقف رجل على الحسن بن عليٍ (عليه السلام) وقال: يا بن رسول الله بالذي أنعم عليك بهذه النعمة التي لم تلها منه بشفيعٍ منك اليه بل إنعاماً منه عليك الا ما أنصفتني من خصمي، فإنه غشوم ظلوم، لا يوقر الشيخ الكبير، ولا يرحم الطفل الصغير - وكان (عليه السلام) متوكّئاً فاستوى جالساً - فقال (عليه السلام) له: ومن خصمك حتى أنتصف لك منه؟ فقال: الفقر، بأطرق (عليه السلام) ساعة، ثم رفع رأسه إلى خادمه، وقال له: أحضر ما عندك من موجود، فأحضر خمسة آلاف درهمٍ، فقال: ادفعها اليه، ثم قال (عليه السلام): بحقّ هذه الأقسام التي أقسمت بها عليّ، متى أتاك خصمك جائراً إلا ما أتيتني منه متظلّماً.
لغاض من بعد فيضه (٣٣٠)
جاء أعرابيّ إلى الحسن (عليه السلام)، فقال: أعطوه ما في الخزانة. فوجد فيها عشرون ألف درهمٍ، فدفعها إلى الأعرابيّ، فقال الأعرابيّ: يا مولاي ألا تركتني أبوح بحاجتي وأنشر مدحتي؟ فأنشأ الحسن (عليه السلام):

نحن أناس نوالنا حنظل * * * يرتع فيه الرجاء والأمل
تجود قبل السؤال أنفسنا * * * خوفاً على ماء وجه من يسل
لو علم البحر فضل نائلنا * * * لغاض من بعد فيضه خجل

انصرفوا (٣٣١)
معاشر النّاس! إنّ أبي أوصاني أن أترك أمره إلى وفاته، فإن كان له الوفاة، وإلا نظر هو في حقّه. فانصرفوا يرحمكم الله.
تحاربوا من حاربت (٣٣٢)
الحمد لله على ما قضى من أمر وخصّ من فضلٍ وعمّ من أمرٍ وجلّل من عافيةٍ، حمداً يتمّ به علينا نعمه، ونستوجب به رضوانه، إن الدنيا دار بلاءٍ وفتنةٍ وكلّ ما فيها إلى زوالٍ وقد نبّأنا الله عنها كي ما نعتبر، فقدم إلينا بالوعيد كي لا يكون لنا حجّة بعد الإنذار، فازهدوا فيما يفنى وارغبوا فيما يبقى وخافوا الله في السرّ والعلانية، إن عليّاً (عليه السلام) في المحيا والممات والمبعث عاش بقدرٍ ومات بأجلٍ، وإني أبايعكم على أن تسالموا من سالمت وتحاربوا من حاربت.
أعلم أنّكم غادرون (٣٣٣)
إنّي لأعلم أنّكم أهل مكرٍ وخدعةٍ، وأعلم أنكم غادرون ما بيني وبينكم، ولكنّي أتمّ الحجة عليكم فاجتمعوا غداً في النخيلة، ووافوني هناك ولا تنقضوا بيعتي، واتّقوا عذاب الله.
أخبرتكم أنّكم لا تفون (٣٣٤)
قد أخبرتكم مرّةً بعد أخرى: أنّكم لا تفون لله بعهودٍ، وهذا صاحبكم المراديّ غدر بي وبكم، وصار إلى معاوية.
نحن ذوو القربى (٣٣٥)
بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله الحسن بن أمير المؤمنين إلى معاوية ابن صخرٍ:
أما بعد، فإنّ الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وآله رحمةً للعالمين فأظهر به الحقّ وقمع به الباطل وأذلّ أهل الشّرك وأعزّ به العرب عامّة وشرّف به من شاء منهم خاصّةً. فقال تعالى: وأنه لذكر لك ولقومك.. فلما قبضه الله تعالى تنازعت العرب الأمر من بعده، فقالت الانصار: منّا أمير ومنكم أمير، فقالت قريش: نحن أولياؤه وعشيرته فلا تنازعوا سلطانه فعرفت العرب ذلك لقريش، ونحن الآن أولياؤه وذوو القربى منه ولا غرو الا منازعتك إيانا بغير حقٍّ في الدين معروف ولا أثر في الإسلام محموداً، والموعد الله تعالى بيننا وبينك، ونحن نسأله تبارك وتعالى أن لا يؤتينا في هذه الدنيا شيئاً ينقصنا به في الآخرة.
وبعد، فان أمير المؤمنين عليّاً بن أبي طالب (عليه السلام) لما نزل به الموت ولاّني هذا الأمر من بعده، فاتّق الله يا معاوية وانظر لأمّة محمّد صلى الله عليه وآله ما تحقن به دماءهم وتصلح به أمورهم. والسلام.
أعلم أنّك لا تفي (٣٣٦)
أمّا بعد: فإنّي كنت أريد أن أحيي الحقّ وأميت الباطل، وأنفذ حكم الكتاب والسنّة، ولم يوافقني النّاس على ذلك والآن أصالحك على شروطٍ أعلم أنّك لا تفي بها. ولا تفرح بما تيسّر لك من هذه الرّئاسة، وعمّا قريبٍ ستندم كما ندم من مضى قبلك، ولا تنفعك النّدامة.
الخلافة لي (٣٣٧)
إنما هذا الأمر لي والخلافة لي ولأهل بيتي، وإنّها لمحرّمة عليك وعلى أهل بيتك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله والله لو وجدت صابرين عارفين بحقّي غير منكرين ما سلّمت لك  ولا أعطيتك ما تريد.
حقناً للدّماء (٣٣٨)
إنّما هادنت حقناً للدّماء، وضنّاً بها، وإشفاقاً على نفسي وأهلي، والمخلصين من أصحابي.
لا خير في الغدر (٣٣٩)
يا مسيّب: إنّ الغدر لا خير فيه، ولو أردت لما فعلت.
أحبّ أن لا تتعرّض له (٣٤٠)
من الحسن بن عليّ إلى زيادٍ: أمّا بعد، فقد علمت ما كنّا أخذنا من الأمان لأصحابنا، وقد ذكر لي فلان أنّك تعرّضت له، فأحبّ أن لا تتعرّض له إلاّ بخيرٍ. والسلام.
يا عمّاه.. (٣٤١)
يا عمّاه.. إن القوم قد أتوا إليك ما قد ترى، وإن الله تعالى بالمنظر الأعلى، فدع عنك ذكر الدّنيا بذكر فراقها وشدّة ما يرد عليك لرجاء ما بعدها، واصبر حتى تلقى نبيّك صلى الله عليه وآله وهو عنك راضٍ إن شاء الله.
عبادة الله (٣٤٢)
من عبد الله له كلّ شيءٍ.
مكانة المؤمن ودرك الكافر (٣٤٣)
لو جعلت الدّنيا كلّها لقمةً واحدةً لقمتها من يعبد الله خالصاً، لرأيت أنّي مقصّر في حقّه.
ولو منعت الكافر منها حتّي يموت جوعاً وعطشاً، ثمّ أذقته شربةً من الماء، لرأيت أنّي أسرفت.
الفكر (٣٤٤)
عليكم بالفكر، فإنّه حياة قلب البّصير، ومفاتيح أبواب الحكمة.
نصف ونصف (٣٤٥)
حسن السّؤال نصف العلم، ومداراة النّاس نصف العقل، والقصد في المعيشة نصف المؤنة.
حسنة وحسنة (٣٤٦)
في تفسير قوله تعالى: (آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً) قال: هي العلم والعبادة في الدّنيا، والجنّة في الآخرة.
يصوّر الباطل حقّاً (٣٤٧)
ليس من العجز أن يصمت الرّجل عند إيراد الحجّة، ولكن من الإفك أن ينطق الرّجل بالخنا، ويصوّر الباطل بصورة الحقّ.
لم ننتفع بالعلم
يدخل النّار قوم فيقول لهم أهلها: ما بالكم ابتليتم حتّى صرنا نرحمكم مع ما نحن فيه؟ فقالوا: يا قوم، جعل الله في أجوافنا علماً فلم ننتفع به نحن، ولا نفعنا به غيرنا.
المتكلّف (٣٤٨)
ومرّ الحسن (عليه السلام) يوماً وقاصّ يقصّ على مسجد رسول الله صلى الله وآله، فقال الحسن (عليه السلام): ما أنت؟ فقال: أنا قاصّ يا بن رسول الله. قال (عليه السلام): كذبت، محمّد القاصّ، قال الله عزّ وجلّ: فاقصص القصص. قال: أنا مذكّر. قال: كذبت، محمّد المذكّر، قال الله عزّ وجلّ: فذكّر إنّما أنت مذكّر، قال: فما أنا؟ قال: المتكلّف من الرّجال.
الحرص (٣٤٩)
وقال (عليه السلام): من أحبّ الدّنيا ذهب خوف الآخرة عن قلبه، ومن ازداد حرصاً على الدّنيا لم يزدد منها إلا بعداً وازداد هو من الله بعضاً، والحريص الجاهد والزاهد القانع كلاهما مستوفٍ أكله غير منقوصٍ من رزقه شيئاً فعلام التّهافت في النار.
الدّنيا وديعة
رحم الله أقواماً كانت الدّنيا عندهم وديعةً، فأدّوها إلى من ائتمنهم عليها، ثمّ راحوا خفافاً.
حسرات ثلاث
لا تخرج نفس ابن آدم من الدّنيا إلا بحسراتٍ ثلاثٍ: أنّه لم يشبع بما جمع، ولم يدرك ما أمّل، ولم يحسن الزّاد لما قدم عليه.
الشّاة أعقل (٣٥٠)
إنّ الشّاة أعقل من أكثر النّاس، تنزجر بصياح الرّاعي عن هواها، والانسان لا ينزجر بأوامر الله وكتبه ورسله.
طلب الآخرة
معاشر الشّباب: عليكم بطلب الآخرة، فوالله رأينا أقواماً طلبوا الآخرة فأصابوا الدّنيا والآخرة، ووالله ما رأينا من طلب الدّنيا فأصاب الآخرة.
طالب الدنيا وطالب الآخرة(٣٥١)
النّاس طالبان: طالب يطلب الدّنيا حتّى اذا أدركها هلك، وطالب يطلب الآخرة حتّى إذا أدركها فهو ناجٍ فائز.
افعل خمسة أشياء (٣٥٢)
افعل خمسة أشياء واذنب ما شئت: لا تأكل رزق الله واذنب ما شئت. واطلب موضعاً لا يراك الله واذنب ما شئت. واخرج من ولاية الله واذنب ما شئت. واذا جاءك ملك الموت ليقبض روحك فادفعه عن نفسك واذنب ما شئت. واذا دخلك مالك النّار فلا تدخل النّار واذنب ما شئت.
المسألة (٣٥٣)
إن المسألة لا تحلّ إلا في إحدى ثلاثٍ: دمٍ مفجع، أو دينٍ مقرحٍ، أو فقرٍ مدقعٍ.
من قلّ (٣٥٤)
من قل ذلّ، وخير الغنى القنوع، وشرّ الفقر الخضوع.
صاحب النّاس (٣٥٥)
صاحب النّاس بمثل ما تحبّ أن يصاحبوك به.
يومك
يومك ضيفك، وهو مرتحل بحمدك أو بذمّك.
النّعمة
النّعمة محنة، وإن كفرت صارت نقمةً.
المعاجل والمؤجّل (٣٥٦)
كلّ معاجلٍ يسأل النّظرة، وكلّ مؤجّلٍ يتعلّل بالتسويف.
أعظم النّاس (٣٥٧)
أعرف النّاس بحقوق إخوانه، وأشدّهم قضاءً لها، أعظمهم عند الله شأناً.
ومن تواضع في الدّنيا لاخوانه، فهو عند الله من الصّدّيقين، ومن شيعة عليّ بن أبي طالبٍ (عليه السلام).
أعظم النّاس قدراً (٣٥٨)
قيل للإمام الحسن (عليه السلام): من أعظم النّاس قدراً؟ فقال: من لم يبال بالدّنيا في يدي من كانت.
المروّة (٣٥٩)
سئل عن المروّة فقال: شحّ الرّجل على دينه، وإصلاحه ماله، وقيامه بالحقوق.
الرّأي
لا يعرف الرأي إلا عند الغضب.
الإنجاز
الإنجاز دواء الكرم.
البخل (٣٦٠)
البخل جامع للمساوئ والعيوب، وقاطع للمودّات من القلوب.
الصّبر
الخير كلّه في صبر ساعةٍ واحدةٍ، تورث راحةً طويلةً، وسعادةً كثيرةً.
أهل العفو (٣٦١)
إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: يا أيّها النّاس، من كان له على الله أجر فليقم، فلا يقوم إلا أهل العفو.
المصافحة
حيّاه معاوية تحيّة، فقال له: إنّ الذي حيّيت به سلامة، والمصافحة أمن.
تشابه أهل البيت (٣٦٢)
صوّر الله عزّ وجلّ عليّاً بن أبي طالبٍ في ظهر أبي طالبٍ على صورة محمّدٍ صلّى الله عليه وآله. وكان الحسين بن عليٍّ أشبه الناس بفاطمة، وكنت أنا أشبه النّاس بخديجة الكبرى.
هكذا أدّبنا الله (٣٦٣)
جارية للحسن حيّته بطاقة ريحانٍ، فقال لها: أنت حرة لوجه الله: فقيل له في ذلك. فقال: هكذا أدّبنا الله تعالى. قال: (وإذا حيّيتم بتحيّة فحيّوا بأحسن منها) وكان أحسن منها إعتاقها.
القرآن يوم القيامة (٣٦٤)
إنّ هذا القرآن يجيء يوم القيامة قائداً وسائقاً، يقود قوماً إلى الجنّة أحلّوا حلاله وحرّموا حرامه وآمنوا بمتشابهه، ويسوق قوماً إلى النار ضيّعوا حدوده وأحكامه واستحلّوا محارمة.
القرآن والقول فيه (٣٦٥)
من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ
خلا بينه وبينك (٣٦٦)
يا ابن آدم! من مثلك؟ وقد خلا ربّك بينه وبينك متى شئت أن تدخل إليه، توضّأت وقمت بين يديه، ولم يجعل بينك وبينه حجاباً ولا بوّاباً، تشكو إليه همومك وفاقتك، وتطلب منه حوائجك، وتستعينه على أمورك.
نفسك نفسك (٣٦٧)
يا ابن آدم! نفسك نفسك، فإنّما هي نفس واحدة، إن نجت نجوت، وإن هلكت لم ينفعك نجاة من نجا.
أغلال أهل النّار (٣٦٨)
إنّ الله لم يجعل الأغلال في أعناق أهل النّار لأنّهم أعجزوه، ولكن إذا أطفئ بهم اللّهب أرسبهم في قعرها.
لو كانت الدّنيا له
قال رجل للحسن (عليه السلام): ما تقول في رجلٍ آتاه الله مالاً، فهو يتصدّق منه ويصل منه ويحسن فيه، أله أن يعيش فيه؟ فقال: لا، لو كانت الدّنيا له كلّها ما كان له فيها إلا الكفّاف، ويقدّم ذلك ليوم فقره.
عمّرت دار غيرك
قال رجل للحسن (عليه السلام): بنيت داراً أحبّ أن تدخلها، وتدعو لله.
فدخلها ونظر إليها ثمّ قال: أخربت دارك وعمّرت دار غيرك، أحبّك من في الأرض ومقتك من في السّماء.
زوّار الله (٣٦٩)
أهل المسجد زوّار الله، وحقّ على المزور التحفة لزائره.
تمام المروءة (٣٧٠)
من تمام المروءة إعطاء الأجرة لحمل الصدقة
كذبتم والله (٣٧١)
كذبتم والله وما وفيتم لمن كان خيراً منّي فكيف تفون لي؟ وكيف أطمئنّ إليكم ولا أثق بكم؟ كنتم صادقين فموعد ما بيني وبينكم معسكر المدائن، فوافوا هناك.
.. ولم تفعل شيئاً (٣٧٢)
قال الحسن (عليه السلام) لأهل بيته: إنّي أموت بالسّمّ كما مات رسول الله صلّى الله عليه وآله.
قالوا: ومن يفعل ذلك؟
قال: امرأتي جعدة بنت الأشعث بن قيشٍ، فإنّ معاوية يدسّ إليها ويأمرها بذلك.
قالوا: أخرجها من منزلك، وباعدها من نفسك.
قال: كيف أخرجها ولم تفعل بعد شيئاً؟ ولو أخرجتها ما قتلني غيرها، وكان لها عذر عند النّاس.
وداع الأخوين (٣٧٣)
إنّ الحسن (عليه السلام) لمّا دنت وفاته ونفدت أيّامه وجرى السمّ في بدنه تغيّر لونه واخضرّ، فقال له الحسين (عليه السلام): مالي أرى لونك إلى الخضرة؟ فبكى الحسن (عليه السلام) وقال:
يا أخي لقد صحّ حديث جدّي فيّ وفيك.
ثمّ اعتنقه طويلاً وبكيا كثيراً، فسئل عن ذلك، فقال (عليه السلام): أخبرني جدّي قال: لمّا دخلت ليلة المعراج روضات الجنان، ومررت على منازل أهل الإيمان رأيت قصرين عاليين متجاورين على صفةٍ واحدةٍ إلاّ أنّ أحدهما من الزبرجد الأخضر والآخر من الياقوت الأحمر، فقلت: يا جبرائيل لمن هذان القصران؟ فقال: أحدهما للحسن والآخر للحسين عليهما السّلام فقلت: يا جبرائيل فلم لم يكونان على لونٍ واحدٍ؟ فسكت ولم يرد جواباً، فقلت لم لا تتكلّم؟ قال: حياءً منك. فقلت له: سألتك بالله ألا ما أخبرتني، فقال: أمّا خضرة قصر الحسن فإنّه يموت بالسمّ ويخضرّ لونه عند موته، وأمّا حمرة قصر الحسين فإنه يقتل ويحمرّ وجهه بالدّم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) الكفاية: الحسين بن محمد بن سعيد الخزاعي، عن الجوهري، عن عتبة ابن الضحاك، عن هشام بن محمد، عن أبيه قال: لما قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) رقي الحسن بن علي عليهما السلام المنبر، فأراد الكلام فخنقته العبرة، فقعد ساعة ثم قام فقال:…
(٢) التوحيد: محمد بن علي الصدوق عن ابن الوليد، عن محمد العطار، واحمد بن ادريس، عن الاشعري، عن بعض أصحابه رفعه وقال: جاء رجل إلى الحسن بن علي عليهما السلام فقال له: يا ابن رسول الله صف لي ربك حتى كأني أنظر اليه، فأطرق الحسن بن علي عليهما السلام ملياً ثم رفع رأسه فقال:..
(٣) وفي نسخة: ذلكم الله ربي: رب العالمين.
(٤) ناسخ التواريخ في خبر: ان علياً (عليه السلام) قال - يوماً - للحسن: (يا بني! قم واخطب حتى اسمعك) وجمع أهل بيته لسماع خطابه، فقام وقال:..
(٥) البحار ج ٢ الطبعة القديمة ص ١٩٧، عن التوحيد للصدوق: روي الدقاق عن الأسدي، عن البرمكي، عن الحسين بن الحسن، عن بردة، عن العباس بن عمرو الغنيمي، عن أبي القاسم بن ابراهيم بن محمد العلوي، عن فتح بن يزيد الجرماني قال: لقيت الحسن بن علي، على الطريق، عند منصرفي عن مكة إلى خراسان وهو سائر إلى العراق.. فتلطفت في الوصول اليه، فوصلت، فسلمت فرد علي السلام، ثم قال:.. الإمام الحسن - م (٢).
(٦) تحف العقول: كتب الحسن بن أبي الحسن البصري إلى أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام:
بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد فانكم معشر بني هاشم، الفلك الجارية واللجج الغامرة، والأعلام النيرة الشاهرة، او كسفينة نوح (عليه السلام) التي نزلها المؤمنون ونجافيها المسلمون كتبت اليك يا بن رسول الله عند اختلافنا في القدر، وحيرتنا في الاستطاعة فأخبرنا بالذي عليه رأيك ورأي آبائك عليهم السلام، فان من علم الله علمكم وأنتم شهداء على الناس، والله الشاهد عليكم، (ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم) فأجابه الحسن (عليه السلام):
(٧) جمهرة رسائل العرب ج/ ص ٢٥: رفع أهالي البصرة اليه رسالة، يطلبون منه فيها حقيقة الامر في الجبر والتفويض، فأجابهم:
(٨) درر الأخبار ج ١ ص ١٨٢.
(٩) أعيان الشيعة: السيد محسن الأمين العاملي ج ٤ ص ٨٨.
(١٠) مجمع البحرين: مادة: (جود).
(١١) كشف الغمة: ص ١٧١.
(١٢) إرشاد القلوب ص ٨١: الحسن بن محمد الديلمي.
(١٣) إرشاد القلوب ص ٨١: الحسن بن محمد الديلمي.
(١٤) إرشاد القلوب ص ٨١: الحسن بن محمد الديلمي.
(١٥) البحار ج ٥ ص ٣١٥: محمد باقر المجلسي وعلل الشرائع ص ٢٤٩ - ٢٥٠: محمد بن علي الصدوق عن علي بن احمد بن محمد بن يعقوب عن علي بن محمد عن اسحاق بن اسماعيل النيسابوري: ان العالم كتب اليه يعني الحسن بن علي (عليه السلام):..
(١٦) البحار: محمد باقر المجلسي ج ١٧ - ص ٢٠٧، الطبعة القديمة.
(١٧) قاله لمعاوية لما اخبره بعدد التمر على الشجرة فتعجب معاوية.
(١٨) المناقب لابن شهر آشوب ج ٤ ص ٢: عن الشيرازي في كتابه بالاسناد عن الهذيل عن مقاتل عن محمد بن الحنفية قال الحسن بن علي عليهما السلام في قوله تعالى: (في أي صورة ما شاء ركبك) قال:..
(١٩) البحار: محمد باقر المجلسي:..
(٢٠) مروج الذهب: ج ٢ ص ٣٠٦، ومرض الإمام علي يوماً فأمر الحسن أن يصلي بالناس صلاة الجمعة، فصعد المنبر. فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:..
(٢١) نسخة.
(٢٢) رجال الكشي:..
(٢٣) المناقب لابن شهر آشوب ج ٤ - ص ٢، عن الشيرازي في كتابه باسناده عن الهزيل، عن مقاتل، عن محمد بن الحنفية، عن الحسن بن علي عليهما السلام قال:..
(٢٤) روى سليم بن قيس رواية طويلة فيها ان الحسن والحسين وابن عباس وعبد الله بن جعفر، حضروا مجلس معاوية فحدثت بينهم وبينه مشادة حول الأئمة بعد رسول الله، فتكلم كل من عبد الله بن جعفر وابن عباس ثم قال معاوية ما تقول يا حسن؟ فقال الإمام..
(٢٥) آل عمران: ٧.
(٢٦) يعني فقرأ شيئاً معه يوافقه فيه آخر.
(٢٧) مأخوذ من قوله تعالى: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم) الأنعام: ١٠٨ - يعني فكما سب المشركون الله عدواً بغير علم، يشرك هؤلاء بالله من غير علم.
(٢٨) ناسخ التواريخ، لما توفي أمير المؤمنين وقتل ابن ملجم، خرج ابن عباس إلى الناس فقال: (ان أمير المؤمنين توفي، وقد ترك لكم خلفاً، فان أحببتم خرج اليكم، وان كرهتم فلا احد على أحد)فبكى الناس وقالوا: (بل يخرج الينا) فخرج الإمام الحسن وعليه ثوب اسود واعتلى المنبر فحمد الله واثنى عليه، ثم قال:..
(٢٩) كمم خنقته العبرة، فبكى، وبكى الناس، فلما هدأوا، استطرد قائلاً.
(٣٠) ناسخ التواريخ: لما فرغ من خطابه السابق نزل من المنبر فبايعه الناس، ولما تمت له البيعة، صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:..
(٣١) خطب بها في أهل الكوفة بعد الصلح.
(٣٢) عير الإمام الحسن بالعيّ، فخطب حتى اجهش القوم بالبكاء، وكان مما قال قوله:..
(٣٣) ان الإمام يشير بهذا الكلام إلى عالمين من العوالم الكثيرة التي خلقها الله في هذا القضاء الرحيب. ونحن وان كنا لا نعرف هذين العالمين بالفعل، الا اننا لا نستطيع انكارهما لمجرد اننا لم نطلع عليهما.
(٣٤) تحف العقول:..
(٣٥) مجموعة ورام ص ٣٠١:..
(٣٦) سأل رجل الإمام في حاجة، فقال له الإمام:..
(٣٧) ثم أعطاه ثلاثمائة الف درهم وعشرين ديناراً.
(٣٨) نور الأبصار ص١١١.
(٣٩) إرشاد القلوب ص ٧٩ - ٨٠: الحسن بن محمد الديلمي:..
(٤٠) إرشاد القلوب ص ٧٩ - ٨٠: الحسن بن محمد الديلمي:..
(٤١) تحف العقول:..
(٤٢) سأل رجل الإمام: (متى تدفع الزكاة؟) فقال الإمام:..
(٤٣) البحار حدثنا محمد بن الحسن بن احمد بن الوليد (رض) قال حدثنا محمد بن الحسن الصفار عن العباس بن معروف. عن صفوان بن يحيى قال: سئل الحسن (عليه السلام) عن الحرم واعلامه؟ فقال..
(٤٤) ابي قبيس: جبل في مكة المكرمة، ومنه اخذت احجار الكعبة.
(٤٥) تاريخ دمشق لابن عساكر ج / ١٢ ص / ٥٢٩: أخبرنا أبوبكر محمد بن عبدالباقي حدثنا الحسن بن علي حدثنا محمد بن العباس حدثنا احمد بن معروف حدثنا الحسين بن محمد بن القاسم حدثنا محمد بن سعد حدثنا مسلم بن إبراهيم عن القاسم بن الفضل حدثنا ابو هارون عن الحسن (عليه السلام) في حديث.
(٤٦) أعيان الشيعة ج ٤ - ق ١ - ص ٤٥: السيد محسن الأمين العاملي:..
(٤٧) (أ) تحف العقول:.. (ب) البحار ج١٧ ص٢٠٣-٢٠٤.
(٤٨) تحف العقول:..
(٤٩) إرشاد القلوب - للديلمي ص ٩٢.
(٥٠) إرشاد القلوب ص ٣٥ - ٣٦ : الحسن بن محمد الديلمي:..
(٥١) تحف العقول؛..
(٥٢) إرشاد القلوب ص ٢٢: لحسن بن علي الديلمي:.. الإمام الحسن - م (٤)
(٥٣) البحار ج ١ ص ٢١٨: محمد باقر المجلسي، عن دعوات الراوندى، قال الحسن ابن علي:..
(٥٤) تحف العقول:..
(٥٥) تحف العقول: مر في يوم فطر بقوم يلعبون ويضحكون، فوقف على رؤوسهم وقال:..
(٥٦) مجموعة ورام - ص ٤١١. عزى رجلا قد مات بعض ذويه فقال له:
(٥٧) تحف العقول - ص ٥٥.
(٥٨) ناسخ التواريخ: لقي الإمام الحسن (عليه السلام) عبد الله بن جعفر فقال له:..
(٥٩) أعيان الشيعة ج ٤- ص ٨٥ دخل جنادة بن أبي أمية على الإمام بعدما سم، ويئس من شفائه أهله، فقال له: (عظني يا ابن رسول الله) فقال له الإمام:..
(٦٠) (أ) البحار ج ٦ - ص ١٥٤ الطبعة الحديثة عن معاني الأخبار..
 (ب) درر الاخبار ج ١ - ص ٢٤٠.
(٦١) تاريخ اليعقوبي ج ٢- ص ٢٦٩.
(٦٢) المحاسن والمساوئ، للجاحظ ص ٢٥٦.
(٦٣) مكارم الأخلاق: الحسن بن الفضل الطبرسي عن جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قال:..
(٦٤) البداية والنهاية، لابن كثير ج٣ ص٣٦: قال الحسن ذات يوم لأصحابه: ...
(٦٥) تحف العقول: نصح الإمام الحسن به بعض ولده:..
(٦٦) (ا) ناسخ التواريخ.
(٦٧) إلى هنا ورد في ناسخ التواريخ.
(٦٨) هذان السؤال والجواب الاخيران، وردا في رواية محمد باقر المجلسي في البحار.
(٦٩) تاريخ اليعقوبي ج١ - ص ٢٠١.
(٧٠) التذميم: مأخوذ من أذمه، أي أجاره واخذه تحت حمايته:
(٧١) البحار ١٧ - ص ٢٠٦ الطبعة القديمة: محمد باقر المجلسي:..
(٧٢) البحار ج ١٠ الطبعة القديمة: محمد باقر المجلسي:..
(٧٣) ارشاد القلوب ص ٢٣٩: الحسن بن محمد الديلمي:..
(٧٤) اعيان الشيعة ج ٤ - ص ٨٨: السيد محسن الأمين العاملي..
(٧٥) تحف العقول:..
(٧٦) اليعقوبي، ص ٢٦٨: روى: ان معاوية قال للإمام: يا أبا محمد، ثلاث خلال ما وجدت من يخبرني عنهن، قال: وما هن؟ قال: المروة والكرم والنجدة، قال:..
(٧٧) البحار، ج ١٠ الطبعة القديمة.
(٧٨) ناسخ التواريخ.
(٧٩) نور الأبصار للشبلنجي ص ١١٠.
(٨٠) (أ) ناسخ التواريخ.
 (ب) نهاية الأرب في فنون الارب ج ٣ - ص ٣٩٨.
(٨١) تاريخ دمشق لابن عساكر ح ١٢ - ص ٥٣١: أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي حدثنا محمد بن علي بن الحسين بن سكته، عن محمد بن فارس بن محمد الغوري عن احمد بن جعفر بن أحمد العسكري عن عبد الله بن محمد القرشي عن يوسف بن موسى عن ابن عثمان عن سهل بن شعيب عن قنان النهمي عن جعيد بن همدان أن الحسن (عليه السلام) قال له:..
(٨٢) تحف العقول:..
(٨٣) البحار ج ١ - ص ٤٨: محمد باقر المجلسي:..
(٨٤) تحف العقول ص ٥٥.
(٨٥) ناسخ التواريخ:..
(٨٦) تحف العقول:..
(٨٧) (أ) مصابيح الانوار في حل مشكلات الاخبار ج ٢ - ص ٢٧١: السيد عبد الله شبر.
 (ب) مكارم الاخلاق: الحسن بن الفضل الطبرسي.
 (ج) من لا يحضره الفقيه: محمد بن علي الصدوق، عن جعفر بن محمد الصادق، عن آبائه، عن الحسن بن علي (عليه السلام) قال:..
(٨٨) الاثني عشرية ص ٣٧.
(٨٩) تاريخ دمشق لابن عساكر ج / ١٢ ص ٥٣٣: اخبرنا ابو نصر بن رضوان عن ابي محمد الجوهري عن أبي محمد بن عمر بن حبوبة عن أبي بكر بن المرزبان عن أبي يعقوب النخعي عن الحرمازي قال: خطب الحسن بن علي (عليه السلام) بالكوفة فقال:..
(٩٠) تاريخ اليعقوبي ص ٢٧٠: ان الحسن بن علي (عليه السلام) دعا بنيه وبني أخيه فقال:..
(٩١) الاثني عشرية ص ٣٧.
(٩٢) نور الأبصار للشبلنجي ص ١١٠.
(٩٣) مجلة العرفان الجزء الثالث المجلد الاربعون ص ٢٥٤ نقلاً عن المجلد التاسع من التذكرة المعلوفية.
(٩٤) تاريخ اليعقوبي، ج ٢ - ص ٢٠٢.
(٩٥) ناسخ التواريخ: لما خرج امير المؤمنين إلى البصرة لحرب الجمل، أوفد إلى الكوفة وفداً برئاسة الإمام الحسن فخطب اهل الكوفة بهذه الخطبة. لاستنفارهم إلى الحرب.
وفي كتاب الجمل ص ١٥٨ - ١٥٩: لما ورد أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى البصرة قام عبد الله ابن الزبير فخطب في جموع البصريين، وحرضهم على القتال فقال: (أيها الناس، ان علي بن أبي طالب قتل الخليفة عثمان، ثم جهز الجيوش اليكم ليستولي عليكم، ويأخذ مدينتكم، فكونوا رجالاً تطلبون بثأر خليفتكم، واحفظوا حريمكم، وقاتلوا عن نسائكم وذراريكم، واحسابكم وانسابكم، أترضون لأهل الكوفة أن يردوا بلادكم، اغضبوا فقد غوضبتم، وقاتلوا فقد قوتلتم، ألا وان علياً لا يرى معه في هذا الامر أحداً سواه، والله لئن ظفر بكم ليهلكن دينكم ودنياكم..)
وبلغ الإمام أمير المؤمنين خطاب ابن الزبير فأمر الإمام الحسن بالرد عليه فقام الحسن خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:..
وقد كانت هذه الخطبة مجزأة، فجمعناها من عدة مصادر، منها البحار وناسخ التواريخ، ونسقناها حسب تسلسل مضامينها.
(٩٦) خطب بها لتأليب جماهير العراق، على حرب معاوية في (صفين) جمعناها بهذه الصورة، من ناسخ التواريخ، والبحار.
(٩٧) استنكر بعض المنافقين شدة امير المؤمنين في الله فعمدوا إلى الإمام الحسن (عليه السلام) وأغروه بمبايعته، لشق وحدة شيعة أمير المؤمنين، فرفض الإمام الحسن عرضهم، بانه خروج على إمام زمانه، ولما ألح عليه عبد الله بن عمر صاح به:..
(٩٨) لما فشل التحكيم، سرت الفوضى في الناس فامر الإمام امير المؤمنين نجله الإمام الحسن بان يخطب في الناس فيلقي ضوءاً على الواقع الذي غشيه غبار الجهل حتى توارى عن العيون فقال له: قم يا بني، فقل في هذين الرجلين عبد الله بن قيس، وعمرو بن العاص، فقام الإمام الحسن (عليه السلام) حتى اذا اعتلى المنبر قال:..
(٩٩) هذه الجملة وردت في رواية ابن قتيبة في الإمامة والسياسة ج ١ - ص ٤٤.
(١٠٠) التوحيد ص ٣٨٥ - ٣٨٦: محمد بن الصدوق، عن محمد بن ابراهيم بن أحمد بن يونس الليثي قال حدثنا احمد بن محمد بن سعيد الهمداني مولى بني هاشم قال أخبرني الحرث بن أبي أسامة قراءة عن المدايني عن عوانة بن الحكم وعبد الله بن العباس بن سهل الساعدي وابي بكر الخراساني مولى بني هاشم عن الحرث بن حصيرة عن عبد الرحمن بن جندب عن ابيه وغيره: أن الناس أتوا الحسن بن علي (عليه السلام) بعد وفاة علي (عليه السلام) ليبايعوه، فقال:..
(١٠١) لما قتل امير المؤمنين (عليه السلام)، وبايع الناس نجله الإمام الحسن، خطب الإمام في أهل الكوفة، فحمد الله واثنى عليه، ثم قال:..
(١٠٢) شرح ابن ابي الحديد، ج ٤ / ص / ١٣: لما علم معاوية ان الإمام مزمع على المسير إلى الشام، كتب إلى جميع ولاته رسالة نصها ما يلي:
(من عبد الله معاوية امير المؤمنين، إلى فلان بن فلان، ومن قبله من المسلمين سلام عليكم فاني احمد اليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فالحمد لله الذي كفا كم مؤونة عدوكم وقتلة خليفتكم ان الله بلطفه أتاح لعلي بن أبي طالب رجلاً من عباده، فاغتاله فقتله، فترك أصحابه متفرقين مختلفين، وقد جاءتنا كتب أشرافهم وقادتهم، يلتمسون الأمان لأنفسهم وعشائرهم، فأقبلوا إليّ حين يأتيكم كتابي هذا، بجهدكم وجندكم، وحسن عدتكم، فقد أصبتم بحمد الله الثأر، وبلغتم الأمل، وأهلك الله أهل البغي والعدوان، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته).
ولما وصلت هذه الرسالة إلى عماله وولاته، قاموا بتحريض الناس وحثهم على الخروج والاستعداد، وفي أقرب وقت، التحقت به قوى هائلة منظمة، من حيث الكراع والسلاح، والعدد والعدة، وخرج معاوية متوجهاً إلى العراق، ولما وصل إلى جسر (منبج) بلغ الإمام الحسين (عليه السلام) ذلك، فأمر حجر بن عدي: أن يأمر العمال والناس بالاستعداد للمسير، ونادى المنادي: الصلاة جامعة، فأقبل الناس يثوبون ويجتمعون، وقال الحسن: إذا رضيت جماعة الناس فاعلمني، فجاءه سعيد بن قيس الهمداني، وأعلمه بالاجتماع فخرج (عليه السلام) وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:..
(١٠٣) أعيان الشيعة ص ٣٥: السيد محسن الامين العاملي: عند ما اجتمع اهل الكوفة لحرب معاوية أراد الإمام الحسن (عليه السلام) ان يستبرئ ضمائرهم، فأمر أن ينادى بالصلاة جامعة، فاجتمعوا وصعد المنبر فخطبهم فقال:..
(١٠٤) الاصبهاني: ص ٢٣ لما أراد الإمام الحسن (عليه السلام) الزحف على جيش الشام، استقدم عبيد الله بن عباس، فعقد له لواء على اثني عشر الفاً، ثم قال له:..
(١٠٥) ووجه الإمام جيشاً إلى الشام بقيادة رجل من (الكندة) يدعى (الحكم) ولما ورد (الحكم) إلى الانبار، أرسل اليه معاوية بالاموال والوعود، فاغراه بالهروب اليه، وهرب (الحكم) فالتحق بمعاوية ولما بلغ نبأه الإمام، قام خطيباً فيمن بقي من الجيش فقال:..
(١٠٦) وكان قادة جيش الإمام يتسللون من الجيش، مغترين بأموال معاوية ووعوده، وكان زعماء أهل الكوفة يراسلون معاوية بتسليم الإمام مكتوفاً اليه متى شاء. ثم يأتون إلى الإمام فيظهرون له الطاعة والولاء، ويقولون له: أنت خليفة أبيك ووصيه ونحن السامعون المطيعون لك فمرنا بأمرك. فقال لهم الإمام:
(كذبتم والله ما وفيتم لمن كان خيراً مني فكيف تفون لي، وكيف اطمئن اليكم و(لا) أتق بكم، ان كنتم صادقين فموعدنا ما بيني وبينكم معسكر المدائن فوافوا إلى هناك).
وخرج إلى المدائن فتخلف عنه اكثر الجيش فضاق بهم الإمام، وألقى فيهم خطاباً جاء فيه:..
(١٠٧) وكان معاوية يكثر من الوعود، لاغراء أصحاب الإمام بخيانته وقتله فكانوا ينخدعون بها، ويتحيرون اليه. ولما رأى الإمام تفرق أصحابه باغراءات معاوية صاح بهم:..
(١٠٨) ناسخ التواريخ: ولما رأى الإمالم تمزق اتجاهات جيشه، وتسلل قادته إلى معاوية اراد استقصاء آراء الجيش، لتركيز الموقف على ضوئه، فوقف خطيباً في جيشه، فحمد الله واثنى عليه، ثم قال:..
الإمام الحسن - م (٦).
(١٠٩) هذه الجملة وردت في بعض الروايات.
(١١٠) وبعد ما أصيب الإمام في فخذه وتآمر عليه جمع من أهل الكوفة للقبض عليه وتسليمه إلى معاوية؛ دخل عليه (زيد بن وهب الجهني) فقال له: (يا ابن رسول الله لقد اضطرب الناس وتحيروا في امرهم؛ فماذا تقدر لهم) فاجابه الإمام:
(١١١) لقد اندس في صفوف الشيعة أيام الإمام الحسن (عليه السلام) الخوارج، والانتهازيون؛ وأنصار معاوية؛ لتمزيق صفوف الشيعة؛ فكشفهم الإمام بهذا الكلام؛ حيث أعلن انهم ليسوا من الشيعة، وان تستروا باسم التشيع وزعموا: انهم شيعة.
(١١٢) فقال (زيد بن وهب الجهني): (وهل تترك شيعتك كأغنام غاب عنها رعاتها؟) فقال الإمام:
(١١٣) بعدما ابرمت اتفاقية الصلح، بين الإمام الحسن (عليه السلام) ومعاوية، واجتمعا في (النخيلة) - وقيل في الكوفة - نودي في الناس: (الصلاة جامعة) فاجتمع الناس للاستماع إلى الإمام الحسن (عليه السلام) ومعاوية، فسبق معاوية إلى المنبر، لالقاء خطاب الصلح، وخطب خطاباً طويلاً، لم يرو التاريخ منه الا فقراته البارزة فروى:
اليعقوبي: انه قال: (اما بعد ذلكم، فانه لم تختلف امة بعد نبيها، إلا غلب باطلها حقها) وانتبه لما وقع فيه، فقال: (إلا ما كان من هذه الأمة، فان حقها غلب باطلها).
وروى المدائني: انه استطرد قائلاً: (والله اني ما قاتلتكم لتصلوا، ولا لتصوموا، ولا لتحجوا، ولا لتزكوا) ثم ارتج عليه فتوقف ثانية اذ علم انه خسر الموقف، وفكر قليلاً، ثم استدرك قائلاً: (انكم لتفعلون ذلك، وانما قاتلتكم لأتأمر عليكم، وقد اعطاني الله ذلك، وانتم له كارهون).
(الا ان كل دم اصيب في هذه الفتنة مطلول، وكل شرط شرطته فتحت قدمي هاتين، ولا يصلح الناس الا ثلاث: اخراج العطاء عند محله، واقفال الجنود لوقتها، وغزو العدو في داره، فان لم تغزوهم غزوكم).
وروى ابو الفرج الاصفهاني، عن حبيب بن أبي ثابت مسنداً: انه ذكر في هذه الخطبة علياً فنال منه، ثم نال من الحسن، فانفجر الحسن راداً عليه:..
(١١٤) فارتفعت الأصوات من جميع جنبات الحفل، هاتفة: آمين آمين، وما جرى على يراع مؤرخ، ولا قرع سمع انسان، الا وسجل على حسابه: آمين فآمين آمين.
(١١٥) قال في كشف الغمة: (ولما نزل من المنبر، صعد الإمام الحسن) واختلف الرواة والمؤرخون في نص خطاب الإمام، فأوردنا جميع النصوص المنقولة كما رووها، ولعلها - بأجمعها - صحيحة، وقد قطعوها فاختلف!..
(١١٦) الارشاد للمفيد، ص / ١٦٩ طبع ايران.
(١١٧) كشف الغمة (ص/١٧٠).
(١١٨) المسعودي (هامش ابن الاثير، ج ٦/ص ٦١/ ٦٢) وابن كثير (ج٨/ص/١٨) والطبري (ج٦/ص/٩٣).
(١١٩) البحار (ج ١٠/ص/ ١١٤) الطبعة القديمة.
(١٢٠) المسعودي (هامش ابن الاثير ج ٦/ ص ٦١/ ٦٢).
(١٢١) جلاء العيون، ج ١/ ص ٣٤٩ / ٣٥٤:
روى الشيخ في الامالي باسناد معتبر عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: لما اجمع الحسن بن علي (عليه السلام) على صلح معاوية خرج حتى لقاه فلما اجتمعا قام معاوية خطيباً فصعد المنبر وأمر الحسن أن يقوم أسفل منه بدرجة ثم تكلم معاوية فقال ايها الناس هذا الحسن بن علي وابن فاطمة رآنا للخلافة أهلا ولم ير نفسه لها أهلا وقد أتانا ليبايع طوعاً ثم قال قم يا حسن فقام الحسن فخطب فقال:
(١٢٢) ورد معاوية الكوفة، فأصر على الإمام أن يصعد المنبر، وكان يظن: أن الإمام يمدحه، فصعد الإمام المنبر وقال:..
(١٢٣) ولما علم الناس ان الإمام صالح معاوية أكثروا من اللغط فقال لهم الإمام:..
(١٢٤) وأرسل الإمام إلى معاوية وثيقة صلح التي أثقلها بشروط باهظة، فوافق معاوية على جميعها، ولما انتهى خبر موافقته إلى الإمام، توجه إلى أصحابه فقال:
(١٢٥) الإمامة والسياسة، ج ١/ص ٧١. وكان سليمان بن صرد بالمدائن حينما سمع نبأ الصلح، فسعى إلى المدينة حتى اذا انتهى إلى الإمام اندفع قائلا:-
(السلام عليك، يا مذل المؤمنين). فرد عليه الإمام:
(عليك السلام، اجلس). فلما جلس قال:
(ان تعجبنا لا ينقضي من بيعتك معاوية، ومعك مائة الف مقاتل من أهل العراق وكلهم يأخذ العطاء، مع مثلهم من ابنائهم ومواليهم، سوى شيعتك من اهل البصرة واهل الحجاز، ثم لم تأخذ لنفسك ثقة في العهد، ولا حظاً من القضية، فلو كنت اذ فعلت ما فعلت، واعطاك ما اعطاك بينك وبينه من العهد والميثاق كنت كتبت عليه بذلك كتاباً، وأشهدت عليه شهوداً من اهل المشرق والمغرب. ان هذا الامر لك من بعده، كان الأمر علينا أيسر، ولكنه أعطاك هذا فرضيت به من قوله، ثم قال وزعم على رؤوس الناس ما قد سمعت: اني كنت شرطت لقوم شروطاً ووعدتهم عدات، ومنيتهم أماني، ارادة اطفاء نار الحرب، ومداراة لهذه الفتنة واذ جمع الله لنا كلمتنا والفتنا، فان كل ما هناك تحت قدمي هاتين، والله ما عنى بذلك الا نقض ما بينك وبينه، فأعد للحرب خدعة، وأذن لي أشخص إلى الكوفة، فأخرج عامله منها، وأظهر فيها خلعه، وأنبذ اليه على سواء ان الله لا يهدي كيد - الخائنين).
وصادف حديث سليمان هوى في نفوس من حضر، فهتفوا بالتأييد قائلين:
 (ابعث سليمان بن صرد، وابعثنا معه، ثم الحقنا اذا علمت أنا قد أشخصنا عامله وأظهرنا خلعه). ولما كانت المصلحة العامة للمسلمين لا تساعد على خلع معاوية ونقض المعاهدة توجه إليهم الإمام بقوله:..
(١٢٦) لان الشيعة اذا عزوا وقتلوا عن آخرهم، يطمس الإسلام كله، واذا ذلوا وبقوا، يستطيعون رفع رايته عندما يتاح لهم ذلك، وبقاء الإسلام ببقائهم أذلاء أفضل من قتلهم أعزاء في سبيل الإسلام وقتل الإسلام بقتلهم، اذ لا يبقى بعدهم من يحمله في عقله وقلبه.
(١٢٧) احتجاج الطبرسي، ص ١٤٩ ورآه احد اصحابه فندد به قائلا: (يا ابن رسول الله أذللت رقابنا بتسليمك الأمر إلى هذا الطاغية) فاجابه الإمام:..
(١٢٨) تاريخ دمشق لابن عساكر ج ١٢ - ص ٥٤٤، عن ابن الغريف قال:
(١٢٩) تاريخ ابن عساكر، ج ٢ - ص ٢٢٥ وأتاه المسيب بن نجبة فقال له: (ما ينقضي تعجبي منك!!! بايعت معاوية ومعك أربعون الفاً، ولم تأخذ لنفسك وثيقة، وعهداً ظاهراً، أعطاك أمراً فيما بينك وبينه. ثم قال: ما قد سمعت، والله ما أراد بها غيرك).
فقال له الإمام:
(ما ترى؟)
فقال المسيب: (أرى ان ترجع إلى ما كنت عليه، فقد كان نقض ما بينك وبينه).
فانبرى اليه الإمام قائلا:..
(١٣٠) تذكرة الخواص (ص ٢٠٧) وجاءه سفيان بن ابي ليلي الخارجي فقال له: (السلام عليك يا مذل المؤمنين) فصاح به الإمام:..
(١٣١) الدينوري ص ٢٠٣: وسلم عليه بعض اصحابه بالتسليمة الذليلة، فأجابه الإمام:..
(١٣٢) تاريخ دمشق لابن عساكر ج/١٢ ص/٥٣٦: أخبرنا أبو القاسم السمرقندي عن محمد ابن ابي عثمان وابي طاهر القضاري حدثنا ابي قال: حدثنا اسماعيل بن الحسن حدثنا الحسين بن اسماعيل حدثنا زياد بن ايوب حدثنا ابن ابي عيينة حدثنا صدقة بن المثنى عن جده رياح بن الحرث قال: كنت عند منبر الحسن بن علي وهو يخطب الناس بالمدائن فقال:..
(١٣٣) مناقب ابن شهر اشوب، ج ٢- ص ١٦٩، لما بايع الإمام معاوية اقبل اليه حجر بن عدي فقال له: (أما والله لوددت انك مت في ذلك اليوم ومتنا معك، ولم نر هذا اليوم. فان رجعنا راغمين بما كرهنا ورجعوا مسرورين بما أحبوا) فأجابه الإمام بقوله:..
(١٣٤) وجاء عدي بن حاتم إلى الإمام فقال له: (يا ابن رسول الله، لوددت اني مت قبل ما رأيت، اخرجتنا من العدل إلى الجور، فتركنا الحق الذي كنا عليه، ودخلنا في الباطل الذي كنا نهرب منه, اعطينا الدنية من أنفسنا، وقبلنا الخسيس التي لم تلق بنا) فرد عليه الإمام قائلاً:..
(١٣٥) البحار: محمد باقر المجلسي: ووفد عليه مالك بن ضمرة فاعنف له القول. فقال له الإمام:
(١٣٦) وأتاه قوم من شيعته فحرضوه على السماح لهم بالزحف على الشام، متذرعين نقض الصلح بان معاوية لم يطبق شروطه، فقال لهم الإمام الحسن (عليه السلام):..
(١٣٧) روى ابو عيسى الترمذي في جامعه: حدثنا محمود بن غيلان حدثنا ابو داود الطيالسي حدثنا القاسم بن الفضل الحداني عن يوسف بن سعد قال: قام رجل إلى الحسن بن علي بعد ما بايع معاوية فقال: سودت وجوه المؤمنين - أو يا مسود وجوه المؤمنين - فقال له الإمام:..
(١٣٨) ولامه قوم على الصلح، حتى ضاق صدره (عليه السلام) فصاح بهم:..
(١٣٩) قال نفير الحضرمي في المدينة للإمام الحسن: (ان الناس يزعمون: انك تريد الخلافة) فقال الإمام:..
(١٤٠) ووفد إليه جمع من شيعته، فقالوا له: (يا مذل المؤمنين، ويا مسود الوجوه) فأجابهم:..
(١٤١) وبعد ما اضطر الإمام إلى الصلح مع معاوية، ظهر أناس نددوا بالصلح بعد ما أجبروا الإمام عليه.
فجاءه (أبو سعيد العقيصا) وقال له: (لم داهنت معاوية وصالحته، وقد علمت: ان الحق لك دونه، وان معاوية ضال باغ؟) فقال الإمام:..
(١٤٢) وقدم إليه سفيان بن أبي ليلي فقال له: (السلام عليك يا مذل المؤمنين) فقال الإمام: (وعليك السلام يا سفيان) انزل، فنزل فقال له الإمام: (ماذا قلت؟) قال سفيان: قلت: (السلام عليك يا مذل المؤمنين) فقال الإمام: (ولماذا؟) فقال سفيان: (أنت والله بأبي وأمي أذللت رقابنا حتى أعطيت هذا الطاغية البيعة وسلمت الأمر إلى اللعين ابن أكلة الأكباد ومعك مائة ألف، كلهم يموت دونك، وقد جمع الله عليك امر الناس) فقال الإمام:..
(١٤٣) ج/٤:ص/١١ شرح ابن أبي الحديد: بعد مقتل الإمام أمير المؤمنين أرسل معاوية جاسوساً إلى الكوفة وجاسوساً إلى البصرة، فلما علم الإمام الحسن كتب اليه:
(١٤٤) فأجابه معاوية، أما بعد: فقد وصل كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه ولقد علمت بما حدث، فلم أفرح، ولم اشمت، ولم أيأس، وان علي بن أبي طالب لكما قال أعشى بن قيس ابن ثعلبة:

وأنت الجواد وأنأأأت الذي * * * اذا ما القلوب ملأن الصدورا
وما مزبد من خليج البحو * * * ريعلو الأكام ويعلو الجسورا
بأجود منه بما عنده * * * فيعطي الألوف ويعطي البدورا

وكتب عامله على البصرة: عبيد الله بن عباس إلى معاوية في استنكار هذه الحادثة أما بعد: فانك ودسك أخا بني قين إلى البصرة، تتلمس من غفلات قريش، مثل الذي ظفرت به من يمانيتك لكما قال امية يعني ابن الأشكري:

لعمرك اني والخزاعي طارقاً * * * كنعجة غار حتفها تتحفر
وثارت عليها شفرة بكراعها * * * فظلت بها من آخر الليل تنحر
شمت بقوم من صديقك أهلكوا * * * أصابهم يوم من الدهر أصفر

فأجابه معاوية: أما بعد: فان الحسن بن علي، قد كتب بنحو ما كتبت به وانني بمالم أجز ظناً وسوء رأي، وانك لم تصب مثلكم ومثلي. ولكن مثلنا ما قاله طارق الخزاعي يحيب امية عن هذا الشعر:

فوالله ما أدري واني لصادق * * * إلى أي من يظنني أتعذر
اعنف ان كانت زنيبة الهكت * * * ونال بني لخيان شرفاً نفروا

(١٤٥) هذا كتاب وجهه الإمام الحسن، إلى معاوية قبل نشوب الحرب بينهما ليلقي السلاح ويدخل في طاعته، ونصه:
(١٤٦) ابن ابي الحديد (ج/٤ص/١٢): فأجابه معاوية بالكتاب التالي:
(قد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت به محمداً رسول الله من الفضل، وهو أحق الأولين والآخرين بالفضل كله: قديمه وحديثه، وصغيره وكبيره، وقد والله بلغ وأدى، ونصح وهدى، حتى انقذ الله به من الهلكة وأنار به من العمى، وهدىي به من الجهالة والضلالة، فجزاه الله أفضل ما جزى نبياً عن امته.. وذكرت وفاته وتنازع المسلمين الأمر بعده وتغلبهم على أبيك فصرحت بتهمة أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق، وأبي عبيدة الأمين، وحواري رسول الله، وصلحاء المهاجرين والانصار، فكرهت ذلك لك.. وانك امرؤ عندنا وعند الناس غير الظنين، ولا المسيء، ولا اللئيم، وأنا أحب لك القول السديد، والذكر الجميل، وان هذه الأمة لما اختلفت بينها لم تجهل فضلكم، ولا سابقتكم، ولا قرابتكم من نبيكم، ولا مكانكم في الإسلام وأهله. فرأت الأمة ان تخرج من هذا الأمر لقريش، لمكانها من نبيها، ورأى صلحاء الناس من قريش والانصار وغيرهم، وسائر الناس وعوامهم، ان يولوا من قريش هذا الأمر أقدمها إسلاماً، واعلمها بالله، واحبها، وأقواها على أمر الله، فاختاروا أبابكر، وكان ذلك رأي ذوي الدين والفضل، والناظرين للامة، فأوقع ذلك في صدوركم لهم التهمة، ولم يكونوا متهمين، ولا فيما أتوا بالمخطئين، لو رأى المسلمون أن فيكم من يغني غناءه، ويقوم مقامه، ويذب عن حريم الإسلام ذبه، ما عدلوا بالأمر إلى غيره، رغبة عنه ولكنهم عملوا في ذلك بما رأوه صلاحاً للإسلام وأهله، والله يجزيهم عن الإسلام وأهله خيراً.
قد فهمت الذي دعوتني اليه من الصلح، والحال فيما بيني وبينك اليوم، مثل الحال التي كنتم عليها انتم وأبوبكر بعد وفاة النبي!. فلو علمت: انك اضبط مني للرعية وأحوط على هذه الأمة، وأحسن سياسة، وأقوى على جمع الاموال، وأكيد للعدو، لاجبتك إلى ما دعوتني اليه، ولو رأيتك لذلك أهلاً لسلمت لك الأمر بعد أبيك، فان أباك سعى على عثمان، حتى قتل مظلوماً، فطالب الله بدمه، ومن يطلبه الله فلن يفوته، ثم ابتز الأمة أمرها، وخالف جماعتها؛ فخالفه نظراؤه، من أهل السابقة والجهاد، والقدم في الإسلام، وادعى: انهم نكثوا بيعته، فقاتلهم، فسفكت الدماء واستحلت الحرم، ثم أقبل الينا لا يدعي علينا بيعة ولكنه يريد ان يملكنا اغتراراً فحاربناه وحاربنا ثم صارت الحرب إلى أن اختار رجلاً واخترنا رجلاً يحكمان بما يصلح عليه، وتعود به الجماعة والالفة، وأخذنا بذلك عليهما ميثاقاً، وعليه مثله، على الرضا بما حكما، فأمضى الحكمان عليه الحكم بما علمت، وخلعاه، فوالله ما رضي الحكم، ولا صبر لأمر الله، فكيف تدعوني إلى أمر، انما تطلبه بحق ابيك وقد خرج، فانظر لنفسك ولدينك.. وقد علمت: اني أطول منك ولاية، واقدم منك بهذه الأمة تجربة، وأكبر منك سناً، فأنت احق ان تجيبني إلى هذه المنزلة، التي سألتني.
فادخل في طاعتي (اعاننا الله واياك على طاعته، انه سميع مجيب الدعاء).
ولكن معاوية علم: ان هذه الأساليب الملفقة، لا تنطلي على مثل الإمام، فخشي ان يكون رد فعل الإمام عليها الحرب، فأردفه بالكتاب التالي:
بسم الله الرحمن الرحيم
اما بعد: فان الله عز وجل، يفعل في عباده ما يشاء، لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب، فاحذر أن تكون منيتك على ايدي رعاع من الناس، وأيس أن تجد فينا غمزة، وان انت أعرضت عما أنت فيه وبايعتني، وفيت لك بما وعدت وأجزت لك ما شرطنا، وأكون في ذلك، كما قال الاعشى من بني قيس بن ثعلبة:

وان أحداً أسدى إليك أمانة * * * فأوف بها تدعى اذا مت وافيا
ولا تحسب المولى اذا كان ذاغني * * * ولا تجفه ان كان للمال فانيا

ثم الخلافة لك من بعدي، فأنت اولى الناس بها والسلام. (شرح ابن أبي الحديد ج/٤ ص/١٣).
(١٤٧) ولم يأبه الإمام لكتابي معاوية، اكثر من انه رد عليهما بهذا الكتاب المقتضب:..
(١٤٨) وأخيراً يئس الإمام من أصحابه، وارتجت أمامه السبل دون الصلح مع معاوية، فكتب اليه:
(١٤٩) ولما اضطر الإمام الحسن إلى الصلح كتب وثيقة الصلح، محملة بأفدح الشروط، التي تلقي بكافة المسؤوليات على معاوية، وحيث لم ترد كاملة في مصدر جمعناها هكذا من المصادر المشار اليها.
(١٥٠) البحار ج ١٠- ص ١١٥ الطبعة القديمة. والنصائح الكافية ص ١٥٦ طبع لبنان وابن أبي الحديد، في شرحه على نهج البلاغة ج - ٤، ص - ٨ عن المدائني.
(١٥١) البحار ج ١٠- ص ١١٥ الطبعة القديمة، وفتح الباري، في شرح صحيح البخاري، فيما رواه عنه ابن عقيل في النصائح الكافية ص ١٥ الطبعة الاولى.
(١٥٢) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص، ١٩، والبداية والنهاية لابن كثير ج - ٨ ص - ٤١ والاصابة ج ٢- ص ١٢ - ١٣، وابن قتيبة ص ١٥٠.
(١٥٣) عمدة الطالب، لابن المهنا ص ٥٢.
(١٥٤) أعيان الشيعة، ج ٤ - ص ٤٣.
(١٥٥) مقاتل الطالبيين للاصفهاني ص ٢٦ وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج ٤ ص ١٥.
(١٥٦) توجد هذه النصوص متفرقة في الإمامة والسياسة ص ٢٠٠ والطبري ج ٦ - ص ٩٢، وعلل الشرائع ص ٨١. (ودار ابجر) ولاية بفارس على حدود الأهواز.
(١٥٧) مقاتل الطالبيين ص ٢٦، البحار ج ١٠ - ص ١٠١ و١٠٥.
(١٥٨) توجد اكثر هذه النصوص، متكررة في جميع المصادر السابقة.
(١٥٩) البحار ج ١ - ص ١١٥ والنصائح الكافية ص ١٥٦ طبع لبنان.
(١٦٠) وقال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة ص ٢٠٠ (ثم كتب عبد الله بن عامر - يعني رسول معاوية إلى الحسن - إلى معاوية شروط الحسن كما أملاها عليه، فكتب معاوية جميع ذلك بخطه، وختمه بخاتمه، وبذل عليه العهود المؤكدة، والايمان المغلظة، وأشهد على ذلك جميع رؤساء اهل الشام، ووجه به إلى عبد الله، فأوصله إلى الحسن).
وأضاف في البحار ج ١٠ - ص ١١٥ الطبعة القديمة: (وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك عهد الله. وميثاقه. وما اخذ الله على احد من خلقه، بالوفاء وبما اعطى الله من نفسه).
(١٦١) الكامل لابن الأثير ج ٣- ص ١٦٣: لما خرج الإمام الحسن (عليه السلام) من الكوفة، لحقه رسول معاوية، طالباً منه: أن يرجع إلى الكوفة لقتال طائفة من الخوارج خرجت عليه، فكتب اليه الإمام:..
(١٦٢) ولما رجع الإمام إلى المدينة وخلا الجو لمعاوية وعماله، بدأوا بمطاردة شيعة الإمام، فكانت مآسي كثيرة سجلها التاريخ بالدموع والدماء ومن تلك المآسي ان زياد بن ابيه طلب سعيد بن سرح من أجل تشيعه، فأتي الحسن بن علي عليهما السلام مستجيراً به، فوثب زياد على أخيه وولده وامرأته فحبسهم، ونقض داره وصادر أمواله، ولما علم الإمام الحسن (عليه السلام) ذلك شق عليه، فكتب من فوره إلى زياد، يأمره بان يعطي الأمان لسعيد، ويخلي سبيل عياله وأطفاله، ويشيد داره ويرد عليه أمواله، وهذا نص كتابه:..
(١٦٣) ولما بلغ كتاب الإمام إلى زياد، استشاط غضباً، لأن الإمام لم ينسبه الى أبي سفيان، فأجابه بما يلي: (من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن بن فاطمة، اما بعد: فقد أتاني كتابك، تبدأ فيه بنفسك قبلي وأنت طالب حاجة، وانا سلطان وأنت سوقة، وتأمرني فيه بأمر المطاع المسلط على رعيته، كتبت الي في فاسق آويته اقامة منك على سوء الرأي، ورضاً منك بذلك، وأيم الله لا تسبقني به، ولو كان بين جلدك ولحمك، فان احب لحم علي أن آكله اللحم الذي انت منه، فسلمه بجررته إلى من هو أولى به منك، فإن عفوت عنه لم اكن شفعتك فيه، وان قتلته لم أقتله الا لحبه اباك والسلام).
وصل هذا الجواب إلى الإمام فما زاد أن كتب في رده:..
(١٦٤) ثم كتب الإمام إلى معاوية برد زياد عليه وأرفقه بكتاب زياد اليه، فلما بلغ معاوية ذلك غضب على زياد وكتب اليه ما يلي:
 (اما بعد، فان الحسن بن علي بعث الي بكتابك اليه، جواباً عن كتاب كتبه اليك في ابن أبي سرح، فأكثرت العجب منك، وعلمت: ان لك رأيين، احدهما من أبي سفيان، والآخر من سمية، فأما الذي من أبي سفيان فحلم وحزم، وأما الذي من سمية فما يكون من رأي ممثلها، من ذلك كتابك إلى الحسن تشتم أباه وتعرض له بالفسق، ولعمري انك لأولى بالفسق من أبيه، فأما أن الحسن بدأ بنفسه ارتفاعاً عليك، فان ذلك لا يضعك لو عقلت، وأما تسلطه عليك بالأمر فحق لمثل الحسن أن يتسلط، واما تركك تشفيعه فيما شفع فيه اليك، فحظ دفعته عن نفسك إلى من هو أولى به منك، وإذا ورد عليك كتابي فخل ما في يديك لسعيد بن ابي سرح، وابن له داره، واردد عليه ماله، ولا تتعرض له، فقد كتبت إلى الحسن (عليه السلام)، ان يخيره، إن شاء أقام عنده، وإن شاء رجع إلى بلده، ولا سلطان لك عليه لا بيد ولا لسان، واما كتابك إلى الحسن (عليه السلام) باسمه واسم امه، ولا تنسبه إلى أبيه، فان الحسن ويحك من لا يرمي به الرجوان، والى أي أم وكلته لا أم لك؟ أما علمت انها فاطمة بنت رسول الله؟ فذاك افخر له لو كنت تعلمه وتعقله.

أما حسن فابن الذي كان قبله * * * اذا سار سار الموت حيث يسير
وهل يلد الرئبال الا نظيره * * * وذا حسن شبه له ونظير
ولكنه لو يوزن الحلم والحجا * * * بأمر لقالوا يذبل وثبير

(شرح ابن ابي الحديد ج ٤ - ص ٧٢، وص ٧. والعقد الفريد ٣ - ٥)
(١٦٥) أمالي الشيخ: أصيب الإمام الحسن (عليه السلام) بابنة له، فكتب اليه قوم من أصحابه يعزونه بها، فكتب اليهم:..
(١٦٦) الاحتجاج: روي عن الشعبي، وابي مخنف، ويزيد بن ابي حبيب المصري: انهم قالوا:..
(١٦٧) هكذا في النسخ والمصدر ص - ١٣٨. وقد صححه في الأصل المطبوع هكذا: واستملاك الامة، وليس بشيء.
(١٦٨) هذه القصة انما جرت بخيبر لا في حصار بني قريظة، ولعله من خطأ الرواة.
(١٦٩) المائدة: ٨٧.
(١٧٠) اشارة إلى قوله تعالى في الاحزاب: ٢٦ (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً، وكفى الله المؤمنين القتال..) وهذا في غزوة الاحزاب. واما الثانية من السورتين، فكأنه اراد قوله تعالى: في الفتح: ٢٤: (وهو الذي كف ايديهم عنكم وايديكم عنهم ببطن مكة - إلى قوله تعالى - هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام..) الآية. وهذا في الحديبية.
وكيف كان ففي الحديث اضطراب واضح، حيث ان ابا سفيان، وعيينة بن حصن كانا في حنين مسلمين وقد اعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم كل واحد منهما مائة بعير من الفيء تاليفاً لقلبيهما وقد كان لعيينة بن حصن في اخذ عجوز من عجائز هوازن سهماً من الغنيمة شأن من الشأن، راجع سيرة ابن هشام ج ٢ - ٤٩٠ - ٤٩٣.
(١٧١) الفتح ٢٥.
(١٧٢) ذكره ابن عبد البر، في الاستيعاب بذيل الاصابة ج ٤ - ص ٨٧.
(١٧٣) فيه غرابة حيث أنه كان للحسين (عليه السلام) حين ولي عثمان الخلافة اكثر من عشرين سنة، فكيف اجتره ابو سفيان؟ وكيف نتر يده؟ وكيف كان يهلك لولا النعمان بن بشير؟.
(١٧٤) اخفضوا اقوالكم) خ ل. اخرجه الحاكم بالاسناد إلى علي (عليه السلام) وهكذا ابي ذر وابي سعيد الخدري، وصححه راجع مستدرك الحاكم ج ٤ - ص ٤٨٠.
(١٧٥) سورة السجدة آية ١٨.
(١٧٦) سورة الحجرات آية ٦.
(١٧٧) الامالي المجلس ٧٤ الرقم ٤.
(١٧٨) الغاشية آية ٣.
(١٧٩) ما بين العلامتين لا يناسب عتبة بن أبي سفيان وهو اخو معاوية لأبويه، وانما يناسب الوليد بن عقبة أخا عثمان بن عفان لأمه أروى بنت كريز، والحكم بن أبي العاص طريد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، ولعينه عم عثمان حقيقة. وعم الوليد بن عقبة بهذا السبب، والظاهر انه من اضطراب في الرواية.
(١٨٠) الظاهر جعل الثلاثة الاخيرة واحداً حتى يصح (فبأي الثلاثة).
(١٨١) الانبياء آية ١١١.
(١٨٢) الإسراء آية ١٦.
(١٨٣) النور آية ٢٦.
(١٨٤) فهلا خ ل.
(١٨٥) الاسراء آية ٦٠.
(١٨٦) راجع الاحتجاج ص ١٣٧ - ١٤٣، وقد نقل القصة بنحو آخر في تذكرة خواص الامة لسبط ابن الجوزي ص ١١٤ - ١١٦ واسندها إلى اهل السير، ثم شرح غريب ألفاظها من ١١٦ - ١١٩.
ونقل كثيراً من مثالب هؤلاء عن كتاب المثالب لهشام بن محمد الكلبي فراجع (البحار ج ٤٤ - ص ٧٠ - ٨٦. الطبعة الحديثة).
(١٨٧) حياة الإمام الحسن ج ٢- ٢٧١ - ٢٧٦ .
(١٨٨) ويروى: رمين بالأبعار.
(١٨٩) هكذا جاء في الاصل، والاصح: ولكن كيف تساوينا.
(١٩٠) (أ) المحاسن والمساوئ للبيهقي ج ١ - ص ٥٨ - ٦١.
 (ب) المحاسن والأضداد للجاحظ، ص ٩٢ - ٩٤.
 (ج) حياة الإمام الحسن ج ٢ - ص ٢٧٧ - ٢٧٩.
(١٩١) البحار ج ٤٤ - ص ١٠٥ - ١٠٦ محمد باقر المجلسي.
(١٩٢) الزيادة من المصدر ج ٤ - ص ٢٣.
(١٩٣) فقد أشرعت في المنايا أكفها: ظ وما في الصلب مطابق للاصل والمصدر.
(١٩٤) (أ) البحار ج ٤٤ - ص ١٠٢ - ١٠٣ محمد باقر المجلسي.
 (ب) حياة الإمام الحسن ج ٢- ص ٢٨١ - ٢٨٣، عن مناقب بن شهر آشوب والعقد الفريد.
(١٩٥) شرح ابن ابي الحديد ج / ٤ ص/ ١٠ المحاسن والمساوئ ج /١ ص/ ٦٥،.
(١٩٦) (أ) المحاسن والمساوئ للبيهقي ج ١- ص ٦٣ - ٦٥.
(١٩٧) (أ) البحار ج ٤٤ ص ٩٣ - ٩٥، محمد باقر المجلسي.
(ب) الاحتجاج للطبرسي.
(١٩٨) في المصدر ص ١٤٤: (لا ننحجن) ومعنى الانحجان: الانعطاف والاعوجاج، ولكن الاظهر ما اختاره المصنف صاحب البحار - رضوان الله عليه - حيث يجيء في كلامه (عليه السلام) رداً على مروان: (وانحجزت مذعوراً).
(١٩٩) لما قتل عثمان وبايع الناس علياً، دخل المغيرة بن شعبة فقال: يا امير المؤمنين ان لك عندي نصيحة، قال: وماهي؟ قال: ان اردت ان يستقيم لك الامر فاستعمل طلحة بن عبيد الله على الكوفة، والزبير بن العوام على البصرة، وابعث معاوية بعده على الشام حتى تلزمه طاعتك، فاذا استقرت لك الخلافة فأدركها كيف شئت برأيك، فلم يقبل (عليه السلام) عنه ذلك، وقال: ان اقررت معاوية على ما في يده، كنت متخذ المضلين عضدا. راجع الاستيعاب بذيل الاصابة ج ٣- ص ٢٧١.
(٢٠٠) في المصدر: (عبد آبق فثقف) وكلاهما بمعنى.
(٢٠١) في المصدر ص ١٤٤: (واما وصلتك فمنكورة).
(٢٠٢) تحف العقول.
(٢٠٣) مقتل الحسين للخوارزمي ج ١ - ص ١٢٥.
الإمام الحسن - م (١١)
(٢٠٤) ومن الملحوظ: ان في هذا الحديث وما سبق تشابه كثير، ولكن اثبتناهما معاً لما فيهما من اختلاف.
(٢٠٥) مناقب ابن شهر آشوب ج/٣- ص/١٩٩ - ٢٠٠ عبد الملك بن عمير والحاكم، والعباس: انهم قالوا:
(٢٠٦) روضة الواعظين لأبي عليّ النيسابوريّ.
(٢٠٧) مناقب آل أبي طالب ج ٤ - ص ٨، عن اسماعيل بن أبان باسناده..
(٢٠٨) سورة التوبة: ١٠٢.
(٢٠٩) سورة المطففين: ١٣.
(٢١٠) كتاب الشيرازي: روى سفيان الثوري، عن واصل، عن الحسن:..
(٢١١) الاسراء: ٦٤.
(٢١٢) عيون الاخبار لابن قتيبة ج/١-ص/ ١٩٦.
(٢١٣) أعيان الشيعة ج ٤- ق ١- ص ٢٨ قاله (عليه السلام) لمعاوية بن خديج عندما رآه خارجاً من دار عمرو بن حريث.
(٢١٤) المناقب لابن شهر آشوب ج ٤ - ص ١٢ عن المنهال بن عمرو: ان معاوية سأل الحسن (عليه السلام) أن يصعد المنبر وينتسب، فصعد فحمد الله واثنى عليه، ثم قال:..
(٢١٥) ناسخ التواريخ، ولما دنت الوفاة من الإمام الحسن استدعى أخاه الحسين فقال له: (اكتب يا أخي) واملى عليه هذه الوصية:..
(٢١٦) اختلفت كتب التاريخ والحديث في نص وصية الإمام الحسن اختلافاً في النص مع اتفاقها على الهدف، فأثبتنا هذه النصوص الثلاثة، لاحتمال ان يكون الإمام قد كرر وصيته بألفاظ مختلفة، للتأكيد على منع اراقة الدماء حول جثمانه.
(٢١٧) ناسخ التواريخ:..
(٢١٨) ناسخ التواريخ:..
(٢١٩) عيون المعجزات للشريف المرتضي:..
(٢٢٠) (ا): - أعلام الورى -
(ب):- الكافي ج ١ - ص ٣٠١ - ٣٠٢ مع اختلاف يسير في النص:..
(٢٢١) سورة البقرة - ٢ - ١٠٩.
(٢٢٢) كذا في نسخة الأصل - نسخة المصنف قدس سره - وفي الكافي: وأنت إمام وأنت وسيلتي.
(٢٢٣) في المصدر: نغمة الرياح.
(٢٢٤) زاد في المصدر: حتى لا يجد قلماً ويؤتوا بالقرطاس جمعاً.
(٢٢٥) في الكافي: (ولو علم الله في أحد غير محمد خيراً لما اصطفى).
(٢٢٦) معالي السبطين ص ٤٧.
(٢٢٧) كتب الإمام الحسن عوذة لنجله (قاسم) وشدها في عضده ثم قال له: (اذا أصابك ألم وهم، فعليك بحل العوذة وقراءتها، فافهم معناها واعمل بكل ما تراه مكتوباً فيها) وحل القاسم بن الحسن العوذة يوم عاشوراء فاذا فيها:..
(٢٢٨) البحار - ج ٤٣ - ص ٣٣٣: حدث أبو يعقوب يوسف بن الجراح، عن رجاله، عن حذيفة بن اليمان:..
(٢٢٩) أي احتقره الاعرابي لصغر سنه (عليه السلام).
(٢٣٠) هيه: كلمة تقال لشيء يطرد وهي ايضاً كلمة استزادة.
(٢٣١) قال الجزري فيه: أن قريشاً كانوا يقولون ان محمداً صنبور: أي ابتر لا عقب له.
(٢٣٢) من كلام لقيط بن زرارة يوم جبلة وكان على فرس أشقر، يقول: ان جريت على طبعك فتقدمت إلى العدو قتلوك وان اسرعت فتأخرت منهزماً أتوك من ورائك فعقروك، فاثبت والزم الوقار. راجع مجمع الامثال ج ٢- ص ١٤٠.
(٢٣٣) سويد: بتصغير الترخيم، اصله اسيود تصغير اسود.
(٢٣٤) علل الشرائع: محمد بن علي الصدوق عن أبيه عن سعيد بن عبدالله عن أحمد بن محمد، عن أبي خالد البرقي، عن أبي هاشم: داود بن القاسم الجعفري عن ابي جعفر الثاني (عليه السلام)، انه قال:..
(٢٣٥) تحف العقول.
(٢٣٦) الفصول المهمة لابن الصباغ ص ١٦١.
(٢٣٧) سأل رجل الإمام في حاجة، فقال له الإمام:..
(٢٣٨) ثم أعطاه ثلاثمائة الف درهم وعشرين ديناراً.
(٢٣٩) نور الابصار ص ١١١.
(٢٤٠) إرشاد القلوب ص ١٤٣: الحسن بن محمد الديلمي:..
(٢٤١) (أ) تحف العقول
 (ب) مكارم الأخلاق: الحسن بن الفضل الطبرسي.
(٢٤٢) مكارم الأخلاق: الحسن بن الفضل الطبرسي:..
(٢٤٣) مناقب ابن شهر اشوب ج ٣ - ص ٢٠٢.
(٢٤٤) روى المسعودي: ان الحسن (عليه السلام) قال عند موته - في شأن جعدة ومعاوية:..
(٢٤٥) ولما سقى الإمام الحسن السم عاده الإمام الحسين فسأله: (كيف تجدك يا أخي؟) فقال الإمام الحسن:..
(٢٤٦) لما سم الإمام الحسن جاءه الإمام الحسين، فلما رأى ما به بكى، فقال له الإمام الحسن: ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ قال له الحسين: أبكي على ما أراك فيه، فقال له الحسن:..
(٢٤٧) وصف بها أهل الكوفة.
(٢٤٨) البحار ج ١٧ - ٢٠٧ الطبعة القديمة: محمد باقر المجلسي.
(٢٤٩) البحار ج ١٧ - ص ٢٠٤ الطبعة القديمة: محمد باقر المجلسي.
(٢٥٠) البحار ج ١٧ - ص ٢٠٤ الطبعة القديمة: محمد باقر المجلسي.
(٢٥١) ناسخ التواريخ.
(٢٥٢) تحف العقول.
(٢٥٣) البحار ج ٤٣ - ص ٣٥٨ الطبعة الحديثه: محمد باقر المجلسي.
(٢٥٤) البحار ج ١٧ - ص ٢٠٤ الطبعة القديمة: محمد باقر المجلسي.
(٢٥٥) نفس المصدر ص ٢٠٧.
(٢٥٦) تحف العقول.
(٢٥٧) أعيان الشيعة ج ٤- ص ٤٦: السيد محسن الأمين العاملي.
(٢٥٨) الواعظ ج ٣- ص ١٠٢.
(٢٥٩) تحف العقول.
(٢٦٠) تحف العقول.
(٢٦١) البحار ج ٤٤ - ص ٥٧: الطبعة الحديثة: محمد باقر المجلسي.
(٢٦٢) تحف العقول.
(٢٦٣) تحف العقول.
(٢٦٤) البحار ج ١٧ - ص ٢٠٦ الطبعة القديمة: محمد باقر المجلسي.
(٢٦٥) تحف العقول.
(٢٦٦) البحار ج ١٧ - ص ٢٠٦ الطبعة القديمة: محمد باقر المجلسي.
(٢٦٧) تحف العقول.
(٢٦٨) تاريخ دمشق لابن عساكر ج ١٢ - ص ٥٢٢: اخبرنا ابو غالب بن البناء قال حدثنا ابو محمد الجوهري حدثنا ابو عمر بن حبوبة حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد حدثنا الحسين بن الحسن حدثنا عبد الله بن المبارك حدثنا عبيد الله بن الوليد الرصافي عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث أن الحسن (عليه السلام) قال:..
(٢٦٩) البحار ج ١٧ - ص ٢٠٤ الطبعة القديمة: محمد باقر المجلسي.
(٢٧٠) المصدر السابق وتحف العقول.
(٢٧١) اعيان الشيعة ج ٤ - ق ١ - ص ٤٦.
(٢٧٢) اعيان الشيعة ج ٤- ق ١ - ص ٤٦.
(٢٧٣) البحار ج ١٧ - ص ٢٠٦ الطبعة القديمة: محمد باقر المجلسي.
(٢٧٤) أعيان الشيعة ج ٤ - ص ٨٨: السيد محسن الامين العاملي.
(٢٧٥) (أ) تحف العقول.
(ب) البداية والنهاية لابن كثير ج ٨ - ص ٣٩، قيل للحسن بن علي: إن ابا ذر كان يقول: الفقر أحب إلي من الغنى، والسقم أحب إلى من الصحة فقال: رحم الله أباذر، أما أنا فأقول:..
(٢٧٦) مجموعة ورام ص ٣٧.
(٢٧٧) البحار ج ١٧ - ص ٢٠٥ الطبعة القديمة: محمد باقر المجلسي.
(٢٧٨) نفس المصدر ص ٢٠٦.
(٢٧٩) نفس المصدر ص ٢٠٤.
(٢٨٠) نفس المصدر ص ٢٠٥: سئل (عليه السلام) عن الصمت، فقال:..
(٢٨١) تاريخ ابن عساكر ج ٤- ص ٢١٩. كتب هذين البيتين على فص خاتمه.
(٢٨٢) المناقب ج ٢ - ص ١٤٥.
(٢٨٣) البحار ج ٤٣ - ص ٣٤٠.
(٢٨٤) كشف الغمة ج ٢ - ص ١٥٢، المناقب ج ٤ - ص ٢٢.
(٢٨٥) دخل الإمام يوماً على معاوية - وكان عنده عمرو بن العاص، فقال: (قد جاءكم الفهه العيي، الذي كان بين لحييه عقله) فالتفت الإمام إلى معاوية قائلاً (يا معاوية! لا يزال عندك عبداً راتعاً في لحوم الناس، أما والله لو شئت ليكونن بيننا ما تتفاقم فيه الامور، وتحرج منه الصدور).
(٢٨٦) المحاسن والاضداد للجاحظ ص ٩٥ والمحاسن والمساوئ للبيهقي (ج ١- ص ٦٢).
(٢٨٧) المناقب. البحار ج ٤٤ - ص ٥٨.
(٢٨٨) مناقب ابن شهر اشوب: تفاخرت قريش والحسن بن علي عليهما السلام حاضر لا ينطق، فقال معاوية: يا أبا محمد مالك لا تنطق؟ فوالله ما انت بمشوب الحسب، ولا بكليل اللسان. قال الحسن (عليه السلام): ما ذكروا فضيلة الا ولي محضها ولبابها، ثم قال:...
(٢٨٩) ناسخ التواريخ.
(٢٩٠) العاملي، ص ٨٩.
(٢٩١) روي أن أعرابياً جاء إلى الحسن (عليه السلام) وهو يشكو ويقول:

لم يبق لي شيء يباع بدرهمٍ * * * يكفيك شاهد منظري عن مخبري
إلا بقايا ماء وجه صنته * * * عن أن يباع وقد وجدتك مشتري

فأعطاه الحسن (عليه السلام) اثني عشر ألف درهم، وقال:
(٢٩٢) نور الابصار ص ١١١.
(٢٩٣) المناقب ج ٢ - ص ١٥٦.
(٢٩٤) أعيان الشيعة ج ٤ - ص ٨٩ - ٩٠ جاءه اعرابي، فقال الإمام: اعطوه ما في الخزانة، فوجد فيها عشرون ألف دينار، فدفعها إلى الاعرابي، فقال الاعرابي: يا مولاي ألا تركتني ابوح بحاجتي وانشر مدحتي؟ فأنشأ الحسن (عليه السلام):..
(٢٩٥) وفيات الاعيان ج ٤- ص ١٢١. قاله بعد ما خرج من مناظرة عير فيها بسرعة الشيب إلى شاربه.
(٢٩٦) البحار ج ٤٣ - ص ٣٣٤. انشأ هذه الابيات لاعرابي استصغره.
(٢٩٧) العمدة ج ١ ص ٢١. ومعنى البيت: انا نسود الظاهر من الشعر ولكن جذوره تأبى إلا البقاء على الشيب.
(٢٩٨) البحار ج ٤٣ - ص ٣٤٣ الطبعة الجديدة.
(٢٩٩) البحار ج ٤٤ - ص ٥٧ الطبعة الجديدة: انشأ لما اضطر إلى بيعة معاوية.
(٣٠٠) البحار ج ١٠ - ص ٩٤.
(٣٠١) عندما صار (عليه السلام) بدير هند، نظر إلى الكوفة قائلاً:
(٣٠٢) أعيان الشيعة ج ٤- ق ١ - ص ٤٠.
(٣٠٣) المجالس السنية: السيد محسن الأمين العامليّ، ج ٥- ص ١٦٧
(٣٠٤) أ - جلاء العيون: السيد عبد الله شبّر - ص ٣٢١.
ب - البحار - محمد باقر المجلسي ج ٤٣ - ص ٣٣٩.
(٣٠٥) مهج الدعوات: السيد علي بن طاووس، ص ٤٧.
(٣٠٦) من لا يحضره الفقيه: محمد بن علي الصدوق ص ١٤٠.
(٣٠٧) المصدر السابق ص ١٤٣: وقد دعى به عندما أتى معاوية بن أبي سفيان:..
(٣٠٨) البحار - محمد باقر المجلسي - ج ١٠ - ص ١٣٢ الطبعة الحديثة، وقد دعا به لما دخل على ملك الروم.
(٣٠٩) أ - الاحتجاج للطبرسي - ص ١٤٦
ب - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج ٢ - ص ١٦٤، دعا به لما دخل علي معاوية وعنده جماعة من أصحابه يريدون تنقيصه.
(٣١٠) جلاء العيون: السيد عبد الله شبّر، ج ١، ص ٣٣٢.
(٣١١) مهج الدعوات: السيد علي بن طاووس، صفحة ٢٩٧.
(٣١٢) البحار: محمّد باقر المجلسيّ ج ١ - ص ١٣٠ الطبعة الحديثة.
(٣١٣) مجموعة ورّام ص ٤٢٩.
(٣١٤) تفسير الصافي؛ محسن الفيض.
(٣١٥) البحار: محمد باقر المجلسيّ ج ٤٣ - ص ٣٣٩ الطبعة الحديثة.
(٣١٦) روضة الوافي: محسن الفيض ص ٦٧.
(٣١٧) (أ) البحار: محمد باقر المجلسي ج ٤٤ - ص ١٥٠.
(ب) الوافي: محسن الفيض ج ٢ - ص ١٧٤.
(ج) جلاء العيون: السيد عبد الله شبّر ج ١ - ص ٣١٩.
(٣١٨) البحار: محمّد باقر المجلسي ج ١٠ ص ١٣٧ الطبعة الحديثة.
(٣١٩) البحار: محمّد باقر المجلسي ج ٤٣ - ص ٣٢٧ الطبعة الحديثة.
(٣٢٠) البحار: محمّد باقر المجلسي ج ٤٤ - ص ٩٠ الطبعة الحديثة.
(٣٢١) البحار: محمد باقر المجلسي ج ١٠ - ص ١٣٤ الطبعة الحديثة.
(٣٢٢) معالي السبطين: الشيخ مهدي المازندراني ص ١٤.
(٣٢٣) البحار: محمد باقر المجلسي ج ٤٤ - ص ١٠٤.
(٣٢٤) البحار: محمد باقر المجلسي ج ٤٠ - ص ٣١٥ الطبعة الحديثة.
(٣٢٥) معالي السبطين: الشيخ مهدي المازندراني ص ١٣.
(٣٢٦) (أ) - معالي السبطين: الشيخ مهدي المازندراني.
(ب)_ الانوار البهيّة: الشيخ عباس القمي ص ٧٦.
(٣٢٧) من لا يحضر الفقيه: محمد بن عليّ الصدوق ص ٧.
(٣٢٨) معالي السبطين: الشيخ مهدي المازندراني، ص ١٩.
(٣٢٩) جلاء العيون: السيد عبد الله شبّر ج ١ - ص ٣٢٧.
(٣٣٠) جلاء العيون: السيد عبد الله شبّر ج ١ - ص ٣٣٥.
(٣٣١) البحار: محمد باقر المجلسيّ ج ٤٠ - ص ٤٤ الطبعة الحديثة: بعد أن دفن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، اجتمع الناس بباب دار الإمام ليشهدوا مقتل عبد الرحمن بن ملجم، فخرج إليهم الإمام الحسن (عليه السلام)، وقال:
(٣٣٢) التوحيد: محمّد بن عليّ الصدوق، ص ٣٨٥: بعد قتل عبد الرحمن بن ملجم: قاتل الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، اجتمع الناس ليبايعوا الإمام الحسن، فخطب فيهم قائلاً:..
(٣٣٣) جلاء العيون: السيد عبد الله شبّر، ج ١ - ص ٣٤٥: قاله الإمام لبعض المتظاهرين بأنهم من أصحابه، الغادرين به، والمتربّصين به لصالح معاوية:..
(٣٣٤) البحار: محمد باقر المجلسي، ج ٤٤ - ص ٤٤ الطبعة الحديثة: بعد ما غدر الكندي بالإمام والتحق بمعاوية، بعث الإمام بجيش يضمّ أربعة آلاف رجل، وأمّر عليه رجلاً من مراد، فسار حتى انتهى إلي (الأنبار) ولمّا علم معاوية به، أرسل إليه بخمسة آلاف، وكتب إليه يمنّيه بولاية أية مدينة أحبّ من مدن الشام والجزيرة، فالتحق بمعاوية، وعندما علم الإمام بخبر المراديّ:..
(٣٣٥) (أ) البحار: محمد باقر المجلسي ج ٤٤ - ص ٦٤ الطبعة الحديثة.
(ب) شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد ج ٤ - ص ١٣.
(ج) مطالب السؤول: كمال الدين الشافعي - ص ٦٨، كتب الإمام الحسن بعد توليه الخلافة، إلى معاوية بن أبي سفيان:..
(٣٣٦) جلاء العيون: السيد عبدالله شبّر ج١ - ص ٣٤٦: عندما يئس الإمام الحسن من الانتصار العسكريّ وجّه إلى معاوية بن أبي سفيان كتاباً جاء فيه:
(٣٣٧) البحار: محمد باقر المجلسيّ ج ٤٤ - ص ٤٥ الطبعة الحديثة: أرسل معاوية بن أبي سفيان خطاباً إلى الإمام الحسن (عليه السلام) يدّعي فيه أنّ الخلافة له، فردّ عليه الإمام بكتاب جاء فيه:
(٣٣٨) البحار: محمد باقر المجلسي ج ٤٤ - ص ٢٧ الطبعة الحديثة.
(٣٣٩) البحار: محمد باقر المجلسي ج ٤٤ - ص ٥٧: الطبعة الحديثة.
(٣٤٠) شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد ج ٤ - ص ١٠: كان الإمام الحسن قد أخذ من معاوية بن أبي سفيان - في شروط الصلح - أماناً له ولأصحابه، فتعرّض زياد لأحد أصحاب الإمام، فكتب الإمام إلى زياد:
(٣٤١) روضة الوافي: محسن الفيض، ص ١٠٧: قاله في توديع ابي ذرّ الغفاري لمّا سفّره عثمان من المدينة المنورة إلى الربذة:
(٣٤٢) مجموعة ورّام - ص ٣٥٠.
(٣٤٣) مجموعة ورّام - ص ٣٥٠.
(٣٤٤) البحار: محمد باقر المجلسي - ج ١٧ - ص ٢٠٧ الطبعة القديمة.
(٣٤٥) شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد - ج ٤ - ص ٣٣٣.
(٣٤٦) الإثني عشرية - محمد بن قاسم الحسيني - ص ٥٣.
(٣٤٧) المحاسن والاضداد: الجاحظ - ص ٧٠.
(٣٤٨) تاريخ اليعقوبي: ابن واضح الأخباري، ج ٢، صفحة ٢١٦.
(٣٤٩) لآلىء الاخبار: الشيخ محمد التوسير كاني، ج١، صفحة ٥١.
(٣٥٠) جلاء القلوب - السيد عبد الحسين الموسوي.
(٣٥١) لآلئ الاخبار، الشيخ محمد التوسير كاني، ج ١ - ص ٥١.
(٣٥٢) الاثني عشرية - محمد بن قاسم الحسيني، ص ٢١٢.
(٣٥٣) البحار: محمد باقر المجلسي ج ٤٣ - ص ٣٣٣ الطبعة الحديثة.
الامام الحسن - م (١٦).
(٣٥٤) البحار، محمّد باقر المجلسي ج ١٧ - ص ٢٠٧ الطبعة القديمة.
(٣٥٥) البحار، محمّد باقر المجلسي ج ١٧ - ص ٢٠٧ الطبعة القديمة.
(٣٥٦) تحف العقول، الحسن بن شعبة - ص ١٦٧.
(٣٥٧) مجموعة ورّام ص - ٣١٢.
(٣٥٨) الكشكول، محمد بن عبد الصمد البهائي ج ١ - ص ٥٥٤.
(٣٥٩) تحف العقول، الحسن بن شعبة ص ١٦٦.
(٣٦٠) الإثنى عشرية: محمد بن قاسم الحسيني ص ٥٥.
(٣٦١) مجموعة ورّام - ص ٢٦٥.
(٣٦٢) المناقب لابن شهر آشوب: ج٤، ص٢.
(٣٦٣) معالي السبطين: الشيخ مهدي المازندراني - ص ٢٠.
(٣٦٤) ارشاد القلوب للديلمي - ص ٩٦.
(٣٦٥) ارشاد القلوب للديلمي - ص ٩٦.
(٣٦٦) ارشاد القلوب للديلمي - ص ٩٤.
(٣٦٧) ارشاد القلوب للديلمي - ص ٩٣.
(٣٦٨) ارشاد القلوب للديلمي - ص ٩٢.
(٣٦٩) ارشاد القلوب للديلمي - ص ٩٥.
(٣٧٠) ارشاد القلوب للديلمي - ص ١٦٨.
(٣٧١) البحار: محمد باقر المجلسي - ج ٤٤ - ص ٤٣، بعد أن غدر المنافقون من أهل الكوفة بالإمام الحسن (عليه السلام) أكثر من مرة، جاء اليه جمع منهم يتزلفون اليه، وهم يقولون له: انت خليفة أبيك ووصيّه، ونحن السامعون المطيعون لك، فمرنا بامرك. فقال:
(٣٧٢) جلاء العيون: السيد عبد الله شبّر - ج ١ - ص ٣٦٨.
(٣٧٣) البحار: محمد باقر المجلسي - ج ٤٤ - ص ١٤٥.

التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 

التعليقات

 
COMMENTS_EMPTY

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
التحقق اليدوي: * إعادة التحميل