فهرس المكتبة الحسنية

   

البحث في المكتبة التخصصية

 
 

كتاب مختار:

   

المسار

  الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية » كتب أخرى » حياة الإمام الحسن بن علي دراسة وتحليل الجزء الثاني  

كتب أخرى

 

الكتب حياة الإمام الحسن بن علي دراسة وتحليل الجزء الثاني

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: الشيخ باقر شريف القرشي التاريخ التاريخ: ٢٠١٥/٠٨/٣١ المشاهدات المشاهدات: ٩٩٧١ التعليقات التعليقات: ٠

حياة الإمام الحسن بن علي عليهما السلام دراسة وتحليل الجزء الثاني

تأليف: الشيخ باقر شريف القرشي
الناشر: دار البلاغة

محتويات الكتاب

البسملة مع آي من الذكر الحكيم
الإهداء
أمام الكتاب
بنو هاشم وبنو أمية والحسن ومعاوية
البيعة
قبول الخلافة
عموم البيعة
إحكام الدولة
أخطاء تاريخية
المسعودي
فريد وجدي
الخضرى
طه حسين
الحرب الباردة
المؤتمر الأموي
مذكرة الإمام
جواب معاوية
مذكرة ابن عباس
جواب معاوية
رسالة ابن عباس للإمام
رسالة الإمام الى معاوية
جواب معاوية
مذكرة معاوية
جواب الإمام
اعلان الحرب
مذكرة معاوية لعماله
فزع العراقيين
اختيار عبيد الله
عدد الجيش
وصف الجيش
الشيعة
المحكمة
أصحاب المطامع
الشكاكون
أتباع الرؤساء
أخطاء تاريخية
الحاكم
اليعقوبي
ابن كثير
طه حسين
فى المدائن
حوادث مسكن
بث الجواسيس
رشوة الوجوه
اغراؤه لعبيد الله
غدر وخيانة
اضطراب الجيش
أكاذيب وأضاليل
خلاصة الأحداث
حوادث المدائن
إذاعة الذعر
رشوة الزعماء
تأثير الرشوة
نهب أمتعة الإمام
تكفيره
اغتياله
الموقف الرهيب
أسباب الصلح:
(١) تفلل الجيش
(أ) تضارب الحزبية فيه
الحزب الأموي
الحزب الحروري
(ب) السأم من الحرب
الحروب المتتالية
الياس من الغنائم
(ج) فقد القوى الواعية
(د) الدعوة الى الصلح
(ه‍) خيانة عبيد الله
(و) رشوات معاوية
(ز) الإشاعات الكاذبة
(٢) قوة العدو
(أ) طاعة الجيش
(ب) بساطة وسذاجة
(ج) اتفاق الكلمة
(د) ضخامة القوى العسكرية
(ه‍) حاشيته
(و) ضخامة الأموال
(٣) اغتيال أمير المؤمنين
(٤) حقن الدماء
(٥) منة معاوية
(٦) حوادث المدائن
(٧) الحديث النبوي
(٨) العصمة
(٩) ابراز الواقع الأموي
أبو سفيان وهند
ما أثر عن النبي في معاوية
عداؤه للنبي
تعطيله الحدود
إباحته للربا
الأذان في صلاة العيد
الخطبة قبل صلاة العيد
أخذ الزكاة من الأعطية
تطيبه في الاحرام
استعماله أواني الذهب والفضة
لبسه الحرير
استحلاله أموال الناس
شراؤه الأديان
خلاعة ومجون
افتعال الحديث
استلحاقه زيادا
الاستياء الشامل
الإمام الحسن
الإمام الحسين
يونس بن عبيد
عبد الرحمن ابن الحكم
أبو العريان
أبو بكرة
يزيد بن المفرغ
الحسن البصري
السكتواري
عماله وولاته
سمرة بن جندب
بسر بن أرطاة
أبو هريرة
زياد بن أبيه
الجور الشامل
سياسة أهل البيت
السياسة البناءة
نظرهم الى الخلافة
المثل العليا
(أ) العدل
(ب) المساواة
(ج) الحرية
(د) الصراحة والصدق
(ه‍) الولاة والعمال
(و) الخدمة العسكرية
(ز) السياسة المالية
بنود الصلح:
وثيقة الصلح
مكان الصلح
عام الصلح
دراسة وتحليل
العمل بكتاب الله
ولاية العهد
الأمن العام
عدم تسميته بأمير المؤمنين
عدم اقامة الشهادة
ترك سبّ أمير المؤمنين
الأمن العام للشيعة
خراج دارابجرد
عدم البغي عليهم
موقف الامام الحسين:
اجتماع الامام بمعاوية:
خطاب الإمام الحسن
موقف الزعيم قيس
المنددون بالصلح:
حجر بن عدي
عدي بن حاتم
المسيب بن نجبة
مالك بن ضمرة
سفيان بن أبي ليلى
بشير الهمداني
سليمان بن صرد
عبد الله بن الزبير
أبو سعيد
بعض أصحابه
الى يثرب:
مدرسته
عطفه على الفقراء
الاستجارة به
مع حبيب بن مسلمة
مع معاوية فى يثرب
الحزب السياسي
الى دمشق:
مناظراته
خرق معاوية شروط الصلح:
(١) سبه لأمير المؤمنين
المنكرون ذلك
سعد بن أبي وقاص
السيدة أم سلمة
عبد الله بن عباس
الأحنف بن قيس
كثير بن كثير
أنيس الأنصاري
زيد بن أرقم
أبو بكرة
(٢) خراج دارابجرد
(٣) شيعة أمير المؤمنين
حجر بن عدي
ضحايا العقيدة من أصحاب حجر
عبد الرحمن
صيفى بن فسيل
قبيصة بن ربيعة
شريك بن شداد الحضرمى
كدام بن حيان العنزي
محرز بن شهاب التميمي
صدى الفاجعة
 (أ) الامام الحسين
(ب) عائشة
(ج) الربيع بن زياد
(د) الحسن البصري
(ه‍) عبد الله بن عمر
(و) معاوية بن خديج
رشيد الهجري
عمرو بن الحمق الخزاعي
أوفى بن حصن
جويرية بن مسهر العبدي
عبد الله بن يحيى الحضرمى
هدم دور الشيعة
عدم قبول شهادة الشيعة
اشاعة الارهاب والاعتقال
محمد بن أبي حذيفة
عبد الله بن هاشم المرقال
عبد الله بن خليفة الطائي
صعصعة بن صوحان
عدي بن حاتم
جارية بن قدامة
ترويع نساء الشيعة
الزرقاء بنت عدي
أم الخير البارقية
سودة بنت عمارة
أم البراء بنت صفوان
بكارة الهلالية
أروى بنت الحارث
عكرشة بنت الأطرش
الدارمية الحجونية
المؤتمر الحسيني
(٤) البيعة ليزيد
دعوة المغيرة
وفود الأمصار
سفرة معاوية الأولى ليثرب
سفره الثاني الى يثرب
خطبة الامام الحسين
عائشة وبيعة يزيد
ازواجه وعقبه:
فرية المنصور
مخاريق لامنس
نهاية المطاف:
أقوال غريبة
موته بالسل
سمّه في العصا
سمّه في الطواف
موته حتف أنفه
وصيته للحسين
وصيته لمحمد
الى الرفيق الأعلى
تجهيز الامام
مواكب التشييع
الصلاة على الجثمان
الفتنة الكبرى
اجازة عائشة لدفن عبد الرحمن
على حافة القبر
صدى الفاجعة
يثرب
مكة
البصرة
الكوفة
سرور معاوية
مصادر البحث

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ). (وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً، إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً). (أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ). (القرآن الكريم)

الإهداء

إليك. يا من لا تحصى مواهبه وملكاته وعبقرياته.
إليك يا من تمت بخلافته في يوم (عيد الغدير) النعمة الكبرى، وكمل الدين.
إليك. يا وصى رسول الله (ص) وصهره، وصاحبه وخليله إليك. يا أمير المؤمنين.
أتقدم الى روحانيتك المقدسة، وبيدى (الحلقة الثانية) من حياة الامام الحسن، كبير ولدك وشريكك في آية التطهير، وولي عهدك، الذي سكبت في نفسه كمالك اللامتناهي، وغذيته بأروع المثل العليا راجيا من مقامك الرفيع قبولها واذا منحتني القبول وتلطفت علي بالرضا، فهو غاية النجاح ومنتهى الأمل والسعادة لعبدك.

المؤلف

امام الكتاب
قدم الجزء الاول من هذا الكتاب سماحة الامام المغفور له الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء نضّر الله مثواه وقد وعد في تقديمه أن يعطي البيان حقه ويكشف الحجب والغموض، ويرفع الابهام والالتباس في صلح الامام الحسن مع معاوية ـ فيما اذا سمحت له ظروفه بذلك ـ وعند ما انتهى الكتاب من الطبع وعرض عليه كتب هذه الكلمة الرائعة، وهو في أواخر أيام حياته، وقد اشتملت على مواضيع خطيرة، وأبحاث مهمة، وقد ابرز فيها دقائق التأريخ، وهي تعد ـ بحق ـ آية من آيات الفن من حيث العمق والتحليل وروعة الاسلوب وبما أن الكتاب هو الباعث على تحريرها رأينا أن نتوج الجزء الثاني بها، ونتحف القراء بهذه الاضبارة الممتعة من بحوث الامام كاشف الغطاء.
بنو هاشم، وبنو أمية والحسن ومعاوية
العداوات، والتباغض بين الأفراد والقبائل، والجماعات غريزة بعيدة المدى في طبيعة البشر من أول عهده، وبدء وجوده على هذه الكرة من عهد هابيل وقابيل، مستمرة في جميع الاجيال إلى هذا الجيل، ومنشأ العداوة وبواعثها غالبا هو التنافس والتعالي والانانية التي تدفع إلى حب الأثرة والغلبة والسيطرة، والاستيلاء على مال أو جاه، أو ولاية وإمرة وانكى العداوات العداوات التي تبعث عن ترة وطلب ثار وغسل عار وللتشفى والانتقام، ولكن اسوأ العداء أثرا، وأبعده مدى، والذي يستحيل تحويله ولا يمكن زواله هو عداوة الضدية الذاتية، والمباينة الجوهرية كعداوة الظلام للنور، والرذيلة للفضيلة، والقبح للحسن. والشر للخير وامثال ذا، فان هذا العداء والتنافر يستحيل من أن يزول إلا بزوال احدهما إذ كل يضاد الآخر في اصل وجوده وطباع ذاته، وكل واحد يمتنع على الآخر فلا يجتمعان ولا يرتفعان، فالذوات الشريرة بذاتها وفي جوهرها تضاد الذوات الخيرة وتعاديها، وكل واحد من هذين المتضادين المتعاندين يجد ويجتهد في ازالة الآخر ومحوه من الوجود كالنور والظلام لا يجتمعان في محل واحد أبدا، وكل منهما بطباعه يتنافى مع الآخر ويعاديه وكالفضيلة والرذيلة في الانسان، وعلى هذا الطراز، ومن هذا النوع عداوة بنى هاشم وبنى أمية عداوة جوهرية ذاتية يستحيل تحويلها ويمتنع زوالها عداوة الظلام للنور والشر للخير، والخبيث للطيب، ويعرف كل واحد منهما بثماره وآثاره، وقديما قيل: (من ثمارهم تعرفونهم) الشجرة لا تعرف إلا من ثمرها أنها خبيثة أم طيبة، والانسان لا يعرف خبثه وطيبه إلا من أعماله وملكاته وخصاله.
أولد عبد مناف هاشما، وعبد شمس، ونشب العداء بينهما منذ نشا وشبا لا لشيء سوى اختلاف الجوهرين، وتباين الذاتين، ثم استشرى الشر واتسعت عدوى العداء بين القبيلين بحكم الوراثة، وكان لكل واحد من هذا القبيل ضد له من القبيل الآخر، فعدوه بالنسب، هاشم وعبد شمس، وعبد المطلب وأمية، وأبو طالب وحرب، ومحمد (ص) وأبو سفيان، ما اشرقت أول بارقة من اشعة الاسلام، وما اعلن البشير النذير بدعوة التوحيد إلا وثارت نعرة الشرك والوثنية لطمس أنوار الاحدية وقام بحمل معاول المعارضة والهدم لما يبنيه، ويتبناه منقذ البشرية من مخالب الوحشية، قام بها ثالوث الجبت والطاغوت، أبو جهل وأبو لهب وأبو سفيان، وكان الثالث زعيم الحزب الأموى أشدهم مناوئة للاسلام ومحاربة له، نصبوا كل الحبائل، وتوسلوا بجميع الوسائل لاخفات صوته واخماد ضوئه، واعملوا كل بأس، وسطوة في مقاومة تلك الدعوة حتى الجأت جماعة ممن تدين بها فهاجروا إلى الحبشة، وتحمل النبي واصحابه من الاضطهاد والأذى أكثر من عشر سنين حتى اضطر إلى الجلاء من وطنه ووطن آبائه، ومركز عزه، فهاجر إلى يثرب فطارده أبو سفيان وتلاحقه إلى دار هجرته، وما رفعت راية حرب على الاسلام إلا وبنو أمية وزعيمهم أبو سفيان قائدها ورافعها يلهب نارها ويثير غبارها ويتربص باخماد ذلك النور، الدوائر، ويهيج نعرة القبائل، إلى أن فتح الله الفتح المبين وأمكن الله نبيه من جبابرة قريش وملكهم عنوة، فصاروا عبيدا وملكا بحكم قوانين الحرب، والاستيلاء على المحاربين، بالقوة والسلاح ولكنه سلام الله عليه أطلقهم وعفا عنهم، وقال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء واكتفى منهم بظاهر الاسلام واطلاق لسانهم بالشهادتين، وقلوبهم مماوءة بالكفر والحقد على الاسلام، يتربصون الفرص لمحو سطوره. وقلع جذوره (ما اسلموا بل استسلموا. ولما وجدوا اعوانا على الاسلام وثبوا) ما تغير شيء من نفسيات أبى سفيان وبنى أميه بعد دخولهم في حظيرة الاسلام قلامة ظفر، إنما تغير وضع المحاربة، وكيفية الكفاح والمقاومة، دخل أبو سفيان ومعاوية في الاسلام، ليفتكوا في الاسلام ويكيدوا له، والعدو الداخل أقدر على الكيد والفتك من العدو الخارج وهذه العداوة ذاتية متأصلة، والذاتي لا يزول وليست هى من تنافس على مال، أو تزاحم على منصب أو جاه، بل هى عداوة المبادئ عداوة التضاد الطبيعي، والتنافر الفطري عداوة الظلام للنور، والضلال للهدى والباطل للحق والجور للعدل، ولذا بقى بنو أمية على كفرهم الداخلي ومكرهم الباطني مع عدادهم في المسلمين وتمتعهم بنعم الاسلام وبركاته لكن لم يمس الاسلام شعرة من شعورهم ولا بلّ ريشة من اجنحتهم، كالبط يعيش طول عمره في الماء ولا يبل الماء ريشة منه (فيما يقولون) نعم أقروا باسلامهم حقنا لدمائهم وتربصا لسنوح الفرصة لهدم عروش الاسلام وقواعده، حتى إذا أدلى من كانت له السلطة بالخلافة إلى أول خليفة منهم طاروا فرحا، وأعلنوا ببعض ما كانت تكنه صدورهم، فجمعهم أبو سفيان وقال: (تلقفوها يا بنى أمية، تلقف الكرة، فو الذي يحلف به أبو سفيان ما من جنة ولا نار).
ثم أخذوا زمام الخليفة الأموي بأيديهم، وصاروا يقودونه (كالجمل الذلول) حيث شاءوا، فاتخذوا مال المسلمين دولا، وعباد الله خولا، وانتفضت بلاد المسلمين من جميع أقطارها عليه وعليهم إلى أن حاصروه في داره، وضايقوه على أن يخلع نفسه من الخلافة، ويجعلها شورى بين المسلمين فتقاعس وتصلب أولا، ثم لما اشتد الحصار عليه وحبسوا عنه حتى الماء والطعام تراخت اعصابه، ووهنت اطنابه، وحاول أن يخمد نار الفتنة بخلع نفسه اجابة للثائرين الذين شددوا الحصار فاحس بنو أمية وقيادتهم يومئذ بيد مروان في المدينة، ومعاوية في الشام، بأن صاحبهم إذا خلع نفسه فسوف يفلت الحبل من ايديهم، وقد غلط الدهر أو غلط المسلمون غلطة يستحيل أن يعودوا لمثلها أبدا، وبأي سابقة، أو مكرمة لبني أمية أو جهاد في الاسلام يستحقون أن تكون خلافة المسلمين في واحد منهم، وهم اعداء الاسلام وخصومه في كل موقف من مواقفه، وفي كل يوم من ايامه، أدرك كل ذلك مروان ومن معه من حزبه فتواطئوا مع زعيمهم بالشام أن يجهزوا على صاحبهم فيقتلوه قبل أن يخلع نفسه وقبل أن يفلت حبل الحيلة من أيديهم، نعم يقتلونه ويتخذون قتله ذريعة إلى مطالبة فئة من المسلمين بدمه، ويتظاهرون لسائر المسلمين بأنه قتل مظلوما ولا بد من الأخذ بثاره فيكون أقوى وسيلة إلى استرجاع الخلافة إليهم، ولو لا قتل عثمان وقميص عثمان لما صارت الخلافة إلى معاوية ومروان وابناء مروان، ولكان من المستحيل أن يحلموا بها في يقظة أو منام ولكن جاءت صاحبهم الاول من غير ثمن، وقد دفعها إليه من قبله دفعا نعم اراد السابق أن يحولها عن بني هاشم إلى خصومهم الألداء بني أمية ففتل حبل الشورى، وابرمه بحيث تصير الخلافة لا محالة إلى عثمان، وما اكتفى بذلك حتى نفخ روح الطموح إليها في نفس معاوية الطليق ابن الطليق، وهو وأبوه اكبر الاعداء الألداء للاسلام، كان كل سنة يحاسب عماله ويصادر أموالهم، ويعاملهم بأشد الأحوال إلا معاوية، تتواتر الاخبار لديه بأن معاوية يسرف في صرف أموال المسلمين ويلبس الحرير والديباج فيتغاضى عنه بل يعتذر له، ويقول: (ذاك كسرى العرب)(١) مع أن معاوية كان من الضعة والفقر والهوان باقصى مكان، كان من الصعاليك الساقطين في نظر المجتمع حتى أن أحد أشراف العرب وفد على النبي (ص).
ولما أراد الخروج أمر النبي (ص) معاوية أن يشيعه إلى خارج المدينة وكان الحر شديدا والأرض يغلى رملها ويفور ومعاوية حافي القدمين فقال للوافد الذي خرج في تشييعه:
اردفني خلفك.
ـ أنت لا تصلح أن تكون رديف الأشراف والملوك!.
ـ ألا فاعطني نعليك اتقى بهما حرارة الشمس.
ـ أنت احقر من ان تلبس نعلى.
ـ ما أصنع وقد احترقت رجلاى؟
ـ امشى في ظل ناقتي ولا تصلح لأكثر من هذا!!.
تعسا لك يا زمان وأف لك يا دهر هذا الصعلوك النذل صار أو صيروه كسرى العرب!!!.
نعم: معاوية ومروان هما اللذان دبرا الحيلة في قتل عثمان، ومكنوا الثائرين من قتله، وقضية الجيش الذي أرسله معاوية من الشام إلى المدينة ووصيته له بأن لا يدخل المدينة حتى يقتل عثمان تشهد لذلك وهي مشهورة
نعم: وقد اعانهم على قتله أيضا احدى زوجات النبي التي كانت تهرج على عثمان وتصرخ في النوادى (اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا) ثم بعد أن امتثلوا أمرها وقتلوه، ثارت أو أثاروها إلى الطلب بدمه، وكانت من جراء ذلك واقعة الجمل التي ذهب ضحيتها عشرون الفا من المسلمين، وفتحت باب الحروب بين أهل القبلة، وقال أحد شعراء ذلك العصر يخاطبها ويؤنبها

وأنت البلاء وأنت الشقاء * * * وأنت السحاب وأنت المطر
وأنت أمرت بقتل الامام * * * وقلت لنا إنه قد كفر

وقال الآخر:

جاءت مع الأشقين في هودج * * * تزجى إلى البصرة أجنادها
كأنها في فعلها هرة * * * من جوعها تأكل أولادها

وهذه النكات التي رشح القلم بها هنا وهي من أسرار دقائق التأريخ والتي قلّ من تنبه لها إنما جاءت عفوا، وما كانت من القصد في شيء، إنما المقصود بالبيان ان معاوية وأبا سفيان لما بهرهما الاسلام وقهرهما على الدخول فيه حفظا لحوبائهما(٢) من التلف، أظهرا الاسلام صورة واضمرا الكيد والفتك به سريرة، وبقيا يتربصان فكلما سنحت فرصة لذلك ظهرت ركيزتهم في اقوالهم وفي اعمالهم.
وكان معاوية أدهى من أبيه الذي كبر وخرف في آخر عمره ومن دهائه وعزمه كان يحتفظ بصورة الاسلام مدة إمرته بالشام عشرين سنة فلا يصطدم بشعيرة من شعائره، ولا يتطاول إلى اعتراض قاعدة من قواعده فلا يتجاهر بشرب الخمر والاغاني، ولا يقتل النفس المحرمة ولا يلعب بالفهود، ولا يضرب على المزمار والعود، نعم: قد يلبس الحرير والديباج وطيلسان الذهب ولا بأس بذلك فانه (كسرى العرب) وما احتفظ بشعائر الاسلام إلا لحاجة في نفس يعقوب، ومن باب الهدوء قبل العاصفة والمشى رويدا لأخذ الصيد.
بقى على ظاهر الايمان المبطن بالكفر مدة مخالفته ومحاربته لامير المؤمنين في صفين، فلما استشهد سلام الله عليه، تنفس الصعداء، وغمرته المسرة وامكنته الفرصة من اللعب على الحبل وتدبير الحيل، ولكن بعد أن بويع الحسن (ع) والتف عليه الأبطال من أصحاب أبيه. وشيعته ومواليه، ومنهم الرءوس، والضروس، والانياب، والعديد، والعدة، والسلاح، والكراع، فوجد أنه وقع في هوة أضيق وأعمق من الأولى، فان الحسن سبط رسول الله، وابن بنته، وريحانته، وهو لوداعته، وسلامة ذاته محبوب للنفوس لم يؤذ أحدا مدة عمره، بل كان كله خير وبركة، ولم تعلق به تهمة الاشتراك بقتل عثمان، بل قد يقال إنه كان من الذابين عنه فكيف يقاس معاوية به وكيف يعدل الناس عن ابن فاطمة بنت رسول الله (ص) إلى ابن هند آكلة الأكباد، اقلق معاوية، وأقضّ مضجعه التفكير بهذه النقاط المركزة التي لا مجال فيها للنقاش والجدال، ولكن سرعان ما اهتدى بدهائه ومكره إلى حل عقدتها وكشف كربتها، فلجأ إلى عاملين قويين، (أولهما) المال الذي يلوى اعناق الرجال، ويسيل في لعبه لعاب الأبطال، وبعث إلى اعظم قائد من قادة جيش الحسن الذين بايعوه على الموت دونه، وأمسهم رحما به وهو عبيد الله بن العباس الذي جعله أميرا حتى على قيس بن سعد بن عبادة ذلك الزعيم العظيم الفارس المغوار المتفاني اخلاصا في حب الحسن وأبيه، نعم: بعث إليه معاوية باكثر من خمسين الفا، ووعده عند مجيئه إليه بمثلها، فانسل إلى معاوية في جنح الظلام، وأصبح الناس ولا أمير لهم فصلى بهم قيس، وهوّن عليهم، هذه الفادحة التي أوهت عزيمة الجيش، وهيئتهم للهزيمة، قبل النضال، وقل ساعد الله قلبك يا أبا محمد كيف تحملت هذه الرزايا التي أقبلت عليك متتابعة كقطع الليل، وصار معاوية يعمل بهذه الخطة مع كل بارز من الشيعة ورجالهم وأبطالهم فاستمالهم إليه جميعا، ولم يستعص عليه ويسلم من مكره وحبائله إلا عدد قليل لا يتجاوز العشرة كقيس بن سعد، وحجر بن عدى وأمثالهم ممن ناطحوا صخرة الظلم والضلال براسخ إيمانهم، وما اختلجهم الشك في كفر معاوية وأبيه وبنيه، طرفة عين، وكان قيس (أقسم بالله أن لا يلقى معاوية إلا وبينهما الرمح أو السيف) في قضية معروفة، هذا أول تدبير أتخذه معاوية للغلبة على الحسن، واستبداده بالأمر واغتصاب الخلافة منه (الثاني) وهي حيلة تأثيرها أشد من الأولى استطابها السواد الأعظم وانجرف إليها الرأي العام تلك دعوى معاوية الحسن إلى الصلح(٣) نعم: أشد ما فتّ في عضد الحسن طلب معاوية الصلح، فقد كانت أفتك غيلة، وأهلك حيلة لأن المال كان يستميل به معاوية عيون الرجال، والخواص منهم، اما العامة فلا ينالهم منه شيء ولكن الناس كانوا قد عضتهم أنياب الحروب حتى أبادت خيارهم، وأخربت ديارهم في أقل من خمس سنين ثلاثة حروب ضروس: الجمل، وصفين، والنهروان فاصبحت الدعوة الى الحرب ثقيلة وبيلة، والدعوة إلى الصلح والراحة لذيذة مقبولة، وهنا تأزمت ظروفه سلام الله عليه وحاسب الموقف حسابا دقيقا، حساب الناظر المتدبر في العواقب، فوضع الرفض والقبول في كفتى الميزان ليرى لأيهما الرجحان، فوجد أنه لو رفض الصلح وأصر على الحرب، فلا يخلو أما أن يكون هو الغالب، ومعاوية المغلوب وهذا وإن كانت تلك الأوضاع والظروف تجعله شبه المستحيل، ولكن فليكن بالفرض هو الواقع، ولكن هل مغبة ذلك إلا تظلم الناس لبني أمية، وظهورهم باوجع مظاهر المظلومية، بالامس قتلوا عثمان عين الامويين، وامير المؤمنين (كما يقولون) واليوم يقتلون معاوية عين الأمويين، وخال المؤمنين (يا لها من رزية) ويتهيأ لبني أمية قميص ثانى فيرفعون قميص عثمان مع قميص معاوية، والناس رعاع ينعقون مع كل ناعق لا تفكير ولا تدبر، فما ذا يكون موقف الحسن إذا؟ لو افترضناه، هو (الغالب).
أما لو كان هو (المغلوب) فاول كلمة تقال من كل متكلم إن الحسن هو الذي القى نفسه بالتهلكة، فان معاوية طلب منه الصلح الذي فيه حقن الدماء فابى وبغى، وعلى الباغي تدور الدوائر، وحينئذ يتم لمعاوية وأبى سفيان ما أرادا من الكيد للاسلام وارجاع الناس الى جاهليتهم الأولى وعبادة اللات والعزى، ولا يبقي معاوية من أهل البيت نافخ ضرمة، بل كان نظر الحسن (ع) فى قبول الصلح أدق من هذا وذاك، أراد أن يفتك به ويظهر خبيئة حاله، وما ستره في قرارة نفسه قبل أن يكون غالبا أو مغلوبا، وبدون أن يزج الناس في حرب، ويحملهم على ما يكرهون من إراقة الدماء.
فقد ذكرنا أن معاوية المسلم ظاهرا العدو للاسلام حقيقة، وواقعا كان لوجود المزاحم يخدع الناس بغشاء رقيق من التزمت في ارتكاب الكبائر والموبقات، وما ينطوى عليه من معاداة الاسلام وتصميم العزيمة على قلع جذوره واطفاء نوره، يتكتم بكل ذلك خوفا من رغبة الناس إلى الحسن وأبيه من قبل فاراد الحسن أن يخلى له الميدان، ويسلم له الأمر ويرفع الخصومة، حتى يظهر ما يبطن، ويبوح بكفره، ويعلن ويرفع عن وجهه ذلك الغشاء الصفيق ويعرف الناس حقيقة أمره، وكامن سره، وهكذا فعل، وفور إبرام الصلح صعد المنبر في جمع غفير من المسلمين، وقال:
(إني ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلوا وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم، وقد اعطيت الحسن شروطا كلها تحت قدمي.)
أنظر الى القحة والصلف وعدم الحياء وضيق الوعاء وصفاقة الوجه، أما وأيم الله إنه لو لم يكن لقبول الصلح الا ظهور هذه الكلمات من معاوية لكفى بها دليلا على افتضاح معاوية، ومعرفة الناس بكفره، فما ظنك به وقد استمر على هذه الخطة الكافرة، والخطيئة السافرة، والتحدى للاسلام وهدم قواعده جهارا.
لو لا صلح الحسن لما استلحق معاوية زيادا بأبى سفيان، وهو ولده من الزنا، فضرب قول رسول الله (ص) (الولد للفراش وللعاهر الحجر) ضربها بالحجر وبعرض الجدار بلا خيفة، ولا حذر.
لو لا الصلح لما قتل حجر بن عدي سيد الأوابين، وعشرة من أعلام خيار الصحابة والتابعين، قتلهم بمرج عذراء صبرا، من دون أى سبب مبرر
لو لا الصلح لما قتل معاوية الصحابي الجليل عمرو بن الحمق، وحمل رأسه الى الشام، وهو أول رأس حمل في الاسلام.
لو لا الصلح لما سقى معاوية الحسن السم على يد جعيدة بنت الاشعث لو لا الصلح لما أجبر معاوية البقية الصالحة من أولاد المهاجرين والانصار على أخذ البيعة ليزيد، وحاله في الفسق والفجور مشهور إلى كثير من أمثال هذه المخازى، والفظائع التي لا يبلغها الاحصاء. ولكن تأمل مليا وأنظر من الغالب ومن المغلوب.
انظر ما صنع الحسن بمعاوية في صلحه وكيف هدّ جميع مساعيه وهدم كل مبانيه حتى ظهر الحق وزهق الباطل، وخسر هنالك المبطلون فكان الصلح في تلك الظروف هو الواجب والمتعين على الحسن، كما أن المحاربة والثورة على يزيد في تلك الظروف كان هو الواجب والمتعين على أخيه الحسين، كل ذلك للتفاوت بين الزمانين، والاختلاف بين الرجلين
ولو لا صلح الحسن الذي فضح معاوية، وشهادة الحسين التي قضت على يزيد، وانقرضت بها الدولة السفيانية بأسرع وقت.
لو لا تضحية هذين السبطين لذهبت جهود جدهما بطرفة عين، ولصار الدين دين آل أبي سفيان دين الغدر والمكر، دين الفسق والفجور، دين الحانات والخمور، دين العهار، دين الفهود والقرود، دين إبادة الصالحين واستبقاء الفجرة الفاسقين.
فجزا كما الله يا سيدى شباب الجنة ويا سبطي رسول الله، جزا كما الله عن الاسلام وأهله أفضل الجزاء، فو الله ما عبد الله عابد ولا وحده موحد. وما حقت فريضة ولا أقيمت سنة ولا ساغت في الاسلام شريعة ولا زاغت من الضلال إلى الهدى أمة إلا ولكما بعد الله ورسوله الفضل والمنة والحجة البالغة والمحجة.
جاء رسول الله بالهدى والنور والخير والبركة للانسانية أجمع من غير لون ولون وعنصر وآخر وأمة دون أمة وقوم سوى آخرين جاء بالاسلام والنور المبين فشيّد قواعده وأحكمه وأقومه وأكمله وأتمه ولم يترك فيه أى نقص وأى عوج وجاء أبو سفيان والشجرة الملعونة في القرآن معاوية ويزيد ومروان فحملوا معاول الكفر والشرك وتحاملوا على تلك الأسس والقواعد يقلعون جذورها ويخمدون نورها (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) فوقف السبطان بما لهما من قوة وسلطان سدا منيعا دون ذلك البنيان، وما تم لهما ما أرادا من حفظ شريعة جدهما إلا بالتضحية العظمى بانفسهم وأموالهم ورجالهم وأطفالهم وبكل ما في دنيا النعمة والنعيم والعيش الوسيم، بذلوا كل ذلك في سبيل الله ولحفظ دين الله، ولو لا هذه التضحية وتلك المفادات لأصبح دين الاسلام أسطورة من الاساطير لا تجده إلا في الكتاب والقماطير يذكره التأريخ كما يذكر الحوادث العابرة والأمم المنقرضة.
(سبحان الله والله أكبر ولله الحمد) من هنا تعرف ويجب أن تعرف السر في حفاوة المنقذ الأعظم تلك الحفاوة البليغة والتعظيم الخارج عن نطاق العرف والمعتاد بل وعن رواق التعقل والسداد ذلك النبي العظيم والشخصية الحبيبة إلى المبدء الاعظم التي ملأها هيبة وعظمة ووقارا، والذي لا تهزه العواصف ولا تستميله العواطف ولا خامره في لحظة من عمره العبث واللهو واللعب الذي كانت غريزته التي فطر عليها قوله: (ما أنا من دد ولا الددمني) والذي كان من الوقار والهيبة والاتزان ربما يدخل عليه الرجل الذي مار آه من ذى قبل فترتعد فرائصه من هيبته فيقول له النبي: (لا تفزع فاني ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد) حذرا من أن يقول المسلمون فيه ما قالت النصارى في المسيح، هذا الطود العظيم، يحمل الحسن والحسين وهما طفلان على كتفيه، ويمشي بهما وهما على متنيه في ملأ من المسلمين رافعا صوته ليسمعوا (نعم الجمل جملكما، ونعم الراكبان أنتما) ثم يأتي الحسين وهو غلام فيعلو على ظهر النبي والنبي ساجد فلا يرفع رأسه حتى ينزل الحسين حسب إرادته، النبي يخطب والحسين يدرج في المسجد فيعثر فيقطع النبي خطبته، ويعدو إليه ويحتضنه ويقول: (قاتل الله الشيطان، الولد فتنة لما عثر ولدى هذا أحسست أن قلبي قد سقط مني) الى كثير من أمثال هذا مما صدر عنه سلام الله عليه في ولديه مما لست بصدد احصائه وجمعه، ولكن أقول: إن هذا الشغف، والحب اللامتناهي ليس لكونهما ابني بنته فحسب فان هذه النسبة لا تستوجب كل هذا العطف الخارق لسياج العرف والعادة، ولكن لا شك ان هناك أسرارا وأسبابا هي أدق وأعمق، أسرار روحية هي فوق هذه الوشائج الجسمية، فهل ترى معى أن رسول الله (ص) لعله ارتفع عن أفق الزمان: وأشرف بروحيته المقدسة من نافذة الدهر، وأطل على صحيفة التكوين من ألّفه إلى يائه، فنظر الى الماضي والحاضر والآتى نظرة واحدة، رأى الحوادث الآتية ممثلة بعينها في صحيفة الوجود لا بصورها على شاشة التمثيل، رأى ما كابد ولداه من الدفاع عن دينه، والحماية لشريعته والتضحية بأنفسهم وأموالهم وأولادهم، وأنهم ارخصوا في المفادات كل غال وعزيز، تجرع الحسن السم من معاوية مرارا حتى قضى بالمرة الأخيرة التي تقيا بها كبده قطعة قطعة، ثم ضرب الحسين المثل الأعلى في التضحية والمفادات لحفظ شريعة جده، فاستقبل السيوف والرماح والسهام وجعل صدره ونحره ورأسه ورئته، وقاية عن المعاول التي اتخذها بنو أمية لهدم الاسلام، وقلعه من اساسه، ونصب نفسه وأولاده وانصاره، الغر الميامين هدفا وشبحا لوقاية الاسلام من أن تنهار دعائمه، وتنهد قواعده وقوائمه، بهجمات الأمويين عليه، حتى سلم الاسلام واشرقت أنواره، وعلمت أسراره، وهلك الكافرون وخسر هنالك المبطلون، وكانت كلمة الله العليا، وكلمة اعدائه السفلى، وكل مسلم من أول اسلام الناس إلى اليوم بل وإلى يوم القيامة مدين ورهين بالشكر والمنة لهذين الامامين، ولو لا تضحيتهما التي ما حدث التأريخ بمثلها أبدا، نعم لو لا تلك التضحية لعاد الناس بمساعي الأمويين الى جاهليتهم الأولى بل اتعس إذا، فهل تستغرب من النبيّ (ص) تلك الحفاوة والتعظيم لهما وهما طفلان صغيران، وقد عرف بل رأى بعين بصره تلك الحوادث الفجيعة، وذلك الكفاح المرير من أجله وفي سبيله، وكان يشمهما ويضمهما ويقول: (هما ولداى وريحانتاى) وباليقين انه كان يتنسم منهما العبق الربوبي، ويتوسم بهما الألق الالهي وبهذا نعرف ويجب ان نعرف أن الحسن والحسين، نور واحد لا يفضل احدهما على الآخر قدر عرض شعرة كل واحد منهما قد قام بواجبه، وأدى رسالته وعمل بالمنهاج المقرر له من جده وأبيه، والصك الذي تسلمه في أول يوم من إمامته، إذا أردت التوسع في معرفة عظمة الحسن سلام الله عليه وشجاعته، وبسالته، وقوة قلبه، وشدة عارضته، وبليغ حجته، وعدم أكتراثه بزخارف الملك، وأبهة السلطان، فانظر الى كلماته واحتجاجاته في مجلس معاوية مع رءوس المنافقين، وضروس الكفرة الملحدين الذين كان معاوية يحرش بينهم وبين الحسن ليضحك على ذقونهم، كابن العاص وابن شعبة ومروان ونظرائهم من زبانية جهنم الذين ما آمنوا بالله طرف عين، انظرها واعجب بها ما شئت هناك تتمثل لك العظمة في أوج رفعتها وتتصور لك البسالة في موج لجتها، وإن شئت المزيد فانظر الى كلماته في ساعة الموت، ويوم انطلاقه من هذا السجن، الكلمات التي قالها لأخيه محمد بن الحنفية فى حق أخيه الحسين، هنالك تنفتح لك أغلاق أسرار الامامة، ويتضح لديك إشراق أنوار النبوة والزعامة، وتعرف المرعوية النبوية، والولاية الكلية، هنالك الولاية لله (والنبيّ أولى بالمؤمنين من انفسهم) (ومن كنت مولاه فعلى مولاه) (وإنما وليكم الله ورسوله) الآية
وقد زحف القلم، وخرج عن المحدد، واشتمر عن قصد الجادة وجادة القصد، إنما القصارى التي أردتها من كلمتى هذه ان العداوة بين بنى هاشم وبنى أميّة ذاتية متأصلة هى عداوة الهدى للضلال، والنور للظلام ويشهد لذلك انك لو استعرضت سيرة بنى أميّة من اولهم من عبد شمس إلى آخرهم مروان الحمار لم تجد في صحيفة الكثير بل الأكثر منهم إلا الغدر والمكر ونكث العهود، والفسق والفجور، والعهر والخنا وانباء الزنا إلى كل ما يتحمله لفظ الرذيلة من المعاني.
وإذا استعرضت سيرة بنى هاشم من أولهم ليومنا هذا لم تجد في صحيفة الكثير بل الأكثر منهم إلا كلما يتحمله لفظ الفضيلة من الوفاء والصدق والشجاعة والعفة، وطهارة المولد، وشرف النفس وعلو الهمة، والتضحية في سبيل المبدأ، وما الى ذلك من كرم الأخلاق، وطهارة الأعراق، وهب أن هناك من يعذر بنى أميّة في عداوتهم لبني هاشم ويقول: إنهم اتخذوها ذريعة ووسيلة الى الملك والسلطان، ولكن ما عذر الموالين لبني أميّة في هذا العصر ما عذر الأموية الحديثة، التي لا تنال بذلك حظا من حظوظ الدنيا ولا نصيبا في الآخرة.
(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ).
والحمد لله الذي فقأ عيني الكفر والنفاق، وأقر عينى الاسلام والإيمان بالحسن والحسين، والعترة الطاهرة، ونسأله تعالى كما منّ علينا بمعرفتهم وولايتهم أن يحشرنا في زمرتهم، ويكرمنا بشفاعتهم والبراءة من اعدائهم وعداوتهم:

أو إليكم ما دجت مزنة * * * وما اصطخب الرعد أو جلجلا
وأبرأ ممن يعاديكم * * * فان البراءة شرط الولا

وحقا إن الزكى أبا محمد سلام الله عليه في المدة القصيرة التي عاشها بعد ابيه تحمل من الرزايا والمحن ما لم يحتملها نبي، وما هي بأقل من المصائب التي جرت على أخيه أبي عبد الله (ع) يوم الطف، فان النكبة الأليمة، والضربة الأثيمة في الأخوين واحدة وإن اختلفت الأشكال والأساليب، وكما أن الحسين قابل رزاياه بالصبر الذي عجبت منه ملائكة السماوات، فكذلك الحسن قاتل عدوه، وقابل الامة وارزائه بصبر عجيب. وصدر رحيب ما هان يوما ولا لان، ولا تضرع ولا استكان، وما أخذ من امواله التي اغتصبها معاوية منه وصارت العوبة بايدى بنى أميّة، ما أخذ واحدا من آلاف بل من مئات الآلاف وكما لا مساغ للتفاضل بين هذين النيرين، كذلك لا يصح القول بأن صبر الحسن دون صبر الحسين، أو ان مصيبته اهون المصيبتين، فسلام الله عليكما يا إمامى الهدى وسليلى على والزهراء ما ازهرت الفضيلة واكفهرت الرذيلة.
واختم كلمتي بابيات من خاتمة قصيدة رثاء لسيد الشهداء نظمتها منذ مدة تزيد على خمسين سنة استهلها:

حذوا الماء من عيني والنار من قلبي * * * ولا تحملوا للبرق منا ولا السحب

واختها:

بنى الشرف الوضاح والحسب الذي * * * تناهي فاضحى قاب قوسين للرب
لئن عدت الأحساب للفخر اوغدت * * *  تطاول بالأنساب سيارة الشهب
فما نسبي إلا انتسابي إليكم * * * وما حسبي إلا بأنكم حسبى

حرر هذه الكلمة بانامله الرقيمة، واقلامه السقيمة مرتجلا مترسلا في بضع سويعات آخرها يوم الحادي والعشرين من شهر رمضان يوم وفاة سيد الوصيين وإمام الصديقين امير المؤمنين عليه آلاف السلام والتحية سنة ١٣٧٣ هـ

محمد الحسين آل كاشف الغطاء
بمدرسة العلمية بالنجف الاشرف

البيعة
واعتنى الاسلام بالخلافة(٤) اعتناء بالغا فأناط بها المسئوليات الضخمة فجلها مسئولة عن نهضة المسلمين وتطوهم وانطلاقهم في ميادين العلم، وتوجيههم نحو الخير وابعادهم عن مسالك الضلال والفساد، والعمل على ايجاد الوسائل السليمة لأسباب قوتهم ورخائهم، كما أوكل إليها حراسة الدين والحفاظ على شئونه، وصيانة مثله فهي المحور الذي تدور عليه سياسته وسائر شئونه.
إن حقيقة الاسلام وفكرته شاملة لجميع المناحي الدينية والسياسية فقد الف بينهما وحدة متسقة وجعلهما كلا لا يتجزأ، وقد ادرك هذه الحقيقة جمهور كبير من علماء المستشرقين يقول بعضهم:
(إن الاسلام ليس ظاهرة دينية فقط، وانما اتى بنظام سياسي ذلك ان مؤسسه كان نبيا وكان حاكما مثاليا خبيرا بأساليب الحكم.)
وقال جيت: (ان الاسلام لم يكن مجرد عقائد دينية فردية، وانما استوجب اقامة مجتمع مستقل له أسلوبه المعين في الحكم وله قوانينه وانظمته الخاصة به.)(٥)
إن الخلافة ترتبط بالاسلام ارتباطا وثيقا فهي جزء من برامجه وفصل من فصوله فلا بد من اقامتها على مسرح الحياة يقول الشيخ محمد عبده:
(الاسلام دين وشرع فقد وضع حدودا، ورسم حقوقا وليس كل معتقد في ظاهر أمره بحكم يجري عليه في عمله فقد يغلب الهوى وتتحكم الشهوة فيغمط الحق، ويتعدى المعتدي الحد فلا تكمل الحكمة إلا إذا وجدت قوة لاقامة الحدود وتنفيذ حكم القاضي وصون نظام الجماعة.)(٦)
إن الاسلام جاء بمجموعة كاملة من النظم والقوانين تهدف إلى تنظيم الحياة وصيانة الحقوق والقضاء على الغبن والظلم، وبسط الأمن والعدل فى البلاد، ومن الطبيعي انها تحتاج إلى قوة ودولة لتقوم بحمايتها وتطبيقها على واقع الحياة.
أما من يتولى قيادة الحكم وإدارة شئون البلاد فقد تحدث الامام أمير المؤمنين (ع) عما يعتبر فيه من الصفات بقوله:
(وقد علمتم أنه لا ينبغي أن يكون الوالى على الفروج، والدماء، والمغانم، والاحكام وإمامة، المسلمين البخيل فتكون في اموالهم نهمته(٧) ولا الجاهل فيضلهم بجهله، ولا الجافى فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدول(٨) فيتخذ قوما دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق، ويقف فيها دون المقاطع(٩) ولا المعطل للسنة فيهلك الأمة...)(١٠)
إن من يلى امور المسلمين ويتولى ادارة شئونهم ـ فى نظر الامام ـ لا بد أن يكون ندي الكف بعيدا عن البخل عالما بما تحتاج إليه الامة غير حائف للدول، ولا مرتشي فى اعماله، ولا معطل لحدود الله وسنة نبيه فانه اذا تجرد من هذه الصفات واجهت الأمة ـ فى عهده ـ سيلا عارما من المحن وتعرضت البلاد للازمات والنكبات.
وأعرب الذكر الحكيم فى قصة ابراهيم (ع) عمن يستحق الامامة من ذريته قال تعالى:(إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)(١١) وذكر المفسرون أن المراد بالعهد هو الامامة والإمامة هى الخلافة(١٢) فلا ينالها من تلبس بالظلم فى أي مرحلة من حياته(١٣) سواء أكان الظلم للنفس(١٤) أو للغير فانه لا يمنح بذلك اللطف.
لقد اهتم الاسلام اهتماما كثيرا فيمن يلى امور المسلمين فالزم ان يكون مثالا للعدل وعنوانا للحق ورمزا للعدل والفضائل ليرعى مصالح الأمة ويحقق فى ربوعها جميع ما تصبوا إليه من العزة والكرامة ولم نتوفر الصفات الرفيعة التي يتطلبها الاسلام فى القيادة الرشيدة إلا فى أهل البيت (ع) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، والذين قرنهم النبي (ص) بكتاب الله العزيز ـ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ـ وجعلهم سفنا للنجاة وأمنا للعباد، ومن الطبيعي أن ذلك لم يكن ناشئا إلا عن مدى أهميتهم، وقد تحدث الامام أمير المؤمنين (ع) عما مثل فيهم من الصفات والنزعات بقوله:
(هم عيش العلم، وموت الجهل، يخبركم حلمهم عن علمهم، وظاهرهم عن باطنهم، وصمتهم عن حكم منطقهم. لا يخالفون الحق ولا يختلفون فيه هم دعائم الاسلام، وولائج الاعتصام(١٥) بهم عاد الحق فى نصابه، وانزاح الباطل عن مقامه، وانقطع لسانه عن منبته، عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية(١٦) لا عقل سماع ورواية فان رواة العلم كثير ورعاته قليل...)(١٧)
وبالاضافة الى هذه القابليات والمواهب التي يتمتعون بها فان النبي (ص) نصّ على اختصاص الخلافة فيهم وانهم أحق بالأمر من غيرهم، وقد تواترت النصوص(١٨) الواردة منه بذلك كقوله:
(لا يزال هذا الدين قائما حتى تقوم الساعة، ويكون عليهم اثنا عشر خليفة.. كلهم من قريش).
وقال (ص): (يكون بعدي اثنا عشر أميرا. وقال: كلهم من قريش..) الى غير ذلك من الأحاديث الدالة بصراحتها وحصرها على اختصاص الخلافة فيهم، وانهم سفن النجاة وهداة العباد.
ومن الأئمة الطاهرين الاثنى عشر الذين أقامهم الرسول (ص) خلفاء من بعده وأمناء على تبليغ رسالته الامام الحسن ريحانته وسبطه الأكبر فقد نصبه اماما على أمته وقال فيه وفي أخيه: (الحسن والحسين امامان إن قاما وإن قعدا). ونص على امامته الامام أمير المؤمنين (ع) وأقامه علما من بعده، بعد أن اغتاله ابن ملجم، وقد فزع إليه المسلمون بعد موت أمير المؤمنين وأجمعوا على مبايعته، فقد اجتمعوا في جامع الكوفة سنة أربعين من الهجرة في صبيحة احدى وعشرين من شهر رمضان المبارك، وأقبل عليه السلام وقد احتفت به البقية الباقية من صالحاء المهاجرين والأنصار فاعتلى منصة الخطابة فابتدأ ـ بعد حمد الله والثناء عليه ـ بتأبين فقيد العدالة الكبرى الامام أمير المؤمنين وتعداد بعض فضائله ومواهبه فقال:
(لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون بعمل، ولم يدركه الآخرون بعمل، لقد كان يجاهد مع رسول الله (ص) فيقيه بنفسه، وكان رسول الله (ص) يوجهه برايته فيكنفه جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن شماله، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه، ولقد توفي في هذه الليلة التي عرج فيها عيسى بن مريم (ع) وقبض فيها يوشع بن نون وصي موسى (ع) وما خلف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه، أراد أن يبتاع بها خادما لأهله).
وتمثلت صورة أبيه أمامه فخنقته العبرة وأرسل ما في عينيه من دموع وكذلك بكى جميع من حضر في جنبات الحفل، وساد الحزن وعم الأسى ثم استأنف الامام خطابه فأعرب للناس سمو مكانته وما يتمتع به من الشرف والمجد قائلا:
(أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن ابن علي، وأنا ابن النبي، وأنا ابن الوصي، وأنا ابن البشير النذير، وأنا ابن الداعي الى الله باذنه، وأنا ابن السراج المنير، وأنا من أهل البيت الذي كان جبرئيل ينزل إلينا، ويصعد من عندنا، وأنا من أهل البيت الذي أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وأنا من أهل بيت افترض الله مودتهم على كل مسلم فقال تبارك وتعالى لنبيه (ص): (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى، ومن يقترف حسنة نزد له منها حسنا) فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت).
وحفل خطابه البليغ بما يلي:
١ ـ انه عرف الناس بجهاد ابيه وعظيم بلائه في الإسلام ووقايته لرسول الله (ص) بنفسه في جميع المواقف والمشاهد وقد أبّنه بكلمة تمثلت فيها بلاغة الاعجاز وروعة الايجاز وهي قوله: (فهو لم يسبقه الأولون بعمل، ولا يدركه الآخرون بعمل) ومن كان لم يسبقه الأولون ولم يدركه الآخرون كان أعظم شخصية بزت جميع المصلحين والعظماء في جميع مراحل التاريخ وحقا انه كذلك، فليس في جميع فترات الزمن وآناته قديما وحديثا أحد فاق الامام أو يفوقه في مثله وأعماله وجهاده وذبه عن حظيرة الإسلام.
٢ ـ وأبان (ع) في خطابه الرائع قداسة الليلة التي رحل فيها أبوه الى جنان الخلد. فلقد عرج فيها الى السماء المسيح عيسى بن مريم (ع) ورحل فيها إلى جواره تعالى يوشع بن نون وصي موسى (ع). وفي هذه الليلة العظيمة انتقل الى جوار الله سيد الأوصياء، وعميد الأتقياء، وحامى حوزة الإسلام الامام علي (ع) فهي ـ بحق ـ أشرف الليالي وأسماها عند الله.
٣ ـ وأعرب (ع) لذلك الحفل الحاشد زهد أبيه وعدم اعتنائه بدنياه فلقد رحل عنها ولم يخلف من حطامها شيئا، وقد كان في استطاعته أن يسكن أفخم القصور، ويلبس الحرير والديباج، ويأكل ما لذّ من الطعام ويتخذ العبيد والاماء ولكنه ترك كل ذلك رغبة فيما أعد الله له فى دار البقاء من النعيم والكرامة والسعادة، وما أفاض عليه في هذه الدنيا من خلود الاسم والثناء العاطر والذكر الحسن المقرون بالاكبار والتقديس عند الناس جميعا!! لقد وافى الامام عليا الأجل المحتوم وما خلف سوى ثمالة من المال يتركها أقل البائسين والضعفاء، وهو سلطان المسلمين وزعيمهم، تجبى له الأموال الطائلة من شتى الأقطار الإسلامية ولكنه (ع) أبى أن يأخذ منها شيئا.
٤ ـ وتضمن خطابه (ع) دعوة الناس إلى مبايعته، وقد كانت دعواه رائعة بكل ما للروعة من معنى، فلقد عرّف نفسه إلى الجماهير بأنه ابن الداعي إلى الله، وابن السراج المنير، وانه ممن أذهب الله عنهم الرجس والأباطيل، وهل هناك أحد أحق بالخلافة من شخص التقت به هذه الكمالات، واجتمعت فيه هذه الفضائل.
ولما انهى (ع) خطابه الذي لم يرو التأريخ الا شطرا منه انبرى عبيد الله بن العباس فحفز المسلمين إلى المبادرة لمبايعته قائلا:
(معاشر الناس هذا ابن نبيكم، ووصي إمامكم فبايعوه).
واستجاب الناس لهذه الدعوة المباركة فهتفوا بالطاعة، واعلنوا الرضا والانقياد قائلين:
 (ما أحبه إلينا وأوجب حقه علينا وأحقه بالخلافة)(١٩).
وانثالوا على الامام يبايعونه وهم (إنما يبايعون الله ورسوله)
وأول من بايعه المؤمن الثائر والحازم اليقظ الزعيم قيس بن سعد الأنصاري فقال له بنبرات تقطر حماسا وشوقا إلى حرب اعداء الله وخصوم الاسلام:
(ابسط يدك أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه وقتال المحلين).
وثقل على الامام أن يعزب عن قيس من أن العمل على كتاب الله وسنة نبيه والسير على أضوائهما يغني عن اشتراط قتال المحلين لأن فيهما تبيانا لكل شيء، فقال له بلطف ولين:
(على كتاب الله، وسنة نبيه، فانهما يأتيان على كل شرط)(٢٠)
وذكر ابن قتيبة أن الامام كلما قصدته كوكبة من الناس لتبايعه يلتفت إليها قائلا:
(تبايعون لى على السمع والطاعة، وتحاربون من حاربت وتسالمون من سالمت).
ولما سمعوا هذا الشرط احجموا عن البيعة(٢١) وأمسكوا أيديهم عنها، وقبض الحسن يده، فانثالوا نحو الحسين، وهم يهتقون:
(ابسط يدك نبايعك على ما بايعنا عليه أباك، وعلى حرب المحلين الضالين أهل الشام).
فردعهم الحسين قائلا:
(معاذ الله أن أبايعكم ما كان الحسن حيا).
وبعد ما رفض الحسين (ع) طلبهم أقبلوا نحو الحسن فبايعوه وهم مكرهون(٢٢) وهذا القول بعيد فانه يدل على رغبة الامام في السلم فى أول الأمر وهو مناف لمواقفه العديدة فى إمضائه للحرب وعدم رغبته فى الموادعة والمسالمة مع خصمه كما ـ سنذكره بالتفصيل ـ ولو سلمنا صحة ذلك فانما كان مع الخوارج الذين يريدون خلق الاضطرابات والشغب في المجتمع العراقي واذاعة الخوف والارهاب بينهم بعزم الامام على الحرب ويدل على ذلك إحجامهم عن البيعة فى أول الأمر وذلك يكشف عن اضطراب نفوسهم وعدم ثقتهم وايمانهم بالخليفة الجديد، وهذا مما عرفت به الخوارج وأما شيعته وأصحابه وخواصه فان نفوسهم قد ملئت ايمانا وثقة وحبا واخلاصا له.
ومهما يكن من شي، فان هذا الحديث كما كان يتضمن السلم كذلك يتضمن إمضاء الحرب والتصميم عليه، فهو جامع بين الأمرين السلم لمن دخل في الطاعة والحرب لمن خرج عنها سواء أكانوا من الخوارج أم من أهل الشام ولكن لم يرق ذلك للخوارج فلذا شاغبوا فى الأمر وأرادوا الحرب خاصة لأهل الشام لا تتعداها الى غيرهم، وقبل ان نسدل الستار على هذا الفصل نقدم إلى القارئ الكريم أمورا تتعلق فى هذا الفصل وهي كما يلى:
١ ـ قبول الخلافة:
ويتساءل كثير من النقاد عن السبب في قبول الامام للخلافة مع ما منيت به الحاضرة الاسلامية من اخطار وعواصف وفتن، فكان الأجدر به أن يتريث فى الأمر ولا يتسرع (كما يقولون) ولندع الجواب إلى سماحة المغفور له الحجة آل ياسين قال نضر الله مثواه:
أما أولا:
فلما كان الواجب على الناس دينا، الانقياد إلى بيعة الامام المنصوص عليه كان الواجب على الامام ـ مع قيام الحجة بوجود الناصر ـ قبول البيعة من الناس.
أما قيام الحجة ـ فيما نحن فيه ـ فقد كان من انثيال الناس طواعية إلى البيعة فى مختلف بلاد الاسلام ما يكفي ـ بظاهر الحال ـ دليلا عليه ولا مجال للتخلف عن الواجب مع وجود شرطه.
وأما ثانيا:
فان مبعث هذا الانعكاس البدائي عن قضية الحسن عليه السلام هو النظر إليها من ناحيتها الدنيوية فحسب بينما الأنسب بقضية (إمام) ان يستنطقها الباحث من ناحيتها الدينية على الأكثر، وكثير هو الفرق بين الدنيا والدين في نظر إمام، والقضية من هذه الناحية ظفر لا خسارة ـ كما سنأتي على توضيحه في محله المناسب ـ وهي وإن تكن معرض آلام، ولكنها آلام في سبيل الاسلام، ومن أولى بالاسلام من الحسن (ع) وتحمل آلامه وإنما هو نبت بيته.
واما ثالثا:
فلم يكن الحسن في رفعة مكانه من زعماء المسلمين، وفي نسبه الممتاز ومركزه من العلم، بالذي يستطيع الفراغ وإن أراده عن عمد، ولا بالذي يتركه الناس وإن أراد هو ان يتركهم، وكان لا بد للرجات العنيفة في المجتمع الاسلامي أن تتدافع إليه، تستدعيه للوثوب إحقاقا للحق وانكارا للمنكر كما وقع لأخيه الحسين عليه السلام في ظرفه(٢٣).
ويأخذ شيخنا في الاستدلال على ضرورة قبول الامام للخلافة، ولزوم تسرعه لإجابة الجماهير الهاتفة باسمه، وعلى كل فليس هناك مجال للشك في أنه (ع) لو تقاعس عن الاعتلاء على العرش، وترك الأمة حبلها على غاربها لوقعت في محاذير ومصاعب لا يمكن حلها، ثم ما هو المبرر له في عدم التسرع في الأمر بعد ما أجمعت الأمة على مبايعته كما ذكر ذلك بالتفصيل سماحة المغفور له آل ياسين.
٢ ـ عموم البيعة:
واجمع العالم الاسلامي من اقصاه إلى ادناه على مبايعة الامام والانقياد لحكومته والخضوع لأمره، فبايعه من الكوفة اثنان واربعون الفا على السمع والطاعة وكذلك بايعه أهل البصرة والمدائن، وجميع أهل العراق وبايعته فارس على يد زياد بن ابيه، وبايعه الحجازيون واليمانيون، على يد القائد العسكري الحازم اليقظ جارية بن قدامة وما تخلف أحد عن البيعة سوى معاوية ومن يمت به كما تخلف عن مبايعة الامام علي (ع) من قبل فكانت بيعته (ع) عامة على غرار بيعة أبيه.
٣ ـ احكام الدولة:
ولما تمت البيعة أخذ (ع) في إحكام دولته فرتب العمال، ووظف المحنكين والأشراف من عدول المؤمنين وصالحاء المسلمين واعطى الاوامر الحازمة إلى الامراء وزاد في عطاء الجيش مائة مائة، وكان الامام علي قد فعل ذلك يوم الجمل، هذه هي الخطة الاولى من الاحسان والبر والمعروف التي افاضها على الجيش فملك بها القلوب والسيوف حتى قال ابن كثير: (وأحبوه أشد من حبهم لأبيه)(٢٤) وهكذا أخذ (ع) يعمل مجدا في اصلاح دولته، وإحكامها وصيانتها، وقد خطب فيهم فكان منطق خطابه الحث على لزوم طاعته ووجوب الانقياد إليه لأنه من العترة الطاهرة ومن حلقات الثقل الأكبر الذي خلفه رسول الله (ص) في أمته وحذر (ع) رعيته من الاصغاء والانجراف بدعاية معاوية وبهتانه وكذبه وأمرهم بالتكاثف والاتحاد والوحدة، لرد العدوان الأموي الذي يهدد المجتمع الاسلامي بالخطر، وينذره بفقدان الحياة، وقد تقدم نص هذا الخطاب في الحلقة الأولى من هذا الكتاب(٢٥).
٤ ـ اخطاء تأريخية:
ووقع فريق من المؤرخين وكتاب العصر في اخطاء حول بيعة الامام الحسن نشأت من قلة التتبع رأينا من اللازم التنبيه عليها.
١ ـ المسعودي:
ذكر المسعودى: (أن الامام بويع بعد وفاة أبيه بيومين)(٢٦) وهذا القول لا يتفق مع ما ذكره جمهور المؤرخين من أنه بويع له في صبيحة الليلة التي وارى فيها جثمان أبيه عليه السلام.
٢ ـ فريد وجدي:
وذكر الاستاذ السيد محمد فريد وجدي أن الحسن (ع): (بويع له في الخلافة قبل وفاة والده، ولما انتهت البيعة توفي والده)(٢٧) وهذا القول كالقول السالف في مخالفته لاجماع المؤرخين، فقد أجمعوا على أن البيعة كانت بعد مقتل الامام بلا فصل، ولم يذكر مؤرخ ـ فيما نعلم ـ أنه بويع للامام في حياة أبيه.
٣ ـ الخضري:
ذكر الشيخ محمد الخضري في بيعة الامام ما نصه: (نظر الحسن إلى بيعته في انها ليست كبيعة أبيه لأنها ليست عامة، ولكنها قاصرة على شيعتهم من أهل العراق)(٢٨) وهذا القول مجاف للواقع فان بيعة الامام لم تكن قاصرة على أهل العراق من الشيعة، فان عمال الامام في جميع الاقطار الاسلامية قد أخذوا له البيعة من المسلمين ـ كما ذكرناه سابقا ـ ولم تبق هناك أي حاظرة من الحواظر الاسلامية إلا بايعته سوى البلاد الخاضعة لمعاوية.
٤ ـ طه حسين:
قال الدكتور طه حسين في بيعة الامام الحسن: (ومهما يكن من شيء فلم يعرض الحسن نفسه على الناس، ولم يتعرض لبيعتهم وانما دعا الناس إلى هذه البيعة قيس بن عبادة فبكى الناس، واستجابوا واخرج الحسن للبيعة..)(٢٩) وما ذكره بعيد عن الصحة كل البعد وذلك لما يلي
١ ـ إن قوله: (إن الحسن لم يعرض نفسه على الناس، ولم يتعرض لبيعتهم) لا واقعية له ويرده خطاب الحسن في تأبين أبيه، فقد دعا الناس إلى مبايعته وحفزهم إلى طاعته وذلك بذكره للفضائل النسبية والنفسية التي اختص بها فان بيانها وهو في مقام تأبين أبيه ليس المقصود منه إلا إلا الدعوة لمبايعته، وارشاد المجتمع الإسلامى الى أحقيته بالخلافة دون غيره.
٢ ـ وأما قوله: إن قيس بن سعد دعا الناس الى البيعة ولم يكن الإمام حاظرا فاستجابوا له، وأخرج فبويع. فانه اشتباه ظاهر وخلط غريب لأن الدعوة الى البيعة إنما كانت بعد ما أنهى الإمام خطابه السالف ولم تكن قبل ذلك الوقت والذي دعا إليها عبيد الله بن العباس وأول من بايعه قيس بن سعد كما بينّا ذلك فيما تقدم.. إن أغلب بحوث الدكتور فى الإمام الحس كانت خالية عن التحقيق وبعيدة عن الصواب، فقد مرّ فى صلح الإمام وفى سائر مناحي حياته مرور منطلق فلم يقف على الحقيقة ولم يقرب من الواقع، وسنشير الى مواضع اشتباهه إن من الناحية التأريخية أو الاستنتاج التأريخي فى كثير من الجهات التي تخص البحث.
الحرب الباردة
وما أذيع مصير الخلافة الاسلامية إلى حفيد الرسول (ص) إلا وموجات من الهموم والأحزان قد طافت بابن هند، فملكته الحيرة واستولى عليه الجزع والذهول، وذلك لعلمه أن للامام مركزا عظيما في نفوس المسلمين، ومكانة مرموقة في جميع الأوساط، لأنه سبط النبي العظيم وأعز الناس عنده وأقربهم إليه، وقد شاعت بين المسلمين الأحاديث المتواترة عنه (ص) في رفع كيانه وتعظيم شأنه وتقديمه بالفضل على غيره فكيف يعدل الناس عنه إلى ابن هند وكيف يقاس معاوية به وهو من الاسرة الملعونة في القرآن وقد عرف الجميع عداء أبيه وأسرته للاسلام والمسلمين من يوم بزغ نوره
اضطرب معاوية وطارت نفسه شعاعا، وأقضّ التفكير مضجعه لما ازدانت الخلافة الاسلامية بالامام الحسن، وذلك لعلمه ان الامام لا يتحول عن شريعة جده وسيرة أبيه التي تقضي بلزوم محاربة الباغين والقضاء عليهم ومعاوية هو رافع لوائهم وعميدهم، فالحسن لا بد وأن يعمل كل جهوده ويبذل جميع مساعيه لمناجزة معاوية والقضاء عليه، مضافا إلى ذلك كله انه لم يجد منفذا وثغرا يسلك فيه للطعن بشخصية الامام أو اتهامه بشيء ما فدم عثمان بريء منه، بل قد قيل إنه من الذابين والمدافعين عنه، فبما ذا يتهم الامام اذا وقد نزه من كل نقص ورذيلة كما تجرد هو من كل مكرمة وفضيلة.
المؤتمر الاموي:
وعقد معاوية على أثر ذلك اجتماعا مفاجئا في بلاطه دعا فيه خلص أتباعه وأشياعه فاخبرهم بالموقف الرهيب، والخطر المفاجئ الذي حل في مملكته، وأعلمهم ان الأمر إذا لم تتخذ فيه القرارات الحاسمة، ولم تبذل الجهود الجبارة لانتشاله فسوف يحدق بهم الخطر المنذر بالفناء، وبعد مداولة الآراء والأفكار اجمعت كلمتهم على ما يلي:
١ ـ نشر الجواسيس، وبث العيون في الأقطار الإسلامية الخاضعة لحكم الامام، خصوصا البصرة والكوفة، ليعرفونه الأنباء بالتفصيل ويخبرونه باتجاه المجتمع ونياته ومدى اخلاصه لآل البيت (ع) كما ويقومون بعمليات الذعر والخوف والإرهاب بين المسلمين بقوة معاوية وضعف الحسن.
٢ ـ مراسلة الزعماء والوجوه والشخصيات البارزة وارشائهم بالأموال الطائلة والوظائف المهمة في مناصب الدولة إن اتبعوه وانقادوا له وخذلوا الإمام الحسن، أما هذا الأمر فقد أرجئ تنفيذه ـ بالاجماع ـ إلى وقت آخر قريب، واما الأمر (الأول) فقد نفذ فورا فقد استدعى معاوية رجلين خبيرين يثق بكفاءتهما ويطمئن بدرايتهما وحذاقتهما في عالم التجسس، أما الرجلان (فاحدهما) من حمير وقد ارسله إلى الكوفة، وأما (الآخر) فمن بني القين وقد بعثه إلى البصرة.
ولما وصل الحميري إلى الكوفة، والقيني إلى البصرة، اخذا بتنفيذ الخطط المقررة لهما، وبعد ما انتشر أمرهما قبضت عليهما الشرطة المحلية، اما الحميري فجيء به إلى الامام فأمر بقتله، واما القيني فجيء به مخفورا إلى عامل الامام على البصرة عبد الله بن عباس فأمر باعدامه أيضا.
مذكرة الامام:
وعلى أثر وقوع هذا الاعتداء الصارخ من معاوية رفع الامام إليه مذكرة تهدده فيها وتوعده باعلان الحرب عليه وهذا نصها:
(أما بعد: فانك دسست إلي الرجال، كأنك تحب اللقاء، لا شك في ذلك فتوقعه إن شاء الله، وبلغني أنك شمتّ بما لم يشمت به ذوو الحجى(٣٠) وإنما مثلك في ذلك كما قال الأول:

فانا ومن قد مات منا لكالذي * * * يروح فيمسي في المبيت ليغتدي
فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى * * * تجهز لأخرى مثلها فكأن قد

ويلمس في هذه الرسالة مدى روح العزم والحزم والتصميم على الحرب إن اصر معاوية على البغي، والتمرد والتمادي في الاثم، كما احتوت على الاستنكار لما أظهره من السرور والغبطة بمقتل الامام أمير المؤمنين.
جواب معاوية:
ولما وردت رسالة الامام إلى معاوية فزع منها، فانبرى يفتش في حقيبة مكره عذرا يدفع به عن نفسه القبيح الذي ارتكبه، والمنكر الذي فعله، فلم بجد عذرا إلا انكار ما أظهره من السرور بمقتل الامام ولا بأس عليه في الكذب، فقد استساغه واستحله وهو كل ما يملك في خزانة نفسه وأما بعثه العيون والجواسيس فرأى أن يتغاضى عن ذكره ويعرض عن جوابه ويهمل الاعتذار منه وهذا نصه:
(أما بعد: فقد وصل كتابك وفهمت ما ذكرت فيه، ولقد علمت بما حدث، فلم أفرح، ولم أحزن، ولم أشمت، ولم آس(٣١) وإن عليا
أباك لكما قال أعشى بني قيس بن ثعلبة(٣٢):

فأنت الجواد وأنت الذي * * * إذا ما القلوب ملأن الصدورا
جدير بطعنة يوم اللقا * * * يضرب منها النساء النحورا
وما مزبد من خليج البحا * * * ر يعلو الاكام ويعلو الجسورا(٣٣)
بأجود منه بما عنده * * * فيعطي الالوف ويعطي البدورا(٣٤)

ويلمس في هذه الرسالة دهاء معاوية وخداعه، كما يلمس خوره وضعف عزيمته وفزعه من الامام الحسن وذلك لمدحه وثنائه على الامام علي (ع) وانكاره لما اظهره من الفرح والسرور والغبطة بموته ولو لا ذلك لما سجل لخصمه هذا الثناء العاطر.
مذكرة ابن عباس:
ورفع عامل الامام على البصرة عبد الله بن عباس مذكرة إلى معاوية يستنكر فيها بعثه العيون والجواسيس إلى البصرة ويهدده على هذا الاعتداء السافر، وهذا نصها:
(أما بعد: فانك ودسك أخا بني القين إلى البصرة تلتمس من غفلات قريش بمثل ما ظفرت به من يمانيتك لكما قال أمية بن أبي الصلت(٣٥)

لعمرك إني والخزاعي طارقا * * * كنعجة غادت حتفها تتحفر(٣٦)
اثارت عليها شفرة بكراعها * * * فظلت بها من آخر الليل تنحر(٣٧)
شمت بقوم هم صديقك أهلكوا * * * أصابهم يوم من الدهر أعسر(٣٨)

جواب معاوية:
ولما وردت رسالة ابن عباس على معاوية انبرى إليها مجيبا بجواب تمثلت فيه المواربة والخداع، وهذه صورته:
(أما بعد: فان الحسن كتب إلينا بنحو الذي كتبت به، انبنى بما لم يحقّق سوء ظن ورأي فيّ، وانك لم تصب مثلي ومثلكم، وإنما مثلنا كما قال طارق الخزاعي يجيب أمية على هذا الشعر:

فو الله ما أدري (وإني لصادق) * * * إلى أي من يتظنني اتعذر(٣٩)
أعنف إن كانت زبينة أهلكت * * * ونال بني لحيان شر فأنفروا(٤٠)

وهذا الجواب يضارع الجواب الذي بعثه إلى الامام فى انكاره لما أبداه من السرور والفرح بموت الامام، كما احتوى جوابه على الدهاء والمؤاربة، فاما قوله لابن عباس إن الحسن قد انبنى، فالامام الحسن وإن أنبه ولامه على إظهاره للمسرات بمقتل الإمام إلا أنه تهدده وتوعده باعلانه للحرب لما هو أهم من ذلك وأعظم وهو بعثه للعيون والجواسيس الى مملكته فان هذه الجهة قد أعرض عنها لئلا يذاع نشاط الإمام وعزمه على إعلان الحرب فتخور عزائم جنده وتقوى نفوس أصحاب الإمام.
رسالة ابن عباس للامام:
وعلى أثر ذلك بعث الحازم اليقظ عبد الله بن عباس رسالة الى الإمام ينشطه فيها على إثارة الحرب ومقاومة معاوية ومناجزته، حتى النفس الأخير وقد دلت رسالته على درايته الواسعة واطلاعه الوافر بفنون السياسة ومعرفته التامة بنفوس المجتمع ووقوفه التام على نفسيات الأمويين واتجاههم السيئ نحو الإسلام والمسلمين وهذا نصها:
(أما بعد: فان المسلمين ولّوك أمرهم بعد علي عليه السلام فشمر للحرب وجاهد عدوّك وقارب أصحابك، واشتر من الظنين دينه بما لا يثلم لك دنياه(٤١) وولّ(٤٢) أهل البيوت والشرف تستصلح به عشائرهم حتى يكون الناس جماعة فان بعض ما يكره الناس ما لم يتعد الحق، وكانت عواقبه تؤدي(٤٣) إلى ظهور العدل وعز الدين خير من كثير مما يحبه الناس إذا كانت عواقبه تدعوا الى ظهور الجور وذل المؤمنين وعز الفاجرين. واقتد بما جاء عن أئمة العدل فقد جاء عنهم أنه لا يصلح الكذب إلا في حرب، أو اصلاح بين الناس فان الحرب خدعة(٤٤) ولك فى ذلك سعة إذ كنت محاربا ما لم تبطل حقا.
واعلم أن عليا أباك إنما رغب الناس عنه الى معاوية أنه آسى(٤٥) بينهم فى الفيء وسوّى بينهم في العطاء، فثقل عليهم، واعلم أنك تحارب من حارب الله ورسوله فى ابتداء الإسلام حتى ظهر أمر الله. فلما وحد الرب، ومحق الشرك وعز الدين أظهروا الإيمان وقرءوا القرآن مستهزئين بآياته، وقاموا الى الصلاة وهم كسالى وأدّوا الفرائض وهم لها كارهون، فلما رأوا أنه لا يعز في الدين إلا الأتقياء الأبرار توسموا بسيما الصالحين ليظن المسلمون بهم خيرا فما زالوا بذلك حتى شركوهم فى أماناتهم وقالوا حسابهم على الله فان كانوا صادقين فاخواننا في الدين وإن كانوا كاذبين كانوا بما اقترفوا هم الأخسرين، وقد منيت بأولئك وبأبنائهم وأشباههم، والله ما زادهم طول العمر إلا غيا، ولا زادهم ذلك لأهل الدين إلا مقتا فجاهدهم ولا ترض دنية ولا تقبل خسفا(٤٦) فان عليا أباك لم يجب الى الحكومة حتى غلب على أمره فأجاب وإنهم يعلمون أنه أولى بالأمر إن حكموا بالعدل فلما حكموا بالهوى رجع الى ما كان عليه حتى أتى عليه أجله ولا تخرجن من حق أنت أولى به حتى يحول الموت دون ذلك والسلام(٤٧) واحتوت هذه الرسالة على أمور بالغة الأهمية هي:
١ ـ أن ابن عباس عرض على الإمام أن يولي الأشراف وذوي النفوذ، ويشرى من الظنين دينه ليقضي بذلك على روح التفرقة، ويكون الناس جماعة واحدة، حتى يتمكن من مناجزة معاوية ومقاومته، وغفل ابن عباس ان ذلك يتنافى مع السياسية الرشيدة التي انتهجها أهل البيت فانها بنيت على الحق الخالص، وعلى شجب كافة الوسائل التي لا تتفق مع المبادئ الإسلامية وإن توقف عليها الظفر والنصر، وسنذكر ذلك بمزيد من التوضيح عند عرض أسباب الصلح.
٢ ـ واشتملت هذه الرسالة على أهم الأسباب الوثيقة التي أدت الى خذلان الإمام فى دور خلافته ونجاح معاوية فى عهد حكومته، فان الإمام قد انتهج سياسة العدل والمساواة فسوى بين المسلمين فى العطاء فلم يقدم أحدا على أحد فى العطاء عملا بما أمر به الإسلام ونصت عليه مبادئه العادلة التي محت التفاوت بين الأبيض والأسود وهدمت الحواجز بين الغني والفقير وجعلت (الناس سواسية كأسنان المشط كلهم من آدم وآدم من تراب) لا ميزة لأحد على أحد إلا بالتقوى، ولا فضل لأحد على أحد إلا بالعمل والكفاءة، سار الإمام علي (ع) على هذه السياسة العادلة ومشى على هذه الخطة الواضحة حتى ضرب الرقم القياسي للمساواة والعدل فمن بوادر عدله انه ساوى بين سيدة قرشية، وبين أمة في العطاء فغاظ القرشية ذلك وأقبلت إليه وهي محنقة مغيظة تقول بحرارة:
(أتساوي فى العطاء بيني وبين هذه الأمة؟)
فرمقها الإمام بطرفه وأخذ بيده قبضة من التراب وجعل يقلبه بيده وهو يقول:
(لم يكن بعض هذا التراب أفضل من بعض).
لقد ثقل على الناس هذه المساواة وشق عليهم هذا العدل لأنهم لا يتطلبون إلا مصالحهم الخاصة، فلذا زهدوا في حكومته وخضعوا لحكومة الظلم حكومة معاوية الذي لا هدف له إلا إشباع شهواته، وتحقيق رغباته.
٣ ـ وأعرب ابن عباس في رسالته عن دراسته الوثيقة لنفسيات الأمويين ومعرفته بما انطوت عليه قلوبهم، فلقد بيّن أنهم مجموعة من الملحدين والمشركين (كما هم كذلك) فاذا حاربهم الإمام فانما يحارب من حارب الله ورسوله حينما بزغ نور الاسلام فانه لما كتب الله النصر لدينه وقهر سلطان الإسلام العرب دخلت أمية فيه لكن لا إيمانا منهم بقضيته بل خوفا من حر السيف، ورهبة الموت، فكانوا يتظاهرون باعتناق الإسلام فيقرءون آيات الذكر الحكيم ولكن قراءة استهزاء وسخرية لا إيمانا واعتقادا به وكانوا يقيمون الصلاة ولكنهم يؤدونها وهم كسالى، ويقيمون فرائض الإسلام ولكن عن كره ونفاق، ولما رأوا أن خطتهم مغلوطة ولا تضمن لهم النجاح، ولا تكفل لهم السعادة إذ لا يعز في هذا الدين إلا الأبرار الصلحاء لقوله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ)(٤٨). أظهروا ـ تدليسا ورياء ـ الصلاح والتقى والإيمان وأضمروا في دخائل نفوسهم الشرك والنفاق والحقد على الإسلام، وظلوا على هذا الحال يظاهرون الطاعة لله والانقياد لأوامره وأحكامه حتى أشركهم المسلمون في امورهم وشئونهم ولكن المسلمين مع ذلك كانوا مرتابين منهم شاكين في أمرهم على ريب من صدقهم.
٤ ـ واحتوت هذه الرسالة على حث الإمام وتحريضه لمحاربة هؤلاء المنافقين والمارقين من الدين، ومواصلة حربهم حتى النفس الأخير لتستريح الأمّة من شرهم، وتسلم من مكرهم وغوائلهم. ولا شك ان هذه الرسالة التي دبجتها يراعة هذا الحبر الجليل كان لها موقع حسن في نفس الإمام فقد حفزته الى مناجزة معاوية ومقاومته، وإعلان الحرب عليه.
رسالة الامام الى معاوية:
وأرسل الإمام رسالة أخرى الى معاوية يدعوه الى مبايعته، وطاعته والدخول فيما دخل فيه المسلمون. وقد أرسل هذه الرسالة بيد شخصين من عيون المؤمنين وثقات الإسلام وهما الحارث بن سويد التميمي(٤٩) وجندب الأزدي(٥٠) وإليك نص رسالته:
(من عبد الله الحسن أمير المؤمنين، الى معاوية بن أبي سفيان.
أما بعد: فان الله بعث محمدا (ص) رحمة للعالمين فأظهر به الحق، وقمع به الشرك، وأعزّ به العرب عامة، وشرّف به قريشا خاصة، فقال: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ)(٥١)، فلما توفاه الله تنازعت العرب في الأمر بعد، فقالت قريش: نحن عشيرته وأولياؤه فلا تنازعونا سلطانه فعرفت العرب لقريش ذلك وجاحدتنا قريش ما عرفت لها العرب، فهيهات ما انصفتنا قريش، وقد كانوا ذوي فضيلة في الدين، وسابقة في الإسلام، ولا غرو إلا منازعتك إيانا الأمر بغير حق في الدنيا معروف، ولا أثر في الإسلام محمود، فالله الموعد، نسأل الله معروفه أن لا يؤتينا في هذه الدنيا شيئا ينقصنا عنده في الآخرة.
إن عليا لما توفاه الله ولاني المسلمون الأمر بعده، فاتق الله يا معاوية وانظر لأمة محمد (ص) ما تحقن به دماءها وتصلح به أمرها والسلام)(٥٢)
وتروى هذه الرسالة بصورة أخرى أبسط من هذه الصورة وأوفى نذكرها لما فيها من مزيد الفائدة:
(من الحسن بن علي أمير المؤمنين، الى معاوية بن أبي سفيان، سلام عليك فاني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد فان الله جل جلاله بعث محمدا رحمة للعالمين، ومنة للمؤمنين، وكافة للناس أجمعين (لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ)(٥٣) فبلغ رسالات الله وقام بأمر الله حتى توفاه الله غير مقصر ولا وان، وبعد أن أظهر الله به الحق، ومحق به الشرك، وخصّ به قريشا خاصة. فقال له: (وإنه لذكر لك ولقومك)، فلما توفى تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش: نحن قبيلته وأسرته وأولياؤه ولا يحل لكم أن تنازعونا سلطان محمد وحقه، فرأت العرب أن القول ما قالت قريش وان الحجة في ذلك لهم على من نازعهم أمر محمد، فأنعمت لهم(٥٤) وسلمت إليهم ثم حاججنا نحن قريشا بمثل ما حاججت به العرب فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها، إنهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالإنصاف والاحتجاج فلما صرنا أهل بيت محمد وأولياءه الى محاججتهم وطلب النصف(٥٥) منهم باعدونا، واستولوا بالاجتماع على ظلمنا ومراغمتنا(٥٦) والعنت منهم لنا، فالموعد الله وهو الولي النصير.
ولقد كنا تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا فى حقنا وسلطان بيتنا، وإن كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الإسلام وأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون والأحزاب(٥٧) في ذلك مغمزا يثلمونه به، أو يكون لهم بذلك سبب الى ما أرادوا من إفساده، فاليوم فليتعجب المتعجب من توثبك يا معاوية على أمر لست من أهله. لا بفضل فى الدين معروف، ولا أثر في الإسلام محمود، وأنت ابن حزب من الأحزاب، وابن أعدى قريش لرسول الله (ص) ولكتابه، والله حسيبك، فسترد وتعلم لمن عقبى الدار، وبالله لتلقينّ عن قليل ربك ثم ليجزينك بما قدّمت يداك، وما الله بظلاّم للعبيد.
إن عليا لما مضى لسبيله ـ رحمة الله عليه يوم قبض، ويوم منّ الله عليه بالإسلام ويوم يبعث حيا ـ ولاني المسلمون بعده، فأسأل الله أن لا يؤتينا في الدنيا الزائلة شيئا ينقصنا به في الآخرة مما عنده من كرامة، وإنما حملني على الكتاب إليك الاعذار فيما بيني وبين الله عز وجل فى أمرك ولك في ذلك إن فعلته الحظ الجسيم، والصلاح للمسلمين فدع التمادي في الباطل وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي، فانك تعلم أني أحق بهذا الأمر منك عند الله وعند كل أوّاب(٥٨) حفيظ ومن له قلب منيب، واتق الله ودع البغي، واحقن دماء المسلمين، فو الله ما لك خير فى أن تلقى الله من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه به وادخل فى السلم والطاعة ولا تنازع الأمر أهله ومن هو أحق به منك ليطفئ الله النائرة(٥٩) بذلك، ويجمع الكلمة، ويصلح ذات البين، وإن أنت أبيت إلا التمادي في غيك سرت إليك بالمسلمين فحاكمتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين)(٦٠)
وحفلت هذه الرسالة ـ على كلتا الروايتين ـ بأمور مهمة:
١ ـ إن الإمام أعرب فيها عن شعوره تجاه الخلافة الإسلامية فهو فهو يرى أنها من حقوق أهل البيت (ع) لا يشاركهم فيها أحد، وان من ابتزها منهم فقد اعتدى عليهم وسلب تراثهم، وقد سلك الإمام في الاستدلال على رأيه الوثيق بعين ما استدلت به قريش على العرب في أحقيتهم بالخلافة من أنهم أقرب الناس الى النبي (ص) وأمس الناس رحما به، فان هذا الشعار الذي هتفوا به موجود في أهل البيت على النحو الأكمل فانهم فرع دوحته والصق الناس به وأقربهم إليه، ومن الغريب ان العرب قنعت بحجة قريش، ولكن القرشيين لم يخضعوا لمقالة أهل البيت، نعم يعود السبب فى ذلك الى الأضغان والأحقاد التي أترعت نفوسهم بها فناصبوا عترة نبيهم، وبالغوا في ارهاقهم، والتنكيل بهم، فواجهت العترة الطاهرة ألوانا قاسية من المحن والخطوب.
٢ ـ وذكر الإمام الحسن السر في إمساكهم وإحجامهم عن المطالبة بحقهم وذلك خوفا منهم على بيضة الإسلام وكلمة التوحيد من الأحزاب والمنافقين الذين مردوا على النفاق، فقد قويت شوكتهم بموت النبي (ص) وأخذوا ينتهزون الفرصة لمحق الإسلام واستئصال شأفته، فاثروا مصلحة الإسلام على ضياع حقهم، وقد صرح الإمام أمير المؤمنين (ع) بذلك في كتابه الذي بعثه الى أهل مصر وقد جاء فيه:
(فلما مضى عليه السلام، تنازع المسلمون الأمر من بعده، فو الله ما كان يلقى فى روعي، ولا يخطر ببالي، ان العرب تزعج هذا الأمر من بعده صلى الله عليه وآله وسلم عن أهل بيته، ولا انهم منحوه عني من بعده، فما راعني إلا انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس عن الإسلام يدعون الى محق دين محمد (ص) فخشيت إن لم انصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلما أو هدما تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوات ولايتكم التي إنما هي متاع أيام قلائل يزول منها كما يزول السراب أو كما ينقشع السحاب...)
فلأجل الحفاظ على الإسلام والاحتياط على مصلحة المسلمين أمسكوا عن المطالبة بحقوقهم، ولم يناجزوا القوم بالسيف، وسلموا الأمر الى الله.
٣ ـ وأعرب الإمام الحسن في رسالته عن استغرابه من نزاع معاوية وتطاوله عليه وهو من الحزب الذي سعر الدنيا حربا على رسول الله (ص) وأثاروا عليه حفائظ الجاهلية وأحقادها، فكيف ينازع حفيد النبي ووريثه على منصبه ومقامه!! وهناك باعث آخر من بواعث استغراب الإمام على منازعة معاوية له، وهو أن معاوية ليس له فضل فى الدين معروف، ولا أثر في الإسلام محمود، وليست أي موهبة أو فضيلة حتى يستحق هذا المنصب العظيم في الإسلام.
٤ ـ وذكر (ع) لمعاوية عموم البيعة له بعد وفاة أبيه وان الأمّة قد أجمعت على مبايعته وعلى الانقياد إليه وهي حجة بالغة لو وعاها معاوية ورجع الى منطق الحق والصواب.
جواب معاوية:
ولما وصلت رسالة الإمام الى معاوية أجاب عنها بجواب يلمس فيه المكر والخداع، وهذه صورته:
(أما بعد: فقد فهمت ما ذكرت به رسول الله (ص) وهو أحق الأولين والآخرين بالفضل كله، وذكرت تنازع المسلمين الأمر بعده، فصرّحت بتهمة أبي بكر الصديق وعمر وأبي عبيدة الأمين وصالحاء المهاجرين فكرهت لك ذلك إن الأمّة لما تنازعت الأمر بينها رأت قريشا أخلقها به، فرأت قريش والأنصار وذوو الفضل والدين من المسلمين أن يولوا من قريش أعلمها بالله وأخشاها له وأقواها على الأمر فاختاروا أبا بكر ولم يألوا(٦١) ولو علموا مكان رجل غير أبي بكر يقوم مقامه، ويذب عن حرم الإسلام ذبه، ما عدلوا بالأمر الى أبي بكر، والحال اليوم بيني وبينك على ما كانوا عليه فلو علمت أنك أضبط لأمر الرعية، وأحوط على هذه الأمّة، وأحسن سياسة، وأكيد للعدو، وأقوى على جمع الفيء، لسلمت لك الأمر بعد أبيك، فان أباك سعى على عثمان حتى قتل مظلوما فطالب الله بدمه، ومن يطلبه الله فلن يفوته، ثم ابتز الأمّة أمرها، وفرّق جماعتها فخالفه نظراؤه من أهل السابقة والجهاد والقدم فى الإسلام، وادعى أنهم نكثوا بيعته فقاتلهم فسفكت الدماء، واستحلت الحرم، ثم أقبل إلينا يدعي علينا بيعة ولكنه يريد أن يملكنا اغترارا فحاربناه وحاربنا، ثم صارت الحرب الى أن اختار رجلا واخترنا رجلا ليحكما بما تصلح عليه الأمّة، وتعود به الجماعة والألفة، وأخذنا بذلك عليهما ميثاقا، وعليه مثله، وعلينا مثله على الرضا بما حكما، فأمضى الحكمان عليه الحكم بما علمت وخلعاه فو الله ما رضى بالحكم، ولا صبر لأمر الله، فكيف تدعوني الى أمر إنما تطلبه بحق أبيك، وقد خرج منه فانظر لنفسك ولدينك والسلام)(٦٢).
وروى هذا الجواب بصورة أخرى أوسع وأبسط من الأولى وهذا نصه:
(من عبد الله معاوية أمير المؤمنين الى الحسن بن علي: سلام عليك فاني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت به محمدا رسول الله (ص) من الفضل وهو أحق الأولين والآخرين بالفضل كله قديمه وحديثه وصغيره وكبيره وقد والله بلغ وأدى ونصح وهدى حتى أنقذ الله به من الهلكة، وأنار به من العمى، وهدى به من الجهالة والضلالة، فجزاه الله أفضل ما جزى نبيا عن أمته وصلوات الله عليه يوم ولد ويوم بعث ويوم قبض ويوم يبعث حيا، وذكرت وفاة النبي (ص) وتنازع المسلمين بعده وتغلبهم على أبيك فصرحت بتهمة أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وأبي عبيدة الأمين وحواري(٦٣) رسول الله (ص) وصالحاء المهاجرين والأنصار فكرهت ذلك لك، إنك امرؤ عندنا وعند الناس غير الظنين، ولا المسيء، ولا اللئيم، وأنا أحب لك القول السديد والذكر الجميل.
إن هذه الأمّة لما اختلفت بينها لم تجهل فضلكم، ولا سابقتكم، ولا قرابتكم من نبيكم، ولا مكانكم في الإسلام وأهله، فرأت الأمّة أن تخرج من هذا الأمر لقريش لمكانتها من نبيها، ورأى صالحاء الناس من قريش والأنصار، وغيرهم من سائر الناس وعوامهم، أن يولوا هذا الأمر من قريش أقدمها إسلاما، وأعلمها بالله، وأحبها له، وأقواها على أمر الله فاختاروا أبا بكر. وكان ذلك رأي ذوي الدين والفضل، والناظرين للأمة فأوقع ذلك فى صدوركم لهم التهمة، ولم يكونوا متهمين ولا فيما أتوا بالمخطئين ولو رأى المسلمون أن فيكم من يغني غناءه(٦٤)، ويقوم مقامه، ويذب عن حريم الإسلام ذبه ما عدلوا بالأمر الى غيره رغبة عنه، ولكنهم علموا في ذلك بما رأوه صلاحا للإسلام وأهله، والله يجزيهم عن الإسلام وأهله خيرا وقد فهمت الذي دعوتني إليه من الصلح، والحال فيما بيني وبينك اليوم مثل الحال التي كنتم عليها أنتم وأبو بكر بعد وفاة النبي (ص)، فلو علمت أنك أضبط مني للرعية، وأحوط على هذه الأمّة، وأحسن سياسة، وأقوى على جمع الأموال، وأكيد للعدو لأجبتك الى ما دعوتني إليه، ورأيتك لذلك أهلا، ولكن قد علمت اني أطول منك ولاية، وأقدم منك بهذه الأمّة تجربة، وأكبر منك سنا، فأنت أحق أن تجيبني الى هذه المنزلة التي سألتني، فادخل في طاعتي، ولك الأمر من بعدي، ولك ما في بيت مال العراق من مال بالغا ما بلغ، تحمله الى حيث أحببت، ولك خراج أي كور العراق شئت معونة لك على نفقتك يجبيها أمينك ويحملها لك في كل سنة، ولك أن لا يستولى عليك بالإساءة، ولا تقضى دونك الأمور، ولا تعصى في أمر أردت به طاعة الله، أعاننا الله وإياك على طاعته إنه سميع مجيب الدعاء والسلام)(٦٥).
واشتملت هذه الرسالة ـ بكلتا الروايتين ـ على دجل معاوية ومراوغته، وأغاليطه كما يقول الدكتور (أحمد رفاعي)(٦٦) ولا بد لنا من وقفة قصيرة للنظر فى محتوياتها وهي:
١ ـ جاء فيها (أن هذه الأمّة لما اختلفت بينها لم تجهل فضلكم، ولا سابقتكم للإسلام، ولا قرابتكم من نبيكم. الخ) إن من تتبع الأحداث التي وقعت بعد وفاة النبي (ص) عرف زيف هذا الكلام ومجافته للواقع، فان العترة الطاهرة واجهت بعد النبي (ص) أشق المحن والخطوب، فان الجرح لما يندمل والرسول لما يقبر استبد القوم بالأمر، وعقدوا سقيفتهم متهالكين على الحكم، وتغافلوا عترة نبيهم فلم يأخذوا رأيهم ولم يعتنوا بهم ولما تم انتخاب أبي بكر خفوا مسرعين الى بيت بضعته وريحانته وهم يحملون مشاعل النار لإحراقه، وسحبوا أخا النبي ووصيه أمير المؤمنين مقادا بحمائل سيفه ليبايع قسرا، وهو يستجير فلا يجار، وخلد بعد ذلك الى العزلة يسامر همومه وشجونه، وتتابعت عليهم منذ ذلك اليوم المصائب والخطوب فلم يمض على انتقال النبي (ص) الى دار الخلد خمسون عاما وإذا بالمسلمين في موكب جهير يجوب البيداء من بلد الى بلد وهم يحملون رءوس أبنائه على أطراف الرماح، وبناته سبايا (يتصفح وجوههن القريب والبعيد، ويستشرفهن أهل المناهل والمناقل). وبعد هذه المحن التي ألمّت بهم هل أدت الأمّة حقهم وعرفت مكانتهم ولم تجهل فضلهم.
٢ ـ ومن محتوياتها: (ورأى صالحاء الناس من قريش والأنصار وغيرهم أن يولوا الأمر من قريش الخ). إن صالحاء المسلمين وخيارهم كانوا مع أمير المؤمنين ولم يرتضوا بيعة أبي بكر، وأقاموا على ذلك سيلا من الاحتجاج والإنكار ذكرناه بالتفصيل فى الجزء الأول من هذا الكتاب.
لقد كانت مغبة اختيار قريش أن يحكم رقاب المسلمين معاوية ويزيد ومروان والوليد وأمثالهم من أئمة الظلم والجور الذين أغرقوا البلاد في الماسي والشجون وأمعنوا فى إذلال المسلمين وإرهاقهم حتى بايعوا في عهد يزيد انهم خول وعبيد له هذا ما رآه صالحاء الناس من قريش في صرف الأمر عن عترة نبيهم كما قال معاوية وقد وفقت فى اختيارها ـ كما يقولون ـ فانا لله وإنا إليه راجعون.
٣ ـ ومن غريب هذه الرسالة قوله: (فلو علمت أنك أضبط للرعية مني وأحوط على هذه الأمّة، وأحسن سياسة. الخ) نعم تجلت حيطته على الإسلام وحسن سياسته حينما تم له الأمر، وصفا له الملك، فانه أخذ يتتبع صالحاء المسلمين وأبرارهم فيمعن في قتلهم ومطاردتهم وزجهم في السجون. ومن حيطته على الإسلام استلحاقه لزياد بن أبيه، وسبه لأمير المؤمنين على المنابر، وفي قنوت الصلاة، ونصبه ليزيد حاكما على المسلمين وأمثال هذه الموبقات والجرائم التي سودت وجه التاريخ.
مذكرة معاوية:
وأرسل معاوية الى الإمام مذكرة يحذره فيها من الخلاف عليه، ويمنيه بالخلافة من بعده إن تنازل له عن الأمر وهذا نصها:
(أما بعد: فان الله يفعل في عباده ما يشاء لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب، فاحذر أن تكون منيتك على أيدي رعاع من الناس وأيس من أن تجد فينا غميزة، وإن أنت أعرضت عما أنت فيه، وبايعتني وفيت لك بما وعدت، وأجريت لك ما شرطت وأكون في ذلك كما قال أعشى بني قيس بن ثعلبة:

وإن أحد أسدى إليك أمانة * * * فأوف بها تدعى إذا مت وافيا
ولا تحسد المولى إذا كان ذا غنى * * * ولا تجفه إن كان في المال فانيا

ثم الخلافة لك من بعدي، فأنت أولى الناس بها والسلام).
وأكبر الظن ان هذه الرسالة المشتملة على مثل هذا اللون من التهديد والتوعيد إنما بعثها معاوية الى الإمام بعد ما اتصل اتصالا وثيقا بزعماء الجيش العراقي وقادته فضمنوا له تنفيذ مخططاته، فانه لم يكتب ذلك إلا بعد الاتصال بزعماء العراق وانقطاع أمله من إجابة الحسن له.
جواب الامام:
ولم يعتن الإمام بتهديد معاوية، وأجابه بجواب يلمس فيه الحزم والإصرار منه على الحرب وهذا نصه:
(أما بعد: فقد وصل إليّ كتابك، تذكر فيه ما ذكرت، وتركت جوابك خشية البغي عليك، وبالله أعوذ من ذلك، فاتبع الحق تعلم أني من أهله، وعليّ أثم أن أقول فأكذب والسلام).
وكانت هذه الرسالة هي آخر الرسائل التي دارت بين الإمام ومعاوية وعلى أثرها علم معاوية أنه لا يجديه خداعه وأباطيله، ولا تنفع مغالطاته السياسية، وعرف أن الإمام مصمم على حربه فاتجه بعد ذلك الى الحرب وتهيئة أسبابه ومقتضياته.
اعلان الحرب
وبعد ما فشلت أغاليط معاوية ومخططاته السياسية رأى أن خير وسيلة له للتغلب على الأحداث أن يبادر الى اعلان الحرب لئلا يتبلور الموقف، وتفوت الفرصة وأكبر الظن ـ انه بالإضافة الى ذلك ـ إنما استعجل الحرب لأمور وهي:
١ ـ إنه اتصل اتصالا وثيقا بزعماء العراق، وقادة الجيش، ورؤساء القبائل فاشترى ضمائرهم الرخيصة بالأموال ومنّاهم بالوظائف، فأجابوه سرا الى خيانة الإمام وتنفيذ أغراضه، ويدل على ذلك مذكرته التي بعثها الى عماله وولاته يطلب منهم النجدة والالتحاق به فانه أعرب فيها عن اتصالهم به.
٢ ـ علمه بتفكك الجيش العراقي وتفلله وعدم طاعته للإمام وذلك مسبب عن أمور نذكرها مشفوعة بالتفصيل عند عرض علل الصلح وأسبابه
٣ ـ علمه بوجود الخطر الداخلي الذي مني به العراق، وسلمت منه الشام، وهي فكرة الخوارج التي انتشرت مبادئها بين الأوساط العراقية ومن أوليات مبادئهم اعلان التمرد والعصيان على الحكم القائم، ونشر الفوضى في البلاد ليتسنى لهم الإطاحة به واستلام قيادة الأمّة.
٤ ـ مقتل الإمام أمير المؤمنين (ع) الذي فقد به العراق قائدا وموجها وخطيبا، يحملهم على الحق ويثيبهم الى الصواب، وقد أصبح العراقيون بعد فقده يسيرون فى ظلام قاتم، ويتخبطون خبط عشواء قد فقدوا الرائد والدليل.
هذه الأمور ـ فيما نعلم ـ هي التي حفزت معاوية الى اعلان الحرب واستعجاله، فان العراق لو لم يمن بمثل هذه الكوارث والفتن لما وجد معاوية الى الحرب سبيلا، ولبذل جميع طاقاته في تأخير الحرب، وعقد الهدنة المؤقتة ـ كما فعل ذلك مع ملك الروم ـ حتى يتبين له الأمر فانا لا ننسى كلماته التي تنم عن خوفه وفزعه من العراقيين حينما كانوا صفا واحدا غير مبتلين بالتفكك والانحلال فقد قال: (ما ذكرت عيونهم تحت المغافر(٦٧) بصفين إلا لبس على عقلي) ووصف اتحادهم بقوله: (إن قلوبهم كقلب رجل واحد) فلولا اختلافهم وتشتتهم لما بادر معاوية الى اعلان الحرب واستعجاله.
مذكرة معاوية لعماله:
ورفع معاوية مذكرة ذات مضمون واحد الى جميع عماله وولاته، يحثهم فيها على الخروج الى حرب الإمام ويأمرهم بالالتحاق به سريعا بأحسن هيئة، وأتم استعداد وهذا نصها:
(من عبد الله معاوية أمير المؤمنين، الى فلان ابن فلان، ومن قبله من المسلمين، سلام عليكم، فاني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد: فالحمد لله الذي كفاكم مئونة عدوكم، وقتلة خليفتكم، إن الله بلطفه أتاح لعلي بن أبي طالب رجلا من عباده فاغتاله فقتله فترك أصحابه متفرقين مختلفين، وقد جاءتنا كتب أشرافهم وقادتهم يلتمسون الأمان لأنفسهم وعشائرهم، فأقبلوا الي حين يأتيكم كتابي هذا بجاهدكم وجندكم، وحسن عدتكم، فقد أصبتم بحمد الله الثأر، وبلغتم الأمل، وأهلك الله أهل البغي والعدوان، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته)(٦٨).
ولما وصلت هذه الرسالة الى عماله وولاته قاموا بتحريض الناس وحثهم على الخروج والاستعداد لحرب ريحانة رسول الله وسبطه وفي أقرب وقت التحقت به قوى هائلة منظمة لا ينقصها شيء من حيث الكراع والسلاح، والعدد والعدة.
ولما توفرت له القوة الهائلة من الجند والعسكر وأصحاب المطامع الذين لا يقدسون سوى المادة زحف بهم نحو العراق وتولى بنفسه القيادة العامة للجيش، وأناب عنه في عاصمته الضحاك بن قيس الفهري، وقد كان عدد الجيش الذي نزح معه ستين ألفا، وقيل أكثر من ذلك، ومهما كان عدده فقد كان مطيعا لقوله، ممتثلا لأمره، منفذا لرغباته، مذعنا له لا يخالفه ولا يعصيه.
وطوى معاوية البيداء بجيشه الجرار فلما انتهى الى جسر منبج(٦٩).
فزع العراقيين:
وحينما أذيع خبر توجهه وبلوغه الى هذا المحل عم العراقيين الذعر والخوف، ولما علم الإمام بتوجهه أمر بعض أصحابه أن ينادى فى العاصمة (الصلاة جامعة) ويقصد بذلك جمع الناس فى جامع البلد، فنودي بذلك وما هي إلا فترة يسيرة من الزمن حتى اكتظ الجامع بالجماهير الحاشدة فخرج (ع) فاعتلى المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
(أما بعد: فان الله كتب الجهاد على خلقه وسماه كرها، ثم قال لأهل الجهاد: اصبروا إن الله مع الصابرين، فلستم أيها الناس نائلين ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون، انه بلغنى أن معاوية بلغه أنا كنا أزمعنا على المسير إليه فتحرك لذلك، اخرجوا رحمكم الله الى معسكركم في النخيلة(٧٠) حتى ننظر وتنظرون، ونرى وترون)(٧١).
ولما أنهى (ع) خطابه وجم الحاضرون، وأخرست ألسنتهم، واصفرّت ألوانهم كأنهم قد سيقوا الى الموت، فلم يجب الإمام أحد منهم كل ذلك لخوفهم من أهل الشام، وحبهم للسلم، وإيثارهم للعافية، وكان هذا التخاذل في بداية الدعوة الى جهاد العدو ينذر بالخطر ويدعو الى التشاؤم واليأس من صلاحهم.
ولما رأى الصحابي العظيم والحازم اليقظ عدي بن حاتم(٧٢) سكوت الجماهير وعدم اجابتهم للإمام غاظه ذلك والتاع أشد اللوعة، فانبرى إليهم منكرا سكوتهم وتخاذلهم المفضوح قائلا بنبرات تقطر حماسا وعزما:
(أنا عدي بن حاتم، سبحان الله ما أقبح هذا المقام!!! ألا تجيبون إمامكم، وابن بنت نبيكم؟ أين خطباء المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة، فاذا جد الجد راوغوا كالثعالب، أما تخافون مقت الله، ولا عيبها وعارها).
ثم التفت الى الإمام مظهرا له الطاعة والامتثال قائلا:
(أصاب الله بك المراشد، وجنبك المكاره، ووفقك لما يحمد ورده وصدره، قد سمعنا مقالتك، وانتهينا الى أمرك، وسمعنا لك، وأطعنا فيما قلت ورأيت).
ثم أظهر الى المجتمع عزمه على الخروج لحرب معاوية فورا قائلا:
(وهذا وجهي الى معسكرنا، فمن أحب أن يوافي فليواف).
ثم خرج من المسجد وكانت دابته بالباب فركبها وخرج وحده من دون أن يلتحق به أحد وأمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه، فانتهى الى النخيلة فعسكر بها وحده(٧٣).
وهكذا اضطرب غيظا وموجدة كل من الزعيم قيس بن سعد بن عبادة، ومعقل بن قيس الرياحي(٧٤)، وزياد بن صعصعة التميمي لما رأوا سكوت الجماهير وعدم إجابتهم بشيء، فلاموهم على هذا التخاذل وبعثوا فيهم روح النشاط الى حرب عدوهم ومناجزته ثم التفتوا الى الامام وكلموه بمثل كلام عدي فى الانقياد والطاعة والامتثال لأمره فشكرهم الامام على موقفهم المشرف، وأثنى على شعورهم الطيب قائلا:
(ما زلت أعرفكم بصدق النية والوفاء والنصيحة فجزاكم الله خيرا).
وخرج الامام (ع) من فوره لرد العدوان الأموي، واستخلف فى عاصمته المغيرة بن نوفل بن الحرث(٧٥) وأمره بحثّ الناس الى الجهاد واشخاصهم إليه فى النخيلة، وطوى (ع) البيداء بجيشه الجرار المتخاذل ـ وسيأتي وصفه بعد قليل ـ حتى انتهى الى النخيلة فاستقام فيها فنظم جيشه(٧٦) ثم ارتحل عنها وسار حتى انتهى الى (دير عبد الرحمن) فأقام به ثلاثة أيام ليلتحق به المتخلفون من جنده، وعنّ له أن يرسل مقدمة جيشه للاستطلاع على حال العدو وإيقافه فى محله لا يتجاوزه الى آخر، واختار الى مقدمته خلّص أصحابه من الباسلين والماهرين، وكان عددهم اثنى عشر الفا، واعطى القيادة العامة الى ابن عمه عبيد الله بن العباس، وقبل أن تتحرك هذه الفصيلة من الجيش دعا الامام قائدها العام عبيد الله فزوده بهذه الوصية القيّمة وهي:
(يا ابن العم! إني باعث معك اثنى عشر ألفا من فرسان العرب وقراء المصر، الرجل منهم يزيد الكتيبة، فسر بهم، وألن لهم جانبك، وابسط لهم وجهك، وافرش لهم جناحك، وادنهم من مجلسك، فانهم بقية ثقات أمير المؤمنين، وسر بهم على شط الفرات، ثم امضي حتى تستقبل بهم معاوية، فان أنت لقيته فاحتبسه حتى آتيك، فاني على أثرك وشيكا، وليكن خبرك عندي كل يوم، وشاور هذين ـ قيس بن سعد وسعيد بن قيس ـ وإذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك فان فعل فقاتله، وإن أصبت، فقيس بن سعد على الناس، فان اصيب، فسعيد بن قيس على الناس). وحفلت هذه الوصية بما يلي:
١ ـ إنها دلت على اطلاعه الوافر في تدبير شئون الدولة، فان التوصية بالجيش بهذا اللون المشتمل على العطف والحنان، والاطراء عليه بمثل هذا الثناء، من أنهم بقية ثقات أمير المؤمنين، والزام القيادة العامة باللين والبسط مما يزيد الجيش اخلاصا وإيمانا بدولته، ومن الطبيعى ان الجيش إذا أخلص لحكومته، وآمن بسياستها ثبتت قواعدها، وظفرت بسياج حصين يمنع عنها العدوان الخارجي، ويقيها من الشر والفتن الداخلية، ويوجب لها المزيد من الهدوء والاستقرار.
٢ ـ وأما أمره أن لا يعتدي عبيد الله على معاوية، ولا يناجزه الحرب حتى يكون هو المبتدي فليس ذلك لأن معاوية من مصاديق قوله تعالى: (وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)(٧٧) فان معاوية لم يبق وليجة للاعتداء إلا سلكها، فقد اعتدى في تخلفه عن بيعة أمير المؤمنين، ومحاربته له في صفين، وفي بعثه السفاح بسر بن أبي أرطاة وفعله بأمره ما فعل من المنكرات، ولم يزل معتديا وخارجا على الاسلام الى حين وفاة أمير المؤمنين، ولكن إنما أمر الحسن (ع) أن لا يبتدي عبيد الله بحربه لسد مراوغاته حتى لا يستطيع أن يدعي أنه ما جاء للحرب وإنما جاء للتداول في اصلاح أمر المسلمين.
٣ ـ ونصت وصية الامام على الزام عبيد الله بمشاورة قيس بن سعد وسعيد بن قيس وترشيحهما للقيادة من بعده، وفي ذلك الفات منه الى الجيش ان أمره المتبع هو المقرون بمشاورة الرجلين، كما فيه توثيق لهما، والحق انه لم يكن في جيش الامام من يضارعهما في نزعاتهما الخيرة وفي ولائهما لأهل البيت (ع)، وأعظم بهما شأنا أنهما نالا ثقة الامام واهتمامه.
وقبل أن نطوي الحديث على هذا الموضوع نعرض بعض الجهات التي ترتبط فيه وهي:
١ ـ اختيار عبيد الله:
ويتساءل الكثير عن الحكمة التي رشح الامام من أجلها عبيد الله لقيادة مقدمة جيشه مع أنه كان في ذلك الجيش من هو أصلب منه إيمانا وأقوى عقيدة، وأعظم اخلاصا كالزعيم قيس بن سعد، وسعيد بن قيس واضرابهما من الثقات والمؤمنين. (والجواب عن ذلك) ـ أولا ـ ان الامام (ع) أراد بذلك تشجيعه واخلاصه باسناد القيادة العامة إليه ـ وثانيا ـ ان له من الكفاءة والقدرة والحزم ما يجعله أهلا لهذا المنصب الرفيع، فهو قد تربى فى مدرسة الامام أمير المؤمنين (ع) ولكفاءته وقدرته نصبه الامام (ع) واليا على اليمن. ـ وثالثا ـ إنه حري بأن يخلص ويبذل قصارى جهوده في المعركة لأنه موتور من قبل معاوية، فلقد قتل ولديه بسر بن ارطاة. ـ ورابعا ـ ان الامام (ع) لم يجعل القيادة العامة بيده بل جعلها ثلاثية بينه وبين قيس بن سعد، وسعيد بن قيس، وقد أوفى المسألة حقها من جميع الوجوه سماحة المغفور له آل ياسين(٧٨).
٢ ـ عدد الجيش:
واضطربت كلمة المؤرخين في تحديد الجيش الذي نزح مع الامام الى مظلم ساباط، فابن أبي الحديد ذكر أنه نزح مع الامام جيش عظيم ولم يحدده إلا أنه حدد المقدمة التي تولى قيادتها عبيد الله فقال: (إن عددها كان اثنى عشر ألفا من فرسان العرب وقراء المصر(٧٩). وذكر الطبري وغيره انه كان اربعين ألفا(٨٠)، ويستفاد من مطاوي بعض الأحاديث التي دارت بين الامام وبعض أصحابه في أمر الصلح أن عدد الجيش كان مائة ألف كقول سليمان بن صرد للامام (ع) وهو في مقام التقريع له على امضائه وقبوله الصلح (أما بعد: فان تعجبنا لا ينقضي من بيعتك معاوية ومعك مائة ألف مقاتل من أهل العراق)(٨١)، كما يستفاد أيضا أنه كان تسعين ألفا(٨٢)، وقيل أنه سبعون ألفا(٨٣) الى غير ذلك، والذي نذهب إليه أن عدد الجيش كان يربو على أربعين ألفا، ويدل على ذلك ما حدث به نوف البكالي(٨٤) قال: لما عزم الامام على العودة الى حرب معاوية قبيل وفاته باسبوع عقد للحسين على عشرة آلاف، ولأبي أيوب على عشرة آلاف، ولقيس بن سعد على عشرة آلاف، ولغيرهم على أعداد أخر وهو يريد الرجعة الى صفين، فما دارت عليه الجمعة حتى ضربه ابن ملجم بالسيف(٨٥)، فهذا القول يروي لنا جيشا مسلحا كان متهيئا للحرب قد عدّ اسماء جماعة من قادته لهم السلطة على ثلاثين ألف جندي مسلح ولم يذكر لنا أسماء القادة الآخر الذين نصبهم الإمام على كتائب جيشه ولا كمية عدد الجيش الآخر ولا شك بأنهم كانوا يربون على عشرة آلاف، هؤلاء جميعا قد بايعوا الحسن ونفروا معه الى حرب عدوه، ويدل على ذلك ما رواه (أبو الفداء) ان الحسن تجهز الى حرب معاوية بالجيش الذي بايع أباه(٨٦) ويؤيده أيضا ما ذكره (ابن الأثير) قال:
(كان أمير المؤمنين علي قد بايعه أربعون ألفا من عسكره على الموت لما ظهر ما كان يخبرهم به عن أهل الشام، فبينما هو يتجهز للمسير قتل عليه السلام، وإذا أراد الله أمرا فلا مرد له، فلما قتل وبايع الناس ولده الحسن بلغه مسير معاوية في أهل الشام إليه فتجهز هو والجيش الذين كانوا بايعوا عليا وسار عن الكوفة الى لقاء معاوية)(٨٧).
ويؤكد ذلك حديث المسيب بن نجبة مع الامام في أمر الصلح قال له (ما ينقضي عجبي منك صالحت معاوية ومعك أربعون ألفا)(٨٨).
فعدد الجيش على هذه الروايات المتوافرة كان أربعين الفا، وهو الذي يذهب إليه، وقد ناقش سماحة الحجة المغفور له آل ياسين الروايات المتقدمة واختار بعد التصفية والمناقشة ان عدده كان عشرين ألفا أو يزيد قليلا(٨٩).
ومهما كان الأمر فان الاختلاف في عدده ليس بذي خطر لأن الجيش مهما كان عدده كثيرا وخطيرا إذا كان مختلف الأهواء والنزعات لا بد وأن ينخذل ولا يحرز فتحا ونصرا، لأن الاعتبار في النصر والظفر دائما إنما هو بالإخلاص والإيمان والعقيدة ووحدة الكلمة، لا بالكثرة وضخامة العدد فكم فئة قليلة تضامنت فيما بينها، واتحدت وتعاونت، قد حازت النصر وفتحت فتحا مبينا، وسحقت القوى المقابلة لها وإن كانت أكثر منها عدة وأعظم استعدادا أوفر قوة، والجيش العراقي مهما بلغ عدده وبولغ في كثرته فانه مصاب بالاختلاف والتفكك والانحلال ومع ذلك فكيف يظفر بالنجاح وما ذا تفيده الكثرة؟ وضخامة العدد؟.
٣ ـ وصف الجيش:
لا شك أن الجيش هو العماد الذي يقوم عليه عرش الدولة، ويبتنى عليه كيانها، وهو السياج الواقي للحكومة والشعب من الاعتداء، وعليه المعول فى حفظ النظام وسيادة الأمن، لكن فيما إذا كان مخلصا فى دفاعه ومؤمنا بحكومته، وأما إذا كان خائنا أو لا ينظر لدولته إلا بنظر العداء والانتقام ويترقب الفرص للفتك بها وتمكين العدو منها، فانها حتما لا تنجح في أي ميدان من ميادين الصراع الداخلي والخارجي ولا تفوز بالنجاح حينما يتلبد جوّها السياسى بالغيوم القاتمة والأخطار الفاتكة، وكان الجيش العراقي الذي زحف مع الإمام لمحاربة معاوية قد ركس فى الفتنة وماج في الشقاء فكان خطره على الدولة أعظم من خطر معاوية، وقد وصفه الشيخ المفيد رحمه الله وقسمه الى عناصر وقد أجاد فى وصفه وأبدع في تقسيمه، قال طيب الله مثواه:
(واستنفر الناس للجهاد فتثاقلوا عنه، ثم خفوا وخف معه أخلاط من الناس بعضهم شيعة له ولأبيه، وبعضهم محكمة يؤثرون قتال معاوية بكل حيلة، وبعضهم أصحاب فتن وطمع بالغنائم، وبعضهم شكاك، وبعضهم أصحاب عصبية اتبعوا رؤساء قبائلهم لا يرجعون الى دين)(٩٠).
وأعرب الشيخ المفيد نضّر الله مثواه في كلامه ـ أولا ـ عن كراهة الجيش للحرب، وإيثاره للعافية، ورغبته في السلم، وأفاد ـ ثانيا ـ في تقسيمه ان الجيش ينقسم الى عناصر متباينة فى أفكارها، مختلفة في عقائدها وهي كما يلي:
١ ـ الشيعة:
وهؤلاء فيما يظهر عدد قليل في الجيش العراقي ولو كانوا عددا كثيرا فيه، لما أجبر أمير المؤمنين (ع) على التحكيم في صفين ولما صالح الحسن معاوية وهذا العنصر يخالف بقية العناصر في تفكيره وشعوره وإيمانه فهو يرى أن الخلافة من حقوق أهل البيت وانهم أوصياء النبي وحضنة الإسلام وحماته، وطاعتهم مفروضة على جميع المسلمين.
٢ ـ المحكمة:
وهم الخوارج الذين ضمهم جيش الامام وكانوا يرومون قتال معاوية بكل حيلة ووسيلة لا إيمانا منهم بقضية الحسن وباطل معاوية، بل كانوا يرون الحسن ومعاوية في صعيد واحد، وإنهما لا يستحقان الخلافة وإنما كانوا يستعجلون حرب معاوية ومناجزته لأنهم يعلمون انه أوفر قوة من الامام فرأوا أن ينضموا الى جيشه مؤقتا حتى ينهوا أمره، فان قضي عليه فيكون أمر الحسن سهلا لأن اغتياله ليس بالعسير عليهم فقد اغتالوا أباه من قبل:
٣ ـ اصحاب المطامع:
وضم جيش الإمام فصيلة من الجند لا تؤمن بالقيم الروحية ولا تقدس العدل ولا تفقه الحق وإنما كانوا ينشدون مصالحهم وأطماعهم وكانوا يرقبون من كثب أي الجهتين قد كتب لها النصر والظفر حتى يلحقوا بها.
٤ ـ الشكاكون:
وأكبر الظن ان الشكاكين هم الذين أثرت عليهم دعوة الخوارج ودعاية الأمويين حتى شككوا في مبدأ أهل البيت (ع)، وفي رسالتهم الإصلاحية ولو اندلعت نيران الحرب لما ساعدوا الإمام بشيء، لأنهم لم يكونوا مدفوعين بدافع الإيمان والعقيدة.
٥ ـ اتباع الرؤساء:
وهم أكثر العناصر عددا، وأعظمهم خطرا، فهم يتبعون زعماءهم ورؤساءهم اتّباع أعمى لا إرادة لهم ولا تفكير ولا شعور بالواجب، وهم المعبر عنهم بالهمج الرعاع. وكان أغلب سواد العراق قد انتمى الى أحد الزعماء على غرار العشائر العراقية في هذا الوقت، وأكثر زعماء العراق ممن كاتب معاوية بالطاعة والانقياد كقيس بن الأشعث، وعمرو بن الحجاج وحجار بن أبجر وأضرابهم من الخوارج والمنافقين الذين اشتركوا في أعظم مأساة سجلها التأريخ وهي قتل سيد شباب أهل الجنة الحسين (ع).
هذه هي العناصر التي تكوّن منها الجيش العراقي، بل العراق كله من نفر منه الى الحرب ومن لم ينفر ينطبق عليه أحد هذه العناوين التي ذكرها شيخ الإسلام المفيد رحمه الله في كلامه القيم، وأكثر هؤلاء لا يؤمن من شرهم فى السلم فضلا عن الحرب.
٤ ـ أخطاء تاريخية:
وقع فريق من المؤرخين والكتاب فى أخطاء تتعلق فى هذا الفصل يجدر التنبيه عليها وهي:
١ ـ الحاكم:
أفاد الحاكم النيسابوري أن الحسن (ع) أسند قيادة مقدمته إلى ابن عمه عبد الله بن جعفر، وضم إليه عشرة آلاف جندي(٩١) وفد تفرد الحاكم بهذا القول وهو مخالف لما اجمع عليه رواة الأثر من أن قيادة المقدمة كانت لعبيد الله بن العباس باشراك قيس بن سعد وسعيد بن قيس، كما أن عدد المقدمة كان اثنى عشر الفا حسب ما ذكروه لا عشرة آلاف.
٢ ـ اليعقوبى:
ذكر المؤرخ الشهير اليعقوبي: ان الإمام الحسن تجهز لحرب معاوية بعد ثمانية عشر يوما من وفاة أبيه(٩٢) وهو اشتباه لأن الإمام لم يتجهز لمحاربة خصمه إلا بعد أن راسله بتلك الرسائل التي مرّ ذكرها فى الفصل السالف، وعلى الظاهر أن مدة المراسلة كانت تزيد على شهرين كما أن الإمام لم يستعد للحرب إلا بعد ما فشلت جميع الوسائل التي اتخذها لأجل السلم والوئام، وعلم أن معاوية قد زحف إليه بجنده ففى ذلك الوقت تجهز للحرب لا قبله كما أجمع عليه المؤرخون وإذا أردنا تصحيح ما ذكره اليعقوبي فان هذه المدة التي ذكرها كانت فاتحة المراسلات التي دارت بينهما.
٣ ـ ابن كثير:
قال ابن كثير: ولم يكن فى نية الحسن أن يقاتل أحدا، ولكن غلبوه على رأيه، فاجتمعوا اجتماعا عظيما لم يسمع بمثله، فأمر الحسن بن علي قيس بن سعد بن عبادة على المقدمة في اثنى عشر ألفا بين يديه. الخ(٩٣). وهذا القول ليس بوثيق لأن الإمام الحسن لو لم يكن من رأيه الحرب لما بعث الى معاوية تلك المذكرات التي يتهدده فيها ويتوعده باعلان الحرب إن لم يدخل فى طاعته، ولو لم يكن من نيته الحرب لما اعتلى المنبر وحفز الناس الى الجهاد، ودعاهم الى الحرب كما ذكرنا ذلك بالتفصيل، وأما قوله: ان الناس اجتمعوا اجتماعا عظيما لم يسمع بمثله وهم يدعون الإمام الى الحرب. فينافيه ويرده تقاعسهم، وعدم اجابتهم له، وسكوتهم لما دعاهم (ع) الى الجهاد في خطابه السالف الذكر.
٤ ـ طه حسين:
قال الدكتور طه حسين: (ومكث الحسن بعد البيعة شهرين أو قريبا من ذلك لا يذكر الحرب، ولا يظهر استعدادا لها، حتى ألح عليه قيس بن سعد، وعبيد الله بن العباس، وكتب إليه عبد الله بن عباس من مكة يحرضه على الحرب ويلح عليه في أن ينهض فيما كان ينهض فيه أبوه)(٩٤) ومواقع النظر في كلامه ما يلي:
١ ـ إن قوله: ومكث الحسن بعد البيعة شهرين أو قريبا من ذلك لا يذكر الحرب ولا يظهر استعدادا لها. فانه بعيد عن الواقع، وهو قريب مما ذكره ابن كثير في كلامه المتقدم، ولعل الدكتور استند إليه، وتفنده رسائل الإمام ـ التي مرّ بيانها ـ فانها صريحة في تصميمه وعزمه على الحرب، وللاستدلال على ذلك نسوق بعض فقراتها يقول (ع): (وإن أنت أبيت إلا التمادي فى غيك سرت إليك بالمسلمين حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين). وهذه الفقرات واضحة صريحة فيما ذكرناه، ولعل الدكتور لم يلحظ هذه الجوانب من رسائل الإمام فأرسل حكمه محفوفا بالخلط والاشتباه، وبالاضافة الى ذلك فان الإمام ملزم بمناجزة معاوية، لأن الله أوجب حرب البغاة الذين يشقون عصا الطاعة، ويخرجون على إمام المسلمين، قال تعالى: (فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء الى أمر الله). وقال رسول الله (ص): (من دعا الى نفسه أو إلى أحد وعلى الناس إمام فعليه لعنة الله فقاتلوه). ومعاوية قد خرج على أمير المؤمنين من قبل وبغى عليه، وقد أغرق البلاد في الدماء، وأشاع بين المسلمين الحزن والثكل والحداد، فمناجزته من أهم الواجبات الإسلامية، فكيف يتخلف الإمام عنها وهو سبط النبي وريحانته.
٢ ـ وأما قوله: إن قيس بن سعد، وعبيد الله بن العباس ألحّا عليه فى أن ينهض للحرب، فان هذا من الوهم والخلط لأنا ذكرنا ـ في أوائل هذا البحث ـ النصوص التأريخية التي دلت على أن الإمام نفر الى الحرب حينما علم أن معاوية قد زحف إليه، ولم يكن أحد قد ألحّ عليه في ذلك، وإنما كانت حراجة الموقف والضرورة البالغة تقضيان بخروجه، فانه لو لم ينفر لحرب معاوية ورد عدوانه لاحتل الكوفة، وأخذ الإمام أسيرا، فكان خروجه للدفاع والجهاد أمرا لازما، ولم يكن هناك أي أحد ألحّ عليه في ذلك.
إن بحوث الدكتور طه حسين فى هذه الجهات محفوفة بالإسفاف والخلط وفاقدة للتحقيق الذي يتطلبه البحث العلمي الذي لا يخضع للعاطفة والأهواء، فان التاريخ ـ كما يقول ـ قد خلط بالموضوعات حتى أصبح من العسير أن يخلص المؤرخ للحق في أبسط الامور وأيسرها فضلا عن أمثال هذه الجوانب التي لبست أسمك جلابيب الغموض بسبب الروايات التي تعمد أصحابها على وضعها انتصارا للأمويين وتقليلا لجانب أهمية أهل البيت (ع)، فيجب التثبت والوقف فى كثير مما انفردوا بروايته، وملاحظة أقوال المؤرخين الذين عرفوا بالاستقامة وعدم الانحراف، وتحرجوا من الوضع، وليس من الحق أن يعتمد الدكتور على روايات ابن كثير وأمثاله ممن جرفتهم العصبية، ومالوا عن القصد فدونوا ما هو مجاف للواقع وبعيد عن الحق.
إن مصدر الخطأ والالتباس في بحوث المتأخرين إنما جاءت من الاعتماد على أمثال هذه المصادر، وعدم التحقيق والتدقيق فيما انفردوا بروايته انتصارا للحكم القائم، وليس شيء أدعى للمؤرخ الذي يريد أن يخلص للحق من التثبت فى ذلك فانه مما يقتضيه البحث الحر الذي نحن في أمس الحاجة إليه.
في المدائن
فى سجل التاريخ حوادث مفجعة يذوب القلب من هولها أسى وحسرات، وذلك بما تتركه من الآثار المريعة، والمضاعفات السيئة، وبما تخلفه من المشاكل والمصاعب كانتشار الظلم، وذيوع الجور، وهضم الحق، وضياع العدل. ومن أفجع هذه الحوادث وأقساها، انتصار الظالمين وتغلبهم على أئمة الحق والعدل، فانه يؤدي حتما الى شل الحركة الإصلاحية، وتدمير القيم الإنسانية، وظهور البغي والجور في البلاد.
وتمثلت هذه المأساة المحزنة بأبشع صورها على مسرح الزمن الهازل في صراع الإمام الحسن (ع) مع معاوية، وغلبة معاوية عليه، وقد انتصرت بذلك القوى الحاقدة على الإسلام، والباغية على المسلمين، واندحرت المبادئ العليا التي جاء هذا الدين ليقيمها.
إن من نكد الدنيا غلبة معاوية وانتصاره على سبط النبي وريحانته، وابتزازه لحقه، وفرضه حاكما على المسلمين باسم الإسلام، وهو من ألدّ خصومه وأعدائه. إن السر في انتصار معاوية يرجع الى أسباب كثيرة وعوامل متعددة وأهمها الحوادث القاسية التي وقعت في (مسكن)(٩٥) التي كانت تضم مقدمة جيش الإمام، والحوادث المؤسفة التي جرت فى (المدائن) التي استقرت فيها عامة جيوشه، وقد عانى الإمام منها ألوانا شاقة من المحن والخطوب حتى اضطر الى الصلح، والتجأ الى مسالمة الخصم، وعلينا أن ننظر الى تلكم الأحداث ونتأملها فانها من أهم علل الصلح وأسبابه ـ فيما نحسب ـ وهي كما يلي:
حوادث مسكن
وبعد ما أسند الإمام القيادة العامة في مقدمة جيشه الى عبيد الله بن العباس، انطلق عبيد الله يطوي البيداء مع الجيش حتى انتهى الى (سينور) ومنها خرج الى (شاهي)(٩٦)، فلزم الفرات والفلوجة حتى وصل الى مسكن فاستقام فيها وقابل العدو وجها لوجه، وقد قام معاوية بدوره بعمليات التخريب والإفساد فسلك جميع الوسائل للقضاء على أصالة (المقدمة) وتمزيق وحداتها، واماتة نشاطها العسكري، فنشر بها المخاوف والأراجيف، وبث فيها العصيان والتمرد، ونقدم عرضا لبعضها:
بث الجواسيس
وكانت باكورة الدسائس الخطيرة التي قام بها معاوية فى إفساده (المقدمة)، انه بعث الجواسيس، ونشر العيون ليذيعون الذعر والإرهاب ويقومون بخذلان الجيش، وكانت دعايتهم ذات طابع واحد وهي:
(إن الحسن يكاتب معاوية على الصلح فلم تقتلون أنفسكم؟.)(٩٧)
وتركت هذه الموجة من الافتراء اضطرابا فظيعا، وخوفا بالغا فى النفوس، وأحدثت تمردا شاملا في جميع الوحدات العسكرية.
رشوة الوجوه
ولم يقتصر معاوية في عمليات التخريب على ذلك، فقد صنع ما هو أفتك منها وهو شراؤه الضمائر الرخيصة من قادة الجيش وزعمائه المقيمين في (مسكن) فقد بذل لهم أموالا ضخمة، ومناهم بالوظائف والمراتب، فأجابوه الى ذلك، وتسللوا إليه، والتحقوا بمعسكره في غلس الليل وفى وضح النهار، وكتب عبيد الله أنباءهم بالتفصيل الى الإمام الحسن (ع)(٩٨)
اغراؤه لعبيد الله
ولما رأى معاوية ان عملية الرشوة قد نجح بها الى حد كبير راح يعمل بنشاط فى اغرائه لذوي الضمائر القلقة، والنفوس المريضة، فمدّ أسلاك مكره الى عبيد الله بن العباس، فجذبه إليه، وصار العوبة بيده، وقد خان عبيد الله بذلك ثقل رسول الله، وترك موكب الحق والهدى، وانضم الى معسكر الخيانة والجور، أما نص رسالة معاوية التي خدعه بها فهي:
(إن الحسن قد راسلني فى الصلح، وهو مسلم الأمر إليّ فان دخلت فى طاعتي الآن كنت متبوعا، وإلا دخلت وأنت تابع، ولك إن أجبتني الآن أن أعطيك ألف ألف درهم، أعجل لك في هذا الوقت نصفها، وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر...)(٩٩)
وتمثل الكذب الصريح، والمكر السافر في قوله: (إن الحسن قد راسلني في الصلح.) إن الإمام متى راسله فى الصلح؟ أفي رسائله ومذكراته التي احتوت على تهديده وتوعيده باعلانه للحرب عليه إن لم يثب لطاعته، أم بخروجه لمناجزته؟ مضافا الى أنه لم تجر أي اتصالات بينه وبين الإمام في ذلك الوقت.
وليس هناك أدنى مجال للشك فى أن عبيد الله كان يؤمن في قرارة نفسه بكذب هذا الادعاء لأن الإمام لو كان قد راسله في الصلح فلأي شيء يمنيه معاوية بهذه الأموال الطائلة، وما قيمته إن أجابه الإمام إلى ذلك.
غدر وخيانة
وغزى معاوية برسالته مشاعر عبيد الله فقد أخذ يطيل التفكير فى ارتكاب الجريمة والخيانة، وتمثلت أمامه النقاط المغريات التي عرضها عليه معاوية وهي:
١ ـ مراسلة الحسن له في الصلح حسب الادعاء المزعوم.
٢ ـ الدخول فى معسكر معاوية وهو متبوع خير له من أن يكون تابعا.
٣ ـ الحصول على مائة ألف درهم.
وانفق ليله ساهرا يفكر في الأمر، قد ملأت الحيرة اهابه، وتمثلت أمامه (المادة) التي منّاه بها معاوية وهو لم يظفر ببعضها فى ظل الحكومة الهاشمية التي بنيت على بسط العدل والمساواة، وأخيرا سولت له نفسه الأثيمة بالغدر ونكث العهد، فاستجاب لدنيا معاوية، ومال عن الحق، وانحرف عن الطريق القويم، وخان الله ورسوله، وترك سبط النبي (ص) وريحانته، والتحق بمعسكر الظلم والجور، وقد تسربل بثياب العار والخزي.
لقد تسلل عبيد الله الى معاوية فى غلس الليل البهيم ومعه ثمانية آلاف من الجيش(١٠٠) من ذوي الأطماع والأهواء الذين لم ينطبع الدين في قلوبهم ففي عنق عبيد الله الخائن الأثيم تقع المسئولية الكبرى، فقد أدت خيانته الى زعزعة الجيش وتفلل وحداته واضطرابه.
إن هذه الخطة التي سلكها معاوية كانت من أهم الأسباب التي مهدت نجاحه، وفوزه بالموقف وتغلبه على الأحداث، فقد سببت اندحار جيش الإمام، وقضت على عزائمه، وفتحت باب الخيانة، والغدر على مصراعيهما.
اضطراب الجيش
وأصبحت البقية الباقية من الجيش تفتش عن قائدها ليصلي بها صلاة الصبح فلم تجده، ولما علمت خيانته وغدره والتحاقه بالعدو اضطربت أشد الاضطراب، وماجت فى الفتن، وارتطمت بالنزاع والخلاف، ولما رأى قيس بن سعد الرجات العنيفة، والفتن السود قد ضربت أطنابها على الجيش قام فصلى بهم صلاة الصبح، وبعد الفراغ منها قام خطيبا فهدأ روعهم وأثابهم الى الصواب والرشاد، وهذا نص خطابه.
(إن هذا وأباه وأخاه لم يأتوا بيوم خيرا قط، إن أباه عمّ رسول الله (ص) خرج يقاتله ببدر، فأسره أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري(١٠١) فأتى به رسول الله (ص) فأخذ فداءه، فقسمه بين المسلمين وإن أخاه ولاّه علي على البصرة فسرق ماله ومال المسلمين فاشترى به الجواري، وزعم أن ذلك له حلال، وإن هذا ولاّه علي على اليمن فهرب من بسر بن أبي أرطاة، وترك ولده حتى قتلوا، وصنع الآن هذا الذي صنع)(١٠٢).
وملك قيس أحاسيس الجيش وشعورهم بخطابه المؤثر الرصين، فقد رأوا في كلامه منطق الحق، وفي شخصيته صلابة الإيمان، وتبين لهم أن عبيد الله خليق بالخيانة، ومظنة لكل سوء، وانه لو كان عنده شعور نبيل أو عاطفة انسانية لما هرب من اليمن وترك ولديه بيد الجزار بسر بن أبي أرطاة فقتلهما.
وانبرى الجيش بجميع كتائبه فأعلن التأييد والخضوع لمقالته وهم يهتفون (الحمد لله الذي أخرجه من بيننا.)(١٠٣)
وتسلم قيس القيادة ـ بعد غدر عبيد الله ـ بنص الإمام وبالترشيح من جميع القوات المسلحة، وحينما تسلم منصبه الجديد رفع للإمام مذكرة أخبره فيها بوقوع الحادث المؤسف وبتسلمه مهام القيادة، وهذا نصها:
(إنهم نازلوا معاوية بقرية يقال لها (الجنوبية) بإزاء (مسكن) وان معاوية أرسل الى عبيد الله بن العباس يرغبه فى المصير إليه، وضمن له ألف ألف درهم، يعجل له منها النصف، ويعطيه النصف الآخر عند دخوله الكوفة، فانسل عبيد الله في الليل الى معسكر معاوية في خاصته، وأصبح الناس قد فقدوا أميرهم، فصلى بهم قيس بن سعد ونظر في امورهم...(١٠٤)
وساعد الله قلب الإمام الحسن حينما انتهى إليه هذا النبأ المؤسف، فقد أترعت نفسه الشريفة بالآلام والهواجس، ويئس من الظفر والنصر، وعلم أن أكثر من معه لا واقعية لهم، وانهم يسلمونه عند الوثبة ويغدرون به عند اندلاع نار الحرب. وأما جيشه الرابض معه فى (المدائن) فانه لما علم بخيانة عبيد الله، والتحاقه بمعسكر العدو ارتطم في الفتن، وماج في الشر، واستولى عليه الذعر والخوف، وأخذ أكثر قادته يلتمسون الطرق للاتّصال بمعاوية والظفر بأمواله.
اكاذيب واضاليل:
وبعد ما طعن معاوية الجيش العراقي في صميمه بعمليات الرشوة، سلك طرقا أخرى في إفساده واماتة نشاطه، فقد أرسل عيونه وخواصه ينشرون الأكاذيب، ويبثون الإرهاب في جميع كتائب الجيش سواء المقيمة في المدائن، أو فى مسكن، وكانت تلكم الإشاعات ذات صور وهي:
أ ـ إذاعتهم في (المدائن) أن قيس بن سعد قد صالح معاوية، وصار معه(١٠٥)، ولم يشك الجيش في صدق هذه الدعاية، فان عبيد الله بن العباس الذي هو أمس الناس رحما بالإمام قد غدر به وخانه فكيف بغيره.
ب ـ إشاعتهم في (مسكن) ان الإمام قد صالح معاوية وأجابه(١٠٦).
ج ـ افتراؤهم على من في (المدائن) ان قيس بن سعد قد قتل فانفروا(١٠٧).
ومزقت هذه الدعايات الكاذبة أعصاب الجيش، وأماتت نشاطه العسكري، وأصبح متفككا تسوده الفتن والأهواء.
خلاصة الأحداث:
ومجمل ما تقدم من الفتن السود، والخيانة المفضوحة التي منيت بها المقدمة التي هي أقوى فصائل الجيش أمور:
١ ـ تسلل ذوي الوجاهة والنفوذ من ذوي البيوتات الشريفة والأسر البارزة الى معاوية.
٢ ـ غدر القائد العام عبيد الله بن العباس وخيانته لسبط النبي وريحانته.
٣ ـ خيانة ثمانية آلاف من الجيش، والتحاقهم بمعسكر معاوية، وناهيك بالضعف والاختلال الذي منيت به المقدمة بعد انسحاب هذا العدد الخطير منها.
٤ ـ اضطراب الجيش على الإطلاق سواء أكان في مسكن أو فى المدائن بسبب الإشاعات الكاذبة التي أذاعها أتباع معاوية من أن الحسن قد صالح معاوية، وأن قيسا قد قتل.
هذه خلاصة الأخطار الفظيعة التي اصيبت بها (المقدمة) وقد أوجبت انهيارها وأماتت نشاطها، وأصبحت لا لياقة لها على مواجهة الأحداث، ولا قابلية لها على الدفاع ورد العدوان الأموي الذي يتمتع بأتم القابليات وأضخم الطاقات. وبعد هذه الزعازع التي فتكت بالمقدمة هل يصح أن يقال إنها جبهة قوية لها القدرة على مناجزة معاوية؟!!
حوادث المدائن:
ونزح الإمام الحسن عن عاصمته، وقد نفر معه أخلاط من الناس، وأخذ في مسيره على حمام عمر حتى أتى دير كعب في (مظلم ساباط)(١٠٨) فاستقوا فيه، وأخذ معاوية يعيث فسادا فى جيش الإمام حقى ارتطم بالفتن والخطوب، ونقدم عرضا من النكبات التي مني بها، والى الأحداث الهائلة التي واجهها الإمام الحسن.
اذاعة الذعر:
وكانت أول بادرة فعلها معاوية لإفساد جيش الإمام أنه بعث عبد الله ابن عامر ليبثّ الخوف والجزع فى نفوس العراقيين فانطلق عبد الله فنادى بأعلى صوته بين صفوف الجيش العراقى:
(يا أهل العراق، إني لم أر القتال، وإنما أنا مقدمة معاوية وقد وافى الأنبار في جموع أهل الشام، فأقرءوا أبا محمد (يعني الحسن) عني السلام وقولوا له: أنشدك الله في نفسك وأنفس هذه الجماعة التي معك).
وحينما سمعوا ذلك داخلهم من الخوف والرهبة الى حد لا سبيل الى تصويره، وأخذ بعضهم يخذل بعضا، وسئموا القتال، وكرهوا الحرب.
رشوة الزعماء:
لا تزال الرشوة قديما وحديثا هي الثغرة الوحيدة التي يسلك فيها المستعمرون للاستيلاء على الشعوب، وسلب سيادتها، والقضاء على أصالتها وقد أمعن معاوية في استعمال الرشوة بنطاقها الواسع في شراء الضمائر والذمم والأديان لأجل تدعيم ملكه، والقضاء على حكومة الإمام، استعمل في سبيل هذه الغاية كل وسيلة، وسلك كل طريق لأن (الغاية تبرر الواسطة) والرشوة التي استعملها كانت ذات طوابع مختلفة وهي:
أ ـ منح الوظائف المهمة، والمناصب الخطيرة في الدولة كالولاية على قطر من الأقطار أو القيادة العامة على جيش من جيوشه لمن غدر بالإمام الحسن، واستجاب له.
ب ـ بذل الأموال الضخمة من المائة ألف فما فوق.
ج ـ الوعد بتزويج إحدى بناته، ومن الغريب ان تتوصل خساسة الرشوة الى مثل هذا اللون الذي ينم عن انحطاط النفس وتماديها في الرذائل والموبقات.
ودلت هذه الأساليب على دراسة معاوية لنفوس العراقيين، فقد عرف الأشخاص الذي تشترى ضمائرهم بالمادة فبذلها لهم بسخاء، والأشخاص الذين لا يقيمون وزنا للمادة منّاهم بالوظائف والنفوذ، والأشخاص الذين يحبون الاتصال والقرب منه منّاهم بزواج إحدى بناته، وقد نص على هذه الجهات الصدوق رحمه الله في كلامه قال:
(وبعث معاوية لكل من عمرو بن حريث(١٠٩)، والأشعث بن قيس وحجار بن أبجر(١١٠) عينا من عيونه يمنى كل واحد منهم بقيادة جند من جنوده، أو بتزويج إحدى بناته، أو بمائة ألف درهم إن هم قتلوا الحسن وقد بلغه ذلك فاستلأم(١١١) ولبس درعا، فكان لا يتقدم للصلاة إلا وعليه وقاية)(١١٢).
تأثير الرشوة:
واستجابت النفوس المريضة التي لم يهذبها الدين الى دعوى معاوية، وانجرفت بدنياه الحلوة وانخدعت بوعوده المعسولة، فأخذت تتهاوى على أعتابه ملبية طلباته، وممتثلة لأمره، فراسله جمع من الأشراف والوجوه والبارزين برسائل متعددة أعربوا فيها عن استعدادهم الى الفتك بالإمام متى طلب وأراد وهي ذات مضمونين:
١ ـ تسليم الحسن له سرا أو جهرا.
٢ ـ اغتياله وقتله متى أراد ذلك.
وقد بعث معاوية بتلكم الرسائل الى الإمام ليطلع فيها على خيانة جيشه، وعند ما عرضت عليه تلك الرسائل أيقن بفسادهم وتخاذلهم وسوء نياتهم(١١٣).
ومن تأثير الرشوة على تلك النفوس المريضة التي انمحت عنها جميع النواميس الإنسانية، ان الإمام (ع) وجه قائدا من كندة فى أربعة آلاف وأمره أن يعسكر بالأنبار وأن لا يحدث شيئا حتى يأتيه أمره، فلما نزل بها عرف معاوية فوجّه إليه رسولا وكتب معه (إنك إن أقبلت إليّ أو لك بعض كور الشام والجزيرة غير منفس عليك) وأرسل إليه بخمسمائة ألف درهم، فقبض الكندي المال وانحاز الى معاوية في مائتي رجل من خاصته وأهل بيته، فبلغ الحسن (ع) ذلك فتأثر وقام خطيبا وهو متذمر ومتألم أشد الألم من ذلك المجتمع الذي جرفته الخيانة، وصار فريسة للباطل والضلال فقال عليه السلام:
(هذا الكندي توجه الى معاوية، وغدر بي وبكم وقد أخبرتكم مرة بعد مرة انه لا وفاء لكم، أنتم عبيد الدنيا، وأنا موجّه رجلا آخر مكانه وإني أعلم أنه سيفعل بي وبكم ما فعل صاحبكم، ولا يراقب الله فيّ ولا فيكم).
وبعث عليه السلام رجلا آخر من مراد في أربعة آلاف، وتقدم إليه بمشهد من الناس وتأكد عليه، ولكنه أخبره انه سيغدر كما غدر الكندي فحلف له بالأيمان الموثقة أنه لا يفعل ذلك، فلم يطمئن منه الحسن وقال متنبئا: (إنه سيغدر).
وسار حتى انتهى الى الأنبار، فلما علم معاوية به أرسل إليه رسلا وكتب إليه بمثل ما كتب الى صاحبه، وبعث إليه بخمسة آلاف ولعلها خمسمائة ألف درهم، ومنّاه أي ولاية أحب من كور الشام والجزيرة، فقلب على الحسن وأخذ طريقه الى معاوية ولم يحفظ ما أخذ عليه من العهود(١١٤).
وارتكب هذه الخيانة جمع غفير من الأشراف والوجوه. وقد أدّى ذلك الى زعزعة كيان الجيش واضطرابه، وتفلل جميع وحداته.
٤ ـ نهب أمتعة الامام:
وانحطت نفوس ذلك الجيش انحطاطا فظيعا، واستولت على ضمائره سحب قاتمة لا بصيص فيها من نور الكرامة والشرف، فارتكبوا كل جريمة وموبقة. ومن انحطاط نفوسهم ان بعضهم جعل ينهب بعضا، ولم يكتفوا بذلك حتى عدوا الى أمتعة الإمام وأجهزته فنهبوها، وأكبر الظن أن للخوارج ضلعا كبيرا في هذا الإجرام، فانهم لا يرون حرمة للإمام، ولا حرمة لأموال غيرهم، فقد أباحت خططهم الملتوية أموال من لا يدين بفكرتهم ولا يخضع لدينهم، وقد وقعت جريمة نهب الإمام فى موردين هما:
١ ـ حينما دس معاوية عيونه في جيش الإمام ليذيعون أن الزعيم قيس بن سعد قد قتل فانهم حينما سمعوا ذلك نهب بعضهم بعضا حتى انتهبوا سرادق الحسن(١١٥) وتنص بعض المصادر انهم نزعوا بساطا كان الإمام جالسا عليه واستلبوا منه رداءه(١١٦).
٢ ـ لما أرسل معاوية المغيرة بن شعبة، وعبد الله بن عامر، وعبد الرحمن بن الحكم الى الإمام ليفاوضونه في أمر الصلح، فلما خرجوا من عنده أخذوا يبثون بين صفوف الجيش لإيقاع الفتنة فيه قائلين: (إن الله حقن الدماء بابن بنت رسول الله (ص) وقد أجابنا الى الصلح) ولما سمعوا بمقالتهم اضطربوا اضطرابا شديدا ووثبوا على الإمام فانتهبوا مضاربه وأمتعته(١١٧).
٥ ـ تكفيره:
وخيم الجهل على قلوب ذلك الجيش المصاب بأخلاقه وعقيدته، فراح يسرح في ميادين الشقاء والغواية متماديا في الإثم والضلال، وبلغ من طيشه وجهله أن بعضهم حكم بتكفير حفيد نبيهم، فلقد انبرى له الجراح بن سنان الذي أراد قتله قائلا:
(أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل!!).
إن مجتمعا يرى هذا الاعتداء الصارخ على حفيد نبيهم ولا يقومون بنجدته لجدير بأن ينبذ ويترك لأنه لا ينفعه النصح، ولا يثوب الى الحق والرشاد، وأغلب الظن أن الذين حكموا بكفر الإمام كانوا من الخوارج إذ لا يصدر هذا الاعتداء إلا من هؤلاء الأشرار.
٦ ـ اغتياله:
ولم تقف محنة الحسن وبلاؤه في جيشه الى هذا الحد فلقد عظم بلاؤه الى أكثر من ذلك فقد قدم المرتشون والخوارج على قتله، وقد اغتيل (ع) ثلاث مرات وسلم منها وهي:
١ ـ انه كان يصلي فرماه شخص بسهم فلم يؤثر شيئا فيه.
٢ ـ طعنه الجراح بن سنان في فخذه، وتفصيل ذلك ما رواه الشيخ المفيد رحمه الله قال: (إن الحسن أراد أن يمتحن أصحابه ليرى طاعتهم له وليكون على بصيرة من أمره، فأمر (ع) أن ينادى (بالصلاة جامعة) فلما اجتمع الناس قام عليه السلام خطيبا فقال:
(الحمد لله كلما حمده حامد، وأشهد أن لا إله إلا الله كلما شهد له شاهد وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق وائتمنه على وحيه.
أما بعد: فإني والله لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنّه وأنا أنصح خلق الله لخلقه، وما أصبحت محتملا على مسلم ضغينة، ولا مريد له بسوء، ولا غائلة وإن ما تكرهون فى الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة ألا وإني ناظر لكم خير من نظركم لأنفسكم فلا تخالفون أمري، ولا تردوا عليّ رأيي، غفر الله لي ولكم، وأرشدني وإياكم لما فيه المحبة والرضا).
ونظر الناس بعضهم الى بعض وهم يقولون ما ترونه يريد؟
واندفع بعضهم يقول:
(والله يريد أن يصالح معاوية ويسلم الأمر إليه!!!)
وما سمعوا بذلك إلا وهتفوا:
(كفر الرجل!!!)
وشدوا على فسطاطه فانتهبوه، حتى أخذوا مصلاه من تحته، وشدّ عليه الأثيم عبد الرحمن بن عبد الله بن جعال الأزدي، فنزع مطرفه من عاتقه، فبقى الإمام جالسا متقلدا سيفه بغير رداء، ودعا (ع) بفرسه فركبه، وأحدقت به طوائف من خاصته وشيعته محافظين عليه، وطلب عليه السلام أن تدعى له ربيعة وهمدان فدعيتا له، فطافوا به ودفعوا الناس عنه، وسار موكبه ولكن فيه خليطا من غير شيعته، فلما انتهى (ع) الى مظلم ساباط بدر إليه رجل من بني أسد يقال له الجراح بن سنان فأخذ بلجام بغلته، وبيده مغول(١١٨) فقال له:
(الله أكبر، اشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل!).
ثم طعن الإمام في فخذه فاعتنقه الإمام وخرّا جميعا الى الأرض، فوثب إليه رجل من شيعة الحسن يقال له عبد الله بن حنظل الطائي، فانتزع المغول من يده فخضض به جوفه، وأكب عليه شخص آخر يدعى بظبيان بن عمارة فقطع أنفه، ثم حمل الإمام (ع) جريحا على سرير الى المدائن في المقصورة البيضاء لمعالجة جرحه(١١٩).
٣ ـ طعنه بخنجر فى أثناء الصلاة(١٢٠).
واتضحت للإمام (ع) بعد هذه الأحداث الخطيرة نوايا هؤلاء الأجلاف وانه سيبلغ بهم الاجرام والشر الى ما هو أعظم من ذلك وهو تسليمه الى معاوية أسيرا فتهدر بذلك كرامته أو يغتال ويضاع دمه الشريف من دون أن تستفيد الأمّة بتضحيته شيئا.
الموقف الرهيب:
وكان موقف الإمام الحسن عليه السلام من هذه الزعازع، والفتن السود التي تدع الحليم حيرانا، موقف الحازم اليقظ، فقد كان من حنكته وحسن تدبيره، وبراعة حزمه فى مثل الانقلاب الذي مني به جيشه أن جمع الزعماء والوجوه، فأخذ يبين لهم النتائج المرة والأضرار الجسيمة التي تترتب على مسالمة معاوية قائلا:
(ويلكم، والله إن معاوية لا يفي لأحد منكم بما ضمنه في قتلي، وإني أظن أني إن وضعت يدي فى يده فأسالمه لم يتركني أدين بدين جدي، وإني أقدر أن أعبد الله عز وجل وحدي، ولكن كأني أنظر الى أبنائكم واقفين على أبواب أبنائهم يستسقونهم ويطعمونهم بما جعل الله لهم فلا يسقون ولا يطعمون، فبعدا وسحقا لما كسبته أيديهم وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون).
ولم تنفع جميع المحاولات التي بذلها الإمام من أجل استقامتهم وصلاحهم فقد أخذ الموقف تزداد حراجته، ويعظم بلاؤه، وتشتد فيه الفتن والخطوب وقد وجد زعماء الجيش انشغال الإمام بمعالجة جرحه فرصة إلى الاتصال المفضوح بمعاوية، والتزلف إليه بكل وسيلة، وقد علم الإمام (ع) جميع ما صدر منهم من الخذلان والاتصال بالعدو.
حقا لقد كان موقف الإمام موقفا تمثلت فيه الحيرة والذهول، ينظر الى معاوية فيرى حربه ضروريا يقضي به الدين ويلزم به الشرع وينظر الى الانقلاب والتفكك الذي أصيب به جيشه، والى المؤمرات المفضوحة على اغتياله فينفض يده منهم وييأس من صلاحهم، ومع ذلك أراد عليه السلام أن يمتحنهم ليرى موقفهم من الحرب لو اندلعت نارها، فأمر (ع) بعض أصحابه أن ينادى في الناس (الصلاة جامعة) فاجتمع الجمهور فقام فيهم خطيبا فقال بعد حمد الله والثناء عليه:
(والله ما يثنينا عن أهل الشام شك ولا ندم، وإنما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر، فشيبت السلامة بالعداوة والصبر بالجزع، وكنتم فى مسيركم الى صفين ودينكم أمام دنياكم، وأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم، ألا وقد أصبحتم بين قتيلين، قتيل بصفين تبكون عليه، وقتيل بالنهروان تطلبون بثاره، وأما الباقي فخاذل وثائر).
وأعرب (ع) بهذا الخطاب البليغ عن بعض العوامل التي أدت الى تفككهم وانحلالهم، وعرض عليهم بعد هذا دعوة معاوية في الصلح قائلا:
(ألا وان معاوية دعانا لأمر ليس فيه عز، ولا نصفة فان أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه بظبات السيوف، وإن أردتم الحياة قبلناه وأخذناه بالرضا).
وما انتهى (ع) من هذه الكلمات إلا وارتفعت الأصوات من جميع جنبات الجمع وهي ذات مضمون واحد:
البقية، البقية(١٢١).
ورأى (ع) بعد هذا الموقف أنه إن حارب معاوية حاربه بيد جذاء إذ لا ناصر له ولا معين، ولم يكن هناك ركن شديد حتى يأوي إليه، واستبانت له الخطط المفضوحة التي سلكها زعماء الجيش من تسليمه الى معاوية أسيرا أو اغتياله، رأى بعد هذا كله ان الموقف يقضي بالسلم واستعجال الصلح.
وحدث يزيد بن وهب الجهني عن مدى استياء الامام وتذمره من أجلاف الكوفة وأوباشهم، قال: دخلت عليه لما طعن فقلت له:
(يا ابن رسول الله، ان الناس متحيرون).
فاندفع الامام يقول بأسى بالغ وحزن عميق:
(والله أرى معاوية خيرا لي، هؤلاء يزعمون أنهم لي شيعة ابتغوا قتلي وانتهبوا ثقلي، وأخذوا مالي، والله لئن آخذ من معاوية عهدا أحقن به دمى وآمن به أهلي وشيعتي خير لي من أن يقتلوني فيضيع أهل بيتى، لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلما، والله لئن اسالمه وأنا عزيز أحب من أن يقتلني وأنا أسير، أو يمن عليّ فتكون سبة على بني هاشم الى آخر الدهر، ولمعاوية لا يزال يمن بها وعقبه على الحي منّا والميت).
وأعرب الإمام فى حديثه عن مدى ما لاقاه من الاعتداء الغادر على حياته وكرامته من هؤلاء المنافقين الذين يزعمون أنهم شيعة له، وانه سيبلغ بهم التفسخ الى أقصى حد فسيقتلونه أو يسلمونه أسيرا الى معاوية فيقتله أو يمن عليه فيسجل له بذلك يدا على الإمام وتكون سبة وعارا على بني هاشم الى آخر الدهر.
وأخذ (ع) بعد هذه الأحداث الخطيرة يجيل النظر ويقلب الرأي على وجوهه، فى حرب معاوية وتصور المستقبل الملبد بالزعازع والاضطرابات التي تقرر المصير المخوف والنهاية المحتومة لدولته وحياته معا بل وعلى حياة الإسلام أيضا لأن القلة المؤمنة التي يحويها جيشه كانت بين ذرية النبي الأعظم (ص) وبين حملة الدين الإسلامى المقدس، من بقايا الصحابة وتلامذة أمير المؤمنين (ع) وهؤلاء إن طحنتهم الحرب تفنى معنويات الإسلام، ويقضى على كيانه وتحطم عروشه، لأنهم هم القائمون بنشر طاقاته، ومضافا الى ذلك ان الإسلام لا يستفيد بتضحيتهم شيثا لأن معاوية بمكره سوف يلبسهم لباس الاعتداء، ويوصمهم بالخروج عن الطاعة والإخلال بالأمن العام والقضاء عليهم أمر ضروري حفظا لحياة المسلمين من القلق والاضطراب.
حقا لقد تمثلت الحيرة والذهول في ذلك الموقف الرهيب والخروج من مأزقه يحتاج الى فكر ثاقب والى مزيد من التضحية والإقدام، رأى الامام عليه السلام أن المصلحة التامة تقضي أن يصالح معاوية ويعمل بعد ذلك على تحطيم عروش دولته، ويعرب للناس عاره وعياره، ويظهر لهم الصور الإجرامية التي تتمثل فيه! لقد سالم (ع) وكانت المسالمة أمرا ضروريا يلزم بها العقل ويوجبها الشرع المقدس، وتقتضيها حراجة الموقف، واضافة لهذه الأحداث سوف نقدم أسبابا أخرى توضح المقام وترفع أثر الشك وترد شبهات الناقدين.
اسباب الصّلح
تحوم حول صلح الامام الحسن (ع) مع خصمه معاوية كثير من الظنون والأقوال، ويستفاد منها حكمان متباينان بكل ما للتباين من معنى والحق أن أحدهما خطأ وبعيد عن الصواب كما هو الشأن في كل حكمين متباينين:
(الأول) من هذين الحاكمين تبرير موقف الامام في صلحه وموفقيته فيه الى أبعد الحدود، ويختلف مبنى التعليل فيه، فطائفة من العلماء والبحاث عللته بأنه إمام والإمام معصوم من الخطأ، فلا يفعل إلا ما هو الصالح العام لجميع الأمّة، وسنذكر في أواخر هذا البحث الذاهبين الى هذا القول وتعليل آخر يكشف عن مناط القول الأول، ويوضح مدركه وهو يستند الى العلل المادية التي اضطرت الامام الى الصلح كخذلان جيشه، وفساد مجتمعه، وخيانة الزعماء والمبرزين والوجهاء من شعبه وغير ذلك من العوامل،
(الثاني) من هذين الحاكمين تعود خلاصته الى ضعف ارادة الامام وعدم احاطته بشئون السياسة العامة وعجزه عن ادارة دفة الدولة، وعدم تداركه للموقف بالاعتماد على الأساليب السياسية وإن منع عنها الدين، فان نال الظفر فذاك وإلا فالشهادة في سبيل المجد التي هي شعار الهاشميين، وهدف المصلحين، وهذا الرأي مبني على ظواهر لا تمت الى الواقع بصلة ولا تلتقي معه بطريق وذلك لعدم ابتنائه على دراسة الظروف المحيطة بالامام، وعدم الوقوف على اتجاه شعبه الذي اصيب بأخلاقه وعقيدته، فلذا كان هذا الرأي سطحيا وخاليا عن التحقيق وبعيدا عن الواقع، أما الذاهبون لهذا الرأي فهم:
١ ـ الصفدي:
قال الصفدي فى شرحه لهذا البيت من لامية العجم:

حب السلامة يثني عزم صاحبه * * * عن المعالي ويغري المرء بالكسل

وقد رضى بالخمول جماعة من الرؤساء والأكابر المتقدمين في العلم والمنصب وفارقوا مناصبهم، وأخلوا الدسوت من تصديرهم، ثم ذكر جماعة من الذين رضوا بالخمول ونزعوا عن أنفسهم الخلافة ثم قال:
(وهذا الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) قال لمعاوية: إن عليّ دينا فأوفوه عني وأنتم فى حل من الخلافة، فأوفوا دينه وترك لهم الخلافة)(١٢٢).
٢ ـ الدكتور فيليب حتى:
قال الاستاذ فيليب حتى: (وفي بدء حكم معاوية قامت حركة أخرى كان لها شأن كبير في الأجيال التي تلت أعني اعلان أهل العراق الحسن بن علي الخليفة الشرعي، ولعلمهم هذا أساس منطقي لأن الحسن كان أكبر أبناء علي وفاطمة ابنة النبيّ الوحيدة الباقية بعد وفاته، ولكن الحسن الذي كان يميل الى الترف والبذخ لا الى الحكم والادارة لم يكن رجل الموقف، فانزوى عن الخلافة مكتفيا بهبة سنوية منحه إياها)(١٢٣).
٣ ـ العلائلي:
قال الاستاذ العلائلي: (ولكنه (يعني الحسن) كان قديرا على أن يعد الجماعات المنحلة عن طريق الاستشارة والحماس، وبث روح العزم والإرادة كما رأينا في القادة الحديديين أمثال (نابليون) الذي تولى شعبا أنهكته الثورة الطويلة كما أنهكت العرب، وزاد هو فى انهاكه بالحروب المتتالية المستمرة التي اخذ بها أوربا، ولكن القائد غمرته موجة السأم التي غمرت الناس)(١٢٤).
٤ ـ المستشرق (روايت م رونلدس):
قال هذا المستشرق: (فان الأخبار تدل على أن الحسن كانت تنقصه القوة المعنوية والقابلية العقلية لقيادة شعبه بنجاح)(١٢٥).
٥ ـ لامنس:
قال هذا الإنگليزي المتهوس الأثيم الذي لم يفهم من التاريخ الإسلامى شيئا: (وبويع للحسن بعد مقتل علي فحاول أنصاره أن يقنعوه بالعودة الى قتال أهل الشام، وقلب هذا الإلحاح من جانبهم حفيظة الحسن القعيد الهمة، فلم يعد يفكر إلا في التفاهم مع معاوية، كما أدى إلى وقوع الفرقة بينه وبين أهل العراق، وانتهى بهم الأمر إلى اثخان امامهم اسما لا فعلا بالجراح فتملكت الحسن منذ ذلك الوقت فكرة واحدة هي الوصول الى اتفاق مع الأمويين، وترك له معاوية أن يحدد ما يطلبه جزاء تنازله عن الخلافة، ولم يكتف الحسن بالمليوني درهم التي طلبها معاشا لأخيه الحسين بل طلب لنفسه خمسة ملايين درهما أخرى، ودخل كورة فى فارس طيلة حياته وعارض أهل العراق بعد ذلك في تنفيذ الفقرة الأخيرة من هذا الاتفاق، بيد انه اجيب إلى كل ما سأله حتى ان حفيد النبي اجترأ فجاهر بالندم على أنه لم يضاعف طلبه وترك العراق مشيعا بسخط الناس عليه ليقبع في المدينة)(١٢٦)
وهؤلاء الناقدون لصلح الامام كان بعضهم مدفوعا بدافع الحقد والعداء للإسلام، وبعضهم لم يكن رأيه خاضعا لحرية الفكر ولم يحتضن قولهم الدليل فى جميع أحواله، وذلك لعدم وقوفهم على العوامل التي أحاطت بالامام حتى دعته إلى مسالمة خصمه، ويجب على الكاتب الذي يريد أن يمثل للمجتمع صورة عن شخصية مهمة لها من الخطورة شأن كبير أن يحيط بأطرافها من جميع النواحي ليكون رأيه قريبا الى الصواب وبعيدا عن الخطأ وبما أنا وقفنا بعض الوقوف أو أقله على بعض العلل والعوامل التي دعت الامام لمسالمة عدوه، وهي تتلخص في أمور استنبطنا بعضها من الابحاث السالفة والبعض الآخر استنتجناه من دراسة نفسية معاوية وملاحظة أعماله، ومن الوقوف على أضواء سيرة الامام الرفيعة، ومعرفة سياسة أهل البيت (ع) التي لا تتذرع بالوسائل التي شجبها الاسلام في سبيل الوصول الى الحكم وقبل أن نعرض أسباب الصلح نود أن نبين انا قد نعيد نماذج بعض المواضيع السالفة لأجل الاستدلال على ما نذهب إليه فان في الاعادة ضرورة ملزمة يقتضيها البحث، فان تفصيل هذا الموضوع والاحاطة به أهم من غيره، ولعل نظر القراء إليه وهي كما يلي:
١ ـ تفلل الجيش:
إن أعظم ما تواجهه الدولة فى جميع مجالاتها مسبب ـ على الأكثر ـ من خبث الجند، وشدة خلافه، وعصيانه لقيادته العامة، وقد مني الجيش العراقي آنذاك بالتمرد والانحلال بما لم يبتل به جيش معاوية فانه ظل محتفضا بالولاء لحكومته ولم يصب بمثل هذه الرجات والانتكاسات، أما العلل التي أدت الى اضطراب الجيش العراقي وانشقاقه فهي:
أ ـ تضارب الحزبية فيه:
إن الأحزاب إذا تضاربت في الجيش وكانت مدفوعة بالحقد للحكم القائم، أو كان لها اتصال بدولة أجنبية تعمل بوحي منها، وتستمد منها التوجيهات للإطاحة به، فان الدولة لا تلبث أن تلاقي النهاية المحتومة إن عاجلا أو آجلا، وقد ابتلي الجيش العراقي في ذلك الوقت بحزبين ليس فيهما صديق للدولة الهاشمية ولا محافظ عليها، وإنما كانا يبذلان المساعي والجهود للقضاء عليها، وهما:
الحزب الاموي:
وهؤلاء هم أبناء الأسر البارزة وذوو البيوتات الشريفة الذين لا يهمهم غير الزعامة الدنيوية، والظفر بالمال والسلطان وهم كعمر بن سعد، وقيس ابن الأشعث، وعمرو بن حريث، وحجار بن أبجر، وعمرو بن الحجاج، وأمثالهم من الذين لا صلة لهم بالفضيلة والكرامة، وكانوا أهم عنصر مخيف فى الجيش، فقد وعدوا معاوية باغتيال الامام أو بتسليمه له أسيرا كما قاموا بدورهم باعمال بالغة الخطورة وهي:
١ ـ إنهم سجلوا كل ظاهرة أو بادرة فى الجيش فارسلوها الى معاوية للاطلاع عليها.
٢ ـ كانوا همزة وصل بين معاوية وبقية الوجوه.
٣ ـ قاموا بنشر الأراجيف والارهاب فى نفوس الجيش بقوة معاوية وضعف الحسن.
وأدت هذه الأعمال الى انهيار الجيش، وزعزعة كيانه، وضعف معنوياته في جميع المجالات.
الحزب الحروري:
وهذا الحزب قد أخذ على نفسه الخروج على النظام القائم، ومحاربته بجميع الوسائل، وقد انتشرت مبادئه في الجيش العراقي انتشارا هائلا لأن المبشرين بأفكارهم كانوا يحسنون غزو القلوب والأفكار ويجيدون الدعاية وقد وصف زياد بن أبيه مدى قابلياتهم بقوله: (لكلام هؤلاء أسرع الى القلوب من النار الى اليراع)(١٢٧) ووصف المغيرة بن شعبة شدة تأثر يهم في النفوس بقوله: (إنهم لم يقيموا ببلد إلا أفسدوا كل من خالطهم)(١٢٨) وقد استولوا على عقول السذج والبسطاء من الجيش بشعارهم الذي هتفوا به (لا حكم إلا لله) ولم يقصد بذلك إلا حكم السيف كما يقول فان فلوتن(١٢٩)
لقد قضت خطط الخوارج الملتوية بوجوب الخروج على ولي أمر المسلمين إذا لم ينتم إليهم وهو عندهم جهاد ديني تجب التضحية في سبيله وقد قاموا بأعنف الثورات ضد الولاة حتى عسر عليهم مقاومتهم. وكان الخوارج يحملون حقدا بالغا في نفوسهم على الحكومة الهاشمية لأنها قد وترتهم بأعلامهم، وقضت على الكثيرين منهم فى واقعة النهروان، وقد فتكوا بالإمام أمير المؤمنين وتركوه صريعا في محرابه انتقاما منه بما فعله فيهم، كما اغتالوا الإمام الحسن (ع) وطعنوه في فخذه، وحكموا بتكفيره، وكانت كمية هذه العصابة كثيرة للغاية فقد نصت بعض المصادر أن أكثرية الجيش كانت من الخوارج(١٣٠).
وهذان الحزبان السائدان في العراق قد بذلا جميع الطاقات لإفساد الجيش، وبذر الخلاف والانشقاق في جميع وحداته حتى ارتطم في الفتن والأهواء، ويضاف لذلك أن هناك مجموعة كبيرة منه كان موقفها موقفا سلبيا في قضية الإمام الحسن (ع) لأنها لا تفقه الأهداف الأصيلة التي ينشدها الامام، ولضيق تفكيرها ترى أن الامام كل من ارتقى دست الحكم من أي طريق كان فالحسن ومعاويه سيان، وإن حارب الحسن معاوية على الدين، وحارب معاوية الحسن على الدنيا.
ولم يعد بعد ذلك من يناصر الحكومة الهاشمية، ويقف الى جانبها سوى الفئة الشيعية التي ترى رأي العلويين في أحقيتهم بالخلافة وهم أمثال الزعيم قيس بن سعد، وسعيد بن قيس، وعدي بن حاتم الطائي، وحجر ابن عدي، ورشيد الهجري، وحبيب بن مظاهر، وأضرابهم من تلامذة أمير المؤمنين (ع) وهم الأقلية عددا كما قال الله تعالى (وقليل ما هم) وليس باستطاعتهم أن ينتشلوا الحكومة من الأخطار الحافة بها فانهم لو كانوا كثرة في الجيش لما اضطر الامام أمير المؤمنين على قبول التحكيم ولما التجأ الامام الحسن الى الصلح.
ب ـ السأم من الحرب:
ان من طبيعة الكوفة التي جبلت عليها نفوس أهلها السأم والملل (ولا رأي لملول) ومضافا لهذه الظاهرة النفسية التي عرفوا بها أن هناك سببين أوجبا زيادته ومضاعفته وهما:
١ ـ الحروب المتتالية:
ومما سبب شيوع الملل والسأم فى نفوس الجيش العراقي الحروب المتتالية فان الدولة كانت تستعمله فى الفتوحات والدفاع عنها، وزاد في ضعف أعصابه وانهياره حرب صفين والنهروان، فقد طحنت الحرب فيها جمعا غفيرا منهم حتى أصبحوا يكرهون الحرب ويؤثرون السلم ويحبون العافية.
٢ ـ اليأس من الغنائم:
ولم يربح الجيش العراقي في حرب الجمل وصفين والنهروان شيئا من العتاد والأموال، لأن الامام أمير المؤمنين لم يعاملهم معاملة الكفار فيقسم غنائمهم على المسلمين، وإنما أمر بارجاع جميع الأموال التي اغتنمها جيشه إلى أهلها بعد انتهاء حرب البصرة(١٣١) وقد علم الجيش أن الامام الحسن (ع) لا يتحول عن سيرة أبيه ونهجه، فلم يثقوا بالأموال والغنائم إن حاربوا معاوية فاعلنوا العصيان وأظهروا التمرد والسأم من الحرب.
إن كراهية الجيش العراقي للحرب وإيثاره للعافية لم يكن ناشئا في (مسكن) وإنما كان عقيب رفع المصاحف وواقعة النهروان فقد خلد بجميع كتائبه إلى السلم، وقد ذكرنا في الحلقة الأولى من هذا الكتاب صورا من الاعتداءات الغادرة التي قامت بها قوات معاوية على الحدود العراقية وغزوهم لمدن العراق، وترويعهم للآمنين، وقتلهم الأبرياء، وهم متخاذلون متقاعسون عن ردها لا تحركهم العواطف الدينية ولا يهزهم الشعور الانساني لدفع الضيم والذل عنهم، يأمرهم الامام أمير المؤمنين بالجهاد فلا يطيعونه، ويدعوهم إلى مناصرته فلم يستجيبوا له، وقد ترك ذلك أسى مريرا وشجى مقيما في نفسه، وقد اندفع فى كثير من خطبه إلى انتقاصهم وذمهم يقول (ع):
(لقد سئمت عتابكم أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضا، وبالذل من العز خلفا، إذا دعوتكم إلى جهاد عدوكم دارت أعينكم كأنكم من الموت في غمرة، ومن الذهول في سكرة).
ويستمر في تقريعه ولومه لهم، وإبداء تأثره على تخاذلهم ونكوصهم عن الحرب فيقول:
(وما أنتم بركن يمال بكم، وأيم الله إني لأظن أن لو حمس الوغى، واستحر الموت قد انفرجتم من ابن أبي طالب انفراج الرأس...).
ويصف (ع) فى خطاب آخر عدم اندفاعهم للجهاد في سبيل الله، ومدى محنته وبلائه فيهم فيقول:
(ودعوتهم سرا وجهرا، وعودا وبدء فمنهم الآتي كرها، ومنهم المعتل كاذبا. ومنهم القاعد خاذلا، واسأل الله أن يجعل منهم فرجا عاجلا والله لو لا طمعي عند لقائي عدوي في الشهادة لا حببت أن لا أبقى مع هؤلاء يوما واحدا ولا ألتقي بهم أبدا)(١٣٢).
ويقول (ع) في خطاب آخر له:
(المغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم فقد فاز والله بالسهم الأخيب، ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل(١٣٣) أصبحت والله لا أصدق قولكم، ولا أطمع في نصركم، ولا أوعد العدو بكم، ما بالكم! ما دواؤكم ما طبكم...)(١٣٤).
وقد احتوى (نهج البلاغة) على طائفة كبيرة من خطب الامام تدل على استيائه البالغ، وحزنه العميق من تخاذل جيشه وعدم استجابتهم لنصرته حتى ملأوا قلبه غيظا وجرعوه نغب التهمام انفاسا ـ على حد تعبيره ـ وبقي سأمهم من الحرب وكراهيتهم للجهاد مستمرا طيلة أيام أمير المؤمنين. ولما آل الأمر إلى الحسن (ع) ظهر ذلك بأبشع الصور فانه لما عرض عليهم دعوة معاوية للصلح ارتفعت أصواتهم وهم يهتفون:
(البقية البقية).
ودل ذلك على مدى جزعهم من الحرب، وكراهيتهم للجهاد، وانهم لم يكونوا بأي حال مع الإمام لو فتح باب الحرب مع معاوية.
ج ـ فقد القوى الواعية:
ومما سبب تفلل الجيش العراقي فقده للقوى الواعية من أعلام الإسلام الذين آمنوا بحق أهل البيت (ع) وعرفوا فضلهم، وكان الجيش بجميع كتائبه يكن لهم أعمق الولاء والتقدير لأنهم من خيار المسلمين ومن الذين أبلوا في الإسلام بلاء حسنا، وكان لهم شأن كبير فى تنظيم الحركة العسكرية، وفي توجيه الجيش في خدمة الأهداف الإسلامية، وهم أمثال الصحابي العظيم عمار بن ياسر، والقائد الملهم هاشم المرقال، وثابت بن قيس، وذو الشهادتين ونظائرهم من الذين سبقوا إلى الإسلام والإيمان، وقد طحنتهم حرب صفين وقد أحصى رواة الأثر عدد البدرين منهم فكانوا ثلاثا وستين بدريا، وهناك كوكبة أخرى من أبرار الصحابة وخيارهم قد استشهدوا فى تلك الحروب التي أثارها الطامعون والمنحرفون عن الإسلام ضد وصي رسول الله (ص) وباب مدينة علمه، وقد ترك فقدهم فراغا هائلا في الجيش العراقي فقد خسر الضروس والرءوس، وبلي من بعدهم بالمنافقين والخوارج الذين كانوا سوسة تنخر فى كيانه، ولو ضم جيش الإمام أمثال أولئك الأبرار لما التجأ إلى الصلح والموادعة مع خصمه.
د ـ الدعوة إلى الصلح:
ومما سبب ضعف العزائم، وإخماد نار الثورة في نفوس الجيش دعوة معاوية إلى الصلح وحقن الدماء، فقد كانت هذه الدعوى لذيذة مقبولة إلى حد بعيد، فقد استطابها البسطاء والسذج ورحب بها عملاء معاوية وأذنابه من الذين ضمهم جيش الإمام، ولم تكن الاكثرية الساحقة في الجيش تعلم بنوايا معاوية وما يبيته لهم من الشر فانخدعوا بدعوته إلى الصلح كما انخدعوا من قبل في رفع المصاحف، مضافا لذلك خيانة زعمائهم، والتحاقهم بمعسكر معاوية.
وعلى أي حال فقد رحبت أكثرية الجيش بالدعوة إلى الصلح وآثرت السلم على الحرب، ولم يكن في استطاعة الامام أن يرغمهم على مناجزة معاوية ومقاومته.
ه ـ خيانة عبيد الله:
ويعتبر خذلان عبيد الله بن العباس من العوامل المهمة التي سببت تفكك الجيش وتخاذله، فقد طعن بخيانته الجيش العراقي طعنة نجلاء، وفتح باب الخيانة والغدر، ومهد السبيل للالتحاق بمعاوية، وقد وجد ذوو النفوس الضعيفة مجالا واسعا للغدر بخيانتهم للإمام، فاتخذوا من غدر عبيد الله وسيلة لذلك فهو ابن عم الامام وأقرب الناس إليه، وقديما قد قيل:

إذا فاتك الادنى الذي أنت حزبه * * * فلا عجب إن أسلمتك الاباعد

وقد أولد غدر عبيد الله في نفس الامام حزنا بالغا وأسى مريرا، فانه لم يرع (الدين، ولا الوتر، ولا العنعنات القبلية، ولا الرحم الماسة من رسول الله (ص)، ولا من قائده الاعلى، ولا الميثاق الذي واثق الله عليه في البيعة منذ كان أول من دعا الناس إلى بيعة الحسن في مسجد الكوفة، ولا الخوف من حديث الناس، ونقمة التاريخ).
و ـ رشوات معاوية:
وبالأموال تشترى ذمم الرجال، وتباع الأوطان، وتخمد الافكار، وتسيل لها لعاب الابطال، وقد عمد معاوية إلى بذلها بسخاء إلى الوجوه والاشراف والزعماء فانه لم ير وسيلة للتغلب على الاحداث إلا بذلك، فغدروا بالامام، وتسللوا إليه في غلس الليل وفى وضح النهار غير حافلين بالعار والخزي وعذاب الله، وقد أدت خيانتهم إلى اضطراب الجيش وتفلله، وإعلانه للعصيان والتمرد.
إن الاكثرية الساحقة من الجيش لم يكن لها أي هدف نبيل. وإنما كانت تسعى نحو المنافع والاطماع، وقد أدلى بعضهم بذلك في بعض المعارك فقال:
(من أعطانا الدراهم قاتلنا معه).
وهجا بعض الشعراء شخصا قتل في تلك المعارك يقول لابنائه:

ولا فى سبيل الله لاقى حمامه * * * أبوكم ولكن في سبيل الدراهم(١٣٥)

إن الجيش إذا كان مدفوعا بالدوافع المادية فانه لا يخلص في دفاعه، ولا يؤمن من انقلابه، وخطره على حكومته أعظم من الخطر الخارجي.
لقد بلغ من فساد العراقيين وجشعهم فى الحصول على أموال معاوية ان الإمام الحسن لما نزل بالمدائن للاستشفاء من جرحه في دار سعد بن مسعود الثقفي(١٣٦) وكان واليا على المدائن من قبل أمير المؤمنين (ع) وأقره الإمام الحسن عليها أقبل إليه ابن اخيه المختار ـ على ما قيل ـ وكان آنذاك غلاما فقال له:
(يا عم هل لك في الغنى والشرف؟).
(وما ذاك؟).
(توثق الحسن وتستأمن به إلى معاوية!).
فانبرى إليه عمه وقد لسعه قوله قائلا:
(عليك لعنة الله أثب على ابن بنت رسول الله فاوثقه بئس الرجل أنت)(١٣٧).
ولم يكن المختار وحده ـ على تقدير صحة هذه الرواية ـ قد غمره هذا الشعور بالخيانة، فقد غمر ذلك أكثرية الجيش الذي كان مع الإمام، فقد تسابقوا إلى مطامع الدنيا، وليس ذلك في زمان الحسن (ع) وانما كان في زمان أمير المؤمنين (ع) فقد قال الإمام زين العابدين (ع) (إن عليا كان يقاتله معاوية بذهبه)(١٣٨) ان معاوية عرف نقطة الضعف في جيش الإمام فأغدف عليهم بالرشوات حتى استجابوا له وتركوا عترة نبيهم ووديعته في أمته.
ز ـ الاشاعات الكاذبة
ومما سبب انحلال الجيش الاشاعات الكاذبة التي أذاعها عملاء معاوية فى (المدائن) بأن قيس بن سعد قد قتل، واشاعوا أخرى بأنه قد صالح معاوية، وقد اعتقد الجيش بصحة هذه الأنباء فارتطم بالفتن والاختلاف وأعظم هذه الدعايات بلاء وأشدها فتكا هي ما بثّه الوفد الذي أرسله معاوية للإمام، فانه لما خرج منه أخذ يفتري عليه بأنه قد أجابهم إلى الصلح، وحينما سمعوا بذلك اندفعوا كالموج فنهبوا أمتعته، واعتدوا عليه، ولو كانت عند الزعماء والوجوه صبابة من الانسانية والكرامة لقاموا بحماية الامام، ورد الغوغاء عنه حتى يتبين لهم الأمر، ولكنهم أقاموا في ثكناتهم العسكرية ولم يقوموا بحمايته ونجدته.
إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن العوامل التي أدت إلى تفكك الجيش والقضاء على اصالته، ومن البديهي ان القوى العسكرية قلب الدولة ومصدر حمايتها فاذا أصيبت بمثل هذه الزعازع والأخطار فهل يتمكن القائد الاعلى أن يحقق أهدافه أو يفتح باب الحرب مع القوى المعادية له؟!.
٢ ـ قوة العدو:
العامل الثاني الذي دعى الامام إلى المصالحة والمسالمة هو ما يتمتع به خصمه من القوى العسكرية وغيرها التي لا طاقة للإمام على مناجزتها، ولا قابلية له للوقوف أمامها، حتى استطاع معاوية أن يناجز أمير المؤمنين من قبل ويرغم الامام الحسن على الصلح، ونقدم عرضا لبعضها وهي:
أ ـ طاعة الجيش:
وغرس معاوية حبه في قلوب جيشه، وهيمن على مشاعرهم وعواطفهم فقد عرف ميولهم واتجاههم فسايرها حتى أحبهم وأحبوه وصاروا طوع إرادته وقد اختمر في أذهانهم بسبب دعايته وتمويهه أنه الحجة من بعد الخلفاء، وان النبي (ص) ليس له وارث شرعي غير بني أمية فقد نقل المؤرخون أن أبا العباس السفاح(١٣٩) لما فتح الشام أقبلت إليه طائفة من الزعماء والوجوه فحلفوا له أنهم ما علموا للرسول قرابة، ولا أهل بيت يرثونه غير بني أمية حنى تولى بنو العباس الخلافة، وفى ذلك يقول ابراهيم بن المهاجر البجلي(١٤٠):

أيها الناس اسمعوا أخبركم * * * عجبا زاد على كل العجب
عجبا من عبد شمس إنهم * * * فتحوا للناس أبواب الكذب
ورثوا أحمد فيما زعموا * * * دون عباس بن عبد المطلب
كذبوا والله ما نعلمه * * * يحرز الميراث إلا من قرب(١٤١)

ويعود السبب في ذلك إلى الروايات التي تعمد وضعها الرواة المستأجرون وأشاعوها في أوساط دمشق من أن معاوية هو وارث النبيّ وأقرب الناس إليه وقد أفاضوا عليه وعلى الشجرة الملعونة من اسرته النعوت الحسنة والاوصاف الشريفة حتى جعلوهم فى الرعيل الأول من المصلحين الاخيار وأصبحت طاعتهم فرضا من فروض الدين، واعتقدوا فيه وفي بني أمية أكثر من ذلك يقول الاستاذ (فان فلوتن): (وكان السواد الاعظم يرى في حزب بني أمية حزب الدين والنظام) وقال: (وكان معاوية فى نظر الحزب الاموي خليفة الله كما كان ابنه يزيد إمام المسلمين، وعبد الملك إمام الاسلام وأمين الله)(١٤٢) وبلغ من ودهم وطاعتهم له أنه كان يسلك بهم جميع المسالك البعيدة التي تتنافى مع الدين حتى استطاع أن يحقق بهم جميع ما يصبو إليه، ونظرا لمزيد طاعتهم له تمنى أمير المؤمنين أن يصارفه معاوية بأصحابه فيعطيه واحدا منهم ويأخذ عشرة من العراقيين الذين عرفوا بالشغب والتمرد.
ب ـ بساطة وسذاجة:
وأتاح الزمن الهزيل إلى معاوية أن يسيطر على جيش كان مثالا للسذاجة والبساطة فلم يعرف الاكثر منهم أي طرفيه أطول وقد احتفظ التأريخ بصور كثيرة من بلاهتهم تدل على مدى خمولهم وعدم نباهتهم، فقد ذكر المؤرخون أن رجلا من أهل الكوفة قدم على بعير له إلى دمشق حال منصرفهم من صفين فتعلق به رجل من أهل دمشق قائلا له:
(هذه ناقتي أخذت مني بصفين).
وحدث بينهما نزاع حاد فرفعا أمرهما إلى معاوية وأقام الدمشقي بينة على دعواه تتألف من خمسين رجلا يشهدون انها ناقته فقضى معاوية على الكوفى وأمره بتسليم البعير إليه فورا، فالتفت إليه العراقي متعجبا من هذا الحكم قائلا:
(أصلحك الله إنه جمل وليس بناقة!).
(حكم قد مضى).
ولما انفض الجمع أمر معاوية باحضار العراقي فلما مثل عنده سأله عن ثمن البعير فاخبره به فدفع إليه ضعفه وبرّ به وأحسن إليه ثم قال له:
(أبلغ عليا أني أقابله بمائة الف ما فيهم من يفرق بين الناقة والجمل)(١٤٣).
ان خمسين رجلا منهم لا يفرقون بين الناقة والجمل، وليس من شك أن الاكثرية الساحقة منهم لا يميزون بين الحق والباطل ولا يتدبرون الفرق بين المحسوسات همج رعاع لا تفكير لهم ولا تدبر، وأدل دليل على غفلتهم قصة الصحابي العظيم عمار بن ياسر حينما نال الشهادة فوقع الاختلاف فيما بينهم لقول النبي (ص) (ان ابن سمية تقتله الفئة الباغية) ولما رأى ابن العاص الخلاف قد دب فيهم قال لهم إن الذي قتله من أخرجه فصدقوا قوله ورجعوا إلى طاعة معاوية ومن الطبيعي ان الدولة إذا ظفرت بمثل هذا الجند المطيع الغافل توصلت الى غاياتها وتحقيق أهدافها.
وأبقى معاوية أهل الشام على غفلتهم يتخبطون في دياجير الجهالة ويسرحون في ميادين الشقاء رازحين تحت نير الاستعباد الاموي قد وضع بينهم وبين الناس حجابا حديديا فلم يسمح للغير أن يتصل بهم ولم يسمح لهم بالاتصال بالغير لئلا تتبلور أفكارهم ويقفون على الحقيقة فيتبين لهم باطل معاوية وابتزازه للخلافة من أهلها.
ج ـ اتفاق الكلمة:
ذكرنا فى بحوثنا السابقة ما منى به العراق من الاختلاف والتفكك بسبب الأحزاب التي كانت تعمل على زعزة كيان الدولة الهاشمية وتحطيم عروشها وعلى العكس من ذلك كانت الشام فانها بجميع طبقاتها لم تبتل بتلك الأحزاب ولم تصب بالافكار المعادية للحكم القائم فقد كان السلام والوئام والهدوء مخيما على دمشق وجميع ملحقاتها ولم يكن في الجيش ولا في المملكة وكر للخوارج ولا دعاة لهم ولا لغيرهم ممن يعملون على قلب الحكم، وهذا الاتفاق الداخلي هو السبب في قوة معاوية واتساع نطاقه ونفوذه.
د ـ ضخامة القوى العسكرية:
وانفق معاوية جميع جهوده المعنوية والمادية فى إصلاح جيشه وتقويته فانه لما منيت الشام بخطر الروم بادر فعقد هدنة مؤقتة مع ملكها ودفع إليه أموالا خطيرة ولم يفتح معه باب الحرب لئلا تضعف أعصاب جيشه ومضافا إلى ذلك فانه لم يستعمله في الفتوح والحروب، فلم يكن قد ولج به حربا غير صفين فكان محتفظا بنشاطه وقوته.
وبالإضافة لجيشه الذي كان مقيما معه في دمشق فانه لما عزم على حرب الإمام الحسن كتب إلى عماله وولاته في جميع الأقطار يطلب منهم النجدة والاستعداد الكامل لحرب ريحانة رسول الله (ص)، وفى فترات قصيرة التحقت به قوى هائلة ضخمة فضمها إلى جيوش أهل الشام، وزحف إلى العراق بجيش جرار كامل العدد حسن الهيئة موفور القوة، مطيع لأمره فرأى الإمام الحسن (ع) أنه لا يتمكن على مقابلته ولا يستطيع أن يحاربه بجيشه المتخاذل الذي تسوده الخيانة والغدر.
ه ـ حاشيته:
ومضافا إلى ما كان يتمتع به معاوية من القوى العسكرية فقد ظفر بقوة أخرى لها أثرها الفعال فى تقوية جبهته وتوجيهه وتدبير شؤنه وهي انضمام المحنكين والسياسيين إليه طمعا بماله ودنياه، وهم كالمغيرة بن شعبة الذي قيل في حيلته ودهائه (لو كان المغيرة في مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج منها إلا بالمكر والخداع لخرج المغيرة من أبوابها كلها.) وقيل فى عظيم مكره (كان المغيرة لا يقع في أمر إلا وجد له مخرجا، ولا يلتبس عليه أمران إلا أظهر الرأي في أحدهما) ومن حاشيته عمرو بن العاص الذي كان قلعة من المكر والباطل، وقد قيل في وصفه (ما رأيت أغلب للرجال ولا أبذلهم حين يجتمعون من عمرو بن العاص) وهو في طليعة من رفع علم الثورة على عثمان لأنه عزله عن منصبه، وكان يثير عليه حفائظ النفوس ويحفز القريب والبعيد لمناجزته وقال فى ذلك: (والله لألقى الراعي فاحرضه على عثمان فضلا عن الرؤساء والوجوه) ولما بلغه مقتله قال: (أنا أبو عبد الله ما نكأت قرحة إلا أدميتها) وهو الذي خدع الجيش العراقي برفع المصاحف، فتركه ممزق الأوصال، مختلف الأهواء.
لقد جذب معاوية هؤلاء الدهاة الماكرين الذين يخلطون السم بالعسل، ويلبسون الباطل لباس الحق، ولم يتحرجوا من الاثم والمنكر في سبيل نزعاتهم الشريرة، ولم يكن لهم هدف إلا القضاء على ذرية النبيّ (ص) ومن يمت إليهم من صالحاء المسلمين ليتسنى لهم القضاء على الإسلام حتى يمعنوا في التحلل حيثما شاءوا، وقد وقف الإمام الحسن (ع) معهم في صلحه أحزم موقف يتخذه المفكرون فقد حفظ ذرية رسول الله (ص) وحقن دماء المؤمنين من شيعته لأن التضحية في ذلك الوقت لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تعود بالصالح العام للمسلمين لأنهم يضفون عليها أصباغا من التمويه والتظليل ما تفقد به معنويتها وأصالتها.
و ـ ضخامة الأموال:
ويسر لمعاوية من الثراء العريض الذي مهدته له بلاد الشام طيلة ملكه لها فانه لم ينفقها فى صالح المسلمين وانما شرى بها الضمائر والاديان، ليمهد بذلك الطريق الموصل لفوزه بالإمرة والسلطان والتحكم في رقاب المسلمين. لقد وجه معاوية الجباة السود إلى أخذ الضرائب من الشعوب الإسلامية التي احتلها، وقد عمدوا إلى أخذ أموال المسلمين بغير حق، حتى بالغوا في إرهاقهم وإرغامهم على أدائها، كما فرض عليهم من الضرائب ما لا يقره الإسلام كهدايا النيروز وغيرها، وقد امتلأت خزائنه بها فأنفقها بسخاء على حرب ريحانة رسول الله (ص) والتغلب عليه، وقد رأى السبط بعد هذه القوى التي ظفر بها ابن هند أنه لا يمكن مناجزته، ولا الانتصار عليه، وان الموقف يقضي بالصلح والمسالمة لا بالحرب والمناجزة فانها تجر للأمة من المضاعفات السيئة ما لا يعلم خطورتها إلا الله.
٣ ـ اغتيال أمير المؤمنين:
ومن العوامل التي دعت الإمام الى الصلح ما روع به من اغتيال أبيه، فقد ترك ذلك حزنا مقيما وأسى شديدا في نفسه لأنه قد قتل على غير مال احتجبه ولا سنة في الإسلام غيرها، ولا حق اختص به دونهم، وكان يحيى بينهم حياة الفقراء والضعفاء، ويتطلب لهم حياة حافلة بالنعم والخيرات، ويسعى جادا فى اقامة العدل، واماتة الجور، ونصرة المظلومين واعالة الضعفاء والمحرومين، فعمدوا على اغتياله وتركوه صريعا في محرابه لم يحافظوا حرمته، ولا حرمة رسول الله (ص) فيه وقد رأى الإمام الحسن (ع) بعد ارتكابهم لهذه الجريمة النكراء أنه لا يمكن إصلاحهم، وإرجاعهم الى طريق الحق والصواب، فتنكر منهم، وزهد في ولايتهم، وقد أدلى (ع) بذلك بقوله:
(وقد زهدني فيكم اغتيالكم أبي).
حقا أن يكون اغتيال الامام أمير المؤمنين (ع) رائد العدالة الاجتماعية الكبرى من الأسباب الوثيقة التي زهدت الامام الحسن في ذلك الشعب الجاهل الذي غمرته الفتن والأطماع، وانحرف عن الطريق القويم.
٤ ـ حقن الدماء:
ومن دواع الصلح رغبة الإمام الملحة في حقن دماء المسلمين، وعدم اراقتها، ولو فتح باب الحرب مع معاوية لضحى بشيعته وأهل بيته، ويجتث بذلك الإسلام من أصله، وقد صرح (ع) بذلك في جوابه عن دوافع صلحه فقال:
(إني خشيت أن يجتث المسلمون عن وجه الأرض فأردت أن يكون للدين ناعي...)
وأجاب (ع) بعض الناقمين عليه من شيعته فى الصلح فقال: (ما أردت بمصالحتي معاوية إلا أن أدفع عنكم القتل)(١٤٤). وأعرب في خطابه الذي ألقاه في المدائن عن مدى اهتمامه في دماء المسلمين فقد جاء فيه.
(أيها الناس. إن الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية إنما هو حق أتركه لإصلاح أمر الأمة، وحقن دمائها.)(١٤٥)
ومن حيطته ورعايته لذلك أنه أوصى أخاه الحسين حينما وافاه الأجل المحتوم أن لا يهرق في أمره ملء محجمة دما.)
إن أحب شيء للإمام (ع) الحفاظ على دماء المسلمين، ونشر الأمن والوئام فيما بينهم، وقد بذل في سبيل ذلك جميع جهوده ومساعيه.

٥ ـ منة معاوية:
لقد علم الإمام (ع) أنه إن حارب معاوية فان اجلاف العراقيين وأوباشهم سوف يسلمونه أسيرا الى معاوية وأغلب الظن انه لا يقتله بل يخلي عنه ويسجل له بذلك مكرمة وفضيلة ويسدي يدا بيضاء على عموم الهاشميين ويغسل عنه العار الذي لحقه من أنه طليق وابن طليق، وقد صرح الحسن (ع) بهذه الخاطرة قائلا:
(والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلما، والله لئن أسالمه وأنا عزيز، أحب إليّ من أن يقتلنى وأنا أسير أو يمن عليّ فتكون سبة على بني هاشم الى آخر الدهر ولمعاوية لا يزال يمن بها هو وعقبه على الحي منّا والميت.)
وهذا السبب له مكانته من التقدير فان الإمام أراد أن لا يسجل لخصمه أي فضيلة ومكرمة.
٦ ـ حوادث المدائن:
ومن جملة الأسباب التي دعت الامام الى الصلح هي الحوادث القاسية التي لاقاها في المدائن، وقد ذكرناها مشفوعة بالتفصيل وخلاصتها.
أ ـ خيانة الزعماء والوجوه واتصالهم بمعاوية.
ب ـ الحكم عليه بالتكفير من قبل الخوارج.
ج ـ اغتياله.
د ـ نهب أمتعته.
هذه بعض العوامل التي أدت الامام الى السلم، وفيما نعلم انها تلزم بالصلح وعدم فتح أبواب الحرب.
٧ ـ الحديث النبوي:
نظر النبي (ص) الى الحوادث الآتية من بعده فرآها بعينها وحقيقتها لا بصورها وأشكالها، رأى أمّته ستخيم عليها الكوارث، وتنصب عليها الفتن والخطوب، حتى تشرف على الهلاك والدمار، وإن إنقاذها مما هي فيه من الواقع المرير سيكون على يد سبطه الأكبر، وريحانته من الدنيا الامام الحسن (ع) فأرسل كلمته الخالدة قائلا:
(إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين عظيمتين)(١٤٦).
وانطبع هذا الحديث في أعماق الامام الحسن وفي دخائل ذاته منذ نعومة أظفاره، وتمثل أمامه في ذلك الموقف الرهيب، (وإنه ليطمئن الى قول جده كما يطمئن الى محكم التنزيل وها هو ذا جده العظيم يقول له: وكأن صوته الشريف يرن بعذوبته المحببة في أذنه، ويقول لأمّه الطاهرة البتول، ويقول على منبره، ويقول بين أصحابه، ويقول ما لا يحصى كثرة: إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين من المسلمين).
وزادت هذه الذكرى تفاعلا شديدا في نفسه فقد رأى ما عناه جده (ص) في (المدائن) رأى طائفتين:
(إحداهما) شيعته وهم من خيار المسلمين، وصالحائهم من الذين وقفوا على أهداف الاسلام، وعرفوا حقيقته وواقعه.
(الثانية) اتباع معاوية من السذج والبسطاء والمنحرفين عن الاسلام، وهؤلاء وإن كانوا بغاة قد خرجوا على إمام زمانهم ولكنهم يدعون الاسلام وهاتان الطائفتان إن دارت رحى الحرب فانها ستطحن الكثير منهم وبذلك يتضعضع كيان الاسلام وتنهار قواه، ومن يصد عن المسلمين العدو الرابض الذي يراقب الأحداث ليثب عليهم، ومن هو يا ترى حريص على رعاية الاسلام والحفاظ على المسلمين غير سبط النبي ووارثه، فاثر الصلح على ما فيه من قذى في العين، وشجى في الحلق، ويذهب شمس الدين الصقلي (المتوفى سنة ٥٦٥ ه‍) الى أن الباعث لخلع الحسن نفسه عن الخلافة حديث النبي (ص) في ذلك(١٤٧).
وزعم الرواة ان النبي (ص) كان يحدث أصحابه عن عمر الخلافة الاسلامية فقال لهم: (إن الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا.) ولاحظوا أن في مصالحة الحسن لمعاوية قد كملت الثلاثون سنة حسب ما يقولون(١٤٨).
نظر الحسن (ع) الى قول جده (ص) فعلم أن الأمر لا بد أن ينتقل الى معاوية، ومضافا لذلك فقد أخبره أبوه بذلك كما حدث عنه فقال:
(قال لي أبي ذات يوم: كيف بك يا حسن إذا ولي هذا الأمر بنو أميّة؟ وأميرها الرحب البلعوم، الواسع الاعفجاج، يأكل ولا يشبع، فيستولي على غربها وشرقها، تدين له العباد، ويطول ملكه، ويسن البدع والضلال، ويميت الحق وسنة رسول الله (ص)، يقسم المال في أهل ولايته، ويمنعه عمن هو أحق به، ويذل في ملكه المؤمن، ويقوى في سلطانه الفاسق، ويجعل المال بين أنصاره دولا، ويتخذ عباد الله خولا، ويدرس في سلطانه الحق، ويظهر الباطل، ويقتل من ناوأه على الحق..)(١٤٩)
إن النبي والوصي قد استشفا من حجاب الغيب ما تمنى به الأمّة الاسلامية من المحن والبلاء بسبب تخاذلها عن مناصرة الحق ومناجزة الباطل وانها من جراء ذلك سيتولى أمرها الأدعياء من الطلقاء وأبنائهم فيسومونها سوء العذاب، ويستأثرون بمال الله، ويتخذون المسلمين عبيدا لهم وخولا.
وكان معاوية يعلم بمصير الأمر إليه في زمان أمير المؤمنين (ع) فقد صنع فذلكة استعلم بها منه عما يؤول إليه أمره، فبعث جماعة من أصحابه الى الكوفة ليشيعون أن معاوية قد مات، فبلغ ذلك أمير المؤمنين، وتكرر حديث الناس حول هذه الاشاعة فقال (ع).
(قد أكثرتم من نعي معاوية، والله ما مات، ولا يموتن حتى يملك ما تحت قدمي.)(١٥٠)
ولما بلغه ذلك اعتقد به لعلمه أن الامام هو باب مدينة علم النبي (ص) ومستودع سره، وان قوله لا يتخلف عن الواقع ولا يخطئ الحق.
ومهما يكن الأمر فان الامام الحسن (ع) بصلحه مع معاوية قد لقبه المسلمون بالمصلح العظيم، وقد أفاض عليه هذا اللقب جده الرسول من قبل.
٨ ـ العصمة:
وذكرت طائفة من العلماء الأعلام صلح الامام عليه السلام فعللته بالعصمة وان الامام المعصوم لا يرتكب الخطأ ولا يفعل إلا ما فيه الخير والصلاح لجميع الأمّة ولعل الوجوه التي ذكرناها قد كشفت عن مناط هذا القول وأوضحت حسنه وذلك للأسباب والعوامل التي أحاطت بالامام حتى دعته الى الصلح، ونشير الى بعض الذاهبين الى هذا القول وهم:
١ ـ الشريف المرتضى:
قال الشريف المرتضى علم الهدى(١٥١) رحمه الله: (إنه (يعني الحسن) قد ثبت انه المعصوم المؤيد بالحجج الظاهرة، والأدلة القاهرة، فلا بد من التسليم لجميع أفعاله وإن كان فيها ما لا يعرف وجهه على التفصيل أو كان له ظاهر نفرت منه النفوس)(١٥٢).
٢ ـ السيد ابن طاوس:
وعلل نابغة الإسلام السيد الجليل ابن طاوس طيب الله مثواه(١٥٣) في وصيته لولده صلح الإمام بالعصمة وببعض الأسباب التي ذكرناها قال رحمه الله يخاطب ولده:
(وليس بغريب من قوم عابوا جدك الحسن على صلح معاوية وهو كان بأمر جده وقد صالح جده الكفار وكان عذره في ذلك أوضح الأعذار فلما قام أخوه الحسين بنصرهم وإجابة سؤالهم وترك المصالحة ليزيد المارق كانوا بين قاتل وخاذل حتى ما عرفنا أنهم غضبوا في أيام يزيد لذلك القتل الشنيع ولا خرجوا عليه ولا عزلوه عن ولايته وغضبوا لعبد الله ابن الزبير وساعدوه على ضلالته وافتضحوا بهذه المناقصة الهائلة وظهر سوء اختيارهم النازلة فهل يستبعد من هؤلاء ضلال عن الصراط المستقيم؟ وقد بلغوا الى هذا الحال السقيم العظيم الذميم)(١٥٤).
وعلل السيد رحمه الله صلح الامام (أولا) بالعصمة من الخطأ وقاس صلحه بصلح جده الرسول (ص) مع المشركين في قصة الحديبية فكما ان صلح الرسول لا يتطرقه الشك ولا يأتيه النقد نظرا لوجود المصلحة فيه فكذلك صلح الإمام مع خصمه فانه محفوف بالمصلحة العامة لعموم المسلمين و (ثانيا) ببلاء الإمام ومحنته بذلك المجتمع الضال الذي لم يقم وزنا للفضيلة ولم يفقه من القيم الروحية شيئا فانه هو الذي اضطر الإمام الى الصلح والمسالمة. وأقام السيد الدليل على تفسخ أخلاق ذلك المجتمع وتماديه في الشر وذلك بمتابعته ليزيد شارب الخمور، ومعلن الفسق والفجور، ومناصرته والاشتراك معه في أفظع فظع جريمة سجلها التأريخ وهي قتل سيد شباب أهل الجنة الحسين عليه السلام ولم يظهر أحد منهم الأسف والحزن على هذه الجريمة، وما ثاروا عليه، ولا عزلوه عن منصبه. وقد ذكرنا في الابحاث السالفة الأسباب التي أوجبت هذا الانحطاط الهائل في جموع أهل العراق.
٩ ـ ابراز الواقع الاموي:
كان معاوية قبل أن يستولي على زمام الحكم ملتزما بتعاليم الإسلام ظاهرا، ويظهر الاهتمام بشئون المسلمين، ولكن كان ذلك ـ من دون شك ـ رياء منه ومكيدة من باب المشي رويدا لأخذ الصيد، كان يبطن الكفر والنفاق ويضمر السوء والعداء للمسلمين فأراد الإمام الحسن (ع) بصلحه أن يبرز حقيقته، ويظهر للناس عاره وعياره، ويعرفه للذين خدعهم بمظاهره من أنه أعدى عدو للإسلام، فأخلى له الميدان، وسلم له الأمر، فاذا بكسرى العرب ـ كما يقولون ـ تتفجر سياسته الجهنمية بكل ما خالف كتاب الله، وسنة رسول الله (ص)، وإذا به يعمد الى فصم عرى الإسلام وإلى نسف طاقاته، وإلى الإجهاز على القوى الواعية فيه، فيصب عليها وابلا من العذاب الأليم، فيعدم وينكّل بمن شاء منها، ويرغم المسلمين على البراءة من عترة نبيهم، واعلان سبهم وانتقاصهم على الأعواد والمنابر وبذلك ظهرت خفايا نفسه، وفهم المسلمون جميعا حقيقة هذا الطاغية وما يبغيه من الغوائل لهم، ولو لم تكن للصلح من فائدة إلا إظهار ذلك لكفى بها كما نصّ على ذلك الامام كاشف الغطاء رحمه الله في مقدمته لهذا الكتاب(١٥٥).
إن معاوية بعد أن آل إليه الأمر حمل معول الهدم على جميع الأسس الاسلامية محاولا بذلك اطفاء نور الاسلام، ولف لوائه، ومحو أثره، وقلع جذوره، واعادة الحياة الجاهلية الأولى، وقبل أن نعرض بعض موبقاته ومردياته التي سود بها وجه التأريخ نذكر ما أثر عن أبويه من الحقد والعداء للإسلام. وما ورد من النبي (ص) من الأخبار فى انتقاصه وذمه لنرى هل كان خليقا بأن تسند إليه الامارة ويفرض حاكما على المسلمين ويخلى بينه وبين الحكم يتصرف فيه كيفما يشاء من دون أن يحاسب أو يراقب وإلى القراء ذلك.
أبو سفيان وهند:
وأبو سفيان من ألدّ أعداء النبي (ص) فهو الذي قاد الأحزاب، وظاهر اليهود، وناصر جميع القوى المعادية للإسلام، وتضاعف حقده على النبي (ص) حينما وتره بأسرته وبسبعين رجلا من صناديد قريش ممن كانوا تحت لواء الشرك في غزوة بدر الكبرى، فأترعت نفسه الأثيمة بالحزن عليهم، وظل يناجز الرسول (ص) ويؤلب عليه الأحقاد، ولكن الله رد كيده، فنصر رسوله، وأعز دينه، وأذل أبا سفيان وحزبه، فقد فتح النبي (ص) مكة ودخل ظافرا منتصرا فحطم الأصنام، وكسر الأوثان ودخل أبو سفيان ـ على كره منه ـ في الاسلام ذليلا مقهورا يلاحقه العار والخزي، وظل بعد إسلامه محتفضا بجاهليته لم يغير الاسلام شيئا من طباعه وأخلاقه، وكان بيته وكرا للخيانة وكان هو كهفا للمنافقين(١٥٦).
ولما فجع المسلمون بالنبي (ص) وتقمص أبو بكر الخلافة أقبل أبو سفيان يشتد إلى أمير المؤمنين (ع) يطلب منه الثورة ومناجزة أبي بكر لارجاع الخلافة إليه، ولم يكن ذلك منه إيمانا بحق أمير المؤمنين، ولكن ليجد بذلك منفذا يسلك فيه للتخريب والهدم، ولم يخف على الامام نواياه الشريرة فأعرض عنه وزجره، وظل أبو سفيان بعد ذلك قابعا في زوايا الخمول ينظر إليه المسلمون نظرة ريبة وشك في اسلامه، ولما آل الأمر الى عثمان وقرّب بني أمية، وفوض إليهم أمور المسلمين، ظهر أبو سفيان وعلا نجمه، وراح يظهر الأحقاد، والعداء الى النبي، فوقف يوما قبال مرقد سيد الشهداء حمزة (ع) فألقى ببصره المتغور على القبر ثم حرّك شفتيه قائلا:
(يا أبا عمارة!.. إن الأمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمس في يد غلماننا يلعبون به.)
ثم ركل القبر الشريف برجله، ومضى مثلوج الصدر، ناعم البال، قرير العين، كل ذلك بمرأى ومسمع من عثمان فلم يوجّه له عتابا ولم ينزل به عقابا (فإنا لله وإنا إليه راجعون).
هذا واقع أبي سفيان في كفره وحقده على الإسلام، وأما زوجته هند فانها لا تقل ضراوة عن زوجها وكانت أحقد منه على رسول الله (ص) فكانت تحرض المشركين على قتاله ومناجزته، ولما انتهت واقعة بدر بقتل أهلها ومن يمت إليها من المشركين، لم تظهر الحداد والحزن(١٥٧) عليهم، تحرض بذلك قريشا على الطلب بثارهم وجاءتها نسوة قريش قائلات لها:
(ألا تبكين على أبيك، وأخيك، وعمك، وأهل بيتك)؟
فانبرت إليهن قائلة بحرارة:
(حلأني أن أبكيهم فيبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا بنا ونساء بني الخزرج لا والله حتى أثأر محمدا وأصحابه، والدهن عليّ حرام إن دخل رأسي حتى نغزوا محمدا، والله لو أعلم أن الحزن يذهب عن قلبي لبكيت، ولكن لا يذهبه إلا أن أرى ثأري بعينى من قتلة الأحبة.)
ومكثت على حالها لم تظهر الأسى، ولم تقرب من فراش أبي سفيان ولم تدهن حتى صارت واقعة أحد(١٥٨) فأخذت ثارها من سيد الشهداء حمزة فمثلت به، وفعلت معه ذلك الفعل الشنيع، فعند ذلك أظهرت السرور والفرح وأخذت ترتجز قائلة:

شفيت نفسي بأحد * * * حين بقرت بطنه عن الكبد
أذهب عني ذاك ما كنت أجد * * * من لوعة الحزن الشديد المعتمد
والحرب تعلوكم بشؤبوب برد * * * نقدم إقداما عليكم كالأسد

ولما رأى رسول الله (ص) ما فعلته هند بعمه من التنكيل غاظه ذلك والتاع أشد اللوعة، وقال:
(ما وقفت موقفا أغيظ إلي من هذا الموقف).
وقال (ص) ثانيا:
(لن أصاب بمثل حمزة أبدا..)(١٥٩)
ولما كان يوم الفتح ودخل المسلمون مكة قام أبو سفيان في أزقة مكة وشوارعها مناديا على كره منه من ألقى سلاحه فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فلما سمعت هند منه ذلك لطمته على وجهه وجعلت تصيح بلا اختيار:
(اقتلوا الخبيث الدنس، قبّح من طليعة قوم..)
ثم التفت الى جماهير قريش محرضة لهم على الحرب قائلة بنبرات تقطر حماسا: (هلاّ قاتلتم عن بلادكم، ودفعتم عن أنفسكم..)
تثير بذلك حفاظ النفوس، وتلهب نار الثورة في قومها، ولكن الله ردّ كيدها، وخيّب سعيها، فنصر الاسلام وأهله. هذان أبوا معاوية وبقاعدة الوراثة نجزم بأن ما استقر في نفسيهما من الغل والحقد والبغض والعداء للإسلام ولرسول الله (ص) قد انتقل إلى معاوية، ومضافا إلى ذلك فان رسول الله قد لاقى الأمويين عموما بالاستهانة والتحقير وذلك لما لاقى منهم من العناء والآلام، فأمر بابعادهم عن يثرب كالحكم وابنه مروان وسعيد بن العاص والوليد، وأمر المسلمين بالتجنب عنهم وسماهم بالشجرة الملعونة، وهذه الامور التي شاهدها معاوية قد أولدت في نفسه حقدا على النبيّ (ص) وعلى أهل بيته.
ما أثر عن النبي في معاوية:
وتضافرت الأخبار الواردة عن النبي (ص) في ذم معاوية وفي الاستهانة به وهي:
١ ـ قال (ص) يطلع من هذا الفج رجل يحشر على غير ملتي.
فطلع معاوية(١٦٠).
٢ ـ ورأى رسول الله (ص) أبا سفيان مقبلا على حمار، ومعاوية يقود به، ويزيد ابنه يسوق به، قال: لعن الله القائد والراكب والسائق(١٦١).
٣ ـ وروى البراء بن عازب قال: أقبل أبو سفيان ومعه معاوية فقال رسول الله (ص): اللهم عليك بالأقيعس، وسأل ابن البراء أباه عن الأقيعس، فقال له: إنه معاوية(١٦٢).
٤ ـ وجاءت الى النبي (ص) امرأة تستشيره في الزواج من معاوية فنهاها، وقال لها: إنه صعلوك.
٥ ـ وروى أبو برزة الأسلمي(١٦٣) قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسمعنا غناء فتشرفنا له، فقام رجل فاستمع له وذاك قبل أن تحرم الخمر فأتانا وأخبرنا أنه معاوية وابن العاص يجيب أحدهما الآخر بهذا البيت:

يزال حواري تلوح عظامه * * * زوى الحرب عنه أن يحس فيقبرا(١٦٤)

فلما سمع بذلك رسول الله رفع يديه بالدعاء وهو يقول:
(اللهم اركسهم في الفتنة ركسا، اللهم دعهم إلى النار دعا(١٦٥))(١٦٦) واستشف رسول الله (ص) من وراء الغيب ان معاوية سوف يتولى شئون الحكم فحذر المسلمين منه وأمرهم بقتله فقال (ص):
إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاضربوا عنقه(١٦٧).
وكان الحسن (ع) إذا حدث بهذا الحديث يقول والتأثر ظاهر عليه.
(فما فعلوا ولا أفلحوا..)(١٦٨).
وهكذا كان معاوية في زمان النبي (ص) مهان الجانب، محطم الكيان، صعلوكا ذليلا، يلاحقه العار، ويتابعه الخزي، يتلقى من النبي صلى الله عليه وآله وسلم اللعن، ومن المسلمين الاستهانة والتحقير، ولما آل الأمر الى عمر جافى ما أثر عن النبي (ص) فيه فقربه وأدناه، ورفعه بعد الضعة والهوان، فجعله واليا على الشام، ومنحه الصلاحيات الواسعة، وفوض إليه أمر القضاء والصلاة، وجباية الأموال، وغير ذلك من الشؤون العامة التي تتوقف على الوثاقة والعدالة، وبلغ من عظيم حبه وتسديده له أنه كان في كل سنة يحاسب عماله، وينظر في أعمالهم إلا معاوية فانه لم يحاسبه، ولم يراقبه، وقد قيل له إنه قد انحرف عن الطريق القويم فبدد في الثروات ولبس الحرير والديباج، فلم يلتفت لذلك، وأضفى عليه ثوب الأبهة والمجد، فقال: (ذاك كسرى العرب) ولما فتل حبل الشورى لأجل إقصاء عترة النبيّ (ص) عن الحكم، وجعله في بني أمية، أشاد بمعاوية وهو في أواخر حياته، ونفخ فيه روح الطموح، فقال لأعضاء الشورى: (إن تحاسدتم وتقاعدتم، وتدابرتم، وتباغضتم غلبكم على هذا معاوية بن أبي سفيان، وكان إذ ذاك أميرا على الشام)(١٦٩).
وما أكثر عماله وولاته فلما ذا أشاد به دونهم؟! وكيف ساغ له أن يهدد أعضاء الشورى بسطوته وهم ذوو المكانة العليا وقد مات رسول الله (ص) وهو عنهم راض ـ كما يقول ـ وإذا كان يخاف عليهم منه فكيف أبقاه فى جهاز الحكم إن هذه الأمور تدعو إلى التساؤل والاستغراب.
وعلى أي حال فان معاوية كان أثيرا عند عمر وعزيزا عليه، ولما آل الأمر إلى عثمان زاد في رقعة سلطانه وفي تقوية نفوذه كما أوضحنا ذلك في الجزء الأول من هذا الكتاب(١٧٠) فصار يعمل في الشام عمل من يريد الملك والسلطان، ولما قتل المسلمون عثمان نظرا للأحداث الجسام التي ارتكبها، اتخذ معاوية قتله وسيلة لتحقيق مأربه وأهدافه، فبغى على أمير المؤمنين بدعوة أنه رضى بقتله وآوى قتلته، وأعقبت ذلك من الخطوب والمحن ما بلي بها الإسلام، وتصدع بها شمل المسلمين فأدت الأحداث المؤسفة إلى انتصاره، وخذلان الإمام أمير المؤمنين، وولده الإمام الحسن، ولما صار الأمر إليه بعد الصلح أخذ يعمل مجدا في إحياء جاهليته الأولى والقضاء على كلمة الإسلام وتحطيم أسسه، وإلغاء نصوصه، وقد ظهرت منه تلك الأعمال بوضوح لما خلا له الجو وصفا له الملك، فلم يخش أو يراقب أحدا في اظهار نواياه، وفي ابراز اتّجاهه وعدائه للإسلام وللمسلمين، وقد أوضح الإمام الحسن في صلحه حقيقته وبين واقعه وسلبه ذلك الغشاء الرقيق الذي تستر به باسم الدين ودونك أيها القارئ الكريم النزر اليسير من نواياه وأعماله:
١ ـ عداؤه للنبى:
كان معاوية يكن في نفسه بغضا عارما للنبى ولذريته ويحاول بكل جهوده القضاء على كلمة الإسلام ومحو أثره وقد أدلى بذلك في حديثه مع المغيرة بن شعبة فقد حدث عنه ولده مطرف قال وفدت مع أبي المغيرة على معاوية فكان أبي يأتيه يتحدث عنده ثم ينصرف إلىّ فيذكر معاوية وعقله ويعجب بما يرى منه، وأقبل ذات ليلة فأمسك عن العشاء وهو مغتم أشد الغم، فانتظرته ساعة وظننت أنه لشىء حدث فينا أو في عملنا فقلت له:
ـ مالي أراك مغتما منذ الليلة؟.
ـ يا بني إني جئت من أخبث الناس!!.
ـ وما ذاك؟.
ـ خلوت بمعاوية فقلت له: إنك قد بلغت مناك يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عدلا وبسطت خيرا فانك قد كبرت، ولو نظرت إلى اخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم، فو الله ما عندهم اليوم شيء تخافه.
فقال لي:
(هيهات هيهات!! ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل، فو الله ما عدا أن هلك، فهلك ذكره، إلا أن يقول قائل أبو بكر. ثم ملك أخو عدى فاجتهد، وشمر عشر سنين، فو الله ما عدا أن هلك فهلك ذكره إلا أن يقول قائل عمر، ثم ملك أخونا عثمان فملك، رجل لم يكن أحد في مثل نسبه، فعمل ما عمل وعمل به، فو الله ما عدا أن هلك فهلك ذكره وذكر ما فعّل به، وإن أخا هاشم يصرخ به في كل يوم خمس مرات (أشهد أن محمدا رسول الله) فأي عمل يبقى بعد هذا لا أم لك، إلا دفنا دفنا)(١٧١).
وهذه البادرة تدل بوضوح على كفره والحاده، وعلى حقده البالغ على النبي فقد أزعجه وساءه أن يذكر اسمه كل يوم خمس مرات في الأذان ولو وجد سبيلا لمحا ذلك ولشدة بغضه وعدائه لذريته أنه مكث في أيام خلافته أربعين جمعة لا يصلي فيها على النبيّ (ص) وقد سئل عن ذلك فقال:
(لا يمنعني من ذكره إلا أن تشمخ رجال بانافها)(١٧٢).
٢ ـ تعطيله الحدود:
ولم يعتن معاوية بالحدود الإسلامية ولم يهتم باقامتها فقد عفا عمن ثبت عليه الحد، فقد جيء إليه بجماعة سارقين فقطع أيديهم، وبقى واحد منهم فقال السارق:

يميني أمير المؤمنين أعيذها * * * بعفوك أن تلقى مكانا يشينها
يدى كانت الحسناء لو تمّ سترها * * * ولا تعدم الحسناء عيبا يشيبها
فلا خير في الدنيا وكانت حبيبة * * * إذا ما شمالي فارقتها يمينها

وغزت هذه الأبيات قلب معاوية فقال له:
(كيف أصنع بك؟ قد قطعنا أصحابك).
فاجابته أم السارق:
(يا أمير المؤمنين اجعلها في ذنوبك التي تتوب منها).
فخلى سبيله وأطلق سراحه، فكان أول حد ترك في الإسلام(١٧٣).
٣ ـ اباحته الربا:
ومنع الإسلام من الربا أشد المنع وجعله من الموبقات والكبائر، فلعن المعطي والآخذ والوسيط والشاهد، ولم يعتن معاوية بتحريم الإسلام له فعن عطاء بن يسار أن معاوية باع سقاية من ذهب، أو ورق بأكثر من وزنها فقال له أبو الدرداء(١٧٤): (سمعت رسول الله (ص) ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل).
فانبرى معاوية مظهرا له عدم اعتنائه بنهي رسول الله، وتحريمه له قائلا:
(ما أرى بمثل هذا بأسا).
فاستاء أبو الدرداء من هذه الجرأة واندفع وهو غضبان متألم قائلا:
(من يعذرني من معاوية أنا أخبره عن رسول الله (ص) ويخبرني عن رأيه، لا أساكنك بأرض أنت بها).
ثم ترك الشام وانصرف إلى عاصمة الرسول وهو ثائر غضبان واستقال من وظيفته(١٧٥).
٤ ـ الأذان فى صلاة العيد:
وقضى الشرع الإسلامي باتيان الأذان والإقامة في خصوص الصلاة اليومية الواجبة، وأما ما عداها من الصلاة المندوبة كصلاة النوافل أو الواجبة كصلاة العيدين والآيات فان الشرع قد حكم بتركهما، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
(ليس في العيدين أذان، ولا إقامة)(١٧٦) وسار على هذه السنة الخلفاء من بعد رسول الله (ص)(١٧٧) ولكن معاوية لم يبال بذلك فقد أحدث الأذان والإقامة في صلاة العيد(١٧٨) وبذلك خالف رسول الله وجافى ما أثر عنه وكان مبدعا في تشريعه.
٥ ـ الخطبة قبل صلاة العيد:
والزمت السنة الإسلامية فى صلاة العيد بالخطبة بعد فراغ الإمام من الصلاة فقد صلى النبي (ص) صلاة عيد الفطر وبعد الفراغ منها قام خطيبا بين أصحابه وفعل النبيّ كقوله سنة يجب اتباعه، وصلى من بعده الخلفاء على وفق صلاته(١٧٩) ولكن معاوية لم يعتن بذلك فقد قدّم الخطبة على الصلاة) واقتفي بفعله الأمويون(١٨٠) وبذلك فقد هجر سنة النبيّ.
٦ ـ أخذه الزكاة من الأعطية:
وفرض الإسلام الزكاة في موارد مخصوصة ذكرها الفقهاء وما عداها فلا تجب فيه الزكاة، ولكن معاوية قد أعرض عن ذلك فأخذ الزكاة من الأعطية ولم تشرع فيها الزكاة باجماع المسلمين وقد ارتكب معاوية ذلك(١٨١).
أما جهلا منه بالحكم الشرعي أو تعمدا منه على مخالفة السنة والثاني أولى بسيرته.
٧ ـ تطيبه فى الإحرام:
ويجب على المحرم في الحج أن يترك الطيب ما دام محرما، فاذا حلّ من إحرامه جاز له استعماله، ولكن معاوية خالف ذلك فتطيب في حال إحرامه(١٨٢) عنادا منه للإسلام أو لجهله بتعاليمه وفروضه.
٨ ـ استعماله أواني الذهب والفضة:
ويحرم استعمال أواني الذهب والفضة إلا أن معاوية قد عمد إلى مخالفة ذلك وأخذ يستعملها في مأكله ومشربه، ولما تلي عليه قول رسول الله (ص) في التحريم قال:
(لا أرى بأسا في ذلك)(١٨٣).
٩ ـ لبسه الحرير:
وحرم الإسلام لبس الحرير على الرجال إلا في حال الحرب ولكن معاوية قد جافى ذلك فقد عمد إلى لبسه(١٨٤) غبر معتن بتحريم الإسلام ونهيه عنه.
١٠ ـ استحلاله أموال الناس:
وحرم الإسلام أموال الناس وأخذها بالباطل، ولكن معاوية لم يلتزم بذلك فقد استصفى أموال الناس من دون عوض(١٨٥).
١١ ـ شراؤه الأديان:
وليس في سوق التجارة رذيلة أسوأ من شراء ضمائر الناس وأديانهم فانه ينم عن سوء سريرة البائع والمشتري، وقد مهر معاوية في هذه الصنعة وكان يتجاهر بها من دون خيفة وحذر فقد ذكر الرواة أنه وفد عليه الأحنف بن قيس وجارية بن قدامة والجون بن قتادة والحتات بن يزيد فأعطى معاوية كل واحد منهم مائة الف، وأعطى الحتات سبعين الفا، فلما كانوا فى الطريق ذكر كل منهم جائزته فرجع الحتات مغضبا فالتفت إليه معاوية قائلا له:
(ما ردّك؟).
ـ فضحتني في بني تميم أما حسبى فصحيح، أو لست ذا سن؟
ألست مطاعا في عشيرتي؟).
فأجابه معاوية:
(بلى).
واندفع الحتات قائلا:
(فما بالك خست بي دون القوم وأعطيت من كان عليك أكثر ممن كان لك ـ يريد الأحنف وجارية فهما كانا مع علي في حرب الجمل ـ وهو قد اعتزل القتال).
فقال له معاوية بلا حياء ولا خجل.
ـ إني اشتريت من القوم دينهم ووكلتك إلى دينك.
ـ وأنا اشتري مني ديني.
فأمر له باتمام الجائزة(١٨٦).
١٢ ـ خلاعة ومجون:
واتسعت الدعارة وانتشر المجون في الحاظرة الإسلامية في عصر بني أمية، فكان الشعراء يتشببون ويتغزلون بالنساء، وأول من فتح باب الدعارة معاوية فقد حدثوا أن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت(١٨٧) قد تشبب بابنة
معاوية فبلغ ذلك يزيد فغضب ودخل على أبيه قائلا بنبرات تقطر ألما:
ـ يا أبة أقتل عبد الرحمن بن حسان.
ـ لم؟.
ـ تشبب بأختي.
ـ وما قال؟
ـ قال:

طال ليلي وبت كالمحزون * * * ومللت الثواء في جيرون

فأجابه معاوية باستهزاء وسخرية:
(يا بني وما علينا من طول ليله وحزنه، أبعده الله).
فالتفت يزيد إلى أبيه انه يقول:

فلذا اغتربت بالشام حتى * * * ظن أهلي مرجات الظنون

(يا بني وما علينا من ظن أهله).
ـ إنه يقول:

هي زهراء مثل لؤلؤة الغوا * * * ص ميزت من جوهر مكنون

ـ صدق يا بني هي كذلك.
ـ إنه يقول:

وإذا ما نسبتها لم تجدها * * * في سناء من المكارم دون

ـ صدق يا بني:
ـ إنه يقول:

ثم خاصرتها إلى القبة الخض * * * راء تمشي في مرمر مسنون

ـ: ولا كل هذا يا بني.
وما زال يزيد يذكر له ما قاله عبد الرحمن من التشبيب بأخته، ومعاوية يدافعه عن ذلك، ويظهر براءته وعدم استحقاقه العقاب، وانتشر تشبب عبد الرحمن، وافتضحت ابنة معاوية، فأقبلت إليه طائفة فأكبروا هذه الجسارة على ابنته وقالوا له: (لو جعلته نكالا) فامتنع معاوية من اجابتهم، وقال لهم: ـ لا ـ ولكن أداويه بغير ذلك، واتفق أن عبد الرحمن وفد على معاوية فاستقبله أحسن استقبال وأجلسه على سريره وأقبل عليه بوجهه، ثم قال:
إن ابنتي الأخرى عاتبة عليك.
ـ في أي شيء؟
ـ في مدحك أختها وتركك إياها.
ـ لها العتبى وكرامة أنا أذكرها.
وأخذ يتغزل بابنة معاوية فلما علم الناس ذلك قالوا: (قد كنا نرى أن تشبب حسان بابنة معاوية لشيء فاذا هو على رأي معاوية وأمره)(١٨٨)
وهذه البادرة تدل على ميوعته وتفسخ أخلاقه وقد فتح بذلك باب الفساد ومكن الماجنين من التعرض ببنات المسلمين حتى بلغ التهالك على اللذة منتهاه في عصره وعصر بني أمية.
وتشبب أبو دهبل الجحمي(١٨٩) بابنته فعامله باللين وأوصله وأعطاه(١٩٠) وسار بنو أمية على هذه الخطة، وقد حاولوا أن يقلبوا الدنيا إلى مسارح للعبث والمجون، فحببوا إلى الناس الفسق والدعارة وساقوهم إلى الضلال والباطل والفساد.
ومن تهتك معاوية ومجونه أنه اشترى جارية بيضاء جميلة، فادخلها عليه مولاه (خديج) وهي مجردة عارية ليس عليها شيء، وكان بيده قضيب فجعل يهوى به إلى (متاعها) وهو يقول:
(هذا المتاع، لو كان لي متاع)(١٩١).
وأمر بها إلى يزيد، ثم عدل عن ذلك ووهبها إلى عبد الله بن مسعدة الفزاري(١٩٢) فقال له: (دونك هذه الجارية الرومية فبيض ولدك)(١٩٣).
وذكر المؤرخون بوادر كثيرة من استهتاره ومجونه دلت على تحلله من جميع القيم الإنسانية.
١٣ ـ افتعال الحديث:
قال الله تعالى في كتابه الكريم: (إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون)(١٩٤) وقرب معاوية من يفترى الكذب على الله ورسوله ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فقربهم إليه وأدناهم منه ومنحهم الأموال الضخمة، وأوعز إليهم أن يضعوا الأحاديث الكاذبة على رسول الله (ص) فى فضله وفي فضل الأمويين والصحابة، وفي الحط من كرامة العترة الطاهرة وانتقاصها خصوصا سيدها الإمام أمير المؤمنين (ع)، وكتب مذكرة بذلك إلى جميع عماله وولاته جاء فيها:
(أنظروا من قبلكم من شيعة عثمان الذين يرون فضله، ويتحدثون بمناقبه فاكرموهم، وشرفوهم، واكتبوا إليّ بما يروي كل واحد منهم فيه باسمه واسم أبيه وممن هو).
فامتثل عماله وولاته ذلك فأدنوا الرواة المستأجرين وأشادوا بهم، ومنحوهم الأموال الكثيرة ودونوا ما افتعلوه في فضل عثمان، وأرسلوه إليه، ولما رأى الناس أن الحكومة تشجع الوضاعين وتقابلهم بالحفاوة والتكريم، وتمنحهم الأموال والثراء العريض بادر من غرته الدنيا إلى وضع الأحاديث وأخذ عوضها من الجهة المختصة، وقد رووا فى فضل معاوية طائفة كبيرة، فمن جملة ما وضعوه: أن النبي قال: (اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب، وادخله الجنة). وأخرج الترمذي أن النبيّ قال لمعاوية: اللهم اجعله هاديا مهديا.
وروى الحارث بن أسامة أنه (ص) قال: أبو بكر أرق أمتي، وأرحمها، ثم ذكر مناقب الخلفاء الأربعة، ومناقب جماعة آخرين من أصحابه ثم ذكر (ص) معاوية فقال (ص): ومعاوية بن أبي سفيان أحلم أمتي وأجودها(١٩٥).
ورووا أن النبي (ص) أشاد بفضل أصحابه، ثم قال في معاوية: وصاحب سري معاوية بن أبي سفيان(١٩٦).
وحكى القدسي أنه كان بجامع واسط وإذا برجل قد اجتمع عليه الناس فدنا منه فإذا هو يروي حديثا بسنده عن النبيّ (ص) ان الله يدني معاوية يوم القيامة فيجلسه إلى جنبه ويغلفه؟ بيده ثم يجلوه على الناس كالعروس فقال له المقدسي: بما ذا؟ قال بمحاربته عليا، فأجابه المقدسي: كذبت يا ضال!! فقال خذوا هذا الرافضي فتدافع الناس عليه للبطش به وأنقذه شخص كان يعرفه(١٩٧) وحكى المقدسي أيضا أنه تعرض للقتل حينما أنكر على رجل قوله: ان معاوية نبى مرسل(١٩٨).
وحدث بعضهم قال رأيت رسول الله (ص) وعنده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية، إذ جاء رجل فقال عمر يا رسول الله هذا ينتقصنا فكأنه انتهره رسول الله (ص) فقال يا رسول الله: إني لا أنتقص هؤلاء ولكن هذا ـ يعنى معاوية ـ فقال: ويلك أوليس هو من أصحابي؟ قالها ثلاثا ثم أخذ رسول الله (ص) حربة فناولها معاوية، فقال جابهه في لبته فضربه بها، وانتبهت إلى منزلي فاذا ذلك الرجل قد أصابته الذبحة من الليل ومات وهو راشد الكندي(١٩٩).
وتعصب البسطاء والسذج لمعاوية، وبالغوا في تقديره نظرا لهذه الأخبار الموضوعة والدعايات الكاذبة، فقد ذكر المؤرخون ان عبد الرحمن النسائي دخل دمشق فسئل عن معاوية وما روى من فضائله فقال: أما يرضى معاوية أن يخرج رأسا برأس حتى يفضّل؟ وفي رواية أنه قال: ما أعرف له فضيلة إلا (لا أشبع الله له بطنا) فثاروا عليه وداسوه فحمل إلى الرملة فمات بسبب ذلك(٢٠٠).
لقد أراد معاوية بهذه الأحاديث التي أصدرتها لجان الوضع أن يضفي على نفسه ثوب القداسة والإيمان لتمنحه الأمة ثقتها، وتنقاد إليه بدافع العقيدة، ولكنها محاولة فاشلة لأن المسلمين ينظرون إليه نظرة ريبة وشك في إسلامه لأنه من الشجرة الملعونة في القرآن التي ناجزت النبي (ص) وقادت الجيوش لمحاربته، بالاضافة إلى الأحداث الجسام التي ارتكبها كمناجزته لوصي رسول الله (ص) وباب مدينة علمه، وقتله الأخيار، ومطاردته الصلحاء، وبدعه التي أحدثها في الإسلام، وغير ذلك من الكبائر والموبقات التي سود بها وجه التأريخ، ومن الطبيعي أن هذه الدعايات والأكاذيب لا تمحو عنه العار والخزي.
وعلى أي حال فقد كثرت الأحاديث التي وضعها الدجالون في فضل معاوية، وفي فضل عثمان بن عفان، وقد خاف أن يفوت غرضه، ويفتضح أمره، ولا يصل إلى هدفه من البغي على العترة الطاهرة، فكتب مذكرة إلى عماله يأمرهم فيها بأن يكف الوضاعون عن ذلك، ويضعوا الأحاديث في فضل الشيخين، لأن ذلك من أقرب الطرق ومن أهم الوسائل فى محاربة ذرية النبيّ (ص) والحط من قيمتهم، وهذا نص ما كتبه:
(إن الحديث قد كثر في عثمان، وفشا في كل مصر، وفي كل ناحية، فإذا جاءكم كتابي فادعوهم إلى الرواية في أبي بكر وعمر، فان فضلهما وسوابقهما أحب إلي وأقر لعيني، وأدحض لحجة أهل هذا البيت ـ يعني أهل بيت النبيّ ـ وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضله).
وقرأ القضاة والأمراء كتابه على الناس، فبادر الوضاعون إلى افتعال الأحاديث فى مناقب أبي بكر وعمر، وأمر معاوية بتدوينها وإنفاذ نسخ منها إلى جميع العمال والولاة ليقرؤها على المنابر، ويتلوها في الجوامع، وأوعز إليهم أن ينفذوها إلى المعلمين ليجعلوها من مناهج دروسهم، ويرغموا الأطفال على حفظها، وقد اهتمت الحكومات المحلية فى ذلك اهتماما بالغا فالزمت الناشئة وسائر الطبقات بحفظ تلك الأخبار المفتعلة حتى حفظها الأولاد وحفظتها النساء والخدم والحشم(٢٠١) وقد عرض الإمام الباقر عليه السلام بعض تلك الأخبار الموضوعة في حديثه مع أبان، وندد بها فقد قال له أبان:
(أصلحك الله، سم لي من ذلك شيئا؟).
قال (ع) رووا:
(إن سيدي كهول أهل الجنة أبو بكر وعمر)(٢٠٢).
(إن عمر محدث ـ بصيغة المفعول أي تحدثه الملائكة ـ).
(إن عمر يلقنه الملك).
(إن السكينة تنطق على لسان عمر).
(إن الملائكة لتستحي من عثمان)(٢٠٣).
ثم استرسل (ع) في عرض الأخبار المفتعلة حتى عدّ أكثر من مائة رواية(٢٠٤) يحسبها الناس أنها حق، ثم قال (ع): والله كلها كذب وزور(٢٠٥)
ويقول المحدث ابن عرفة المعروف بنفطويه(٢٠٦)(إن أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أمية، تقربا إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنوف بني هاشم)(٢٠٧).
ولم يكتف معاوية بتلك الأخبار الكثيرة التي وضعت في مناقب الشيخين فقد عمد إلى تشجيع الوضاعين لاختلاق الحديث ضد أهل البيت (ع) وقد أنفق عليهم الأموال الطائلة في سبيل ذلك، فقد أعطى الجلاد سمرة بن جندب أربع مائة الف على أن يخطب في أهل الشام، ويذكر لهم أن الآية الكريمة وهي (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد)(٢٠٨).
نزلت في علي، فروى لهم سمرة ذلك(٢٠٩) وأخذ العوض من بيت مال المسلمين، وقد الزم الإسلام بانفاقه على صالح المسلمين، وإعالة ضعيفهم ومحرومهم، ولكن ابن هند أنفقه على حرب الإسلام وعلى الكيد والطعن في أعلامه الذين نافحوا عن رسول الله (ص) في جميع المواقف والمشاهد وأرغموا معاوية وأباه على الدخول في حظيرته.
وعلى أي حال فقد انطلق ذوو الأطماع والمنحرفون عن الإسلام إلى افتعال الأحاديث في الحط من قيمة أهل البيت للظفر بالأموال والثراء العريض، وروى ابن العاص لأهل الشام أن النبي (ص) قال في آل أبي طالب: (إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء، انما ولي الله وصالح المؤمنين)(٢١٠).
وهكذا أخذت لجان الوضع تفتعل أمثال هذه الأحاديث ضد عترة النبيّ (ص) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، محاولة بذلك إطفاء نور الله، وحجب المسلمين عن قادتهم الواقعيين الذين نصّ عليهم النبيّ (ص) وجعلهم خلفاء من بعده على أمته.
وتحدث الإمام الباقر (ع) عن زيف تلك الأخبار وكذبها فقال: (ويرون عن علي أشياء قبيحة، وعن الحسن والحسين ما يعلم الله أنهم قد رووا في ذلك الباطل والكذب والزور)(٢١١).
وقال ابن أبي الحديد: (وذكر شيخنا أبو جعفر الإسكافي أن معاوية وضع قوما من الصحابة، وقوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي عليه السلام تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله فاختلقوا ما أرضاه، منهم أبو هريرة، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين عروة بن الزبير)(٢١٢).
إن هذه الإجرءات التي اتخذها معاوية ضد أهل البيت قد أشاعت الفرقة بين المسلمين، وفتحت باب الكذب على الله وعلى رسوله، وقد أعرض خيار الصحابة عن تلك الأخبار، ولم يصغوا لرواتها، فقد نقل الرواة ان بشير العدوى(٢١٣) جاء إلى ابن عباس، وجعل يحدثه، ويقول له: قال رسول الله (ص): وابن عباس لا يأذن لحديثه، ولا ينظر إليه، وقابله بالاستخفاف والاستهانة، فاندفع بشير قائلا:
(ما لي لا أراك تسمع الحديث؟ أحدثك عن رسول الله ولا تسمع).
فزجره ابن عباس قائلا:
(إنا كنا إذا سمعنا رجلا يقول قال رسول الله ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه باذاننا، فلما ركب الناس الصعبة والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرفه)(٢١٤).
إن الناس قد ركبوا الصعبة والذلول ـ على حد تعبير ابن عباس ـ وسلكوا جميع المسالك التي تتنافى مع الدين فلم يتحرجوا من الكذب على الله ولم يتأثموا من الوضع على رسول الله (ص) فلذا كان التوقف والتثبت في الأخبار أمرا ضروريا.
والمحنة الكبرى التي امتحن المسلمون بها امتحانا عسيرا هو ان تلك الأخبار التي افتعلتها لجان الوضع قد وصلت إلى الثقات والحفاظ فدونوها في كتبهم وهم ـ من دون شك ـ لو علموا واقعها لأسقطوها وتبرءوا منها وما رووها، وقد ألمع إلى ذلك المدائني في حديثه عن الوضاعين في عصر معاوية، ونسوق نص كلامه في ذلك قال:
(وظهر حديث كثير موضوع، وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة، وكان أعظم الناس في ذلك بلية القراء المراءون، والمستضعفون، الذين يظاهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم، ويقربوا مجلسهم، ويصيبوا به الأموال والضياع، والمنازل، حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب، والبهتان، فقبلوها، ورووها وهم يظنون أنها حق، ولو علموا أنها باطلة لما رووها، ولا تدينوا بها)(٢١٥).
وقد فاضت الكتاب بتلك الأخبار الموضوعة، وامتلأت بالإسرائيليات(٢١٦) وبخرافات أبي هريرة، ومما لا شبهة فيه أنها أضرت بالإسلام فشوهت شريعته السمحاء، وأفسدت عقائد المسلمين، وفرقتهم شيعا وأحزابا.
وليس من شك في أن الخلفاء لو بادروا إلى تدوين ما أثر عن النبي (ص) من الأحاديث لصانوا الأمة من الاختلاف ووقوها من الفتن والخطوب، ولكنهم لم يفعلوا ذلك فقد عمد أبو بكر إلى جمع بعض الأحاديث فأحرقها(٢١٧) وجاء بعده عمر فاستشار الصحابة في تدوينها فأشار عليه عامتهم بذلك، ولبث مدة يفكر في الأمر ثم عدل عنه، وقال لهم: (إني كنت قد ذكرت لكم من كتاب السنن ما قد علمتم. ثم تذكرت، فاذا أناس من أهل الكتاب قبلكم قد كتبوا مع كتاب الله كتبا فأكبوا عليها، وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبدا.) ثم ترك ذلك وعدل عنه(٢١٨).
وهو تعليل لا يساعده الدليل لأن حديث النبي (ص) لا يشذ عن كتاب الله، ولا يخالفه بحال من الأحوال، وليس تدوينه موجبا لهجر القرآن الكريم، ولا مستلزما للاعراض عنه، وأكبر الظن أنهم إنما أبوا من تدوينه لأن شطرا كبيرا منه يتعلق فى فضل العترة الطاهرة. وفي لزوم مودتها، ووجوب الرجوع إليها في جميع المجالات، وليس من الممكن التبعيض في كتابة الحديث بأن تدون السنن، وتترك الأخبار الواردة في حق أهل البيت، ومن الطبيعي أن تدوينها يتنافى مع ابتزازهم حقهم واجماعهم على هضمهم، واقصائهم عن مراتبهم التي رتبهم الله فيها، وقد بلغ من عظيم وجدهم وحقدهم عليهم، أنهم لما شعروا أن النبي يريد أن يعهد بالأمر إليهم ويكتب فى ذلك كتابا ردوا عليه وهو في ساعاته الأخيرة فقالوا له: (حسبنا كتاب الله).
وأثر عنهم أنهم قالوا: (لا تجتمع النبوة والخلافة فى بيت واحد) وبعد هذا فكيف يثبتون اخبار النبي (ص) في أهل بيته.
وعلى أي حال فان أعظم ما مني به المسلمون من الكوارث هي الروايات المفتعلة التي عهد معاوية بوضعها فانها قد أوجبت تشتت المسلمين واختلافهم في كل شيء، وهي مما لا شبهة فيه من أعظم موبقات ابن هند.
١٤ ـ استلحاقه زيادا:
قال رسول الله (ص): (الولد للفراش، وللعاهر الحجر). لقد ضرب معاوية كلام رسول الله (ص) بعرض الجدار بلا خيفة ولا حذر.
فعاكس قوله، ورد حكمه علانية لأجل تدعيم ملكه، وإقامة سلطانه، فاستلحق به زياد بن أبيه طبقا لما كان عليه العمل قبل الإسلام!
يقول الله تعالى: (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون)(٢١٩) لقد بغى معاوية حكم الجاهلية، وأحيى سننها فألحق به زياد بن أبيه وهو ابن بغية، فان سمية كانت من ذوات الرايات بالطائف تؤدي الضريبة الى الحارث بن كلدة(٢٢٠) من بغيها، وكانت تنزل بالموضع الذي تنزل فيه البغايا خارجا عن الحضر في محلة يقال لها حارة البغايا(٢٢١) هذه أم زياد في قذارتها وفجورها ولم يأنف معاوية من إلحاق هذا الدعى به.
أما بواعث هذا الاستلحاق فيقول عنه المؤرخون ان أمير المؤمنين (ع) كان قد ولى زيادا قطعة من أعمال فارس، واصطنعه لنفسه، فلما قتل (ع) بقى زياد في مله وخاف معاوية جانبه، وعلم صعوبة ناحيته، وأشفق من ممالاته الحسن بن علي (ع) فكتب إليه هذه الرسالة:
(من أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان، إلى زياد بن عبيد، أما بعد: فانك عبد قد كفرت النعمة، واستدعيت النقمة، ولقد كان الشكر أولى بك من الكفر وإن الشجرة لتضرب بعرقها، وتتفرع من أصلها إنك لا أم لك، بل لا أب لك قد هلكت وأهلكت، وظننت أنك تخرج من قبضتي، ولا ينالك سلطاني، هيهات ما كل ذي لب يصيب رأيه ولا كل ذي رأي ينصح في مشورته، أمس عبد واليوم أمير خطة ما ارتقاها مثلك يا ابن سمية، إذا أتاك كتابى هذا فخذ الناس بالطاعة والبيعة واسرع الإجابة فانك إن تفعل فدمك حقنت ونفسك تداركت، وإلا اختطفتك بأضعف ريش ونلتك بأهون سعي، وأقسم قسما مبرورا أن لا أوتى بك إلا في زمارة(٢٢٢) تمشي حافيا من أرض فارس إلى الشام حتى أقيمك في السوق وأبيعك عبدا وأردك إلى حيث كنت فيه وخرجت منه والسلام).
وفي هذه الرسالة قد نسب زيادا إلى عبيد، واعترف برقيته، وإنه إذا تمكن منه يبيعه في أسواق دمشق ويرده إلى أصله، ولما وصلت هذه الرسالة إلى زياد ورم أنفه من الغضب وأمر بجمع الناس وخطب فيهم فقال بعد حمد الله والثناء عليه:
(ابن آكلة الأكباد، وقاتلة أسد الله، ومظهر الخلاف، ومسر النفاق، ورئيس الأحزاب، ومن أنفق ماله في إطفاء نور الله كتب إلى يرعد ويبرق عن سحابة جفل لا ماء فيها، وعما قليل تصيرها الرياح قزعا(٢٢٣) والذي يدلني على ضعفه تهدده قبل القدرة، أفمن اشفاق على تنذر وتعذر كلا؟ ولكن ذهب إلى غير مذهب وقعقع لمن ربي بين صواعق تهامة، كيف أرهبه وبينى وبينه ابن بنت رسول الله (ص) وابن ابن عمه في مائة الف من المهاجرين والأنصار، والله لو أذن لي فيه أو ندبني إليه لأرينه الكواكب نهارا ولأسعطنه ماء الخردل(٢٢٤) دونه الكلام اليوم، والجمع غدا والمشورة بعد ذلك إن شاء الله).
وقد أبرق زياد وأرعد وتهدد وأوعد وذلك لعدم علمه بما مني به جيش الإمام من التخاذل والانحلال معتقدا بأن الجيش على وضعه الأول محتفضا بنشاطه وقواه، وانه مائة الف من المهاجرين والأنصار ولم يعلم بما نكب به من الانحلال والفتن التي مزقته وقضت على نشاطه، وان أعلام المهاجرين والأنصار قد طحنتهم حرب صفين وأبادتهم واقعة النهروان وأصبح الجيش لا يضم من أولئك الرءوس والضروس إلا ما هو أقل من الصبابة، وأقسم بالله إن الإمام لو استدعى زيادا حينذاك لغدر به وما استجاب له، وآية ذلك أنه لما علم بوهن جيش الإمام انحاز إلى معاوية وغدر بالإمام، وكيف لا ينخدع وهو من ذوي الضمائر القلقة وقد أبان الزمان خبثه، وكشف عن عدم طيب إنائه، فقد عاد بعد الاستلحاق من ألد الأعداء إلى أمير المؤمنين وذريته وشيعته.
ومهما يكن من شيء فان زيادا عقيب خطابه أجاب معاوية عن رسالته وهذا نص جوابه:
(أما بعد، فقد وصل إلي كتابك يا معاوية، وفهمت ما فيه فوجدتك كالغريق يغطيه الموج فيتشبث بالطحلب ويتعلق بأرجل الضفادع طمعا فى الحياة إنما يكفر النعم ويستدعي النقم من حاد الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا فاما سبك لي فلولا حلم ينهاني عنك، وخوفي أن أدعى سفيها لأثرت لك مخازي لا يغسلها الماء، وأما تعييرك لي بسمية فان كنت ابن سمية فأنت ابن جماعة(٢٢٥) وأما زعمك انك تخطفنى بأضعف ريش وتتناولني بأهون سعي فهل رأيت بازيا يفزعه صغير القنابر؟ أم هل سمعت بذئب أكله خروف؟
فامض الآن لطيتك، واجتهد جاهدك فلست أنزل إلا بحيث تكره، ولا اجتهد إلا فيما يسوؤك، وستعلم أينا الخاضع لصاحبه، الطالع إليه والسلام)
ولما قرأ معاوية رسالة زياد طار قلبه رعبا وداخله فزع شديد فاستدعى داهية العرب (المغيرة بن شعبة) فقال له:
(يا مغيرة إني أريد مشاورتك في أمر أهمنى فانصحنى فيه وأشر علي برأي المجتهد، وكن لي أكن لك، فقد خصصتك بسري وآثرتك على ولدي).
فقال له المغيرة:
(فما ذاك؟ والله لتجدني في طاعتك أمضى من الماء في الحدور ومن ذى الرونق في كف البطل الشجاع).
ولما أظهر له المغيرة الانقياد والخضوع لطاعته عرض عليه مهمته قائلا:
(يا مغيرة إن زيادا قد أقام بفارس يكش لنا كشيش الأفاعي(٢٢٦) وهو رجل ثاقب الرأي ماضي العزيمة جوال الفكر مصيب إذا رمى، وقد خفت منه الآن ما كنت آمنه إذ كان صاحبه حيا، وأخشى ممالأته حسنا: فكيف السبيل إليه؟ وما الحيلة في إصلاح رأيه؟).
ولما عرف الداهية الماكر مهمة معاوية أشار عليه بأن يخدعه ويمنيه، ويكتب له بناعم القول وكان رأيه في ذلك مبنيا على دراسته لنفسية زياد ومعرفته باتجاهه وميوله قائلا له:
(ان زيادا رجل يحب الشرف والذكر وصعود المنابر، فلو لاطفته المسألة وألنت له الكتاب لكان لك أميل وبك أوثق، فاكتب إليه وأنا الرسول)
واستجاب معاوية لنصيحة المغيرة، فكتب إلى زياد رسالة تمثلت فيها المواربة والخداع وهذا نصها:
(من أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان إلى زياد بن أبي سفيان، أما بعد: فان المرء ربما طرحه الهوى في مطارح العطب، وانك للمرء المضروب به المثل قاطع الرحم، وواصل العدو، وحملك سوء ظنك بي وبغضك لي على أن عققت قرابتي، وقطعت رحمي وبتت نسبى وحرمتي حتى كأنك لست أخي، وليس صخر بن حرب أباك وأبي، وشتان ما بيني وبينك، أطلب بدم ابن أبي العاص وأنت تقاتلني، ولكن أدركك عرق الرخاوة من قبل النساء فكنت (كتاركة بيضها بالعراء، وملحفة بيض أخرى جناحها) وقد رأيت أن أعطف عليك ولا أؤاخذك بسوء سعيك، وان أصل رحمك، وأبتغي الثواب في أمرك، فاعلم أبا المغيرة أنك لو خضت البحر في طاعة القوم فتضرب بالسيف حتى ينقطع متنه لما ازددت منهم إلا بعدا، فان بني شمس أبغض إلى بني هاشم من الشفرة إلى الثور الصريع وقد أوثق للذبح، فارجع رحمك الله إلى أصلك، واتصل بقومك ولا تكن كالموصول يطير بريش غيره، فقد أصبحت ضال النسب، ولعمري ما فعل بك ذلك إلا اللجاج فدعه عنك، فقد أصبحت على بينة من أمرك ووضوح من حجتك، فان أحببت جانبي ووثقت بي فامرة بامرة وان كرهت جانبي ولم تثق بقولي ففعل جميل لا عليّ ولا لي والسلام).
وأخذ المغيرة الرسالة التي كتبت على وفق رأيه وهي لا تحمل جانبا من الواقعية، ولا بصيص فيها من نور الحق والصدق فغادر دمشق إلى فارس وأقبل إلى زياد فلما رآه رحب به وأدناه من مجلسه وأخذ الداهية الماكر يكلم زيادا بمختلف الطرق وشتى الأساليب حتى غزى قلبه وهيمن على مشاعره فأجابه إلى ما أراد.
وبعد ما وقع زياد في اشباك المغيرة غادر فارس إلى دمشق فلما انتهى إليها ومثل عند معاوية رحب به وادناه، وأمر أخته جويرية بنت أبي سفيان أن تستدعيه، فلما حضر عندها كشفت عن شعرها بين يديه، وقالت له: (أنت أخي أخبرني بذلك أبو مريم) ثم أخرجه إلى المسجد وجمع الناس ليعلن أمامهم أن زيادا أخوه، وقام أبو مريم السلولي الخمار أمام ذلك المجتمع الحاشد فادى شهادته بزنا أبى سفيان بسمية شهادة أخزت أبا سفيان ومعاوية والحقت العار بزياد وهذا نصها:
(أشهد أن أبا سفيان قدم علينا بالطائف وأنا خمار فى الجاهلية، فقال أبغى بغيا. فاتيته وقلت: لم أجد إلا جارية الحرث بن كلدة، سمية. فقال ائتني بها على ذفرها(٢٢٧) وقذرها) وثار زياد فقطع على أبى مريم شهادته قائلا له بصوت يقطر غضبا:
(مهلا يا أبا مريم، إنما بعثت شاهدا ولم تبعث شاتما).
فقال أبو مريم:
(لو كنتم أعفيتموني لكان أحب إليّ، وإنما شهدت بما عاينت ورأيت).
ثم استرسل فى بيان شهادته فقال:
(والله لقد أخذ بكم درعها، وأغلقت الباب عليهما، وقعدت دهشانا فلم ألبث أن خرج عليّ يمسح جبينه، فقلت، مه يا أبا سفيان. فقال: ما أصبت مثلها يا أبا مريم لو لا استرخاء من ثديها، وذفر من فيها).
هذه شهادة أبى مريم في فجور سمية وتندى لفضاعتها وخزيها وجه الإنسانية ولكن معاوية ما خجل منها وما أنف ولا استحى، وكيف يخجل ابن هند من هذه المساوئ والمخازي وهو الذي جر ذيله على الرذائل والخداع كما يقول(٢٢٨) حتى صارت الرذيلة عنصرا من عناصره ومقوما من مقوماته.
لقد ألحق معاوية زياد بن أبيه به ليستريح من خصومته، ويستعين به على تحقيق أهدافه وتدعيم سلطانه.
الاستياء الشامل:
وأثر استلحاق معاوية لزياد استياء شاملا في نفوس المسلمين، فقد رووا أن معاوية قد عمد إلى مخالفة النبي (ص) والى هجر سنته، وقد خافوه على دينهم، فاندفع جمع من الأحرار والمصلحين إلى إعلان سخطهم وإنكارهم عليه وعلى زياد ونشير إلى بعض المنكرين والناقدين له وهم:
١ ـ الإمام الحسن:
ورفع الإمام الحسن رسالة إلى زياد بين فيها فساد استلحاقه بمعاوية، وأعرب له ان الإسلام لا يقر ذلك بحال من الأحوال، وهذا نصها:
(من الحسن بن فاطمة إلى زياد بن سمية أما بعد: فان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال الولد للفراش، وللعاهر الحجر والسلام)(٢٢٩)
وقال (ع) له في حضور معاوية وعمرو بن العاص، ومروان بن الحكم: (وما أنت يا زياد وقريشا؟ لا أعرف لك فيها أديما صحيحا، ولا فرعا نابتا، ولا قديما ثابتا، ولا منبتا كريما، بل كانت أمك بغيا تداولها رجال قريش وفجار العرب فلما ولدت لم تعرف لك العرب والدا فادعاك هذا ـ يعنى معاوية ـ بعد ممات أبيه، مالك افتخار، تكفيك سمية ويكفينا رسول الله (ص))(٢٣٠).
٢ ـ الإمام الحسين:
ولما رأى سيد الشهداء الإمام الحسين معاوية قد حمل معول الهدم على جميع الأسس الإسلامية اندفع (ع) ثائرا في وجهه ورفع له رسالة سجل فيها موبقاته، وقد عرض فيها استلحاقه لزياد، وهذا نص ما كتبه في ذلك:
(أولست المدعي زياد بن سمية المولود على فراش عبيد ثقيف فزعمت أنه ابن أبيك، وقد قال رسول الله (ص) الولد للفراش وللعاهر الحجر، فتركت سنة رسول الله تعمدا واتبعت هواك بغير هدى من الله)(٢٣١).
٣ ـ يونس بن عبيد:
وكان يونس بن عبيد ممن حضر هذه المأساة، وشاهد فصولها، فانطلق إلى معارضة معاوية وإلى الإنكار عليه قائلا:
(يا معاوية قضى رسول الله (ص) ان الولد للفراش، وللعاهر الحجر وقضيت أنت أن الولد للعاهر مخالفة لكتاب الله تعالى، وانصرافا عن سنة رسول الله بشهادة أبي مريم على زنا أبي سفيان).
فانبرى إليه معاوية يتهدده ويتوعده بالقتل قائلا:
(والله يا يونس لتنتهي أو لأطيرن بك طيرة بطيئا وقوعها).
فقال له يونس: (هل إلا إلى الله، ثم أقع؟).
قال له معاوية: ـ نعم(٢٣٢).
٤ ـ عبد الرحمن بن الحكم:
وما رضى بهذا الاستلحاق حتى بنو أمية، فقد نقموا عليه ذلك فقد أقبل عبد الرحمن بن الحكم ومعه جماعة من بني أمية فقال عبد الرحمن لمعاوية:
(يا معاوية، لو لم تجد إلا الزنج لاستكثرت بهم علينا ـ يعني على بني العاص قلة ـ وذلة).
فالتفت معاوية إلى مروان قائلا:
(اخرج عنا هذا الخليع).
(أى والله إنه لخليع ما يطاق).
فقال معاوية: (والله لو لا حلمي وتجاوزي لعلمت أنه يطاق، ألم يبلغنى شعره في وفي زياد).
قال مروان وما ذا قال؟:
ـ إنه يقول:

ألا أبلغ معاوية بن حرب * * * لقد ضاقت بما يأتي اليدان
أتغضب أن يقال أبوك عف * * * وترضى أن يقال أبوك زاني
فاشهد أن رحمك من زياد * * * كرحم الفيل من ولد الأتان
وأشهد انها حملت زيادا * * * وصخرا من سمية غير دان

وتألم معاوية حينما قرأها فقال: والله لا أرضى عنه حتى يأتي زيادا فيترضاه ويعتذر إليه.
وخرج عبد الرحمن وقد غضب عليه معاوية، فجاء إلى الكوفة وقصد زيادا يعتذر منه فاستأذن عليه بالدخول فلم يأذن له، وتوسط في شأنه وجهاء قريش فسمح له بالدخول، فلما دخل عليه أعرض عنه، ثم التفت له قائلا:
(أنت القائل؟ ما قلت!!).
ـ ما الذي قلت؟.
ـ قلت ما لا يقال!!
ـ أصلح الله الأمير أنه لا ذنب لمن أعتب، وإنما الصفح عمن أذنب فاسمع مني ما أقول:
ـ هات ما عندك.

إليك أبا المغيرة تبت مما * * * جرى بالشام من خطل اللسان
وأغضبت الخليفة فيك حتى * * * دعاه فرط غيظ أن هجاني
وقلت لمن لحاني فى اعتذاري * * * إليك أذهب فشأنك غير شاني
عرفت الحق بعد ضلال رأيى * * * وبعد الغي من زيغ الجنان
زياد من أبي سفيان غصن * * * تهادى ناضرا بين الجنان
أراك أخا وعما وابن عم * * * فما أدري بعيب ما تراني
وإن زيادة في آل حرب * * * أحب إلي من وسطى بناني
ألا بلغ معاوية بن حرب * * * فقد ظفرت بما تأتي اليدان

فقال زياد:
(أراك أحمق صرفا شاعرا صنع اللسان، يسوغ لك ريقك ساخطا ومسخوطا ولكنا قد سمعنا شعرك وقبلنا عذرك، فهات حاجتك).
ـ تكتب إلى أمير المؤمنين بالرضا عني.
ـ نعم.
ثم دعا كاتبه فرسم له العفو والرضا، فأخذ الكتاب ومضى إلى معاوية فلما قرأ الأبيات قال:
(لحا الله زيادا ألم ينتبه لقوله: وإن زيادة في آل حرب؟).
ثم رضى عن عبد الرحمن ورده إلى حالته الأولى(٢٣٣).
٥ ـ أبو العريان:
وكان أبو العريان شيخا مكفوفا ذا لسان وعارضة شديدة فاجتاز عليه زياد فى موكبه فقال أبو العريان:
(ما هذه الجلبة؟).
(إنه موكب زياد بن أبي سفيان).
(والله ما ترك أبو سفيان إلا يزيد ومعاوية وعتبة وعنبسة وحنظلة ومحمدا فمن أين جاء زياد؟).
ونقل المتزلفون حديث أبي العريان إلى زياد فأشار عليه بعض خواصه أن يوصله بالمال حتى يكف لسانه عنه، فاستصوب الرأي وأمر له بمائتي دينار فجاء بها الرسول إليه، فقال له:
(يا أبا العريان ابن عمك زياد الأمير قد أرسل إليك مائتي دينار لتنفقها) فلما سمع أبو العريان بذلك طار فرحا فقال:
(وصلته رحم أى والله ابن عمي حقا).
واجتاز موكب زياد عليه في اليوم الثاني، فسلم عليه زياد، فبكى أبو العريان، فقيل له:
(ما يبكيك؟).
(عرفت صوت أبي سفيان في صوت زياد).
هكذا تفعل المادة بالضمائر القذرة التي لم تنطبع فيها العقيدة، وكان أبو العريان عاريا من الإيمان فتغير بهذه الصلة الضئيلة، ولما سمع حديثه معاوية كتب إليه:

ما ألبثتك الدنانير التي بعثت * * * أن لونتك أبا العريان الوانا
أمسى إليك زياد فى أرومته * * * نكرا فأصبح ما أنكرت عرفانا
لله در زياد لو تعجلها * * * كانت له دون ما يخشاه قربانا
فلما قرأت على أبي العريان هذه الأبيات أجابه:
احدث لنا صلة تحيا النفوس بها * * * قد كدت يا ابن أبي سفيان تنسانا
أما زياد فقد صحت مناسبه * * * عندي فلا أبتغي في الحق بهتانا
من يسد خيرا يصبه حين يفعله * * * أو يسد شرا يصبه حيثما كانا(٢٣٤)

٦ ـ أبو بكرة:
ومن جملة الناقمين على معاوية والناقدين لزياد على هذا الاستلحاق الفظيع أبو بكرة(٢٣٥) أخو زياد، فقد أنكر على أخيه أشد الإنكار، فقاطعه ولم يتصل به، ولما عزم زياد على السفر إلى بيت الله الحرام أقبل إليه أبو بكرة فلما بصر به بعض الحرس أقبل مسرعا إلى زياد، فقال له:
(أيها الأمير هذا أخوك أبو بكرة قد دخل القصر).
ـ ويحك أنت رأيته؟.
ـ ها هو ذا قد طلع!!.
أقبل أبو بكرة فوقف على رأس زياد وكان قد احتضن غلاما له فوجه أبو بكرة خطابا إلى الغلام ولم يوجهه إلى زياد ترفعا واستحقارا له:
(يا غلام، إن أباك ركب في الإسلام عظيما، زنى أمه وانتفى من أبيه، ولا والله ما علمت سمية رأت أبا سفيان قط، ثم أبوك يريد أن يركب ما هو أعظم من ذلك يوافى الموسم غدا، ويوافي أم حبيبة بنت أبي سفيان وهي من أمهات المؤمنين، فان جاء ان يستأذن عليها فأذنت له فاعظم بها فرية على رسول الله (ص) ومصيبة وان هي منعته فاعظم بها على أبيك فضيحة).
ثم تركه وانصرف، فقال زياد:
(جزاك الله يا أخي عن النصيحة خيرا ساخطا كنت أو راضيا)(٢٣٦)
٧ ـ يزيد بن المفرغ:
وهجا هذا الشاعر العبقرى زيادا ببيتين من الشعر كانتا وصما عليه وعارا مدى الأجيال والأحقاب وهما:

فكر ففي ذاك إن فكرت معتبر * * * هل نلت مكرمة إلا بتأمير
عاشت سمية ما عاشت وما علمت * * * أن ابنها من قريش في الجماهير

وارتاع زياد وحزن من هذا الهجاء، فقال:
(ما هجيت قط أشد علي من هذين البيتين)(٢٣٧).
ولم يقتصر هذا الشاعر الفذ على ذلك فقد نظم أقسى الشعر والذعه نقدا وهجاء لزياد ومعاوية على ارتكابهما هذه الجريمة التي انتهكت بها حرمة الإسلام وإليك بعض ما جادت به قريحته وخياله الخصب:

شهدت بأن أمك لم تباشر * * * أبا سفيان واضعة القناع
ولكن كان أمر فيه لبس * * * على حذر شديد وارتياع
إذا أودى معاوية بن حرب * * * فبشر شعب قعبك بانصداع

وقال أيضا:

إن زيادا ونافعا وأبا * * * بكرة عندي من أعجب العجب
هم رجال ثلاثة خلقوا * * * في رحم أنثى وكلهم لأب
ذا قرشي كما تقول وذا * * * مولى وهذا ابن عمه عربي(٢٣٨)

وذكر المسعودى في (مروج الذهب) ان هذه الأبيات إلى خالد النجاري وانه قال في هجاء زياد لما استلحق به عبادا:

أعباد ما اللؤم عنك محول * * * ولا لك أم من قريش ولا أب
وقل لعبيد الله مالك والد * * * بحق ولا يدري امرؤ كيف تنسب

لقد كان استلحاق زياد لعباد على غرار استلحاق معاوية له مخالفا لسنة رسول الله وقد قال (ص): (من ادعى أبا في الإسلام غير أبيه فالجنة عليه حرام) وما جرأ زيادا على ارتكاب هذه الموبقة إلا معاوية فهو الذي فتح باب الفساد، وخالف أحكام الإسلام وتعاليمه وفروضه من دون خيفة ولا حذر.
٨ ـ الحسن البصري:
ومن جملة الناقمين على معاوية والناكرين عليه الحسن البصري(٢٣٩) فقد جعل هذا الاستلحاق إحدى موبقاته وسيئاته ومردياته فقال: (اربع خصال كن في معاوية لو لم يكن فيه منهن إلا واحدة لكانت موبقة انتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها (يعني الخلافة) بغير مشورة منهم وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلافه ابنه بعده سكيرا خميرا يلبس الحرير والديباج، ويضرب بالطنابير، وادعاؤه زيادا، وقد قال رسول الله (ص): (الولد للفراش وللعاهر الحجر) ويلا له من حجر وأصحاب حجر مرتين)(٢٤٠)
وهذه الجرائم الأربعة التي هي بعض موبقات معاوية تعد من أفظع فظع الكبائر التي اقترفها، وسيحاسب عليها حسابا عسيرا عند الله، وذلك لما أحدثته من المضاعفات السيئة التي مني بها المسلمون.
٩ ـ السكتواري:
وقال العلامة السكتواري: (أول قضية ردت من قضايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علانية دعوة معاوية زيادا، وكان أبو سفيان تبرأ منه وادعى أنه ليس من أولاده، وقضى بقطع نسبه، فلما تأمر معاوية قربه واستأمره، ففعل ما فعل زيادا بن أبيه ـ يعني ابن زنية ـ من الطغيان والإساءة في حق أهل بيت النبوة)(٢٤١).
وهؤلاء بعض الناقمين على معاوية والمنكرين عليه في استلحاقه زيادا، وهم ـ من دون شك ـ كانوا مدفوعين بدافع العقيدة والغيرة على الإسلام فقد رأوا أن معاوية قد عمد بذلك إلى احياء سنن الجاهلية وبدعها، واماتة ما فرضه الإسلام، استجابة لعواطفه ورغبته الملحة في السيطرة على المسلمين وإخضاع القوى المعارضة له بشتى الوسائل والأساليب.
وعلى أي حال فان زيادا قد استخدم جميع الوسائل لإثبات نسبه وإلحاقه بالعنصر الأموي فقد كتب إلى عائشة رسالة افتتحها بقوله: (من زياد بن أبي سفيان) وقد ظن أنها ستقر نسبه فيتخذ من ذلك دليلا يستدل به على صحة نسبه، ولم يخف ذلك على عائشة فقد أجابته (من عائشة أم المؤمنين إلى ولدها زياد)(٢٤٢) وقد خاب بذلك سعيه، وباء بالفشل والخزي، ولما ولي الكوفة قال لأهلها:
ـ قد جئتكم في أمر ما طلبته إلا لكم.
ـ أدعنا إلى ما شئت.
ـ تلحقون نسبي إلى معاوية.
فاعلن الأحرار والمؤمنون عدم إجابتهم له قائلين:
(أما بشهادة الزور فلا!!)(٢٤٣).
لقد أبت العرب من أن تلحق هذا الدعي بها، ولكن السلطة الأموية سجلته في ديوان قريش، وظل على هذا الحال هو وأبناؤه ولما انقرضت الدولة الأموية وجاءت دولة بني العباس الغى الخليفة المهدي هذا الاستلحاق وأمر باخراج آل زياد من ديوان قريش ومن العرب وذلك في سنة ١٥٩ هج وبذلك فقد عادت ذرية زياد إلى جدها الأول عبيد الرومي.
١٥ ـ عماله وولاته:
وعانت الشعوب الإسلامية في أيام معاوية ألوانا مريعة من المحن والخطوب لأن الحكم القائم فيها مبني على العنف والجبروت، وعلى البطش والإرهاق، واستنزاف الثروات، وعلى التنكر لجميع القيم الإنسانية، حتى ضج المجتمع من الظلم والجور والاستبداد، فلم تبق حاضرة من الحضّر الإسلامية إلا عمها الخوف، وساد فيها الإرهاب والاضطراب.
ومن مظاهر ذلك الظلم الاجتماعي أن معاوية سلط على المسلمين حثالة من شذاذ الجلادين والسفاكين، فاسرفوا في سفك الدماء، وعمدوا إلى نهب امكانيات البلاد، وحكموا البلاد حكما كيفيا يستند إلى الأهواء والشهوات فلا عهد له بالدعة والعدل، وقد وصف الخوارج قسوة ذلك الحكم ومدى شذوذه وجوره، فقالوا: (إن بني أميّة فرقة بطشهم بطش الجبارين، يأخذون بالظنة ويقضون بالهوى، ويقتلون على الغضب)(٢٤٤).
وهو وصف دقيق للسياسة الأموية الجائرة التي انتهجت منهج الشدة في جميع مجالاتها، فلم تؤمن بحقوق الإنسان، ولا بكرامته، واستحقاقه الحياة، فكانت تسوق المواطنين إلى المجازر والسجون، وتقضي بالهوى والشهوات، فلا تستند فى حكمها إلى كتاب الله وسنة نبيه، وتقتل على الغيظ والغضب في سبيل مصالحها وأهدافها الضيقة.
وقد عبر عمرو بن العاص وزير معاوية، وو الى مصر عما يكنه في نفسه الشريرة من الاستهتار والاستهانة بحقوق المسلمين، فقال: (إنما السواد بستان لقريش) إن السواد الذي هو ملك للمسلمين، وسائر الشؤون الاقتصادية الأخرى فى رأيه ملك لقريش، وأي حق لها في ذلك وهي التي ناجزت النبي (ص) وأعلنت الحرب على أهدافه ومبادئه، ووقفت صامدة تدافع عن جاهليتها وأوثانها، فأي حق لها بأموال المسلمين، وأي حق لها في السيطرة على شئونهم.
وعلى أي حال فان كسرى العرب ـ كما يقولون ـ قد مكن المجرمين والسفاكين من رقاب المسلمين، فاسند لهم الحكم المطلق، يتصرفون فى العباد والبلاد كيفما شاءوا، قد أقر جورهم، وأمضى ظلمهم، وحمى جانبهم فقاموا بدورهم على استعباد المسلمين وإذلالهم وإرهاقهم، ونذكر عرضا موجزا من تراجم هؤلاء السفاكين مع بيان بعض ما صدر منهم من الأعمال البربرية، وإلى القراء ذلك:
١ ـ سمرة بن جندب:
ومن سماسرة معاوية وأعوانه على نشر الظلم والجور سمرة بن جندب الشقي الأثيم، فقد سودت جرائمه وجه التأريخ وصحائف السير، وقبل التحدث عن سيرته فى زمن ولايته من قبل السلطة الأموية نذكر ـ بايجاز ـ سيرته أيام النبيّ (ص)، لقد كان هذا الوغد في زمان النبيّ معروفا بالنفاق والتمرد، فقد ذكر الرواة انه زاحم أحد الأنصار في نخل ـ وما أهونها ـ كانت له في بستان ذلك الأنصاري فشكا أمره إلى رسول الله (ص) فاستدعى سمرة فلما مثل بين يديه قال (ص) له:
(بع نخلك من هذا وخذ ثمنه).
ـ لا أفعل.
ـ خذ نخلا مكان نخلك.
ـ لا أفعل.
ـ فاشتر منه بستانه.
ـ لا أفعل.
ـ فاترك لي هذا ولك الجنة.
ـ لا أفعل.
ولما رأى رسول الله (ص) عناد سمرة وشره وخبثه وضراوته وإضراره للأنصاري التفت (ص) ـ والاستياء بادي عليه ـ إلى الأنصاري قائلا:
(اذهب فاقطع نخله فانه لا حق له فيه)(٢٤٥).
وتدل هذه القصة على تمادي سمرة فى الأثم والشقاء، وانعدام الانسانية والمثل الكريمة من نفسه فقد ترجاه سيد النبيين وأشرف المخلوقين في حسم النزاع والخصومة، وضمن له عوض تلك النخيلات الزهيدة بقعة في الفردوس مقر الأنبياء والصالحين يتنعم فيها فلم يجبه وأصر على تمرده وعصيانه فحرم نفسه السعادة ورضى لها بالشقاء، ومن موبقات سمرة ومردياته انه كان يبيع الخمر بعد ما حرمها الإسلام فبلغ عمر بن الخطاب ذلك فقال:
(قاتل الله سمرة ان رسول الله قال لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها)(٢٤٦) هذا وضع سمرة في غلظته وجفائه وتمرده ولما آل الأمر إلى معاوية استعمله زياد على البصرة نائبا عنه فاسرف في قتل الأبرياء وإزهاق الأنفس بغير حق فقد حدث محمد بن سليم قال سألت أنس بن سيرين(٢٤٧):
(هل كان سمرة قتل أحدا؟).
فاندفع أنس بحرارة والتأثر بادى عليه قائلا:
(وهل يحصى من قتل سمرة بن جندب؟ استخلفه زياد على البصرة وأتى الكوفة فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس، فقال له (يعني زيادا) (هل تخاف أن تكون قد قتلت أحدا بريئا!!).
فانبرى الأثيم معلنا عدم اهتمامه باراقة دماء المسلمين قائلا:
(لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت)(٢٤٨).
وقال أبو سوار العدوي(٢٤٩): قتل سمرة من قومى في غداة سبعة وأربعين رجلا قد جمع القرآن(٢٥٠). وحدّث عوف عن اجرام سمرة قال: أقبل سمرة من المدينة فلما كان عند دور بنى أسد خرج رجل من بعض أزقتهم ففاجأ أول القوم فحمل عليه رجل فاوجره الحربة (عبثا وعتوا) قال ثم مضت الخيل فأتى عليه سمرة وهو متشحط بدمه فقال:
(ما هذا؟).
(أصابته أوائل خيل الأمير!!).
فقال (عتوا واستكبارا): (إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا أسنتنا(٢٥١) وكان هذا الطاغي الظامئ إلى إراقة الدماء يقتل على الظنة والتهمة فقيل له:
(يا سمرة: ما تقول لربك غدا؟ تؤتى بالرجل فيقال لك هو من الخوارج فتأمر بقتله، ثم تؤتى بآخر فيقال لك ليس الذي قتلته بخارجي إنما وجدناه ماضيا في حاجته فشبه علينا وإنما الخارجي هذا فتأمر بقتل الثاني!!)
فأجاب سمرة عما انطوت عليه نفسه من الوحشية والإجرام وما طبع عليه من الزيغ والضلال قائلا:
(وأي بأس في ذلك؟!! إن كان من أهل الجنة مضى إلى الجنة وإن كان من أهل النار مضى إلى النار)(٢٥٢).
وحدث الحسن البصري قال جاء رجل من أهل خراسان إلى البصرة فزكى مالا كان معه في بيت المال، وأخذ براءة ثم دخل المسجد فصلى ركعتين، فأخذه سمرة واتهمه برأي الخوارج فقدمه فضرب عنقه فنظروا فيما معه فاذا البراءة ـ أي البراءة من فكرة الخوارج ـ بخط بيت المال فاندفع أبو بكرة نحو سمرة وهو منكر عليه قائلا:
(يا سمرة أما سمعت الله تعالى يقول: (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى؟).
فقال سمرة: (أخوك (يعني زيادا) أمرني بذلك)(٢٥٣).
وبقى سمرة ملازما لزياد فلما هلك صار بخدمة الأثيم الوغد ابنه (عبيد الله) فكان مديرا لشرطته واشترك معه في أفظع جريمة سجلها التأريخ وهي: قتل سيد شباب أهل الجنة وريحانة الرسول (ص) الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام فكان يحرض الناس على حربه والخروج إلى قتله(٢٥٤) ومن اجرامه وموبقاته انه جيء إليه بجمهور من المسلمين فكان يقول للرجل ما دينك؟ فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، واني بريء من الحرورية، فيأمر به فتضرب عنقه حتى أعدم في جلسة واحدة ما يزيد على عشرين مسلما(٢٥٥) وما فعل سمرة هذه الموبقات إلا إرضاء لمعاوية وقد قال بعد ما عزله عن ولاية البصرة: (لعن الله معاوية، والله لو أطعت الله كما أطعت معاوية ما عذبني أبدا)(٢٥٦).
ومهما يكن من شيء فان هذه الفظائع التي صدرت من سمرة تدل نفس تجردت منها الإنسانية والرحمة وتمادت فى العقوق والإجرام والشر.
٢ ـ بسر بن ارطاة:
ومن ولاة معاوية وأعوانه على تحقيق الظلم والجور والعسف والإرهاب بسر بن ارطاة الوغد الأثيم الذي فعل الأفاعيل المنكرة فقتل الشيوخ الركع وذبح الأطفال الرضع لتدعيم ملك معاوية وسلطانه، فانه لما وجهه معاوية مع جيشه إلى اليمن فعل الأفاعيل المنكرة التي لم يشاهد التأريخ نظيرا لها في فظاعتها وقسوتها، وقبل أن يتوجه هذا الأثيم إلى مهمته استدعاه معاوية فزوده بوصيته النارية التي احتوت على ترويع المسلمين وقتلهم وهذا نصها:
(سر حتى تمر بالمدينة فاطرد الناس وأخف من مررت به وانهب أموال كل من أصبت له مالا ممن لم يكن دخل فى طاعتنا فاذا دخلت المدينة فارهم أنك تريد أنفسهم واخبرهم أنه لا براءة لهم عندك ولا عذر حتى إذا ظنوا أنك موقع بهم فاكفف عنهم ثم سر حتى تدخل مكة ولا تعرض فيها لأحد وارهب الناس عنك فيما بين المدينة ومكة واجعلها شرودات حتى تأتي صنعاء والجند فان لنا بها شيعة وقد جاءني كتابهم)(٢٥٧).
وقد امتثل هذا المجرم وصية ابن هند فروع المسلمين وأدخل الفزع والخوف فيهم وأشاع القتل والفساد في الأرض، فقد سبى نساء همدان وأقمن في الأسواق فأيتهن كانت أعظم ساقا اشتريت فكن أول مسلمات سبين في الإسلام(٢٥٨) واجتاز على قوم واقفين على بئر لهم فالقاهم مع غلمانهم في تلك البئر(٢٥٩) ثم ولى عنهم وزحف إلى يثرب فدخلها بغير حرب وصعد المنبر فاعرب عن طغيانه وكفره قائلا: (والله لو لا ما عهد إلي معاوية ما تركت بها (يعنى المدينة) محتلما) واستقام فيها شهرا فهدم دور أهلها وجعل يستعرض الناس فلا يقال له عن أحد أنه شرك في دم عثمان إلا قتله ثم زحف بجيشه إلى اليمن فقتل جمهورا غفيرا. شيعة أمير المؤمنين عليه السلام وطلب طفلين لعبيد الله بن العباس فلما ظفر بهما أمر بقتلهما فقام إليه رجل من كنانة فقال له:
(على م تقتل هذين؟ ولا ذنب لهما، فان كنت قاتلهما فاقتلني)
فأمر بقتل الكناني ثم قتل الطفلين، فانبرت إليه امرأة من كنانة وقد طاش لبها من هذا العمل الفظيع فقالت بنبرات تقطر ألما وحزنا:
(يا هذا قتلت الرجال، فعلى م تقتل هذين والله ما كانوا يقتلون في الجاهلية والإسلام، والله يا ابن أبي أرطاة إن سلطانا لا يقوم إلا بقتل الصبي الصغير والشيخ الكبير ونزع الرحمة وعقوق الأرحام لسلطان سوء)(٢٦٠).
نعم والله إن سلطة معاوية لسلطة سوء فقد قامت على الظلم والجور وأسست على إراقة الدماء وإدخال الرعب والفزع في نفوس الأبرياء.
وذكر الرواة أن هذا الأثيم قتل ثلاثين ألفا من المسلمين عدا من أحرقهم بالنار(٢٦١).
٣ ـ أبو هريرة:
كان شيخ المضيرة أبو هريرة الدوسي ذليل الجانب محطم الكيان نشأ في صباه، وهو عاشق للهرة، مولع بحبها حتى لقب بها(٢٦٢) قضى شطرا من حياته وهو بائس فقير معدم يعيش على التسول فان لم يجده كان خادما فى البيوت يستأجر نفسه لشبع بطنه(٢٦٣) راضيا بهذه الضعة والهوان، ولما انبثق نور الإسلام دخل فيمن دخل في الإسلام فكان على وضعه الأول من الفقر والبؤس وقد أدرج نفسه بفقراء الصفة(٢٦٤) يعيش بفضلات البيوت وصدقات المسلمين، وقد وصف فقره وسوء حاله فقال: (كنت امرأ مسكينا من مساكين الصفة)(٢٦٥) وكان يتصل برسول الله (ص) ليشبع بطنه ويسد خلته(٢٦٦) وهكذا بقى على هذا الحال المرير حفنة من السنين وهو جائع عريان لا مأوى له ولا مال فلما انتهى أمر الخلافة إلى عمر تفضل عليه فأنقذه من هوة الفقر وحضيض البؤس فاستعمله واليا على البحرين سنة احدى وعشرين من الهجرة فلما كانت سنة ثلاث وعشرين عزله لأنه ظهرت منه الخيانة، ولم يكتف بعزله حتى استنقذ منه ما اختلسه من أموال المسلمين فقال له:
(علمت أني استعملتك على البحرين وأنت بلا نعلين ثم بلغنى أنك ابتعت أفراسا بألف دينار وستمائة دينار).
فقال أبو هريرة وقد استولى عليه الخوف:
(يا أمير المؤمنين، كانت لنا أفراس تناتجت وعطايا تلاحقت).
فقال له عمر وهو ثائر غضبان: (حسبت لك رزقك ومئونتك وهذا فضل فأده).
ـ ليس لك ذلك.
ـ بلى والله وأوجع ظهرك.
ثم قام عليه بالدرة فضربه حتى أدماه، ولما أخذ الألم منه مأخذا عظيما وافق على إرجاعها وقال:
(ائت بها وأحتسبها عند الله).
فانبرى إليه عمر مبطلا زعمه في هذا الاحتساب قائلا:
(ذلك لو أخذتها من حلال وأديتها طائعا، أجئت من أقصى حجر البحرين يجبي الناس لك لا لله ولا للمسلمين؟ ما رجعت بك أميمة(٢٦٧) إلا لرعية الغنم).
ثم أخذ الأموال التي اختلسها(٢٦٨) ورجع أبو هريرة إلى حاله الأول قابعا في زوايا الخمول قد وصم بالخيانة والاختلاس ولما انتهى الأمر إلى عثمان انضم إليه وصار من أعوانه وأخذ يفتعل الأحاديث في فضله، فقال قال رسول الله (ص):
(إن لكل نبي خليلا من أمته وإن خليلي عثمان)(٢٦٩).
(لكل نبى رفيق في الجنة ورفيقي فيها عثمان)(٢٧٠).
إلى غير ذلك من الأحاديث التي زورها على رسول الله (ص) فى فضل عثمان والأمويين، ولما انتفضت الأمة على عثمان وقتلته لسوء تصرفاته وعدم تدبيره، وصارت الخلافة إلى أمير المؤمنين (ع) رجع أبو هريرة إلى الذبول بعد النضارة، فهاجر من يثرب إلى دمشق فعقد صلته بمعاوية وأخذ يتزلف إليه ويعمل في إرضائه بكل طريق وجعل يروي لأهل الشام عن رسول الله قائلا لهم إن رسول الله (ص) قال:
(إن الله ائتمن على وحيه ثلاثا أنا وجبرئيل ومعاوية!!).
وقال لهم: (إن النبي (ص) ناول معاوية سهما، فقال له: خذ هذا السهم حتى تلقاني في الجنة)(٢٧١).
وهكذا أخذ أبو هريرة يفتعل الحديث تلو الحديث في فضل معاوية والأمويين والصحابة يتقرب بذلك إلى معاوية لينال من دنياه وقد أغدق عليه بالأموال الطائلة ورفع من شأنه فكساه الخز والبسه الكتان المشيق(٢٧٢) ولما كان عام الجماعة قدم مع معاوية إلى العراق فلما رأى كثرة المستقبلين له جثا على ركبتيه، ثم ضرب صلعته مرارا وقال:
(يا أهل العراق، أتزعمون أني أكذب على الله ورسوله، وأحرق نفسي بالنار؟!! والله لقد سمعت رسول الله (ص) يقول: إن لكل نبي حرما، وان المدينة حرمى فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وأشهد أن عليا أحدث فيها..).
فلما بلغ معاوية ذلك أجازه وأكرمه، وولاه إمارة المدينة(٢٧٣) لقد استحق أبو هريرة هذا المنصب العظيم لأنه افتعل الحديث ضد أمير المؤمنين تقربا لمعاوية، وسعيا وراء منافعه وأطماعه.
لقد فتك شيخ المضيرة بالإسلام فتكا ذريعا بسبب رواياته المفتعلة التي شوهت الشريعة الإسلامية، والصقت بها الخرافات والأوهام، وأضافت الى الدين ما ليس منه، وشتّت شمل المسلمين، وتركتهم أشياعا وأحزابا مختلفين في أصول الدين وفي فروعه وفي كل شيء، وقد بحث سماحة الإمام المغفور له شرف الدين عن موضوعات أبي هريرة في كتابه الخالد (أبو هريرة) وكذلك تناوله بالنقد سماحة العلامة الكبير الشيخ محمود أبو رية في كتابه (شيخ المضيرة) وأثبت أنه في طليعة الوضاعين والمحرفين للسنة الاسلامية المقدسة، والمسلمون في أمس الحاجة إلى أمثال هذه البحوث الحرة التي تكشف الغطاء عن هؤلاء الدجالين الذين لم يألوا جاهدا فى الكيد للإسلام، والبغي للمسلمين بما وضعوه من الروايات التي لا واقعية ولا نصيب لها من الصحة.
٤ ـ زياد بن أبيه:
ومن أخطر ولاة معاوية وأكثرهم جورا وظلما زياد بن أبيه، فقد ذكر الرواة أنه أول من شدد السلطة، وأكد الملك لمعاوية فجرد سيفه، وأخذ بالظنة، وعاقب على الشبهة(٢٧٤) وهو أول من مشى بين يديه بالأعمدة الحديدية، وأول من جلس الناس بين يديه على الكراسي، وأول من اتخذ العسس والحرس(٢٧٥) وقد زاد معاوية في ربقة سلطانه فولاه البصرة والكوفة وسجستان وفارس والسند والهند(٢٧٦).
وقد ارتطمت هذه الأقطار الاسلامية الخاضعة لنفوذه بالبلاء والمحن والشقاء وعم فيها الهرج والمرج وانتزعت منها جميع الحريات واضطربت أفكار أهلها بالخوف والفزع من تلك السلطة الجائرة التي لم تعرف الرحمة والرأفة، فقد أخذت بالظنة والتهمة وقطعت الأيدي والأرجل، وسملت الأعين، حتى خيم الموت على جميع الأحرار والنبلاء وبلغت الشدة والصرامة في الحكم إلى حد لا سبيل إلى تصويره، وقد عبر زياد عن سياسته العمياء وخطته الارهابية في خطبته البتراء(٢٧٧) فقد جاء فيها:
(وإني اقسم بالله لآخذن الولى بالولى، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والصحيح منكم بالسقيم حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: أنج سعد فقد هلك سعيد).
ومنها:
(وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة فمن غرق قوما غرقناه، ومن حرق على قوم حرقناه، ومن نقب بيتا نقبت عن قلبه، ومن نبش قبرا دفنته حيا. ثم قال: وأيم الله إن لي فيكم لصرعى كثيرة فليحذر كل امرئ منكم أن يكون من صرعاي)(٢٧٨).
ومعنى هذا الخطاب أن ما بينه الله ورسوله للمسلمين من الحدود لم يكن في رأي زياد كافيا لحمل أهل البصرة والكوفة على الجادة والرجوع بهم إلى الصراط المستقيم، فالاسلام لا يغرق من أغرق، ولا يحرق من أحرق ولا ينقب عن قلب السارق وإن نقب عن البيوت والاسلام لا يدفن الناس في القبور أحياء وإن نبشوا عن الموتى في قبورهم والاسلام لا يقيم الحدود بالشبهة وإنما يدرؤها بها فهذا من التشريع في الدين وهو أقل ما قام به زياد من الموبقات، إن هذه السياسة المنكرة التي أعلنها زياد لم يعرفها المسلمون ولم يألفوها، وقد دلت على أن صاحبها طاغية يريد أن يحكم الناس بالبغي ويملأ قلوبهم رعبا ورهبا ويغتصب منهم الطاعة والخضوع للسلطان اغتصابا
لقد قضت سياسة زياد الملتوية بأخذ الصحيح بذنب السقيم والمقبل بذنب المدبر وهو حكم كيفي يبرأ من العدل والرحمة، وحينما القى خطابه القاسي قام إليه أبو بلال مرداس بن أدية وهو يهمس ويقول:
(أنبأنا الله بغير ما قلت قال الله عز وجل (وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى)(٢٧٩) (أَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)(٢٨٠) (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى)(٢٨١) فأوعدنا الله خيرا مما وعدت يا زياد.
فانبرى إليه زياد قائلا بنبرات تقطر غضبا وانتقاما:
(إنا لا نجد إلى ما تريد أنت وأصحابك سبيلا حتى تخوض إليها الدماء)(٢٨٢)
وسار زياد على هذه الخطة الارهابية الجائرة التي تحمل شارات الموت والاعدام لجميع الأحرار والمفكرين حتى ضرب الرقم القياسي للسلطة الجائرة وقد بلغ به الاجرام أنه كان يقتل بعض النفوس وهو يعلم ببراءتها وعدم تدخلها واشتراكها فى أي أمر من الأمور السياسية، فقد قبضت شرطته على أعرابي فجيء به مخفورا إليه فقال له زياد:
ـ هل سمعت النداء؟.
ـ لا والله، قدمت بحلوبة لي، وغشيني الليل فاضطررتها إلى موضع فأقمت لأصبح، ولا علم لي بما كان من الأمير.
ـ أظنك والله صادقا ولكن في قتلك صلاح هذه الأمة.
ثم أمر به فضربت عنقه صبرا(٢٨٣) من دون أن يقترف أي ذنب، وهكذا كان زياد يلغ فى دماء المسلمين، لا حرمة لها عنده، ولا حريجة له في سفكها، وقد بالغ هذا الوغد الأثيم فى سفك دماء شيعة آل محمد (ص) فقتلهم تحت كل كوكب، وتحت كل حجر ومدر، وقطع الأرجل والأيدي منهم، وصلبهم على جذوع النخل، وسمل أعينهم، وطردهم وشردهم(٢٨٤) ففي ذمة الله تلك الدماء الزكية التي سفكت، والنفوس الكريمة التي روعت، والنساء التي رملت، والأطفال التي يتمت.
هؤلاء بعض ولاة معاوية وجلاديه الذين سلطهم على الأمة الاسلامية فذبحوا أبناءها، واستحيوا نساءها، ونهبوا ثرواتها، وعمدوا إلى اشاعة المنكرات والفساد فيها.
الجور الشامل:
وعمد ولاة ابن هند إلى نشر الجور والظلم في جميع أنحاء البلاد فكانت دوائرهم مصدرا للقلق والاضطراب وبابا من أبواب البلاء على الناس فما راجعها أحد إلا اكتوى بنارها، يقول عبد الملك في وصفها: (أنعم الناس عيشا من له ما يكفيه، وزوجة ترضيه، ولا يعرف أبوابنا الخبيثة فتؤذيه)(٢٨٥).
لقد بالغ الولاة فى ظلم المواطنين واضطهادهم فأخذوا ينهبون الاموال بغير حق، ويشددون في أمر الخراج، ويرغمون الناس على أدائها يقول (فان فلوتن) (وبدل أن يتخذ الخلفاء ـ أي ملوك الأمويين ـ التدابير لمحاسبة الولاة، ومنعهم من الظلم نجدهم يقاسمونهم فى فوائدهم من الأموال التي جمعوها بتلك الطرق المفضوحة، وهذا معناه رضى الخلفاء بسوء تصرف العمال مع أهل البلاد بالاضافة إلى أنه دليل على أن بعضهم كان يهمه مصالح الخزينة المركزية بالدرجة الأولى)(٢٨٦).
ان معاوية وسائر ملوك بنى أمية لم يحاسبوا واليا من ولاتهم، ولم يمنعوهم من الظلم والاعتداء على الناس، يقول عاقبة بن هبيرة الأسدي لمعاوية منددا بطمع ولاته واستصفائهم أموال الرعية:

معاوي إننا بشر فاسجح * * * فلسنا بالجبال ولا الحديد(٢٨٧)
أكلتم أرضنا فجردتموها * * * فهل من قائم أو من حصيد
فهبنا أمة ذهبت ضياعا * * * (يزيد) أميرها وأبو يزيد
أتطمع في الخلافة إذ هلكنا * * * وليس لنا ولا لك من خلود
ذروا خيل الخلافة واستقيموا * * * وتأمير الأراذل والعبيد
وأعطونا السوية لا تزركم * * * جنود مردفات بالجنود(٢٨٨)

ويقول الشاعر الراعي النميري لعبد الملك بن مروان: مبينا له جور عماله واضطهادهم لقومه حتى افتقروا، وهربوا في البيداء وليس معهم سوى إبل مهزولة يقول الراعي:

أخليفة الرحمن إنا معشر * * * حنفاء نسجد بكرة وأصيلا
إن السعاة عصوك يوم أمرتهم * * * وأتوا دواهي لو علمت وغولا
أخذوا العرين فقطعوا حيزومه * * * بالأصبحية قائما مغلولا(٢٨٩)
حتى إذا لم يتركوا لعضامه * * * لحما ولا لفؤاده معقولا(٢٩٠)
جاءوا بصكهم واحدر أسأرت * * * منه السياط يراعه اجفيلا(٢٩١)
أخذوا حمولته فأصبح قاعدا * * * لا يستطيع عن الديار حويلا
يدعو أمير المؤمنين ودونه * * * خرق تجر به الرياح ذيولا(٢٩٢)
كهداهد كسر الرماة جناحه * * * يدعو بقارعة الطريق هديلا
أخليفة الرحمن إن عشيرتي * * * أمسى سوامهم عزين فلولا(٢٩٣)
قوم على الإسلام لما يتركوا * * * ما عونهم ويضيعوا التهليلا(٢٩٤)
قطعوا اليمامة يطردون كأنهم * * * قوم أصابوا ظالمين قتيلا
شهرى ربيع ما تذوق لبونهم * * * إلا حموضا وخمة وذبيلا(٢٩٥)
وأتاهم يحيى فشد عليهم * * * عقدا يراه المسلمون ثقيلا(٢٩٦)
كتبا تركن غنيهم ذا عيلة * * * بعد الغنى وفقيرهم مهزولا
فتركت قومي يقسمون أمورهم * * * إليك أم يتربصون قليلا(٢٩٧)

وهذا الشعر طافع بالأسى والألم قد صور فيه الشاعر الجور والمظالم التي صبها الولاة على الناس وقد استمر الجور حتى في دور عمر بن عبد العزيز الذي هو أعدل ملوك بنى أمية ـ كما يقولون ـ فان عماله لم يألوا جاهدا قي نهب أموال الناس وسلب ثرواتهم، وفى ذلك يقول كعب الأشعري مخاطبا له:

إن كنت تحفظ ما يليك فانما * * * عمال أرضك بالبلاد ذئاب
لن يستجيبوا للذي تدعو له * * * حتى تجلد بالسيوف رقاب
باكف منصلتين أهل بصائر * * * في وقعهن مزاجر وعقاب(٢٩٨)

وانبرى لعمر رجل وهو على المنبر فقال له:

إن الذين بعثت في أقطارها * * * نبذوا كتابك وأستحلّ المحرم
طلس الثياب على منابر أرضنا * * * كل يجور وكلهم يتظلم(٢٩٩)
وأردت أن يلي الأمانة منهم * * * عدل وهيهات الأمين المسلم(٣٠٠)

لقد امتحن المسلمون امتحانا عسيرا، وأرهقوا إرهاقا شديدا من الحكم الأموي الذي عمد إلى اماتة الحق، ومناهضة العدل، ونشر الفقر والبؤس في جميع انحاء البلاد.
ومهما يكن الأمر فان هذه البوادر التي ذكرناها عن معاوية وعن بني أمية قد شددت نقمة الناس عليهم في جميع مراحل التاريخ فقد أبرزت واقعهم الجاهلي الذي لا التقاء له مع النواميس الدينية، وكان هذا هو الانتصار الرائع الذي أحرزه الإمام الحسن (ع) في صلحه، فقد عاد الصلح بالنكاية ببنى أمية، وبالتشهير والقدح بمعاوية حيا وميتا، وعاد الحكم الأموي مثالا للسلطة الجائرة التي تحمل شعار الظلم والاستبداد، والاستهانة بحقوق الناس. ونكتفي بهذا العرض ـ الموجز ـ من موبقات معاوية التي سودت وجه التأريخ وقد ابرزها الإمام الحسن (ع) في صلحه.
سياسة أهل البيت:
ويجدر بنا ونحن في بيان أسباب الصلح، وفي إيضاح علله أن نعرض بعض الجوانب من سياسة أهل البيت (ع) لنتبين مدى اصالة سياستهم البناءة، ونقف على الأهداف الرفيعة التي ينشدون تحقيقها في ظلال الحكم فان إيضاح هذه الجوانب ـ فيما نحسب ـ يعطينا أضواء عن صلح الإمام الحسن مع طاغية زمانه، ويكشف لنا عن الأسباب التي أدت إلى تظافر القوى الباغية على مناجزته، ومناجزة أبيه من قبل، وإلى القراء ذلك.
السياسة البناءة:
إن السياسة التي يجب أن تسود جميع انحاء البلاد ـ عند أهل البيت ـ هي السياسة البناءة التي تضمن مصالح المجتمع، وتعمل على ايجاد الوسائل السليمة لرقيه وبلوغ أهدافه وآماله، وحمايته من الظلم والاعتداء، وتحقيق المساوات العادلة في ربوعه، والفرص المتكافئة بين أبنائه لوقايتهم من البؤس والحرمان.
إن سياسة أهل البيت قد تبنت العدل الخالص، والحق المحض، ومثلت وجهة الإسلام وأهدافه في عالم السياسة والحكم، فهي أرقى سياسة عرفها الناس وأجدرها بتحقيق العدل السياسي، والعدل الاجتماعي بين الناس لأنها في جميع مجالاتها تنشد الاطمئنان الذي لا يشوبه قلق، والأمن الذي لا يشوبه خوف، والعدل الذي لا يشوبه ظلم، وهي بجميع مفاهيمها تباين السياسة الأموية الجائرة التي رفعت شعار الظلم والجور، وتذرعت بجميع وسائل المكر والخداع للمساومة على مصالح الشعوب، وابتزاز إمكانياتها والتغلب عليها.
إن السياسة الأصيلة عند أهل البيت هي التي لا تعتمد على المكر والمواربة والخداع والتهريج والتضليل وغير ذلك من الأساليب التي لا تحمل جانبا من الواقعية، وانها لا بد أن تكون صريحة واضحة في جميع أهدافها ومعالمها، لتحقق العدل فى البلاد، ولصلابة سياستهم فى الحق وصرامتها في العدل ثار عليهم النفعيون والمنحرفون، وطالبوهم أن ينهجوا منهجا خاصا لا يتنافى مع مصالحهم وأطماعهم، ولو أنهم استجابوا لهم لما آلت الخلافة الى غيرهم ولكنهم سلام الله عليهم آثروا رضا الله وسلكوا الطريق الواضح، وابتعدوا عن الخطط الملتوية التي لا يقرها الدين،
نظرهم الى الخلافة:
ان الخلافة عندهم هي ظل الله في الأرض فيجب أن يتحقق في ظلالها العدل الشامل، وتسود الرفاهية، ويعم الأمن بين جميع المواطنين، وإذا تجردت السلطة من هذه الأهداف فلا طمع ولا ارب لهم بها يقول الإمام أمير المؤمنين (ع) لابن عباس، وكان يخصف نعله بذي قار:
ـ يا ابن عباس ما قيمة هذا النعل؟.
ـ لا قيمة له يا أمير المؤمنين.
ـ والله لهي أحب إلي من إمرتكم إلا أن أقيم حقا وأدفع باطلا.
إن حذاءه الذي كان من ليف أثمن عنده من الإمرة التي لا يقام فيها الحق، ولا يدفع فيها الباطل فضلا عن السلطة الجائرة التي تضيع العدل وتحي الجور وتميت الحق، وقد كشف (ع) ـ في بعض كلماته ـ السر في إحجامه عن مبايعة أبي بكر في دور السقيفة قائلا:
(اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان ولا التماس شيء من فضول الحطام ولكن لنرد المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطلة من حدودك(٣٠١)).
ولهذه الأسباب الوثيقة أعلن سخطه على أبي بكر، وامتنع من مبايعته وأقام عليه سيلا من الأدلة على أحقيته بالخلافة دونه، ولكنه لم يناجزه الحرب لأنه يرى أن الأمة من واجبها أن تنقاد إليه كما أمره رسول الله (ص) بذلك فقد قال له:
(يا علي أنت بمنزلة الكعبة تؤتى، ولا تأتي فان أتاك هؤلاء القوم فسلموها إليك ـ يعني الخلافة ـ فاقبل منهم، وإن لم يأتوك فلا تأتهم حتى يأتوك)(٣٠٢).
إن الواجب على المسلمين كان هو الانقياد لعترة نبيهم، والرجوع إليهم ليحكموا فيهم بما أنزل الله، ويردوهم إلى الحق الواضح، وإلى الطريق المستقيم، ولكن القوم قد غرتهم الدنيا، وخدعتهم السلطة، فانطلقوا وراء أطماعهم وأهوائهم فصرفوا الأمر عن أهله، ووضعوه في غير محله، فأدى ذلك إلى المحن الشاقة والخطوب السود التي منى بها المسلمون في جميع مراحل تأريخهم.
المثل العليا:
أما الأهداف السليمة والمثل العليا التي رفع شعارها أهل البيت، وتبنوها في جميع المجالات فهي كما يلي.
أ ـ العدل:
إن السياسة الإسلامية بجميع مفاهيمها قد تبنت العدل، وآمنت به إيمانا مطلقا، وركزت جميع أهدافها على أضوائه، فأهابت بالحكام والأمراء أن يطبقوه على مسرح الحياة، وأن لا يكون الحكم الصادر منهم مبعثه الهوى وسائر الأغراض التي لا تمت بصلة للعدل قال تعالى: (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)(٣٠٣) وقال تعالى: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله)(٣٠٤)
وقد أجمع المسلمون على أن الحاكم إذا انحرف في حكمه وجب عزله، وقد عزل أمير المؤمنين أحد ولاته حينما أخبرته سودة بنت عمارة الهمدانية بأنه قد جار في حكمه فجعل الإمام يبكي ويقول:
(اللهم أنت الشاهد علي وعليهم إني لم آمرهم بظلم خلقك، ولا بترك حقك).
ثم عزله في الوقت(٣٠٥) ويقول الإمام الصادق: (اتقوا الله، واعدلوا فانكم تعيبون على قوم لا يعدلون)(٣٠٦).
إن سعادة الأمة ورقيها بعدل حكامها، فاذا جافى الحكام العدل وجاروا في الحكم تعرضت البلاد للأزمات والنكسات وسادت فيها الفوضى والنزعات، ومن ثمّ فان الإسلام يحرص كل الحرص عل أن يكون الحكم بيد الصلحاء والثقات لأن للحكم إغراء لا يفلت من ربقته إلا ذوو النفوس الزكية الكريمة ـ وما أقل عددهم ـ وقد تحدثنا عن مظاهر العدل وبسطنا القول فيه في كتابنا (النظام السياسي في الإسلام) ولا نرى أن هنا حاجة فى عرض تلك البحوث، وانما نريد أن نقول إن سياسة أهل البيت (ع) قد تركزت على العدل الشامل وبنت جميع أهدافها عليه.
ب ـ المساواة:
إن الإسلام أسبغ نعمة المساواة على الإنسانية بصورة لم يسبق لها مثيل فى تأريخ المجتمع العالمي، فقد أعلن المساواة العادلة ما بين الأفراد والجماعات وما بين الأجناس فلا فضل لأبيض على أسود، ولا لعربي على أعجمي، فالناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لبعضهم على بعض إلا بالتقوى والعمل الصالح يقول الأستاذ جيب:
(إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي ما زال في قدرته أن ينجح نجاحا باهرا في تأليف العناصر والأجناس البشرية المتنافرة في جبهة واحدة أساسها المساواة. وإذا وضعت منازعات الشرق والغرب موضع الدرس فلا بد من الالتجاء إلى الإسلام)(٣٠٧).
وقد طبق الامام أمير المؤمنين المساواة العادلة تطبيقا شاملا في دور حكمه، فامر عماله وولاته أن يساووا بين الناس حتى فى اللحظة والنظرة فقد جاء في بعض رسائله ما نصّه:
(وأخفض للرعية جناحك وأبسط لهم وجهك وألن لهم جانبك، وآس بينهم في اللحظة والنظرة(٣٠٨) والإشارة والتحية، حتى لا يطمع العظماء في حيفك ولا ييأس الضعفاء من عدلك)(٣٠٩).
وهذه السياسة العادلة هى التي أثارت عليه الأحقاد والضغائن وأدت إلى تكتل القوى الباغية وتظافرها على مناجزته، وقد نص على ذلك المدائنى بقوله:
(إن من أهم الأسباب في تخاذل العرب عن علي بن أبي طالب (ع) كان أتباعه لمبدإ المساواة بين الناس حيث كان لا يفضل شريفا على مشروف ولا عربيا على عجمي ولا يصانع الرؤساء والقبائل)(٣١٠).
إن طغاة قريش، ومن سار في ركابهم من جبابرة العرب لم يكونوا بأي حال قد وعوا الأهداف الأصيلة التي جاء بها الإسلام لتعميم المساواة وبسط العدل والقضاء على الغبن، إنهم يريدون الامتيازات والاستئثار بأموال المسلمين، والاستعلاء على الفقراء والضعفاء وكل ذلك يتنافى مع سيرة ابن أبي طالب رائد العدالة الاجتماعية الكبرى في الأرض، وقد سار الإمام الحسن على خطته وسيرته ولم يتحول عن نهجه فأثار ذلك عليه الأحقاد والأضغان.
ج ـ الحرية:
وتبنى الإسلام الحرية العامة لجميع المواطنين، وألزم الدولة بحمايتها، وتطبيقها على مسرح الحياة سواء أكانت الحرية في العقيدة أو في التفكير، والتعبير عن الرأي، أو في المناحي السياسية، واعتبر الإسلام كل ذلك من الحقوق الطبيعية للانسان التي لا غنى عنها بحال من الأحوال، وقد طبق الإمام أمير المؤمنين الحرية بأرحب مفاهيمها في دور خلافته، فانه لم يرغم القعاد على مبايعته، ولم يكرههم على طاعته، وإنما تركهم وشأنهم يتمتعون بحريتهم من دون أن يتعرض لهم بأذى أو مكروه، وكذلك عامل الخوارج فانه لم يناجزهم الحرب حتى أنذرهم وأعذر فيهم، وحاججهم فأبطل شبههم ولما صمموا على فكرتهم ولم يتنازلوا عنها خلّى سبيلهم، وأطلق سراحهم ولكن لما عاثوا فسادا في الأرض، وأخلّوا بالأمن العام ناجزهم عملا بقوله تعالى: (فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله). ولما فرغ من حربهم كان في المجتمع العراقي جمهور غفير ممن يعتنق فكرتهم، فلم يتعرض لهم بمكروه، ولم يمنعهم من الفيء، ولم يرد أحدا منهم عن الخروج إن أراده، ومنحهم الحرية التامة، فلم تراقبهم السلطة، ولم تتبعهم أو تنكّل بأحد منهم، وكذلك أعطى الحرية الواسعة الى الحزب الأموي، فلم يتعرض لهم بأذى أو مكروه مع العلم أنهم كانوا من ألدّ خصومه وأعدائه. وهذه الحرية الواسعة التي أعطاها الإمام للأحزاب المناوئة له كانت أوسع حرية عرفها التأريخ، لقد قضت سياسته البنّاءة على عدم استكراه الناس على الطاعة، وعدم ارغامهم على ما لا يحبون.
د ـ الصراحة والصدق:
ان السياسة الرشيدة التي رفع شعارها أهل البيت تسير على ضوء الصدق والواقع فلا توارب، ولا تنافق، ولا تغري الشعوب بالوعود الكاذبة، ولا تمنيها بالأماني المعسولة، رائدها في جميع مخططاتها الصراحة والصدق.
لقد حفلت سياستهم بالصراحة في جميع الميادين، فليس من منطقها الخداع والنفاق، وقد صارح الإمام الحسين (ع) سبط النبي وممثل الإسلام الجماهير التي صحبته من مكة والتي التحقت به فى أثناء الطريق حينما بلغه مقتل سفيره وممثله فى العراق الشهيد العظيم مسلم بن عقيل (ع) صارحهم بمقتله، وخيانة أهل الكوفة به، وغدرهم بعهودهم ومواثيقهم، وانه متوجه فى سفره الى ساحة الموت، فتفرّق ذوو الأطماع والأهواء عنه، لقد أدلى (ع) في تلك الساعة الرهيبة بالحقيقة الراهنة، وكشف لهم الستار عن خطته وأهدافه، ليكونوا على بصيرة من أمرهم عملا بأوامر الإسلام التي تلزم بالصراحة والصدق ولا تبيح أي وسيلة من وسائل الغدر والخداع.
إن المواربة لو كانت سائغة فى الإسلام بأي شكل من الأشكال لما تغلب معاوية بن أبي سفيان خصم الإسلام على الإمام أمير المؤمنين عليه السلام فكان بامكانه أن يساومه بعد مقتل عثمان ويبقيه على ولايته في دمشق، ثم يعزله بعد ذلك عن منصبه ويتخلص من شرّه وتمرده، ولكن الإسلام يأبى له تلك المساومة الرخيصة فامتنع من بقائه في جهاز الحكم ولو زمنا قصيرا، وهناك أمر آخر هو أعمق أثرا، وأبعد مدى في عالم الصراحة من ذلك هو امتناع الإمام من اجابة عبد الرحمن بن عوف أحد أعضاء الشورى الذين رشحهم الخليفة الثاني لانتخاب الخليفة الجديد من بعده، فقد ألحّ عبد الرحمن على الإمام إلحاحا بالغا أن يبايعه وينتخبه لمركز الخلافة الإسلامية العظمى، ولكن شرط عليه أن يسير بسيرة الشيخين، ويقتفي بسياستهما فامتنع (ع) من اجابته على هذا الشرط وأبى إلا أن يسير على كتاب الله، ويقتدي بسنة نبيه في سياسته وأعماله الإدارية وغيرها، لقد كان بامكانه أن يوافق على ذلك الشرط ابتداء ثم يعدل عنه ويسير فى سياسته على وفق الأهداف التي رسمها الإسلام ويعتقل كل من يعارضه ويقف فى وجه حكومته، ولكنه أبى إلا الصراحة والصدق فى القول والفعل.
إن الإسلام يأمر بالتمسك بالصدق، ولا يسيغ استعمال الطرق الملتوية التي لا تمت بصلة الى الواقع في تثبيت الحكم، وتدعيم السلطة.
يقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:
(عليكم بالصدق، فان الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما زال الرجل يصدق، ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب، فان الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي الى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا)(٣١١).
إن أهل البيت قد ركزوا سياستهم على الصدق والصراحة، وجنبوها من المكر والخداع.
يقول الإمام أمير المؤمنين (ع):
(لو لا ان المكر والخداع في النار لكنت أمكر الناس).
وكان (ع) كثيرا ما يتنفس الصعداء من الآلام المرهقة التي يلاقيها من خصومه ويقول:
(وا ويلاه، يمكرون بي ويعلمون أني بمكرهم عالم، وأعرف منهم بوجوه المكر، ولكني أعلم أن المكر والخديعة فى النار، فأصبر على مكرهم ولا أرتكب مثل ما ارتكبوا..)(٣١٢)
ويقول فى الغدر:
(لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة)(٣١٣).
إن الغدر إنما ينبعث عن نفس لا تؤمن بالمثل الإنسانية، والقيم الدينية، ويصف الإمام أمير المؤمنين الغادر بأنه قد نسخ من كيان نفسه الإيمان بالله يقول:
(ولا يغدر من علم كيف المرجع ولقد أصبحنا في زمان قد اتخذ أكثر أهله الغدر كيسا، ونسبهم أهل الجهل فيه الى حسن الحيلة، ما لهم قاتلهم الله!! قد يرى الحول القلب وجه الحيلة ودونها مانع من أمر الله ونهيه فيدعها رأي العين بعد القدرة عليها وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين..)
وتحدث عمن قال فى دور حكومته من عبيد الشهوات والمناصب:
بأنه لا دراية له في شئون السياسة، وإن معاوية خبير بها، وخليق بادارة دفة الحكم. قال (ع):
(والله ما معاوية بأدهى مني ولكنه يغدر ويفجر ولو لا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس)(٣١٤).
ان سياسة الإمام أمير المؤمنين وأئمة أهل البيت في جميع شئونها قد عبرت عن جميع القيم السياسية الخيرة التي أعلنها الإسلام، فهي لا تقرّ الغدر، ولا المكر، ولا الخداع، ولا تؤمن بأي وسيلة من وسائل النفاق الاجتماعي وإن توقف عليها النجاح السياسي المؤقت، لأن الخلافة الإسلامية من أهم المراكز الحساسة في الإسلام، فلا بد لها من الاعتماد على الخلق الرصين والإيمان العميق بحق المجتمع والأمة.
وسار الإمام الحسن (ع) على مخططات أبيه ومقرراته فى عالم السياسة والحكم، فلم يعتمد على أي وسيلة لا يقرّها الدين، وتجنب جميع الطرق الشاذة التي لا تلتقي مع الواقع، ولو أنه سلك بعض الأساليب التي سلكها معاوية لما تغلب عليه، وقد أدلى (ع) بذلك الى سليمان بن صرد فقال له:
(ولو كنت بالحزم في أمر الدنيا، وللدنيا أعمل، وأنصب، ما كان معاوية بأبأس مني، وأشد شكيمة، ولكان رأيي غير ما رأيتم..)
ودلّ ذلك على أنه لو كان يعمل للدنيا لكان أقوى عليها من خصومه ولكن التغلب على الأحداث والظفر بالحكم يتوقف على اتخاذ الوسائل التي لا تتفق مع الدين وهو (ع) أحرص المسلمين على صيانة الاسلام ورعايته.
ه ـ الولاة والعمال:
ويرى أهل البيت (ع) أن الموظفين في جهاز الحكم لا بد أن يكونوا من خيرة الرجال في الجدارة والنزاهة والكفاءة والقدرة على إدارة شئون البلاد، ليضعوا المصلحة العامة نصب أعينهم، ويسيروا بين الناس سيرة قوامها العدل الخالص، والحق المحض، ويكونوا أمناء فيما يجبونه من الناس وفيما ينفقونه على المرافق العامة، وأن يكونوا ـ قبل كل شيء ـ بعيدين عن الرشوة، وعما في أيدي الناس، فان الرشوة تؤدي الى انهيار الأخلاق وشيوع الباطل، والفساد في الأرض، وقد بعث الامام أمير المؤمنين (ع) الى أمراء الأجناد بهذه الرسالة:
(أما بعد: فانما هلك من كان قبلكم، إنهم منعوا الناس الحق فاشتروه، وأخذوهم بالباطل فاقتدوه.)(٣١٥)
إن من أهم الأسباب التي تؤدي الى دمار الحكومة وزوالها هي أن تحجب المواطنين عن الحق حتى يضطروا الى استنقاذه بالرشوة، ومن الطبيعي ان ذلك يؤدي الى فقدان الأمن، واضطراب المجتمع، وانتشار الظلم والجور.
وقد نظر أهل البيت (ع) الى ما هو أبعد من ذلك وأعمق بكثير، فقد فرضوا على ولاتهم أن يبتعدوا عن الناس بكل نحو من أنحاء الصلة، ولو كانت موجبة للربط الودي أو العاطفي لما عسى أن يكون لذلك أثر على مجرى العدل، ولذلك ان أمير المؤمنين (ع) لما بلغه ان عامله بالبصرة سهل بن حنيف قد دعي الى مأدبة فأجاب إليها، فكتب إليه يستنكر منه ذلك، ويوبخه على ما صدر منه، وهذا نص ما كتبه إليه:
(أما بعد: يا ابن حنيف فقد بلغنى أن رجلا من فتية أهل البصرة دعاك الى مأدبة فأسرعت إليها تستطاب لك الألوان، وتنقل إليك الجفان وما ظننت أنك تجيب الى طعام قوم عائلهم مجفو(٣١٦)، وغنيهم مدعو، فانظر الى ما تقضمه من هذا المقضم(٣١٧) فما اشتبه عليك علمه فالفظه، وما أيقنت بطيب وجوهه(٣١٨) فنل منه.)(٣١٩).
وأراد الأشعث بن قيس أن يتقرب الى أمير المؤمنين ويتصل به فصنع له حلوى جيدة فقدمها إليه، ولندعه (ع) يحدثنا عن موقفه تجاه هذا الأمر يقول:
(وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها(٣٢٠)، ومعجونة شنئتها كأنما عجنت بريق حية أو قيئها، فقلت: أصلة أم زكاة أم صدقة؟ فذلك محرم علينا أهل البيت، فقال: لا ذا ولا ذاك، ولكنها هدية، فقلت: هبلتك الهبول(٣٢١) أعن دين الله أتيتني لتخدعني؟ أمختبط، أم ذو جنة، أم تهجر(٣٢٢)؟ والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة(٣٢٣) ما فعلت، وإن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها ما لعلي ولنعيم يفنى، ولذة لا تبقى، نعوذ بالله من سبات العقل(٣٢٤)، وقبح الزلل وبه نستعين(٣٢٥)
وبهذه السياسة البناءة تتحقق العدالة الاجتماعية، ويسود الأمن والرخاء ويقضى على جميع أفانين الظلم والغبن.
د ـ الخدمة العسكرية:
ولم تقض سياسة أهل البيت بارغام الناس على الخدمة العسكرية، فلم يؤثر عنهم أنهم أكرهوا الناس على الخروج الى الحرب، وإنما كانوا يدعون الى الجهاد كفرض من فروض الله فمن شاء أن يخرج خرج مؤديا لما فرض عليه، ومن قعد فانما يقعد غير تمتثل لما أوجبه الله عليه من دون أن ينال عقوبة أو يتعرض للسخط والارهاب، وكانت هذه خطة الحسن (ع) لما أراد مناجزة معاوية، فانه لم يكره أحدا على ذلك، وإنما ندبهم الى الجهاد، وقد فعل ذلك أمير المؤمنين من قبل في حرب الجمل وصفين، والنهروان، وقد أرادوا بذلك أن يكون الناس مندفعين بدافع الايمان والعقيدة لما أوجبه الله عليهم من الفرض، وعلى عكس ذلك سار بنو أمية، فانهم كانوا يفرضون أشد العقاب على من تخلف عن الحرب، كما يحدثنا التأريخ بذلك في سيرة عبيد الله بن زياد لما امر بالخروج الحرب سيد الشهداء (ع) فقتل الشامى على أنه لم يكن ممن أمر بالخروج الى الحرب وقتل الحجاج عمرو بن ضابي البرجمي لأنه لم يستجب للالتحاق بجيش المهلب ابن أبي صفرة، وفي ذلك يقول الشاعر:

تخير فأما ان تزور ابن ضابي * * * عميرا وأما أن تزور المهلبا

وأدت هذه الخطة الارهابية الى ارغام الناس على الاستجابة لهم عن كره، ولو أن الامام الحسن (ع) أجبر جيشه على الطاعة، وأنزل العقاب الصارم بالمتمردين والمتخاذلين، وعاقب على الظنة والتهمة لما اصيب جيشه بتلك الزعازع والانتكاسات، ولكنه سلام الله عليه قد سلك الطريق الواضح الذي لا تعقيد فيه ولا التواء، وآثر رضاء الله في كل شيء.
هـ ـ السياسة المالية:
أما السياسة المالية التي انتهجها أهل البيت فكانت تلزم بصرف الخزينة المركزية على المصالح العامة كانشاء المؤسسات، وايجاد المشاريع الحيوية التي تنتظم بها الحياة، ويقضى بها على شبح الفقر والحرمان، ولا يسوغ عندهم صرف درهم واحد فيما لا تعود فيه منفعة أو فائدة للأمة، وقد احتاطوا فى هذه الجهة احتياطا بالغا، فقد اطفأ الامام أمير المؤمنين سراج بيت المال عن طلحة والزبير لما أرادا أن يفاوضاه في مصالحهما الشخصية، فان الضياء الذي في بيت المال ملك للمسلمين، فلا يجوز استعماله إلا في مصالحهم.
وقد أثارت عليه هذه السياسة الصارمة أحقاد العرب، وأضغان قريش، وأقبلت إليه طائفة من أصحابه يطلبون منه أن يغير سياسته قائلين:
(يا أمير المؤمنين، اعط هذه الأموال، وفضّل هؤلاء الأشراف من العرب وقريش على الموالي والعجم، واستمل من تخاف خلافه من الناس).
فلذعه هذا المنطق الرخيص وانبرى قائلا:
(أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور..)(٣٢٦)
ان تفضيل العرب على الموالي، ومنح الأموال للوجوه كل ذلك جور واعتداء على حقوق المسلمين في نظر ابن أبي طالب رائد المساواة والعدالة الكبرى في الأرض.
ان أموال المسلمين يجب أن تنفق على مصالحهم، وضمان عائلهم ومحرومهم، وليس لزعيم الدولة أن يصطفي منها، أو يؤثر بها أقاربه ومن يمت إليه، فان ذلك خيانة لله وللمسلمين، وقد طبق الامام أمير المؤمنين هذه السياسة العادلة على واقع الحياة حينما آل إليه الأمر، فانه لم يقتن الدور والضياع، ولم يرفّه على نفسه فيعير لبالي ثوبه اهتماما، أو يأكل ما لذّ من الطعام، أو يتمتع بشيء من متع الحياة، وإنما كان يعيش عيشة الفقراء والبؤساء، فقد روى هارون عن أبيه عنترة قال دخلت على علي وهو بالخورنق، وعليه خلق قطيفة، وكان الوقت شديد البرد فقلت له:
(يا أمير المؤمنين إن الله قد جعل لك ولأهلك في هذا المال نصيبا، وأنت تفعل هذا بنفسك).
فانبرى (ع) مجيبا له:
(والله ما أرزأكم شيئا وما هي إلا قطيفتي التي أخرجتها من المدينة.)(٣٢٧)
انه ليس عنده من اللباس ما يقيه من البرد سوى خلق قطيفة جاء بها من يثرب، وفي استطاعته أن يلبس الحرير الموشى، ولكنه أبى أن يصطفي من أموال المسلمين شيئا، كما انه لم يؤثر بها أحدا من أهل بيته وأبنائه، فقد روى أبو رافع(٣٢٨) وكان خازنا لبيت المال، قال: دخل عليّ أمير المؤمنين وقد أعطيت ابنته لؤلؤة من بيت المال، فلما رآها عرفها، وقد تغير لونه ومشت الرعدة بأوصاله فقال:
(من أين لها هذه؟ والله لأقطعن يدها.)
فلما رأى أبو رافع جده في الأمر، وعزمه على ذلك قال له:
(أنا والله يا أمير المؤمنين أعطيتها وهي عارية مضمونة)
فهدأ روعه، وسكن غضبه، واندفع قائلا:
(لقد تزوجت بفاطمة وما لي فراش إلا جلد كبش ننام عليه بالليل ونعلف عليه ناضحنا بالنهار، وما لي خادم غيرها.)(٣٢٩)
إن مثله الرفيعة لم تسمح له أن يؤثر ابنته على بنات المسلمين، وهذا هو منتهى العدل الذي لم يحققه أحد غيره، ومن مساواته بين المسلمين، واحتياطه البالغ في أموالهم ما رواه عاصم بن كليب(٣٣٠) عن أبيه قال: (قدم على عليّ مال من اصبهان فقسمه على سبعة أسهم، فوجد فيه رغيفا فقسمه على سبعة أقسام، ودعا امراء الأسباع فأقرع بينهم لينظر أيهم يعطى أولا...)(٣٣١)
إن هذا هو العدل الذي لم تحققه الانسانية فى جميع مراحل تأريخها فانها على ما جربت من تجارب. وبلغت من رقي وابداع في فنون الحكم فانها لا تستطيع بأي حال من الأحوال أن تنشئ نظاما سياسيا تتحقق فيه العدالة الكبرى كهذا النظام الذي وضعه ابن أبي طالب، وسار على منهاجه أبناؤه من بعده.
الى هنا ينتهي بنا الحديث عن بعض المثل العليا التي ينشدونها أهل البيت فى ظلال الحكم، ولو أن الامام الحسن (ع) انحرف عنها، ونهج في سياسته منهج من يعمل للدنيا، وسلك مسلك من يبغي الملك والسلطان، فراوغ وداهن، وأنفق المال في غير محله، لما آل الأمر الى ابن هند الذي سلك جميع الوسائل في سبيل الوصول الى الحكم، ولكنه سلام الله عليه آثر صيانة الاسلام، والحفاظ على مقدراته ومعنوياته، فسار بسيرة جده وأبيه التي لا تقر كل طريق يتصادم مع الدين.
وبقي هنا شيء ذكره الناقدون للصلح، وهو عدم استشهاد الامام فقد كان الأجدر به أن يناجز معاوية حتى ينال الشهادة، كما استشهد أخوه سيد الشهداء الحسين (ع)، وسنذكر جواب ذلك مشفوعا بالتفصيل عند التحدث عن موقف الامام الحسين عليه السلام من الصلح.
بنود الصّلح
واختلف المؤرخون اختلافا كثيرا فيمن بادر لطلب الصلح فأبن خالدون وجماعة من المؤرخين ذهبوا الى أن المبادر لذلك هو الامام الحسن عليه السلام بعد ما آل أمره الى الانحلال(٣٣٢)، وذهب فريق آخر الى أن معاوية هو الذي بادر لطلب الصلح بعد ما بعث إليه برسائل أصحابه المتضمنة للغدر والفتك به متى شاء معاوية أو أراد(٣٣٣)، وذكر السبط ابن الجوزي أن معاوية قد راسل الامام سرا يدعوه الى الصلح فلم يجبه، ثم أجابه بعد ذلك(٣٣٤)، وأكبر الظن ان معاوية هو الذي استعجل الصلح وبادر إليه وذلك خوفا من العراقيين أن ترجع إليهم أحلامهم، ويثوب إليهم رشدهم وذلك لما عرفوا به من سرعة الانقلاب وعدم الاستقامة على رأي، ومما يدل على ان معاوية هو الذي ابتدأ في طلب الصلح، خطاب الامام الحسن الذي ألقاه في المدائن فقد جاء فيه (ألا وإن معاوية دعانا لأمر ليس فيه عز ولا نصفة).
ومهما يكن من شيء فان تحقيق ذلك ليس بذي أهمية، لأن الامام إن كان هو الذي استعجل الصلح فلا ضير عليه نظرا للمحن الشاقة التي أحاطت به حتى ألجأته الى المسالمة، وإن كان معاوية هو الذي استعجل الصلح فلا ضير على الامام أيضا لما أوضحناه في أسباب الصلح، والمهم البحث عن الشروط التي اشترطها الإمام على خصمه.
فقد اختلف التأريخ فيها اختلافا فاحشا، واضطربت كلمات المؤرخين فى ذلك، وفيما يلي بعض تلك الاقوال.
١ ـ ذكر بعض المؤرخين ان الامام أرسل سفيرين الى معاوية، هما عمرو بن سلمة الهمداني، ومحمد بن الأشعث الكندي ليستوثقا من معاوية ويعلما ما عنده. فأعطاهما معاوية هذا الكتاب وهذا نصه:
(بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب للحسن بن علي من معاوية بن أبي سفيان، إني صالحتك على ان لك الأمر من بعدي، ولك عهد الله وميثاقه وذمته، وذمة رسوله محمد (ص)، وأشد ما أخذه الله على أحد من خلقه من عهد وعقد، لا أبغيك غائلة ولا مكروها، وعلى أن أعطيك في كل سنة ألف ألف درهم من بيت المال، وعلى أن لك خراج پسا ودارابجرد، تبعث إليهما عمالك، وتصنع بهما ما بدا لك). شهد بها عبد الله بن عامر، وعمرو بن سلمة الكندي، وعبد الرحمن بن سمرة، ومحمد ابن الأشعث الكندي، كتب في شهر ربيع الآخر سنة إحدى واربعين هجرية.
وتنص هذه الوثيقة على اعطاء معاوية للحسن ثلاثة أشياء:
١ ـ جعله ولي عهده.
٢ ـ للإمام من بيت المال راتب سنوي ألف ألف درهم.
٣ ـ منحه كورتين من كور فارس يرسل إليهما عماله، ويصنع بهما ما شاء.
واحتفظ الامام برسالة معاوية، فأرسل إليه رجلا من بني عبد المطلب وهو عبد الله بن الحارث بن نوفل وأمّه اخت معاوية فقال له: ائت خالك وقل له إن أمنت الناس بايعتك.
ولما انتهى عبد الله الى معاوية وعرض عليه مهمة الامام وهي طلب الأمن العام لعموم الناس، استجاب له وأعطاه طومارا وختم في أسفله وقال له: فليكتب الحسن فيه ما شاء، فجاء عبد الله بن الحارث بهذا التفويض المطلق الى الامام، فكتب (ع) ما رامه من الشروط، وسنذكر نص ما كتبه عند التعرض لبعض الروايات، لأنه لا يختلف عنها، وقد عول على هذه الرواية الدكتور طه حسين(٣٣٥).
٢ ـ وروى كل من الطبري وابن الأثير صورة غير هذه وخلاصتها ان الامام راسل معاوية فى الصلح واشترط عليه امورا فان التزم بها ونفذها أجرى الصلح وإلا فلا يبرمه، فلما وصلت رسالة الامام الى معاوية أمسكها واحتفظ بها، وكان معاوية قبل ورود هذه الرسالة عليه قد بعث للامام صحيفة بيضاء مختوما في أسفلها، وكتب إليه أن اشترط في هذه الصحيفة ما شئت وقد وصلت هذه الصحيفة الى الامام بعد ما بعث الى معاوية الوثيقة التي سجل فيها ما أراده، وسجل الامام في تلك الصحيفة البيضاء اضعاف الشروط التي اشترطها أولا ثم أمسكها، فلما سلم له الأمر طلب منه الوفاء بالشروط التي اشترطها أخيرا، فلم يف له بها وقال له: (لك ما كنت كتبت إليّ أولا تسألني أن أعطيكه فاني قد أعطيتك حين جاءني كتابك، فقال له الحسن (ع): وأنا قد اشترطت حين جاءني كتابك وأعطيتني العهد على الوفاء بما فيه، فاختلفا في ذلك، فلم ينفذ للحسن من الشروط شيئا)(٣٣٦).
وهذه الرواية لم تذكر لنا الشروط التي اشترطها الامام (أولا) ولا ما سجله. (ثانيا) في الصحيفة البيضاء التي بعث بها معاوية إليه إلا أن أبا الفداء في تأريخه نص على الشروط الاولى التي اشترطها الامام فقال: (وكتب الحسن الى معاوية واشترط عليه شروطا وقال: إن أجبت إليها فأنا سامع مطيع، فأجاب معاوية إليها، وكان الذي طلبه الحسن أن يعطيه ما في بيت مال الكوفة، وخراج دارابجرد من فارس، وأن لا يسب عليا، فلم يجبه الى الكف عن سب علي فطلب الحسن أن لا يشتم عليا وهو يسمع فأجابه الى ذلك، ثم لم يف له به)(٣٣٧).
وعندي ان ما ذكره ابن الأثير والطبري بعيد عن الصحة كل البعد وذلك لأن الشروط التي اشترطها الامام أخيرا إن كانت ذات أهمية بالغة فلما ذا أهملها ولم ينص عليها في بداية الأمر؟ ولو اغمضنا النظر عن ذلك فأي فائدة فى تسجيلها مع عدم اطلاع معاوية عليها وإقراره لها، مضافا لذلك ان معاوية في تلك المرحلة لو سأله الإمام أي شيء لأجابه إليه.
٣ ـ وروى ابن عبد البر: (ان الإمام كتب الى معاوية يخبره أنه يصيّر الأمر إليه على أن يشترط عليه أن لا يطلب أحدا من أهل المدينة والحجاز ولا أهل العراق بشيء كان في أيام أبيه، فأجابه معاوية وكاد يطير فرحا إلا أنه قال: أما عشرة انفس فلا أؤمنهم، فراجعه الحسن فيهم فكتب إليه يقول: إني قد آليت متى ظفرت بقيس بن سعد أن أقطع لسانه ويده، فراجعه الحسن إني لا أبايعك أبدا وأنت تطلب قيسا أو غيره بتبعة، قلت: أو كثرت! فبعث إليه معاوية حينئذ برق أبيض وقال: اكتب ما شئت فيه وأنا التزمه، فاصطلحا على ذلك، واشترط عليه الحسن أن يكون له الأمر من بعده، فالتزم ذلك كله معاوية)(٣٣٨).
وقد احتوت هذه الرواية على أن أهم ما طلبه الامام الأمن العام لعموم اصحابه واصحاب أبيه، ولا شك ان هذا الشرط من أوليات الشروط وأهمها عند الامام أما ان الصلح جرى بهذا اللون فأنا أشك في ذلك.
٤ ـ وذكر جماعة من المؤرخين ان الإمام ومعاوية اصطلحا وارتضيا بما احتوته الوثيقة الآتية وقد وقّع عليها كل منهما وهذا نصها:
وثيقة الصلح

بسم الله الرحمن الرحيم
(هذا ما صالح عليه الحسن بن علي بن أبي طالب، معاوية بن أبي سفيان، صالحه على أن يسلم إليه ولاية أمر المسلمين على ان يعمل فيهم بكتاب الله، وسنّة رسوله، وسيرة الخلفاء الصالحين، وليس لمعاوية بن ابي سفيان ان يعهد الى احد من بعده عهدا، بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين، وعلى ان الناس آمنون حيث كانوا من ارض الله فى شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم، وعلى ان اصحاب علي وشيعته آمنون على انفسهم واموالهم ونسائهم واولادهم، وعلى معاوية بن ابي سفيان بذلك عهد الله وميثاقه، وما أخذ الله على احد من خلقه بالوفاء، وبما اعطى الله من نفسه، وعلى ان لا يبغي للحسن بن علي، ولا لأخيه الحسين، ولا لأحد من اهل بيت رسول الله (ص) غائلة سرا ولا جهرا، ولا يخيف احدا منهم في افق من الآفاق، شهد عليه فلان ابن فلان بذلك، وكفى بالله شهيدا)(٣٣٩).
وهذه الصورة افضل صورة وردت مبينة لكيفية الصلح فقد احتوت على امور مهمة يعود صالح الأكثر منها الى عموم المسلمين إلا انا نشك في ان ما احتوت عليه هذه الوثيقة هو مجموع ما طلبه الإمام واراده، ونذكر فيما يلي مجموع الشروط التي ذكرها رواة الأثر وإن كان كل واحد منهم لم يذكرها بأسرها إلا ان بعضهم نص على طائفة منها، والبعض الآخر ذكر طائفة اخرى، وقد اعترف الفريقان ان ما ذكره كل واحد من الشروط ليس جميع ما اشترطه الإمام وإنما هي جزء من كل، وها هي:
١ ـ تسليم الأمر الى معاوية على ان يعمل بكتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم(٣٤٠) وسيرة الخلفاء الصالحين(٣٤١).
٢ ـ ليس لمعاوية ان يعهد بالأمر الى احد من بعده والأمر بعده للحسن(٣٤٢) فان حدث به حدث فالأمر للحسين(٣٤٣).
٣ ـ الأمن العام لعموم الناس الأسود والأحمر منهم سواء فيه، وان يحتمل عنهم معاوية ما يكون من هفواتهم، وان لا يتبع احدا بما مضى، وان لا يأخذ اهل العراق بإحنة(٣٤٤).
٤ ـ ان لا يسميه امير المؤمنين(٣٤٥).
٥ ـ ان لا يقيم عنده الشهادة(٣٤٦).
٦ ـ ان يترك سب امير المؤمنين(٣٤٧) وان لا يذكره إلا بخير(٣٤٨).
٧ ـ ان يوصل الى كل ذي حق حقه(٣٤٩).
٨ ـ الأمن لشيعة امير المؤمنين وعدم التعرض لهم بمكروه(٣٥٠).
٩ ـ يفرق في أولاد من قتل مع ابيه في يوم الجمل وصفين الف الف درهم، ويجعل ذلك من خراج دارابجرد(٣٥١).
١٠ ـ ان يعطيه ما في بيت مال الكوفة(٣٥٢) ويقضي عنه ديونه ويدفع إليه في كل عام مائة الف(٣٥٣).
١١ ـ ان لا يبغي للحسن بن علي ولا لأخيه الحسين ولا لأهل بيت رسول الله (ص) غائلة سرا ولا جهرا ولا يخيف احدا منهم في افق من الآفاق(٣٥٤).
هذه بنود الصلح ومواده التي ذكرها رواة الأثر اما ان الإمام قد اشترطها كلها او بعضها فسوف نذكر ذلك عند دراسة الشروط وتحليلها، وقبل ان نلقي الستار على هذا الفصل لا بد لنا من التعرض الى انه فى اي مكان جرى الصلح وفى اي زمان نفذ؟
مكان الصلح:
اما المكان الذي جرى فيه الصلح فقد كان في مسكن حسب ما ذكرته اوثق المصادر، ففي تلك البقعة ابرم الصلح ونفذ امام جمع حاشد من الجيش العراقي والشامى، وذهب بعض المؤرخين إلى انه وقع في بيت المقدس(٣٥٥)، وذهب بعض آخر إلى انه وقع بأذرح من ارض الشام(٣٥٦) وهذان القولان من الشذوذ بمكان فلا يعول عليهما.
عام الصلح:
وكما اختلف المؤرخون في المكان الذي وقع فيه الصلح فقد اختلفوا في الزمان أيضا، فقد قيل: إنه كان سنة ٤١ هجرية فى ربيع الأول، وقيل: فى ربيع الآخر، وقيل: في جمادى الأولى، وعلى الأول تكون خلافته خمسة أشهر ونصف، وعلى الثاني فستة أشهر وأيام، وعلى الثالث فسبعة أشهر وايام(٣٥٧)، وقيل: وقع الصلح سنة اربعين من الهجرة فى ربيع الأول(٣٥٨)، وقيل غير ذلك، والأصح ان مدة خلافته كانت ستة اشهر حسب ما ذكره اكثر المؤرخين.
وعلى أي حال فقد اصطلح بعض المؤرخين على تسمية ذلك العام ـ الخالد في دنيا الأحزان ـ بتسميته بعام الجماعة، نظرا لاجتماع كلمة المسلمين بعد الفرقة، ووحدتهم بعد الاختلاف، ولكن الحق ان هذه التسمية من باب تسمية الضد باسم ضده لأن المسلمين منذ ذلك العام قد وقعوا في شر عظيم، وانصبت عليهم الفتن كقطع الليل المظلم، حتى تغيرت معالم الدين، وتبدلت سنن الإسلام، وآلت الخلافة الإسلامية الى المصير المؤلم تنتقل بالوراثة من ظالم الى ظالم حتى اغرقت البلاد فى الدماء والماسي والشجون، يقول الجاحظ: (فعندها استوى معاوية على الملك واستبد على بقية الشورى، وعلى جماعة المسلمين من الأنصار والمهاجرين في العام الذي سموه (عام الجماعة) وما كان عام جماعة بل كان عام فرقة وقهر وجبرية وغلبة، والعام الذي تحولت فيه الإمامة ملكا كسرويا، والخلافة منصبا قيصريا)(٣٥٩).
لقد انفتح باب الجور على مصراعيه منذ ذلك العام الذي تم فيه الملك الى (كسرى العرب) فقد لا فى المسلمون وخصوصا شيعة آل محمد (ص) من العناء والظلم والإرهاق ما لم يشاهد له التاريخ نظيرا فى فظاعته وقسوته يقول ابن أبي الحديد عما جرى على المسلمين بعد عام الصلح: (ولم يبق أحد من المؤمنين إلا وهو خائف على دمه أو مشرد في الأرض، يطلب الأمن فلا يجده)، وبعد هذا الظلم الشامل والجور المرهق هل يصح أن يسمى ذلك العام عام الجماعة والألفة؟
دراسة وتحليل:
ولا بد لنا من وقفة قصيرة للنظر فى تحقيق الشروط التي اشترطها الإمام على معاوية، كما لا بد من دراستها والإحاطة بها ـ ولو إجمالا ـ لأنها قد احتوت على امور بالغة الأهمية، فقد الغمت نصر معاوية ببارود، وعادت عليه بالخزي، واخرجته من حكام العدل الى حكام الجور والظالمين.
اما الشروط التي ذكرت فانا نؤمن بجميعها سوى شرطين، وهما: ان يكون للإمام ما في بيت مال الكوفة، ومنحه راتب سنوي له، ولأخيه
اما (الاول) فهو بعيد لأن ما في خزانة الكوفة من الأمتعة والأموال قد كانت تحت قبضة الإمام وبيده، يتصرف فيها حيثما اراد، ولم تكن محجوبة عنه أو ممنوعة عليه حتى يشترط على معاوية أن يمكنه منها، على أنا نشك ان خزانة الدولة قد احتوت على أموال كثيرة لأن سياسة أهل البيت تقضي بصرف المال فورا على ما خصصه الإسلام لها.
وأما (الثاني) فهو بعيد لأن الإمام كان في غنى عن أموال معاوية، وليس بحاجة لها، ولو سلمنا ذلك فانه لا ضير على الإمام من أخذها، لأن انقاذ أموال المسلمين من حكام الجور أمر لازم كما سنوضحه عند التعرض لسفر الإمام الى دمشق، والذي أراه أن معاوية قد أعطى الامام فى بداية الأمر هذين الشرطين، فتوهم بعض المؤرخين أنهما من جملة الشروط التي اشترطها الإمام عليه.
وعلى أي حال، فان تلك الشروط كانت تهدف الى طلب الأمن العام، والسلم الشامل لجميع المسلمين، وتدعوهم في نفس الوقت الى اليقظة والتحرر من الاستعباد الأموي، كما دلت على براعة الإمام في الاحتفاظ بحقه الشرعي، والتدليل على غصب معاوية له، وإنه لم يتنازل له عن حقه، اما محتويات الشروط فهي كما يلي:
١ ـ العمل بكتاب الله:
ولم يخل الإمام بين معاوية وبين المسلمين يتصرف في شئونهم حيثما شاء، فقد أخذ عليه أن لا يعدو الكتاب والسنة في سياسته وسياسة عماله، ولو كان يراه يسير على ضوء القرآن، ويسير على منهج الإسلام لما شرط عليه ذلك، وجعله من أهم الشروط الأساسية التي ألزمه بها.
٢ ـ ولاية العهد:
وعالج الإمام نقطة مهمة في تلك المعاهدة، وهي مصير الخلافة الاسلامية بعد هلاك معاوية، فقد شرط عليه أن تكون الخلافة له ولأخيه من بعده، وصرحت بعض المصادر ان الامام اشترط عليه أن يكون الأمر شورى بين المسلمين بعد هلاك معاوية، وعلى كلا القولين فقد أرجع الامام الخلافة الى كيانها الرفيع، وإنما شرط عليه ذلك لعلمه باتجاهاته السيئة، وانه لا بد أن ينقل الخلافة الاسلامية من واقعها الى الملك العضوض، ويجعلها في عقبه من شذاذ الآفاق والمجرمين، فأراد الامام ايقاظ المجتمع، وبعثه الى مناجزته إن قدم على ذلك.
٣ ـ الأمن العام:
وأهم ما ينشده الإمام من تلكم الشروط هو بسط الأمن، ونشر العافية بين جميع المسلمين سواء الأسود منهم والأحمر، وقد دلّ ذلك على مدى حنانه وعطفه على جميع المسلمين، كما نصت هذه المادة على أن لا يتبع أحدا بما مضى، وأن لا يأخذ أهل العراق بإحنة مما قد مضى، وإنما شرط عليه ذلك لعلمه بما سيعاملهم به من الارهاق والتنكيل انتقاما لما صدر منهم فى أيام صفين.
٤ ـ عدم تسميته بأمير المؤمنين:
وفي رفض الامام (ع) تسمية معاوية بأمير المؤمنين تجربد له من السلطة الدينية عليه وعلى سائر المسلمين، ولم يلتفت معاوية الى هذه الطعنة النجلاء، فانه إذا لم يكن على الحسن أميرا لم تكن له بالطبع على المسلمين امرة أو سلطان، وكان بذلك حاكم جور وبغي، وقد جرده بذلك من منصب الامامة والخلافة، وأثبت له الغصب لهذا المركز العظيم.
٥ ـ عدم اقامة الشهادة:
وهذه المادة قد فضحت معاوية وأخزته، ودلت على أنه من حكام الجور، فان اقامة الشهادة حسب ما ذكره الفقهاء إنما تقام عند الحاكم الشرعي، فهي من الوظائف المختصة به، وإذا لم تصح إقامة الشهادة عند معاوية فهو ليس بحاكم عدل وإنما هو حاكم جور، وحكام الجور لا يكون حكمهم نافذا، ولا تصرفهم ماضيا عند الشرع، ويجب على الأمّة أن تزيلهم عن هذا المنصب الذي انيط به حفظ الدماء، وصيانة الاعراض، وحفظ الأموال، وفى هذا الشرط بيّن الامام أنه صاحب الحق، وان معاوية غاصب له،
٦ ـ ترك سب أمير المؤمنين:
وأظهر (ع) بهذا الشرط تمادي معاوية فى الاثم، فقد علم أنه لا يترك سبّ أمير المؤمنين والحطّ من كرامته، فأراد (ع) أن يبيّن للمجتمع الاسلامى مدى استهتاره، وعدم اعتنائه بشئون الإسلام وتعاليمه، فان سب المسلم وانتقاصه قد حرّمه الاسلام، ولكن ابن هند لم يقم للإسلام وزنا، فقد أخذ بعد إبرام الصلح يسب أمير المؤمنين على رءوس الأشهاد كما سنبين ذلك عند التعرض لخرقه شروط الصلح. ولا يخفى أن الامام قد فضحه بهذا الشرط وأماط عنه الستر الصفيق الذي تستر به باسم الدين.
٧ ـ الامن العام للشيعة:
كان الامام (ع) حريصا أشد الحرص على شيعته وشيعة أبيه، فقد صالح معاوية حقنا لدمائهم، وحفظا عليهم، وقد اشترط على معاوية أن لا يتعرض لهم بمكروه وسوء، وهذا الشرط عنده من أهم الشروط وأعظمها قال سماحة المغفور له آل ياسين: (واعتصم فيها ـ أي في المعاهدة ـ بالأمان لشيعته وشيعة أبيه وإنعاش أيتامهم ليجزيهم بذلك على ثباتهم معه، ووفائهم مع أبيه، وليحتفظ بهم امناء على مبدئه، وانصارا مخلصين لتمكين مركزه ومركز أخيه يوم يعود الحق الى نصابه)(٣٦٠).
إن أغلب الشروط التي اشترطها الامام كانت تهدف لصالح شيعته وضمان حقوقهم وعدم التعرض لهم بأذى أو مكروه.
٨ ـ خراج دارابجرد:
واشترط الامام على معاوية أموالا خاصة ينفقها على شيعته وشيعة أبيه وهي خراج دارابجرد(٣٦١) والوجه في هذا التخصيص إن الذي يجلب الى الدولة من الأموال يسمى بعضه بالفيء، وهو المال المأخوذ من الأراضي المفتوحة عنوة، وهذا يصرف على المصالح العامة، وعلى الشؤون الاجتماعية وذلك كتحسين الجيش، وإنشاء المؤسسات وما شاكل ذلك من المشاريع الحيوية، وقسم من الأموال يسمى (بالصدقة) وهي الضرائب المالية التي فرضها الاسلام في اموال مخصوصة وانواع من الواردات يدور عليها رحى سوق التجارة في العالم فرضها على الأغنياء تجلب منهم وتدفع الى الفقراء لمكافحة الفقر وقلع بذور البؤس، فقد قال (ص): (أمرت في الصدقة ان آخذها من اغنيائكم واردها فى فقرائكم)، وقد كره الحسن ان يأخذ من هذه الأموال لنفسه أو لشيعته، اما له فانها محرمة عليه لأن الصدقة حرام على آل البيت، واما كراهة اخذها لشيعته فلأن اموال الصدقة لا تخلو من حزازة عليهم لأنها اوساخ الناس، وقد كره (ع) ان يأخذ منها لشيعته، وخصّ ما يأخذه لهم من دارابجرد، لأنها قد فتحت عنوة، وما فتح عنوة فهو ليس بصدقة، وبذلك قد اختار لشيعته من الأموال ما هو ابعد عن الشبهة الشرعية وهي خراج دارابجرد التي هي للمسلمين وعلى الامام أن ينفقها على صالحهم.
٩ ـ عدم البغى عليهم:
ومن مواد المعاهدة أن لا يبغي معاوية للحسن والحسين، ولا لأهل بيت النبي (ص) غائلة، ولا يخيف أحدا منهم، وإنما شرط عليه ذلك لعلمه بما سيبغيه لهم من الشر والمكر، فكان من غوائله لهم أنه دس السم للإمام ـ كما سنبينه ـ فأراد الإمام بهذا الشرط وبغيره من بنود الصلح أن يكشف الستار عن معاوية، ويبدي عاره وعياره، وانه لا ذمة ولا حريجة له في الدين.
هذه بعض بنود الصلح، وقد حفلت بعناصر ذات أهمية بالغة دلت على براعة الإمام، وقابلياته الفذة فى التغلب على خصمه، يقول سماحة المغفور له آل ياسين فى هذه المعاهدة:
(ومن الحق أن نعترف للحسن بن علي على ضوء ما أثر عنه من تدابير ودساتير هي خير ما تتوصل إليه اللباقة الدبلوماسية لمثل ظروفه من زمانه وأهل زمانه بالقابليات السياسية الرائعة التي لو قدر لها أن تلي الحكم في ظرف غير هذا الظرف، وفي شعب أو بلاد رتيبة بحوافزها ودوافعها لجاءت بصاحبها على رأس القائمة من السياسيين المحنكين، وحكام الاسلام اللامعين، ولن يكون الحرمان يوما من الأيام، ولا الفشل في ميدان من الميادين بدوافعه القائمة على طبيعة الزمان دليلا على ضعف أو منفذا الى نقد، ما دامت الشواهد على بعد النظر وقوة التدبير، وسمو الرأي، كثيرة متضافرة تكبر على الريب وتنبو عن النقاش.
وللقابليات الشخصية مضاؤها الذي لا يعدم مجال العمل، مهما حدّ من تيارها الحرمان أو ثنى من عنانها الفشل، وها هي من لدن هذا الرجل تستجد ـ منذ الآن ـ ميدانها البكر القائم على الفكرة الجديدة القائمة على صيانة حياة أمّة بكاملها في حاضرها ومستقبلها، بما تضعه المعاهدة من خطوط وبما تستقبل به خصومها من شروط)(٣٦٢).
موقف الإمام الحسين
كان موقف سيد الشهداء الامام الحسين (ع) من قضية الصلح كموقف أخيه الحسن (ع)، فكان يرى ضرورة المهادنة، ولزوم المسالمة، وانه ليس من الحكمة، ولا من الصالح فتح باب الحرب مع معاوية، فانه يعود بالمضاعفات السيئة على الإسلام، ويجر الويلات والخطوب للمسلمين وذلك لتفلل الجيش الذي نزح معهم، فقد ذكرنا فى البحوث السابقة الخيانات المفضوحة التي ظهرت من أغلب الأمراء والوجوه، والتحاقهم بمعسكر معاوية، وضمانهم له الفتك بالامام الحسن، أو تسليمه أسيرا له، فكيف يحاربه بهذه القوى الغادرة التي تبغي له الغوائل، وتتربص به الفرص للفتك به؟
إن الإمام الحسين (ع) كان من رأيه أن يستجيب أخوه للصلح، ولا يناجز معاوية نظرا للعوامل المريرة التي أحاطت به حتى جعلت من المستحيل التغلب على معاوية، والانتصار عليه، فما عمله الامام الحسن من الصلح كان أمرا متعينا، ولا سبيل لغيره ـ كما أوضحنا ذلك في أسباب الصلح ـ، فكيف يخالف الإمام الحسين أخاه في ذلك، ولا يقره عليه.
وزعم بعض المؤرخين ان الإمام الحسين (ع) كان كارها لما فعله أخوه، وانه قال له:
(أنشدك الله أن تصدق احدوثة معاوية، وتكذب احدوثة أبيك!!) فأجابه الحسن:
(أنا أعلم بهذا الأمر منك)(٣٦٣).
ورووا أيضا: (ان الحسن (ع) قال لابن عمه عبد الله بن جعفر:
(إني رأيت رأيا أحب أن تتابعني عليه) فانبرى إليه ابن جعفر قائلا: (ما هو)؟
(رأيت أن أعمد الى المدينة فأنزلها، وأخلي بين معاوية، وبين هذا الحديث، فقد طالت الفتنة، وسفكت فيها الدماء، وقطعت الأرحام، وعطلت الفروج)(٣٦٤).
فأيد ابن جعفر رأيه قائلا:
(جزاك الله عن أمّة محمد خيرا، وأنا معك).
ثم بعث نحو الحسين، فلما مثل بين يديه قال له:
(إني رأيت رأيا، وأحب أن تتابعني عليه).
(ما هو؟)
فذكر له رأيه في ذلك.
فانبرى الحسين وهو غضبان قائلا:
(أعيذك بالله أن تكذب عليا في قبره، وتصدق معاوية).
فتأثر الحسن من كلامه، وقال له:
(والله ما أردت أمرا إلا خالفتني عليه الى غيره، والله لقد هممت أن أقذفك فى بيت فأطينه عليك، حتى أقضى أمري).
فلما رأى الحسين غضب أخيه وجدّه في الأمر انسحب عن فكرته وتنازل عن رأيه وقال له بصوت خافت: (أنت أكبر ولد عليّ، وأنت خليفتي، وأمرنا لأمرك متبع، فافعل ما بدا لك)(٣٦٥).
لا شك في افتعال ذلك كله وانه من الموضوعات لأن الامام الحسين عليه السلام كان عالما بالعلل والأسباب التي الجأت أخاه الى الصلح والزمته بالمسالمة، فان رأيه في الصلح كان موافقا لرأي أخيه لا يخالفه ولا يختلف عنه، ويدل على ذلك ان الإمام الحسن لما أبرم الصلح أقبلت الى الامام الحسين طائفة من الزعماء والوجوه يطلبون منه أن ينقض ما أبرمه أخوه ويناجز معاوية فأبى (ع) وامتنع، ولو كان رأيه مخالفا لرأي أخيه لأجابهم الى ذلك، ولما انتقل الإمام الحسن (ع) الى حظيرة القدس رفعت إليه طوائف من زعماء العراق عدة رسائل يطلبون منه اعلان الثورة على معاوية فامتنع من اجابتهم وقال لهم:
(ما دام معاوية في قيد الحياة فلا اتحرك بكل شيء، وإذا مات نظرت في الأمر)(٣٦٦).
إن امتناعه من القيام بالأمر ما دام معاوية حيا يدل بصراحة أنه كان يرى ضرورة المهادنة والمسالمة المؤقتة، فان الثورة لا تنتج ولا التضحية تجدي شيئا مع وجود معاوية لأنه يلبسها ثوبا يخرجها عن اطار الإصلاح كما أوضحنا ذلك فيما تقدم، نعم لا شك ان الصلح قد ترك في نفس الحسين أسى مريرا وحزنا مرهقا كما ترك في نفس الحسن أيضا لوعة وحزنا، ولكنهما سلام الله عليهما ما ذا يصنعان والظروف لم تكن مواتية لهما حتى يقوما بمناجزة معاوية.
ومما يدل على وضع ذلك وعدم صحته انه جاء في الرواية الثانية ان الإمام قال لأخيه الحسين.
(ما أردت أمرا إلا خالفتني عليه).
ان هذا الكلام شاهد على الافتعال والوضع لأن الإمام الحسين عليه السلام تصده مثله العليا عن مخالفة أخيه وعدم طاعته له فقد تربيا معا في حجر المشرع الأعظم، وأفاض عليهما مثله وتهذيبه وهديه حتى صارا صورة صادقة عنه، فكيف يخالف أوامر أخيه ولا يطيعه فى أمر يعود بالصالح العام لجميع المسلمين، إن الامام الحسين كان يكبر أخاه ويجله ولا يخالف له أمرا. فقد روى حفيده الإمام الباقر (ع) عن مدى اجلاله وتعظيمه له قال:
(ما تكلم الحسين بين يدي الحسن اعظاما له)(٣٦٧).
وبعد هذا التقدير والإكبار هل يصح أن يقول الحسن لأخيه ما أردت أمرا إلا خالفتني عليه.
وانجرف الدكتور طه حسين بهذه الرواية المفتعلة فقال:
(كره صلح أخيه وهمّ أن يعارض، فأنذره أخوه بأن يشدّه في الحديد حتى يتم الصلح).
وقال: (وكان الحسين يعيب الصلح لأنه إنكار لسيرة أبيه).
وقال أيضا: (رأى الوفاء لأخيه حقا فوفى له، وأطاعه كما أطاع أباه من قبله. وما أشك في أنه أثناء هذه السنين التي قضاها فى المدينة بعد صلح أخيه كان يتحرق تشوقا الى الفرصة التي تتيح له استئناف الجهاد حيث تركه أبوه)(٣٦٨).
أما قوله: (كره صلح أخيه وهمّ بالمعارضة، فأنذره أخوه بأن يوثقه في الحديد، وانه كان يعيب عليه لأنه إنكار لسيرة أبيه)، فيرده انه لو كان كارها لذلك لأجاب الكوفيين الى مناجزة معاوية بعد ما جرى الصلح، ولأعلن الثورة عليه بعد موت أخيه، مضافا الى انه لو كان الصلح مخالفا لسيرة أمير المؤمنين (ع) لما سكت الحسين لحظة واحدة لأن السكوت عن الحق جبن ومعصية، ولو كان مخالفا لسيرة أمير المؤمنين التي هي سيرة رسول الله (ص) لما أبرم الحسن (ع) الصلح ونفذه، نعم كان الحسين يتحرق شوقا الى الجهاد تحرق الظمان الى الماء، قد انطوى قلبه على شجى مكتوم وحزن مرهق ولكنه لم ينفرد بذلك، فقد شاركه أخوه في جميع محنه وأشجانه، وكانا معا يترقبان بفارغ الصبر الفرصة السانحة للثورة على حكومة أميّة، ولكن الفرصة التي يؤمل بها النصر والفتح كانت معدومة ما دام معاوية حيا، فان فتح باب الحرب معه يعود بالضرر البالغ على الإسلام والمسلمين.
بقي هنا شيء لم نذكره في أسباب الصلح، وهو انه لما ذا لم يفتح الإمام الحسن باب الحرب مع معاوية، وإن عدم الناصر والمعين فيستشهد كما استشهد أخوه سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام، وهذه الشبهة قد ذهب إليها بعض الناقدين للصلح، ولندع الجواب الى إمام من أئمة المسلمين وهو آية الله المغفور له السيد عبد الحسين شرف الدين فقد كشف الغطاء عنها في مقال عنوانه (ثورة الحسين صدى لصلح الحسن) وقد نشر في أغلب الصحف المحلية، نذكره بأسره لما فيه من مزيد الفائدة قال رحمه الله:
(كان بنفسي من قديم أن أعني ببحث هذه المسألة بحثا يدفع هذه الشبهة عن أبي محمد، فى نفوس غير المتمكنين فى فهم التأريخ فهما صحيحا وكثير من هؤلاء لا يرجعون الى مصدر علمي في وزن هؤلاء النفر من أهل البيت، واخضاع حركاتهم في حالتي مدها وجزرها للمبدأ الأسمى، الذي طوعهم لخدمته، وأفنى ذواتهم في ذاته، فكانوا ينقبضون حين يشاء لهم الانقباض، وينبسطون حين يشاء لهم الانبساط كذلك...
كان بنفسي أن أرد هذه الشبهة عن أبي محمد السبط باقامة هذا الميزان العلمي الذي يجلو هذه الحقيقة، ويكشف خدرها، غير أن واردا ثقيلا من المشاغل التي تنتهي كان يصرفني عما بنفسي من ذلك،.. فها أنا الآن أوجز الإشارة الى هذه الشبهة ودفعها، وعسى أن تعود هذه النواة غرسا أتعهده أنا بما ينميه إن سنحت الفرصة أولا فينميه قلم من هذه الأقلام الصقيلة، المغموسة بقلوب الأحرار، وعقول العلماء من خدام الحقائق.
أما الشبهة فقديمة كقدم النظر القاصر فيمن يأخذون من الأشياء بالظاهر والملمون بتأريخ الحسن (ع) يعرفون أن قوما من صحابته أخذوا عليه قعوده عن حرب معاوية، ومناجزته إياه القتال، حتى لأوشك أن يذهب يومئذ ضحية هذه الفتنة، وحتى دخل عليه خاصته بسلام غليظ يقولون فيه: (السلام عليك يا مذل المؤمنين)..!
وقد يكون لهؤلاء عذر بحماستهم التي نعرفها لذوي النجدة من فتيان الايمان الذين تغلب فيهم عاطفة الحماسة، واستقرار الروية وبعد النظر.
وقد يكون ذلك ولكنا لا نقصد الآن الى الاعتذار لهم بل نريد أن نثبت طرف هذه الشبهة عن الأول لنراها تتسلسل منه فتظهر بين حين وآخر طورا على لسان أوليائه، وتارة على لسان أعدائه، وهي هنا وهناك لا تظهر إلا لتدل على جهل هؤلاء وأولئك.
فنحن حين نزن صلحه عليه السلام وحربه ترجح كفة الصلح من حيث اعتبرت المعايير المرعية، وكن إن شئت (ماديا)، أو كن (روحيا) تتجاوز بايمانك وفهمك مدى المحسوسات المرئية.
كن أول الأمر ماديا وناقش حرب الحسن في جيش حكم على نفسه بالهزيمة، قبل أن يخوض المعركة، وغزاه معاوية الذي ثبت لعلي من قبل ولعلي معنوية عسكرية ترجف الأرض من خيفتها، مضافا الى معنوياته الأخرى التي لم يكن الحس يتمتع بمثلها فى نفوس معاصريه، بحكم انضوائه الى لواء أبيه.
نعم لك أن تقول كان على الحسن أن يستشهد فيموت عزيزا، ولكن أعد النظر في تاريخ هذه الفترة لترى أن الاستشهاد فيها ينمسخ الى معنى من معاني (الخروج) فلم تكن يومئذ حقيقة وطنية ثابتة، ولا روح مبدئية مستقرة لتكون التضحية تضحية مقررة القواعد وليس أتفه ـ فى هذه الحال ـ من الموت يعين على صاحبه ويميته مرة أخرى فى معناه.
كانت الحياة الإسلامية تنتكس حقا، وتتحول الى ملك عضوض وكانت المطامع تتجند في ركاب الملك هاربة من حواشي الخلافة ولكنها كانت ما تزال تحتفظ بوسيلة الإسلام وظاهر مبادئه في (وصولية) صاغها معاوية بدهائه، وكان هذا وحده عذرا للحسن من ناحيتين.
١ ـ كان عذره في الصلح لأن (الدنيا) كانت تظاهر معاوية فتستلب منه ابن عمه وقائد عسكره.
٢ ـ ثم كان عذره في القعود عن الشهادة لأن ذلك بعينه ليس ظرف الشهادة، لأنه كان قادرا على مسخها.
فأي ربح مادي في الموت لو اختاره الحسن كما يريد هؤلاء، غير انه يعين معاوية على نفسه حيا وميتا.
إننى لا أرى شيئا أدل على عظمة الحسن من هذه السياسة المادية التي حددت موقفه على هذا النحو في أخطر دور مرّ به الإسلام. فكانت نواة لقلب الحكم الأموي، وفضح، كما كانت مادة ذلك البارود الجبار الذي انفجر في مصرع الحسين (ع) ذلك الانفجار، ولو لم يكن موقف الحسن هذا لأتيح لمعاوية سلطان لا يعرف الناس منطوياته، ولما اتيح للحسين أن يكون الفداء الخالد للمبدإ الخالد.
وبعد إن كنت ماديا فكن (روحيا) وناقش حرب الحسن لتجتمع لك الاعتبارات كلها على رجحان كفة الصلح.
الحسن (ع) ليس من طلاب (الامرة) لذات الامرة، بل هو ممن يريدون الخلافة وسيلة للإصلاح، وإقامة العدل والسلام بين الناس، وما أظن هذه العقيدة الروحية تعدم دليلها المادي، فأبوه وجده أثبتا فى الإسلام انهما كذلك، وله قبل الإسلام إرث ينهض دليلا على انه من معدن مصلح لا يطلب النفوذ إذا استغنى عن فعل الخير.
ومن هنا كان سهلا عليه أن يتنازل عن الخلافة لأنه في فترة لا تقدر هي على ابداء الخير في ظل ذلك الجيل المكبوت المشتاق الى الشهوات يصيب منها فوق كفايته على موائد معاوية، بل لقد كان الواجب عليه أن يتنازل مع عدم القدرة على تذليل العقبة من اخضاع (الأموية) المندفعة، لأن تنازله يأتي وفق الخطة التي رسمتها له مبادئه.
وليس عائبو تنازله أشد احساسا منه بالام التنازل وهو المجروح، ولكنها التضحية الضخمة فرضت عليه أن يتحمل آلام القعود التي كتبتها عليه مثله العليا، ومبادئه الحسنى.
وهي تضحية لا تقل قدرا ـ إن لم تزد ـ عن تضحية الحسين (ع) وكن الآن ما شئت، كن ماديا، أو كن روحيا فستنتهي آخر الأمر الى نتيجة رائعة، وهي ان صلح الحسن مصدر من أكبر مصادر ثورة الحسين التحريرية، والى أن جوهر التضحية واحد عند الاماميين وإن اختلف مظهرهما.
والحق ان يوم الطف كان صدى ليوم المدائن صلى الله على سيدي شباب أهل الجنة، ونفع المسلمين بذكرياتهما المجددة المتجددة، ووفق العرب والمسلمين الى الاهتداء بهديهما فى مرحلتهم الصعبة هذه)(٣٦٩).
ورأي سماحة الامام شرف الدين رأي وثيق تعضده الأدلة ويسنده المنطق العلمي من جميع جهاته، والحق إنه (ع) لو ضحّى بنفسه لذهبت تضحيته معدومة الأثر، لا تقيم حقا، ولا تغير باطلا، لأن معاوية بمكره وخداعه، يلقي المسئولية على الحسن، ويبرئ نفسه عن ارتكاب الجريمة، فيقول للناس: (إني دعوت الحسن للصلح، ولكن الحسن أبى إلا الحرب وكنت اريد له الحياة، ولكنه أراد لي القتل، وأردت حقن الدماء، ولكنه أراد هلاك الناس بينى وبينه...) ومعاوية له هذه القابليات التي يظهر بها نفسه مظهر العادل المنصف، وبذلك تكون التضحية مسلوبة الأثر معدومة الفائدة.
وأما الحسين (ع) فقد جاءت تضحيته الخالدة موافقة لظرفها الملائم ومنسجمة مع مقتضيات الزمن، لأن الأثيم يزيد ليس معه من يدير شئونه ويردعه عن طيشه وغروره، فقد هلكت تلك العصابة التي كان يعتمد عليها معاوية في تدبير شئونه كابن العاص، والمغيرة وأمثالهما من دهاة العرب، ولم يبق منهم معه أحد، فلذا نهض الامام الحسين عليه السلام بتلك النهضة الموفقة التي جاءت بالنهاية المحتومة لدولة أميّة.
وبالجملة إن مهادنة الحسن وشهادة الحسين عليه السلام قائمتان على فكرة عميقة منبعثة من وحي جدهما الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ولو لا صلح الامام الحسن، وشهادة أخيه سيد الشهداء لما بقي للإسلام اسم ولا رسم، وقد صرّح بهذا الامام كاشف الغطاء في مقدمته للجزء الأول من هذا الكتاب، قال رحمه الله:
(إنه كما كان الواجب والمتعين الذي لا محيص عنه في الظروف التي ثار بها الحسين سلام الله عليه على طاغوت زمانه أن يحارب ويقاتل حتى يقتل هو وأصحابه، وتسبى عياله ودائع رسول الله (ص) كما كان هذا هو المتعين فى فن السياسة، وقوانين الغلبة والكياسة مع قطع النظر عن الأوامر الالهية، والمشيئة الأزلية، كذلك كان المتعين والواجب الذي لا محيص عنه في ظروف الحسن (ع) وملابساته هو الصلح مع فرعون زمانه، ولو لا صلح الحسن، وشهادة الحسين عليه السلام لما بقي للإسلام اسم، ولا رسم، ولضاعت كل جهود محمد (ص) وما جاء به للناس من خير وبركة ورحمة).
نعم: لو لا صلح الحسن، وشهادة الحسين لقضي على الاسلام ولف لواؤه، فإن الحسن عليه السلام بصلحه فضح معاوية وأظهر عداءه السافر للإسلام والمسلمين، والحسين عليه السلام بتضحيته وشهادته فتك بدولة أميّة وقضى عليها وعلى كل ظالم مستبد، وأعطى الدروس الخلاقة لكل مصلح يريد أن يثور على الظلم والطغيان والاستغلال.
اجتماع الإمام بمعاوية
لعل أقسى محنة اجتازتها نفس أي انسان كان هي التي ألمّت بالامام الحسن (ع) حينما اجتمع بابن أبي سفيان، فقد أودع ذلك الاجتماع ألما مرهقا، وأسى مرّا، استوعب نفسه الشريفة، ذلك لأنه رأى باطل معاوية قد استحكم وجوره قد انتصر، وزاد في أساه ما ستعانيه الأمّة في دور هذا الطاغية من الماسي والشجون، فترك ذلك أعمق الألم والحزن في نفسه.
لقد اجتمع الامام ـ على كره ـ بمعاوية، وكان الاجتماع بالنخيلة(٣٧٠) وقيل بالكوفة(٣٧١)، وقد حضرته جموع حاشدة من المسلمين، تنتظر بفارغ الصبر ما يفوه به الملك الظافر من الأمن والرفاهية وما يبسطه على الناس من العدل، وما عسى معاوية أن يفعل في هذه الساعة الرهيبة، إنه اعتلى المنبر فأظهر خبث ذاته، وسوء سريرته، واعلن ما يضمره للمسلمين من الشر والارهاق، كما أظهر لهم السر في الحرب التي أثارها على أمير المؤمنين وولده الحسن قائلا:
(أيها الناس، ما اختلف أمر أمّة بعد نبيها إلا وظهر أهل باطلها على أهل حقها).
ولما افتتح خطابه بهذا القول الذي حكى فيه الواقع التفت الى أنه قد عنى به نفسه فندم على ذلك فاستدرك قائلا:
(إلا هذه الأمّة).
ثم وجه خطابه القاسي الى العراقيين معربا لهم عن حقيقة الحرب التي أثارها عليهم، وإن الهدف الأقصى الذي ينشده من وراء ذلك إنما هو الملك، لا الطلب بدم عثمان قائلا:
(والله إني ما قاتلتكم لتصلوا، ولا لتصوموا، ولا لتحجوا، ولا لتزكوا، إنكم لتفعلون ذلك، وإنما قاتلتكم لأتأمّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون).
ثم صرح بعد ذلك بعدم التزامه ووفائه بالشروط التي أعطاها للإمام فقال:
(ألا إن كل دم أصيب في هذه الفتنة مطلول، وكل شرط شرطته فتحت قدمي هاتين(٣٧٢) ولا يصلح الناس إلا ثلاث: اخراج العطاء عند محله، وإقفال الجنود لوقتها، وغزو العدو في داره، فان لم تغزوهم غزوكم).
حقا ان هذا هو التمادي في الإثم، وكان عبد الرحمن بن شريك(٣٧٣) إذا حدّث بذلك يقول: (والله هذا هو التهتك). ويقول أبو اسحاق السبيعي، وهو ممن روى خطاب معاوية: (كان والله غدارا).
وأخذ معاوية يكيل السب والشتم الى أمير المؤمنين (ع) وولده الحسن غير مستأثم من ذلك ولا متحرج، وقد خرق بذلك أبرز بنود المعاهدة التي وقع عليها.
خطاب الامام الحسن:
وطلب معاوية من الإمام أن يعتلي منصة الخطابة ليبين للناس تنازله عن الأمر. وقيل ان ابن العاص أشار عليه بذلك ليظهر للناس ـ بحسب زعمه ـ عي الإمام وعدم مقدرته على الخطاب، وقد أخطأ في ذلك، فان الإمام قد خطب الناس غير مرة في حياة أبيه، وبعد وفاته ولم يعرف عنه العي والحصر، لأنه من أهل بيت كانوا معدن الفصاحة والبلاغة، وفصل الخطاب، وانبرى الإمام الى أعواد المنبر والناس كلهم أذن صاغية وهم ما بين راغب وراغم، فخطبهم خطبة طويلة كانت فى منتهى الروعة والبلاغة، وعظ فيها الناس، ودعاهم الى الالفة والمحبة، وصوّر فيها الأحداث الرهيبة التي جرت على أهل البيت بعد وفاة النبيّ (ص) وعزى ما جرى عليهم من المحن والخطوب الى الصدر الأول الذين نزعوا الخلافة منهم، وردّ في آخر خطابه على معاوية، وهذا نص خطابه:
(الحمد لله كلما حمده حامد، وأشهد أن لا إله إلا الله كلما شهد له شاهد، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى، وائتمنه على الوحي.
أما بعد: فو الله إني لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنّه وأنا أنصح خلق الله لخلقه، وما أصبحت محتملا على مسلم ضغينة، ولا مريدا له سوءا، ولا غائلة. ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة ألا وإني ناظر لكم خير من نظركم لأنفسكم، فلا تخالفوا أمري، ولا تردوا عليّ رأي غفر الله لي ولكم، وأرشدني وإياكم لما فيه المحبة والرضا)(٣٧٤).
ثم التفت الى الجماهير فقال لها:
(أيها الناس، إن أكيس الكيس التقى، وأحمق الحمق الفجور، والله لو طلبتم ما بين جابلق(٣٧٥) وجابرس(٣٧٦) رجلا جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما وجدتموه غيري وغير أخي الحسين، وقد علمتم أن الله هداكم بجدي محمد (ص) فأنقذكم به من الضلالة، ورفعكم به من الجهالة، وأعزكم به بعد الذلة، وكثركم به بعد القلة، إن معاوية نازعني حقا هو لي دونه، فنظرت لصلاح الأمّة، وقطع الفتنة، وقد كنتم بايعتموني على أن تسالمون من سالمت، وتحاربون من حاربت، فرأيت أن أسالم معاوية، واضع الحرب بيني وبينه، وقد بايعته، وقد رأيت أن حقن الدماء خير من سفكها، ولم أرد بذلك إلا صلاحكم وبقاءكم، وإن أدرى لعله فتنة لكم ومتاع الى حين)(٣٧٧).
وأخذ (ع) يبين ظلامة أهل البيت فقال:
(وإن معاوية زعم لكم أني رأيته للخلافة أهلا ولم أر نفسي لها أهلا، فكذب معاوية. نحن أولى الناس بالناس في كتاب الله عز وجل وعلى لسان نبيه، ولم نزل ـ أهل البيت ـ مظلومين منذ قبض الله نبيه، فالله بيننا وبين من ظلمنا، وتوثب على رقابنا، وحمل الناس علينا، ومنعنا سهمنا من الفيء، ومنع أمّنا ما جعل لها رسول الله، واقسم بالله لو أن الناس بايعوا أبي حين فارقهم رسول الله لأعطتهم السماء قطرها، والأرض بركتها، ولما طمعت فيها يا معاوية، فلما خرجت من معدنها تنازعتها قريش بينها، فطمع فيها الطلقاء وأبناء الطلقاء، أنت وأصحابك. وقد قال رسول الله: ما ولت أمّة أمرها رجلا وفيهم من هو أعلم منه إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالا حتى يرجعوا الى ما تركوا. فقد ترك بنو اسرائيل هارون وهم يعلمون أنه خليفة موسى فيهم واتبعوا السامري، وتركت هذه الأمّة أبي وبايعوا غيره، وقد سمعوا رسول الله يقول له: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة، وقد رأوا رسول الله نصب أبي يوم غدير خم، وأمرهم أن يبلغ أمره الشاهد الغائب، وهرب رسول الله من قومه وهو يدعوهم الى الله حتى دخل الغار، ولو انه وجد أعوانا لما هرب، كفّ أبي يده حين ناشدهم، واستغاث فلم يغث. فجعل الله هارون في سعة حين استضعفوه، وكادوا يقتلونه، وجعل الله النبي في سعة حين دخل الغار ولم يجد أعوانا. وكذلك أبي وأنا في سعة من الله حين خذلتنا هذه الأمّة. وإنما هي السنن والأمثال يتبع بعضها بعضا.)(٣٧٨)
والتفت الى حضار الحفل فقال لهم.
(فو الذي بعث محمدا بالحق، لا ينقص من حقنا ـ أهل البيت ـ أحد إلا نقصه الله من عمله، ولا تكون علينا دولة إلا وتكون لنا العاقبة ولتعلمن نبأه بعد حين.)
والتفت (ع) الى معاوية فردّ عليه سبه لأبيه فقال له:
(أيها الذاكر عليا أنا الحسن وأبي علي، وأنت معاوية وأبوك صخر وأمىّ فاطمة، وأمك هند، وجدي رسول الله، وجدك عتبة بن ربيعة، وجدتي خديجة، وجدتك فتيلة، فلعن الله أخملنا ذكرا، وألأمنا حسبا، وشرنا قديما وحديثا، وأقدمنا كفرا ونفاقا!!)
وارتفعت الأصوات من جميع جنبات الحفل بقول:
(آمين آمين).
وما سمع أحد هذا الخطاب إلا شاركهم بقول: آمين ونحن نقول: آمين آمين.
وهذه الخطبة أبلغ خطبة عرفها التأريخ، فقد وضع الإمام فيها النقاط على الحروف ـ كما يقولون ـ وصوّر الموقف الدقيق الذي هو فيه، وربط بين الأحداث التي واجهها، وبين الأحداث التي جرت على أبيه وانها جميعا تستند الى من تقمص الخلافة بعد وفاة النبي (ص)، فلولاهم لما طمع معاوية في الخلافة ونازعه فيها.
موقف الزعيم قيس:
ولما سمع الزعيم الحديدي قيس بن سعد بالنبإ المؤلم جمد دمه واستولت عليه موجة من الهموم، وغشيته سحب من الأحزان حتى تمنى مفارقة الحياة وجعل يردد في دخيلة نفسه:
كيف سالم أمير الحق أمير الباطل؟!!!
ووقف وهو حائر اللب، خائر القوى يريد أن ينقل قدمه من الأرض فلم يتمكن، قد مشت الرعدة بأوصاله، والحيرة بصدره، وسرى الألم العاصف في محيّاه، ثم انفجر باكيا وهو ينظم ذوب الحشا قائلا:

أتاني بأرض العال من أرض مسكن * * * بأن إمام الحق أضحى مسالما
فما زلت مذ بينته متلددا * * * أراعي نجوما خاشع القلب واجما(٣٧٩)

والتفت الى الجيش وقد علاه الانكسار واستولى عليه الجزع والذهول قائلا بصوت خافت حزين النبرات:
(اختاروا إحدى اثنتين، اما قتال بغير إمام، واما أن تبايعوا بيعة ضلال؟!!)
فأجابوه وقد علاهم الذل والهوان قائلين:
(بل نقاتل بغير إمام).
وزحفوا الى جموع أهل الشام فضربوهم حتى أرجعوهم الى مصافهم واضطرب معاوية من ذلك أشد الاضطراب، فراسل قيسا يمنّيه ويتوعّده
فأجابه قيس:
(لا والله، لا تلقاني إلا وبيني وبينك السيف أو الرمح).
ولما يئس منه معاوية أرسل إليه رسالة يشتمه فيها ويتوعّده وهذا نصها:
(أما بعد: فإنك يهودي تشقى نفسك، وتقتلها فيما ليس لك، فإن ظهر أحب الفريقين إليك نبذك وغدرك، وإن ظهر أبغضهم إليك، نكّل بك وقتلك، وقد كان أبوك أوتر غير قوسه، ورمى غير غرضه، فأكثر الجذ، وأخطأ المفصل، فخذله قومه، وأدركه يومه، فمات بحوران غريبا والسلام).
فاجابه قيس: (أما بعد: فإنما أنت وثن ابن وثن، دخلت في الإسلام كرها، واقمت فيه فرقا، وخرجت منه طوعا، ولم يجعل الله لك فيه نصيبا، لم يقدم إسلامك، ولم يحدث نفاقك، ولم تزل حربا لله ولرسوله، وحزبا من أحزاب المشركين، وعدوّا لله ولنبيه وللمؤمنين من عباده. وذكرت أبي فلعمري ما أوتر إلا قوسه، ولا رمى إلا غرضه، فشغب عليه من لا تشق غباره، ولا تبلغ كعبه، وزعمت أني يهودي ابن يهودي وقد علمت وعلم الناس أني وأبي أعداء الدين الذي خرجت منه، وانصار الدين الذي دخلت فيه وصرت إليه والسلام).
وحكت هذه الرسالة حقيقة معاوية وواقعه، ولمّا قرأها انتفخت أوداجه، وورم أنفه، فأراد أن يجيبه، ولكن الداهية الماكر وزيره ابن العاص نهاه عن ذلك قائلا له:
(!! فإنك إن كاتبته أجابك بأشد من هذا، وإن تركته دخل فيما دخل فيه الناس).
واستصوب معاوية رأي ابن العاص فأعرض عن الشدة والعنف(٣٨٠) وبعث إليه رسالة جاء فيها:
(على طاعة من تقاتل؟ وقد بايعني الذي أعطيته طاعتك).
ولم يقتنع قيس بذلك وبقي مصرا على رأيه، ولكن معاوية خاف من الفتنة ومن تطور الأحداث فبعث إليه طومارا ختم في أسفله، وقال للرسول قل له فليكتب فيه ما شاء وغاظ ذلك ابن العاص، لأن فيه نوعا من التكريم والحفاوة بقيس، فالتفت الى معاوية قائلا:
(لا تأته هذا وقاتله!!)
ولم يخف على معاوية حقد ابن العاص لقيس وعدم نصحه في مقاله فأجابه:
(على رسلك فانا لا نخلص الى قتلهم حتى يقتل اعدادهم من أهل الشام فما خير في العيش بعد ذلك واني والله لا أقاتله أبدا حتى لا أجد من قتاله بدّا).
وأوصل الرسول الطومار الى قيس، وابلغه بمقالة معاوية، فتأمل قيس وأطال التفكير، وأخيرا لم يجد بدا من الدخول فيما دخل فيه الناس إذ لم تكن عنده قوة يستطيع بها على مناجزة معاوية، ولم يكن هناك ركن شديد يأوى إليه حتى يتخلص من بيعته، فأجاب الرسول بالموافقة وسجل في الطومار الأمان له ولشيعته، ولم يسأل غير ذلك(٣٨١) ولكنه امتنع من الاجتماع معه لأنه قد عاهد الله أن لا يجتمع معه إلا وبينهما السيف والرمح فلما علم معاوية ذلك أمر باحضار سيف ورمح ليجعل بينهما حتى يبر قيس بيمينه ولا يحنث، فعند ذلك التجأ قيس الى الاجتماع به فأقبل وقد أحاطت به الجماهير، وشخصت نحوه الأبصار، وهو مطأطئ الرأس، مثقل الخطى لا يبصر طريقه من الأسى والذل، يتنفس فيلفظ شظايا قلبه مع أنفاسه، ولما استقر به المجالس التفت الى الجموع الحاشدة قائلا:
(يا معشر الناس، لقد اعتضتم الشر من الخير، واستبدلتم الذل من العز، والكفر من الإيمان، فأصبحتم بعد ولاية أمير المؤمنين وسيد المسلمين، وابن عم رسول رب العالمين، وقد وليكم الطليق ابن الطليق، يسومكم الخسف، ويسير فيكم بالسيف، فكيف تجهل ذلك أنفسكم، أم طبع الله على قلوبكم وأنتم لا تعقلون)(٣٨٢).
ثم التفت الى الإمام (ع) وقد استولى عليه الذل والانكسار قائلا بصوت خفيض وبنبرات مرتعشة.
(أفي حل أنا من بيعتك؟)
والتاع الإمام أشد اللوعة من حديث قيس فأجابه بكلمة واحدة:
(نعم).
ولم يكتف معاوية بذلك فقد دفعته الوقاحة وصفاقة الوجه، وضيق الوعاء أن يقول له:
(أتبايع يا قيس؟)
فأجابه بصوت خافت حزين:
(نعم).
ثم أطرق برأسه ووضع يده على فخذه لم يمدها إليه، وقام معاوية من سريره وأكب عليه ومسح يده، وقيس لم يرفع يده.
الى هنا ينتهي بنا الحديث عن اجتماع الإمام بمعاوية، وقد كان الاجتماع من أعظم المحن وأقساها عليه، وأقبل (ع) بعد ذلك يتهيأ للسفر الى يثرب ليترك العراق الذي غدر به وبأبيه من قبل، فلم يف لهما بعهد ووعد يتركه الى معاوية ولبني أميّة يتصرفون فيه حسبما شاءت لهم أهواؤهم الخاصة، فقد أخرجوه من الدعة والرفاهية والأمن، الى الشدة والقسوة والعذاب، وجعل العراقيون بعد نزوح الإمام عنهم يذكرون أيام حياتهم تحت ظلال الحكومة الهاشمية فيحزنون أشد الحزن، ويندمون أشد الندم على تفريطهم في جنب أمير المؤمنين، وولده الإمام الحسن عليهما السلام.
المندّدون بالصّلح
ولم تقتصر محنة الإمام وبلواه الخالدة على ما لاقاه من عظيم البلاء وشدة المحنة في صلحه مع معاوية واجتماعه به، فقد تجاوز بلاؤه الى ما هو أعظم من ذلك وأشد أثرا في نفسه وهو كلام المنددين بصلحه من أعدائه وأصحابه فقد جابهوه بكلام أشد عليه من وقع الحسام المهند، فقد رأى منهم غلظة فى القول وقسوة في الحديث وجفاء أي جفاء، فاستاء (ع) من شيعته أكثر مما استاء من اعدائه لأنهم على علم بالظروف السود، والعوامل المرة التي ألجأته الى الصلح والهدنة، وفيما يلي كلام المنددين في ذلك مع جواب الإمام (ع) لهم.
١ ـ حجر بن عدي:
وأقبل بطل العقيدة ومثال الإيمان حجر بن عدي الى الامام وقد مشت الرعدة بأوصاله، واستولى عليه الحزن قائلا:
(أما والله، لوددت أنك مت في ذلك اليوم ومتنا معك ولم نر هذا اليوم، فإنا رجعنا راغمين بما كرهنا، ورجعوا مسرورين بما أحبوا).
ولا أدري كيف فاه حجر بهذا الكلام القاسي وهو أعلم بمركز الإمام وبواقعه من غيره، وأدرى بالظروف العصيبة والمصاعب الشديدة التي أحاطت به (ع) حتى اضطرته الى الصلح، ولكنه يعذر لأن لوعة المصاب وذهول النفس تخرج الإنسان عن موازين الاعتدال والاستقامة، وقام الإمام (ع) فأخذ بيد حجر واختلى به في زاوية من زوايا البيت فبيّن له الحكمة التي من أجلها صالح معاوية قائلا:
(يا حجر، قد سمعت كلامك في مجلس معاوية، وليس كل انسان يحب ما تحب، ولا رأيه كرأيك، وإني لم أفعل إلا إبقاء عليكم، والله تعالى كل يوم فى شأن)(٣٨٣).
وقد أبان (ع) عدم وجود المخلصين له فى الجيش العراقي ولو كان هناك أمثال حجر فى عقيدته وايمانه ورأيه واخلاصه لما صالح معاوية، كما بيّن (ع) انه إنما صالح خصمه محافظة على حجر وأمثاله من المؤمنين.
٢ ـ عدي بن حاتم:
وعدي بن حاتم هو الفذ المثالي الذي ضرب الرقم القياسي للعقيدة والايمان والفداء فى سبيل الله، وقد اندفع هذا الصحابي العظيم بثورة نفسية عارمة الى انكار الصلح، وكانت لهجة حديثه لهجة مؤدب كامل، فقال للإمام وقد ذابت حشاه من الحزن والمصاب:
(يا ابن رسول الله، لوددت أني مت قبل ما رأيت، أخرجتنا من العدل الى الجور، فتركنا الحق الذي كنّا عليه، ودخلنا في الباطل الذي كنّا نهرب منه، وأعطينا الدنية من أنفسنا، وقبلنا الخسيس التي لم تلق بنا).
وترك كلام عدي في نفس الامام بالغ الأسى والحزن، فانبرى (ع) مبينا له العلة التي صالح من أجلها قائلا:
(يا عدي، إني رأيت هوى معظم الناس في الصلح، وكرهوا الحرب فلم أحب أن أحملهم على ما يكرهون، فرأيت دفع هذه الحروب الى يوم ما فان الله كل يوم هو في شأن).
وأعرب (ع) في جوابه عن سأم جيشه من الحرب، وحبه للعافية وايثاره للسلم، وإنه عازم على إثارة الحرب ومناجزة معاوية، ولكن في وقت مناسب يضمن له النجاح والنصر، ولم يقتنع عدي بكلام الامام، فمضى وهو مثقل الخطى نحو الإمام الحسين (ع) وقلبه يلتهب نارا وحماسا وكان معه عبيدة بن عمر، فلما انتهى الى الإمام قال له بنبرات تقطر حماسا وعزما الى اثارة الحرب.
(يا أبا عبد الله شريتم الذل بالعز، وقبلتم القليل وتركتم الكثير، أطعنا اليوم وأعصنا الدهر، دع الحسن وما رأى من هذا الصلح، وأجمع إليك شيعتك من أهل الكوفة وغيرها، وولني وصاحبي هذه المقدمة، فلا يشعر ابن هند إلا ونحن نقارعه بالسيوف).
فقال له (ع):
(إنا قد بايعنا وعاهدنا ولا سبيل لنقض بيعتنا)(٣٨٤).
٣ ـ المسيب بن نجبة:
والمسيب بن نجبة(٣٨٥) من عيون المؤمنين وخيار الصالحين الذين عرفوا بالولاء والاخلاص لآل البيت (ع) وقد تأثر من الصلح وتألم بكل ما للتألم من معنى فقد أقبل الى الامام وهو محزون النفس مكلوم القلب قائلا: (ما ينقضي تعجبي منك!!! بايعت معاوية ومعك اربعون ألفا، ولم تأخذ لنفسك وثيقة، وعهدا ظاهرا، أعطاك أمرا فيما بينك وبينه، ثم قال: ما قد سمعت، والله ما أراد بها غيرك).
فقال له الامام: (ما ترى؟)
(أرى أن ترجع الى ما كنت عليه، فقد كان نقض ما بينك وبينه)
فانبرى إليه الإمام مبينا له أن المصلحة كانت تقضي بالصلح قائلا:
(يا مسيب، إني لو أردت ـ بما فعلت ـ الدنيا لم يكن معاوية بأصبر عند اللقاء، ولا أثبت عند الحرب مني، ولكني أردت صلاحكم، وكف بعضكم عن بعض)(٣٨٦).
وأعرب الإمام (ع) في حديثه أنه لو كان من طلاب الدنيا وعشاق الملك والسلطان ما كان معاوية بأصبر منه، ولا أثبت في الحرب، ولكن الانتصار عليه يتوقف على الاعتماد على الطرق التي لا يقرها الدين كالمواربة والمداهنة والخداع وما شاكل ذلك، ولكنه (ع) أبى أن يسلك ذلك وسار على خطة أبيه الداعية الى ملازمة الحق والعدل، ومتابعة الشرع.
٤ ـ مالك بن ضمرة:
ودخل على الإمام مالك بن ضمرة(٣٨٧) فتكلم معه بكلام مرّ كان في منتهى الشدة فأجابه الامام (ع).
(إني خشيت أن يجتث المسلمون عن وجه الأرض، فأردت أن يكون للدين ناعي)(٣٨٨).
وأدلى الامام (ع) في حديثه عن حرصه على دماء المسلمين وانه لو فتح باب الحرب بينه وبين معاوية لما بقي مسلم على وجه الأرض، فصالح حفظا على دماء المسلمين وابقاء عليهم.

٥ ـ سفيان بن أبي ليلى:
وسفيان بن أبي ليلى كان ممن يدين بفكرة الخوارج، فقد دخل على الامام وتكلم بكلمات تنمّ عن نفس مترعة بالجفاء والجهل قائلا:
(السلام عليك يا مذل المؤمنين)،
فتأثر (ع) منه واندفع قائلا:
(ويحك أيها الخارجي، لا تعنفني، فان الذي أحوجني الى ما فعلت قتلكم أبي، وطعنكم إياي، وانتهابكم متاعي، وإنكم لما سرتم الى صفين كان دينكم أمام دنياكم، وقد أصبحتم اليوم ودنيا كم أمام دينكم، ويحك أيها الخارجي!!! إني رأيت أهل الكوفة قوما لا يوثق بهم، وما اعتز بهم إلا من ذل، وليس أحد منهم يوافق رأي الآخر، ولقد لقى أبي منهم امورا صعبة، وشدائدا مرّة وهي أسرع البلاد خرابا، وأهلها هم الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا)(٣٨٩).
٦ ـ بشير الهمداني:
ودخل بشير الهمداني على الامام وكان (ع) في يثرب فقال له:
(السلام عليك يا مذل المؤمنين).
(وعليك السلام، اجلس).
فلما استقر به المجالس التفت (ع) له قائلا:
(لست مذلاّ للمؤمنين، ولكني معزّهم، ما أردت بمصالحتي إلا أن أدفع عنكم القتل عند ما رأيت تباطؤ أصحابي ونكولهم عن القتال)(٣٩٠).
٧ ـ سليمان بن صرد:
وسليمان بن صرد من صفوة أصحاب الامام في إيمانه وعقيدته وولائه لآل البيت:، ولم يكن حاضرا في المدائن حينما جرى الصلح فلما وافته الأنباء المؤلمة توجه الى الامام وكان في يثرب فلما انتهى إليه اندفع قائلا:
(السلام عليك يا مذل المؤمنين).
(عليك السلام، اجلس).
فلما جلس اندفع قائلا:
(إن تعجبنا لا ينقضي من بيعتك لمعاوية!! ومعك مائة ألف مقاتل من أهل العراق وكلهم يأخذ العطاء مع مثلهم من أبنائهم ومواليهم سوى شيعتك من أهل البصرة وأهل الحجاز، ثم لم تأخذ لنفسك ثقة في العهد، ولا حظا من القضية، فلو كنت إذ فعلت ما فعلت، وأعطاك ما أعطاك بينك وبينه من العهد والميثاق كنت كتبت عليه بذلك كتابا، وأشهدت عليه شهودا من أهل المشرق والمغرب، أن هذا الأمر لك من بعده، كان الأمر علينا أيسر، ولكنه أعطاك هذا فرضيت به من قوله، ثم قال وزعم على رءوس الناس ما قد سمعت: إني كنت شرطت لقوم شروطا، ووعدتهم عدات، ومنيتهم أماني، إرادة إطفاء نار الحرب، ومداراة لهذه الفتنة، إذ جمع الله لنا كلمتنا وألفتنا، فان كل ما هنالك تحت قدمي هاتين، والله ما أعنى بذلك إلا نقض ما بينك وبينه، فأعد للحرب خدعة، واذن لي أشخص الى الكوفة، فأخرج عامله منها، وأظهر فيها خلعه، وأنبذ إليه على سواء إن الله لا يهدي كيد الخائنين).
وقد دلّ حديث سليمان على ولائه واخلاصه للإمام (ع) وقد حفزه الى الثورة على حكومة معاوية ونقض البيعة لأنه لم يف بالعهد ولم يلتزم ببنود الصلح، كما أعلن ذلك أمام الرأي العام، وصادف حديث سليمان هوى في نفوس من حضر نادي الامام فهتفوا بالتأييد لمقالته قائلين:
(ابعث سليمان بن صرد، وابعثنا معه، ثم الحقنا إذا علمت أنا قد أشخصنا عامله، وأظهرنا خلعه).
ولما كانت المصلحة العامة للمسلمين لا تساعد على خلع معاوية ونقض المعاهدة، لأن ذلك غير ممكن نظرا لتلبد الجو بالفتن والاضطرابات، ولقلة الناصر، وخذلان المحب، وكثرة العدو، فقد أمرهم (ع) بالسكون وهدّأ ثورتهم النفسية قائلا لهم بعد حمد الله والثناء عليه:
(أما بعد: فإنكم شيعتنا، وأهل مودتنا، ومن نعرفه بالنصيحة والصحبة والاستقامة لنا، وقد فهمت ما ذكرتم، ولو كنت بالحزم في أمر الدنيا. وللدنيا أعمل وأنصب، ما كان معاوية بأبأس مني بأسا، وأشد شكيمة، ولكان رأيي غير ما رأيتم، ولكني أشهد وإياكم أني لم أرد بما رأيتم إلا حقن دمائكم، وإصلاح ذات بينكم، فاتقوا الله وارضوا بقضاء الله، وسلموا الأمر لله، والزموا بيوتكم، وكفوا أيديكم، حتى يستريح بر، أو يستراح من فاجر، مع ان أبي كان يحدثني أن معاوية سيلي الأمر، فو الله لو سرنا إليه بالجبال والشجر ما شككت أنه سيظهر إن الله لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه، وأما قولك: يا مذل المؤمنين. فو الله لأن تذلوا وتعافوا أحب إلي من أن تعزوا وتقتلوا، فان رد الله علينا حقنا فى عافية قبلنا، وسألنا الله العون على أمره وان صرفه عنا رضينا وسألنا الله أن يبارك في صرفه عنا فليكن كل رجل منكم حلسا من أحلاس بيته، ما دام معاوية حيا، فان يهلك ونحن وأنتم أحياء سألنا الله العزيمة على رشدنا، والمعونة على أمرنا، وأن لا يكلنا الى أنفسنا، فان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.)(٣٩١)
لقد أمر الامام شيعته بالخلود الى الصبر والسكون ما دام معاوية في قيد الحياة، وعلل صلحه بأمور تقدم بيانها بالتفصيل.
٨ ـ عبد الله بن الزبير:
وعبد الله بن الزبير وغد خبيث عرف بالبغض والعداء لآل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد عاب على الامام صلحه مع معاوية، فأجابه (ع) قائلا:
(وتزعم أني سلمت الأمر، وكيف يكون ذلك ـ ويحك ـ كذلك وانا ابن أشجع العرب، وقد ولدتني فاطمة سيدة نساء العالمين، لم أفعل ذلك ـ ويحك ـ جبنا ولا ضعفا، ولكنه بايعني مثلك، وهو يطلبني بترة ويداجيني المودة، ولم أثق بنصرته).
لقد اتهم ابن الزبير الإمام بالجبن، وحاشاه من ذلك، فمن أين جاءه الجبن (أمن أبيه أسد الله وأسد رسوله، أم من جديه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشيخ البطحاء، أم من عميه سيدي الشهداء العظمين حمزة وجعفر، أم من أخيه أبي الشهداء، أم من مواقفه المشهورة في مختلف الميادين، يوم الدار، ويوم البصرة، وفى مظلم ساباط، وهو ذلك الرئبال الذي (إذا سار سار الموت حيث يسير) على حد تعبير عدوه فيه؟؟).
٩ ـ أبو سعيد:
وأقبل أبو سعيد إلى الإمام يعاتبه على صلحه، ويؤنبه على ذلك قائلا:
(يا ابن رسول الله لم هادنت معاوية وصالحته، وقد علمت أن الحق لك دونه، وان معاوية ضال باغ؟)
ـ يا أبا سعيد ألست حجة الله على خلقه، وإماما عليهم بعد أبي؟
ـ بلى.
ـ يا أبا سعيد علة مصالحتي لمعاوية علة مصالحة رسول الله لبنى ضمرة وبني أشجع، ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية، أولئك كفار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفار بالتأويل.
يا أبا سعيد، إذا كنت إماما من قبل الله تعالى ذكره لم يجب أن يسفه رأيي فيما أتيته من مهادنة أو محاربة، وإن كان وجه الحكمة فيما أتيته ملتبسا، ألا ترى الخضر لمّا خرق السفينة، وقتل الغلام، وأقام الجدار، سخط موسى فعله لاشتباه الحكمة عليه، حتى أخبره فرضي. هكذا أنا سخطتم عليّ بجهلكم وجه الحكمة، ولو لا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحد إلا قتل...)
إن شأن الإمام كشأن النبي، لا يفعل إلا ما فيه الصالح العام، ولكن المصلحة قد تخفى أحيانا على الناس فلا يعقلونها إلا بعد حين، وقد شبه صلحه بفعل الخضر (ع) لما خرق السفينة، وهدم الجدار، وقتل الغلام، ولما لم يفهم صاحبه المصلحة فى ذلك نقم عليه، وراح يشتد في معارضته والإنكار عليه، وحينما تبين له الحال أذعن له وأطاع، وكذلك الإمام في صلحه، فإن الحكمة قد خفيت على كثير من شيعته فاندفعوا الى اعلان سخطهم وإلى الإنكار عليه.
١٠ ـ بعض أصحابه:
ودخل على الإمام بعض أصحابه، وهو مندلع الثورة قد أخذ منه الوجد والأسى مبلغا ليس بالقليل فقال له:
(يا ابن رسول الله، أذللت رقابنا بتسليمك الأمر الى هذا الطاغية:) فأجابه الإمام:
(والله، إني ما سلمت الأمر إلا لأني لم أجد أنصارا، ولو وجدت أنصارا لقاتلته ليلي ونهاري حتى يحكم الله بيني وبينه، ولكن عرفت أهل الكوفة، وبلوتهم، ولا يصلح لي منهم من كان فاسدا، إنهم لا وفاء لهم ولا ذمة في قول، ولا فعل، إنهم لمختلفون، ويقولون لنا: إن قلوبهم معنا، وإن سيوفهم لمشهورة علينا...)
لقد بيّن (ع) انه لا ناصر له ولا معين ليناجز معاوية، إذ لم يكن معه سوى أهل الكوفة الذين لا وفاء لهم ولا ذمة في قول ولا فعل فكيف يحارب بهم معاوية؟
لقد رد عليه السلام شبه الناقدين، وأوضح لهم الحكمة في ذلك، وأجاب كلا على عتابه ببراعة الحجة، وروعة العرض واصالة الرأي.
الى يثرب
بقي الإمام (ع) فى الكوفة أياما وهو مكلوم القلب قد طافت به الهموم والآلام يتلقى من شيعته مرارة الكلام، وقسوة القول، ومن معاوية وحزبه الاستهانة بمركزه الرفيع وهو مع ذلك صابر محتسب، قد كظم غيظه، وأوكل أمره الى الله، وقد عزم على مغادرة العراق ـ البلد الذي غدر به وبأبيه من قبل ـ والشخوص الى مدينة جده، وقد أظهر عزمه ونيته الى أصحابه، ولما أذيع ذلك دخل عليه المسيب بن نجبة الفزاري، وظبيان ابن عمارة التميمي(٣٩٢) ليودّعاه، فالتفت لهما ونفسه الشريفة مترعة بالألم والحزن على ما آل إليه أمر المسلمين قائلا:
(الحمد لله الغالب على أمره، لو أجمع الخلق جميعا على أن لا يكون ما هو كائن ما استطاعوا).
ويلمس في كلامه التسليم لقضاء الله وقدره والحزن واللوعة على ضياع حقه الشرعي ولما رأى المسيب الشجا قد بدا على غصني النبوة، وفرعي الإمامة، وذلك لخوفهم على شيعتهم من أن يضاموا في عهد هذا الطاغية التفت لهما مهدئا روعهما قائلا:
(إنه والله ما يكبر علينا هذا الأمر إلا أن تضاموا وتنتقصوا، فأما نحن فإنهم سيطلبون مودتنا بكل ما قدروا عليه).
فانبرى إليه الإمام الحسين (ع) يشكره على ولائه وإخلاصه قائلا:
(يا مسيب، نحن نعلم أنك تحبنا).
والتفت إليه الإمام الحسن (ع) فبشره بحبه لهم قائلا:
(سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله (ص) يقول: من أحب قوما كان معهم).
وطلب منه المسيب وظبيان المكث في الكوفة فأمتنع (ع) من اجابتهم وقال:
(ليس الى ذلك من سبيل)(٣٩٣).
وأخذ (ع) يعمل في تهيئة سفره، وبعدها توجه هو وأهل بيته الى عاصمة جده، وقد خرج أهل الكوفة بجميع طبقاتهم الى توديعه وهم ما بين باك وآسف(٣٩٤) يندبون حظهم التعيس وسعادتهم التي حطموها بأيديهم، فقد نقلت الخلافة ومعها بيت المال من بلدهم الى دمشق، وقد أقض ذلك مضاجعهم، ولكن بعد أن سبق السيف العذل، فقد كانوا أصحاب الدولة وإذا ببلدهم ـ بعد غدرهم بالامام وعدم مناصرته ـ قد أصبحت مصرا من الأمصار، وإذا القطع السورية من الجيش تدخل مصرهم وتسيطر عليهم ويقام في بلدهم حكم ارهابي عنيف لا يعرف الرحمة والرأفة.
لقد رحل (ع) عن الكوفة هو وأهل بيته ومعه أبو رافع خازن بيت المال، وقد غشيتها الكابة، وخيم عليها الحزن، وحل بها الشقاء والوبال والدمار، فلقد صبّ الله عليها بعد خروج الامام الطاعون فقضى على كثير من أبنائها، وفرّ منها المغيرة بن شعبة وإليها ثم بعد مدة عاد إليها فلما وصل جرفه الطاعون فمات به(٣٩٥).
وسارت قافلة الامام تطوي البيداء، فلما انتهت الى دير هند(٣٩٦) القى الامام (ع) على عاصمته نظرة ملؤها الأسى واللوعة، ثم تمثل ببيت من الشعر يلمس فيه مدى استيائه وحزنه قائلا:

ولا عن قلى فارقت دار معاشري * * * هم المانعون حوزتي وذماري(٣٩٧)

لقد ودع الامام الكوفة بالأسى والحسرات، ولم يذكر ما لاقاه من الغدر والخيانة به، فأي (نفس ملائكية هذه التي لقيت من نشوز هذه الحاضرة ومن بوائقها ما لقيت، ثم هي تودعها بهذا البيت من الشعر فلا تذكر من تاريخها الطويل العريض، إلا وفاء الأوفياء (المانعين الحوزة والذمار)، وهم الذين منعوا عنه من أراده في المدائن، والذين ثبتوا على طاعته يوم العسرة في مسكن فكانوا اخوان صدق، وخيرة الأنصار على قلتهم) وسار موكب الامام ولكنه لم يبعد كثيرا حتى أدركه رسول معاوية يريد أن يرده الى الكوفة ليقاتل طائفة من الخوارج خرجت عليه، فأبى عليه السلام أن يعود وكتب الى معاوية:
(لو آثرت أن أقاتل أحدا من أهل القبلة لبدأت بقتالك، فإني تركتك لصلاح الأمّة وحقن دمائها)(٣٩٨).
ثم مضى (ع) ولم يعتن بمعاوية، وما اجتاز موكبه على حي أو قرية إلا وخف من فيهما الى استقباله والتشرف بمقابلته، وكان أول حديث يبدءون به السؤال عما صار إليه أمره مع معاوية فيخبرهم (ع) بالحال فيظاهرون له الاستياء والتذمر وعدم الرضا وذلك لخوفهم من سلطة معاوية ولكنه (ع) ما يصنع وقد مني جيشه وشعبه بالتمرد والخذلان حتى التجأ الى الصلح والمسالمة.
وانتهت قافلة الامام الى يثرب فلما علم أهلها بتشريفه (ع) خفوا جميعا لاستقباله فقد أقبل إليهم الخير وحلت في ديارهم السعادة والرحمة، وعاودهم الخير الذي انقطع عنهم منذ نزح أمير المؤمنين عليه السلام عنهم، جاء الى يثرب فاستقام فيها عشر سنين، فملأ رباعها بعطفه المستفيض، ورقيق حنانه وحلمه، ونقدم عرضا موجزا لبعض أعماله وشئونه حين مكثه فيها.
مدرسته:
وأنشأ الامام مدرسته الكبرى في يثرب، وراح يعمل مجدا في نشر الثقافة الاسلامية، وتوجيه المجتمع الاسلامى نحو الدين، وافهامه بالنظم الاسلامية، وقد انتمى لمدرسته كبار العلماء، وعظماء المحدثين والرواة، وقد وجد بهم خير عون لأداء رسالته الاصلاحية الخالدة التي بلورة عقلية المجتمع، وأيقظته بعد الغافلة والجمود، وقد ذكر المؤرخون بعض أعلام تلامذته ورواة حديثه وهم:
ابنه الحسن المثنى، والمسيب بن نجبة، وسويد بن غفلة، والعلا ابن عبد الرحمن، والشعبي، وهبيرة بن بركم، والأصبغ بن نباتة، وجابر ابن خلد، وأبو الجوزاء، وعيسى بن مأمون بن زرارة، ونفالة بن المأموم وأبو يحيى عمير بن سعيد النخعي، وأبو مريم قيس الثقفي، وطحرب العجلي، واسحاق بن يسار، والد محمد بن اسحاق، وعبد الرحمن بن عوف وسفين بن الليل، وعمرو بن قيس الكوفيون(٣٩٩) وقد ازدهرت يثرب بهذه الكوكبة من العلماء والرواة فكانت من أخصب البلاد الإسلامية علما، وأدبا، وثقافة.
وكما كان يتولى نشر العلم في يثرب، كان يدعو الناس الى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، والتأدب بسنة النبي (ص)، وقد رفع (ع) منار الأخلاق التي جاء بها جده الرسول لإصلاح المجتمع وتهذيبهم فمن سمو أخلاقه انه كان يصنع المعروف والاحسان حتى مع أعدائه ومناوئيه، وقد بلغه أن الوليد بن عاقبة قد ألم به السقم فمضى لعيادته مع ما عرف به الوليد من البغض والعداء لآل البيت، فلما استقر المجالس بالإمام انبرى إليه الوليد قائلا:
(إني أتوب الى الله تعالى مما كان بيني وبين جميع الناس إلا ما كان بيني وبين أبيك فاني لا أتوب منه.)(٤٠٠)
وأعرض الإمام عنه ولم يقابله بالمثل ولعله أوصله ببعض ألطافه وهداياه.
عطفه على الفقراء:
وأخذ (ع) يفيض الخير والبر على الفقراء والبائسين، وينفق جميع ما عنده عليهم وقد ملأ قلوبهم سرورا باحسانه ومعروفه، ومن كرمه انه جاءه رجل في حاجة فقال له: (اكتب حاجتك في رقعة وادفعها إلينا) فكتبها ذلك الشخص ورفعها إليه، فأمر (ع) بضعفها له، فقال بعض الحاضرين: (ما كان أعظم بركة هذه الرقعة عليه يا ابن رسول الله؟!)
فأجابه (ع):
(بركتها علينا أعظم، حين جعلنا للمعروف أهلا. أما علمت أن المعروف ما كان ابتداء من غير مسألة، فأما من أعطيته بعد مسألة، فإنما أعطيته بما بذل لك من وجهه. وعسى أن يكون بات ليلته متململا أرقا يميل بين اليأس والرجاء، لا يعلم بما يرجع من حاجته، أبكآبة أم بسرور النجح، فيأتيك وفرائصه ترعد، وقلبه خائف يخفق، فان قضيت له حاجته فيما بذل من وجهه، فان ذلك أعظم مما نال من معروفك.)
لقد كان موئلا للفقراء والمحرومين، وملجأ للأرامل والأيتام، وقد تقدم في الجزء الأول من هذا الكتاب بعض بوادر جوده ومعروفه، التي كان بها مضرب المثل للكرم والسخاء.
الاستجارة به:
كان (ع) في عاصمة جده كهفا منيعا لمن يلجأ إليه، وملاذا حصينا لمن يلوذ به، قد كرّس أوقاته على قضاء حوائج الناس، ودفع الضيم والظلم عنهم، وقد استجار به سعيد بن سرح من زياد فأجاره، فقد ذكر الرواة انه كان معروفا بالولاء لأهل البيت (ع) فطلبه زياد من أجل ذلك فهرب الى يثرب مستجيرا بالإمام، ولما علم زياد ذلك عمد الى أخيه وولده وزوجه فحبسهم، ونقض داره، وصادر أمواله، وحينما علم الامام الحسن ذلك شقّ عليه الأمر، فكتب رسالة الى زياد يأمره فيها بأن يعطيه الأمان، ويخلي سبيل عياله وأطفاله، ويشيّد داره، ويرد عليه أمواله، وهذا نص كتابه: (أما بعد: فانك عمدت الى رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، فهدمت داره، وأخذت ماله، وحبست أهله وعياله، فان أتاك كتابي هذا فابن له داره، واردد عليه ماله، وشفعني فيه، فقد أجرته والسلام).
وقد أمر الامام زيادا في هذه الرسالة بالمعروف ونهاه عن المنكر، فقد أوصاه أن يردّ على سعيد ما أخذه منه، وأن لا ينكّل به، لأنه لم يحدث فسادا في الأرض حتى يستحق العذاب والتنكيل، ولما قرأ زياد هذه الرسالة ورم أنفه من الغضب، لأن الامام لم ينسبه الى أبي سفيان، فأجاب الامام بجواب ينم عن مدى خبثه، ولؤم عنصره، وهذا نصه:
(من زياد بن أبي سفيان الى الحسن بن فاطمة.
أما بعد: فقد أتاني كتابك، تبدأ فيه بنفسك قبلي وأنت طالب حاجة وأنا سلطان، وأنت سوقة وتأمرني فيه بأمر المطاع المسلّط على رعيته كتبت إليّ في فاسق آويته إقامة منك على سوء الرأي، ورضا منك بذلك وأيم الله لا تسبقني به ولو كان بين جلدك ولحمك، وإن نلت بعضك غير رقيق بك، ولا مرع عليك، فإن أحب لحم عليّ أن آكله اللحم الذي أنت منه، فسلمه بجريرته إلى من هو أولى به منك، فان عفوت عنه لم أكن شفعتك فيه، وإن قتلته لم أقتله إلا لحبه أباك الفاسق والسلام).
وقد أعرب زياد بهذه الرسالة عن صفاقته، وعدم حيائه ونكرانه المعروف فقد تناسى الأيادي البيضاء التي أسداها عليه أمير المؤمنين وولده الحسن (ع) في توليته فارس، فقابل ذلك المعروف بالاساءة، والنعمة بالكفران.
أف لك يا زمان، وتعسا لك يا دهر، أمثل ابن سمية يتطاول على سبط النبي وريحانته، وينال من كرامته، إن الذي دعاه لأن يشمخ بأنفه ليس إلا السلطة التي يتمتع بها، وإلا فأي فضيلة أو مكرمة ماثلة فيه حتى يعتز بها ويفتخر، ولما وصلت رسالته الى الامام (ع) قرأها وتبسم وعلم سر غضبه وثورته، لأنه لم ينسبه الى أبي سفيان، وانبرى (ع) فكتب الى معاوية كتابا عرّفه فيه بمهمته، وأودع في جوفه رسالة زياد، ورسم (ع) رسالة أخرى الى زياد حطم بها كيانه، ورد غلواءه، وأفسد التحاقه بأبي سفيان، وقد تقدم ذكرها(٤٠١).
ولما وصلت رسالة الامام الى معاوية واطّلع على جراءة زياد واستهتاره واستخفافه بمركز الامام رفع من فوره رسالة الى زياد، وهذا نصها:
(أما بعد: فان الحسن بن علي بعث إليّ بكتابك إليه جوابا عن كتاب كتبه إليك في ابن سرح، فأكثرت العجب منك!!! وعلمت أن لك رأيين أحدهما من أبي سفيان، والآخر من سمية، فأما الذي من أبي سفيان حلم وحزم، وأما الذي من سمية فما يكون رأي مثلها، من ذلك كتابك الى الحسن، تشتم أباه، وتعرض له بالفسق، ولعمري انك أولى بالفسق من أبيه، فأما ان الحسن بدأ بنفسه ارتفاعا عليك، فان ذلك لا يضعك لو عقلت، وأما تسلطه عليك بالأمر فحق لمثل الحسن أن يتسلط وأما تركك تشفيعه فيما شفع فيه إليك فحظ دفعته عن نفسك الى من هو أولى به منك، فاذا ورد عليك كتابي فخل ما في يديك لسعيد بن أبي سرح وابن له داره، واردد عليه ماله، ولا تعرض له فقد كتبت الى الحسن عليه السلام أن يخيره إن شاء أقام عنده، وإن شاء رجع الى بلده، ولا سلطان لك عليه لا بيد ولا لسان، وأما كتابك الى الحسن (ع) باسمه واسم أمّه ولا تنسبه الى أبيه، فان الحسن ويحك من لا يرمى به الرجوان والى أي أم وكلته لا أم لك، أما علمت أنها فاطمة بنت رسول الله (ص) فذاك أفخر له لو كنت تعلمه وتعقله).
ثم كتب في آخر الكتاب أبياتا في مدح الإمام من جملتها:

أما حسن فابن الذي كان قبله * * * إذا سار سار الموت حيث يسير
وهل يلد الرئبال إلا نظيره * * * وذا حسن شبه له ونظير
ولكنه لو يوزن الحلم والحجا * * * بأمر لقالوا يذبل وثبير(٤٠٢)

وقد اعترف معاوية بهذه الرسالة بمواهب الإمام وملكاته وشرفه وعظيم شأنه، وإنه لو وزن حلمه بثبير لرجح عليه، فتعسا للزمن الهزيل الذي جرّأ زيادا أن ينال من كرامته، ويعتدي عليه.
مع حبيب بن مسلمة:
وحبيب بن مسلمة الفهري(٤٠٣) من أوغاد قريش ومن عملاء معاوية الذين يحقدون على آل البيت، التقى به الإمام في الطواف فقال له (ع):
(يا حبيب رب مسير لك في غير طاعة الله).
فانبرى إليه حبيب بسخرية قائلا:
(أما مسيري من أبيك فليس من ذلك).
فردّ عليه الإمام مقالته قائلا:
(بلى والله، ولكنك أطعت معاوية على دنيا قليلة زائلة، فلئن قام بك في دنياك، لقد قعد بك في آخرتك، ولو كنت إذ فعلت قلت خيرا كان ذلك كما قال الله تعالى: (وآخرون اعترفوا بذنبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا)(٤٠٤). ولكنك كما قال الله سبحانه: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون)(٤٠٥)، ثم تركه وانصرف(٤٠٦).
رفضه لمصاهرة الامويين:
ورام معاوية أن يصاهر بني هاشم ليحوز بذلك الشرف والمجد، فكتب الى عامله على المدينة مروان بن الحكم أن يخطب ليزيد زينب بنت عبد الله بن جعفر على حكم أبيها في الصداق، وقضاء دينه بالغا ما بلغ، وعلى صلح الحيين بني هاشم وبني أميّة، فبعث مروان خلف عبد الله، فلما حضر عنده فاوضه في أمر كريمته، فأجابه عبد الله:
(إن أمر نسائنا بيد الحسن بن علي فاخطب منه).
فأقبل مروان الى الإمام فخطب منه ابنة عبد الله، فقال (ع):
اجمع من أردت، فانطلق مروان فجمع الهاشميين والأمويين في صعيد واحد وقام فيهم خطيبا قائلا:
(أما بعد: فان أمير المؤمنين معاوية أمرني أن أخطب زينب بنت عبد الله بن جعفر ليزيد بن معاوية على حكم أبيها في الصداق، وقضاء دينه بالغا ما بلغ، وعلى صلح الحيين بني هاشم وبني أميّة، ويزيد بن معاوية كفؤ من لا كفؤ له، ولعمري لمن يغبطكم بيزيد أكثر ممن يغبط يزيد بكم فيزيد ممن يستسقى بوجهه الغمام).
ومروان يرى أن قيم الرجال إنما هي بالإمرة والسلطان، وقد أعرب بذلك عن حماقته وجهله، فردّ الإمام عليه أباطيله، وعلّق على كل جملة من كلامه، فقال بعد حمد الله والثناء عليه:
(أما ما ذكرت من حكم أبيها في الصداق، فانا لم نكن لنرغب عن سنّة رسول الله (ص) فى أهله وبناته)(٤٠٧).
(وأما قضاء دين أبيها فمتى قضت نساؤنا بمهورهن ديون آبائهن).
(وأما صلح الحيين، فنحن عادينا كم لله وفي الله، فلا نصالحكم للدنيا).
(وأما قولك يزيد كفؤ من لا كفؤ له، فأكفاؤه اليوم أكفاؤه بالأمس لم يزده سلطانه).
(وأما قولك: من يغبطنا بيزيد أكثر ممن يغبطه بنا، فان كانت الخلافة قادت النبوة(٤٠٨)، فنحن المغبطون، وإن كانت النبوة قادت الخلافة فهو المغبوط بنا).
(وأما قولك: إن الغمام يستسقى بوجه يزيد، فان ذلك لم يكن إلا لآل رسول الله (ص)).
وقد فنّد (ع) بكلامه مزاعم مروان، ورد عليه بهتاته، ثم أخذ عليه السلام في إحباط مساعيه، وتحطيم آماله قائلا:
(وقد رأينا أن نزوجها (يعني زينب) من ابن عمها القاسم محمد بن جعفر، وقد زوجتها منه، وجعلت مهرها ضيعتي التي لي بالمدينة، وقد أعطاني بها معاوية عشرة آلاف دينار).
ولما سمع ذلك مروان فقد شعوره وصاح بلا اختيار:
(أغدرا يا بني هاشم).
إن مروان أولى بالغدر والخبث، وقد صنع الإمام خيرا حيث لم يزوج العلوية من يزيد الفاسق الفاجر.
ورفع مروان في الوقت رسالة الى معاوية أخبره بالحادث، فلما وصلت إليه قال متأثرا:
(خطبنا إليهم فلم يفعلوا، ولو خطبوا إلينا لما رددناهم)(٤٠٩).
لقد كان (ع) يعلم بدوافع معاوية وبما يبغيه من تشييد أسرته فكان يسعى لإحباط الوسائل التي يتخذها ويفسد عليه أمره وقد بلغه أنه قال:
(لا ينبغي أن يكون الهاشمي غير جواد، ولا الأموي غير حليم، ولا الزبيري غير شجاع، ولا المخزومى غير تياه).
وعرف (ع) أن غرض معاوية بذلك إنما هو تحطيم هذه الأسر، وتشييد أسرته، فردّ عليه مقالته وقال.
(قاتله الله، أراد أن يجود بنو هاشم فينفذ ما بأيديهم، ويحلم بنو أميّة فيتحببوا إلى الناس، ويتشجع آل الزبير فيفنوا، ويتيه بنو مخزوم فيبغضهم الناس)(٤١٠).
وهكذا كان عليه السلام يندد بأعمال معاوية ويكشف الستار عن خبثه وسوء سريرته، غير مكترث بسلطته، ولا هياب لسلطانه.
مع معاوية في يثرب:
وروى الخوارزمى أن معاوية سافر الى يثرب فرأى تكريم الناس وحفاوتهم بالإمام وإكبارهم له، فساءه ذلك فاستدعا أبا الأسود الدؤلي، والضحاك بن قيس الفهري، فاستشارهم في أمر الحسن وأنه بما ذا يوصمه ليتخذ من ذلك وسيلة الى الحط من شأنه، والتقليل من أهميته أمام الجماهير فأشار عليه أبو الأسود بالترك قائلا:
(رأي أمير المؤمنين أفضل، وأرى ألا يفعل فان أمير المؤمنين لن يقول فيه قولا إلا أنزله سامعوه منه به حسدا، ورفعوا به صعدا، والحسن يا أمير المؤمنين معتدل شبابه، أحضر ما هو كائن جوابه، فأخاف أن يرد عليك كلامك بنوافذ تردع سهامك، فيقرع بذلك ظنوبك(٤١١)، ويبدي به عيوبك، فاذن كلامك فيه صار له فضلا، وعليك كلاّ، إلا أن تكون تعرف له عيبا في أدب، أو وقيعة في حسب، وإنه لهو المهذب، قد أصبح من صريح العرب فى عز لبابها، وكريم محتدها، وطيب عنصرها، فلا تفعل يا أمير المؤمنين).
وقد أشار عليه أبو الأسود بالصواب، ومنحه النصيحة، فأي نقص أو عيب في الإمام حتى يوصمه به، وهو المطهّر من كل رجس ونقص كما نطق بذلك الذكر الحكيم، ولكن الضحاك بن قيس قد أشار على معاوية بعكس ذلك فحبذ له أن ينال من الإمام ويتطاول عليه قائلا:
(امض يا أمير المؤمنين فيه برأيك ولا تنصرف عنه بدائك، فانك لو رميته بقوارص كلامك، ومحكم جوابك، لذل لك كما يذل البعير الشارف(٤١٢) من الإبل).
واستجاب معاوية لرأي الضحاك، فلما كان يوم الجمعة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه، ثم ذكر أمير المؤمنين وسيد المسلمين علي بن أبي طالب (ع) فانتقصه، ثم قال:
(أيها الناس، إن صبية من قريش ذوي سفه وطيش، وتكدر من عيش، أتعبتهم المقادير، فاتخذ الشيطان رءوسهم مقاعد، وألسنتهم مبارد فباض وفرخ فى صدورهم، ودرج في نحورهم، فركب بهم الزلل، وزين لهم الخطل، وأعمى عليهم السبل، وأرشدهم الى البغي والعدوان، والزور والبهتان، فهم له شركاء وهو لهم قرين (ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا)، وكفى لهم مؤدبا، والمستعان الله).
فوثب إليه الإمام الحسن مندفعا كالسيل رادا عليه افتراءه وأباطيله قائلا:
(أيها الناس، من عرفني فقد عرفنى، ومن لم يعرفني فأنا الحسن ابن علي بن أبي طالب، أنا ابن نبي الله، أنا ابن من جعلت له الأرض مسجدا وطهورا، أنا ابن السراج المنير، أنا ابن البشير النذير، أنا ابن خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وامام المتقين، ورسول رب العالمين، أنا ابن من بعث الى الجن والأنس، أنا ابن من بعث رحمة للعالمين).
وشق على معاوية كلام الإمام فبادر الى قطعه قائلا:
(يا حسن عليك بصفة الرطب). فقال عليه السلام: الريح تلقحه، والحر ينضجه، والليل يبرده ويطيبه، على رغم أنفك يا معاوية، ثم استرسل عليه السلام فى تعريف نفسه قائلا:
(أنا ابن مستجاب الدعوة، أنا ابن الشفيع المطاع، أنا ابن أول من ينفض رأسه من التراب، ويقرع باب الجنة، أنا ابن من قاتلت الملائكة معه ولم تقاتل مع نبي قبله، أنا ابن من نصر على الأحزاب، أنا ابن من ذلت له قريش رغما).
وغضب معاوية واندفع يصيح:
(أما انك تحدث نفسك بالخلافة).
فأجابه الإمام عليه السلام عمن هو أهل للخلافة قائلا:
(أما الخلافة فلمن عمل بكتاب الله وسنّة نبيه، وليست الخلافة لمن خالف كتاب الله، وعطّل السنّة، إنما مثل ذلك مثل رجل أصاب ملكا فتمتع به، وكأنه انقطع عنه وبقيت تبعاته عليه).
وراوغ معاوية، وانحط كبرياؤه فقال:
(ما في قريش رجل إلا ولنا عنده نعم جزيلة ويد جميلة).
فردّ عليه الإمام قائلا:
(بلى، من تعززت به بعد الذلة، وتكثرت به بعد القلة).
(من أولئك يا حسن؟).
(من يلهيك عن معرفتهم).
ثم استمر (ع) في تعريف نفسه الى المجتمع فقال:
(أنا ابن من ساد قريشا شابا وكهلا، أنا ابن من ساد الورى كرما ونبلا، أنا ابن من ساد أهل الدنيا بالجود الصادق، والفرع الباسق، والفضل السابق، أنا ابن من رضاه رضى الله، وسخطه سخطه، فهل لك أن تساميه يا معاوية؟). فقال معاوية: أقول لا، تصديقا لقولك. فقال الحسن: (الحق أبلج، والباطل لجلج، ولم يندم من ركب الحق، وقد خاب من من ركب الباطل، (والحق يعرفه ذوو الألباب)).
فقال معاوية على عادته من المراوغة: لا مرحبا بمن ساءك.
الحزب السياسي:
واعتقد الدكتور طه حسين ان الإمام أيام مكثه في المدينة قد شكل حزبا سياسيا وتولى هو رئاسة الحزب، ومن الخير سوق كلامه قال:
(واعتقد أنا ان اليوم الذي لقي الحسن فيه هؤلاء الوفد من أهل الكوفة فسمع منهم ما سمع، وقال لهم ما قال، ورسم لهم خطتهم، هو اليوم الذي أنشئ فيه الحزب السياسي المنظم لشيعة علي وبنيه. نظم الحزب في ذلك المجالس، وأصبح الحسن له رئيسا، وعاد أشراف أهل الكوفة الى من وراءهم ينبئونهم بالنظام الجديد والخطة المرسومة، ويهيئونهم لهذا السلم الموقوت ولحرب يمكن أن تثار حين يأتي الأمر باثارتها من الإمام المقيم في يثرب.
وكان برنامج الحزب في أول إنشائه كما ترى واضحا يسيرا، لا عسر فيه ولا تعقيد، طاعة الإمام من بني علي والانتظار في سلم ودعة حتى يؤمروا بالحرب فيثيروها. ورأى الدكتور رأي وثيق ويدل عليه سفر الإمام (ع) الى دمشق لنقد معاوية واذاعة مساوئه ومخازيه في عاصمته وبلاطه، فان من جملة أهداف ذلك السفر التبشير بالحزب الذي عقده لقلب الحكم الأموي وارجاع الدولة الإسلامية الى نظامها العادل.
الى دمشق
واتفق جمهور المؤرخين ان الإمام الحسن (ع) قد وفد على معاوية في دمشق، واختلفوا فى أن وفادته كانت مرة واحدة أو أكثر، واطالة الكلام في تحقيق هذه الجهة لا تغنينا شيئا، وإنما المهم البحث عن سر سفره، فالذي نذهب إليه ان المقصود منه ليس إلا الدعاية لمبدإ أهل البيت وابراز الواقع الأموي أمام ذلك المجتمع الذي ظلله معاوية وحرفه عن الطريق القويم، أما الاستدلال عليه فانه يظهر من مواقفه ومناظراته مع معاوية ـ التي سنذكرها ـ فانه قد هتك بها حجابه. وأبدا عاره وعياره، وفلّ بها عروش دولته، ثم انه على تقدير أن يكون سفره لأخذ العطاء من معاوية ـ كما يقول به البعض ـ فقد قيل إنه كيف جاز له أن يأخذ صلاته مع أن جلها أموال مغصوبة، وقد كفانا مئونة البحث عن هذه المسألة علماء الفقه الإسلامى فقد ذكروا أن صلاة السلطان الجائر وهداياه جائزة ما لم تشتمل على أموال مغصوبة يعلم غصبها على نحو التعيين، فحينئذ لا يجوز أخذها، وإن أخذت وجب ردها الى أهلها(٤١٣)، وأكثر الأموال التي كانت بيد معاوية إنما هي من أموال الخراج والزكاة وما شاكل ذلك من الأموال التي تجبيها الدولة فان استيلاء معاوية عليها وإن كان غير مشروع لأنه من حكام الظلم والجور إلا ان لخيار المسلمين الحق في استنقاذها وردها الى أهلها، فضلا عن الإمام الذي له الولاية العامة على جميع المسلمين.
أما الذاهبون الى أن سفره كان لأخذ العطاء فقد استندوا الى إحدى الروايات الموضوعة ـ فيما نحسب ـ فقد روي أنه كان يفد فى كل سنة الى معاوية فيوصله بمائة ألف، فلم يمض في بعض السنين فنساه معاوية ولم يبعث له بصلة فهمّ الإمام أن يكتب له فرأى رسول الله (ص) فى منامه وهو يقول له:
(يا حسن أتكتب الى مخلوق تسأله حاجتك وتدع أن تسأل ربك؟)
فقال له: (ما أصنع يا رسول الله؟)
فعلمه رسول الله (ص) بهذا الدعاء: (اللهم إني أسألك من كل أمر ضعفت عنه حيلتي، ولم تنته إليه رغبتي، ولم يخطر ببالي، ولم يجر على لساني من الشيء الذي أعطيته أحدا من المخلوقين الأولين المهاجرين، والآخرين الأنصار.)
وانتبه الحسن من منامه وهو حافظ للدعاء، فدعا به، فلم يلبث معاوية أن بعث إليه بصلته بعد ما نبهه بعض خواصه ان الإمام لم يفد عليه في تلك السنة(٤١٤). وهذه الرواية لا يمكن الاعتماد عليها لأن الإمام قد عرف بالعزة والإباء والشمم، فكيف يتنازل لابن هند فيهمّ أن يكتب له ويسأله العطاء، فينهاه رسول الله (ص) عن ذلك، على انه كان فى غنى عن صلاة معاوية لأن له ضياعا كبيرة في يثرب كانت تدر عليه بالأموال الطائلة مضافا الى ما كان يصله من الحقوق التي يدفعها خيار المسلمين وصالحاؤهم له، على أن الأموال التي كان يصله بها معاوية على القول بذلك لم يكن ينفقها على نفسه وعياله. فقد ورد أنه لم يكن يأخذ منها مقدار ما تحمله الدابة بفيها(٤١٥)، ومع هذا فكيف يكون سفره لمعاوية لأخذ العطاء منه؟!!
مناظراته:
وضاق معاوية ذرعا بالإمام حينما كان في دمشق، فقد رأى من اقبال الناس واحتفائهم به ما ساءه فعقد عدة مجالس حشدها بالقوى المنحرفة عن أهل البيت والمعادية لهم كابن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومروان بن الحكم والوليد بن عاقبة، وزياد بن أبيه، وعبد الله بن الزبير، وأوعز لهم بالتطاول على ريحانة الرسول، والنيل منه، ليزهد الناس فيه، ويشفي نفسه من ابن فاتح مكة، ومحطم أوثان قريش، وقد قابله هؤلاء الأوغاد بمرارة القول وبذاءة الكلام، وبالغوا في الاستهتار والاعتداء عليه، وكان (ع) يسدد لهم سهاما من منطقه الفياض فيرديهم صرعى، يلاحقهم العار والخزي، ويلمسهم مساوئهم وما عرفوا به من الزيغ والانحطاط، كان يجيبهم ـ وهو مكره ـ، ويرد على بذاءتهم وهو يقول: (أما والله لو لا أن بني أميّة تنسبني الى العجز عن المقال لكففت تهاونا)، ولروعة كلامه، وقوة حجته كان عبد الله بن عباس يقبل ما بين عينيه ويقول له: (أفديك يا ابن العم والله ما زال بحرك يزخر وأنت تصول حتى شفيتني من أولاد...)
لقد كان الإمام في جميع تلك المناظرات هو الظافر المنتصر وخصومه الضعفاء قد عرتهم الاستكانة والهزيمة والذهول، وقد أوصاهم كبيرهم بعد ما شاهد أشلاءهم مضرجة بطعناته، أن يجتنبوا محاوراته(٤١٦).
وعلى أي حال فان (نصوص هذه المشاجرات بصيغها البلاغية، وقيمها الأدبية جديرة بالعرض، كتراث عربي أصيل يدل بنفسه على صحة نسبه، وتعطينا بأسلوبه وصياغته صورة عن (أدب المشاجرات) في عصره) وقد تركت نوادي دمشق ومحافلها مشغولة بها ترددها مقرونة بالإكبار والتقدير للإمام، وبالاستهانة والاحتقار لخصومه، وفيما يلي نصوصها:
١ ـ وأقبل معاوية على الإمام (ع) فقال له:
(يا حسن، أنا خير منك!!)
ـ وكيف ذاك يا ابن هند؟!!
ـ لأن الناس قد أجمعوا عليّ، ولم يجمعوا عليك.
وحيث أن الامرة لم تكن في الإسلام موجبة للتمايز، وإنما توجبه التقوى وعمل الخير، وقد انبرى (ع) مبطلا دعوى معاوية:
(هيهات!! لشر ما علوت به يا ابن آكلة الأكباد، المجتمعون عليك رجلان، بين مطيع ومكره، فالطائع لك عاص لله، والمكره معذور بكتاب الله، وحاشا لله أن أقول أنا خير منك لأنك لا خير فيك، فان الله قد برّ أني من الرذائل كما برّأك من الفضائل)(٤١٧).
ان هذا هو منطق الثورة، ومنطق الأحرار الذين يشجبون الظلم، ويقاومون المنكر، وليس هذا هو منطق من يريد العطاء والأموال.
٢ ـ ودخل الإمام على معاوية، فلما رأى ابن العاص ما في الإمام من عظيم الهيبة والوقار ساءه ذلك، وتميز من الغيظ والحسد فاندفع قائلا:
(قد جاءكم الفهه العي، الذي كأن بين لحييه عقله.)
وكان عبد الله بن جعفر حاضرا فلذعه قوله فصاح به:
(مه، والله لقد رمت صخرة ململمة، تنحط عنها السيول، وتقصر دونها الوعول، ولا تبلغها السهام، فإياك والحسن إياك، فانك لا تزل راتعا في لحم رجل من قريش، ولقد رميت فما برح سهمك، وقدحت فما أورى زندك).
وسمع الإمام الحديث، فلما اكتظ مجلس معاوية بالناس انبرى (ع) فوجّه خطابه الى معاوية، فألقى عليه ذنب وزيره ابن العاص، وتهدده باعلان الحرب عليه إن لم ينته عن مكره وغيه، وذكر له الصفات الرفيعة الماثلة في شخصيته الكريمة قائلا:
(يا معاوية لا يزال عندك عبد راتعا في لحوم الناس، أما والله لو شئت ليكونن بيننا ما تتفاقم فيه الامور، وتحرّج منه الصدور).
ثم أنشأ يقول:

أتأمر يا معاوي عبد سهم * * * بشتمي والملا منّا شهود
إذا أخذت مجالسها قريش * * * فقد علمت قريش ما تريد
أأنت تظل تشتمني سفاها(٤١٨) * * * لضغن ما يزول وما يبيد
فهل لك من أب كأبي تسامى(٤١٩) * * * به من قد تسامى أو تكيد
ولاجد كجدي يا ابن حرب(٤٢٠) * * * رسول الله إن ذكر الجدود
ولا أم كأمي من قريش * * * إذا ما حصل الحسب التليد
فما مثلي تهكم يا ابن حرب * * * ولا مثلي ينهنهه الوعيد(٤٢١)
فمهلا لا تهج منا أمورا * * * يشيب لهولها الطفل الوليد(٤٢٢)

لقد عرض (ع) بعض فضائله ومآثره، ونشر مساوئ معاوية ومخازيه بهذا الكلام الرائع الذي تمثلت فيه بلاغة الإعجاز، وروعة الإيجاز، وسرعة البديهة، وقوة الحجة، فحط به من غلواء معاوية، وأصاب أبرز مقوماته من حسبه المعروف، ونسبه الموصوف، فأين الفهاهة والعي يا ابن العاص؟.
٣ ـ وعظم أمر الإمام فى الشام، فقد أقبلت الناس تترى لزيارته والى الاستماع لحديثه، فملك (ع) القلوب والمشاعر والعواطف، وتحدثت الأندية والمجالس بعظيم فضله ومواهبه، ولما رأى ذلك أذناب معاوية وعملاؤه وهم: عمرو بن العاص، والوليد بن عاقبة، وعتبة بن أبي سفيان، والمغيرة ابن شعبة، فخافوا أن يحدث ما لا تحمد عقباه، وينفلت الأمر من أيديهم، وتندك عروش الدولة الأموية، فعقدوا في البلاط الأموي اجتماعا، وذكروا لمعاوية حفاوة الجماهير بالإمام، وتكريمهم له، وازدحامهم على زيارته، وان وجوده فى دمشق خطر على الدولة الأموية، وقد رأوا أن خير وسيلة للحط من كرامته، ولإعراض الناس عنه، أن يستدعوه فيتهمون أباه بقتل عثمان، ويسبّونه على ذلك، وهذا نص حديثهم:
(إن الحسن قد أحيا أباه وذكره، وقال فصدّق، وأمر فأطيع، وخفقت له النعال، وان ذلك لرافعه الى ما هو أعظم منه، ولا يزال يبلغنا عنه ما يسوؤنا).
فقال لهم معاوية: ما تريدون؟
قالوا: (ابعث عليه فليحضر لنسبه ونسب أباه، ونعيّره ونوبخه، ونخبره أن أباه قتل عثمان، ونقرره بذلك، ولا يستطيع أن يغير علينا شيئا من ذلك).
ولم يخف على معاوية سخافة رأيهم، وبعد تفكيرهم عن الصواب، وذلك لعلمه ان الإمام سوف يفلجهم، ويخرج ظافرا بخزيهم، فقال لهم:
(إني لا أرى ذلك ولا أفعله).
(عزمنا عليك يا أمير المؤمنين لتفعلن).
(ويحكم لا تفعلوا، فو الله ما رأيته قط جالسا عندي إلا خفت مقامه، وعيبه لي.)
(ابعث إليه على كل حال).
(إن بعثت إليه لأنصفنه منكم.)
فقال ابن العاص: أتخشى أن يأتي باطله على حقنا، أو يربى قوله على قولنا؟.
ولما رأى معاوية إصرارهم عليه قال لهم: أما إني إن بعثت إليه لآمرنه أن يتكلم بلسانه كله.
فقالوا له: مره بذلك.
وأجلبهم الى ما أرادوا، وأمرهم أن يسلكوا خطة خاصة في حديثهم مع الإمام قائلا:
(أما إذا عصيتموني وبعثتم إليه، وأبيتم إلا ذلك، فلا تمرضوا له فى القول، واعلموا أنهم أهل بيت لا يعيبهم العائب، ولا يلصق بهم العار ولكن اقذفوه بحجره، تقولون له: إن أباك قتل عثمان، وكره خلافة الخلفاء من قبله).
ثم بعث خلف الإمام، فقام (ع) واستدعى بثيابه فلبسها وعرف الغاية من هذه الدعوى فخرج وهو يدعو بهذا الدعاء:
(اللهم إني أعوذ بك من شرورهم، وأدرأ بك في نحورهم، وأستعين بك عليهم، فاكفنيهم كيف شئت، وأنّى شئت، بحول منك وقوة يا أرحم الراحمين).
ثم سار (ع) حتى انتهى الى معاوية، فلما رآه مقبلا قابله بحفاوة وتكريم ثم التفت إليه معتذرا:
(يا أبا محمد، إن هؤلاء بعثوا إليك وعصوني).
فانبرى إليه الإمام مبينا له عدم واقعية هذا الاعتذار قائلا:
(سبحان الله!! الدار دارك، والإذن فيها إليك، والله إن كنت أجبتهم الى ما أرادوا وما في أنفسهم إني لأستحي لك من الفحش، وإن كانوا غلبوك على رأيك إني لأستحيى لك من الضعف، فأيهما تقر وأيهما تنكر؟ أما أني لو علمت بمكانهم لجئت بمثلهم من بني عبد المطلب، ومالي أن أكون مستوحشا منك ومنهم، إن وليي الله، وهو يتولى الصالحين).
فقال معاوية: (إني كرهت أن أدعوك، ولكن هؤلاء حملوني على ذلك مع كراهتي له، وإن لك منهم النصف ومني، وإنما دعوناك لنقررك أن عثمان قتل مظلوما، وان أباك قتله فاستمع منهم ثم أجبهم، ولا تمنعك وحدتك واجتماعهم أن تتكلم بكل لسانك).
ولما سكت معاوية ابتدأ بالحديث أولا:
عمرو بن العاص:
واندفع ابن العاص فسب الإمام أمير المؤمنين، واتهمه بسب أبي بكر وكراهته لخلافته، وانه شرك في دم عمر بن الخطاب، وقتل عثمان ظلما ولا أبقى شيئا من صفات الذم إلا وألصقها به، ثم التفت الى الإمام الحسن قائلا:
(إنكم يا بني عبد المطلب، لم يكن الله ليعطيكم الملك على قتلكم الخلفاء واستحلالكم ما حرّم الله من الدماء، وحرصكم على الملك، وإتيانكم ما لا يحل، ثم إنك يا حسن تحدّث نفسك أن الخلافة صائرة إليك، وليس عندك عقل ذلك ولا لبّه، كيف ترى الله سبحانه سلبك عقلك، وترك أحمق قريش يسخر منك، ويهزأ بك، وذلك لسوء عمل أبيك، وإنما دعوناك لنسبك وأباك، فأما أبوك فقد تفرد الله به وكفانا أمره، وأما أنت فانك فى أيدينا نختار فيك الخصال، ولو قتلناك ما كان علينا إثم من الله ولا عيب من الناس، فهل تستطيع أن تردّ علينا وتكذبنا؟ فان كنت ترى أنا كذبنا في شيء فاردده علينا فيما قلنا، وإلا فاعلم أنك وأباك ظالمان).
وليس في هذا الكلام سوى القذف والسب المنبعث عن نفس مترعة بالباطل والعداء لآل البيت (ع) ثم انبرى من بعده.
الوليد بن عاقبة:
وانطلق هذا الأثيم قائلا:
(إنكم كنتم أخوال عثمان فنعم الولد كان لكم فعرف حقكم وكنتم أصهاره فنعم الصهر كان لكم، يكرمكم فكنتم أول من حسده، فقتله أبوك ظلما لا عذر له ولا حجة، فكيف ترون الله طلب بدمه وأنزلكم منزلتكم والله إن بني أميّة خير لبني هاشم من بني هاشم لبني أميّة وإن معاوية خير لك من نفسك).
ثم سكت وتكلم من بعده عتبة بن أبي سفيان:
وانبرى عتبة فأظهر خبث سريرته وعداءه لآل البيت قائلا:
(يا حسن، كان أبوك شر قريش لقريش لسفكه لدمائها، وقطعه لارحامها، طويل السيف واللسان، يقتل الحي ويعيب الميت، وانك ممن قتل عثمان، ونحن قالموك به، وأما رجاؤك الخلافة فلست في زندها قادحا ولا في ميراثها راجحا، وإنكم يا بني هاشم قتلتم عثمان، وإن في الحق أن نقتلك وأخاك به، فأما أبوك فقد كفانا الله أمره، وأقاد منه، وأما أنت فو الله ما علينا لو قتلناك بعثمان إثم ولا عدوان).
واندفع من بعده المغيرة بن شعبة:
وابتدأ المغيرة أولا بشتم أمير المؤمنين (ع) ثم قال:
(والله ما أعيبه فى قضية يخون، ولكنه قتل عثمان).
ثم سكتوا عن الكلام، فانبرى إليهم الإمام فوضعهم على طاولة التشريح، فنشر عيوبهم ومخازيهم، وأشاد بفضل أبيه أمير المؤمنين (ع).
جوابه لمعاوية:
وقد وجّه خطابه أولا الى معاوية قائلا:
(يا معاوية، ما هؤلاء شتموني، ولكنك شتمتني، فحشا ألفته، وسوء رأي عرفت به، وخلقا سيئا ثبّت عليه، وبغيا علينا عداوة منك لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن اسمع يا معاوية واسمعوا فلأقولن فيك وفيهم ما هو دون ما فيكم. أنشدكم الله أيها الرهط، أتعلمون ان الذي شتمتموه منذ اليوم صلى القبلتين كلتيهما؟ وأنت يا معاوية بهما كافر تراهما ضلالة، وتعبد اللات والعزى غواية. وأنشدكم الله هل تعلمون أنه بايع البيعتين كلتيهما بيعة الفتح وبيعة الرضوان؟ وأنت يا معاوية باحداهما كافر، وبالأخرى ناكث. وأنشدكم الله هل تعلمون أنه أول الناس إيمانا؟ وإنك يا معاوية وأباك من المؤلفة قلوبهم، تسرّون الكفر، وتظهرون الإسلام، وتستمالون بالأموال. وأنشدكم الله ألستم تعلمون أنه كان صاحب راية رسول الله (ص) يوم بدر وإن راية المشركين كانت مع معاوية ومع أبيه، ثم لقيكم يوم احد، ويوم الأحزاب ومعه راية رسول الله (ص) ومع أبيك راية الشرك، وفي كل ذلك يفتح الله له ويفلج حجته(٤٢٣)، وينصر دعوته، ويصدق حديثه، ورسول الله (ص) في تلك المواطن كلها عنه راض، وعليك وعلى أبيك ساخط. وأنشدك بالله يا معاوية أتذكر يوم جاء أبوك على جمل أحمر وأنت تسوقه وأخوك عتبة هذا يقوده فرآكم رسول الله (ص) فقال: (اللهم العن الراكب والقائد والسائق). أتنسى يا معاوية الشعر الذي كتبته الى أبيك لمّا همّ أن يسلم تنهاه عن ذلك؟.

يا صخر لا تسلمن يوما فتفضحنا * * * بعد الذين ببدر أصبحوا مزقا
خالي وعمي وعم الأم ثالثهم * * * وحنظل الخير قد أهدى لنا الارقا
لا تركنن الى أمر تكلفنا * * * والراقصات به في مكة الخرقا
فالموت أهون من قول العداة لقد * * * حاد ابن حرب عن العزى إذا فرقا

والله لما أخفيت من أمرك أكبر مما أبديت. وأنشدكم الله أيها الرهط أتعلمون أن عليا حرم الشهوات على نفسه بين أصحاب رسول الله (ص) فأنزل فيه: (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم)(٤٢٤) وإن رسول الله (ص) بعث أكابر أصحابه الى بني قريضة فنزلوا من حصنهم فهزموا، فبعث عليا بالراية فاستنزلهم على حكم الله وحكم رسوله، وفعل في خيبر مثلها، ثم قال: يا معاوية أظنك لا تعلم أني أعلم ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيك لما أراد أن يكتب كتابا الى بني خزيمة فبعث إليك فلم تأته فدعا عليك بالنهم الى أن تموت. وأنتم أيها الرهط نشدتكم الله ألا تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعن أبا سفيان في سبعة مواطن لا تستطيعون ردها:
(أولها) يوم لقي رسول الله (ص) خارجا من مكة الى الطائف يدعو ثقيفا الى الدين فوقع به وسبه وسفهه وشتمه وكذبه وتوعده وهمّ أن يبطش به فلعنه الله ورسوله وصرف عنه.
(الثانية) يوم العير إذ عرض لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي جائية من الشام فطردها أبو سفيان، وساحل بها فلم يظفر المسلمون بها، ولعنه رسول الله (ص) ودعا عليه فكانت واقعة بدر لأجلها.
(الثالثة) يوم احد حيث وقف تحت الجبل ورسول الله (ص) في أعلاه وهو ينادي أعل هبل مرارا فلعنه رسول الله (ص) عشر مرات، ولعنه المسلمون.
(الرابعة) يوم جاء بالأحزاب وغطفان اليهود فلعنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابتهل.
(الخامسة) يوم جاء أبو سفيان في قريش فصدوا رسول الله (ص) عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله يوم الحديبية فلعن رسول الله أبا سفيان، ولعن القادة والأتباع، وقال: ملعونون كلهم وليس فيهم من يؤمن، فقيل: يا رسول الله أفما يرجى الإسلام لأحد منهم فكيف باللعنة؟ فقال: لا تصيب اللعنة أحدا من الأتباع، وأما القادة فلا يفلح منهم أحد (السادسة) يوم الجمل الأحمر.
(السابعة) يوم وقفوا لرسول الله (ص) في العقبة ليستنفروا ناقته وكانوا اثنى عشر رجلا منهم أبو سفيان، فهذا لك يا معاوية).
وأنزل (ع) بكلامه معاوية من قصره الى قبره، ومن عرشه الى نعشه وتركه والحزن يحز في نفسه. ثم التفت (ع) الى عمرو بن العاص فقال له: (وأما أنت يا ابن العاص فان أمرك مشترك، وضعتك أمك مجهولا من عهر وسفاح فتحاكم فيك أربعة من قريش فغلب عليك جزارها ألأمهم حسبا، وأخبثهم منصبا، ثم قام أبوك فقال: أنا شانئ محمد الأبتر، فأنزل الله فيه ما أنزل. وقاتلت رسول الله (ص) في جميع المشاهد، وهجوته وآذيته بمكة، وكدته كيدك كله، وكنت من أشد الناس له تكذيبا وعداوة، ثم خرجت تريد النجاشي مع أصحاب السفينة لتأتي بجعفر وأصحابه الى أهل مكة، فلما أخطأك ما رجوت، وأرجعك الله خائبا، وأكذبك واشيا، جعلت حدك على صاحبك عمارة بن الوليد فوشيت به الى النجاشي حسدا لما ارتكب من حليلته، ففضحك الله وفضح صاحبك فأنت عدو بني هاشم فى الجاهلية والإسلام، ثم انك تعلم وكل هؤلاء الرهط يعلمون انك هجوت رسول الله (ص) بسبعين بيتا من الشعر، فقال رسول الله (ص): اللهم إني لا أقول الشعر ولا ينبغي لي، اللهم العنه بكل حرف الف لعنة، فعليك إذا من الله ما لا يحصى من اللعن. وأما ما ذكرت من أمر عثمان فأنت سعرت عليه الدنيا نارا ثم لحقت بفلسطين فلما أتاك قتله قلت: أنا أبو عبد الله إذا نكأت قرحة أدميتها ثم حبست نفسك الى معاوية وبعت دينك بدنياه فلسنا نلومك على بغض، ولا نعاتبك على ود، وبالله ما نصرت عثمان حيا ولا غضبت له مقتولا، ويحك يا ابن العاص ألست القائل في بني هاشم لما خرجت من مكة الى النجاشي:

تقول ابنتى أين هذا الرحيل * * * وما السير مني بمستنكر
فقلت ذريني فاني امرؤ * * * اريد النجاشي فى جعفر
لأكويه عنده كية * * * اقيم بها نخوة الأصعر
وشأني أحمد من بينهم * * * وأقولهم فيه بالمنكر
وأجرى الى عتبة جاهدا * * * ولو كان كالذهب الأحمر
ولا أنثني عن بني هاشم * * * وما اسطعت في الغيب والمحضر
فان قبل العتب مني له * * * وإلا لويت له مشفري

فهذا جوابك هل سمعته؟
لقد ذكر (ع) ما هو ماثل في ابن العاص من الرذائل والمخازي، ومن الحقد العارم للإسلام والمسلمين، واشتراكه في دم عثمان، وانضمامه بعد ذلك الى معاوية طمعا بدنياه. ثم التفت (ع) الى الوليد بن عاقبة فقال له:
(وأما أنت يا وليد فو الله ما ألومك على بغض علي، وقد جلدك ثمانين جلدة في الخمر، وقتل أباك بين يدي رسول الله (ص)، وأنت الذي سماه الله الفاسق، وسمى عليا المؤمن حيث تفاخرتما فقلت له: أسكت يا علي فأنا أشجع منك جنانا، وأطول منك لسانا. فقال لك علي: أسكت يا وليد فأنا مؤمن وأنت فاسق فأنزل الله في موافقة قوله: (أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ)(٤٢٥). ثم أنزل على موافقة قوله: (إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)(٤٢٦) ويحك يا وليد مهما نسيت فلا تنس قول الشاعر فيك وفيه، ثم ذكر (ع) الأبيات التي قيلت فيه:

ليس من كان مؤمنا عمرك * * * الله كمن كان فاسقا خوانا
سوف يدعى الوليد بعد قليل * * * وعلي الى الحساب عيانا
فعلي يجزى بذاك جنانا * * * ووليد يجزى بذاك هوانا

وما أنت وقريش إنما أنت علج من أهل صفورية، وأقسم بالله لأنت أكبر في الميلاد واسن ممن تدعى إليه).
ان السبب الداعي الى بغض الوليد وعدائه الى أمير المؤمنين (ع) ان الإمام مثال للإيمان والوليد رمز للكفر، ومن المعلوم ان التضاد بين الإيمان والكفر تضاد ذاتي وتنافر طبيعي، ومضافا الى ذلك فان أمير المؤمنين قد جلده ثمانين جلدة لشربه الخمر، وقد أولد ذلك في نفسه عداء لأمير المؤمنين أي عداء، وبعد ما أخزى (ع) الوليد. التفت الى عتبة بن أبي سفيان فقال له:
(وأما أنت يا عتبة، فو الله ما أنت بحصيف فأجيبك، ولا عاقل فأحاورك وأعاتبك، وما عندك خير يرجى، ولا شر يتقى، وما عقلك وعقل أمتك إلا سواء، وما يضر عليا لو سببته على رءوس الأشهاد، وأما وعيدك إياي بالقتل فهلا قتلت اللحياني إذ وجدته على فراشك. أما تستحيي من قول نصر بن الحجاج فيك:

يا للرجال وحادث الأزمان * * * ولسبة تخزي أبا سفيان
نبئت عتبة خانه في عرسه * * * جنس لئيم الأصل من لحيان

وبعد هذا ما أربأ بنفسي عن ذكره لفحشه، فكيف يخاف أحد سيفك ولم تقتل فاضحك؟!! وكيف ألومك على بغض علي وقد قتل خالك الوليد مبارزة يوم بدر، واشترك مع حمزة فى قتل جدك عتبة وأوحدك من أخيك حنظلة في مقام واحد؟!!).
لقد بين (ع) سفاهة عتبة وعدم عقله، وفقدانه الشرف، وان أمير المؤمنين (ع) قد حصد ببتاره رأس جده وخاله وأخيه يوم بدر، فلهذا كان يكنّ في نفسه الحقد والبغض له، ثم التفت (ع) بعد ذلك الى المغيرة بن شعبة فقال له: (وأما أنت يا مغيرة، فلم تكن بخليق أن تقع في هذا وشبهه، وإنما مثلك مثل البعوضة إذ قالت للنخلة: (استمسكي فاني طائرة عنك. فقالت النخلة: وهل علمت بك واقعة عليّ فأعلم بأنك طائرة عنى). والله ما نشعر بعداوتك إيانا، ولا اغتممنا إذ علمنا بها، ولا يشق علينا كلامك وإن حدّ الله فى الزنا لثابت عليك، ولقد درأ عمر عنك حقا الله سائله عنه، ولقد سألت رسول الله (ص) هل ينظر الرجل الى المرأة يريد أن يتزوجها؟ فقال: لا بأس بذلك يا مغيرة، ما لم ينو الزنا لعلمه بأنك زان، وأما فخركم علينا بالامارة فان الله تعالى يقول: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا))(٤٢٧).
وانتهى بذلك حديث الإمام مع خصومه، وقد دلهم (ع) على عيوبهم ورذائلهم النفسية والنسبية، وكشف الستار عن مخازيهم، وسلبهم ثوب الافتخار، وترك (ع) الكمد والحزن يحزان في نفوسهم، فلما أراد الانصراف تعلق بطرف ثوبه ابن العاص وهو يقول:
(يا أمير المؤمنين، قد شهدت قوله فى قذف أمي، وأنا مطالب له بحق القذف).
فصاح به معاوية في غيظ:
(خل عنه لا جزاك الله خيرا).
ثم التفت الى بطانته منددا بهم ولائما لهم على عصيانهم ومخالفتهم له قائلا:
(قد أنبأتكم أنه ممن لا يطاق عارضته، ونهيتكم أن تسبوه فعصيتموني والله ما قام حتى أظلم عليّ البيت، قوموا عني، فلقد فضحكم الله وأخزاكم بترككم الحزم وعدولكم عن رأي الناصح المشفق، والله المستعان)(٤٢٨).
٤ ـ واجتمع معاوية مع بطانته فجعل بعضهم يفخر على بعض ويتطاولون فيما بينهم، فأراد معاوية أن يضحك على ذقونهم فقال لهم:
(أكثرتم الفخر، فلو حضركم الحسن بن علي (ع) وعبد الله بن عباس لقصرا من أعنتكم ما طال).
فاندفع زياد بن سمية فقال:
(وكيف ذلك يا أمير المؤمنين؟ ما يقومان لمروان بن الحكم فى غرب منطقه(٤٢٩)، ولا لنا فى بواذخنا(٤٣٠)، فابعث إليهما فى غد حتى تسمع كلامنا).
فالتفت معاوية الى وزيره ابن العاص يستشيره فى ذلك:
(ما تقول؟).
(ابعث إليهما فى غد).
وبعث معاوية ابنه يزيد خلفهما، فلما حضرا قال لهما معاوية:
(إني أجلكما وارفع قدركما عن المسامرة بالليل ولا سيما أنت يا أبا محمد فانك ابن رسول الله (ص) وسيد شباب أهل الجنة).
فشكر الإمام وابن عباس مقالته، واندفع ابن العاص قائلا:
(يا حسن، إنا قد تفاوضنا فقلنا إن رجال بني أمية أصبر عند اللقاء وأمضى في الوغى، وأوفى عهدا، وأكرم خيما(٤٣١)، وأمنع لما وراء ظهورهم من بني عبد المطلب).
ثم سكت، وتكلم من بعده مروان بن الحكم فقال:
(وكيف لا نكون كذلك وقد قارعناكم فغلبناكم، وحاربناكم فملكناكم فان شئنا عفونا وإن شئنا بطشنا).
وسكت مروان فتكلم زياد فقال:
(ما ينبغي لهم أن ينكروا الفضل لأهله، ويجحدوا الخير في سلطانه نحن أهل الحملة في الحروب، ولنا الفضل على سائر الناس قديما وحديثا).
فانبرى إليهم الامام كالأسد محطما لكيانهم، ومبيدا لفخرهم قائلا:
(ليس من العجز أن يصمت الرجل عند إيراد الحجة، ولكن من الإفك أن ينطق الرجل بالخنا، ويصور الباطل بصورة الحق، ثم وجّه عليه السلام خطابه الى عمرو بن العاص فقال له:
(يا عمرو، افتخارا بالكذب، وجرأة على الإفك، ما زلت اعرف مثالبك الخبيثة، أبديها مرة وأمسك عنها اخرى، فتأبى إلا انهماكا فى الضلالة، أتذكر مصابيح الدجى، واعلام الهدى، وفرسان الطراد، وحتوف الأقران، وابناء الطعان، وربيع الضيفان، ومعدن النبوة، ومهبط العلم؟ وزعمتم انكم أحمى لما وراء ظهوركم، وقد تبين ذلك يوم بدر حين نكصت الأبطال، وتساورت الأقران، واقتحمت الليوث، واعتركت المنية، وقامت رحاها على قطبها، وأ فترت عن نابها، وطار شرار الحرب، فقتلنا رجالكم، ومنّ النبي (ص) على ذراريكم فكنتم لعمري في ذلك اليوم غير مانعين لما وراء ظهوركم من بني عبد المطلب).
ثم التفت (ع) الى مروان فقال له:
(وأما أنت يا مروان، فما أنت والإكثار فى قريش وأنت طليق وأبوك طريد يتقلب من خزاية الى سوأة، ولقد جيء بك الى أمير المؤمنين فلما رأيت الضرغام قد دميت براثنه، واشتبكت أنيابه كنت كما قال القائل:

ليث إذا سمع الليوث زئيره * * * بصبصن ثم قذفن بالأبعار(٤٣٢)

فلما منّ عليك بالعفو وأرخى خناقك بعد ما ضاق عليك، وغصصت بريقك لم تقعد معنا مقعد أهل الشكر، ولكن تساوينا وتجارينا(٤٣٣) ونحن مما لا يدركنا عار، ولا تلحقنا خزاية).
ثم وجّه (ع) خطابه إلى زياد فقال له:
(وما أنت يا زياد وقريشا لا أعرف لك فيها أديما صحيحا(٤٣٤)، ولا فرعا نابتا، ولا قديما ثابتا، ولا منبتا كريما، بل كانت أمك بغيا تداولها رجال من قريش، وفجار العرب، فلما ولدت لم تعرف لك العرب والدا فادعاك هذا ـ وأشار الى معاوية ـ بعد ممات أبيه مالك افتخار، تكفيك سمية، ويكفينا رسول الله (ص) وأبي علي بن أبي طالب (ع) سيد المؤمنين الذي لم يرتد على عقبيه وعمي حمزة سيد الشهداء وجعفر الطيار وأنا وأخي سيدا شباب أهل الجنة).
وبعد ما القم الحجر أفواه خصومه التفت الى ابن عباس قائلا:
(يا ابن العم، إنما هي بغاث الطير انقضّ عليها أجدل).
وأراد ابن عباس أن يتكلم فخاف معاوية من حديثه فأقسم عليه أن يسكت فسكت، ثم خرج الإمام وابن عباس، فالتفت معاوية الى بطانته مستهزئا بهم:
(أجاد عمرو الكلام لو لا أن حجته دحضت، وتكلم مروان: لو لا انه نكص).
ثم التفت الى زياد فأنكر عليه هذا التدخل قائلا:
(ما دعاك الى محاورته ما كنت إلا كالحجل فى كف البازي).
والتفت ابن العاص الى معاوية:
(ألا رميت من ورائنا؟).
(إذا كنت شريككم فى الجهل، أفاخر رجلا رسول الله جدّه، وهو سيد من مضى ومن بقى، وأمّه فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين).
ثم التفت الى ابن العاص:
(والله لئن سمع به أهل الشام لهي السوءة السواء).
فقال عمرو: لقد أبقى عليك ولكنه طحن مروان وزيادا طحن الرحا بثفالها، ووطأهما وطىء البازل القراد بمنسمه.
واندفع زياد يؤيد مقالة ابن العاص في تحطيم الإمام لهم قائلا:
(قد والله فعل، ولكن معاوية يأبى إلا الإغراء بيننا وبينهم، لا جرم والله لا شهدت مجلسا يكونان فيه إلا كنت معهما على من فاخرهما).
وخلا ابن عباس بالإمام فقبّل ما بين عينيه وأظهر له الإعجاب بحديثه ورده على هؤلاء الأوغاد قائلا:
(أفديك يا ابن العم، والله ما زال بحرك يزخر، وأنت تصول حتى شفيتني من أولاد البغايا).
٥ ـ وغاب الإمام عن دمشق أياما ثم رجع إليها فدخل على معاوية وكان في مجلسه عبد الله بن الزبير، فلما رأى معاوية الإمام قام إليه فاستقبله، وبعد ما استقر به المجالس التفت إليه قائلا:
(يا أبا محمد، إني أظنك تعبا نصبا فأت المنزل فأرح نفسك فيه).
وخرج الإمام من عنده، والتفت معاوية الى عبد الله بن الزبير مغريا له:
(لو افتخرت على الحسن، فانك ابن حواري رسول الله (ص) وابن عمته، ولأبيك في الإسلام نصيب وافر).
فانخدع ابن الزبير بمقالة معاوية فأظهر له الاستعداد على مطاولة الإمام ومفاخرته قائلا:
(أنا، له).
وانصرف ابن الزبير وقد انفق ليله ساهرا وهو يفكر بما ذا سيوصم به الإمام؟ فلما أصبح جاء يشتد الى مجلس معاوية ليطاول الإمام ويعتدي عليه حتى يرضي عواطف معاوية، وأقبل الامام (ع) فقام إليه معاوية واحتفى به، ولما استقر به المجالس اندفع ابن الزبير قائلا:
(لو لا انك خوار في الحرب غير مقدام ما سلمت لمعاوية الأمر، وكنت لا تحتاج الى اختراق السهوب(٤٣٥)، وقطع المفاوز، تطلب معروفه وتقوم ببابه، وكنت حريا أن لا تفعل ذلك وأنت ابن علي فى بأسه ونجدته فما أدري ما الذي حملك على ذلك؟ أضعف في الرأي أم وهن نحيزة(٤٣٦) فما أظن لك مخرجا من هاتين الخلتين، أما والله لو استجمع لي ما استجمع لك لعلمت أني ابن الزبير، وإني لا أنكص عن الأبطال، وكيف لا أكون كذلك وجدتي صفية بنت عبد المطلب، وأبي الزبير من حواري رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأشد الناس بأسا، وأكرمهم حسبا فى الجاهلية، وأطوعهم لرسول الله (ص)).
واندفع الامام فردّ عليه أباطيله وبهتانه قائلا:
(أما والله، لو لا أن بني أميّة تنسبني الى العجز عن المقال لكففت عنك تهاونا، ولكن سأبين لك ذلك لتعلم أني لست بالعي، ولا الكليل اللسان إياي تعيّر، وعليّ تفتخر؟! ولم يكن لجدك بيت في الجاهلية ولا مكرمة فزوجته جدتي صفية بنت عبد المطلب فبذخ على جميع العرب بها، وشرف بمكانها، فكيف تفاخر من هو من القلادة واسطتها، ومن الأشراف سادتها نحن اكرم أهل الأرض زندا؟ لنا الشرف الثاقب، والكرم الغالب، ثم تزعم أني سلمت الأمر، فكيف يكون ذلك ويحك ـ كذلك.؟ ـ وأنا ابن أشجع العرب، وقد ولدتني فاطمة سيدة نساء العالمين (ع) وخيرة الاماء، لم أفعل ذلك ويحك جبنا ولا ضعفا، ولكنه بايعني مثلك، وهو يطلبني بترة، ويداجيني المودة، ولم أثق بنصرته، لأنكم أهل بيت غدر، وكيف لا يكون كما أقول:؟ وقد بايع أبوك أمير المؤمنين ثم نكث بيعته ونكص على عقبيه، واختدع حشية من حشايا رسول الله (ص) ليضل بها الناس، فلما دلف نحو الأعنة ورأى بريق الأسنة قتل مضيعة لا ناصر له، وأتى بك أسيرا، قد وطأتك الكماة بأظلافها، والخيل بسنابكها، واعتلاك الأشتر فغصصت بريقك وأقعيت على عقبيك كالكلب إذا احتوشته الليوث، فنحن ويحك نور البلاد وأملاكها، وبنا تفخر الأمة، وإلينا تلقى مقاليد الأزمة، أتصول وأنت تخدع النساء!! ثم تفخر على بني الأنبياء، لم تزل الأقاويل منا مقبولة، وعليك وعلى أبيك مردودة، دخل الناس في دين جدي طائعين وكارهين، ثم بايعوا أمير المؤمنين (ع) فسار الى أبيك وطلحة حين نكثا البيعة، وخدعا عرس رسول الله (ص)(٤٣٧) فقتل أبوك وطلحة وأتي بك أسيرا فبصبصت بذنبك وناشدته الرحم أن لا يقتلك فعفا عنك، فأنت عتاقة أبي، وأنا سيدك وسيد أبيك فذق وبال أمرك).
وخجل ابن الزبير وندم على ما فرط في أمره، فتقدم الى الإمام باسلوب لين ناعم يلتمس فيه العفو والرضا، معربا له ان معاوية هو الذي أغراه بذلك قائلا:
(أعذر يا أبا محمد، فإنما حملني على محاورتك هذا ـ وأشار الى معاوية ـ فهلا إذ جهلت أمسكت عني، فإنكم أهل بيت سجيتكم الحلم والعفو).
والتفت الامام الى معاوية فقال له:
(انظر هل أكيع عن محاورة أحد؟ ويحك أتدري من أي شجرة أنا؟ والى من أنتمي؟ انته قبل أن أسمك بميسم تتحدث به الركبان في الآفاق والبلدان).
فقال ابن الزبير:
(هو لذلك أهل).
فالتفت معاوية الى ابن الزبير قائلا:
(أما انه قد شفى بلابل صدري منك، ورمى مقتلك، فصرت كالحجل في كف البازي يتلاعب به كيف أراد، فلا أراك تفتخر على أحد بعدها)(٤٣٨).
٦ ـ ومن مناظراته القيّمة، ومشاجراته مع خصومه التي حطّم بها كيانهم انه (ع) أقبل الى معاوية فلما بصر به حاجبه أسرع إليه فعرّفه بتشريف الامام، فالتفت معاوية الى بطانته قائلا.
(إنه إن دخل علينا أفسد ما نحن فيه).
فقال له مروان: (ائذن له، فاني أسأله عما ليس عنده جواب).
فنهره معاوية وقال له: (لا تفعل، انهم قوم ألهموا الكلام).
وأذن معاوية للإمام، فلما دخل قام إليه فرحب به والتفت مروان قائلا باستهزاء.
(أسرع الشيب الى شاربك يا حسن، ويقال إن ذلك من الخرق)(٤٣٩)
فأجابه الامام قائلا:
(ليس كما بلغك، ولكنا معشر بني هاشم طيبة أفواهنا، فنساؤنا يقبلن علينا بأنفاسهن، وأنتم معاشر بني أميّة فيكم بخر شديد(٤٤٠) فنساؤكم يصرفن أفواههن، وأنفاسهن عنكم الى أصداغكم(٤٤١) فانما يشيب موضع العذار من أجل ذلك).
فغضب معاوية وصاح بأصحابه:
(قد كنت أخبرتكم فأبيتم حتى سمعتم ما أظلم عليكم بيتكم، وأفسد مجلسكم)
وخرج الامام من عندهم وقد ترك الكمد ملأ نفوسهم وهو يقول:

ومارست هذا الدهر خمسين حجة * * * وخمسا أرجى قائلا بعد قائل
فما أنا في الدنيا بلغت جسيمها * * * ولا فى الذي أهوى كدحت بطائل
وقد أسرعت في المنايا أكفها * * * وأيقنت أني رهن موت معاجل(٤٤٢)

٧ ـ وتحدث (ع) في مجلس معاوية عن عظيم فضله، وشرف نسبه قائلا:
(قد علمت قريش بأسرها أني منها فى عز أرومتها، لم أطبع على ضعف، ولم أعكس على خسف، أعرف بشبهي، وأدعى لأبي).
وساء ذلك ابن العاص فانبرى قائلا:
(قد علمت قريش أنك من أقلها عقلا، وأكثرها جهلا، وإن فيك خصالا لو لم يكن فيك إلا واحدة منهن لشملك خزيها كما شمل البياض الحالك(٤٤٣) لعمر الله، لتنتهين عما أراك تصنع أو لأكبسن لك حافة كجلد العائط(٤٤٤) أرميك من خلالها بأحر من وقع الأثافي(٤٤٥) أعرّك منها أديمك عرك السلعة(٤٤٦) فانك طالما ركبت صعب المنحدر، ونزلت في اعراض الوعر التماسا للفرقة، وارصادا للفتنة، ولن يزيدك الله إلا فظاعة).
فردّ عليه الامام مقالته:
(أما والله لو كنت تسمو بحسبك، وتعمل برأيك، ما سلكت فج قصد، ولا حللت رابية مجد، وأيم الله لو أطاعني معاوية لجعلك بمنزلة العدو الكاشح(٤٤٧)، فانه طال ما طويت على هذا كشحك، وأخفيته في صدرك، وطمع بك الرجاء الى الغاية القصوى التي لا يورق لها غصنك، ولا يخضرّ لها مرعاك، أما والله ليوشكن يا ابن العاص أن تقع بين لحيي ضرغام من قريش، قوي ممتنع، فروس ذي لبد، يضغطك ضغط الرحا للحب، لا ينجيك منه الروغان(٤٤٨) إذا التقت حلقتا البطان)(٤٤٩).
لقد كان ابن العاص يتحرى في كل مناسبة انتقاص أهل البيت، ويعلن عداءه وبغضه لهم وما سبب ذلك إلا لخبث ذاته، وعدم طهارة انائه، وقد رأى الامام في الطواف فجعل يشتد نحوه، فلما انتهى إليه رفع عقيرته:
(يا حسن أزعمت أن الدين لا يقوم إلا بك وبأبيك، فلقد رأيت الله عز وجل أقامه بمعاوية فجعله راسيا بعد ميله، وبيّنا بعد خفائه، أفرضي الله قتل عثمان أم من الحق أن تدور بالبيت كما يدور الجمل بالطحين عليك ثياب كغرقىء البيض(٤٥٠) وأنت قاتل عثمان، والله إنه لألم للشعث وأسهل للوعث(٤٥١) أن يوردك معاوية حياض أبيك).
فوجّه (ع) إليه سهاما من قوله قائلا:
(ان لأهل النار علامات يعرفون بها، وهي الالحاد لأولياء الله، والموالاة لأعداء الله، والله إنك لتعلم أن عليا (ع) لم يتريب في الأمر ولم يشك في الله طرفة عين، وأيم الله لتنتهين يا ابن أم عمرو أو لأقرعن جبينك بكلام تبقى سمته عليك ما حييت، فاياك والابراز علي فاني من قد عرفت لست بضعيف الغميزة(٤٥٢) ولا بهش المشاشة(٤٥٣) ولا بمرئ المأكلة وإني من قريش كاوسط القلادة، يعرف حسبي، ولا أدعى لغير أبي وقد تحاكمت فيك رجال من قريش فغلب عليك ألأمهم نسبا وأظهرهم لعنة فاياك عنى فانك رجس، وأما نحن بيت الطهارة أذهب الله عنا الرجس، وطهرنا تطهيرا)(٤٥٤).
٨ ـ ومما وقع للإمام في دمشق انه دخل على معاوية فلما رآه قام إليه واحتفى به فساء ذلك مروان واضطرب غيظا وموجدة واندفع قائلا:
يا حسن، لو لا حلم أمير المؤمنين وما قد بنى له آباؤه الكرام من المجد والعلا ما أقعدك هذا المقعد، ولقتلك وأنت له مستوجب بقودك الجماهير
فلما أحسست بنا وعلمت أن لا طاقة لك بفرسان أهل الشام، وصناديد بني أمية اذعنت بالطاعة، واحتجزت بالبيعة، وبعثت تطلب الأمان، أما والله لو لا ذلك لأريق دمك، وعلمت أنا نعطي السيوف حقها عند الوغى فاحمد الله اذا ابتلاك بمعاوية فعفا عنك بحلمه ثم صنع بك ما ترى!.).
فرد عليه الإمام قائلا:
ويحك يا مروان، لقد تقلدت مقاليد العار في الحروب عند مشاهدتها والمخاذلة عند مخالطتها، نحن ـ هبلتك الهوابل ـ لنا الحجج البوالغ، ولنا إن شكرتم عليكم النعم السوابغ ندعوكم إلى النجاة وتدعوننا إلى النار، فشتان ما بين المنزلتين تفخر ببني أمية وتزعم أنهم صبر في الحروب أسد عند اللقاء ثكلتك أمك أولئك البهاليل السادة والحماة الذادة والكرام القادة بنو عبد المطلب أما والله لقد رأيتهم وجميع من في هذا البيت ما هالتهم الأهوال ولم يحيدوا عن الأبطال كالليوث الضارية الباسلة الحنقة فعندها وليت هاربا وأخذت أسيرا فقلدت قومك العار لأنك في الحروب خوار، أيراق دمى زعمت؟!! أفلا أرقت دم من وثب على عثمان في الدار فذبحه كما يذبح الجمل؟ وأنت تثغو ثغاء النعجة!! وتنادي بالويل والثبور كالأمة اللكعاء ألا دفعت عنه بيد أو ناضلت عنه بسهم؟! لقد أرتعدت فرائصك!! وغشي بصرك فاستغثت بي كما يستغيث العبد بربه فأنجيتك من القتل ومنعتك منه ثم تحث معاوية على قتلي؟ ولو رام ذلك معك لذبح كما ذبح ابن عفان، أنت معه أقصر يدا وأضيق باعا وأجبن قلبا من أن تجسر على ذلك ثم تزعم أنى ابتليت بحلم معاوية أما والله لهو أعرف بشأنه، وأشكر لما وليناه هذا الأمر فمتى بدا له، فلا يغضين جفنه على القذى معك فو الله لاعقبن أهل الشام بجيش يضيق عنه فضاؤها ويستأصل فرسانها ثم لا ينفعك عند ذلك الهرب والروغان، ولا يرد عنك الطلب تدريجك الكلام فنحن من لا يجهل آباؤنا القدماء الأكابر، وفروعنا السادة الأخيار، أنطلق إن كنت صادقا).
فقال ابن العاص مستهزا بمروان:
(ينطق بالخنا وتنطق بالصدق). ثم أنشأ يقول:

قد يضرط العير والمكواة تأخذه * * * لا يضرط العير والمكواة في النار

(ذق وبال أمرك يا مروان).
وصاح معاوية بمروان:
(قد كنت نهيتك عن هذا الرجل وأنت تأبى إلا إنهما كما فيما لا يعنيك أربع على نفسك فليس أبوك كأبيه ولا أنت مثله، أنت ابن الطريد الشريد وهو ابن رسول الله (ص) الكريم، ولكن رب باحث عن حتفه وحافر عن مديته).
وانتفخت أوداج مروان غضبا وحنقا فاندفع نحو معاوية قائلا:
(ارم من دون بيضتك، وقم بحجة عشيرتك).
ثم التفت إلى ابن العاص قائلا:
(وطعنك أبوه فوقيت نفسك بخصييك فلذلك تحذره).
ثم قام وهو محطم الكيان قد أهين وحقر فقال معاوية:
(لا تجار البحور فتغمرك، ولا الجبال فتبهرك)(٤٥٥).
٩ ـ ودخل الإمام على معاوية وكان في مجلس ضيق فجلس (ع) عند رجليه فتحدث معاوية بما شاء أن يتحدث به ثم قال (عجبا لعائشة!! تزعم أني في غير ما أنا أهله، وان الذي أصبحت فيه ليس لي بحق، مالها ولهذا يغفر الله لها، انما كان ينازعنى أبو هذا الجالس ـ وأشار إلى الحسن ـ وقد استأثر الله به).
فقال (ع): (أوعجب ذلك يا معاوية!!).
ـ أي والله!:.
ـ أفلا اخبرك بما هو أعجب؟!!.
ـ ما هو؟
ـ جلوسك في صدر المجالس وأنا عند رجليك.
فضحك معاوية وراوغ على عادته وقال:
(يا ابن أخي بلغنى أن عليك دينا، كم هو؟).
ـ مائة الف.
ـ أمرنا لك بثلاثمائة ألف، مائة ألف منها لدينك، ومائة ألف تقسمها في أهل بيتك خاصة، ومائة ألف لخاصة نفسك، فقم مكرما فاقبض صلتك.
وخرج الإمام من عنده وكان يزيد حاضرا في مجلس أبيه فلما رأى حفاوته بالإمام ساءه ذلك وحينما انصرف من في المجالس اندفع قائلا:
(تالله ما رأيت رجلا مثلك، استقبلك بما استقبلك به ثم أمرت له بثلاثمائة ألف!)
ـ يا بني، إن الحق حقهم فمن جاءك منهم فاحث له(٤٥٦).
وقد اعترف معاوية أن الخلافة الإسلامية لأهل البيت وانه قد غصبها منهم.
هذه بعض مناظرات الإمام مع خصومه، قد روى أكثرها البيهقي والجاحظ، ونصّ عليها غيرهما من المؤرخين، وقد فضح بها الإمام معاوية وأتباعه، وأبدا عارهم وعيارهم، وأظهر لأهل الشام مخازي بنى أمية، وعيوب آل أبي سفيان، فهي بحق ثورة على حكومة معاوية، فقد حطمت كيانه، وأنزلته من عرشه إلى قبره.
وشكك بعض أهل العلم فى بعض تلك المناظرات، واحتمل فيها الوضع لأنها قد اشتملت على تعيير الإمام لخصومه باسلوب يستبعد صدور منه وقد استدل على ذلك بما روى من أن الإمام لم تسمع منه كلمة فحش قط إلا قوله لمروان: (ليس لك عندي إلا ما رغم به أنفك) ومع هذا فكيف يصدر ذلك منه، وهو احتمال موهوم لأن خصومه الحقراء قد تجرءوا عليه وجابهوه بألفاظ قاسية بذيئة، فرد عليهم اعتداءهم، ولكن لم يستعن بالكذب، ولم يتذرع بالبذاء كما تذرعوا به.
وعلى أي حال فان معاوية بالرغم مما انزله الإمام به من الذل والهوان فانه كان يحذر جانبه ويخشاه وذلك لما له من المكانة المرموقة في نفوس المسلمين، وتقديمهم له بالفضل على غيره، وكانوا يعلنون ذلك أمام معاوية فقد ذكر رواة الأثر ان معاوية تحدث في مجلسه فقال:
(اخبروني بخير الناس أبا وأما، وعما وعمة، وخالا وخالة، وجدا وجدة).
وانما قال ذلك ليرى مدى انطباع المسلمين عن الإمام، فقام إليه مالك بن عجلان فقال له: (هذا ـ وأشار إلى الحسن ـ خير الناس أبوه علي بن أبي طالب، وأمه فاطمة بنت رسول الله (ص)، وعمه جعفر الطيار في الجنان، وعمته أم هاني بنت أبي طالب، وخاله القاسم بن رسول الله، وخالته زينب بنت رسول الله، وجده رسول الله (ص)، وجدته خديجة بنت خويلد...).
فسكت معاوية ولم يطق جوابا، ولما انصرف الإمام انبرى ابن العاص الى مالك فانكر عليه قوله، قائلا له:
(أحب بني هاشم حملك على أن تكلمات بالباطل؟!).
فرد عليه مالك قائلا:
(ما قلت إلا حقا: وما أحد من الناس يطلب مرضاة المخلوق بمعصية الخالق، إلا لم يعط أمنيته في دنياه، وختم له بالشقاء في آخرته، بنو هاشم أنضرهم عودا، واوراهم زندا).
والتفت إلى معاوية فقال له: (أليس هم كذلك؟) ولم يسع معاوية إلا التصديق لكلامه(٤٥٧).
ان معاوية كان يخشى من الإمام ويحذر من انتفاضته عليه، ولا تزال ذكريات صفين ماثلة امامه فيفزع منها، ويخاف ان تعود عليه مرة اخرى، ولهذا كان يرعى عواطف الإمام، وقد ذكر المؤرخون ان عمرو ابن عثمان بن عفان، واسامة بن زيد مولى رسول الله (ص) تخاصما عند معاوية في ارض فقال عمرو لأسامة: (كأنك تنكرني؟!) فرد عليه اسامة مقالته، وكثر التشاجر بينهما فهدده أسامة بالهاشميين، ثم قام فجلس إلى جانب الحسن (ع) وقام الهاشميون فجلسوا إلى جانبه، ولما راى الأمويون ذلك انضموا إلى ابن عثمان، وخاف معاوية من اثارة الفتنة فبادر الى حسم النزاع قائلا:
(لا تعجلوا أنا كنت شاهدا إذ أقطعها رسول الله (ص) اسامة).
وقد حكم بذلك لأسامة وقدمه على عمرو ولما خرج الإمام اقبل الأمويون على معاوية يلومونه على ذلك، وقالوا له: (الا كنت اصلحت بيننا؟) فأجابهم معاوية بما ينم عن فزعه وخوفه قائلا:
(دعوني فو الله ما ذكرت عيونهم تحت المغافر بصفين إلا لبس علي عقلي، وإن الحرب اولها نجوى، واوسطها شكوى، وآخرها بلوى).
ثم تمثل بأبيات لامرئ القيس قائلا:

الحرب اول ما تكون فتية * * * تدنو بزينتها لكل جهول
حتى إذا حميت وشب ضرامها * * * عادت عجوزا غير ذات حليل
شمطاء جزت راسها وتنكرت * * * مكروهة للّثم والتقبيل

ثم قال: ما في القلوب يشب الحروب، والأمر الكبير يدفعه الأمر الصغير، وتمثل بقول الشاعر:

قد يلحق الصغير بالجليل * * * وإنما القرم من الأفيل
وتسحق النخل من الفسيل(٤٥٨)

إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن سفر الإمام إلى دمشق، وعن مناظراته فيها.
خرق معاوية شروط الصّلح
والتزمت أغلب الأمم والشعوب على اختلاف عناصرها وأديانها بالوفاء بالعهود، وتنفيذ الشروط، وعدم مجافاتها لما تلتزم به، وذلك حرصا منها على الروابط الاجتماعية، وحفظا على النظام العام، وقد اهتم الإسلام بهذه الناحية اهتماما بالغا فأكد رعاية العهود، وضرورة الوفاء بها قال تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً)(٤٥٩)وقال تعالى: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ)(٤٦٠)لقد دعا تعالى المسلمين ـ بهذه الآية ـ إلى أن يهبوا إلى نصرة إخوانهم في الدين وإلى الاشتراك معهم في عمليات الحروب إذا دعوهم إلى ذلك وقد استثنى تعالى المسلمين الذين بينهم وبين المشركين عهد وميثاق فانه لا يجوز لهم خرق ذلك الميثاق، وذلك لما للعهود من الأهمية عند الله، يقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (المؤمنون عند شروطهم، وقال (ص): (المؤمن إذا وعد وفى) ويقول أمير المؤمنين (ع) في عهده لمالك الأشتر:
(وإن عقدت بينك وبين عدوك عقدة، أو ألبسته منك ذمة، فحط عهدك بالوفاء، وارع ذمتك بالأمانة واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت.
فانه ليس من فرائض الله شيء الناس أشد عليه اجتماعا مع تفرق أهوائهم وتشتت آرائهم، من تعظيم الوفاء بالعهود.
وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين لما استبلوا من عواقب الغدر. فلا تغدرن بذمتك، ولا تخيسن بعهدك، ولا تختلن عدوك فانه لا يجترئ على الله إلا جاهل شقي. وقد جعل الله عهده وذمته أمنا أفضاه بين العباد برحمته، وحريما يسكنون إلى منعته، ويستفيضون إلى جواره..).
هذا هو موقف الإسلام تجاه المعاهدات والشروط فقد الزم بوفائها ورعايتها، وحرم نكثها، ولنرجع بعد هذا إلى اتفاقية الصلح التي تمت بين الإمام ومعاوية، لنرى مدى الالتزام بها من الجانبين، أما ما يخص الإمام الحسن (ع) من الشروط التي اشترطها معاوية عليه فانه لم يكن سوى شرط واحد وهو أن لا يخرج الإمام عليه، وقد وفى له بذلك، فقد خف إليه خلص شيعته بعد أن أعلن معاوية نقضه للشروط التي أعطاها للإمام، فعرضوا عليه أن يخرج على معاوية، ويناجزه فأبى (ع) أن ينقض ما أعطاه من العهد، وبعد خروجه من الكوفة وشخوصه إلى يثرب جاءه زعماء شيعته فطلبوا منه مناجزة معاوية، وضمنوا له احتلال الكوفة وإخلائها من عامل معاوية، فامتنع (ع) من إجابتهم وأمرهم بالخلود الى الصبر ـ كما تقدم بيان ذلك ـ.
وأما ما يخص معاوية فانه قد خان بعهده، وحنث بيمينه، وكذب بمواعيده، بالرغم من أنه الزم نفسه بالإيمان المغلظة والعهود المؤكدة على الوفاء بما أعطاه للإمام من شروط فقد جاء فى ختام المعاهدة بتوقيعه: (وعلى معاوية بن أبي سفيان، عهد الله وميثاقه، وما أخذ الله على أحد من خلقه بالوفاء، وبما أعطى الله من نفسه.) فلم تمض أيام على امضاء المعاهدة حتى أعلن نقضها فقال أمام المسلمين: (الا ان كل شيء أعطيته للحسن بن علي تحت قدمي هاتين لا أفي به!) يقول الحصين بن نمير: (ما وفى معاوية للحسن بشيء مما أعطاه، قتل حجرا وأصحاب حجر، وبايع لابنه وسم الحسن.)(٤٦١).
إن جميع ما شملته بنود المعاهدة من شرط قد نقضها (كسرى العرب) فلم يف بشيء منها، وقد أسفر بذلك عن سياسته التي رفعت شعار الغدر ونكث الذمم ونقض العهود، وفيما بلي الشروط التي نقضها ولم يف بها.
١ ـ سبه لأمير المؤمنين:
إذا مات الإنسان وجب أن تموت معه الحزازات، وتنطوي معه الأحقاد، وسائر المؤثرات، وقد جرت سيرة الناس على ذلك منذ فجر التأريخ، ولكن ابن هند قد جافى ذلك، فقد أخذ بعد إبرام الصلح يعلن سب أمير المؤمنين عليه السلام ويبالغ فى انتقاصه، لم يمنعه عنه أنه قد اشترط عليه تركه فى اتفاقية الصلح، ولم يمنعه عنه انتقال الإمام إلى جوار الله، وقد قيل:

واحترام الأموات حتم وإن كا * * * نوا بعادا فكيف بالقرباء(٤٦٢)

لقد اندفع معاوية بجميع طاقاته وقواه إلى النيل من الإمام وإلى الحط من شأنه، وقد سخّر جميع أجهزة دولته فى ذلك حتى جعل سب العترة الطاهرة سنة من سنن المسلمين يحتجون على تركها، ويتنادون عليها ويأثمون على عدم أدائها.
ومما لا شبهة فيه أن سب أمير المؤمنين (ع) إنما هو سب للنبي (ص) وانتقاص له فقد أثر عنه (ص) أنه قال: (من سب عليا فقد سبني، ومن سبني فقد سب الله)(٤٦٣) وأثر عنه أنه قال: من آذى عليا فقد آذاني.)(٤٦٤) وقال (ص): (اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله).
وتواترت الأخبار عنه (ص) في أن الإمام أخوه، ووصيه، وخليله وباب مدينة علمه، ولو لا جهاده ودفاعه عن دين الله لما قام الإسلام، وما عبد الله عابد، ولا وحّده موحد، وقديما قيل:

أعلى المنابر تعلنون بسبه * * * وبسيفه نصبت لكم أعوادها

أما بواعث سبه، فان معاوية علم أنه لا يستقيم له الأمر إلا بانتقاص الإمام والنيل منه وقد صرح بذلك مروان بن الحكم فقال:
(لا يستقيم لنا الأمر إلا بذلك ـ أي بسب علي ـ).(٤٦٥)
وعلى أي حال فان معاوية حينما رجع إلى دمشق بعد الصلح أمر بجمع الناس فقام فيهم خطيبا فقال:
(أيها الناس، إن رسول الله (ص) قال لي: إنك ستلي الخلافة من بعدي فاختر الأرض المقدسة فان فيها الأبدال، وقد اخترتكم فالعنوا أبا تراب..).
فأخذ الناس في لعنه وانتقاصه(٤٦٦) ثم اتخذ سبه سنة جارية في خطب الجمعة والأعياد، فكان يخطب على الناس ويقول في آخر خطبته:
(اللهم إن أبا تراب ألحد في دينك وصد عن سبيلك، فالعنه لعنا وبيلا وعذبه عذابا أليما) فكانت هذه الكلمات يشاد بها على المنابر(٤٦٧) ثم كتب إلى جميع عماله وولاته بلعن أخي رسول الله وسيد هذه الأمة.
فانبرت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنونه ويبرءون منه(٤٦٨) وسار عماله على ذلك، ومن أبى منهم عزله، فقد عزل سعيد بن العاص عن إمارة يثرب لأنه امتنع من سب الإمام، وجعل في مكانه مروان بن الحكم، وقد بالغ هذا الوغد الخبيث في لعن الإمام وانتقاصه حتى امتنع الإمام الحسن (ع) من الحضور فى الجامع(٤٦٩) وكان المغيرة بن شعبة يبالغ فى كثرة السب حتى لم يحص أحد كثرة سبه له(٤٧٠) وكان زياد يحرض الناس على ذلك، ومن أبى عرضه على السيف(٤٧١).
لقد بالغ الولاة في لعن الإمام حتى جعلوا سبه من أجزاء صلاة الجمعة وبلغ الحال أن بعضهم نسي اللعن في خطبة الجمعة فذكره وهو في السفر فقضاه، وبنوا مسجدا سموه (مسجد الذكر)(٤٧٢) وخطب هشام بن عبد الملك بعرفة فلم يتناول الإمام بسوء فانكر عليه عبد الملك بن الوليد قائلا:
(يا أمير المؤمنين، هذا يوم كانت الخلفاء تستحب فيه لعن أبي تراب)
فقال له هشام: (ليس لهذا جئنا)(٤٧٣) ولما ولي عبد الملك بن مروان جعل في طليعة مهامه سب أمير المؤمنين، وتعميم لعنه على جميع الحضر الإسلامية، وقد رمى بالفجور فى مجلسه، وكان خالد بن عبد الله القسرى(٤٧٤) وهو أحد ولاة الأمويين على مكة والعراق يجاهر في لعن أمير المؤمنين والحسن والحسين فكان ينزو على المنبر ويقول:
(اللهم العن علي بن ابي طالب بن عبد المطلب بن هاشم صهر رسول الله (ص) على ابنته، وأبا الحسن والحسين).
ثم يلتفت إلى الناس ويقول لهم:
(هل كنيت؟)(٤٧٥).
وذكر الحافظ السيوطى أنه كان في أيام بني أمية أكثر من سبعين الف منبر يلعن عليها ابن أبي طالب (ع) وذلك بما سنه لهم معاوية، وفي ذلك يقول العلامة أحمد حفظي مصطفى الشافعي في أرجوزته:

وقد حكى الشيخ السيوطي أنه * * * قد كان فيما جعلوه سنة
سبعون الف منبر وعشرة * * * من فوقهن يلعنون حيدرة
وهذه في جنبها العظائم * * * تصغر بل توجه اللوائم(٤٧٦)

ولما رأى سواد الناس والطبقة الواطئة في الشعب أن أحب شيء للسلطة الأموية وأقوى سبب للاتّصال بها سب أمير المؤمنين (ع) وانتقاصه أخذوا يتقربون إليها بذلك فقد أقبل بعض الأوغاد إلى الحجاج وهو رافع عقيرته قائلا:
(أيها الأمير، إن أهلي عقوني فسموني عليا، وإني فقير بائس وأنا إلى صلة الأمير محتاج).
فأنس الحجاج بذلك وتضاحك وقال له:
(للطف ما توصلت به فقد وليتك موضع كذ)(٤٧٧).
لقد انتشر سب أمير المؤمنين ولعنه في جميع الأقطار الإسلامية سوى سجستان فانه لم يلعن على منابرها إلا مرة واحدة ولما أصر الأمويون على ذلك امتنعوا عليهم حتى أضطر الأمويون أخيرا إلى موافقتهم(٤٧٨) وبذلك فقد حاز أهل سجستان الشرف والمجد وسجلت لهم هذه المأثرة بمداد من الشرف والنور.
وظل الأمويون مصرين على سب بطل الإسلام وحامى حوزته وقد بذلوا قصارى جهودهم فى نشر ذلك إلى أن جاء دور عمر بن عبد العزيز فمنع السب وكتب بالمنع إلى جميع عماله وولاته، وأمر أن يجعل بدل اللعن فى خطبة الجمعة والأعياد قوله تعالى: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ)(٤٧٩).
وقيل بل جعل مكان ذلك قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(٤٨٠).
وقيل بل جعلهما معا(٤٨١) وقد سجل بذلك مكرمة لا تنسى مدى الأجيال والأحقاب، وقد مدحه شاعر العبقرية والنبوغ السيد الشريف الرضي رحمه الله على ذلك وشكر له هذه اليد البيضاء التي أسداها على عموم المسلمين فقال:

يا ابن عبد العزيز لو بكت الع * * * ين فتى من أمية لبكيتك
غير أني أقول إنك قد طب * * * ت وإن لم يطب ولم يزك بيتك
أنت نزهتنا عن السب والقذ * * * ف فلو أمكن الجزاء جزيتك
ولو اني رأيت قبرك لاستحيي * * * ت من أن أرى وما حييتك
وقليل ان لو بزلت دماء ال * * * بدن ضربا على الذرى وسقيتك
دير سمعان فيك مأوى أبي حفص * * * فبودي لو أنني آويتك
دير سمعان لا أغبك غيث * * * خير ميت من آل مروان ميتك(٤٨٢)

لقد قدم له السيد الشريف آيات الشكر والثناء بهذه الأبيات الرائعة وشكره على محوه لهذه البدعة التي أثبتت جاهلية معاوية، ومروقه من الدين
المنكرون ذلك:
وأثار سب الامام أمير المؤمنين سخط الأخيار والمتحرجين فى دينهم لأن الامام نفس النبي (ص) وأخوه وأبو سبطيه، وصاحب العناء فى الاسلام، ولأن سب المسلم من أفحش المحرمات، فقد أثر عن النبي أنه (سباب المسلم فسوق)(٤٨٣)، وقال (ص): (لا يكون المؤمن لعانا)(٤٨٤) الى غير ذلك من الأحاديث التي وردت عنه (ص) فى تحريم سب المسلم وقذفه، فلذا اندفعوا الى اعلان سخطهم والى الانكار عليه وعلى ولاته، ونسوق نص كلامهم في ذلك:
١ ـ سعد بن أبي وقاص:
وعزّ على سعد أن يسمع سب أمير المؤمنين وهو يعير ذلك أذنا صماء من دون أن ينكر عليه، فقد ذكر المؤرخون ان معاوية بعد عام الصلح قصد بيت الله الحرام، وبعد فراغه من الطواف توجه الى دار الندوة فلما استقرّ به المجالس شرع فى سبّ أمير المؤمنين فغضب سعد والتفت الى معاوية قائلا:
(يا معاوية أجلستني على سريرك ثم شرعت فى سبّ عليّ، والله لان يكون فيّ خصلة واحدة من خصال كانت لعلي أحبّ إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس، والله لأن أكون صهرا لرسول الله (ص) ولي من الولد ما لعلي أحب إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس والله لأن يكون رسول الله (ص) قال لي ما قال له فيه يوم خيبر: (لأعطين الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله، ويحب الله ورسوله ليس بفرّار، يفتح الله على يديه) أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس، والله لأن يكون رسول الله (ص) قال لي ما قال له فى غزوة تبوك: (ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس، وأيم الله ما دخلت لك دارا ما بقيت، ثم نهض وهو غضبان ثائر)(٤٨٥).
٢ ـ السيدة أم سلمة:
وكانت السيدة أم سلمة عالمة بمنزلة أمير المؤمنين (ص) ولما له من المنزلة الكريمة عند رسول الله (ص) ولما رأت أن معاوية يسبه علانية وجهرا اندفعت الى انكار ذلك وقد رفعت الى معاوية مذكرة جاء فيها: (إنكم تعلنون الله ورسوله على منابركم، وذلك أنكم تلعنون علي بن أبي طالب (ع) ومن أحبه، وأنا أشهد أن الله أحبه ورسوله).
ولكن انكارها لم يجد شيئا فقد بقي معاوية مصرّا على غيه وإثمه(٤٨٦).
٣ ـ عبد الله بن عباس:
واجتاز حبر الأمّة عبد الله بن عباس على قوم يسبون أمير المؤمنين فقال لقائده: ادنني منهم فأدناه، فانبرى إليهم وقد قدّ قلبه قائلا لهم بنبرات تقطر غضبا وألما:
ـ أيّكم الساب رسول الله؟
ـ نعوذ بالله أن نسب رسول الله!!
ـ أيّكم الساب علي بن أبي طالب!
ـ أما هذه فنعم.
ـ أشهد لقد سمعت رسول الله (ص) يقول: (من سبني فقد سبّ الله ومن سبّ علي بن أبي طالب فقد سبني).
فأطرقوا برءوسهم الى الأرض خجلا لا يطيقون جوابا ثم تركهم وانصرف وقد ترك الحزن يحز في نفوسهم والتفت الى قائده فقال له:
(كيف رأيتهم؟)
فأجابه وهو جذلان بما فعله بهؤلاء المجرمين قائلا:

نظروا إليك بأعين محمرة * * * نظر التيوس الى شفار الجازر

فأنس ابن عباس وقال له: زدني فداك أبي وأمي!؟

خزر العيون منكسي أذقانهم * * * نظر الذليل الى العزيز القاهر

ـ زدني فداك أبي وأمي!؟
ـ ما عندي مزيد، ولكن عندي:

أحياؤهم تجني على أمواتهم * * * والميتون فضيحة للغابر(٤٨٧)

وجرت محاورة بين ابن عباس وبين معاوية، وهي تكشف عن الخطط الرهيبة التي سلكها معاوية في اخفاء مآثر الامام وفى حجب مناقبه وفضائله، نسوق نصها لما لها من الأهمية البالغة، فقد ذكر المؤرخون ان معاوية بعد عام الصلح حج بيت الله الحرام فاجتاز على جماعة من قريش فقاموا إليه سوى ابن عباس، فبادره معاوية قائلا:
ـ يا ابن عباس ما منعك من القيام كما قام أصحابك إلا لموجدة علي بقتالي إياكم يوم صفين؟ يا ابن عباس، إن ابن عمي عثمان قتل مظلوما.
ـ فعمر بن الخطاب قد قتل مظلوما، فسلم الأمر الى ولده، وهذا ابنه ـ وأشار الى عبد الله بن عمر ـ.
ـ إن عمر قتله مشرك.
ـ فمن قتل عثمان؟
ـ قتله المسلمون.
ـ فذلك أدحض لحجتك، إن كان المسلمون قتلوه، وخذلوه فليس إلا بحق!!
ـ فانا كتبنا الى الآفاق ننهى عن ذكر مناقب علي وأهل بيته، فكف لسانك يا ابن عباس.
ـ فتنهانا عن قراءة القرآن؟
ـ لا.
ـ فتنهانا عن تأويله؟
ـ نعم.
ـ فنقرأه، ولا نسأل عما عنى الله به؟
ـ نعم.
ـ فأيهما أوجب علينا قراءته أو العمل به؟
ـ العمل به.
ـ فكيف نعمل به، حتى نعلم ما عنى الله بما أنزل علينا؟
ـ سل عن ذلك من يتأوله على غير ما تتأوله أنت وأهل بيتك.
ـ إنما أنزل القرآن على أهل بيتي، فاسأل عنه آل أبي سفيان، وآل أبي معيط؟؟
ـ فاقرءوا القرآن، ولا ترووا شيئا مما أنزل الله فيكم، ومما قال رسول الله، وارووا ما سوى ذلك.
ـ قال الله تعالى (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفوافهم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون).
ـ يا ابن عباس اكفني نفسك، وكفّ عني لسانك، وإن كنت فاعلا فليكن سرا، ولا تسمعه أحدا علانية(٤٨٨).
ودلت هذه المحاورة على عمق الأساليب التي اعتمد عليها معاوية فى محاربة أهل البيت، وفي ستر فضائلهم، وحجب المسلمين عنهم.
٤ ـ الأحنف بن قيس:
ودخل الأحنف بن قيس على معاوية فلما استقر به المجالس قام وغد أثيم من الشاميين خطيبا فافتتح خطابه بسب أمير المؤمنين وثقل ذلك على الأحنف، فالتفت الى معاوية وقد اسودّ الفضاء فى وجهه مما داخله من الحزن قائلا:
(إن هذا القائل لو يعلم أن رضاك فى لعن المرسلين لعنهم، فاتق الله يا معاوية، ودع عنك عليا فلقد لقى ربه، وأفرد بقبره، وخلي بعمله كان والله مبرورا فى سبقه ـ أي الى الإسلام ـ طاهر الثوب، ميمون النقيبة، عظيم المصيبة).
فالتاع معاوية من هذا التقريع، وتألم من هذا الثناء العاطر على أمير المؤمنين أمام أهل الشام، فالتفت الى الأحنف قائلا:
(يا أحنف. لقد أغضيت العين على القذى وقلت ما ترى، أما والله لتصعدن المنبر وتلعن عليا كرها أو طوعا).
فقال له الأحنف: إن تعفنى فهو خير لك، وإن تجبرني على ذلك فو الله لا تجري شفتاي به أبدا.
فلم يعتن معاوية بكلامه وقال له بشدة:
(قم فاصعد المنبر).
ـ أما والله لأنصفنك فى القول والفعل.
ـ وما أنت قائل إن أنصفتني؟!
ـ أصعد المنبر فأحمد الله وأثني عليه، وأصلي على نبيه محمد (ص) ثم أقول أيها الناس، إن أمير المؤمنين معاوية أمر أن العن عليا، وإن عليا ومعاوية اختلفا واقتتلا فادعا كل واحد منهما أنه بغي عليه وعلى فئته، فاذا دعوت فأمنوا رحمكم الله، ثم أقول اللهم العن أنت وملائكتك وأنبيائك وجميع خلقك الباغي منهما على صاحبه، والعن الفئة الباغية، اللهم ألعنهم لعنا كثيرا، أمنوا رحمكم الله، يا معاوية لا ازيد على هذا ولا انقص حرفا، ولو كان فيه ذهاب روحي.
فراوغ معاوية وقال: (إذا نعفيك يا أبا بحر)(٤٨٩).
٥ ـ كثير بن كثير:
ومن جملة المنكرين لسب الإمام الشاعر العبقري كثير بن كثير السهمي(٤٩٠)
فقد دفعته عقيدته الدينية وشعوره الحي الى شجب ذلك، واعلان سخطه وقد نظم ذلك بأبيات تمثلت فيها الروعة والرقة:

لعن الله من يسب عليا * * * وحسينا من سوقة وإمام
أيسب المطهرون جدودا * * * والكرام الأخوال والأعمام
يأمن الطير والحمام ولا * * * يأمن آل الرسول عند المقام
طبت بيتا وطاب أهلك أهلا * * * أهل بيت النبي والإسلام
رحمة الله والسلام عليهم * * * كلما قام قائم بسلام(٤٩١)

٦ ـ أنيس الأنصاري:
ولما أقام معاوية الخطباء يعلنون سب أمير المؤمنين (ع) وانتقاصه اندفع أنيس الأنصاري وهو من أطائب الصحابة، فأنكر على معاوية ذلك فقد خطب، وقال بعد حمد الله والثناء عليه:
(إنكم قد أكثرتم اليوم في سب هذا الرجل ـ يعني عليا ـ وشتمه وإني أقسم بالله إني سمعت رسول الله (ص) يقول: (إني لأشفع يوم القيامة لأكثر مما على الأرض من مدر وشجر)، وأقسم بالله ما أحد أوصل لرحمه منه، أفترون شفاعته تصل إليكم وتعجز عن أهل بيته)(٤٩٢).
٧ ـ زيد بن أرقم:
ورأى الصحابي زيد بن أرقم المغيرة بن شعبة يعلن سب أمير المؤمنين فانبرى إليه منكرا سبه للإمام قائلا:
(يا مغيرة، ألم تعلم أن رسول الله (ص) نهى عن سب الأموات؟
فلم تسب عليا وقد مات؟)(٤٩٣).
٨ ـ أبو بكرة:
وخطب بسر بن أبي ارطاة الأثيم المجرم في البصرة فشتم أمير المؤمنين عليه السلام على المنبر، ثم التفت الى الناس فقال لهم:
(ناشدت الله رجلا علم أني صادق إلا صدقني أو كاذب إلا كذبني).
فقال أبو بكرة:
(اللهم لا نعلمك إلا كاذبا!!).
فطاش عقل بسر وأمر بأبي بكرة فخنق ثم أنقذوه منه(٤٩٤).
وعلى أي حال، فإن هؤلاء الناقمين على معاوية كانوا مدفوعين بدافع الحرص على كرامة الإسلام المتمثلة في الإمام أمير المؤمنين، فقد رأوا أن معاوية قد عمد الى إبادة مآثر الإمام، فاندفعوا الى الإنكار عليه.
لقد حاول معاوية وأتباعه القضاء على أمير المؤمنين، وتحطيم شخصيته الرفيعة، ولكن الله بارادته الأزلية قد حكم ببقاء الحق وخلوده. وبزوال الباطل وانعدامه، وإنه وإن انتصر على الحق زمانا، فان انتصاره لا بد أن يتلاشى كما يتلاشى الدخان في الفضاء، فها هو أمير المؤمنين قد استوعب ذكره جميع لغات الأرض، وعجت المحافل والنوادي بذكره ومدحه، وبالافتخار والاعتزاز بشخصيته المقدسة، وها هو قبره الشريف قد أصبح كعبة للوافدين وملجأ للملهوفين، وملاذا للمؤمنين، تؤمه الملايين من المسلمين كما تؤم بيت الله الحرام يتبركون بزيارته، ويتقربون الى الله بالوفادة عليه حقا هذا هو الظفر والفتح، والعاقبة للمتقين.
وها هو معاوية لا يذكر إلا مع الاحتقار والاستخفاف وسوء المصير ووخز الضمير، وها هو قبره المحطم في مزبلة من مزابل الشام قد استولى عليه الهوان، وخيّم عليه الذل، حقا هذه هي الميتة، وهذا هو الخزي والعار.
وقد وقف الشاعر الكبير محمد مجذوب السوري على قبر معاوية، فرأى قذارة ذلك القبر المهان، ورأى الذباب تعربد فيه، فاندفع الى نظم قصيدته العصماء وقد جاء فيها:

هذا ضريحك لو بصرت ببؤسه * * * لأسال مدمعك المصير الأسود
كتل من الترب المهين بخربة * * * سكر الذباب بها فراح يعربد
خفيت معالمها على زوارها * * * فكأنها في مجهل لا يقصد
ومشى بها ركب البلى فجدارها * * * عار يكاد من الضراعة يسجد
والقبة الشماء نكّص طرفها * * * فبكل جزء للفناء بها يد
تهمي السحائب من خلال شقوقها * * * والريح في جنباتها تتردد
حتى المصلى مظلم فكأنه * * * مذ كان لم يجتز به متعبد

لقد مشى موكب الزمن، وإذا بالإمام أمير المؤمنين هو عملاق الإنسانية ورائد العدالة الاجتماعية الكبرى في الأرض، وإذا بمعاوية قد عاد فى عرف المسلمين وغيرهم هو الباغي الأثيم الذي تلاحقه النقمة والاحتقار.
٢ ـ خراج دارابجرد:
ومن جملة الشروط التي اشترطها الإمام على معاوية أن يعطيه خراج دارابجرد ليرفه بذلك على الفقراء والمعوزين من شيعته، ولكن معاوية قد خاس بذلك ولم يف به كما صرح بذلك أبو الفداء. وذكر الطبري ان أهل البصرة حالوا بين الإمام وبين خراج دارابجرد. ونص ابن الأثير ان منعهم كان بايعاز من معاوية، والغرض منه لئلا تقوى شوكة الإمام ويعظم أمره.
٣ ـ شيعة أمير المؤمنين:
ومن أهم الشروط التي اشترطها الإمام على خصمه الأمن العام لشيعته وشيعة أبيه وعدم التعرض لهم بسوء أو مكروه ولكن ابن أبي سفيان قد نقض عهده فلم يف للإمام بذلك، وجعل أهم أهدافه القضاء على هذه الطبقة المؤمنة التي آمنت بحق أهل البيت (ع)، لقد أسرف معاوية فى ارهابها وارهاقها، فأذاق بعضها كأس الحمام، وأودع البعض الآخر فى ظلمات السجون، وقد وجد الشيعة من العناء والمحن والخطوب ما تنوء بحمله الجبال، وما نحسب أن أمّة من الأمم لاقت من الأذى والاضطهاد كما لاقته شيعة أهل البيت، وكان أشدهم بلاء وأعظمهم محنة وشقاء أهل الكوفة، فقد استعمل عليهم معاوية زيادا بعد هلاك المغيرة، وكان بهم عالما، فأشاع فيهم القتل والاعدام، فقتلهم تحت كل حجر ومدر، وقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل عيونهم، وصلبهم على جذوع النخل، وشردهم وطردهم(٤٩٥)، ورفع معاوية مذكرة الى جميع عماله وولاته جاء فيها: (انظروا الى من قامت عليه البينة أنه يحب عليا وأهل بيته فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه)، ثم شفع ذلك بنسخة أخرى جاء فيها: (ومن اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكّلوا به وأهدموا داره).
وتحدث الامام الباقر (ع) عما جرى على أهل البيت وعلى شيعتهم من الاضطهاد والأذى في زمن معاوية فقال: (وقتلت شيعتنا بكل بلدة وقطعت الأيدي والأرجل على الظنة، وكان من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن أو نهب ماله أو هدمت داره)(٤٩٦).
انه منذ ولي الأمر ابن هند انفتح باب الظلم والجور على شيعة أمير المؤمنين (ع) فلقد جابهوا من المشكلات السياسية والمعضلات الاجتماعية ولاقوا من الهوان والعذاب والتنكيل الى حد لا سبيل الى تصويره في فضاعته ومرارته، فقد بلغ الحال أن حب أهل البيت (ع) أصبح عارا ومنقصة أو ذنبا وخطيئة يقترفها الشخص، وحكم بعضهم أن مودة أهل البيت كفر والحاد ومروق من الدين، وقد حكى لنا ذلك شاعر الإسلام والعقيدة الكميت بقوله:

يشيرون بالأيدي إلي وقولهم * * * ألا خاب هذا والمشيرون أخيب
فطائفة قد كفرتني بحبكم * * * وطائفة قالوا مسيء ومذنب
يعيبونني من خبهم(٤٩٧) وضلالهم * * * على حبكم بل يسخرون وأعجب
وقالوا ترابي هواه ورأيه * * * بذلك أدعى فيهم وألقب(٤٩٨)

ويقول أبو الأسود الدؤلي:

أحب محمدا حبا شديدا * * * وعباسا وحمزة والوصيا(٤٩٩)
هوى أعطيته منذ استدارت * * * رحى الإسلام لم يعدل سويا(٥٠٠)
بنو عم النبي وأقربوه * * * أحب الناس كلهم إليّا
فان يك حبهم رشدا أصبه * * * ولست بمخطئ إن كان غيا(٥٠١)

ويرد عبد الله بن كثير السهمي على من عابه على موالاة آل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بقوله:

إن امرأ أمست معايبه * * * حب النبي لغير ذي ذنب
وبني أبي حسن ووالدهم * * * من طاب فى الأرحام والصلب
أيعد ذنبا أن أحبهم!! * * * بل حبهم كفارة الذنب(٥٠٢)

وقد سار على منهاج معاوية فى ظلم الشيعة واحتقارهم خلفاؤه الأمويون وملوك بني العباس من بعدهم، ولو أردنا أن نستعرض الى ما لاقوه من المحن والخطوب السود لاحتجنا فى بيان ذلك الى مجلد ضخم.
ومهما يكن من شيء فان الشيعة لم يعتنوا بارهاب معاوية وتنكيله وتعذيبه لهم، فقد قدموا أنفسهم قرابين وضحايا لفكرتهم الدينية المقدسة وها نحن نقدم أسماء بعض الشهداء الذين قتلهم معاوية صبرا لا لذنب اقترفوه، سوى مودتهم لأهل البيت وهم:
حجر بن عدي:
وحجر بن عدي من أهم الشخصيات الإسلامية الرفيعة فقد كان في طليعة صحابة النبي (ص) في فضله وعلمه وقداسته وزهده وعبادته، فقد بلغ من عظيم طاعته الى الله انه ما أحدث إلا توضأ وما توضأ إلا صلى، وكان يصلي فى اليوم والليلة الف ركعة، وكان مستجاب الدعوة فانه لما أخذ اسيرا الى معاوية اصابته جنابة في أثناء الطريق فقال للموكل به: اعطني شرابي اتطهر به، فأجابه الموكل به: اخاف ان تموت عطشا إذا اعطيته لك فيقتلني معاوية، فشقّ على حجر أن يبقى جنبا، فدعا الله ان يمكنه من الماء، فاستجاب الله دعاءه، فبعث سحابة اسكبت ماء غزيرا، فأخذ منه ما احتاجه(٥٠٣)، إن فضائل حجر ومآثره أكثر من أن تحصى وعلينا ان نبحث عن سبب شهادته:
بقي حجر بعد صلح الإمام الحسن (ع) ينسج من حيوط محنته بلواه الخالدة فى التأريخ، ويضرب الرقم القياسي لنكران السياسة الأموية العمياء التي تهدد المجتمع الإسلامى بفقدان الحياة والتي تحيي العصبيات الجاهلية التي حطمها الإسلام، وتهدم الكفاءات والمواهب، وتحتكر الصلاحيات وتنتهب الأقوات، وتروع المجتمع بعد أمنه وتفرقه بعد اجتماعه، وتفقره بعد غناه، وتذله بعد عزه، وتستعبده بعد حريته، وتتجاهر بارتكاب الباطل والمنكر، وقد رأى حجر واصحابه الصفوة المؤمنون أن السكوت وعدم النقد لهذه السياسة المجرمة ما هو إلا التمادي فى الباطل، والتعزيز للمنكر والاستهانة بالحق، وعلى المسلم الذي فهم الإسلام حقا أن يسير على سنّة الرسول (ص) الداعية الى مناجزة الظالمين والمستبدين وأعداء الشعوب.
ان حجرا هو الذي فهم الإسلام حقا، وعرف اهدافه، واحاط بقيمه كان تلميذا فى مدرسة النبي (ص) وخريجا من مدرسة الإمام، فكيف لا ينكر باطل معاوية، ولا يقاوم ظلمه وظلم ولاته وعماله، ولا يحارب بدعهم وأهواءهم.
لقد رأى حجر المغيرة قد نزى على المنبر بجامع الكوفة وتعرض فى أثناء خطابه الى سب أمير المؤمنين (ع) فلم يسعه السكوت فانبرى إليه منكرا عليه قائلا: (كونوا قوامين بالقسط شهداء لله، وأنا أشهد أن من تذمون وتعيرون لأحق بالفضل، ومن تزكون اولى بالذم...)
ووثب قوم من أصحاب حجر فقالوا بمثل مقالته فالتفت المغيرة الى حجر قائلا: (يا حجر لقد رمى بسهمك إذ كنت أنا الوالي عليك يا حجر اتّق غضب السلطان اتّق غضبه وسطوته، فإن غضبة السلطان مما تهلك أمثالك كثيرا..)
ولم يزل حجر متحمسا على نكران السياسة الأموية، حتى أشار على المغيرة جمع من المرتزقين والمتزلفين الى السلطة بقتل حجر، فامتنع من اجابتهم وقال:
(لا أحب أن يبتدأ أهل هذا المصر بقتل خيارهم، وسفك دمائهم فيسعدوا بذلك، وأشقى، ويعز في الدنيا معاوية، ويذل يوم القيامة المغيرة).
ولم تزل بطانة المغيرة تلح عليه في أمر حجر، فأجابهم جواب المنافق الخبير:
(إني قد قتلته).
(كيف ذاك؟..)
(إنه سيأتي أمير بعدي فيحسبه مثلي فيصنع به شبيها بما ترونه يصنع بي فيأخذه عند أول وهلة فيقتله شر قتلة..)
وهلك المغيرة، وولي الكوفة من بعده زياد بن سمية فجعل حجر
ينكر عليه خططه الملتوية، ويشدد النقمة على سياسته الإرهابية، فقد نزى زياد على المنبر يوم الجمعة فأطال في خطابه حتى ضاق وقت الصلاة فانبرى إليه حجر منكرا عليه تأخير الفريضة قائلا:
(الصلاة).
فلم يعتن ابن سمية بمقالة حجر ولم يعر للصلاة أي اهتمام ثم مضى في خطبته، فانبرى إليه حجر ثانيا رافعا صوته (الصلاة) ولم يقم زياد وزنا لإنكار حجر، فاسترسل في خطابه فخشى حجر فوت الصلاة، فضرب بيده الى كف من الحصا، وثار الناس معه، فلما رأى ذلك زياد نزل عن المنبر وصلى بالناس، وقد انتفخت أوداجه غيظا وغضبا من حجر، وعزم على التنكيل به، وقد اعرب عن عزمه السيئ فى خطابه الذي ألقاه فى الجامع قائلا فيه:
(ما انا بشيء إن لم أمنع ساحة الكوفة من حجر وأدعه نكالا لمن بعده، ويل أمّك يا حجر (سقط العشاء بك على سرحان) ثم تمثل بقول الشاعر:

ابلغ نصيحة أن راعي ابلها * * * سقط العشاء به على سرحان

وأرسل زياد الى جماعة من وجوه الكوفة وأشرافها فأمرهم أن يردوا حجرا عن خطته، فامتنع عليهم حجر، وأخيرا أمر الشرطة أن يأتوه به فانطلقت الشرطة للقبض عليه، فحدثت بينهم وبين أصحابه مناوشات، وأخيرا لم تستطع القبض عليه، فقد التفت حوله جموع من المؤمنين تمنعه وتمنع أصحابه من تسليمهم الى زياد، وكان قيس بن فهدان الكندي يلهب نار الحماس والثورة فى نفوس الكوفيين فكان يقوم خطيبا فى المحافل والنوادي فيمجد حجرا وأصحابه ويدعو المسلمين الى حمايته ونصرته وكان يرتجز ويقول:

يا قوم حجر دافعوا وصاولوا * * * وعن أخيكم ساعة فقاتلوا
لا يلقين منكم لحجر خاذل * * * أليس فيكم رامح ونابل
وفارس مستلئم وراجل * * * وضارب بالسيف لا يزايل

وتحصن حجر وأصحابه فلم يتمكن عليهم زياد فخاف منهم فجمع الزعماء وأبناء البيوت الذين تستعين بهم السلطة على تحقيق أهدافها فقال لهم:
(يا أهل الكوفة، أتشجون بيد، وتأسون بأخرى، أبدانكم معي وأهواءكم مع حجر الهجهاجة، الأحمق المذبوب، انتم معي وإخوانكم وأبناؤكم وعشائركم مع حجر، هذا والله من دحسكم(٥٠٤) وغشكم والله لتظهرن لي براءتكم أو لآتينكم بقوم أقيم بهم أودكم وصعركم)(٥٠٥).
فانبروا إليه يظاهرون له الطاعة والولاء قائلين: (معاذ الله سبحانه أن يكون لنا فيما هاهنا رأى إلا طاعتك وطاعة أمير المؤمنين ـ يعني معاوية ـ وكل ما ظننا أن فيه رضاك وما يستبين به طاعتنا وخلافنا لحجر فمرنا به).
فقال لهم: (فليقم كل امرئ منكم الى هذه الجماعة حول حجر فليدع كل رجل منكم اخاه وابنه وذا قرابته ومن يطيعه من عشيرته حتى تقيموا عنه كل من استطعتم أن تقيموه...)
وقام هؤلاء الأجلاف بافساد أمر حجر وخذلان الناس عنه وأمر زياد مدير شرطته العام شداد بن الهيثم الهلالي بالقبض على حجر وأصحابه ثم عرف أن مدير شرطته لا يتمكن عليه فاستدعا محمد بن الأشعث الكندي(٥٠٦)
فقال له:
(يا أبا ميثاء أما والله لتأتيني بحجر، أو لا أدع لك نخلة إلا قطعتها ولا دارا إلا هدمتها ثم لا تسلم حتى أقطعك إربا إربا).
(أمهلني ثلاثا حتى أطلبه).
(أمهلتك فان جئت به وإلا عد نفسك من الهلكى).
وقام ابن الأشعث مع مدير الشرطة فتتبعوا حجرا واصحابه وبعد مصادمات عنيفة جرت بين الفريقين استطاعت جلاوزة زياد القبض على حجر واصحابه فجيء بهم إليه فأمر بايداعهم فى السجن.
وطلب زياد من اهل الكوفة ان يشهدوا على حجر واصحابه، فشهد قوم بأنهم تولوا عليا، وعابوا عثمان، ونالوا من معاوية، فلم يرض زياد بهذه الشهادة وقال: إنها غير قاطعة، فانبرى ابو بردة بن ابي موسى الأشعري الوغد فكتب شهادة هذا نصها:
(هذا ما شهد عليه ابو بردة بن أبي موسى الأشعري لله رب العالمين اشهد ان حجر بن عدي خلع الطاعة، وفارق الجماعة، ولعن الخليفة، ودعا الى الحرب، وجمع إليه الجموع يدعوهم الى نكث البيعة وكفر بالله عز وجل كفرة صلعاء).
فرضى زياد بهذا وطلب الى الناس ان يمضوا هذه الشهادة فأمضاها خلق كثير حتى بلغ الشهود سبعين رجلا فيما قال المؤرخون: ورفع الوثيقة الى معاوية، فأمره بأن يحمله إليه ويشده موثوقا بالحديد، وامر زياد باخراج حجر واصحابه ليلا الى دمشق، فاخرجوا، ووقعت النياحة، وعلا الصراخ المؤلم في دار حجر، وصعدت ابنته ولا عقب له غيرها فوق سطح الدار تلقي على القافلة ـ التي تسير الى الموت ـ نظرة الوداع وهي تبكي أمر البكاء واشجاه، واخذت تناجي القمر وتبثّه احزانها ولوعتها وتصوغ من محنتها وبلواها ومصابها ابياتا يلمس فيها ذوب قلبها:

ترفع أيها القمر المنير * * * لعلك أن ترى حجرا يسير
يسير الى معاوية بن حرب * * * ليقتله كذا زعم الأمير
ويصلبه على بابي دمشق * * * وتأكل من محاسنه الطيور
تجبرت الجبابر بعد حجر * * * وطاب لها الخورنق والسدير(٥٠٧)
الا يا حجر حجر بني عدي * * * تلقتك السلامة والسرور
اخاف عليك ما اردى عليا * * * وشيخا فى دمشق له زئير
الا يا ليت حجرا مات موتا * * * ولم ينحر كما نحر البعير
فان تهلك فكل عميد قوم * * * الى هلك من الدنيا يصير(٥٠٨)

وانتهت القافلة الى مرج عذراء فلما عرف حجر انه بهذه القرية قال: (والله اني لأول مسلم نبحته كلابها، واول مسلم كبر بواديها)(٥٠٩)، وتقدم البريد بأخبارهم الى معاوية، فأنس وارتاح بذلك، فأرسل إليهم رجلا اعور فأمره باعدامهم إن لم يتبرّءوا من أمير المؤمنين ويسبوه، فلما قدم عليهم رآه بعضهم فقال متنبئا:
(ان صدق الزجر(٥١٠) فانه سيقتل منا النصف وينجو الباقون).
(وكيف ذاك!!؟)
(أما ترون الرجل المقبل مصابا بإحدى عينيه؟)
وقدم عليهم الجلاد فالتفت الى حجر قائلا:
(إن أمير المؤمنين أمرني بقتلك يا رأس الضلال، ومعدن الكفر والطغيان، والمتولي لأبي تراب، وقتل أصحابك إلا ان ترجعوا عن كفركم وتلعنوا صاحبكم وتتبرءوا منه).
فانبرى إليه حجر مع الزمرة الصالحة التي آمنت بايمانه وهم يضربون أمثلة للعقيدة وللفداء في سبيل الله قائلين بلسان واحد:
(إن الصبر على حدّ السيف لأيسر علينا مما تدعونا إليه ثم القدوم على الله وعلى نبيه وعلى وصيه احب إلينا من دخول النار).
ورجع نصف من اصحاب حجر عن عقيدتهم والنصف الآخر بقوا على عقيدتهم وولائهم لأمير المؤمنين (ع)، وصدق زجر من قال منهم انه يقتل منهم النصف، ثم حفرت قبورهم وقام الجلادون لتنفيذ حكم الاعدام فيهم فطلب منهم حجر حاجة ـ قبل تنفيذ اعدامه ـ غالية عنده رخيصة عند القوم قائلا:
(اتركوني أتوضأ واصلي، فأني ما توضأت إلا صليت).
فسمحوا له بذلك فصلى حجر وأطال في صلاته وبعد الفراغ منها التفت الى القوم قائلا: (والله ما صليت صلاة أخف منها ولو لا أن تظنوا فيّ جزعا من الموت لاسكثرت منها).
وأخذ يناجي ربه ويبثه شكواه واحزانه من هذه الأمّة التي اسلمته الى عدوه الماكر قائلا:
(اللهم إنا نستعديك على امتنا فان اهل الكوفة شهدوا علينا وان اهل الشام يقتلوننا، أما والله لئن قتلتموني بها فاني لأول فارس من المسلمين هلك في واديها واول رجل من المسلمين نبحته كلابها).
وانطلق إليه الخبيث الأعور هدبة بن فياض القضاعي شاهرا سيفه فلما رآه حجر ارتعدت اوصاله، وخارت قواه فقالوا له:
(زعمت انك لا تجزع من الموت، فابرأ من صاحبك وندعك!؟)
فقال لهم حجر:
(وما لي لا اجزع وارى قبرا محفورا، وكفنا منشورا، وسيفا مشهورا، وإني والله إن جزعت من القتل لا اقول ما يسخط الرب)(٥١١).
ثم اجري عليه الاعدام فكان آخر ما انطلق من حنجرته:
لا تطلقوا عني حديدا، ولا تغسلوا عني دما، فاني ملاق معاوية على الجادة)(٥١٢)، والقي حجر الى الأرض جثة هامدة يتخبط بدمه مع ستة من اصحابه الشهداء الأبرار، ففي ذمة الله يا حجر أنت وأصحابك، فقد مضيتم الى عالم الخلود وانتم شهداء العقيدة، وشهداء الانسانية الكاملة فأنتم من اروع امثلة البطولة الفذة التي ثارت على الظلم والطغيان، وقاومت جور الحاكمين واستبداد الطغاة الظالمين.
ضحايا العقيدة من اصحاب حجر:
ولم يذق حجر الحمام ويقتل صبرا وحده فقد قتل معه ومن بعده جماعة من اصحابه المثاليين الذين ضحّوا بحياتهم الغالية تجاه عقيدتهم الدينية، ومبدأهم المقدس غير مبالين بالموت، وبهؤلاء وامثالهم من ابطال الخلود، وعظماء العالم ترتكز العقائد، ويستقيم الحق، ويعم العدل ويزول الظلم، وها نحن نذكر اسماءهم مع ما جرى عليهم من العسف والتنكيل من قبل معاوية وولاته:
أ ـ عبد الرحمن:
وكان عبد الرحمن بن حسان العنزي فى طليعة اصحاب حجر، وأخذ معه مكبلا بالحديد الى مرج عذراء، فطلب من الجلاوزة مواجهة معاوية لعله ان يعفو عنه فاستجابوا لقوله، فجيء به إليه، فلما مثل عنده قال له معاوية:
(إيه أخا ربيعة، ما تقول في علي؟)
ـ دعني ولا تسألني، فهو خير لك!!
ـ والله لا ادعك.
ـ أشهد أنه كان من الذاكرين الله كثيرا، والآمرين بالحق، والقائمين بالقسط، والعافين عن الناس.
ولم يجد معاوية بعد هذا وسيلة يستبيح بها اراقة دمه، فعرج الى دم عثمان الذي بلى به المسلمون حيا وميتا فقال له:
ـ ما قولك فى عثمان؟.
ـ هو أول من فتح باب الظلم، وارتج أبواب الحق.
ـ قتلت نفسك!!
ـ بل إياك قتلت ولا ربيعة بالوادي.
لقد ظن أن أسرته تتشفع به وتفك أسره، وتدفع عنه ظلامته، فلم يجبه أحد، وأشاح معاوية بوجهه عنه ثم رفع رسالة الى عامله زياد جاء فيها:
(أما بعد: فان هذا العنزي شر من بعثته فعاقبه عقوبته التي هو أهلها وأقتله أشر قتلة).
ولما وردت رسالته الى زياد بعث به الى قس الناطف(٥١٣) وأمر بدفنه حيا فيه فدفن وهو حي(٥١٤).
ب ـ صيفي بن فسيل:
وصيفي بن فسيل الشيباني من أبطال المسلمين وعباقرتهم وأفذاذهم ومن خيرة أصحاب حجر سعى به الى زياد فبعث الدعي خلفه، فلما حضر عنده بادره بالسؤال عن أمير المؤمنين (ع) ليتخذ من ذلك وسيلة يستحل بها دمه فقال له بنبرات تقطر غيظا وغضبا.
ـ يا عدو الله!! ما تقول في أبي تراب؟
ـ ما أعرف أبا تراب.
ـ ما أعرفك به!!
ـ ما أعرفه،
ـ أما تعرف علي بن أبي طالب؟
ـ بلى.
ـ فذاك أبو تراب.
ـ كلا، ذاك أبو الحسن والحسين (ع).
والتفت مدير شرطة زياد الى صيفي منكرا عليه مقاله ليتقرب الى ابن سمية قائلا:
(يقول لك الأمير: هو ابو تراب، وتقول أنت: لا؟!!)
فنهره صيفي ورد عليه وهو غير معتن به ولا بأميره قائلا:
(وإن كذب الأمير أتريد أن اكذب وأشهد له على باطل كما شهد!)
فثار ابن سمية وانتفخت اوداجه غضبا، فقال له:
(وهذا أيضا مع ذنبك).
والتفت الى شرطته وهو مغيظ فقال لهم: (علي بالعصا) فأتى بها فالتفت الى صيفي:
(ما قولك؟).
فقال له بكل شجاعة وايمان:
(أحسن قول أنا قائله فى عبد من عباد الله المؤمنين.)
وأمر زياد جلاوزته بضرب عاتقه حتى يلصق بالأرض، فبادروا إليه وضربوه ضربا عنيفا حتى وصل عاتقه الى الأرض، ثم أمرهم بالكف عنه والتفت إليه:
(إيه ما قولك فى علي؟)
وأصر بطل العقيدة على ايمانه فقال:
ـ والله لو شرحتني بالمواسي والمدى ما قلت إلا ما سمعت مني.
ـ لتلعننه أو لأضربن عنقك!
ـ إذا تضربها والله قبل ذلك فان أبيت إلا أن تضربها. رضيت بالله وشقيت أنت!
(ادفعوا في رقبته).
ثم أمر به ثانيا أن يوقر في الحديد ويلقى فى ظلمات السجون(٥١٥) وأخيرا بعثه مع حجر فاستشهد معه في مرج عذراء.
ج ـ قبيصة بن ربيعة:
ومن جملة أصحاب حجر الذين أرهقهم زياد قبيصة بن ربيعة العبسي فقد بعث إليه مدير شرطته شداد بن الهيثم فهجم عليه خفية فلما أحس به قبيصة أخذ سيفه ووقف للدفاع عن نفسه ولحق به فريق من قومه فقال مدير الشرطة الى قبيصة مخادعا:
(أنت آمن على دمك ومالك، فلم تقتل نفسك؟)
ولما سمع بذلك اصحابه انخدعوا فلم يحاموا عنه ولم ينقذوه لأن خوفهم من سلطة زياد كان اشد وقعا في نفوسهم من خطر الموت، فاندفعوا قائلين:
(قد امنت فعلام تقتل نفسك وتقتلنا معك؟)
ولم يذعن لمقالة اصحابه وذلك لعلمه بغدر الأمويين وعدم وفائهم بالعهد والوعد فقال لهم:
(ويحكم إن هذا الدعي ابن العاهرة، والله لئن وقعت فى يده لا افلت ابدا أو يقتلني).
ـ كلا.
ولما لم يجد بدا من ذلك وضع يده في ايديهم وأخذ اسيرا الى زياد فلما مثل عنده قال له:
(أما والله لأجعلن لك شاغلا عن تلقيح الفتن والتوثب على الامراء)
ـ إني لم آتك إلا على الأمان.
ـ انطلقوا به الى السجن(٥١٦).
لقد نقض زياد الأمان وخاس بالميثاق، ثم أمر به أن يحمل مع حجر وأصحابه الى مرج عذراء، فحمل معهم، فلما انتهت قافلتهم الى جبانة (عرزم) وكانت فيها داره، نظر إليها وإذا بناته قد أشرفن من أعلا الدار ينظرن إليه، وهن يخمشن الوجوه، ويخلطن الدموع بالدعاء، قد أخذتهن المائقة، ومزق الأسى قلوبهن، فلما نظر الى ذلك المنظر الرهيب طلب من الشرطة الموكلة بخفارته أن يسمحوا له بالدنو من بناته ليوصيهن بما أراد، فسمحوا له بذلك، فلما دنا منهن علا صراخهن فأمرهن بالسكوت والخلود الى الصبر، وأرضاهن بوصيته التي مثلت الإيمان والرضا بقضاء الله قائلا:
(اتقين الله عز وجل، واصبرن، فاني أرجو من ربي في وجهي هذا إحدى الحسنيين إما الشهادة وهي السعادة، وإما الانصراف إليكن في عافية، وإن الذي كان يرزقكن ويكفيني مئونتكن هو الله تعالى، وهو حي لا يموت، أرجو أن لا يضيعكن، وأن يحفظني فيكن).
ثم ودعهن وانصرف، ولما رأى من معه شجو بناته وما داخلهن من الفزع والمصاب رقّوا لهن، ثم رفعوا أيديهم بالدعاء والابتهال الى الله تعالى طالبين منه العافية والسلامة الى قبيصة فانبرى إليهم قائلا:
(إنه لمما يعدل عندي خطر ما أنا فيه هلاك قومي حيث لا ينصرونني)(٥١٧).
أراد بذلك عدم نصرة قومه وخذلانهم له، وان ذلك أشد وقعا على نفسه من هلاكه، وسار قبيصة مع حجر الى مرج عذراء فاستشهد معه، وأما بقية اصحاب حجر الذين استشهدوا معه فلم نعثر على معلومات وافية عنهم، ونشير الى أسمائهم وهم:
شريك بن شداد الحضرمي.
كدام بن حيان العنزي.
محرز بن شهاب التميمي.
وهؤلاء الحماة الذين قدموا نفوسهم ضحايا للعقيدة، وقرابين للحق
كانوا من خيار المسلمين ومن صالحائهم، قد ساقتهم السلطة الأموية الى ساحة الإعدام، فاستباحت دماءهم، لا لذنب اقترفوه، سوى مودتهم للعترة الطاهرة التي هي عديلة القرآن الكريم في لزوم مراعاتها ومودتها.
صدى الفاجعة:
وذعر المسلمون لهذا الحادث الخطير، وعم السخط جميع ارجاء البلاد لأن حجرا من أعلام الإسلام، ومن خيار صحابة النبيّ (ص)، وقد انتهكت في قتله حرمة الإسلام، لأنه لم يحدث فسادا في الأرض، وإنما رأى منكرا فناهضه، وجورا فناجزه، رأى زيادا يؤخر الصلاة فطالبه باقامتها ورآه يسب امير المؤمنين فطالبه بالكف عنه، فقتل من اجل ذلك، وقد اندفعت الشخصيات الرفيعة في العالم الإسلامى الى اعلان سخطها على معاوية والى الإنكار عليه، ومن الخير ان نذكر بعضهم ونستمع الى نقدهم وهم:
أ ـ الإمام الحسين (ع).
ورفع الإمام الحسين (ع) من يثرب رسالة الى معاوية أنكر فيها اشد الإنكار على ما ارتكبه من قتل حجر واصحابه الأبرار وهذا نصها:
(الست القاتل حجرا اخا كندة، والمصلين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم، ويستعظمون البدع، ولا يخافون فى الله لومة لائم؟ قتلتهم ظلما وعدوانا من بعد ما كنت اعطيتهم الإيمان المغلظة، والمواثيق المؤكدة أن لا تأخذهم بحدث، كان بينك وبينهم ولا بإحنة تجدها في نفسك عليهم)(٥١٨).
لقد انكر الإمام (ع) برسالته على معاوية استباحته لدم حجر واصحابه المثاليين الذين انكروا الظلم وناهضوا الجور، واستعظموا البدع وقد قتلهم ظلما وعدوانا، بعد ما أكد على نفسه واعطاهم المواثيق المؤكدة ان لا يأخذهم بحدث ولا بإحنة فيما مضى، ولكن ابن هند قد خاس بذلك ولم يف به.
ب ـ عائشة:
ومن جملة المنكرين على معاوية عائشة، فقد دخل عليها في بيتها بعد منصرفه من الحج فقالت له:
(أأمنت ان اخبأ لك من يقتلك؟)
فقال لها مخادعا:
(بيت الأمن دخلت).
ـ اما خشيت الله في قتل حجر واصحابه؟(٥١٩).
وكانت دوما تتحدث عن مصاب حجر فقد حدثت عما سمعته من رسول الله (ص) فى فضله قالت: سمعت رسول الله (ص) يقول: سيقتل بعذراء أناس يغضب الله لهم وأهل السماء)(٥٢٠) وقالت منددة بأهل الكوفة: (أما والله لو علم معاوية أن عند أهل الكوفة منعة ما اجترأ على أن يأخذ حجرا وأصحابه من بينهم حتى يقتلهم بالشام، ولكن ابن آكلة الأكباد علم أنه قد ذهب الناس، أما والله إن كانوا لجمجمة العرب عزا ومنعة وفقها ولله در لبيد حيث يقول:

ذهب الذين يعاش في أكنافهم * * * وبقيت في خلف كجلد الأجرب
لا ينفعون ولا يرجى خيرهم * * * ويعاب قائلهم وان لم يشغب(٥٢١)

ج ـ الربيع بن زياد:
ومن الناقمين على معاوية الربيع بن زياد البصري(٥٢٢) عامله على خراسان فانه لما سمع بالنبإ المؤلم طاش لبّه وذهبت نفسه حسرات فقال والحزن باد عليه:
(لا تزال العرب تقتل صبرا بعده ـ أي بعد مقتل حجر ـ ولو نفرت عند قتله لم يقتل واحد منهم صبرا. ولكنها أقرت فذلت!!)
إن أهل الكوفة لو منعوا السلطة الأموية من قتل حجر وأصحابه لما تمكن الأمويون من قتل أحرارهم وأخيارهم، ولكنهم رضوا بالخمول والذل وكرهوا الموت في سبيل الله، فهان أمرهم وذلوا، وعمل فيهم الأمويون ما أرادوا من اخضاعهم للذل والهوان.
وبقي الربيع ذاهل النفس، خائر القوى، قد مزق الأسى قلبه، فلما صار يوم الجمعة صلى بالناس صلاة الجمعة، وبعد الفراغ منها خطب الناس فقال فى خطابه:
(أيها الناس، إني قد مللت الحياة وإني داع فأمنوا) ثم رفع يديه بالدعاء فقال:
(اللهم، إن كان للربيع عندك خير فاقبضه إليك وعجل).
فاستجاب الله دعاءه فما فارق المجالس حتى وافاه الأجل المحتوم(٥٢٣).
د ـ الحسن البصري:
وعدّ الحسن البصري قتل حجر إحدى الموبقات الأربعة التي ارتكبها معاوية، فقال فيما يخص حجرا:
(ويل له من حجر وأصحاب حجر مرتين)(٥٢٤).
ه ـ عبد الله بن عمر:
لقد ذعر ابن عمر حينما علم بمقتل حجر، فقد أخبر بقتله وهو بالسوق وكان محتبى فأطلق حبوته وولى وهو يبكي أشد البكاء وأمرّه(٥٢٥).
و ـ معاوية بن خديج:
وانتهى الخبر المؤلم الى معاوية بن خديج(٥٢٦) وكان في افريقية مع الجيش، فقال لقومه الذين كانوا معه من كندة:
(ألا ترون أنا نقاتل لقريش ونقتل أنفسنا لنثبت ملكها، وأنهم يثبون على بنى عمنا فيقتلونهم).
لقد كان قتل حجر من الأحداث الكبار وكان صدعا في الاسلام وبلاء على عموم العرب، وكان معاوية نفسه لا يشك فى ذلك فكان ينظر إليه شبحا مخيفا ويردد ذكره في خلواته، وقد ذكره كثيرا في مرضه الذي هلك فيه فكان يقول: (ويلي منك يا حجر) وكان يقول: (يوم لي من ابن الأدبار ـ يعني حجرا ـ طويل) قال ذلك ثلاث مرات(٥٢٧).
نعم، أن يومه لطويل من حجر وأمثاله من المؤمنين والصالحين الذين سفك دماءهم لا لذنب اقترفوه، سوى حبهم لأهل البيت، وهنا ينتهي بنا الحديث عن محنة حجر وأصحابه لنلتقي بزملاء له آخرين.
رشيد الهجري:
ورشيد الهجري يعد في طليعة رجال الإسلام ورعا وتقى وعلما وفضلا، فقد تتلمذ فى مدرسة أمير المؤمنين ونال الكثير من علومه ومعارفه فكان (ع) يسميه (رشيد البلايا) وحدثت ابنته قنو قالت: سمعت أبي يقول: (قال لي أمير المؤمنين، يا رشيد كيف صبرك إذا أرسل إليك دعي بني أمية فقطع يديك ورجليك ولسانك؟)
ـ يا أمير المؤمنين آخر ذلك الى الجنة؟
ـ يا رشيد أنت معي في الدنيا والآخرة.
وخرج رشيد مع أمير المؤمنين الى بستان فاستظلا تحت نخلة، فقام صاحب البستان الى نخلة، فأخذ منها رطبا وقدمه الى أمير المؤمنين فأكل عليه السلام منه، فالتفت رشيد الى الإمام قائلا له:
(ما أطيب هذا الرطب!؟)
ـ أما انك ستصلب على جذعها!!
فكان رشيد بعد حديث الإمام يتعاهد تلك النخلة التي أكل من رطبها فيسقيها ويتعبد تحتها واجتاز عليها يوما فرأى سعفها قد قطع فشعر بدنو أجله، واجتاز عليها مرة أخرى فرأى نصفها قد جعل زرنوقا يستسقى عليه فتيقن بدنو الأجل المحتوم منه(٥٢٨)، وفي فترات تلك المدة الرهيبة بعث خلفه ابن سمية، فلما حضر عنده قال له:
(ما قال لك خليلك إنا فاعلون بك؟)
ـ تقطعون يديّ ورجليّ وتصلبونني.
ـ أما والله لأكذّبن حديثه، خلّوا سبيله.
فخلت الجلاوزة سراحه، فلما خرج قال زياد لجلاوزته: ردّوه، فردوه إليه، فالتفت له قائلا:
(لا نجد لك شيئا أصلح مما قال صاحبك، إنك لا تزال تبغي لنا سوءا إن بقيت، اقطعوا يديه ورجليه)، فامتثلت الجلاوزة أمره، فقطعوا يديه ورجليه وهو يتكلم، فغاظ كلامه زيادا، فقال لجلاوزته: اصلبوه خنقا، فقال رشيد لهم: (قد بقي لي عندكم شيء ما أراكم فعلتموه ـ أراد بذلك قطع لسانه ـ) فأمر ابن سمية بقطع لسانه ولما أرادوا قطع لسانه قال لهم: (نفسوا عني حتى أتكلم كلمة واحدة)، فأعطوه ذلك، فقال: (هذا والله تصديق خبر أمير المؤمنين (ع) أخبرني بقطع لساني)، ثم قطع الجلاوزة لسانه(٥٢٩).
أي ذنب اقترفه هذا العابد العظيم حتى يستحق هذا التنكيل ويمثل به بدلك التمثيل الفظيع، ولكن ابن سمية ومعاوية قد راما بذلك تصفية الحساب مع شيعة أهل البيت والقضاء على روح التشيع.
عمرو بن الحمق الخزاعي:
وكان عمرو بن الحمق يحمل شعورا دينيا قويا حيا، وكان من خيرة
الصحابة في ورعه وتقواه، وهو الذي سقى النبي لبنا فدعا له (ص) بأن يمتعه الله بشبابه، فاستجاب الله دعاء نبيه فأخذ عمرو بعنق الثمانين عاما ولم تر في كريمته شعرة بيضاء(٥٣٠).
وكان من صفوة أصحاب أمير المؤمنين (ع) ومن خلص أصحابه، وقد دعا عليه السلام له فقال: (اللهم نوّر قلبه بالتقى، واهده الى صراطك المستقيم)(٥٣١)، وكان (ع) يكبره ويجله ويقدمه على غيره، فقد قال له: (ليت في جندي مثلك مائة). وقال لأمير المؤمنين معربا له عن ولائه واخلاصه:
(يا أمير المؤمنين، والله ما أحببتك للدنيا ولا للمنزلة تكون لي بها، وإنما أحببتك لخمس خصال، إنك أول المؤمنين إيمانا، وابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأعظم المهاجرين والأنصار، وزوج سيدة النساء ٣، وأبو ذريته الباقية من رسول الله (ص)، فلو قطعت الجبال الرواسي، وعبرت البحار الطوامي في توهين عدوك وتلقيح حجتك لرأيت ذلك قليلا من كثير ما يجب علي من حقك)(٥٣٢).
وقد دلّ حديثه على عقيدته وإيمانه وعظيم ولائه لأمير المؤمنين (ع) ولاء يلتمس منه وجه الله ويبغي فيه الدار الآخرة.
ولما ولى زياد الكوفة وتتبع زعماء الشيعة ووجوههم خاف الخزاعي من سلطته الغاشمة ففرّ الى المدائن ومعه رفاعة بن شداد فمكثا فيها برهة من الزمن ثم هربا الى الموصل وقبل أن يصلا إليها مكثا في جبل هناك ليستجما فيه، وبلغ بلتعة بن أبي عبد الله عامل معاوية أن رجلين قد كمنا في جبل من جبال الموصل فاستنكر شأنهما فسار إليهما مع فريق من أصحابه، فلما انتهوا الى الجبل خرج إليهما عمرو ورفاعة، فأما عمرو فقد كان مريضا لأنه قد سقي سما وليس عنده قوى يستطيع بها على خلاص نفسه فوقف ولم يهرب، وأما رفاعة فقد كان في شرخ الشباب فاعتلى فرسه ثم التفت الى عمرو فقال له: (أقاتل عنك؟).
فنهاه عن ذلك وقال له:
(وما ينفعني أن تقاتل انج بنفسك إن استطعت.)
ومضى رفاعة فهجم على القوم فأفرجوا له، ثم خرجوا فى طلبه فلم يتمكنوا عليه لأنه كان راميا، وأخذ عمرو أسيرا وطلبوا منه أن يعرفهم شخصيته فامتنع وقال لهم:
(أنا من إن تركتموه كان أسلم لكم، وإن قتلتموه كان أضر لكم).
وأصروا عليه أن يعرفهم نفسه، فأبى، فارتابوا من أمره، فأرسلوه مخفورا الى عبد الرحمن بن عبد الله الثقفي حاكم الموصل، فلما رآه عرفه ورفع بالوقت رسالة الى معاوية عرفه بالأمر، فأجابه:
(إنه زعم أنه طعن عثمان بن عفان تسع طعنات بمشاقص(٥٣٣) كانت معه، وإنا لا نريد أن نعتدي عليه، فاطعنه تسع طعنات كما طعن عثمان).
فأخرجه عبد الرحمن وأمر بطعنه تسع طعنات فمات في الاولى أو الثانية منها(٥٣٤) ثم احتز رأسه وبعثه الى معاوية فأمر أن يطاف به في الشام وغيره فكان أول رأس طيف به في الإسلام(٥٣٥) ثم أمر به أن يبعث الى زوجته آمنة بنت الشريد وكانت في سجنه فجيء به فوضع فى حجرها وهي غافلة لا تعلم من أمره شيئا، فلما بصرت به اضطربت حتى كادت أن تموت ثم قالت ودموعها تتبلور على وجهها:
(وا حزناه لصغره في دار هوان، وضيق من ضيمه سلطان، نفيتموه عني طويلا، وأهديتموه إليّ قتيلا، فأهلا وسهلا بمن كنت له غير قالية، وأنا له اليوم غير ناسية).
ثم التفتت الى الحرسي فقالت له:
(ارجع به أيها الرسول الى معاوية فقل له: ولا تطوه دونه، أيتم الله ولدك، وأوحش منك أهلك، ولا غفر لك ذنبك).
ورجع الرسول الى معاوية فأخبره بمقالتها فغضب وغاظه كلامها فأمر باحضارها في مجلسه، فجيء بها إليه فقال لها:
(أنت يا عدوة الله صاحبة الكلام الذي بلغنى؟)
فانبرت إليه غير مكترثة ولا هيّابة لسلطانه قائلة:
(نعم، غير نازعة عنه، ولا معتذرة منه، ولا منكرة له، فلعمري لقد اجتهدت فى الدعاء ان نفع الاجتهاد وإن الحق لمن وراء العباد، وما بلغت شيئا من جزائك وإن الله بالنقمة من ورائك!!)
فالتفت إياس بن حسل الى معاوية متقربا إليه:
(أقتل هذه يا أمير المؤمنين؟ فو الله ما كان زوجها أحق بالقتل منها).
فقالت له: (تبا لك، ويلك بين لحييك كجثمان الضفدع، ثم أنت تدعوه الى قتلي كما قتل زوجي بالأمس!!! إن تريد إلا أن تكون جبارا فى الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين).
فضحك معاوية وقال متبهرا:
(لله درك اخرجي!! ثم لا أسمع بك في شيء من الشام).
فقالت له: (وأبي لأخرجن ثم لا تسمع لي في شيء من الشام فما الشام لي بحبيب ولا اعرج فيها على حميم، وما هي لي بوطن، ولا أحن فيها الى سكن، ولقد عظم فيها ديني، وما قرت فيها عيني، وما أنا فيها إليك بعائدة، ولا حيث كنت بحامدة).
وثقل كلامها على معاوية فأشار إليها ببنانه بالخروج، فخرجت وهي تقول:
واعجبي لمعاوية يكف عنى لسانه ويشير الى الخروج ببنانه، أما والله ليعارضنه عمرو بكلام مؤيد شديد أوجع من نوافد الحديد، أو ما أنا بابنة الشريد).
ثم خرجت من مجلسه(٥٣٦) لقد كان قتل عمرو من الأحداث الجسام في الإسلام لأنه من صحابة النبي (ص) وقد عمد معاوية الى اراقة دمه فخالف بذلك ما أمر الله به من حرمة سفك دماء المسلمين إلا بالحق، ولم يشف قتله غليل معاوية فقد أمر بأن يطاف برأسه في بلاد المسلمين وبعث به الى زوجته فروعها وكادت أن تموت من ألم المصاب، وقد رفع الإمام الحسين (ع) من يثرب رسالة الى معاوية انكر فيها ارتكابه لهذا الحادث الخطير وهذا نصها:
(أو لست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله (ص) العبد الصالح الذي أبلته العبادة فنحل جسمه، واصفر لونه بعد ما أمنته وأعطيته من عهود الله ومواثيقه ما لو اعطيته طائرا لنزل إليك من رأس الجبل ثم قتلته جرأة على ربك، واستخفافا بذلك العهد)(٥٣٧).
لقد اشاد الإمام بفضل عمرو فذكر أنه صاحب رسول الله (ص) وانه قد أبلت العبادة جسمه، كما ذكر ان معاوية قد ابرم عهدا خاصا فى شأنه يتضمن أمنه وعدم البغي عليه ولكنه قد خاس بعهده ولم يف به.
أوفى بن حصن:
وكان أوفى بن حصن من المنددين بالسياسة الأموية، ومن الناقدين لسلطتهم، وكان يذيع مساوئهم بين أوساط الكوفيين فبلغ ذلك زيادا فبعث في طلبه فاختفى أوفى واستعرض زياد الناس فاجتاز عليه أوفى فشك في أمره فقال لمن معه:
(من هذا؟)
ـ أوفى بن حصن.
ـ عليّ به.
فجيء به إليه فقال متبهرا: (أتتك بخائن رجلاه تسعى). ثم التفت إليه قائلا:
ـ ما رأيك في عثمان؟
ـ ختن رسول الله (ص) على ابنتيه.
ـ ما تقول في معاوية؟
ـ جواد حليم.
ـ ما تقول فيّ؟
ـ بلغني أنك قلت بالبصرة: (والله لآخذن البريء بالسقيم والمقبل بالمدبر)
ـ قد قلت ذلك.
ـ خبطتها خبط عشواء!!
ـ ليس النفاخ بشر الزمرة.
ثم أمر بقتله(٥٣٨)، إن نكران أوفى لسياسة زياد في ذلك الظرف العصيب من اعظم الأعمال التي قام بها، ومن أفضل الجهاد الذي عناه رسول الله (ص) بقوله: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، وأفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل تكلم عند سلطان جائر، فأمر به فقتل)(٥٣٩).
جويرية بن مسهر العبدي:
وكان جويرية من خلّص أصحاب الإمام أمير المؤمنين ومن حملة حديثه ومن المقربين عنده فقد نظر إليه يوما فناداه: يا جويرية الحق بي فأني إذا رأيتك هويتك، ثم حدثه ببعض أسرار الإمامة وقال له: (يا جويرية أحب حبيبنا ما أحبنا فاذا أبغضنا فابغضه، وابغض بغيضنا ما ابغضنا فاذا أحبنا فأحبه)(٥٤٠)، ودخل على أمير المؤمنين يوما وكان مضطجعا فقال له جويرية:
(أيها النائم استيقظ فلتضربن على رأسك ضربة تخضب منها لحيتك).
فتبسم أمير المؤمنين (ع) وانبرى إليه فأخبره بما يجري عليه من بعده من ولاة الجور قائلا:
(وأحدثك يا جويرية بأمرك، أما والذي نفسي بيده لتعتلن(٥٤١) الى العتل الزنيم، فليقطعن يدك ورجلك وليصلبنك تحت جذع كافر)(٥٤٢).
وما دارت الأيام حتى استدعى ابن سمية جويرية فأمر بقطع يده ورجله ثم صلبه على جذع قصير(٥٤٣)، وقد ألف هشام بن محمد السائب كتابا فى فاجعة جويرية ورشيد وميثم التمار(٥٤٤).
عبد الله بن يحيى الحضرمي:
وكان عبد الله الحضرمى من أولياء أمير المؤمنين ومن صفوة أصحابه وكان من شرطة الخميس(٥٤٥) وقد قال (ع) له يوم الجمل:
(أبشر يا عبد الله فانك وأباك من شرطة الخميس حقا لقد أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باسمك واسم أبيك في شرطة الخميس(٥٤٦).
ولما قتل أمير المؤمنين (ع) حزن عليه عبد الله حزنا مرهقا فترك الكوفة وبنى له صومعة يتعبد فيها هو وأصحابه المؤمنون، ولما علم ابن هند بجزعهم وحزنهم على موت أمير المؤمنين (ع) أمر باحضارهم عنده، فلما جيء بهم أمر بقتلهم صبرا فقتلوا(٥٤٧) ففي ذمة الله هؤلاء الصلحاء الأخيار الذين سفكت دماؤهم، وتقطعت أوصالهم، ولم يرتكبوا ذنبا أو يحدثوا في الإسلام حدثا سوى ولائهم لأمير المؤمنين (ع) امتثالا لرسول الله صلى الله عليه وآله الذي فرض ودّه على جميع المسلمين.
ولم يقتصر معاوية في عدائه للشيعة على قتل زعمائهم، فقد قام بأمور بالغة الخطورة وهي:
هدم دور الشيعة:
وبذل معاوية جميع جهوده في سبيل القضاء على شيعة أمير المؤمنين فأمر عماله أن يهدموا دورهم، فقامت جلاوزته بهدمها(٥٤٨) وقد تركهم بلا مأوى يأوون إليه كل ذلك لأجل القضاء على التشيع ومحو ذكر أهل البيت:.
عدم قبول شهادة الشيعة:
وعمل معاوية جميع ما يمكنه في اذلال الشيعة وفهرهم، فقد كتب الى جميع عماله أن لا يجيزوا لأحد من شيعة أمير المؤمنين وأهل بيته شهادة(٥٤٩) فامتثل العمال أمره، فلم تقبل شهادة الشيعة وهم من ثقات المسلمين وعدولهم وأخيارهم.
اشاعة الارهاب والاعتقال:
وأذاع معاوية الرعب والإرهاب فى نفوس الشيعة فخلّد بعضهم في السجون حتى ماتوا، وروّع جمعا آخرين حتى تركوا أوطانهم وفرّوا هائمين على وجه الأرض يطاردهم الخوف والرعب، وقد قبضت شرطته على الكثيرين منهم فجيء بهم مخفورين إليه فقابلهم بالاستخفاف والاستهانة والتحقير ونحن نذكر أسماءهم مع ما جرى عليهم من العسف والظلم وهم:
١ ـ محمد بن أبي حذيفة:
محمد بن أبي حذيفة يعد في طليعة ثقات الإسلام ومن خيرة صالحاء المسلمين فقد كان من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وقد قال أمير المؤمنين (ع) في حقه: (ان المحامدة تأبى أن يعصى الله) ثم عده منهم، وكان ملازما لأمير المؤمنين وفى خدمته، ولما قتل (ع) وانتهى الأمر الى معاوية أراد قتله ثم بدا له أن يسجنه فسجنه أمدا غير قصير، والتفت يوما الى أصحابه فقال لهم: (ألا نرسل الى هذا السفيه محمد بن أبي حذيفة فنبكته ونخبره بضلاله، ونأمره أن يقوم فيسب عليا) فأجابوه الى ذلك، ثم أمر باحضاره فلما مثل عنده التفت إليه قائلا:
(يا محمد ألم يأن لك أن تبصر ما كنت عليه من الضلالة بنصرتك علي بن أبي طالب (ع) ألم تعلم أن عثمان قتل مظلوما وان عائشة وطلحة والزبير خرجوا يطلبون بدمه وان عليا هو الذي دس الناس في قتله ونحن اليوم نطلب بدمه).
فأجابه محمد: (إنك لتعلم أني أمس القوم بك رحما وأعرفهم بك).
فقال له معاوية: أجل. واندفع محمد فقال له:
(فو الله الذي لا إله غيره ما اعلم أحدا شرك في دم عثمان والّب الناس عليه غيرك لما استعملك، ومن كان مثلك فسأله المهاجرون والأنصار أن يعزلك فأبى ففعلوا به ما بلغك، والله ما أحد شرك فى قتله بدئا وأخيرا إلا طلحة والزبير وعائشة فهم الذين شهدوا عليه بالعظمة وألّبوا عليه الناس وشركهم في ذلك عبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وعمار والأنصار جميعا).
فارتاع معاوية وقال منكرا عليه:
(قد كان ذلك؟!!)
(أي والله، وإني لأشهد أنك منذ عرفتك في الجاهلية والإسلام لعلى خلق واحد، ما زاد الإسلام فيك لا قليلا ولا كثيرا وإن علامة ذلك فيك لبينة تلومنى على حبي عليا، خرج مع علي كل صوام قوام مهاجري وانصاري وخرج معك ابناء المنافقين والطلقاء والعنقاء خدعتهم عن دينهم، وخدعوك عن دنياك، والله يا معاوية ما خفي عليك ما صنعت، وما خفي عليهم ما صنعوا إذ احلوا انفسهم بسخط الله في طاعتك، والله لا ازال احب عليا لله ولرسوله، وابغضك في الله ورسوله ابدا ما بقيت!!)
ففزع معاوية وقال: (إني اراك على ضلالك بعد ردوه الى السجن)
فردوه للسجن فمكث فيه مدة من الزمن حتى مات فيه(٥٥٠).
لقد لاقى محمد حتفه وهو مروع في ظلمات السجون لأنه لم يرتض اعمال معاوية ولم يقره على منكراته ومساوئه، وهكذا كان مصير الأحرار والنبلاء المعارضين لحكومة معاوية يلاقون التعذيب والتنكيل والتخليد في السجون.
٢ ـ عبد الله بن هاشم المرقال:
ومن زعماء الشيعة وعيونهم الذين روعهم معاوية الزعيم المثالي عبد الله ابن هاشم المرقال، فقد كان معاوية يحمل فى نفسه كمدا وحقدا عليه وذلك لولائه واخلاصه لأمير المؤمنين (ع) ولموقف ابيه هاشم في يوم صفين ذلك الموقف الخالد الذي اخافه وارهبه حتى صمم على الهزيمة والفرار، وللتشفي والانتقام منه فقد كتب الى عامله زياد رسالة يطلب فيها القبض على عبد الله لينكل به، وهذا نص كتابه:
(أما بعد: فانظر عبد الله بن هاشم بن عتبة فشدّ يده الى عنقه ثم ابعث به إليّ).
ولما وصلت رسالة معاوية الى زياد قام فى طلبه وحينما علم بذلك عبد الله هرب واختفى منه، وعلم به بعض الأوغاد فجاء الى معاوية ليتقرب إليه فأخبره انه قد اختفى عند امراة مخزومية، فكتب معاوية الى زياد ما يلي:
(أما بعد: فاذا اتاك كتابي هذا فاعمد الى حي بنى مخزوم ففتشه دارا دارا حتى تأتي الى دار فلانة المخزومية فاستخرج عبد الله بن هاشم المرقال منها، فاحلق راسه والبسه جبة شعر وقيّده وغل يده الى عنقه واحمله على قتب بغير وطاء ولا غطاء واقدمه إلي).
وقام زياد ففتش حي بنى مخزوم حتى ظفر بعبد الله فحمله إليه بالكيفية التي ارادها وهو مهان الجانب، محطم الكيان فوصل الى دمشق في يوم الجمعة وهو يوم القبول الذي اعده معاوية لمقابلة اشراف قريش ووجوه العراقيين ولم يشعر معاوية إلا وابن هاشم قد ادخل عليه فعرفه ولم يعرفه ابن العاص فالتفت معاوية إليه قائلا:
(يا أبا عبد الله، هل تعرف هذا الفتى؟) قال: لا.
فقال معاوية هذا الذي يقول أبوه يوم صفين:

إني شريت النفس لما اعتلا * * * وأكثر اللوم وما أقلا
أعور يبغي أهله محلا * * * قد عالج الحياة حتى ملا
لا بد أن يفل أو يفلا * * * أسلهم بذي الكعوب سلا
لا خير عندي في كريم ولى

فبهر ابن العاص وقال متمثلا:

وقد ينبت المرعى على دمن الثرى * * * وتبقى حزازات النفوس كما هيا

وتذكر ابن العاص مواقف أبيه يوم صفين فقال لمعاوية:
(دونك يا أمير المؤمنين الضب المضب فاشخب اوداجه على أثباجه ولا ترده الى أهل العراق، فانه لا يصبر على النفاق، وهم أهل غدر وشقاق، وحزب ابليس ليوم هيجانه، وإن له هوى سيوديه، ورأيا سيطغيه، وبطانة ستقويه، وجزاء سيئة سيئة مثلها.
فانبرى إليه عبد الله كالأسد الغضبان مسددا له سهاما من القول غير هياب له قائلا:
(يا عمرو، إن أقتل فرجل اسلمه قومه، وأدركه يومه، أفلا كان هذا منك إذ تحيد عن القتال ونحن ندعوك الى النزال، وأنت تلوذ بشمال النطاف(٥٥١)، وعقائق الرصاف(٥٥٢) كالأمة السوداء، والنعجة القوداء، لا تدفع يد لامس؟)
فالتاع ابن العاص ولم يستطع أن يقول شيئا سوى التهديد والتوعيد له قائلا:
(أما والله لقد وقعت في لهازم شدقم(٥٥٣) للأقران ذي لبد، ولا أحسبك منفلتا من مخالب أمير المؤمنين).
فأجابه ابن هاشم غير معتن بتهديده قائلا:
(أما والله يا ابن العاص إنك لبطر فى الرخاء، جبان عند اللقاء، غشوم إذا وليت، هياب إذا لقيت، تهدر كما يهدر العود المنكوس المقيد بين مجرى الشوك، لا يستعجل في المدة، ولا يرتجي في الشدة، أفلا كان هذا منك إذ غمرك أقوام لم يعنفوا صغارا، ولم يمزقوا كبارا لهم أيد شداد وألسنة حداد، يدعمون العوج، ويذهبون الحرج، يكثرون القليل، ويشفون الغليل، ويعزون الذليل؟)
فلم يطق ابن العاص جوابا وبقي يفتش في حقيبة مكره عيبا يوصم به عبد الله فلم يجد شيئا سوى افتعال الكذب فقال:
(أما والله لقد رأيت أباك يومئذ تخفق احشاؤه(٥٥٤) وتبق أمعاؤه وتضطرب أصلاؤه(٥٥٥) كأنما انطبق عليه ضمد).
فانبرى إليه عبد الله مجيبا عن بهتانه وكذبه قائلا له:
(يا عمرو، إنا قد بلوناك ومقالتك فوجدنا لسانك كذوبا غادرا، خلوت بأقوام لا يعرفونك، وجند لا يساومونك، ولو رمت المنطق في غير أهل الشام لجحظ عليك عقلك(٥٥٦)، ولتلجلج لسانك، ولاضطرب فخذاك اضطراب القعود الذي أثقله حمله).
والتفت إليهما معاوية فقطع حديثهما قائلا: (إيها عنكما) ثم أمر باطلاق سراح عبد الله، فاستاء ابن العاص لهذا العفو، وانبرى الى معاوية يحرضه على الفتك والبطش به ويذكره مواقف أبيه هاشم في أيام صفين وقد نظم ذلك بأبيات من الشعر قال:

أمرتك أمرا حازما فعصيتني * * * وكان من التوفيق قتل ابن هاشم
أليس أبوه يا معاوية الذي * * * أعان عليا يوم حز الغلاصم
فلم ينثن حتى جرت من دمائنا * * * بصفين أمثال البحور الخضارم
وهذا ابنه والمرء يشبه شيخه * * * ويوشك أن تقرع به سن نادم

فأجابه عبد الله:

معاوي إن المرء عمرا أبت له * * * ضغينة صدر غشها غير نائم
يرى لك قتلي يا ابن هند وإنما * * * يرى ما يرى عمرو ملوك الأعاجم
على انهم لا يقتلون أسيرهم * * * إذا منعت منه عهود المسالم
وقد كان منا يوم صفين نقرة * * * عليك جناها هاشم وابن هاشم
قضى ما قضى منها وليس الذي مضى * * * ولا ما جرى إلا كأضغاث حالم
فان تعف عني تعف عن ذي قرابة * * * وإن تر قتلي تستحل محارمى

واندفع معاوية قائلا:

أرى العفو عن عليا قريش وسيلة * * * الى الله فى يوم العضيب القماطر
ولست أرى قتل العداة ابن هاشم * * * بادراك ثاري في لؤي وعامر
بل العفو عنه بعد ما بان جرمه * * * وزلت به إحدى الجدود العواثر
فكان أبوه يوم صفين جمرة * * * علينا فأردته رماح نهابر(٥٥٧)

لقد روع عبد الله وأفزعه معاوية وهو لم يقترف ذنبا سوى ولائه لأمير المؤمنين (ع) الذي جعله ابن هند من أعظم الموبقات والجرائم، وصرحت بعض المصادر أنه لم يعفو عنه بل أودعه فى ظلمات السجون.
٣ ـ عبد الله بن خليفة الطائي.
وعبد الله بن خليفة الطائي ممن عرف بالولاء والإخلاص لأمير المؤمنين فقد جاء إليه حينما توجه (ع) الى البصرة فقال له:
(الحمد لله الذي ردّ الحق الى أهله، ووضعه في موضعه، فان كره ذلك قوم فقد والله كرهوا محمدا (ص) ونابذوه وقاتلوه، فرد الله كيدهم في نحورهم وجعل دائرة السوء عليهم، والله لأجاهد معك في كل موطن تحفظا لحق رسول الله (ص))(٥٥٨).
وقد دلّ حديثه على تبصره في دينه، وعلى طيب عنصره، وحسن رأيه، ولعظيم ايمانه ووفور عقله، كان من المقربين عند الإمام ومن الذين يستشيرهم في مهام اموره(٥٥٩).
وفي محنة حجر كان عبد الله في طليعة أصحابه ومن المعارضين للسياسة الأموية، ومن المشتركين معه في ثورته، ولما قبض زياد على حجر وأصحابه أمر شرطته أن يأتوه بعبد الله، ففتشوا عنه فوجدوه، فناجزهم عبد الله، وبعد صراع جرى فيما بينهم لم يتمكن عبد الله على انقاذ نفسه منهم فاستولوا عليه، فاستنجدت اخته النوار بقومها واسرتها فطلبت نصرة أخيها قائلة:
(يا معشر طيء أتسلمون سنانكم ولسانكم عبد الله بن خليفة؟) فثار الطائيون على الشرطة فضربوهم وناجزوهم حتى انتزعوا منهم عبد الله فرجعت الشرطة الى زياد وأخبرته بالأمر فاستدعا زعيم طيء وعميدها عدي ابن حاتم فقال له:
(ائتني بعبد الله بن خليفة؟)
وبعد حديث جرى بينهما أجابه ابن حاتم بمنطق الأحرار قائلا:
(لا والله لا أتاك به أبدا، أجيئك بابن عمي تقتله؟ والله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه).
فالتاع زياد وأمر به الى السجن، ولم يبق بالكوفة يماني ولا ربعي إلا أتوا زيادا فكلموه في شأن عدي، وأخبروه بعظم شأنه وشرفه، فاضطر زياد الى اطلاق سراحه، ولكنه شرط عليه أن يغيب ابن عمه عن الكوفة فوافق عدي على ذلك، وأمر عبد الله أن يغادر الكوفة ويلحق با (لجبلين)، فغادر عبد الله الكوفة، وقد سرى الألم العاصف في محياه على بعده عن وطنه وعلى فراقه لأصحابه وأهله، وقد أرسل الى عدي بعد نفيه قصيدة عصماء يرثي بها حجرا وأصحابه ويذكر فيها ما يعانيه من ألم الفراق فيقول في رثاء حجر:

ولاقى بها(٥٦٠) حجر من الله رحمة * * * فقد كان أرضى الله حجر وأعذرا
ولا زال تهطال ملث وديمة * * * على قبر حجر أو ينادى فيحشرا
فيا حجر من للخيل تدمى نحورها * * * وللملك المغزى إذا ما تغشمرا(٥٦١)
ومن صادع بالحق بعدك ناطق * * * بتقوى ومن إن قيل بالجور غيرا
فنعم أخو الإسلام كنت وانني * * * لأطمع أن تؤتى الخلود وتحبرا
وقد كنت تعطي السيف في الحرب حقه * * * وتعرف معروفا وتنكر منكرا

ثم يسترسل فى رثاء حجر فيذكر صفاته ومواهبه وملكاته ويبكيه أمر البكاء وينتهي في قصيدته الى وصف محنته وبلواه والى ما يلاقيه من الألم والأسى في غربته فيقول:

فها أنا ذا آوي بأجبال طيء * * * طريدا فلو شاء الإله لغيرا
نفاني عدوي ظالما عن مهاجري * * * رضيت بما شاء الإله وقدرا
وأسلمني قومى بغير جناية * * * كأن لم يكونوا لي قبيلا ومعشرا

وذكر الطبري وابن الأثير بقية قصيدته التي أعرب فيها عن شجونه وأحزانه، وظل عبد الله منفيا حتى مات بالجبلين قبل موت زياد(٥٦٢).
٤ ـ صعصعة بن صوحان:
وصعصعة بن صوحان من سادات العرب وفصحائهم النابهين وخطبائهم المفوهين كان من ذوي الفضيلة والدين، أسلم على عهد رسول الله (ص) وهو صغير ولم يجتمع به لصغر سنه، ووفد على عمر وكان يقسم أموال الغنائم وكان مقدارها ألف ألف درهم ففضها على المسلمين وبقيت منها فضلة فاختلفت الصحابة فيها فقام فيهم عمر خطيبا فقال في خطابه:
(أيها الناس، قد بقيت لكم فضلة بعد حقوق الناس، فما تقولون فيها؟)
فانبرى إليه صعصعة منكرا عليه تحيره فى هذه المسألة البسيطة قائلا:
(يا أمير المؤمنين، إنما تشاور الناس فيما لم ينزل الله فيه قرآنا، وأما ما أنزل الله به القرآن ووضعه مواضعه فضعه فى مواضعه التي وضعه الله تعالى).
فاستحسن عمر رأيه وقال له: (صدقت أنت مني وأنا منك) ثم قسم المال بين المسلمين)(٥٦٣).
وكان صعصعة من صفوة أصحاب أمير المؤمنين (ع) ومن الملازمين له، وقال الإمام الصادق عليه السلام في حقه: (ما كان مع أمير المؤمنين من يعرف حقه إلا صعصعة وأصحابه)(٥٦٤). ومرض صعصعة فعاده (ع) فقال له: (يا صعصعة، لا تتخذ عيادتي لك أبهة على قومك!!)
ـ بلى والله أعدها منّة من الله وفضلا علي.
ـ إنك إن كنت على ما علمتك فأنت خفيف المؤنة حسن المعونة.
ـ وأنت والله يا أمير المؤمنين بالله عليما وبالمؤمنين رءوفا رحيما(٥٦٥).
ولحصافة رأيه، وسداد منطقه كان الإمام (ع) يرسله فى مهامه فقد أرسله مرة الى معاوية ومعه كتاب منه، فلما انتهى إليه قال معاوية مشيدا بنفسه ومبررا لأعماله:
(الأرض لله وأنا خليفة الله فما آخذ من مال الله فهو لي وما تركت منه كان جائزا لي).
وثقل على صعصعة هذا الكلام الملتوي فانبرى إليه مجيبا.

تمنيك نفسك ما لا يكو * * * ن جهلا معاوي لا تأثم

فتألم معاوية وقال منددا به:
(تعلمت الكلام؟)
ـ العلم بالتعلم ومن لا يعلم يجهل.
ـ ما أحوجك الى أن أذيقك وبال أمرك.
ـ ليس ذلك بيدك، ذلك بيد الذي لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها.
ـ من يحول بيني وبينك؟
ـ الذي يحول بين المرء وقلبه.
ـ اتسع بطنك للكلام كما اتسع بطن البعير للشعير.
ـ اتسع بطن من لا يشبع، ودعا عليه من لا يجمع(٥٦٦).
ودلت هذه المحاورة على قوة جنان صعصعة وانه ليس بالرعديد ولا الهياب، فقد ردّ على معاوية مقالته بالمثل وقابله بالاستخفاف والاستهانة وهو غير خائف من سلطانه.
وخطب معاوية بعد ما تم له الأمر، فقام إليه صعصعة فعلق على كل جملة من خطابه، وفيما يلي خطاب معاوية مع رد صعصعة عليه.
قال معاوية:
ـ لو أن أبا سفيان، ولد الناس كلهم كانوا أكياسا..
ـ قد ولد الناس كلهم من هو خير من أبي سفيان آدم، فمنهم الأحمق والكيّس!!
ـ إن أرضنا قريبة من المحشر.
ـ إن المحشر لا يبعد على مؤمن، ولا يقرب من كافر.
ـ إن أرضنا أرض مقدسة.
ـ إن الأرض لا يقدسها شيء، ولا ينجسها، إنما تقدسها الأعمال.
ـ عباد الله اتخذوا الله وليّا، واتخذوا خلفاءه جنة تحرزوا بها.
ـ كيف؟! وقد عطلت السنة، واخفرت الذمة، فصارت عشواء مطلخمة، في دهياء مدلهمة، قد استوعبتها الأحداث، وتمكنت منها الانكاث.
فثار معاويه وصاح به:
ـ يا صعصعة، لإن تقع على ضلعك خير لك من استبراء رأيك، وإبداء ضعفك، تعرض بالحسن بن علي، ولقد هممت أن أبعث إليه، فأجابه صعصعة قائلا:
(أي والله، وجدتهم أكرمكم جدودا، وأحياكم حدودا، وأوفاكم عهدا، ولو بعثت إليه لوجدته في الرأي أديبا، وفي الأمر صليبا، وفى الكرم نجيبا، يلذعك بحرارة لسانه، ويقرعك بما لا تستطيع إنكاره!!)
ولسع قوله معاوية فراح يهدده قائلا:
ـ لأجفينك عن الوساد، ولأشردن بك في البلاد.
ـ والله إن فى الأرض لسعة، وإن فى فراقك لدعة.
ـ والله لأحبسن عطاءك.
ـ إن كان ذلك بيدك فافعل، إن العطاء وفضائل النعماء في ملكوت من لا تنفذ خزائنه، ولا يبيد عطاؤه، ولا يحيف في قضيته.
ـ لقد استقتلت!!
ـ مهلا، لم أقل جهلا، ولم أستحل قتلا، لا تقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، ومن قتل مظلوما كان الله لقاتله مقيما، يرهقه أليما، ويجرعه حميما، ويصليه جحيما(٥٦٧)...
وانصرف صعصعة وترك معاوية يتميز غيظا وكمدا، وعمد بعد ذلك الى سجنه مع جماعة من أصحابه، وبقوا فى سجنه مدة من الزمن فدخل عليهم قائلا لهم:
(نشدتكم بالله إلا ما قلتم حقا وصدقا، أي الخلفاء رأيتموني؟).
فانبرى إليه عبد الله بن الكواء قائلا:
(لو لا انك عزمت علينا ما قلنا، لأنك جبار عنيد، لا تراقب الله فى قتل الأخيار، ولكنا نقول: قد علمنا أنك واسع الدنيا ضيق الآخرة قريب الثرى، بعيد المرعى، تجعل الظلمات نورا والنور ظلمات!!)
فقال معاوية له: (إن الله أكرم هذا الأمر بأهل الشام الذابين عن بيضته، التاركين لمحارمه، ولم يكونوا كأمثال أهل العراق المنتهكين لمحارم الله، والمحلين ما حرم الله، والمحرمين ما أحل الله).
فأجابه ابن الكواء: (يا ابن أبي سفيان، إن لكل كلام جوابا ونحن نخاف جبروتك، فان كنت تطلق السنتنا ذببنا عن أهل العراق بألسنة حداد لا يأخذها فى الله لومة لائم، وإلا فإنا صابرون حتى يحكم الله ويضعنا على فرجه).
فقال له معاوية: (لا والله لا يطلق لك لسان).
وسكت عبد الله فتكلم صعصعة:
(تكلمات يا ابن أبي سفيان فأبلغت، ولم تقصر عما أردت، وليس الأمر كما ذكرت، أنى يكون الخليفة من ملك الناس قهرا، ودانهم كبرا واستولى بأسباب الباطل كذبا ومكرا!! أما والله مالك في يوم بدر مضرب ولا مرمى وما كنت فيه إلا كما قال القائل: (لا حلي ولا سيري)(٥٦٨) ولقد كنت أنت وأبوك في العير والنفير ممن أجلب على رسول الله (ص) وإنما أنت طليق ابن طليق أطلقكما رسول الله (ص) فانى تصلح الخلافة لطليق؟)
وامتلأ قلب معاوية غيظا وكمدا فالتفت إليهم:
(لو لا أني أرجع الى قول أبي طالب حيث يقول:

قابلت جهلهم حلما ومغفرة * * * والعفو عن قدرة ضرب من الكرم

لقتلتكم)(٥٦٩).
وكان صعصعة من جملة الأشخاص الذين طلب لهم الإمام الحسن (ع) من معاوية الأمن وعدم التعرض لهم بسوء ومكروه(٥٧٠) ولكن معاوية لم يف بذلك فقد روعه وأفزعه وأودعه في سجنه كما روع غيره من زعماء الشيعة، وصرحت بعض المصادر ان المغيرة نفى صعصعة بأمر معاوية من الكوفة الى الجزيرة أو الى البحرين أو الى جزيرة ابن كافان فمات بها معتقلا منفيا عن وطنه وبلاده وفي رثائه يقول المرزباني(٥٧١):

هلا سألت بني الجارود أي فتى * * * عند الشفاعة والبان ابن صوحانا
كنا وكانوا كأم أرضعت ولدا * * * عق ولم نجز بالإحسان إحسانا(٥٧٢)

٥ ـ عدي بن حاتم:
وعدي بن حاتم من أهم الشخصيات الرفيعة الفذة في العراق، فقد كان قبل الإسلام يتمتع بمجد أصيل وشرف أثيل، فهو ابن حاتم مضرب المثل في الجود والسخاء، وبالإضافة الى مجده الموروث فقد كان في الإسلام من ابطال العقيدة، ومن عيون المؤمنين، ومن رجال الإسلام البارزين، وقد تقدم في هامش هذا الكتاب شيء موجز عن ترجمته، والمهم التعرض الى ما لاقاه من الهوان والاستخفاف من قبل ابن هند لأجل ولائه واخلاصه لأمير المؤمنين (ع) فقد دخل يوما على معاوية فقال له متشمتا به:
ـ ما فعلت الطرفات؟(٥٧٣).
ـ قتلوا مع علي.
ـ ما أنصفك علي قتل أولادك وأبقى أولاده!!.
ـ ما أنصفك علي إذ قتل وبقيت بعده.
فتألم ابن هند من مقال عدي وقال مهددا له:
(أما إنه قد بقي قطرة من دم عثمان ما يمحوها إلا دم شريف من أشراف اليمن ـ يعني به عديا ـ).
فانبرى إليه عدي وهو غير مكترث بتهديده قائلا له:
(والله إن قلوبنا التي أبغضناك بها لفي صدورنا، وإن أسيافنا التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا، ولئن أدنيت إلينا من الغدر فترا، لندنين إليك من الشر شبرا، وإن حز الحلقوم وحشرجة الحيزوم(٥٧٤) لأهون علينا من أن نسمع المساءة في علي، فسلم السيف يا معاوية لباعث السيف).
فراوغ معاوية على عادته وقال:
(هذه كلمات حكم فاكتبوها).
ثم أقبل عليه يحدثه كأنه لم يخاطبه بشيء(٥٧٥) ثم قال له:
(صف لي عليا).
ـ إن رأيت أن تعفيني.
ـ لا أعفيك.
فأخذ عدي في وصف أمير المؤمنين فقال: (كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول عدلا، ويحكم فصلا تتفجر الحكمة من جوانبه، والعلم من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل ووحشته، وكان والله غزير الدمعة، طويل الفكرة، يحاسب نفسه إذا خلا، ويقلب كفيه على ما مضى، يعجبه من اللباس القصير، ومن المعاش الخشن، وكان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه، ويدنينا إذا أتيناه، ونحن مع تقريبه لنا، وقربه منا لا نكلمه لهيبته، ولا نرفع أعيننا إليه لعظمته، فان تبسم فعن اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين، ويتحبب الى المساكين، لا يخاف القوي ظلمه، ولا ييأس الضعيف من عدله، فأقسم لقد رأيته ليلة وقد مثل فى محرابه وأرخى الليل سرباله، وغارت نجومه، ودموعه تتحادر على لحيته، وهو يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، فكأني الآن أسمعه وهو يقول:
(يا دنيا، إليّ تعرضت أم إليّ أقبلت؟ غري غيري لا حان حينك قد طلقتك ثلاثا لا رجعة لي فيك، فعيشك حقير، وخطرك يسير، آه من قلة الزاد، وبعد السفر، وقلة الأنيس).
فوكفت عينا معاوية، وجعل ينشفهما بكمه وهو يقول:
(يرحم الله أبا الحسن، كان كذلك، فكيف صبرك عنه؟)
ـ كصبر من ذبح ولدها في حجرها فهي لا ترقأ دمعتها، ولا تسكن عبرتها.
ـ فكيف ذكرك له؟
ـ وهل يتركني الدهر أن أنساه؟(٥٧٦)، وقد دل هذا الحديث على ولاء عدي لأمير المؤمنين ومن أجل ولائه واخلاصه فقد روع وأفزع، وقد تقدم أن زيادا أودعه في السجن حفنة من الأيام من أجل عبد الله بن خليفة الطائي ولم يراع شخصيته الكريمة، ومكانته الاجتماعية، وعظم منزلته، وإنما فعل ذلك به ليقضي على شيعة أمير المؤمنين عليه السلام.
٦ ـ جارية بن قدامة:
ووفد معاوية بن قدامة السعدي على معاوية، فقال له معاوية:
ـ أنت الساعي مع علي بن أبي طالب، والموقد النار في شعلك، تجوس قرى عربية تسفك دماءهم؟
ـ يا معاوية دع عنك عليا، فما أبغضنا عليا منذ أحببناه، ولا غششناه منذ صحبناه.
ـ ويحك يا جارية!! ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية!!
ـ أنت يا معاوية كنت أهون على أهلك إذ سموك معاوية(٥٧٧)!
ـ لا أمّ لك.
ـ أم ما ولدتني(٥٧٨)، إن قوائم السيوف التي لقيناك بها بصفين في أيدينا.
ـ إنك لتهددني؟
ـ إنك لم تملكنا قسرة، ولم تفتحنا عنوة، ولكن أعطيتنا عهودا ومواثيق، فان وفيت لنا وفينا، وإن ترغب الى غير ذلك فقد تركنا وراءنا رجالا مدادا، وأدرعا شدادا، وأسنّة حدادا، فان بسطت إلينا فترا من غدر، زلفنا إليك بباع من ختر.
ـ لا كثر الله في الناس من أمثالك.
وتركه جارية والأسى ملأ اهابه(٥٧٩)، لقد لقي جارية هذا الهوان، والتبكيت من أجل ولائه للعترة الطاهرة التي فرض الله مودتها على جميع المسلمين.
ترويع نساء الشيعة:
ولم يقتصر معاوية فى ارهابه واضطهاده على رجال الشيعة وزعمائهم فقد أخذ يتحرى نساءهم فما ذكرت له امرأة منهم ذات مكانة مهمة إلا وبعث خلفها فقابلها بالاستخفاف والاستهانة، وأدخل الفزع والخوف فى نفسها، وإذا وفدت عليه امرأة منهم قابلها بالإذلال، وأظهر لها ما يكنه في نفسه من الحقد والبغض العارم للإمام أمير المؤمنين ولشيعته وها نحن نقدم الى القارئ الكريم أسماء بعض السيدات اللاتي بعث خلفهن، واللاتي وفدن عليه مع ما جرى بينهن وبينه من الحديث:
١ ـ الزرقاء بنت عدي:
وكانت الزرقاء بنت عدي بن غالب ممن عرفت بالولاء والإخلاص لأمير المؤمنين (ع)، وكانت من ربات البلاغة والفصاحة والرأي الصائب وكانت في واقعة صفين تدعو الجماهير الى نصرة أمير المؤمنين (ع) وتحرضهم على قتال عدوه، ولما فجع الإسلام بقتل أمير المؤمنين وانتهى الأمر الى ابن هند كتب الى عامله بالكوفة أن يحمل إليه الزرقاء بنت عدي فبعث بها إليه، فلما دخلت عليه رحب بها ثم قال لها: (هل تعلمين لم بعثت إليك؟).
ـ سبحان الله أنّى لي بعلم ما لم أعلم!! وهل يعلم ما فى القلوب إلا الله.
ـ بعثت إليك أن أسألك ألست راكبة الجمل الأحمر يوم صفين بين الصفين توقدين الحرب، وتحرضين على القتال، فما حملك على ذلك؟
ـ يا أمير المؤمنين، إنه قد مات الرأس، وبتر الذنب، والدهر ذو غير، ومن تفكر أبصار، والأمر يحدث بعده الأمر!!!
ـ صدقت فهل تحفظين كلامك يوم صفين؟
ـ ما أحفظه.
ـ ولكني والله أحفظه لله أبوك لقد سمعتك تقولين: أيها الناس إنكم فى فتنة غشتكم جلابيب الظلم وجارت بكم عن المحجة فيا لها من فتنة عمياء صماء تسمع لناعقها، ولا تسلس لقائدها، إن المصباح لا يضيء في الشمس وإن الكواكب لا تنير مع القمر، وإن البغل لا يسبق الفرس وان الزف(٥٨٠) لا يوازن الحجر، ولا يقطع الحديد إلا الحديد، ألا من استرشدنا أرشدناه ومن استخبرنا أخبرناه، إن الحق كان يطلب ضالته فأصابها، فصبرا يا معشر المهاجرين والأنصار، فكان قد اندمل شعب الشتات، والتأمت كلمة العدل، وغلب الحق باطله، فلا يعجلن أحد فيقول: كيف العدل وأنى؟ ليقضي الله أمرا كان مفعولا، ألا إن خضاب النساء الحناء، وخضاب الرجال الدماء، والصبر خير عواقب الأمور، إيها الى الحرب غير ناكصين، ولا متشاكسين فهذا يوم له ما بعده.
وبعد ما تلى معاوية كلامها تأثر منه واندفع وهو مغيظ محنق فقال لها: (والله يا زرقاء لقد شركت عليا في كل دم سفكه).
(أحسن الله بشارتك، وأدام سلامتك، مثلك من بشر بخير وسر جليسه).
(وقد سرّك ذلك؟)
(نعم والله لقد سرني قولك فأنّى لي بتصديق الفعل!؟)
فتبهر معاوية من اخلاصها لأمير المؤمنين فقال:
(والله لوفاؤكم له بعد موته احبّ إليّ من حبكم له فى حياته، اذكري حاجتك؟)
ـ إني قد آليت على نفسي أن لا أسأل أميرا أعنت عليه شيئا أبدا ومثلك أعطى من غير مسألة، وجاد عن غير طلب.
ـ صدقت.
ثم أقطعها ضيعة وأوصلها وردها الى أهلها(٥٨١).
إنه وإن أكرمها أخيرا، وأجزل لها العطاء إلا أنه قد روعها وأفزعها أولا وأظهر لها الظفر والغلبة والنصر عليها.
٢ ـ أم الخير البارقية:
كانت أم الخير بنت الحريش البارقية من سيدات النساء ومن البليغات البارعات، وقد عرفت بالولاء والإخلاص لأمير المؤمنين (ع)، وكانت في واقعة صفين تحرض الجماهير على حرب ابن هند، وتحفزهم الى الذب عن أمير المؤمنين ونصرته، وقد تألم معاوية من مواقفها، وأضمر لها الحقد والعداء، ولما انحسرت روح الإسلام باستيلائه على زمام الحكم كتب الى واليه على الكوفة يأمره بأن يحمل إليه أم الخير لينتقم منها، فلما ورد الكتاب الى عامله بعثها إليه، فلما دخلت على معاوية قالت:
(السلام عليك يا أمير المؤمنين).
ـ وعليك السلام، وبالرغم والله دعوتنى بهذا الاسم.
ـ مه يا هذا، فان بديهة السلطان مدحضة لما يجب علمه.
ـ صدقت يا خالة، وكيف رأيت مسيرك؟
ـ لم أزل في عافية وسلامة حتى أوفدت الى ملك جزل، وعطاء بذل، فأنا في عيش أنيق، عند ملك رفيق.
ـ بحسن نيتي ظفرت بكم وأعنت عليكم.
ـ مه يا هذا، لك والله من دحض المقال ما تردّى عاقبته.
ـ ليس لهذا أردناك.
ـ إنما أجرى فى ميدانك إذا أجريت شيئا أجريته، فاسأل عما بدا لك؟
ـ كيف كان كلامك يوم قتل عمار بن ياسر؟
ـ لم أكن والله رويته قبل، ولا زورته بعد، وإنما كانت كلمات نفثهن لساني حين الصدمة، فان شئت أن أحدث لك مقالا غير ذلك فعلت؟
ـ لا أشاء ذلك!!
ثم التفت الى أصحابه فقال لهم: أيكم حفظ كلام أم الخير؟ فانبرى إليه أحدهم فقال له: أنا أحفظه يا أمير المؤمنين كحفظي سورة الحمد فقال له: هاته، فقال: كأني بها وعليها برد زبيدي كثيف الحاشية وعلى جمل أرمك(٥٨٢) وقد احيط حولها وبيدها سوط منتشر الضفر وهي كالفحل يهدر في شقشقته تقول:
(يا أيها الناس، اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم، إن الله قد أوضح الحق، وأبان الدليل، ونوّر السبيل، ورفع العلم، فلم يدعكم فى عمياء مبهمة، ولا سوداء مدلهمة، فإلى أين تريدون رحمكم الله! أفرارا عن أمير المؤمنين؟ أم فرارا من الزحف؟ أم رغبة عن الإسلام؟ أم ارتدادا عن الحق؟ أما سمعتم الله عز وجل يقول: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرون ونبلو أخباركم).
ثم رفعت رأسها الى السماء وهي تقول: (اللهم قد عيل الصبر، وضعف اليقين، وانتشر الرعب، وبيدك يا رب أزمة القلوب، فاجمع الكلمة على التقوى، والّف القلوب على الهدى، ورد الحق الى أهله، هلموا رحمكم الله الى الإمام العادل، والوصي الوفي، والصديق الأكبر، إنها احن بدرية، وأحقاد جاهلية، وضغائن أحدية، وثب بها معاوية حين الغافلة، ليدرك بها ثارات بني عبد شمس).
ثم قالت: (قاتلوا أئمة الكفر انهم لا إيمان لهم لعلهم ينتهون) صبرا معاشر المهاجرين والأنصار، قاتلوا على بصيرة من ربكم، قد لقيتم أهل الشام كحمر مستنفرة، فرت من قسورة، لا تدري أين يسلك بها من فجاج الأرض، باعوا الآخرة بالدنيا، واشتروا الضلالة بالهدى، وباعوا البصيرة بالعمى، وعما قليل ليصبحن نادمين حين تحل الندامة فيطلبون الاقالة إنه والله من ضل عن الحق وقع فى الباطل، ومن لم يسكن الجنة نزل النار، أيها الناس إن الأكياس استقصروا عمر الدنيا فرفضوها، واستبطئوا مدة الآخرة فسعوا لها، والله أيها الناس لو لا أن تبطل الحقوق، وتعطل الحدود، ويظهر الظالمون، وتقوى كلمة الشيطان لما اخترنا ورود المنايا على خفض العيش وطيبه، فإلى أين تريدون رحمكم الله؟ عن ابن عم رسول الله (ص) وزوج ابنته وأبي ابنيه؟ خلق من طينته، وتفرع من نبعته. وخصه بسره، وجعله باب مدينته، وأعلم بحبه المسلمين، وأبان ببغضه المنافقين، فلم يزل كذلك يؤيده بمعونته، ويمضى على سنن استقامته لا يرجع لراحة اللذات وهو مفلق الهام، ومكسر الأصنام، إذ صلى والناس مشركون، وأطاع والناس مرتابون، فلم يزل كذلك حتى قتل مبارزي بدر، وأفنى أهل أحد، وفرق جمع هوازن، فيا لها وقائع زرعت فى قلوب قوم نفاقا، وردة وشقاقا، وقد اجتهدت فى القول، وبالغت فى النصيحة، وبالله التوفيق وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته).
فانتفخت أوداج معاوية غيظا وحنقا وقال لها بنبرات تقطر غضبا:
(والله يا أم الخير ما أردت بهذا إلا قتلي، والله لو قتلتك ما حرجت فى ذلك).
فأجابته وهي غير خائفة منه:
(والله ما يسؤني يا ابن هند أن يجري الله ذلك على يد من يسعدني الله بشقائه).
ـ هيهات يا كثيرة الفضول، ما تقولين فى عثمان بن عفان؟
ـ وما عسيت أن أقول فيه استخلفه الناس وهم كارهون، وقتلوه وهم راضون.
وبعد حديث جرى بينهما أطلق أخيرا سراحها وعفا عنها(٥٨٣).
٣ ـ سودة بنت عمارة:
وسودة بنت عمارة بن الأشتر الهمداني من سيدات نساء العراق، ومن ربات الفصاحة والبيان، ورثت حب أمير المؤمنين من آبائها الكرام الذين عرفوا بالحب والأخلاص له، وفدت على معاوية تشتكي عنده جور عامله فلما دخلت عليه عرفها فقال لها:
ألست القائلة يوم صفين؟:

شمر كفعل أبيك يا ابن عمارة * * * يوم الطعان وملتقى الأقران
وانصر عليا والحسين ورهطه * * * واقصد لهند وابنها بهوان
إن الإمام أخا النبي محمد * * * علم الهدى ومنارة الإيمان
فقد الجيوش وسر أمام لوائه * * * قدما بأبيض صارم وسنان

قالت: (أي والله ما مثلي من رغب عن الحق أو اعتذر بالكذب).
ـ فما حملك على ذلك؟!
ـ حب علي وإتباع الحق.
ـ فو الله ما أرى عليك من أثر علي شيئا؟!
ـ يا أمير المؤمنين مات الرأس وبتر الذنب، فدع عنك تذكار ما قد نسي واعادة ما مضى.
ـ هيهات ما مثل مقام أخيك ينسى، وما لقيت من أحد ما لقيت من قومك وأخيك.
ـ صدق فوك لم يكن أخي ذميم المقام، ولا خفي المكان كان والله كقول الخنساء:

وإن صخرا لتأتم الهداة به * * * كأنه علم فى رأسه نار

ـ صدقت كان كذلك.
ـ مات الرأس وبتر الذنب، وبالله أسأل أمير المؤمنين اعفائي مما استعفيت منه.
ـ قد فعلت فما حاجتك؟
ـ إنك أصبحت للناس سيدا. ولأمرهم متقلدا، والله سائلك من أمرنا، وما افترض من حقنا. ولا يزال يقدم علينا من ينوء بعزك. ويبطش بسلطانك فيحصدنا حصد السنبل، ويدوسنا دوس البقر، ويسومنا الخسيسة، ويسلبنا الجليلة هذا بسر بن أرطاة قدم علينا من قبلك فقتل رجالي وأخذ مالي، ولو لا الطاعة لكان فينا عز ومنعة، فأما عزلته عنا فشكرناك، وإما لا فعرفناك.
فتأثر معاوية من كلامها وقال لها:
(أتهدديني بقومك؟ لقد هممت أن أحملك على قتب أشرس فأردك إليه ينفذ فيك حكمه).
فأطرقت الى الأرض وهي باكية العين حزينة القلب ثم أنشأت تقول:

صلى الإله على جسم تضمنه * * * قبر فأصبح فيه العدل مدفونا
قد حالف الحق لا يبغي به بدلا * * * فصار بالحق والإيمان مقرونا

ـ ومن ذلك؟
ـ علي بن أبي طالب.
ـ وما صنع بك حتى صار عندك كذلك؟
ـ قدمت عليه في رجل ولاه صدقتنا فكان بيني وبينه ما بين الغث والسمين، فأتيت عليا عليه السلام لأشكو إليه ما صنع، فوجدته قائما يصلي فلما نظر إلي انفتل من صلاته، ثم قال لي برأفة وتعطف: ألك حاجة؟ فأخبرته الخبر فبكى ثم قال: (اللهم إنك أنت الشاهد عليّ وعليهم أني لم آمرهم بظلم خلقك، ولا بترك حقك) ثم أخرج من جيبه قطعة جلد كهيئة طرف الجراب، فكتب فيها: (بسم الله الرحمن الرحيم، قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين، بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين، وما أنا عليكم بحفيظ، إذا قرأت كتابي فاحتفظ بما في يديك من عملنا حتى يقدم عليك من يقبضه منك والسلام) فأخذته منه، والله ما ختمه بطين ولا حزمه بحزام.
فتبهر معاوية وتعجب من هذا العدل والإنصاف وقال: (أكتبوا لها بالانصاف والعدل لها).
فانبرت إليه قائلة:
(ألي خاصة أم لقومى عامة؟)
ـ وما أنت وغيرك؟
ـ هي والله إذن الفحشاء واللؤم، إن لم يكن عدلا شاملا، وإلا فأنا كسائر قومى.
ـ هيهات لمظكم ابن أبي طالب الجرأة وغركم قوله:

فلو كنت بوابا على باب جنة * * * لقلت لهمدان ادخلوا بسلام

ثم قال: (اكتبوا لها ولقومها بحاجتها)(٥٨٤).

٤ ـ أم البراء بنت صفوان:
وكانت أم البراء بنت صفوان بن هلال من سيدات النساء في عفتها وطهارة ذيلها، عرفت بالولاء والإخلاص لأمير المؤمنين عليه السلام، وكان لها موقف مشرف في صفين فكانت تحرض الجماهير الحاشدة على مناجزة معاوية وقتاله، ولما انتهى الأمر إليه وفدت عليه فقال لها:
(كيف أنت يا بنت صفوان؟)
ـ بخير يا أمير المؤمنين.
ـ كيف حالك؟
ـ ضعفت بعد جلد، وكسلت بعد نشاط.
ـ شتان بينك اليوم وحين تقولين:

يا عمرو دونك صارما ذا رونق * * * غضب المهزة ليس بالخوار
أسرج جوادك مسرعا ومشمرا * * * للحرب غير معرد لفرار
أجب الإمام ودب تحت لوائه * * * وافر العدو بصارم بتار
يا ليتني أصبحت ليس بعورة * * * فأذب عنه عساكر الفجار

ـ قد كان ذاك يا أمير المؤمنين، ومثلك عفا والله تعالى يقول:
(عفا الله عما سلف).
ـ هيهات أما انه لو عاد لعدت، ولكن أخترم دونك فكيف قولك حين قتل؟) فقالت نسيته.
فانبرى إليه بعض جلسائه فقال إنها تقول:

يا للرجال لعظم هول مصيبة * * * فدحت فليس مصابها بالهازل
الشمس كاسفة لفقد إمامنا * * * خير الخلائق والإمام العادل
يا خير من ركب المطي ومن مشى * * * فوق التراب لمحتف أو ناعل
حاشا النبي لقد هددت قواءنا * * * فالحق أصبح خاضعا للباطل

فتألم ابن هند وقال لها:
(قاتلك الله يا بنت صفوان، ما تركت لقائل مقالا اذكري حاجتك).
ولما رأت بنت صفوان الاستهانة والتحقير من معاوية امتنعت أن تفوه بحاجتها وتسأله بمسألتها فقالت له:
(هيهات بعد هذا والله لا سألتك شيئا).
ولما قامت من مجلسه عثرت فقالت: (تعس شاءني علي)(٥٨٥).
وقد لاقت هذه المرأة النبيلة الكريمة المحتد والطيبة العنصر الاستهانة والإذلال لحبها لأمير المؤمنين.
٥ ـ بكارة الهلالية:
وبكارة الهلالية من سيدات النساء الموصوفات بالشجاعة والإقدام والفصاحة والبلاغة، كانت من أنصار أمير المؤمنين في واقعة صفين وقد خطبت فيها خطبا حماسية دعت فيها جنود الحق للذب عن سيد المسلمين وأمير المؤمنين (ع) ولحرب عدوه.
وفدت بكارة على معاوية بعد أن تم له الأمر، وقد كبرت ودق عظمها، ومعها خادمان وهي متكئة عليهما وبيدها عكاز، فسلمت على معاوية بالخلافة فأحسن لها الرد وأذن لها بالجلوس، وكان عنده مروان بن الحكم، وعمرو بن العاص، فعرفها مروان فالتفت الى معاوية قائلا: (أما تعرف هذه يا أمير المؤمنين؟)
ـ ومن هي؟
ـ هي التي كانت تعين علينا يوم صفين وهي القائلة:

يا زيد دونك فاستثر من دارنا * * * سيفا حساما فى التراب دفينا
قد كان مذخورا لكل عظيمة * * * فاليوم أبرزه الزمان مصونا

واندفع ابن العاص قائلا: يا أمير المؤمنين وهي القائلة:

أترى ابن هند للخلافة مالكا * * * هيهات ذاك وما أراد بعيد
منتك نفسك في الخلاء ضلالة * * * أغراك عمرو للشقاء وسعيد
فارجع بأنكد طائر بنحوسها * * * لاقت عليا أسعد وسعود

وانبرى بعدهما سعيد قائلا: يا أمير المؤمنين وهي القائلة:

قد كنت آمل أن أموت ولا أرى * * * فوق المنابر من أميّة خاطبا
فالله أخر مدتي فتطاولت * * * حتى رأيت من الزمان عجائبا
في كل يوم لا يزال خطيبهم * * * وسط الجموع لآل أحمد عائبا

وسكت القوم، فالتفتت بكارة الى معاوية قائلة له:
(نبحتنى كلابك يا أمير المؤمنين واعتورتني، فقصرت محجتي وكثر عجبي، وغشي بصري، وأنا والله قائلة ما قالوا لا أدفع ذلك بتكذيب، فامض لشأنك، فلا خير فى العيش بعد أمير المؤمنين)(٥٨٦).
ثم انصرفت والألم يحز فى فؤادها، قد نبحتها كلاب معاوية واحتوشها جلساؤه الأوغاد.
٦ ـ أروى بنت الحارث:
وأروى بنت الحارث بن عبد المطلب من سيدات نساء المسلمين فى اقدامها وشجاعتها وحسن منطقها، قد عرفت بالولاء والحب لأمير المؤمنين عليه السلام، وفدت على معاوية فوجهت له سهاما من القول، وعرضت في كلامها عن محنة أهل البيت (ع) وما لاقوه بعد النبي (ص) من المحن والبلاء وهذا نص كلامها:
(أنت يا ابن أخي لقد كفرت بالنعمة، وأسأت لابن عمك ـ يعني عليا ـ الصحبة، وتسميت بغير اسمك، وأخذت غير حقك بغير بلاء كان منك ولا من آبائك في الإسلام، ولقد كفرتم بما جاء به محمد (ص) فأتعس الله منكم الجدود، وأصعر منكم الخدود، حتى رد الله الحق الى أهله، وكانت كلمة الله هي العليا، ونبينا محمد (ص) هو المنصور على من ناوأه ولو كره المشركون، فكنا أهل البيت أعظم الناس فى الدين حظا ونصيبا وقدرا حتى قبض الله نبيه (ص) مغفورا ذنبه، مرفوعا درجته شريفا عند الله مرضيا فصرنا أهل البيت منكم بمنزلة قوم موسى من آل فرعون يذبحون أبناءهم، ويستحيون نساءهم، وصار ابن عم سيد المرسلين فيكم بعد نبينا بمنزلة هارون من موسى حيث يقول: (يا ابن أم ان القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني)، ولم يجمع بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لنا شمل، ولم يسهل لنا وعر، وغايتنا الجنة، وغايتكم النار).
وكان ابن العاص حاضرا فلسعه كلامها فاندفع قائلا:
(أيتها العجوز الضالة أقصري من قولك، وغضي من طرفك).
ـ ومن أنت لا أم لك؟
ـ عمرو بن العاص.
ـ يا ابن اللخناء النابغة، أتكلمني؟!! أربع على ضلعك، وأعن بشأن نفسك، فو الله ما أنت من قريش فى اللباب من حسبها، ولا كريم منصبها، ولقد ادعاك ستة من قريش كل واحد يزعم أنه أبوك، ولقد رأيت أمك أيام منى بمكة مع كل عبد عاهر فأتم بهم فانك بهم أشبه.
والتفت لها مروان بن الحكم فقال لها:
(أيتها العجوز الضالة ساخ بصرك مع ذهاب عقلك، فلا تجوز شهادتك).
فانبرت إليه قائلة:
(يا بني أتتكلم؟ فو الله لأنت الى سفيان بن الحارث بن كلدة أشبه منك بالحكم، وإنك لتشبهه فى زرقة عينيك، وحمرة شعرك، مع قصر قامته، وظاهر دمامته، ولقد رأيت الحكم ماد القامة، ظاهر الأمة، سبط الشعر وما بينكما من قرابة إلا كقرابة الفرس الضامر من الأتان المقرب فاسأل أمك عما ذكرت لك فانها تخبرك بشأن أبيك إن صدقت).
ثم التفتت الى معاوية فقالت له:
(والله ما عرضني لهؤلاء غيرك وإن أمك هند القائلة فى يوم أحد في قتل حمزة رحمة الله عليه:

نحن جزيناكم بيوم بدر * * * والحرب يوم الحرب ذات سعر
ما كان عن عتبة لي من صبر * * * أبي وعمي وأخي وصهرى
شفيت وحشي غليل صدري * * * شفيت نفسي وقضيت نذري
فشكر وحشي عليّ عمري * * * حتى تغيب أعظمي في قبري

فأجبتها:

يا بنت رقاع عظيم الكفر * * * خزيت فى بدر وغير بدر
صبحك الله قبيل الفجر * * * بالهاشميين الطوال الزهر
بكل قطاع حسام يفري * * * حمزة ليثي وعلي صقري
إذ رام شبيب وأبوك غدري * * * أعطيت وحشي ضمير الصدر
هتك وحشي حجاب الستر * * * ما للبغايا بعدها من فخر

فثار معاوية والتفت الى ابن العاص ومروان قائلا:
(ويلكما أنتما عرضتماني لها وأسمعتماني ما أكره).
ثم التفت إليها فقال لها:
(يا عمة اقصدي حاجتك ودعي عنك أساطير النساء).
ـ تأمر لي بألفي دينار، وألفي دينار، وألفي دينار.
ـ ما تصنعين بألفي دينار؟
ـ أشتري بها عينا خرخارة، في أرض خوارة تكون لولد الحارث ابن عبد المطلب.
ـ نعم الموضع وضعتها، فما تصنعين بألفي دينار؟
ـ أزوج بها فتيان عبد المطلب من أكفائهم.
ـ نعم الموضع وضعتها، فما تصنعين بألفي دينار؟
ـ أستعين بها على عسر المدينة، وزيارة بيت الله الحرام.
ـ نعم الموضع وضعتها، هي لك نعم وكرامة.
ثم التفت إليها بعد هذا العطاء الجزيل ليرى مدى اخلاصها لأمير المؤمنين قائلا:
(أما والله لو كان علي ما أمر لك بها!!)
ـ صدقت، إن عليا أدى الأمانة، وعمل بأمر الله وأخذ به، وأنت ضيعت أمانتك، وخنت الله فى ماله، فأعطيت مال الله من لا يستحقه وقد فرض الله في كتابه الحقوق لأهلها وبيّنها فلم تأخذ بها، ودعانا علي الى أخذ حقنا الذي فرض الله لنا فشغل بحربك عن وضع الأمور في مواضعها، وما سألتك من مالك شيئا فتمن به إنما سألتك من حقنا، ولا نرى أخذ شيء غير حقنا، أتذكر عليا فضّ الله فاك وأجاهد بلاءك؟.
ثم بكت وقالت راثية لأمير المؤمنين:

ألا يا عين ويحك أسعدينا * * * ألا وابكي أمير المؤمنينا
رزينا خير من ركب المطايا * * * وفارسها ومن ركب السفينا
ومن لبس النعال أو احتذاها * * * ومن قرأ المثاني والمئينا
إذا استقبلت وجه أبي حسين * * * رأيت البدر راع الناظرينا
ولا والله لا أنسى عليا * * * وحسن صلاته في الراكعينا
أفي الشهر الحرام فجعتمونا * * * بخير الناس طرا أجمعينا

فأمر لها معاوية بستة آلاف دينار فأخذتها وانصرفت(٥٨٧) وقد أراد معاوية بتكريمه لها استمالة قلبها وصرفها عن حب أمير المؤمنين (ع)، وقد خاب سعيه، فان من طبع على حب أمير المؤمنين والإخلاص إليه كيف يغيره المال؟ وتقلب عقيدته المادة، وقد فاهت بهذا الشعور الطيب كريمة أبي الأسود الدؤلي فقد بعث معاوية حلوى هدية الى أبيها ليستميله عن حب أمير المؤمنين (ع) فتناولت ابنته قطعة من تلك الحلوى ووضعتها في فيها فقال لها أبوها:
(يا بنتي القيها فانها سم، هذه حلواء أرسلها إلينا معاوية ليخدعنا عن أمير المؤمنين ويردنا عن محبة أهل البيت!!)
فلما سمعت بذلك انبرت الى أبيها تعرب له عن شعورها الطيب وعن مدى حبها لأمير المؤمنين قائلة:
(قبحه الله، يخدعنا عن السيد المطهر بالشهد المزعفر، تبا لمرسله وآكله!!)
ثم قاءت ما أكلته وأنشأت تقول:

أبا لشهد المزعفر يا ابن هند * * * نبيع عليك أحسابا ودينا
معاذ الله كيف يكون هذا * * * ومولانا أمير المؤمنينا(٥٨٨)

٧ ـ عكرشة بنت الأطرش:
وعكرشة بنت الأطرش سيدة جليلة تعد في طليعة نساء العرب فى شجاعتها، وقوة بيانها، كانت فى صفين تدعو الناس الى نصرة الإمام ومناجزة عدوه، ولما تم الأمر الى معاوية وفدت عليه فسلمت عليه بالخلافة فتذكر موقفها في صفين فقال لها:
(يا عكرشة الآن صرت أمير المؤمنين؟)
فقالت له:
(نعم إذ لا عليّ حي).
فلم يقتنع بذلك وأخذ يذكرها بموقفها وخطبها فى صفين قائلا:
(ألست صاحبة الكور المسدول، والوسيط المشدود، والمتقلدة بحمائل السيف، وأنت واقفة بين الصفين تقولين:
(يا أيها الناس، عليكم أنفسكم، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إن الجنة دار لا يرحل عنها من قطنها، ولا يحزن من سكنها، فابتاعوها بدار لا يدوم نعيمها، ولا تنصرم همومها، كونوا قوما مستبصرين، إن معاوية دلف إليكم بعجم العرب، غلف القلوب، لا يفقهون الإيمان، ولا يدرون ما الحكمة؟ دعاهم بالدنيا فأجابوه، واستدعاهم الى الباطل فلبوه، فالله الله عباد الله في دين الله!! وإياكم والتواكل، فان فى ذلك نقض عروة الإسلام، وإطفاء نور الإيمان، وذهاب السنة، وإظهار الباطل هذه بدر الصغرى، والعقبة الأخرى، قاتلوا يا معشر الأنصار والمهاجرين على بصيرة من دينكم، واصبروا على عزيمتكم، فكأني بكم غدا وقد لقيتم أهل الشام كالحمر الناهقة، والبغال الشحاجة تضفع ضفع البقر، وتروث روث العتاق).
وبعد ما تلى معاوية عليها خطابها قال لها بنبرات تقطر غضبا:
(فو الله لو لا قدر الله، وما أحب أن يجعل لنا هذا الأمر لقد كان انكفأ علي العسكران فما حملك على ذلك؟)
فقابلته بناعم القول قائلة: (إن اللبيب إذا كره أمرا لم يحب إعادته).
ـ صدقت اذكري حاجتك.
ـ إن الله قد رد صدقاتنا علينا ورد أموالنا فينا إلا بحقها، وإنا قد فقدنا ذلك، فما ينعش لنا فقير، ولا يجبر لنا كسير فان كان ذلك عن رأيك فما مثلك من استعان بالخونة، ولا استعمل الظالمين.
فما اعتنى معاوية باسترحامها وقال لها:
(يا هذه إنه تنوبنا أمور هي أولى بنا منكم، من بحور تنبثق، وثغور تنفتق).
ـ يا سبحان الله!! ما فرض الله لنا حقا جعل لنا فيه ضررا على غيرنا ما جعله لنا وهو علام الغيوب.
ولم يجد حينئذ معاوية بدا من إجابتها فقال لها:
ـ هيهات يا أهل العراق نبهكم ابن أبي طالب فلن تطاقوا.
ثم أمر لها بقضاء حاجتها وردها الى أهلها(٥٨٩).
٨ ـ الدارمية الحجونية:
ومن سيدات النساء وخيارهن الدارمية الحجونية، عرفت بالصلاح والنسك، وبقوة الحجة، وشدة العارضة، قد والت الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، ولما تم الأمر الى معاوية بعث خلفها وكان آنذاك في الحجاز فلما مثلت عنده قال لها:
(كيف حالك يا ابنة حام)
ـ بخير، ولست لحام إنما أنا امرأة من قريش من بني كنانة، ثمت من بني أبيك.
ـ صدقت، هل تعلمين لم بعثت إليك؟
ـ لا، يا سبحان الله!! وأنّى لي بعلم ما لم أعلم؟
ـ بعثت إليك أن أسألك علام أحببت عليا (ع) وأبغضتيني؟ وعلام وأليتيه وعاديتيني؟
ـ أو تعفيني من ذلك؟
ـ لا أعفيك، لذلك دعوتك.
ـ فأما إذا أبيت فإني أحببت عليا (ع) على عدله في الرعية، وقسمه بالسوية، وأبغضتك على قتالك من هو أولى بالأمر منك، وطلبك ما ليس لك، وواليت عليا على ما عقد له رسول الله (ص) من الولاية وحب المساكين، واعظامه لأهل الدين، وعاديتك على سفكك الدماء، وشقك العصا.
فتأثر ابن هند من مقالها وقال فاحشا ومستهزئا:
(صدقت فلذلك انتفخ بطنك، وكبر ثديك، وعظمت عجيزتك) فردت عليه مقالته بالمثل:
(يا هذا بهند والله يضرب المثل لا أنا).
ـ لا تغضبي فانا لم نقل إلا خيرا، إنه إن انتفخ بطن المرأة تم خلق ولدها، وإذا كبر ثديها حسن غذاء ولدها، وإذا عظمت عجيزتها وزن مجلسها.
فهدأ روعها، وسكن غضبها، ثم التفت لها:
ـ هل رأيت عليا؟
ـ أي والله لقد رأيته.
ـ كيف رأيته؟
ـ لم ينفخه الملك، ولم تصقله النعمة(٥٩٠).
ـ هل سمعت كلامه؟
ـ كان والله كلامه يجلو القلوب من العمى، كما يجلي الزيت صداء الطست.
ـ صدقت، هل لك من حاجة؟
ـ أو تفعل إذا سألتك؟
ـ نعم.
ـ تعطيني مائة ناقة حمراء فيها فحلها وراعيها.
ـ ما تصنعين بها؟
ـ أغذو بألبانها الصغار، وأستحيي بها الكبار، واكتسب بها المكارم واصلح بها بين العشائر.
ـ فان أعطيتك ذلك فهل أحل عندك محل علي بن أبي طالب؟
ـ سبحان الله!!! أو دونه أو دونه.
فتبهر معاوية وقال:

إذا لم أعد بالحلم مني عليكم * * * فمن ذا الذي بعدي يؤمل للحلم
خذيها هنيئا واذكري فعل ماجد * * * جزاك على حرب العداوة بالسلم

أما والله لو كان علي حيا ما أعطاك منها شيئا.
ـ لا والله ولا وبرة واحدة من مال المسلمين(٥٩١).
الى هنا يننهي بنا الحديث عما لاقته شيعة أمير المؤمنين عليه السلام من التنكيل، والتعذيب، والإعدام، والعسف، والإرهاب، والإذلال، والتحقير من قبل معاوية وعامله زياد، وبذلك فقد نقض معاوية أهم شروط الصلح، وهو عدم التعرض لشيعة آل البيت بسوء ومكروه وغائلة:
المؤتمر الحسيني:
ولما رأى سيد الشهداء الإمام الحسين (ع) الإجرءات الحاسمة التي اتخذها معاوية ضد العترة الطاهرة، عقد (ع) مؤتمرا في مكة، دعا فيه جمهورا غفيرا ممن شهد موسم الحج من المهاجرين والأنصار، والتابعين، وغيرهم من سائر المسلمين، وعرض عليهم ما ألمّ بأهل البيت وبشيعتهم من المحن والخطوب من جراء الحكم القائم الذي عمد الى اتخاذ جميع الوسائل للكيد لآل النبي (ص) واخفاء فضائلهم، وستر ما أثر عن الرسول فى حقهم وقد ألزم حضار مؤتمره باذاعة ذلك بين المسلمين، ونسوق ما رواه سليم ابن قيس فى ذلك قال:
(ولما كان قبل موت معاوية بسنة، حج الحسين بن علي، وعبد الله ابن عباس، وعبد الله بن جعفر، فجمع الحسين بني هاشم، رجالهم ونساءهم، ومواليهم، ومن حج منهم من الأنصار، ممن يعرفه الحسين عليه السلام وأهل بيته، ثم أرسل رسلا وقال لهم: لا تدعوا أحدا حج العام من أصحاب رسول الله (ص) المعروفين بالصلاح والنسك إلا اجمعوهم لي، فاجتمع إليه بمنى أكثر من سبعمائة رجل وهم فى سرادقه. عامتهم من التابعين، ونحو من مائتي رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقام فيهم خطيبا:
(فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فان هذا الطاغية قد فعل بنا وبشيعتنا ما قد رأيتم، وعلمتم وشهدتم. وإني أريد أن أسألكم عن شيء فان صدقت فصدقوني، وإن كذبت فكذبوني، اسمعوا مقالتي، واكتبوا قولي، ثم ارجعوا الى أمصاركم وقبائلكم، فمن أمنتم من الناس، ووثقتم به فادعوهم الى ما تعلمون من حقنا. فاني أتخوف أن يدرس هذا الأمر ويغلب، والله متم نوره ولو كره الكافرون).
(وما ترك شيئا مما أنزله الله فيهم من القرآن إلا تلاه وفسره، ولا شيئا مما قاله رسول الله (ص) فى أبيه وأخيه وأمه وفى نفسه وأهل بيته إلا رواه.. وكل ذلك يقول أصحابه اللهم نعم، وقد سمعنا وشهدنا، ويقول التابعي: اللهم قد حدثني به من أصدقه وائتمنه من الصحابة، فقال: أنشدكم الله إلا حدثتم به من تثقون به وبدينه...)(٥٩٢)
وكان هذا المؤتمر الذي عقده الإمام أول مؤتمر عرفه العالم الإسلامى في ذلك الوقت، فقد شجب فيه الإمام سياسة معاوية، ودعا المسلمين الى مناهضة حكمه، والى الإطاحة بسلطانه.
٤ ـ البيعة ليزيد:
ومن أهم بنود الصلح إرجاع الخلافة الإسلامية الى الإمام الحسن، ومن بعده الى أخيه الحسين عليه السلام بعد هلاك معاوية، فقد كانت هذه المادة من أهم شروط الصلح التي وقع عليها معاوية، ولكنه بعد ما تم له الأمر، وصفا له الملك، صمم على نقضها، وعلى عدم الوفاء بها، فقد أخذ يعمل مجدّا في جعل الخلافة وراثة في أهل بيته، وهو بهذا الفعل كما يقول الاستاذ السيد قطب: (مدفوع بدافع لا يعرفه الإسلام، دافع العصبية العائلية والقبلية، وما هي بكثيرة على معاوية ولا بغريبة عليه، فمعاوية بن أبي سفيان وابن هند بنت عتبة، وهو وريث قومه وأشبه شيء بهم في بعد روحه عن حقيقة الإسلام)(٥٩٣).
لقد كان معاوية في فعله هذا مدفوعا بدافع الجاهلية العمياء، وبدافع العصبية القبلية التي شجبها الإسلام فقد اعتبر المواهب والكفاءة والعلم والجدارة فيمن يتولى شئون الحكم، والغى جميع الاعتبارات التي لا تمت لذلك، فقد صح عن رسول الله (ص) أنه قال: (من ولي من أمر المسلمين شيئا فأمّر عليهم أحدا محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل منه صرفا ولا عدلا حتى يدخله جهنم)(٥٩٤) ولكن معاوية الذي برىء من الإسلام راح يعمل بوحي من جاهليته الى الانتقام من الإسلام والى تمزيق صفوف المسلمين فعمد الى جعل الخلافة الى ولده الفاسق الأثيم يزيد وقد صور فسقه ومجونه الشاعر العبقري الاستاذ الكبير بولس سلامة بقوله:

وترفق بصاحب العرش مشغو * * * لا عن الله بالقيان الملاح
ألف (الله أكبر) لا يساوي * * * بين كفي يزيد نهلة راح
تتلظى في الدنان بكرا فلم * * * تدنس بلثم ولا بماء قراح(٥٩٥)

وقال فيه عبد الله بن حنظلة الصحابي العظيم المنعوت بالراهب قتيل واقعة الحرة: والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء، إنه رجل ينكح الامهات، والبنات، والأخوات، ويشرب الخمر ويدع الصلاة، والله لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت لله فيه بلاء حسنا)(٥٩٦). وقال فيه المنذر بن الزبير لما قدم المدينة: (إن يزيد قد أجازني بمائة الف، ولا يمنعني ما صنع بي أن أخبركم خبره، والله إنه ليشرب الخمر، والله إنه ليسكر حتى يدع الصلاة)(٥٩٧)، وقال ابن فليح إن أبا عمرو بن حفص وفد على يزيد فأكرمه، وأحسن جائزته، فلما قدم المدينة قام الى جنب المنبر وكان مرضيا صالحا فخطب الناس فقال لهم: (ألم أحب؟ ألم أكرم؟ والله رأيت يزيد بن معاوية يترك الصلاة مسكرا،(٥٩٨).
لقد كان معاوية يعلم فسق ولده وارتكابه للموبقات، وادمانه على شرب المسكر، وتركه للصلاة، وقد أدلى بذلك في كتابه الذي ندد فيه بأفعاله فقد جاء فيه ما نصه:
(بلغني أنك اتخذت المصانع والمجالس للملاهي والمزامير كما قال تعالى: (أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخالدون)، وأجهرت الفاحشة حتى اتخذت سريرتها عندك جهرا. اعلم يا يزيد، ان أول ما سلبكه السكر معرفة مواطن الشكر لله على نعمه المتظاهرة، وآلائه المتواترة، وهي الجرحة العظمى، والفجعة الكبرى: ترك الصلوات المفروضات في أوقاتها، وهو من أعظم ما يحدث من آفاتها، ثم استحسان العيوب، وركوب الذنوب، وإظهار العورة، وإباحة السر، فلا تأمن نفسك على سرك، ولا تعتقد على فعلك)(٥٩٩).
ومع علمه بمروق ولده عن الدين، واستحلاله لما حرّم الله، واغراقه في الشهوات، كيف يمكنه من رقاب المسلمين ويفرضه حاكما عليهم، إنه بذلك مدفوع بدافع الحقد على الإسلام، وبدافع العصبية الجاهلية التي أترعت بها نفسه الشريرة.
لقد أجاهد معاوية نفسه في فرض يزيد حاكما على المسلمين، فقد ظل سبع سنين يروض الناس، ويعطي الأقارب، ويدني الأباعد من أجل ذلك(٦٠٠)، ولما هلك زياد وكان كارها لبيعة يزيد أظهر عهدا مفتعلا عليه فيه عقد الخلافة ليزيد من بعده(٦٠١)، وهكذا اعتمد على جميع الوسائل التي لم يألفها المسلمون، ولم يقرها الدين فى سبيل جعل الملك في بني أميّة وتحويل الخلافة عن مفاهيمها الخلاقة الى الملك العضوض. وقد جرت تلك المقدمات التي عملها معاوية فى حياة الإمام الحسن (ع) ولكنه لم يعلن البيعة الرسمية ليزيد إلا بعد اغتياله للإمام، وعلينا أن نعرض بعض الوسائل التمهيدية التي عملها معاوية من أجل ذلك.
دعوة المغيرة:
وأول من تصدى الى الدعوة لهذه البيعة المشومة المنافق الأثيم أعور ثقيف المغيرة بن شعبة صاحب الأحداث والموبقات في الإسلام(٦٠٢) وسبب ذلك فيما يرويه المؤرخون أن معاوية أراد عزله عن الكوفة فبلغه ذلك، فرأى أن يسافر الى دمشق ويبادر بتقديم استقالته عن منصبه حتى لا تكون عليه حزازة، وليرى الناس أنه كاره للإمارة والحكم، ولما وصل الى دمشق عنّ له أن يلتقي بيزيد قبل التقائه بمعاوية فيحبذ له الخلافة من بعد أبيه ليتخذ من اغرائه وسيلة الى اقراره فى الحكم، كما أدلى بذلك لأصحابه ولما التقى بيزيد قال له:
(إنه قد ذهب أعيان أصحاب محمد (ص) وكبراء قريش وذوو أسنانهم، وإنما بقي أبناؤهم وأنت من أفضلهم، وأحسنهم رأيا، وأعلمهم بالسنة والسياسة، ولا أدري ما يمنع أمير المؤمنين أن يعقد لك البيعة؟.)
ولما سمع ذلك يزيد الطائش المغرور طار لبه فرحا وسرورا فانبرى إليه قائلا:
(أو ترى ذلك يتم؟)
(نعم).
ومضى يزيد مستعجلا الى أبيه فأخبره بمقالة المغيرة، فارتاح معاوية بذلك وبعث بالوقت خلفه فعرض عليه مقالته ليزيد فأجابه بصدور ذلك منه ثم انبرى إليه يحفزه على تحقيق هذه الفكرة قائلا له مقال المنافق الذي لا يعرف الخير ولا يفكر به:
(يا أمير المؤمنين، قد رأيت ما كان من سفك الدماء والاختلاف بعد عثمان. وفي يزيد منك خلف فاعقد له، فان حدث بك حدث كان كهفا للناس وخلفا منك، ولا تسفك دماء، ولا تكون فتنة!!)
وأصابت هذه الكلمات الهدف المقصود لمعاوية فقال له مخادعا ومستشيرا:
(ومن لي بهذا؟)
(أكفيك أهل الكوفة، ويكفيك زياد أهل البصرة، وليس بعد هذين المصرين أحد يخالفك.)
فاستحسن معاوية رأيه، وأجازه على ذلك فأقره فى عمله، ثم أمره بالخروج الى الكوفة ليعمل على تحقيق ذلك، ولما انصرف عنه اجتمع بقومه فبادروه بالسؤال عن مصيره فأجابهم بما جلبه من البلاء والفتن لعموم المسلمين من أجل غايته قائلا:
(لقد وضعت رجل معاوية فى غرز بعيد الغاية على أمة محمد (ص) وفتقت عليهم فتقا لا يرتق أبدا) وتمثل:

بمثلي شاهد النجوى وغالى * * * بي الأعداء والخصم الغضابا

وسار المغيرة حتى انتهى الى الكوفة، ففاوض بمهمته جماعة ممن عرفهم بالولاء والإخلاص للبيت الأموي فأجابوه الى ما أراد فأوفد منهم عشرة الى معاوية بعد أن أرشاهم بثلاثين ألف درهم، وجعل عليهم عميدا ولده موسى، فلما انتهوا الى معاوية حبذوا له الأمر ودعوه الى انجازه فشكرهم معاوية، وأوصاهم بكتمان الأمر، ثم التفت الى ابن المغيرة فساره قائلا:
(بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم؟)
ـ بثلاثين ألف درهم.
فضحك معاوية وقال:
(لقد هان عليهم دينهم)(٦٠٣).
لقد توصل معاوية الى تحقيق ذلك بشراء الأديان والضمائر والى الاعتماد على الوسائل التي لم يألفها المسلمون، ولم يقرها الدين.
وفود الأمصار:
ووجه معاوية دعوة رسمية الى جميع الشخصيات الرفيعة فى العالم الإسلامى يدعوهم الى الحضور في دمشق ليفاوضهم في أمر البيعة ليزيد، فلما حضروا عنده دعا الضحاك بن قيس الفهري سرّا وقال له:
(إذا جلست على المنبر، وفرغت من بعض موعظتي وكلامى، فاستاذني للقيام، فاذا أذنت لك فاحمد الله تعالى، واذكر يزيد وقل فيه الذي يحق له عليك، من حسن الثناء عليه، ثم ادعني الى توليته من بعدي فاني قد رأيت وأجمعت على توليته، فاسأل الله في ذلك، وفى غيره الخيرة وحسن القضاء).
ثم دعا فريقا آخر من الأذناب والعملاء الذين هان عليهم دينهم فباعوه بأبخس الأثمان، فأمرهم بتصديق مقالة الضحاك وتأييد فكرته، وهم: عبد الرحمن بن عثمان الثقفي، وعبد الله بن مسعدة الفزاري، وثور بن معن السلمي، وعبد الله بن عصام الأشعري، فاستجابوا لدعوته، ونزى معاوية على المنبر فحدث الناس بما شاء أن يتحدث به، وبعد الفراغ من حديثه انبرى إليه الضحاك فاستأذنه بالكلام فأذن له، فقال بعد حمد الله والثناء عليه: (أصلح الله أمير المؤمنين، وأمتع به، إنا قد بلونا الجماعة والألفة والاختلاف، والفرقة، فوجدناها ألمّ لشعثنا، وأمنة لسبلنا، وحاقنة لدمائنا وعائدة علينا فى عاجل ما نرجو، وآجل ما نؤمل، مع ما ترجو به الجماعة من الألفة، ولا خير لنا أن نترك سدى، والأيام عوج رواجع والله يقول: (كل يوم هو في شأن)، ولسنا ندري ما يختلف به العصران، وأنت يا أمير المؤمنين ميت كما مات من كان قبلك من أنبياء الله وخلفائه، نسأل الله بك المتاع، وقد رأينا من دعة يزيد بن أمير المؤمنين، وحسن مذهبه وقصد سيرته، ويمن نقيبته، مع ما قسم الله له من المحبة في المسلمين، والشبه بأمير المؤمنين، في عقله، وسياسته وشيمته المرضية، ما دعانا الى الرضا به في امورنا، والقنوع به في الولاية علينا، فليوله أمير المؤمنين ـ أكرمه الله ـ عهده، وليجعله لنا ملجأ ومفزعا بعده، نأوي إليه إن كان كون، فانه ليس أحد أحق بها منه، فاعزم على ذلك عزم الله لك في رشدك، ووفقك في امورنا).
ودل هذا الكلام على أن صاحبه رجل سوء ونفاق، فقد عمد الى سحق جميع القيم الإنسانية في سبيل أطماعه ومنافعه.
ولما فرغ الضحاك من مقالته انبرى من بعده زملاؤه فأيدوا مقالته، وأخذوا ينسبون ليزيد فضائل المحسنين، ويضفون عليه مواهب العبقريين، ويطلقون عليه الألقاب الضخمة، والنعوت الشريفة التي اتصف بعكسها، وأخذوا يموهون على المجتمع أنهم إنما تكلموا من صالحه واسعاده، وهم ـ يعلم الله ـ إنما أرادوا هلاكه وتحطيمه، والقضاء على نواميسه ومقدساته وبعد ما انتهى حديث هؤلاء التفت معاوية الى الوفد العراقي ليسمع رأيه وكان شخصية الوفد الأحنف بن قيس حليم العرب وسيد تميم فطلب منه معاوية الرأي فى الأمر، فقام الأحنف خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم التفت الى معاوية قائلا:
(أصلح الله أمير المؤمنين، ان الناس قد أمسوا فى منكر زمان قد سلف، ومعروف زمان مؤتنف، ويزيد بن أمير المؤمنين، نعم الخلف وقد حلبت الدهر أشطره يا أمير المؤمنين فاعرف من تسند إليه الأمر من بعدك، ثم اعص أمر من يأمرك، لا يغررك من يشير عليك، ولا ينظر لك وأنت أنظر للجماعة، وأعلم باستقامة الطاعة، مع أن أهل الحجاز وأهل العراق لا يرضون بهذا، ولا يبايعون ليزيد ما كان الحسن حيا):
لقد منح الأحنف النصيحة الى معاوية وأرشده الى الحق فأشار عليه بعدم سماع أقوال المرتزقين الذين ينظرون الى صالح أنفسهم أكثر مما ينظرون لصالحه، وبيّن له أن العراقيين والحجازيين لا يرضون بهذه البيعة ما دام حفيد الرسول وسبطه الأول حيا، وقد اثارت هذه الكلمات غضب النفعيين والمرتشين الذين تذرع معاوية بهم الى تحقيق هدفه فقام إليه الضحاك بن قيس فندد بمقالته وشتم العراقيين وهذا نص كلامه:
(أصلح الله أمير المؤمنين، إن أهل النفاق من أهل العراق مروءتهم في أنفسهم الشقاق، والفتهم في دينهم الفراق، يرون الحق على أهوائهم كأنما ينظرون بأقفائهم، اختالوا جهلا وبطرا، لا يرقبون من الله راقبة، ولا يخافون وبال عاقبة، اتخذوا ابليس لهم ربا، واتخذهم ابليس حزبا، فمن يقاربوه لا يسروه، ومن يفارقوه لا يضروه، فادفع رأيهم يا أمير المؤمنين فى نحورهم، وكلامهم في صدورهم، ما للحسن وذوي الحسن في سلطان الله الذي استخلف به معاوية في أرضه؟ هيهات لا تورث الخلافة عن كلالة، ولا يحجب غير الذكر العصبة، فوطنوا أنفسكم يا أهل العراق على المناصحة لإمامكم، وكاتب نبيكم وصهره، يسلم لكم العاجل، وتربحوا من الآجل).
ولم نحسب أن العراق قد ذم بمثل هذا الذم الفظيع، أو وصم بمثل هذه الامور، ولكن العراقيين هم الذين جروا لأنفسهم هذا البلاء وتركوا هذا الوغد وأمثاله يحط من كرامتهم، ويتطاول عليهم.
وعلى أي حال، فان الأحنف لم يذعن لمعاوية ولم يعتن بمقالة الضحاك فقد انبرى يهدد معاوية باعلان الحرب إن أصرّ على تنفيذ فكرته قائلا:
(يا أمير المؤمنين، إنا قد فررنا(٦٠٤) عنك قريشا فوجدناك أكرمها زندا، وأشدها عقدا، وأوفاها عهدا، قد علمت أنك لم تفتح العراق عنوة، ولم تظهر عليها قعصا، ولكنك أعطيت الحسن بن علي من عهود الله ما قد علمت ليكون له الأمر من بعدك، فان تف فأنت أهل الوفاء وإن تغدر تعلم، والله إن وراء الحسن خيولا جيادا، وأذرعا شدادا، وسيوفا حدادا، إن تدن له شبرا من غدر، تجد وراءه باعا من نصر، وإنك تعلم أن أهل العراق ما أحبوك منذ أبغضوك، ولا أبغضوا عليا وحسنا منذ أحبوهما، وما نزل عليهم فى ذلك غير من السماء، وإن السيوف التي شهروها عليك مع علي يوم صفين لعلى عواتقهم، والقلوب التي أبغضوك بها لبين جوانحهم، وأيم الله إن الحسن لأحب لأهل العراق من علي.
لقد بالغ الأحنف فى نصح معاوية، وذكر له تمسك العراقيين بولاء أهل البيت (ع) وان اخلاصهم للإمام الحسن أكثر من أبيه، وهم على استعداد الى مناجزته إن نفذ بيعة يزيد، وانطلق عبد الرحمن بن عثمان فندد بمقالة الأحنف، وحرض معاوية على تنجيز مهمته قائلا له:
(أصلح الله أمير المؤمنين، ان رأي الناس مختلف، وكثير منهم منحرف، لا يدعون أحدا الى رشاد، ولا يجيبون داعيا الى سداد، مجانبون لرأي الخلفاء، مخالفون لهم في السنة والقضاء، وقد وقفت ليزيد فى أحسن القضية وأرضاها لحمل الرعية، فاذا خار الله لك فاعزم ثم اقطع قالة الكلام فان يزيد أعظمنا حلما وعلما، وأوسعنا كنفا، وخيرنا سلفا، قد أحكمته التجارب، وقصدت به سبل المذاهب فلا يصرفنك عن بيعته صارف، ولا يقفن بك دونها واقف، ممن هو شاسع عاص ينوص للفتنة كل مناص لسانه ملتو، وفي صدره داء دوّى، إن قال فشر قائل، وإن سكت فذو دغائل، قد عرفت من هم أولئك وما هم عليه لك من المجانبة للتوفيق والكلف للتفريق فاجعل ببيعته عنا الغمة، واجمع به شمل الأمّة، فلا تحد عنه إذا هديت له، ولا تنش عنه إذا وقفت له، فان ذلك الرأي لنا ولك، والحق علينا وعليك، اسأل الله العون وحسن العاقبة لنا ولك).
وصورت لنا هذه الكلمات ضميرا قلقا، ونفسا أثيمة، قد اعتنقت الشر، وابتعدت عن الخير، وانبرى معاوية يهدد من لا يوافقه على رغبته ليفرض على المجتمع الخضوع لفكرته، والرضا ببيعة يزيد قائلا:
(أيها الناس: إن لإبليس إخوانا وخلاّنا، بهم يستعد، وإياهم يستعين، وعلى ألسنتهم ينطق، إن رجوا طمعا أو جفوا، وإن استغنى عنهم أرجفوا، ثم يلحقون الفتن بالفجور، ويشققون لها حطب النفاق، عيابون مرتابون، إن ولوا عروة أمر حنقوا، وإن دعوا الى غي أسرفوا وليسوا أولئك بمنتهين، ولا بمقلعين، ولا متعظين، حتى تصيبهم صواعق خزي وبيل، وتحل بهم قوارع أمر جليل، تجتث اصولهم كاجتثاث اصول الفقع(٦٠٥) فأولى لأولئك ثم أولى، فانا قد قدما وأنذرنا إن أغنى التقدم شيئا أو نفع النذر).
بمثل هذا الإرهاب الفظيع الذي لم يعهد له نظير تذرع معاوية الى تحقيق فكرته، ثم استدعى الضحاك بن قيس فولاه الكوفة جزاء لكلامه بعد هلاك المغيرة، واستدعى عبد الرحمن فولاه الجزيرة، وقام يزيد بن المقفع رافعا عقيرته قائلا:
(أمير المؤمنين هذا ـ وأشار الى معاوية ـ).
ثم قال: (فإن هلك، فهذا ـ وأشار الى يزيد ـ).
ثم قال: (فمن أبى، فهذا ـ وأشار الى السيف ـ!!!)
فاستحسن معاوية كلامه وقال له:
(اجلس، فأنت سيد الخطباء وأكرمهم!!)
بهذا اللون من الإرهاب فرض معاوية ابنه الفاسق الفاجر خليفة على المسلمين، فلولا السيف لما وجد الى ذلك سبيلا. ولما رأى الأحنف بن قيس تصميم معاوية على فكرته وعدم تنازله عنها انبرى إليه قائلا:
(يا أمير المؤمنين: أنت أعلمنا بليله ونهاره، وبسره وعلانيته، فان كنت تعلم أنه خير لك فوله واستخلفه، وإن كنت تعلم أنه شر لك، فلا تزوده الدنيا وأنت صائر الى الآخرة، فانه ليس لك من الآخرة إلا ما طاب، واعلم أنه لا حجة لك عند الله إن قدمت يزيد على الحسن والحسين وأنت تعلم من هما، وإلى ما هما، وإنما علينا أن نقول: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير)(٦٠٦).
ولم يعتن معاوية بمقالة الأحنف ونصحه، ولم يفكر في مصير المسلمين إذا استخلف عليهم ولده قرين الفهود والمدمن على الخمور، وأخذ معاوية ولده يزيد فأجلسه فى قبة حمراء وبايعه بولاية العهد وأمر الناس بمبايعته، وأقبل بعض العملاء فسلم عليهما ثم أقبل على معاوية فقال له:
(يا أمير المؤمنين: اعلم انك لو لم تول هذا ـ وأشار الى يزيد ـ أمور المسلمين لاضعتها).
فالتفت معاوية الى الأحنف:
(ما بالك لا تقول يا أبا بحر؟)
ـ أخاف الله إذا كذبت، وأخافكم إذا صدقت.
ـ جزاك الله على الطاعة خيرا.
وخرج الأحنف فلقيه ذلك الرجل بعد أن أجزل له معاوية بالعطاء فقال للأحنف معتذرا من مقالته:
(يا أبا بحر: إني لأعلم ان شر من خلق الله هذا وابنه ـ يعنى معاوية ويزيد ـ ولكنهم استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب والأقفال، فليس يطمع في استخراجها إلا بما سمعت)(٦٠٧).
لقد أحدث معاوية بهذه البيعة المشومة صدعا في الإسلام، وقد صور لنا الشاعر الموهوب عبد الله بن هشام السلولي بمقطوعته الرائعة جزعه وجزع خيار المسلمين من خلافة يزيد بقوله:

فان تأتوا برملة أو بهند * * * نبايعها أميرة مؤمنينا
إذا ما مات كسرى قام كسرى * * * نعد ثلاثة متناسقينا
فيا لهفا لو أن لنا ألوفا * * * ولكن لا نعود كما عنينا
إذا لضربتموا حتى تعودوا * * * بمكة تلعقون بها السخينا
خشينا الغيظ حتى لو شربنا * * * دماء بني أميّة ما روينا
لقد ضاعت رعيتكم وأنتم * * * تصيدون الأرانب غافلينا(٦٠٨)

لقد ذعر المسلمون في جميع أقطار الأرض من هذا الحادث الخطير لأن الخلافة عندهم ليست كسروية ولا قيصرية حتى تورث بل أمرها شورى بين المسلمين يختارون لخلافتهم من أحبوا وذلك عند الجمهور من أبناء السنة والجماعة، وأما عند الشيعة فإنها حق شرعي لأمير المؤمنين وأولاده الطيبين كما نصّ النبي (ص) على ذلك.
ومهما يكن من شيء فإن معاوية بعد ما أخذ البيعة ليزيد من أهل دمشق رفع مذكرة الى جميع عماله يطلب فيها أخذ البيعة ليزيد من جميع المواطنين، واستجاب جميع عماله لذلك سوى مروان بن الحكم فإنه قد ورم أنفه لصرف الأمر عنه وهو شيخ الأمويين بعد معاوية، وتوجّه فورا بحاشيته الى دمشق، فلما مثل عند معاوية انبرى إليه وهو مغيظ قائلا:
(أقم الامور يا ابن أبي سفيان، واعدل عن تأميرك الصبيان، واعلم أن لك من قومك نظراء، وأن لك على مناوءتهم وزراء).
فاندفع إليه معاوية يخادعه قائلا له بناعم القول:
(أنت نظير أمير المؤمنين، وعدته في كل شديدة، وعضده، والثاني بعد ولي عهده.)
ثم أعطاه ولاية العهد حيلة منه ومكرا وأخرجه من عاصمته مكرما فلما وصل الى يثرب عزله عن منصبه(٦٠٩) وجعل مكانه سعيد بن العاص وقيل الوليد بن عاقبة، وكتب إليه أن يأخذ البيعة من أهل المدينة لولده إلا انه فشل أخيرا فى أداء مهمته فقد أصرت الجماهير على رفض دعوة معاوية وعدم طاعته في شأن خليفته الجديد، خصوصا الشخصيات الرفيعة من أبناء المهاجرين والأنصار فإنهم قد شجبوا ذلك وأعلنوا سخطهم وإنكارهم على معاوية، فإنهم كانوا يحقرون يزيد ويأنفون أن يعد في مصافهم، فضلا عن أن يكون خليفة عليهم.
سفرة معاوية الاولى ليثرب:
ورأى معاوية بعد امتناع المدنيين عن بيعة يزيد واجماعهم على رفضها أن ينطلق بنفسه الى المدينة ليفاوض أهل الحل والعقد، وليشتري الذمم والضمائر بالأموال، ويتوعد ويرهب من لم يخضع للمادة ليفوز ولده بالخلافة وسافر من أجل هذه الغاية الى يثرب وذلك سنة خمسين من الهجرة، فلما انتهى إليها بعث فورا نحو عبد الله بن عباس، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير. فلما حضروا عنده أمر حاجبه أن لا يسمح لأحد بالدخول عليه حتى يخرج هؤلاء النفر من عنده ثم التفت إليهم قائلا:
(الحمد لله الذي أمرنا بحمده، ووعدنا عليه ثوابه، نحمده كثيرا كما أنعم علينا كثيرا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد: فإني قد كبر سني، ووهن عظمي، وقرب أجلي، وأوشكت أن أدعى فأجيب، وقد رأيت أن أستخلف بعدي يزيد، ورأيته لكم رضا، وأنتم عبادلة قريش وخيارهم، وأبناء خيارهم، ولم يمنعني أن أحضر حسنا وحسينا إلا أنهما أولاد أبيهما علي، على حسن رأيي فيهما، وشديد محبتي لهما فردوا على أمير المؤمنين خيرا، رحمكم الله).
وقد احتوى كلامه على اللين والمدح والثناء، ولكن هؤلاء الأبطال الذين هم نخبة العرب والمسلمين رأيا وإقداما، لم يذعنوا لمعاوية وردوا عليه مقاله وعرفوه بمن هو أهل للخلافة وأول من تكلم منهم حبر الأمّة عبد الله ابن عباس فقال:
(الحمد لله الذي ألهمنا أن نحمده، واستوجب علينا الشكر على آلائه وحسن بلائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وصلى الله على محمد وآل محمد.
أما بعد: فانك قد تكلمات فأنصتنا، وقلت فسمعنا، وإن الله جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه اختار محمدا (ص) لرسالته، واختاره لوحيه، وشرّفه على خلقه، فأشرف الناس من تشرف به، وأولاهم بالأمر أخصهم به، وإنما على الأمّة التسليم لنبيها، إذا اختاره الله لها، فإنه إنما اختار محمدا (ص) بعلمه، وهو العليم الخبير، واستغفر الله لي ولكم).
وتكلم من بعده عبد الله بن جعفر فقال:
(الحمد لله أهل الحمد ومنتهاه: نحمده على إلهامنا حمده، ونرغب إليه في تأدية حقه، وأشهد أن لا إله إلا الله واحدا صمدا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا عبده ورسوله (ص).
أما بعد: فان هذه الخلافة إن أخذ فيها بالقرآن، فأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، وإن أخذ فيها بسنة رسول الله (ص) فأولو رسول الله (ص)، وإن أخذ فيها بسنة الشيخين أبي بكر وعمر فأي الناس أفضل وأكمل وأحق بهذا الأمر من آل الرسول؟ وأيم الله لو ولوه بعد نبيهم لوضعوا الأمر موضعه لحقه وصدقه، ولأطيع الرحمن وعصي الشيطان، وما اختلف في الأمّة سيفان، فاتق الله يا معاوية، فانك قد صرت راعيا، ونحن رعية، فانظر لرعيتك، فانك مسئول عنها غدا، وأما ما ذكرت من ابني عمي، وتركك أن تحضرهما، فو الله ما أصبت الحق، ولا يجوز لك ذلك إلا بهما، وإنك لتعلم انهما معدن العلم والكرم، فقل أودع واستغفر الله لي ولكم).
وبيّن عبد الله بن جعفر استحقاق أهل البيت (ع) للخلافة على جميع الوجوه فان كان مدرك استحقاقها القرآن الكريم فأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض، وإن كانت السنة المقدسة قال الرسول أولى بالأمر من غيرهم، وإن كانت سنة الشيخين قال الرسول (ص) أولى بالأمر وذلك لمواهبهم وكمالهم وتقدمهم على غيرهم بالعلم والفضل، ثم بيّن الأضرار الناجمة من ترك الأمّة لهم وعدم اتباعهم، وانبرى من بعده عبد الله بن الزبير فقال:
(الحمد لله الذي عرفنا دينه، وأكرمنا برسوله، أحمده على ما أبلى وأولى، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد: فان هذه الخلافة لقريش خاصة، تتناولها بمآثرها السنية وأفعالها المرضية، مع شرف الآباء وكرم الأبناء، فاتق الله يا معاوية وأنصف نفسك، فإن هذا عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله (ص)، وهذا عبد الله بن جعفر ذي الجناحين ابن عم رسول الله (ص)، وأنا عبد الله بن الزبير ابن عمة رسول الله، وعلي خلف حسنا وحسينا وأنت تعلم من هما، وما هما، فاتق الله يا معاوية، وأنت الحاكم بيننا وبين نفسك).
وقد رشح ابن الزبير هؤلاء النفر للخلافة، وحفزهم لمعارضة معاوية وإفساد مهمته، وانبرى من بعده عبد الله بن عمر فقال:
(الحمد لله الذي أكرمنا بدينه، وشرفنا بنبيه (ص).
أما بعد: فإن هذه الخلافة ليست بهرقلية، ولا قيصرية، ولا كسروية يتوارثها الأبناء عن الآباء، ولو كان كذلك كنت القائم بها بعد أبي، فو الله ما أدخلنى مع الستة من أصحاب الشورى إلا على أن الخلافة ليست شرطا مشروطا، وإنما هي في قريش خاصة، لمن كان لها أهلا ممن ارتضاه المسلمون لأنفسهم ممن كان أتقى وأرضى، فإن كنت تريد الفتيان من قريش فلعمري إن يزيد من فتيانها، واعلم انه لا يغني عنك من الله شيئا).
لقد شجب ابن عمر بيعة يزيد ولكنه لم يلبث أن سمع وأطاع وبايع له لأن معاوية قد أرشاه بمائة ألف دينار(٦١٠) وبذلك فقد باع عليه ضميره ودينه.
ومهما يكن من شيء فان معاوية قد ثقل عليه كلام هؤلاء النفر فلقد جابهوه بعدم صلاحية ابنه للخلافة، وانهم أولى بها منه، وانبرى إليهم مجيبا:
(قد قلت وقلتم، وإنه قد ذهبت الآباء وبقيت الأبناء، فابني أحب إلي من أبنائهم، مع ان ابني إن قاولتموه وجد مقالا، وإنما كان هذا الأمر لبني عبد مناف لأنهم أهل رسول الله (ص) فلما مضى رسول الله ولىّ الناس أبا بكر وعمر من غير معدن الملك والخلافة، غير أنهما سارا بسيرة جميلة ثم رجع الملك الى بني عبد مناف فلا يزال فيهم الى يوم القيامة وقد أخرجك الله يا ابن الزبير وأنت يا ابن عمر منها، فأما ابنا عمي هذان فليسا بخارجين من الرأي إن شاء الله).
وعلى أي حال فقد فشل معاوية فى مهمته ونزح عن يثرب وولى الى عاصمته، وأعرض عن ذكر بيعة يزيد(٦١١) فلقد عرف انها لا تتم ما دام الحسن حيا، فأخذ يطيل التفكير في كيفية اغتيال الإمام حتى يتم له الأمر وقد توصل الى ما أراد، فاغتاله بالسم كما سنبينه عند نهاية المطاف من هذا الكتاب.
لقد اتخذ معاوية بعد اغتياله للإمام جميع التدابير، واعتمد على جميع الوسائل فى ارغام المسلمين على بيعة يزيد، وفرضه حاكما عليهم، وقد راسل الوجوه من أبناء المهاجرين والأنصار يدعوهم الى ذلك، وذكر المؤرخون نصوص رسائله مع أجوبتهم له، وقد كتب الى الإمام الحسين عليه السلام ما نصه:
(أما بعد: فقد انتهت إلي منك امور، لم أكن أظنك بها رغبة عنها، وإن أحق الناس بالوفاء لمن أعطى بيعة من كان مثلك، في خطرك وشرفك، ومنزلتك التي أنزلك الله بها، فلا تنازع الى قطيعتك، واتق الله، ولا تردن هذه الأمّة في فتنة، وانظر لنفسك ودينك وأمّة محمد، ولا يستخفنك الذين لا يوقنون..)
وأجابه أبو الشهداء (ع) فذكر له الاحداث الجسام التي ارتكبها وعرض عليه ما مني به المسلمون من الظلم والجور فى دوره، وقد استشهدنا ببعض فصوله للاستدلال به على شجب الإمام الحسين (ع) لموبقات معاوية وقد جاء فى آخر جوابه ما لفظه:
(وقلت فيما قلت: لا ترد هذه الأمّة في فتنة. وإني لا أعلم فتنة لها أعظم من امارتك عليها.
وقلت فيما قلت: انظر لنفسك ولدينك، ولأمّة محمد، وإني والله ما أعرف أفضل من جهادك، فإن أفعل فإنه قربة الى ربي، وإن لم أفعل فأستغفر الله لذنبي وأسأله التوفيق لما يحب ويرضى.
وقلت فيما قلت: متى تكدني أكدك، فكدني يا معاوية فيما بدا لك فلعمري لقديما يكاد الصالحون، وإني لأرجو أن لا تضر إلا نفسك، ولا تمحق إلا عملك، فكدني ما بدا لك.
واتق الله يا معاوية، واعلم أن لله كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها! واعلم أن الله ليس بناس لك، قتلك بالظنة، وأخذك بالتهمة وامارتك صبيا يشرب الخمر، ويلعب بالكلاب!! ما أراك إلا وقد أوبقت نفسك، وأهلكت دينك، وأضعت الرعية والسلام.)(٦١٢)
ولم يجد مع ابن هند النصح، ولا التحذير من عقوبة الله، فقد راح يعمل بوحي من جاهليته الى ضرب الإسلام، والى ارغام المسلمين على مبايعة يزيد المستحل لجميع ما حرم الله.
سفره الثاني الى يثرب:
ولما رأى معاوية أن خيار الصحابة، وأبناء المهاجرين والأنصار لم يستجيبوا لدعوته، وأصروا على رفض بيعة يزيد سافر مرة أخرى الى يثرب، وقد أحاط نفسه بالقوى العسكرية ليرغم الجبهة المعارضة على الاستجابة له، وفي اليوم الثاني من قدومه أرسل الى الإمام الحسين، والى عبد الله بن عباس، وسبق ابن عباس فأجلسه معاوية عن يساره وشاغله بالحديث حتى أقبل الحسين (ع) فأجلسه عن يمينه وسأله عن بني الحسن وعن أسنانهم فاخبره بذلك، وخطب معاوية خطبة أشاد فيها بيزيد، وذكر علمه بالقرآن والسنة، وحسن سياسته، ثم دعاهم الى بيعته والى الاستجابة لقوله.
خطبة الامام الحسين:
وقام أبي الضيم بعد خطاب معاوية فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (أما بعد: يا معاوية، فلن يؤدي القائل وإن أطنب في صفة الرسول (ص) من جميع جزءا، وقد فهمت ما لبست به الخلف بعد رسول الله (ص) من ايجاز الصفة، والتنكب عن استبلاغ النعت، وهيهات هيهات يا معاوية، فضح الصبح فحمة الدجى، وبهرت الشمس أنوار السرج، ولقد فضلت حتى أفرطت، واستأثرت حتى أجحفت، ومنعت حتى بخلت، وجرت حتى جاوزت، ما بذلت لذي حق من اسم حقه من نصيب، حتى أخذ الشيطان حظه الأوفر، ونصيبه الأكمل.
وفهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله وسياسته لأمّة محمد، تريد أن توهم الناس في يزيد، كأنك تصف محجوبا، أو تنعت غائبا، أو تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص، وقد دل يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ به من استقرائه الكلاب المهارشة عند التحارش والحمام السبّق لأترابهن، والقيان ذوات المعازف، وضروب الملاهي تجده ناصرا.
ودع عنك ما تحاول!! فما أغناك أن تلقي الله بوزر هذا الخلق بأكثر مما أنت لاقيه، فو الله ما برحت تقدح باطلا في جور، وحنقا في ظلم، حنى ملأت الأسقية، وما بينك وبين الموت إلا غمضة، فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود، ولات حين مناص، ورأيتك عرضت بنا بعد هذا الأمر، ومنعتنا عن آبائنا تراثا، ولقد لعمر الله أورثنا الرسول (ص) ولادة، وجئت لنا بها ما حججتم به القائم عند موت الرسول فاذعن للحجة بذلك، ورده الإيمان الى النصف، فركبتم الأعاليل، وفعلتم الأفاعيل وقلتم كان ويكون حتى أتاك الأمر يا معاوية من طريق كان قصدها لغيرك فهناك فاعتبروا يا اولي الأبصار.
وذكرت قيادة الرجل القوم بعهد رسول الله (ص) وتأميره له، وقد كان ذلك، ولعمرو بن العاص يومئذ فضيلة بصحبة الرسول وبيعته له، وما صار لعمر الله يومئذ مبعثهم حتى أنف القوم إمرته، وكرهوا تقديمه، وعدوا عليه أفعاله، فقال (ص): لا جرم معشر المهاجرين لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري، فكيف تحتج بالمنسوخ من فعل الرسول فى أوكد الأحكام، وأولاها بالمجتمع عليه من الصواب؟ أم كيف صاحبت بصاحب تابعا، وحولك من لا يؤمن في صحبته، ولا يعتمد فى دينه وقرابته وتتخطاهم الى مسرف مفتون، تريد أن تلبس الناس شبهة يسعد بها الباقي فى دنياه، وتشقى بها في آخرتك، إن هذا لهو الخسران المبين، واستغفر الله لي ولكم.)
وذهل معاوية فنظر الى ابن عباس فقال له:
(ما هذا يا ابن عباس؟؟)
(لعمر الله إنها لذرية الرسول، وأحد أصحاب الكساء، ومن البيت المطهر، قاله عما تريد، فإن لك في الناس مقنعا حتى يحكم الله بأمره وهو خير الحاكمين)(٦١٣).
وانصرف الإمام (ع) وترك الأسى يحر في نفس معاوية، واعتمد معاوية بعد ذلك على جميع وسائل العنف والإرهاب، فقد روى المؤرخون أنه لما كان في مكة أحضر الإمام الحسين، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن ابن أبي بكر، وابن عمر وقال لهم: إني أتقدم إليكم، إنه قد أعذر من أنذر، إني كنت أخطب فيكم، فيقوم إليّ القائم منكم فيكذبني على رءوس الناس، فأحمل ذلك وأصفح. وإني قائم بمقالة، فأقسم بالله لئن ردّ عليّ أحدكم كلمة فى مقامى هذا، لا ترجع إليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف الى رأسه، فلا يبقينّ رجل إلا على نفسه!
ودعا صاحب حرسه بحضورهم فقال له: أقم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين ومع كل واحد سيف، فان ذهب رجل يردّ عليّ كلمة بتصديق أو تكذيب فليضرباه بسيفيهما؟!
وخرج وخرجت الجماعة معه فنزى على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
(إن هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم، لا يبتز أمر دونهم، ولا يقضى إلا عن مشورتهم، وانهم قد رضوا وبايعوا يزيد، فبايعوا على اسم الله)(٦١٤).
وبهذه الوسائل الرهيبة، والكذب السافر حمل معاوية المسلمين على بيعة يزيد وقد انتهك بذلك الحرمات، والقى المسلمين فى الفتن والبلاء.
عائشة وبيعة يزيد:
ولم تعارض عائشة هذه البيعة المشومة، ولم تعمل أي عمل إيجابي ضد هذه الكارثة الكبرى التي روع بها المسلمون، وانتهكت بها حرمة الإسلام، فقد كانت تدلي بالرأي لمعاوية في حمل المعارضين على الطاعة فقد أوصته بالرفق بهم، واللين معهم ليستجيبوا له قائلة:
(وارفق بهم ـ أي بالمعارضين ـ فإنهم يصيرون الى ما تحب إن شاء الله!!)(٦١٥) لقد وقفت عائشة هذا الموقف المؤسف من بيعة يزيد الماجن الخليع وهي من دون شك تعلم بفسقه، وبلعبه بالفهود والقرود، واستباحته لما حرم الله، إن الفكر ليقف حائرا أمام موقفها هذا، وموقفها من بيعة أمير المؤمنين (ع) الذي هو أخو النبي وأبو سبطيه، وباب مدينة علمه، فإنها لما أخبرت ببيعته انهارت أعصابها، وهتفت وهي حانقة مغيظة، وبصرها يشير الى السماء ثم ينخفض فيشير الى الأرض قائلة:
(والله ليت هذه انطبقت على هذه إن تمّ الأمر لابن أبي طالب!!)
وقفلت راجعة الى مكة تحفز الجماهير لحرب الإمام رائد العدالة الاجتماعية الكبرى في الأرض، فقادت الجيوش لمناجزته حتى أغرقت الأرض بالدماء، وأشاعت الثكل والحزن والحداد بين المسلمين للإطاحة بحكمه.
وعلى أي حال، فإن موقف عائشة من بيعة يزيد، وتأييد ابن عمر وسائر القوى النفعية لها قد أخلد للمسلمين الفتن والمصاعب وجرّ لهم الويلات والخطوب، فقد سارت الخلافة الإسلامية تنتقل بالوراثة الى الطلقاء وأبنائهم الذين لم يألوا جاهدا في الكيد للإسلام، وفى نشر البغي والفساد في الأرض.
أزواجه وعقبه
وتساءل السائلون عن كثرة أزواج الإمام الحسن (ع) وأرجف المرجفون فى ذلك، وقد بلغ الحقد وسوء الظن ببعض الجاهلين أن قالوا إنه إنما تزوج بهذه الكثرة اجابة لداعي الهوى واشباعا للشهوة، وما عرفوا أن الإمام بعيد كل البعد عن الانقياد لهذه الغرائز فهو سيد شباب أهل الجنة وممن نطق القرآن الكريم بعصمته وطهارته، وسنذكر نص كلام القائلين بذلك مشفوعا ببيان بطلانه وفساده، وحيث أن الموضوع قد حامت حوله الشكوك والظنون، وحفّت به التهم والطعون فلا بد من البحث عنه وبيان الواقع فيه ولو اجمالا، فنقول: قد ذهب بعض أهل العلم الى تصحيح ذلك والى عدم منافاته لسيرة الإمام وهديه، وذهب بعض آخر الى وضع ذلك وعدم صحته، ومن الخير أن نسوق أدلة الطرفين، أما المصححون فقد استدلوا عليه بما يلي:
١ ـ انه لا مانع بحسب الشريعة الإسلامية المقدسة من كثرة الزواج فقد ندب الإسلام إليه كثيرا، وقد اشتهرت كلمة المنقذ الأعظم في الحث على ذلك فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (تناكحوا تناسلوا حتى أباهي بكم الأمم يوم القيامة ولو بالقسط). وقال سفيان الثوري: (ليس فى النساء سرف). وقال الخليفة الثاني: (إني أتزوج المرأة ومالي فيها من أرب، وأطؤها ومالي فيها من شهوة)، فقيل له: (فلما ذا تتزوجها؟) فقال: (حتى يخرج مني من يكاثر به النبي (ص)) وتزوج المغيرة بن شعبة بألف امرأة(٦١٦)، وقد كان لأمير المؤمنين (ع) أربع نسوة، وتسعة عشر وليدة(٦١٧) هذا في الإسلام. وأما قبل الإسلام فقد كان لسليمان بن داود سبعمائة حرة وثلاثمائة سرية، وتزوج أبوه داود (ع) بمائة حرة وثلاثمائة سرية، فكثرة التزويج لا مانع منها بحسب الشرع الإسلامى وغيره، وعليه فأي حزازة على الإمام في ارتكابه لذلك؟
٢ ـ إنما تزوج بهذه الكثرة لتقوى شوكته، ويشتد أزره بالمصاهرة على الأمويين الذين بذلوا جميع جهودهم للقضاء على الهاشميين وتحطيم كيانهم ومحو ذكرهم.
٣ ـ إن أولياء النسوة كانوا يعرضون بناتهم على الإمام ويلحون عليه بالتزويج بهن لأجل التشرف به، والتقرب إليه، فهو حفيد النبي (ص) وسبطه الأكبر، وسيد شباب أهل الجنة، ومضافا الى ذلك انهم رأوا أن عائشة بنت أبي بكر كان أبوها من أواسط قريش شرفا وبسبب زواج النبي (ص) بابنته قد احتل مكانة مرموقة فى العالم الإسلامى، ولهذا الأمر كانوا يعرضون بناتهم على الإمام ويلحون عليه بالتزويج بهن ليحضوا بالعز والشرف بمصاهرة الإمام لهم، هذا ما استدل به المصححون للكثرة وأما النافون فقد استدلوا على ذلك بأمور:
١ ـ كراهة الطلاق شرعا.
لقد ثبت عند القائلين بالكثرة والملتزمين بها ان الإمام كان مطلاقا وانه كان يفارق من تزوجها بأقرب وقت، ومن المعلوم ان الطلاق من أبغض الأشياء في الإسلام، وقد تواترت الأخبار في كراهته وفي النهي عنه، فقد أثر عن النبي (ص) انه لما بلغه أن أبا أيوب يريد أن يطلق زوجه، قال (ص) إن طلاق أم أيوب لحوب ـ أى أثم ـ وقال أبو عبد الله الصادق (ع): إن الله يحب البيت الذي فيه العرس، ويبغض البيت الذي فيه الطلاق، وما من شيء أبغض الى الله عز وجل من الطلاق وقال أبو عبد الله (ع): ما من شيء مما أحله الله أبغض إليه من الطلاق وإن الله عز وجل يبغض المطلاق الذواق، وقال عليه السلام: تزوجوا، ولا تطلقوا، فإن الطلاق يهتز منه العرش(٦١٨) ومع هذه الكراهة الشديدة كيف يرتكبه الإمام ويبالغ فيه؟
٢ ـ منافاته لهدي الإمام.
وقد ثبت ان الإمام حليم المسلمين والمثل الأعلى للأخلاق الفاضلة، ومن المعلوم أن الطلاق ينافي الحلم إذ فيه كسر لقلب المرأة وإذلال لها وذلك لا يتفق مع ما عرف به الإمام من الحرص على ادخال السرور على الناس واجتناب المساءة، والأذى لكل انسان.
٣ ـ انشغاله عن ذلك.
لقد كان الإمام مشغولا عن أمثال هذه الأمور بعبادته واتجاهه نحو الله وعمله المستمر في حقل الإصلاح وقضاء حوائج الناس وجلب الخير لهم ودفع الشر والشقاء عنهم فلا تفكير له إلا بالأمور الإصلاحية، وليس عنده مزيد من الوقت ليقضيه فى ذلك.
هذا مجموع ما استدل به النافون، وإن كان بعضه لا يخلو من ضعف.
أما أنا فبحسب تتبعي عن أحوال الإمام أرى أن هذه الكثرة موضوعة وبعيدة عن الواقع كل البعد، وبيان ذلك لا يتم إلا بعرض الروايات، والبحث عن سندها الذي هو شرط فى قبول الرواية فنقول: قد اختلف رواة الأثر فى ذلك اختلافا كثيرا فقد روي أنهن:
١ ـ سبعون.
٢ ـ تسعون.
٣ ـ مائتان وخمسون.
٤ ـ ثلاثمائة.
وروي غير هذا إلا أنه من الشذوذ بمكان، والمهم البحث عن سند هذه الروايات فعليها يدور البحث نفيا واثباتا فنقول:
أما الرواية (الأولى): فقد ذكرها ابن أبي الحديد وغيره(٦١٩) وقد أخذوها عن علي بن عبد الله البصري الشهير بالمدائني المتوفى سنة (٢٢٥ هج) وهو من الضعفاء الذين لا يعول على أحاديثهم، فقد امتنع مسلم من الرواية عنه فى صحيحه(٦٢٠)، وضعفه ابن عدي فى الكامل فقال فيه: (ليس بالقوي الحديث، وهو صاحب الأخبار قل ماله من الروايات المسندة)(٦٢١) وقال له الأصمعي: والله لتتركن الإسلام وراء ظهرك(٦٢٢)، وكان من خلص أصحاب أبي اسحاق الموصلي، وقد رافقه من أجل أمواله وثرائه. فقد روى أحمد بن أبي خيثمة قال: كان أبي ويحيى بن معين، ومصعب الزبيري يجلسون على باب مصعب فمر رجل على حمار فاره، وبزة حسنة فسلم، وخص بسلامه يحيى فقال له: يا أبا الحسن الى أين؟ قال: الى دار هذا الكريم الذي يملأ كمي دنانير ودراهم اسحاق الموصلي، فلما ولى قال يحيى: ثقة، ثقة، ثقة فسألت أبي من هذا؟ فقال: هذا المدائني(٦٢٣) وكان يروي عن عوانة بن الحكم المتوفى سنة (١٥٨ هج) وهو عثماني وكان يضع الأخبار لبني أمية(٦٢٤)، ولذا كان المدائني يشيد بالأمويين ويبالغ فى تمجيدهم وبالإضافة لذلك، فقد كان مولى لسمرة بن حبيب الأموي(٦٢٥)، والموالي على الأكثر تنطبع في نفوسهم ميول مواليهم وسائر نزعاتهم، وقد تأثر المدائني بنفسية سمرة، فكان أموي النزعة ومن المنحرفين عن أهل البيت وبعد هذا فلا يبقى لنا أي وثوق برواياته واحاديثه.
وأما الرواية (الثانية): فقد اقتصر على روايتها الشبلنجي(٦٢٦) وقد رواها مرسلة فلا يصح التعويل عليها نظرا لارسالها.
وأما الرواية (الثالثة) و (الرابعة): فقد رواهما المجلسي(٦٢٧)، وابن شهر اشوب(٦٢٨)، وقد نص كل منهما انه قد أخذهما عن (قوت القلوب) لأبي طالب المكي المتوفى سنة (٣٨٠ هج)، وقد راجعنا هذا الكتاب فوجدناه قد ذكر ذلك، وهذا نص ما جاء فيه:
(وتزوج الحسن بن علي (ع) مائتين وخمسين، وقيل ثلاثمائة، وكان علي يضجر من ذلك ويكره حياء من أهلهن إذ طلقهن، وكان يقول: ان حسنا مطلق فلا تنكحوه، فقال له رجل من همدان: والله يا أمير المؤمنين لننكحنه ما شاء، فمن أحب أمسك، ومن كره فارق، فسرّ علي بذلك وأنشأ يقول:

ولو كنت بوابا على باب جنة * * * لقلت لهمدان ادخلوا بسلام

وهذا أحد ما كان الحسن يشبه فيه رسول الله (ص) وكان يشبهه فى الخلق والخلق، فقد قال رسول الله (ص): اشبهت خلقي وخلقي وقال: حسن مني وحسين من علي، وكان الحسن ربما عقد له على أربعة وربما طلق أربعة)(٦٢٩).
وأبو طالب المكي لا يعول على مؤلفه، فقد ورد في ترجمته انه لما ألف (قوت القلوب)، كان طعامه عروق البردي حتى اخضر جلده من كثرة تناولها، وكان مصابا (بالهستيريا)، قدم بغداد واعظا فاحتف به البغداديون فرأوا في حديثه هذيانا وخروجا عن موازين الاستقامة فتركوه ونبذوه، ومن هجره وشذوذ قوله: (ليس على المخلوقين أضر من الخالق) وكان يبيح سماع الغناء فدعا عليه عبد الصمد بن علي ودخل عليه معاتبا فقال له أبو طالب:

فيا ليل كم فيك من متعة * * * ويا صبح ليتك لم تقرب

فخرج منه عبد الصمد وهو ساخط عليه، ومن شذوذه انه لما حضرته الوفاة دخل عليه بعض أصدقائه فقال له أبو طالب: (إن ختم لي بخير فانثر على جنازتي لوزا وسكرا)، فقال له صديقه: وما علامة الغفران لك؟ قال: إن قبضت على يدك. فلما حان موته قبض على يد صاحبه قبضا شديدا، فامتثل زميله ذلك فنثر على جنازته لوزا وسكرا(٦٣٠)، ونص المترجمون له أيضا أنه ذكر في كتابه أحاديث لا أصل لها.
ومع هذا فكيف يعول على رواياته ويؤخذ بها، ومن أخذ عنه فهو غير عالم بحاله، وعلى كل فالرقم القياسي لكثرة أزواج الإمام مستندة إليه ومأخوذة عنه، ونظرا لما هو فيه من الشذوذ والانحراف فلا يمكن التعويل على ما ذكره.
ومهما يكن من شيء فليس عندنا دليل مثبت لكثرة أزواج الإمام سوى هذه الروايات، وهي لا تصلح للاعتماد عليها نظرا للشبه والطعون التي حامت حولها، ويؤيد افتعال تلكم الكثرة امور:
١ ـ انها لو صحت لكان للإمام من الأولاد جمع غفير يتناسب معها والحال أن النسابين والرواة لم يذكروا للإمام ذرية كثيرة فان الرقم القياسي الذي ذكر لها اثنان وعشرون ولدا ما بين ذكر وانثى وهذا لا يلتئم كليا مع تلك الكثرة ولا يلتقي معها بصلة.
٢ ـ ومما يزيد وضوحا في افتعال تلكم الروايات هي المناظرات التي جرت بين الإمام الحسن (ع) وبين خصومه فى دمشق وغيره، وقد أجهدوا نفوسهم، وانفقوا كثيرا من الوقت للتفتيش عما يشين الامام ليتخذوه وسيلة الى التطاول عليه، والنيل منه، فلم يجدوا لذلك سبيلا، كما تقدم بيانه عند عرض مناظراته، ولو كان الامام (ع) كثير الزواج والطلاق ـ كما يقولون ـ لقالوا له: أنت لا تصلح للخلافة لأنك مشغول بالنساء، ولطبلوا بذلك، واتخذوه وسيلة للتشهير به، وجابهوه به عند اجتماعهم به فسكوتهم عنه وعدم ذكرهم له مما يدل على عدم واقعيته وصحته.
٣ ـ ومما يؤيد عدم صحة تلك الروايات أن أبا جعفر محمد بن حبيب المتوفى سنة (٢٤٥ هج) قد ذكر فى كتابه (المحبر) ثلاثة أصهار للإمام، وهم: الامام علي بن الحسين (ع) وعنده أم عبد الله، وعبد الله بن الزبير وعنده أم الحسن، وعمرو بن المنذر وعنده أم سلمة(٦٣١) ولم يزد على ذلك ولو كان الامام (ع) كثير الأزواج لكان له من الأصهار ما يتناسب مع تلك الكثرة، ومضافا لذلك فان أبا جعفر من المعنيين بأمثال هذه البحوث فقد ذكر في (المحبر) كثيرا من نوادر الأزواج، ولو كان للإمام تلك الكثرة من الأزواج لألمع لها في محبره.
٤ ـ ومما يدل على وضع ذلك وعدم صحته ما روي أن الامام أمير المؤمنين (ع) كان يصعد المنبر فيقول: (لا تزوجوا الحسن فانه مطلاق) كما روى ذلك أبو طالب وغيره، إن نهي أمير المؤمنين الناس عن تزويج ولده على المنبر لا يخلو إما أن يكون قد نهى (ع) ولده عن ذلك فلم يستجب له حتى اضطر (ع) الى الجهر به والى نهي الناس عن تزويجه، وإما أن يكون ذلك النهي ابتداء من دون أن يعرف ولده الامام الحسن (ع) مبغوضية ذلك وكراهته لأبيه وكلا الأمرين بعيدان كل البعد
أما (الأول) فهو بعيد لأن الامام الحسن من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وممن باهل بهم النبي (ص) ومن المستحيل أن يخالف أباه ويعصي أمره.
وأما (الثاني) فبعيد أيضا لأن الاولى بالامام أمير المؤمنين أن يعرف ولده بمبعوضية ذلك وكراهته له ولا يعلن ذلك على المنبر أمام الجماهير الحاشدة الأمر الذي لا يخلو من حزازة على ولده ووصيه وشريكه فى آية التطهير، ومضافا الى ذلك أن الأمر إما أن يكون سائغا شرعا أو ليس بسائغ فان كان سائغا فما معنى نهى الامام (ع) عنه، وإن لم يكن سائغا فكيف يرتكبه الحسن؟ إنا لا نشك في افتعال هذا الحديث ووضعه من خصوم الامام ليشوهوا بذلك سيرته العاطرة التي تحكي سيرة جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيرة أبيه أمير المؤمنين (ع).
٥ ـ ومما يؤيد افتعال تلك الكثرة لأزواجه ما روي أن الامام الحسن عليه السلام لما وافاه الأجل المحتوم خرجت جمهرة من النسوة حافيات حاسرات خلف جنازته، وهن يقلن نحن أزواج الامام الحسن(٦٣٢). ان افتعال ذلك صريح واضح، فانا لا نتصور ما يبرر خروج تلك الكوكبة من النسوة حافيات حاسرات، وهن يهتفن أمام الجماهير بأنهن زوجات الامام، فان كان الموجب لخروجهن إظهار الأسى والحزن، فما الموجب لهذا التعريف والسير فى الموكب المزدحم بالرجال مع أنهن قد أمرن بالتستر وعدم الخروج من بيوتهن، إن هذا الحديث وأمثاله قد وضعه خصوم العلويين من الأمويين والعباسيين، والغرض منه الحط من قيمة الامام، وتقليل أهميته.
ومن الأخبار الموضوعة التي تشابه تلك الأخبار ما رواه محمد بن سيرين ان الامام الحسن (ع) تزوج بامرأة فبعث لها صداقا مائة جارية مع كل جارية الف درهم(٦٣٣) إنا نستبعد أن يعطي الامام هذه الأموال الضخمة مهرا لاحدى زوجاته فان ذلك لون من ألوان الاسراف والتبذير، وهو منهى عنه في الاسلام، فقد أمر بالاقتصار، على مهر السنة، وكره تجاوزه، فقد أثر عن النبي (ص) أنه قال: (أفضل نساء أمتي أقلهن مهرا)، وتزوج (ص) نساءه بمهر السنة، وكذلك تزوج أمير المؤمنين به ولم يتجاوزه، وسبب ذلك تسهيل أمر الزواج لئلا يكون فيه ارهاق وعسر على الناس، ومن المقطوع به ان الامام الحسن (ع) لا يجافى سنة جده ولا يسلك أي مسلك يتنافى مع شريعته. إن هذا الحديث وأمثاله من الموضوعات فى المقام تؤيد وضع كثرة الأزواج، وتزيد فى الافتعال وضوحا وجلاء.
وعلى أي حال، فليس هناك دليل يثبت كثرة أزواج الإمام سوى تلكم الروايات، ونظرا لما ورد عليها من الطعون فلا تصلح دليلا للإثبات.
فرية المنصور:
وأكبر الظن أن أبا جعفر المنصور هو أول من افتعل ذلك، وعنه أخذ المؤرخون، وسبب ذلك هو ما قام به الحسنيون من الثورات التي كادت أن تطيح بسلطانه، وعلى أثرها القى القبض على عبد الله بن الحسن وخطب على الخراسانيين في الهاشمية خطابا شحنه بالسبّ والشتم لأمير المؤمنين ولأولاده، وافتعل فيه على الحسن ذلك، وهذا نص خطابه:
(إن ولد آل أبي طالب تركناهم والذي لا إله إلا هو والخلافة، فلم نعرض لهم لا بقليل ولا بكثير، فقام فيها علي بن أبي طالب (ع)، فما أفلح وحكم الحاكمين، فاختلفت عليه الأمة، وافترقت الكلمة، ثم وثب عليه شيعته وأنصاره وثقاته، فقتلوه، ثم قام بعده الحسن بن علي فو الله ما كان برجل عرضت عليه الأموال فقبلها، ودسّ إليه معاوية أني أجعلك ولي عهدي، فخلعه، وانسلخ له مما كان فيه وسلمه إليه، وأقبل على النساء يتزوج اليوم واحدة، ويطلق غدا أخرى، فلم يزل كذلك حتى مات على فراشه)(٦٣٤)..
وحفل خطابه بالمغالطات والأكاذيب فقد جاء فيه:
١ ـ إن الإمام أمير المؤمنين (ع) قد حكم الحاكمين، وهو افتراء محض، فان الذي حكم الحاكمين إنما هم المتمردون من جيش الإمام، فقد أصرّوا على ذلك، وأرغموه على قبوله، فاضطر (ع) الى اجابتهم كما بيّنا ذلك في الحلقة الأولى من هذا الكتاب.
٢ ـ وجاء في خطابه ان الإمام قد وثبت عليه شيعته وأنصاره وثقاته فقتلوه، وقد جافى بذلك الواقع، فان الذي قتله إنما هم الخوارج، وهم ليسوا من شيعته، ولا من أنصاره، وإنما كانوا من ألدّ أعدائه وخصومه.
٣ ـ وذكر ان الإمام الحسن (ع) أقبل على النساء يتزوج اليوم واحدة، ويطلق غدا أخرى، وهو بعيد كل البعد ولم يفه به أحد سواه.
وإنما عمد الى تلفيق هذه الأكاذيب لأجل تدعيم ملكه وسلطانه، وقهر الحسنيين والحط من شأنهم، لأنه قد بايع محمدا ذا النفس الزكية مرتين، ولم يكن له أي أمل بالخلافة كما لم يكن له أي شأن في المجتمع فقد كان فقيرا بائسا يجوب في القرى والأرياف وهو يمدح العترة الطاهرة فيتصدق عليه المسلمون، وليس له ولأسرته أي خدمة للمجتمع حتى يستحق هذا المنصب الخطير.
ومن مفتريات هذا الطاغية السفاك على سبط الرسول (ص) وريحانته ما جاء في كتابه الى ذي النفس الزكية، وهذا نصه:
(وأفضى أمر جدك ـ يعني أمير المؤمنين (ع) ـ الى الحسن فباعها الى معاوية بخرق ودراهم، ولحق بالحجاز، وأسلم شيعته بيد معاوية، ودفع الأمر الى غير أهله، وأخذ مالا من غير ولائه، ولا حله، فان كان لكم فيها شيء فقد بعتموه، وأخذتم ثمنه.)(٦٣٥)
لقد عمد المنصور الى هذا التهريج، والى هذه المغالطات ليبرر تقمصه للخلافة فقد أخذها بغير حق لأن الثورة التي أطاحت بالحكم الأموي كانت من أجل العلويين، ولارجاع حقهم الغصيب، وليس للعباسيين فيها أي نصيب.
مخاريق لامنس:
وطالما تحدى لامنس كرامة الإسلام، فألصق به التهم، وطعن برجاله وحماته، وقد ذكرنا في أسباب الصلح شطرا من مفترياته على الإمام، وقد كتب في بحثه عن أزواج الإمام ما نصه:
(ولما تجاوز ـ يعنى الإمام الحسن (ع) ـ الشباب، وقد انفق خير سني شبابه في الزواج والطلاق فاحصي له حوالي المائة زوجة، والصقت به هذه الأخلاق السائبة لقب المطلاق، وأوقعت عليا في خصومات عنيفة وأثبت الحسن كذلك أنه مبذر كثير السرف، وقد خصص لكل من زوجاته مسكنا ذا خدم وحشم، وهكذا نرى كيف يبعثر المال أيام خلافة علي التي اشتد عليها الفقر..)(٦٣٦)
لقد اعتمد لامنس في قوله: إن الإمام كان كثير الزواج والطلاق على أقوال المدائني وأمثاله من المؤرخين الذين تابعوا السلطة الحاكمة فكتبوا لها لا للتاريخ، وقد استقى المستشرقون الذين كادوا للإسلام في بحوثهم من منهل المؤرخين الذين ساندوا تلك الدول الجائرة التي ناهضت أهل البيت، وعملت على تشويه واقعهم والحط من كرامتهم، وقد زاد عليهم (لامنس) فذكر من المخاريق والأكاذيب بما لم يقل به أحد غيره فقد قال:
١ ـ إنه القى أباه بسبب كثرة زواجه وطلاقه في خصومات عنيفة، ولم يشر أحد ممن ترجم الإمام الى تلك الخصومات العنيفة التي زعمها لامنس.
٢ ـ وذكر ان الإمام خصص لكل من زوجاته مسكنا ذا خدم وحشم، إن جميع المؤرخين لم ينقلوا ذلك، وهو من الكذب السافر والافتراء المحض.
إن لجان التبشير المسيحي التي حاربت الإسلام وبغت عليه هي التي تدفع هذه الأقلام المأجورة وتزج بها للنيل من الإسلام، والى تشويه واقعه والحط من قيم رجاله واعلامه الذين أناروا الطريق للركب الإنساني، ورفعوا منار الحضارة في العالم.
الى هنا ينتهي بنا الحديث عن كثرة أزواج الإمام مع ما حف بها من الطعون والشكوك، وقد بقي علينا أن نشير الى أسماء أزواجه اللاتي ذكرهن المؤرخون مع بيان ما عثرنا عليه من تراجمهن وإليك ذلك:
١ ـ خولة الفزارية:
وخولة بنت منظور الفزارية من سيدات النساء في وفور عقلها وكمالها تزوج بها الإمام، وفي ليلة اقترانه بها بات معها على سطح الدار فشدت خمارها برجله، وشدت الطرف الآخر بخلخالها فلما استيقظ وجد ذلك فسألها عنه فقالت له معربة عن اخلاصها وحرصها على حياته:
(خشيت أن تقوم من وسن النوم فتسقط فأكون أشأم سخلة على العرب).
فلما رأى ذلك منها أحبها وأقام عندها سبعة أيام(٦٣٧) وقد بقيت عنده حولا لم تتزين ولم تكتحل حتى رزقت منه السيد الجليل (الحسن) فتزينت حينئذ، فدخل عليها الامام فرآها متزينة فقال لها: (ما هذا؟) فقالت له: (خفت أن أتزين وأتصنع فتقول النساء تجملت فلم تر عنده شيئا، فأما وقد رزقت ولدا فلا أبالي)، وبقيت عنده إلى أن توفي (ع) فجزعت عليه جزعا شديدا فقال لها أبوها مسليا:

نبئت خولة أمس قد جزعت * * * من أن تنوب نوائب الدهر
لا تجزعي يا خول واصطبري * * * إن الكرام بنوا على الصبر(٦٣٨)

وذكرت السيدة زينب بنت علي العاملية في ترجمة خولة ما حاصله انها لما بلغت مبالغ النساء خطبها جملة من وجهاء قريش وأشرافهم فأمتنع أبوها من إجابتهم لأنهم ليسوا بأكفاء لها، ثم انه طلق امها مليكة بنت خارجة فتزوجها من بعده طلحة بن عبيد الله، وتزوج ابنه محمد بخولة فأولدت له ابراهيم وداود وأم القاسم، وقتل زوجها محمد في واقعة الجمل فخطبها جماعة من الناس فجعلت أمرها بيد الحسن (ع) فتزوجها، ولما نزح الإمام الى يثرب حملها معه، فبلغ أباها ذلك، فأقبل الى مسجد رسول الله (ص) وبيده راية فركزها في المسجد فلم يبق قيسي إلا وانضم تحتها، وهو يهتف بقومه ويستنجد بهم على أخذ بنته من الامام، فلما بلغه (ع) ذلك خلى سراحها فأخذها وخرج فجعلت خولة تتوسل به على ارجاعها وتندد بعمله وتذكر له فضل الامام، فندم على فعله وقال لها: البثي هاهنا فان كان للرجل بك من حاجة سيلحق بك، فلحقه الامام مع أخيه الحسين، وعبد الله بن عباس، فلما انتهوا إليه قابلهم بحفاوة وتكريم وأرجعها الى الامام، وفي ذلك يقول جبير العبسي:

إن الندى في بني ذبيان قد علموا * * * والجود في آل منظور بن سيار
والماطرين بأيديهم ندى ديما * * * وكل غيث من الوسمى مدرار
تزور جارتهم وهنا قواضبهم * * * وما فتاهم لها سرا بزوار
ترضى قريش بهم صهرا لأنفسهم * * * وهم رضا لبني أخت وأصهار

ثم انها بقيت عند الإمام حتى أسنت، ولما مات الإمام لم تتزوج من بعده. وقيل انها تزوجت بعبد الله بن الزبير ودخلت عليها النوار زوج الفرزدق مستشفعة بزوجها فأجابتها الى ذلك، فكلمات عبد الله به فأجابها الى ذلك وفي هذا يقول الفرزدق:

أما بنوه فلم تقبل شفاعتهم * * * وشفعت بنت منظور بن زبانا
ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرا * * * مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا(٦٣٩)

وعندي ان هذه القصة ضرب من الخيال ولا نصيب لها من الواقع وذلك لأن زواج الإمام بها من دون مراجعة أبيها أمر لا يتناسب مع كرامة الإمام ومحال أن يقدم عليه من دون مراجعته وأخذ رأيه فى ذلك، ومضافا لهذا فانه من المستبعد عدم علم أبيها بقتل زوجها الأول في تلك المدة الطويلة من الزمن حتى تزوج بها الإمام، ويبعده أيضا نزوحه الى يثرب واستنجاده بأسرته ليأخذ ابنته من الامام، وقد كان يتطلب مصاهرة الأشراف، ومناسبة العظماء، فردّ جماعة من الأشراف الذين خطبوا ابنته لأنهم ليسوا أكفاء لها، وبعد هذا فكيف لا يرضى بمصاهرة الامام له وهو من ألمع الشخصيات في العالم الاسلامى، إنا لا نشك في افتعال ذلك وعدم صحته.
٢ ـ جعدة بنت الأشعث:
واختلف المؤرخون في اسمها، فقيل سكينة، وقيل شعثاء، وقيل عائشة، والأصح انها جعدة حسب ما ذكره أكثر المؤرخين(٦٤٠)، وسبب زواج الامام بها أن أمير المؤمنين خطب من سعيد بن قيس الهمداني ابنته أم عران لولده الحسن فقال له سعيد: أمهلني يا أمير المؤمنين حتى أستشير ثم خرج من عنده فلقيه الأشعث فسأله عن مجيئه فأخبره بالأمر فقال له هذا المنافق مخادعا:
(كيف تزوج الحسن وهو يفتخر عليها ولا ينصفها ويسيء إليها؟! فيقول لها: أنا ابن رسول الله، وابن أمير المؤمنين، وليس لها هذا الفضل ولكن هل لك فى ابن عمها فهي له وهو لها).
ـ ومن ذلك؟
ـ محمد بن الأشعث.
فانخدع هذا الغبي من مقالته وقال: (قد زوجته من ابنتي).
وأخذ الأشعث يشتد نحو أمير المؤمنين، فقال له:
(خطبت الى الحسن ابنة سعيد؟)
ـ نعم.
ـ فهل لك فى أشرف منها بيتا، وأكرم منها حسبا، وأتم منها جمالا وأكثر مالا؟
ـ ومن هي؟
ـ جعدة بنت الأشعث بن قيس.
ـ قد قاولنا رجلا ـ يعني سعيدا الهمداني ـ.
ـ ليس الى ذلك الذي قاولته من سبيل.
ـ إنه فارقني ليستشير أمها.
ـ قد زوجها من محمد بن الأشعث.
ـ متى؟!!
ـ قبل أن آتيك.
فوافق أمير المؤمنين، ولما فهم سعيد باغراء الأشعث ومخادعته له أقبل نحوه يشتد فقال له: (يا أعور خدعتني!!)
ـ أنت أعور خبيث، حيث تستشير في ابن رسول الله ألست الأحمق؟!
وأقبل الأشعث الى الامام فقال له: (يا أبا محمد ألا تزور أهلك) مستعجلا فى الأمر خوفا من فواته، ثم إنه فرش أبسطة من باب بيته الى بيت الامام وزف ابنته إليه(٦٤١) بهذه الصورة كان زواج الامام بجعدة.
٣ ـ عائشة الخثعمية:
ومن جملة أزواج الامام عائشة الخثعمية تزوجها في حياة أمير المؤمنين ولما قتل (ع) أقبلت الى الامام الحسن فأظهرت الشماتة بوفاة أبيه فقالت له:
(لتهنك الخلافة). ولما علم عليه السلام شماتتها قال لها:
(ألقتل علي تظهرين الشماتة؟ اذهبي فأنت طالق).
فتلفعت بثيابها وقعدت حتى انقضت عدتها فبعث لها بقية صداقها وعشرة آلاف درهم صدقة لتستعين بها على أمورها، فلما وصلت إليها قالت: (متاع قليل من حبيب مفارق)(٦٤٢)، ولم يذكر التاريخ ان الإمام طلق زوجه سوى هذه وأم كلثوم وامرأة من بني شيبان، فأين كثرة الزواج والطلاق التي طبل بها بعض المؤرخين؟
وأما بقية أزواجه اللاتي لم نعثر على تراجمهن فهن:
٤ ـ أم كلثوم بنت الفضل بن العباس، تزوجها (ع) ثم فارقها فتزوجها من بعده أبو موسى الأشعري(٦٤٣).
٥ ـ أم اسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التميمي، أولدت منه ولدا أسماه طلحة.
٦ ـ أم بشير بنت أبي مسعود الأنصاري، أولدت منه ولدا أسماه زيدا
٧ ـ هند بنت عبد الرحمن بن أبي بكر.
٨ ـ امرأة من بنات عمرو بن أهيم المنقري.
٩ ـ امرأة من ثقيف، أولدت له ولدا أسماه عمرا.
١٠ ـ امرأة من بنات زرارة.
١١ ـ امرأة من بني شيبان من آل همام بن مرة
، فقيل له إنها ترى رأي الخوارج فطلقها وقال: (إنى أكره أن أضم الى نحري جمرة من جمر جهنم)(٦٤٤).
١٢ ـ أم عبد الله
، وهي بنت الشليل بن عبد الله أخو جرير البجلي.
١٣ ـ أم القاسم، وهي أم ولد، وقيل اسمها نفيلة، وقيل رملة.
فمجموع ما تزوجه الامام من النساء هذا العدد المذكور لم يتجاوزه بقليل، وهو كما ترى لا يمت الى الكثرة المزعومة بصلة، الى هنا ينتهي بنا الحديث عن أزواج الامام
وقد بقي علينا الاشارة الى عدد أولاده ذكورا وأناثا، وقد اختلف المؤرخون في ذلك اختلافا كثيرا فقد روي أنهم:
١ ـ اثنا عشر، ثمانية ذكورا وأربع اناث(٦٤٥).
٢ ـ خمسة عشر، الذكور احدى عشر، والاناث أربع(٦٤٦).
٣ ـ ستة عشر، الذكور احدى عشر، والاناث خمس(٦٤٧).
٤ ـ تسعة عشر، الذكور ثلاثة عشر، والبنات ست(٦٤٨).
٥ ـ عشرون، ستة عشر ذكرا، وأربع بنات(٦٤٩).
٦ ـ اثنان وعشرون، الذكور أربعة عشر، والاناث ثمان(٦٥٠).
وقيل غير ذلك، وقد اتفق المؤرخون أنه لم يعقب أحد من أولاده سوى الحسن وزيد، اما أعلام أولاده فهم:
١ ـ القاسم:
وفي طليعة أولاد الامام الحسن القاسم، وقد استشهد مع عمه سيد الشهداء في واقعة كربلا الخالدة في دنيا الأحزان، وكان حينذاك فى ريعان الشباب وغضارة العمر، وكالقمر فى جماله، وبهائه، ونضارته، برز يوم الطف حينما رأى ريحانة النبي (ص) وحيدا، قد أبيدت الصفوة من أهل بيته، وعلا الصراخ والعويل من ثقل النبوة، فلم يتمكن أن يرى ذلك، فانبرى الى عمه يقبل يديه ورجليه يطلب منه الاذن للدفاع عنه، فأذن له، أما كيفية شهادته فتذوب لها النفس لهولها أسى وحسرات، وقد ذكرها المؤرخون وأرباب المقاتل والسير بالتفصيل.
٢ ـ أبو بكر:
واسمه عبد الله، أمه أم ولد(٦٥١) يقال لها رملة(٦٥٢) برز يوم الطف يحامى عن دين الله، ويذب عن ريحانة رسول الله (ص)، فاستشهد فى تلك الواقعة التي وتر فيها رسول الله (ص).
٣ ـ عبد الله:
استشهد مع عمه سيد الشهداء في كارثة كربلا، وله من العمر احدى عشر سنة، نظر الى عمه الحسين وقد أحاطت به جيوش الأمويين، فأقبل يشتد للدفاع عنه، وأهوى أبحر بن كعب بالسيف ليضرب الإمام الحسين فصاح به الغلام، ويلك يا ابن الخبيثة أتضرب عمي؟ واتقى الغلام الضربة بيده فأطنها الى الجلد فاذا هي معلقة، فاستنجد الغلام بعمه، فانبرى إليه الإمام فضمه إليه(٦٥٣)، وبينما هو في حجره إذ رماه حرملة بن كاهل بسهم فذبحه(٦٥٤) وليس في تأريخ الإنسانية قديما ولا حديثا مثل أولئك الفتية من آل النبي (ص) فى نخوتهم ونبلهم وبطولتهم.
٤ ـ زيد:
وزيد أمّه خزرجية كان جليل القدر، كريم الطبع، كثير البر والاحسان، قصده الناس من جميع الآفاق لطلب بره ومعروفه، وكان يلي صدقات رسول الله (ص) فلما ولي سليمان بن عبد الملك عزله عنها، ولما هلك واستخلف عمر بن عبد العزيز أرجعها إليه، وقد مدحه محمد بن بشير الخارجي بقوله:

إذا نزل ابن المصطفى بطن تلعة * * * نفى جدبها واخضرّ بالنبت عودها
وزيد ربيع الناس في كل شتوة * * * إذا اخلقت انواؤها ورعودها
حمول لأشتات الديات كأنه * * * سراج دجى قد فارقته سعودها(٦٥٥)

وكان يركب فيأتي سوق (الظهر) فيقف به فتزدحم الناس على النظر إليه ويعجبون من خلقه، ويقولون يشبه جده رسول الله(٦٥٦) توفي سنة مائة وعشرين وله من العمر تسعون سنة وقيل مائة، ورثاه جماعة من الشعراء منهم قدامة بن موسى الجحمي بقوله:

فان يك زيد غالت الأرض شخصه * * * فقد بان معروف هناك وجود
وإن يك أمسى رهن رمس فقد ثوى * * * به وهو محمود الفعال فقيد
سميع الى المضطر يعلم أنه * * * سيطلبه المعروف ثم يعود
وليس بقوال وقد حط رحله * * * لملتمس المعروف اين تريد
إذا قصر الوعد الذي قد نمى به * * * الى المجد آباء له وجدود
مناديل للمولى محاشيد للقرى * * * وفي الروع عند النائبات أسود
إذا مات منهم سيد قام سيد * * * كريم فيا بني مجدهم ويشيد(٦٥٧)

٥ ـ الحسن:
كان الحسن سيدا جليلا عظيم القدر، وهو وصي أبيه، ووالي صدقته(٦٥٨)، حضر مع عمه الحسين (ع) في واقعة كربلا، فقاتل معه حتى سقط الى الأرض جريحا، ولما أقبل أجلاف أهل الكوفة على حزّ رءوس الشهداء وجدوا في الحسن رمقا فجاء اسماء بن خارجة الفزاري، وكان من أخواله فاستشفع به فشفعوه فيه فحمله معه الى الكوفة وعالجه حتى بريء ثم لحق بالمدينة، وكان يلي صدقات جده أمير المؤمنين (ع) وقد تزوج بابنة عمه فاطمة بنت الحسين، ولما مات جزعت عليه جزعا شديدا فضربت على قبره فسطاطا سنة كاملة فكانت تصلي في الليل وتصوم في النهار(٦٥٩) توفي وعمره خمس وثلاثون سنة مسموما قد سقاه السم الوليد بن عبد الملك(٦٦٠).
الى هنا ينتهي بنا الحديث عن أولاده وقد بحثنا عنهم بحثا موجزا وعسى أن يساعدني التوفيق فأتشرف بالبحث عن سيرتهم وثورات احفادهم الإصلاحية ضد الظالمين والمستبدين من خلفاء الأمويين والعباسيين.
نهاية المطاف
وحقق معاوية جميع ما يصبو إليه فى هذه الحياة ونال من دنياه كل ما اشتهى وأراد ولكن بقيت عنده فكرة واحدة تراوده في جميع أوقاته قد أقضت مضجعه، لو تمت لتم له كل شيء بحسابه وهي جعل الخلافة والملك العضوض وراثة في أبنائه وذريته، وقد بذل جميع جهوده ومساعيه في تحقيق ذلك، فأدنى الأباعد، وأنفق الأموال الطائلة، وسافر الى يثرب مع ما هو فيه من الشيخوخة والضعف، فلم يظفر بذلك ما دام الإمام الحسن حيا، فعلم أنه لا يتمكن من انجاز مهمته إلا باغتيال شخصية الإمام التي ينتظر دورها العادل جميع المسلمين لينتشر العدل ويعم الخير والرفاهية في جميع أنحاء البلاد.
وأخذ معاوية يفكر في ذلك فيطيل التفكير، ويقلب الرأي على وجوهه باي وسيلة يتوصل الى تحقيق أمنيته، فمثل أمامه قوله الذي ضربه مثلا للفتك والغدر: (إن لله جنودا من عسل)، وقد طبق ذلك فنجح به مع سعد بن أبي وقاص، والزعيم مالك الأشتر، فانحصرت وسيلته بتطبيق ذلك فأرسل الى الإمام غير مرة سما مميتا حين ما كان فى دمشق فلم ينجح به، فراسل عاهل الروم يطلب منه أن يبعث إليه سما فاتكا سريع التأثير فامتنع من إجابته قائلا له: (انه لا يصلح لنا في ديننا أن نعين على قتال من لا يقاتلنا) ان ملك الروم لم يسمح له دينه أن يغتال بريئا، ولكن معاوية قد استباح ذلك واعرب عن كفره، فراسله مرة ثانية يخبره بمشروعية هذا الأمر قائلا: (إن هذا الرجل ابن الذي خرج بأرض تهامة ـ يعني رسول الله ـ قد خرج يطلب ملك أبيه، وأنا أريد إليه السم، فاريح منه العباد والبلاد) لقد استحل اغتيال الإمام لأنه ابن رسول الله (ص) الذي حطم أوثان الجاهلية، وقضى على الشرك، وقد وجد ملك الروم عند ذلك مجالا فبعث إليه سما مميتا(٦٦١)، ولما وصل السم الى معاوية جعل يفكر فى إيصاله الى الإمام فاستعرض أقرباء الإمام ومن يمت إليه فلم يجد أحدا يعينه على ارتكاب هذه الجريمة، فاستعرض ثانيا أزواج الإمام فوجد في جعدة بنت الأشعث طلبته فأبوها الذي أرغم أمير المؤمنين على قبول التحكيم وأفسد جيشه ولعله يجد فى ابنته تحقيق اربه وبلوغ أمنيته فأرسل إليها السم بتوسط الأثيم مروان بن الحكم وأمره أن يمينيها بزواج يزيد وأن يقدم لها مائة ألف درهم(٦٦٢) وحري بهذه الأثيمة أن تجيب نداء ابن هند فهي من اسرة انتهازية لها تأريخها الأسود فقد جبلت على الطمع وعلى الاستجابة لجميع الدوافع المادية، وقد قال الإمام الصادق (ع) فيها: (ان الأشعث شرك فى دم أمير المؤمنين، وابنته جعدة سمت الحسن، وابنه شرك فى دم الحسين)(٦٦٣). ويضاف لذلك أن جعدة كانت مصابة بالعقد النفسية لأنها لم ترزق من الامام ولدا، وكانت تعامل في بيتها معاملة عادية.
ولما وصل السم الى مروان حمله إليها فقدم لها الأموال ومناها بزواج يزيد ان أجابت طلبته، فأخذ الشيطان يوسوس لها فانخدعت وفرحت بالأموال وباقترانها بيزيد، فوافقت على ارتكاب الجريمة فأخذت منه السم وكان الامام صائما في وقت شديد الحر فأخرجت له افطاره والقت السم في لبن فتناول منه الامام جرعة فلما وصل الى جوفه تقطعت أمعاؤه، فقال (ع) لما أحس بألمه الشديد:
(إنا لله وإنا إليه راجعون، الحمد لله على لقاء محمد سيد المرسلين وأبي سيد الوصيين، وأمى سيدة نساء العالمين، وعمي جعفر الطيار، وحمزة سيد الشهداء.)
ثم التفت الى جعدة فقال لها:
(يا عدوة الله، قتلتيني قتلك الله، والله لا تصيبين منى خلفا، ولقد غرك ـ يعني معاوية ـ وسخر منك يخزيك الله ويخزيه)(٦٦٤).
لقد أخزاها الله فلقد أصبحت مضرب المثل للسوء والخزي والاثم والخيانة فقد أصبحت عارا لذريتها وأبنائها من غير الامام فقد وصموا بابناء مسممة الأزواج(٦٦٥) ولقد سخر منها معاوية فلم يف لها بزواج يزيد حيث طلبت منه ذلك فقد ردها بسخرية واستهزاء قائلا:
(أنا نحب حياة يزيد، ولو لا ذلك لوفينا لك بتزويجه!!)(٦٦٦).
واتفق أكثر المؤرخين ان الامام مات مسموما وان معاوية هو الذي دسّ إليه السم فقتله(٦٦٧)، وذهب فريق آخر أن يزيد هو الذي سم الإمام(٦٦٨) ولو سلمنا ذلك فانه إنما كان بأمر من أبيه إذ لا يعقل أن يرتكب مثل هذا الحادث الخطير من دون مراجعته واحراز موافقته، ومن الغريب جدا ما ذهب إليه ابن خالدون حيث حاول تبرير ساحة معاوية ونفي الجريمة عنه، قال:
(وما ينقل من أن معاوية قد دس السم الى الامام الحسن على يد زوجته جعدة بنت الأشعث فهو من أحاديث الشيعة، وحاشا لمعاوية ذلك)(٦٦٩).
وابن خالدون مدفوع بدافع العصبية وهي داء خبيث قد القت الناس في شر عظيم وقد منى بها هذا المؤرخ، فهو لم يكتب فى أمثال هذه البحوث إلا ليرضي عصبيته وعاطفته وميوله وإنا لنسأله ما الذي يمنع معاوية من ارتكاب هذه الجريمة في سبيل توطيد ملكه وسلطانه وقد ارتكب من أجل ذلك افحش الموبقات واعظم الجرائم، فحارب الخليفة الشرعي أمير المؤمنين وولده الحسن وقتل الصحابي حجر بن عدي واصحابه المؤمنين، وسم مالك الأشتر، وسعد بن أبي وقاص واستلحق به زياد بن ابيه إلى غير ذلك من جرائمه التي لا تحصى وبعد هذا فما الذي يمنعه من اغتيال الامام وسمه وقد علم أن الأمر لا يتم لولده إلا بذلك،