فهرس المكتبة الحسنية

   

البحث في المكتبة التخصصية

 
 

كتاب مختار:

   

المسار

  الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية » كتب أخرى » حياة الإمام الحسن بن علي دراسة وتحليل الجزء الأول  

كتب أخرى

 

الكتب حياة الإمام الحسن بن علي دراسة وتحليل الجزء الأول

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: الشيخ باقر شريف القرشي التاريخ التاريخ: ٢٠١٥/٠٨/٢٩ المشاهدات المشاهدات: ١١٧٠٤ التعليقات التعليقات: ٠

حياة الإمام الحسن بن علي عليهما السلام دراسة وتحليل الجزء الأول

المؤلف: الشيخ باقر شريف القرشي

الناشر: دار البلاغة

محتويات الكتاب

البسملة مع آي من الذكر الحكيم
الإهداء
تقديم لسماحة الإمام كاشف الغطاء
تقديم الطبعة الثانية
تقديم الطبعة الأولى
اجتماع النورين
نشأة الصديقة
سمو منزلتها
خطبة الإمام لها
المهر
الجهاز
خطبة العقد
الوليمة
الزفاف
الوليد الجديد
سنن الولادة
(١) الأذان والاقامة
(٢) التسمية
(٣) العقيقة
(٤) حلق رأسه
(٥) الختان
(٦) كنيته
ألقابه
ملامحه
ذكاء وعبقرية
حفظه للحديث
تكريم وحفاوة
اشادة الكتاب العزيز بفضله
(١) آية المودة
(٢) آية التطهير
(أ) دلالتها على العصمة
(ب) المختصون بها
(ج) خروج نساء النبي
(د) مزاعم عكرمة
(٣) آية المباهلة
قصة المباهلة
(٤) سورة هل أتى
السنة
الطائفة الاولى في عرض الاخبار الواردة في فضل الامام الحسن خاصة
الطائفة الثانية في ذكر الاخبار الواردة في الحسنين
الطائفة الثالثة. في عرض الأخبار الواردة في فضل أهل البيت (ع)
احتفاء المسلمين به
الفاجعة الكبرى
حجة الوداع
غدير خم
استغفاره لأهل البقيع
سرية أسامة
اعطاء القصاص من نفسه
توجع الزهراء
التصدق بما عنده
الرزية الكبرى طلب النبي احضار الدواة والكتف
الى الرفيق الاعلى
في عهد الشيخين
السقيفة
فذلكة عمر
مباغتة الانصار
بيعة أبي بكر
امتناع أمير المؤمنين عن البيعة
احتجاج ومناظرات
(١) أمير المؤمنين
(٢) الزهراء
(٣) الامام الحسن
(٤) سلمان الفارسي
(٥) عمار بن ياسر
(٦) خزيمة ابن ثابت
(٧) أبو الهيثم بن التيهان
(٨) سهل بن حنيف
(٩) عثمان بن حنيف
(١٠) أبو أيوب الانصاري
(١١) عتبة بن أبي لهب
كيس دار الامام
مصادرة فدك
ندم أبي بكر
شجون الزهراء
الى الرفيق الاعلى
اعتزال الامام
وفاة أبي بكر
خلافة عمر
اعتزال الامام
اغتيال عمر
الشورى
نظرة في الشورى
الانتخاب
في عهد عثمان
عفوه عن عبيد الله المؤاخذات التي ترد على ذلك
دفاع طه حسين
سياسته المالية
هباته للامويين
(أ) أبو سفيان
(ب) الحارث بن الحكم
(ج) عبد الله بن سعد
(د) الحكم بن أبي العاص
(١) محاربته للاسلام
(٢) استهزاؤه بالنبي
(٣) لعن النبي له
(٤) نفيه الى الطائف
(٥) رجوعه الى يثرب
(٦) توليته على الصدقات
(ه‍) سعيد بن العاص
(و) الوليد بن عقبة
(ز) مروان بن الحكم
الانكار على عثمان
اعتذار عثمان
منحه للاعيان
استئثاره بالأموال
مع الدكتور طه حسين
ولاته على الامصار
(١) الوليد بن عقبة
(أ) نشأته
(ب) فسقه
(ج) ولايته على الكوفة
(د) شربه للخمر
رأى طه حسين
(ه‍) اقامة الحد عليه
(٢) سعيد بن العاص
(٣) عبد الله بن عامر
(٤) معاوية بن أبي سفيان
(٥) عبد الله بن سعد
تنكيله بالصحابة
(١) عبد الله بن مسعود
(٢) أبو ذر
نفيه الى الشام
نفيه الى الربذة
(٣) عمار بن ياسر
الافتراء على الامام الحسن
الثورة
(أ) الوفد المصري
(ب) الوفد الكوفى
(ج) الوفد البصري
استنجاده بالامصار
يوم الدار
موقف الامام الحسن
الاجهاز على عثمان
المثل العليا
امامته
(أ) معنى الامامة
(ب) الحاجة الى الامامة
(ج) واجبات الامام
(ه‍) تعيينه
اخلاقه الرفيعة
كرمه وسخاؤه
عبادته وتقواه
(١) وضوؤه وصلاته
(٢) حجه
(٣) تلاوته للقرآن
(٤) التصدق بأمواله
زهده
هيبته ووقاره
فصاحته وبلاغته
الآداب الاجتماعية
مكارم الاخلاق
الجرائم
التحريض على طلب العلم
فضل العقل
فضل القرآن الكريم
الدعاء
السياسة
الصديق
السخاء والمعروف
البخل
التواضع
ابطال الجبر
الوعظ
طلب الرزق
المساجد
آداب المائدة
ولاء اهل البيت
التحذير من المحرفين لكتاب الله
الشاهد والمشهود
بعض خطبه
كلماته الحكمية
نظمه للشعر
في عهد الامام على
البيعة
تأييد الصحابة
(١) ثابت بن قيس
(٢) خزيمة بن ثابت
(٣) صعصعة بن صوحان
(٤) مالك الأشتر
(٥) عقبة بن عمرو
وجوم القرشيين
القعاد
مصادرة الاموال المنهوبة
عزل الولاة
اعلان المساواة
وصاياه لولده الحسن
في البصرة
تمرد طلحة والزبير
خروج عائشة
دوافع تمردها
اعلان العصيان
مع أم سلمة
الزحف الى البصرة
ماء الحوأب
في ربوع البصرة
عقد الهدنة
غدر وخيانة
مقتل حكيم بن جبلة
استنجاد الامام بالكوفة
ايفاد الحسن
الافتراء على الحسن
التقاء الفريقين
خطاب ابن الزبير
خطاب الحسن
الدعوة الى كتاب الله
اعلان الحرب
مصرع الزبير
الاحتفاف بعائشة
(أ) الأزد
(ب) بنو ضبة
(ج) بنو ناجية
عقر الجمل
الصفح عن عائشة
العفو العام
تسريح عائشة
في صفين
تمرد معاوية، بواعث ذلك
ايفاد جرير
مراسلة معاوية لعمرو
حيرة وذهول
قدومه الى الشام
المساومة الرخيصة
رد جرير
زحف معاوية لصفين
تهيؤ الامام للحرب
خطبة الحسن
الحسن مع سليمان
المسير الى صفين
القتال على الماء
ايفاد السفراء الى معاوية
اعلان الحرب
الحسن مع عبيد الله
الحرب العامة
مصرع عمار
رفع المصاحف
الفتنة الكبرى
انتخاب الاشعري
وثيقة التحكيم
انبثاق الفكرة الحرورية
احتجاج ومناظرات
اجتماع الحكمين
خطاب الامام الحسن
تمرد الخوارج
واقعة النهروان
المتارك البغيضة
(١) تمرد الجيش
(٢) فقده لاعلام أصحابه
(٣) الاحتلال والغزو
(٤) فتنة الخريت
مصرع الحق
المؤامرة الدنيئة
الفاجعة الكبرى
وصاياه
اقامة الحسن من بعده
الى الرفيق الاعلى
تجهيزه ودفنه
القصاص من ابن ملجم

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).
(إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).
(قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ).

الإهداء

إليك.. يا علة الموجودات، وسيد الكائنات
إليك.. يا منقذ الإنسانية من ظلمات الجهل، وباعث الروح والعلم في الأجيال.
إليك.. يا رسول الله، وخاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
أرفع بكلتا يدي هذه الوريقات التي بحثت فيها عن سيرة سبطك الأكبر، وريحانتك الذي غذيته من كمال النبوة، وأورثته هيبتك، وسؤددك. وهي بضاعتى المزجاة التي أعددتها ذخري يوم الوفادة عليك، فعسى أن تقع من مقامكم الرفيع موقع القبول وهو حسبى.
المؤلف

تقديم

بقلم الإمام المصلح كاشف الغطاء قدس سره

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الإمام السبط أبو محمد الزكي أول الأسباط الأحد عشر من نسل محمد (ص) سيد الأنبياء ونسل علي سيد البشر وأول من اجتمع فيه نور النبوة ونور الإمامة فكان مجمع النورين وأحد النيرين وملتقى البحرين (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ) علي بحر نور الإمامة وفاطمة بحر نور النبوة والكرامة، يخرج منهما اللؤلؤ الأخضر بخضرة السم في السماء والمرجان الأحمر بحمرة الأرض من الدماء.
الحسن أول الأئمة الأمناء من صلب سيد الأوصياء، الحسن الذي أظهر الحق وأزهق الباطل وحقن بصلحه الدماء.
وقد كانت ولادته في ليلة النصف من رمضان على أشهر الأقوال وقد صادف املائي لهذه الكلمات هذه الليلة التي هي ليلة النور وليلة الفرح والسرور لأهل البيت الذين يجب أن نفرح لفرحهم ونحزن لحزنهم. فالى سيد الكائنات، وعلي وفاطمة صلوات الله عليهم أزف الأناشيد والتهاني والترانيم مهنيا لهم بهذا المولود المبارك الذي يقول فيه علة الوجود ومرآة المعبود وفي أخيه: (نعم الجمل جملكما ونعم الراكبان أنتما).
وإني لا أحاول من هذه المقالة التي جرى بها القلم على العجالة أن أذكر ما لأبي محمد الزكي (ع) من عظمة المآثر ومآثر العظمة وكبرياء الجبروت وجبروت الكبرياء وعلوّ المفاخر والمناقب ومفاخر العلياء كلا ثم كلاّ فان صقر باعي ونسر يراعي على سعة معرفتى واطلاعي ينحطان ويسقطان عن العروج إلى ذلك العرش المتمرد بمناعته على العقول والذي لا تنال منه الأفكار مهما تعالت وتغالت سوى الدهشة والذهول.
وإنما أريد أن أتعرض إلى ناحية من نواحي حياته وآية واحدة من آيات معجزاته ومعجزات آياته، وهي ناحية صلحه مع الطاغية ابن الغاوي والغاوية معاوية، فان هذه الناحية قد تعقدت ولبست أسمك جلابيب الغموض وساءت في توجيهها الظنون وباءت بالفشل كل الفروض وسرى الشك وتضعضعت أركان الإيمان حتى من أخص أصحابه وأصحاب أبيه عليه السلام، والخلص من شيعته ومواليه فحمل الغيظ والغضب ذلك الطود الأشم على إساءة الأدب فقال: السلام عليك.. وكان الواجب أن يقول يا معز المؤمنين فقال عكسها. ولم يزل الغموض والالتباس يضفي على القضية أسوأ لباس حتى على المعتقدين بامامته وعصمته. ولكن غلبت العاطفة فيها وصدمة الرزية على التعقل والروية. ولو أمعنوا النظرة وفسحوا المجال للفكرة لتجلى لهم جلاء الشمس، ان كل الصلاح وصلاح الكل فيما فعله سلام الله عليه لا من حيث التعبد والتسليم والخضوع للامر الواقع مهما كان خيرا أو شرا ولا من حيث الاعتقاد بالعصمة، وإن عمل المعصوم لا بد وأن يكون موافقا للحكمة، كلا بل لو تدبرنا الواقعة ونظرناها من جميع أطرافها وظروفها وملابساتها ونتائجها ومقدماتها لا تضحّ لنا على القطع واليقين أن ما فعله سلام الله عليه هو المتعين ولا يصح غيره، نعم هو الحزم بعينه وهو الظفر بخصمه وهو عين الفتك بعدوه من حيث الفنون الحربية والسياسة الزمنية فعل فعل القائد المحنك والحازم المجرب فحارب عدوه بالسلم وغلب عليه بالصلح، فاخمد ناره وهتك ستاره وابدى للناس عاره وعياره، وما كان من الصلاح إلا أن يحاربه بالصلح لا بالسلاح ويذبحه باعماله لا بقتاله ونباله وهذا اتم للحجة واقطع للمعاذير وابلغ في دفع الريب والشبهة وإيضاح كل هذا وانارته بحيث يرى بالعين ويلمس باليد يحتاج إلى فضل بيان وقوة جنان وسعة في القول ولا يساعدني على شيء من ذلك جسمي العليل وبصرى الكليل وكثرة اشغالى وبالى البالى وضيق مجالى وسوء حالى. وعسى أن يلطف جل شأنه فيسمح لى بانتهاز فرصة أخرى استطيع أن اعطي البيان حقه في هذا المضمار واكشف عن هذا الغموض الحجب والاستار حتى يظهر الحق وتسطع الانوار، ولكن لا أجد بدا من أن اختم كلمتى هذه بالحق المحض وزبدة المخض.
وهي على الجملة والطى أنه كما كان الواجب والمتعيّن الذي لا محيص عنه في الظروف التي ثار بها الحسين سلام الله عليه على طاغوت زمانه أن يحارب ويقاتل حتى يقتل هو واصحابه وتسبى عياله ودائع رسول الله كما كان هذا هو المتعين في فن السياسة وقوانين الغلبة والكياسة مع قطع النظر عن الاوامر الإلهية والمشيئة الازلية كذلك كان المتعين والواجب الذي لا محيص عنه في ظروف الحسن (ع) وملابساته هو الصلح مع فرعون زمانه ولو لا صلح الحسن وشهادة الحسين عليهما السلام لما بقى للاسلام أسم ولا رسم ولضاعت كل جهود محمد (ص) وما جاء به للناس من خير وبركة وهدى ورحمة، فان أبا سفيان ونغله معاوية وسخله يزيد دبروا كل التدابير واعملوا كل الحيل لمحو الاسلام ورد الناس إلى جاهليتهم الاولى وعبادة اللات والعزى ولعل إلى هذه النكتة الدقيقة اشار النبي (ص) بالحديث المشهور، الظاهر بصحته ظهور النور، يقول صلى الله عليه وآله وسلم (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا) لعله يعنى أن الحسن إمام في قعوده كما أن الحسين إمام في قيامه ونهضته.
وكانت جمهرة المؤرخين وأرباب التراجم والسير تسرد قضية الحسن سلام الله عليه وصلحه مع معاوية على سطحها الظاهر وشكلها البسيط من غير تحليل ولا تعليل ولا تعمق وتحقيق ومن دون نظر إلى ظروف الواقعة وملابساتها ومباديها وغاياتها ولذا قد يستبق إليها نوع من الاستنكار لعدم النظر إليها بنظر التدبر والاعتبار.
ولكن بما أن الحق والحقيقة نور، والنور إذا اشتد يشق الستور ويأبى إلا الظهور قيض الله في هذا العصر بعض الافاضل من ذوى الاقلام البارعة والافهام الفارعة والانظار السديدة والافكار الحرة فكشفوا بمؤلفاتهم عن حياة الحسن (ع) وسيرته وصلحه الغموض والتعقيد وازاحوا لثام بعض الاوهام التي زلق فيها بعض الكتبة من المعاصرين ومن الذين قبلهم.
وممن عرف فالف واجاد فيما جمع وصنف، وترجم للحسن (ع) في حياته فاحسن، واتقن، وجمع فبرع العالم الفاضل النجيب الاديب الشيخ باقر القرشي ايده الله بروح العناية منه والتوفيق، فقد رفع إلىّ بعض فصول الجزء الاول من مؤلفه (حياة الحسن) فوجدت فيه روح الطموح وطموح الروح ووجدت فيه نفسا وثابة قد جرت في أشواط السباق، وإذا كانت في البداية فهي على وشك الوصول إلى الغاية. واحسن شاهد على فضل كتابه نفس كتابه.
(سبوح لها منها عليها شواهد)
شكر الله مساعيه وبلغه امانيه.

بدعاء ابيه الروحي

محمد الحسين آل كاشف الغطاء

صدر من مدرستنا العلمية بالنجف الاشرف
بتأريخ ٢٠ شهر الصيام المبارك سنة ١٣٧٣ هـ.

مقدّمة الطبعة الثانية

بسم الله الرّحمن الرّحيم

ـ ١ ـ

للامام أبي محمد الحسن (ع) تأريخ مشرق، حافل بأروع صفحات البطولة والجهاد، وسيرة ندية تنبض بالعدل والتقوى، وتتدفق بالقابليات الفذة، والنزعات الخيرة، وتلتقي بها سجاحة الخلق، واصالة الرأي، وعمق التفكير، وقد اجمع المترجمون له أنه من احلم الناس، واقدرهم على كظم الغيظ، والصبر على الأذى والمكروه، فما عرف من سيرته أنه قابل مسيئا باساءته، ولا جازى مذنبا بذنبه، وإنما كان يغدق عليهم بالاحسان ويقابلهم بالمعروف، شأنه شأن جده الرسول (ص) الذي وسع الناس باخلاقه وحلمه.
وحسبها شهادة تدل على عظيم حلمه ادلى بها الد خصومه، واحقد اعدائه مروان بن الحكم حينما بادر إلى حمل جثمانه الطاهر، فاستغرب منه سيد الشهداء وقال له: (اتحمل جثمانه، وكنت تجرعه الغصص؟!)
فقال مروان: (كنت افعل ذلك بمن كان يوازي حلمه الجبال) وكما كان من احلم الناس، فقد كان من ابرز رجال الفكر في سداد الرأي وصواب التفكير، وقد تجلى ذلك في صلحه مع معاوية، وتجنبه من فتح باب الحرب، فان البلاد كانت تضج بالحزبية، وباع زعماء القبائل وقادة الجيش ذممهم على معاوية، وانحازوا إلى معسكره لا إيمانا بقضيته، وانما طمعا بامواله، واستجابة لرغباتهم النفسية التي تطمع بالنفوذ والسيطرة، والثراء العريض، مضافا إلى ذلك خبث جنوده، وشدة خلافهم، وايثارهم للسلم، وغير ذلك من العوامل التي سنذكرها بالتفصيل في غضون هذا الكتاب، فاستسلم عليه السلام للامر الواقع، وصالح معاوية، وقد صان بذلك الأمة، وحفظ دماءها، وجنبها من المضاعفات السيئة التي لا يعلم مدى خطورتها الا الله، واجمع الرواة أنه كان أندى الناس كفا، واوصلهم لعباد الله، واعطفهم على الفقراء والمحرومين حتى لقب بكريم اهل البيت مع أنهم اصول الكرم ومعدن السخاء والمعروف وكانت تترى عليه وفود من الفقراء والمحتاجين فيفيض عليهم ببره، ومعروفه وينقذهم بوافر عطاياه من ذل السؤال والحاجة إلى السعة والبسط في العيش والاستغناء عما في أيدى الناس.
واتفقت كلمة المؤرخين أنه كان اعبد أهل زمانه، وأتقاهم واكثرهم عبادة، وخوفا من الله، وقد حج بيت الله الحرام خمسا وعشرين حجة وان النجائب تقاد بين يديه، وقد عمل جميع الوسائل التي يتقرب بها إلى الله، وتجرد عن لهو الحياة، ونبذ جميع زخارفها، وسنذكر ذلك بالتفصيل عند التحدث عن مثله، ومظاهر شخصيته العظيمة.
ان سيرة الامام (ع) في جميع صورها من اروع سير العظماء والمصلحين الذين تعتز بهم الامة في جميع مجالاتها، ويكفيها خلودا أنها شابهت سيرة النبي (ص) وحكت كريم طباعه وسجاياه.

ـ ٢ ـ

ومشكلة تواجهنا في تأريخ الامام أبي محمد هي الاخبار الموضوعة التي ألصقت بتأريخه النير، فقد دسها في التأريخ الاسلامي بعض الرواة من اجراء السلطة الحاكمة فنسبوا له ما هو بعيد عنه، اتهموا الامام انه كان عثماني الهوى، وانه كان يندد بموقف أبيه يوم الدار، لأنه لم يقم بعمليات النجدة، ولم ينقذ عثمان، وينجيه من أيدى الثوار، كما أنه لم يكن من رأيه ـ كما رووا ـ أن يستجيب أبوه إلى رغبة الجماهير الذين هتفوا باسمه واصروا على ترشيحه لمنصب الخلافة، وان امير المؤمنين عصاه ـ على حد تعبيرهم ـ واستجاب لدعوة الثوار.
والصقوا بسيرته الوضاءة انه كان كثير الزواج، والطلاق، وقد بالغوا في ذلك إلى حد بعيد فرووا أنه كان في اكثر أيامه يعقد على امرأة ويطلق أخرى، والسبب في ذلك كله هو الحط من شأنه، والتقليل من أهميته وقد دون تلك الروايات المؤرخون، واستند إليها كتاب العصر وفي طليعتهم الدكتور طه حسين(١) فقد مال إليها، وارسلها إلى القراء ارسال المسلمات، ولم يتثبت في سندها ليتضح له أن رواتها قد وصموا بالوضع والانحراف عن أهل البيت، وقد فندنا القسم الكثير منها في بحوثنا ودللنا على مواضع الضعف الذي فيها سواء أكان من ناحية السند أو من غيره.
إن اهم شيء تستدعيه ضرورة البحث هي غربلة الاخبار، ومعرفة رواتها والتوثق منهم فمن كان صحيحا في نقله بعيدا عن الكذب غير متهم في دينه فيؤخذ بروايته، ويعول عليها في بناء التأريخ الاسلامي، ومن كان من الرواة منزلقا في احضان السلطة ويكتب لأغراضها، ويدون لتدعيم سلطانها وهو في نفس الوقت غير متحرج ولا متأثم من الكذب والوضع فان الواجب أن ترد روايته ولا يعتمد على نقله، والإسلام قد أمرنا بصراحة بالتثبت في اخبار المتهمين في دينهم، قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ)(٢) والآية صريحة الدلالة في وجوب التثبت في اخبار الفساق، واي أثم اعظم من ارتكاب الوضع وتعمد الكذب، وهي في عمومها شاملة للاخبار عن الموضوعات الخارجية، ومنها الاخبار عن الحوادث التأريخية وغيرها.
وعجيب ـ وان كان خارجا عن الصدد ـ أن تؤخذ بعين الرضا والقبول روايات شيخ المضيرة أبو هريرة الدوسي(٣) والجلاد سمرة بن جندب، ويعول عليها في بناء العقيدة الاسلامية مع أن في الكثير منها خروجا على سلطان العقل وحكمه، وخروجا على حكم الاسلام الذي ما آمن ـ والحمد لله ـ بالخرافات والاوهام.
ان تنقية الاخبار ضرورة ملحة لكل باحث سواء أكانت متصلة بشئون الدين أو في غيره ولزوم طرح ما رواه المنحرفون واجراء السلطة فيما انفردوا بروايته.

ـ ٣ ـ

والشيء البارز في العصر الذي عاش فيه الامام الحسن (ع) انتشار الحزبية، وتفاعل تياراتها الهائلة، فقد صمم الحزب القرشى ـ الذي شكل قبل وفاة النبي (ص) ـ على صرف الخلافة الاسلامية عن أهل البيت (ع) لاسباب أهمها التهالك على الامرة والسلطان، والحسد لعترة النبي (ص) على ما منحها الله من الفضائل والمواهب، وقد أثر عنهم (ان النبوة والخلافة لا يجتمعان في بيت واحد) وهو كلام لا يعضده الدليل في جميع مناحيه، وقد تعرض ابن عباس الى تزييفه بمنطقه الرصين فى محاورته مع عمر بن الخطاب، فقد قال له عمر (بعد حديث طويل دار بينهما):
(يا ابن عباس، أتدري ما منع قومكم منكم بعد محمد (ص)؟). قال ابن عباس: فكرهت أن اجيبه، فقلت له: إن لم أكن ادرى فان امير المؤمنين يدرى:
فقال عمر: (كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة فتجحفوا على قومكم بجحا، بجحا، فاختارت قريش لا نفسها فاصابت، ووفقت.) وخاف ابن عباس من شدة عمر وغلظته أن يجابهه بتزييف كلامه فطلب منه الاذن ليصارحه بالواقع قائلا: (يا أمير المؤمنين، إن تأذن لي في الكلام، وتمط عني الغضب تكلمت..).
(تكلم يا ابن عباس).
(أما قولك يا أمير المؤمنين: اختارت قريش لأنفسها فاصابت ووفقت، فلو ان قريشا اختارت لانفسها من حين اختار الله لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود، واما قولك: انهم ابوا أن تكون لنا النبوة والخلافة، فان الله عز وجل، وصف قوما بالكراهة، فقال: (ذلك بأنهم كرهوا ما انزل الله فأحبط اعمالهم).
فثار عمر وقد لسعه قول ابن عباس: فقال له:
(هيهات يا بن عباس.. قد كانت تبلغني عنك أشياء أكره أن أقرك عليها فتزيل منزلتك منى..) وخاف ابن عباس من سطوته فاجابه بناعم القول: (ما هي يا أمير المؤمنين؟ فان كانت حقا فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك، وإن كانت باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه،.)
وهدأت ثورة عمر فقال له:
(بلغني أنك تقول: إنما صرفوها ـ اي الخلافة ـ عنا حسدا وبغيا وظلما!)
فاجابه ابن عباس بمنطقه الفياض:
(أما قولك يا أمير المؤمنين: ظلما فقد تبين للجاهل والحليم، واما قولك حسدا فان آدم حسد، ونحن ولده المحسودون!!)
فثار عمر، وصاح به (هيهات هيهات!! أبت والله قلوبكم يا بني هاشم إلاّ حسدا لا يزول..)
وانبرى ابن عباس فرد عليه مقالته:
(مهلا يا أمير المؤمنين!! لا تصف بهذا قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا..).(٤)
وكشفت هذه المحاورة عما تكنه قريش في نفوسها من الموجدة والكراهية لآل البيت فاختارت صرف الخلافة عنهم، ويرى عمر أنها وفقت في ذلك، ولكنها في الحقيقة لم توفق، ولم تصب الرأي والرشد، فقد انتج اختيارها أن يفوز الأمويون بالحكم، وهم أعداء الاسلام وخصومه، ومجزرة كربلا الرهيبة احدى مظاهر عدائهم ونقمتهم من الاسلام، فقد صدرت الأوامر المشددة من القيادة العسكرية العليا إلى الجيش بإبادة اهل البيت واستئصال شأفتهم، وأن لا يبقى على مسرح الحياة أحد من نسل آل محمد (ص) فابيدت تلك الصفوة الطاهرة من عترة الرسول (ص) وتقطعت أوصالها على صعيد كربلا، وحملت ودائع النبوة وكرائم الوحي سبايا تطوف بها ارذال العرب واجلافهم من بلد إلى بلد، ولما انتهيت سبايا آل النبي (ص) الى يثرب يلتفت عمرو بن سعيد عامل يزيد عليها وهو جذلان مسرور الى قبر رسول الله (ص) فيخاطب جدثه الطاهر ويقول له:
(يوم بيوم بدر يا رسول الله.)(٥)
ثم رقى منبر النبي، وخاطب المسلمين فقال: ـ ويا لهول ما قال ـ (أيها الناس. إنها لدمة بلدمة، وصدمة بصدمة، كم خطبة بعد خطبة، حكمة بالغة فما تغني النذر.)
وقبله قال يزيد:

لست من خندف إن لم انتقم * * * من بني أحمد ما كان فعل

هذا هو اختيار قريش الذي وفقت فيه ـ كما يقولون ـ قد اوجب هضم العترة الطاهرة التي هي عديلة القرآن الكريم في لزوم مراعاتها والاحتفاء بها، فانا لله وإنا إليه راجعون

ـ ٤ ـ

وقد نظرنا الى الحوادث ـ التي جرت في عصر الامام أبي محمد (ع) ـ نظرة امعان وتدبر، فان التاريخ ـ كما ذكرنا ـ قد خلط بالموضوعات حتى اصبح من العسير أن يخلص المؤرخ إلى الحق في أيسر الأمور، وقد استلخصنا من تلكم الحوادث كثيرا من الجوانب التي لها صلة في الكشف عن حياة الامام (ع) وبتصوير العصر الذي نشأ فيه.
وقد نشر هذا الكتاب قبل احدى عشرة سنة، ونفذت نسخه، ولم يعد لها أي وجود في الأسواق، وقد ترجمه إلى اللغة الاوردية فضيلة العلامة الجليل السيد محمد باقر النقوي حفظه الله، وقد طبع في الهند بمطبعة (اصلاح كجهو ابهار) وإن كثيرا ممن تهمهم امثال هذه البحوث قد رغبوا في اعادة طبع الكتاب بعد نفاذ نسخه، وكنت أرجئ ذلك إلى وقت آخر أملا في اعادة النظر فيه لأني اعتقد أن فيه بعض الفصول تحتاج إلى مزيد من البسط والتفصيل وقد تفضل عليّ أخي العلامة التقي الشيخ هادي القرشي فابدى رغبته الملحة في مراجعة الكتاب ومعاودة النظر فيه فلم أر بدا من اجابته فراجعت الجزء الاول منه، واضفت إليه كثيرا من البحوث، ولعل القارئ يجد أن هذه الطبعة غير الطبعة الأولى لما فيها من الاضافات، واناقه الطبع، وروعة التنسيق ودقة الاخراج التي اشتهرت بها مطابع الآداب.
وقبل أن انهى هذا التقديم ارفع اعمق الامتنان، وجزيل الشكر إلى حضرة المحسن الوجيه الحاج محمد رشاد عجينة لتبرعه بطبعه سائلا من الله أن يوفقه لكل مسعى نبيل وأن يتولى جزاءه عن ذلك انه ولي التوفيق.

النجف الأشرف
٢٨ ذي القعدة سنة ١٣٨٤
باقر شريف القرشي

تقديم
بسم الله الرّحمن الرّحيم
(١)

لريحانة الرسول (ص) وسبطه الأول الإمام الزكي الحسن بن المؤمنين علي (ع) حياة مثالية وسيرة فواحة عطرة تتدفق بها طاقات الاسلام الثرة الندية، وتتمثل فيها سيرة النبي (ص) واخلاقه واتجاهاته، وتتجسد فيها جميع عناصر التربية الاسلامية الرفيعة فهي ـ بحق ـ من اروع الشخصيات الفذة التي لمعت في سماء الأمة الإسلامية، وفي طليعة الذوات الخيرة التي تحلى بها قاموس الإنسانية، وذلك لما اتصفت به من الحلم والعلم والخلق والسجاحة والسخاء وغير ذلك من الصفات الرفيعة التي شابهت صفات الرسول وحكت اخلاقه.
وحفلت حياة الامام (ع) بالمصاعب والكوارث، وامتحن امتحانا عسيرا بالامويين الذين جرعوه اقسى الوان الخطوب والآلام فقد ابتلى بهم الامام كما ابتلى بهم جده وأبوه من قبل، فقد كان الامويون يكنون في دخائل نفوسهم واعماق قلوبهم بغضا عارما للهاشميين، ومصدر ذلك العداء يرجع الى التنافر الذاتي بين الاسرتين واختلاف طباعهما وتباين اتجاههما، فقد كان الهاشميون يمثلون الاريحية والشمم والإباء والوفاء وحماية الضعيف وقرى الضيف، وكانت أندية العرب ومجالسهم تتحدث عن مكارمهم ولين طباعهم، وعما تركوه في ربوع مكة من أنظمة للعدل واسباب للنعيم والتجارة، وأما (الامويون) فقد عرفوا باللؤم والجفاء والغلظة والغدر والخيانة، وعدم الاستجابة أو المساهمة في أي عمل من اعمال الخير، وهم في جاهليتهم واسلامهم سواء لم تصدر منهم بادرة من بوادر الكرم أو ظاهرة من ظواهر الاصلاح والنفع العام يقول فيهم الجاحظ:
(ليس لهم قدم مذكور ولا يوم مشهود فلا سابقة ولا جهاد، وإذا كان شيء من هذا فانما يكون فيما يضر الناس).
ولما أسس الهاشميون في الجاهلية حلف الفضول الذي كان شعاره مناصرة المظلوم حتى يدفعوا عنه ظلامته، ومنع القوي من ظلم الضعيف، والقاطن من الاعتداء على الغريب كان الامويون وحدهم قد تخلفوا عن مناصرة هذا الحلف والانتماء إليه لدوافع أهمها ان هذا الحلف يتنافى مع ميولهم التي طبعت على الظلم والاعتداء، والغرور والحسد للهاشميين.

(٢)

ولما صدع الرسول الاعظم (ص) برسالته الخالدة الداعية الى يقظة الضمير وتحرير العقول ثقل على الامويين هذا المجد الذي اختص بالهاشميين، وعظم عليهم الأمر فألهبت قلوبهم بالحقد والكراهية، وقد تحدث الحكم ابن هشام مع قرينه في الشرك أبي جهل فاعرب له عما يكنه في قرارة نفسه من البغض العارم للهاشميين وعدم الاستجابة لدعوة الاسلام قائلا:
(تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فاطعمنا، وحملوا فحملنا حتى إذا تحاذينا على الركب وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك مثل هذا، واللات لا نؤمن به ولا نصدقه). وقد اجمعت كلمتهم على مكافحة الدعوة الاسلامية فألّبوا على الرسول (ص) القبائل وقادوا الجيوش لمناجزته، ولكن الله رد كيدهم في نحرهم ونصر الاسلام وأعز رسوله فقد تحطمت قوى الامويين ومن تابعهم من شذاذ الآفاق وأعداء الاسلام، واتجهت الجيوش الاسلامية الظافرة الى احتلال مكة المكرمة، وقد وقع أبو سفيان أسيرا هو والعباس بيد القوات الاسلامية الزاحفة فأمر الرسول (ص) بحبسهما في المضيق ليشاهد أبو سفيان قوة المسلمين وضخامة جيشهم، واجتازت عليه القوات العسكرية الهائلة فوقف مذهولا مبهوتا قد انهارت قواه وانطلق يقول للعباس:
(لقد اصبح ملك ابن اخيك اليوم عظيما!!)
فأجابه العباس: انها النبوة
فقال أبو سفيان بصوت خافض متحجر: نعم اذن
إنها لكلمة يسمعها بأذنه فلا يفقهها قلبه فما كان مثل هذا القلب ليفقه الا معنى الملك والسلطان، كما يقول السيد قطب:(٦)
واطلق رسول الله (ص) سراح أبي سفيان، ومنحه العفو كما منح أهل مكة فانطلق يهرول قد غمرته عظمة المسلمين وقوتهم وهو يهتف بين قومه. (من دخل داره فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن)
ولما سمعت هند زوجته ذلك وشعرت بخوفه وايثاره العافية وطلبه للسلم جعلت تصيح وهي حانقة مغيضة (اقتلوا الخبيث الدنس الذي لا خير فيه، قبح من طليعة قوم، هلا قاتلتم، ودفعتم عن انفسكم وبلادكم!!) تحرض بذلك قريشا على الحرب، وتلهب في نفوسهم نار الثورة، وروح العصبية، ودخل رسول الله (ص) مكة فاتحا، وقام بتطهير البيت الحرام من الاوثان والاصنام، وقد حطمها امير المؤمنين (ع) فكسر لاتهم وهبلهم، وصعد بلال فوق ظهر الكعبة يؤذن للصلاة فلما سمعه أبو سفيان انخلع قلبه وصرخ مناديا بلا اختيار.
(لقد أسعد الله عتبة بن ربيعة إذ لم يشهد هذا المشهد).

(٣)

ولما اندحرت قوى الإلحاد وانهارت معنوية المشركين لم يجد الامويون بدا من الدخول في حظيرة الاسلام فدخلوا فيه وهم أذلاء صاغرون، قد كسرت شوكتهم، واخمدت نارهم، وقد ظلت قلوبهم مترعة بالحقد والكراهية للاسلام، وقد شعر الرسول (ص) بذلك فاصدر قراره الحاسم بابعاد رءوسهم عن يثرب عاصمة المسلمين وحرم عليهم الدخول إليها، وقابلهم بالاستهانة والتحقير، فقد أقبل أبو سفيان راكبا ومعه معاوية وأخوه أحدهما قائد، والآخر سائق فلما رآهم النبي (ص) قال:
(اللهم، ألعن القائد والسائق والراكب)(٧)
وأقبلت امرأة الى رسول الله (ص) أرادت التزويج بمعاوية فنهاها عن ذلك وقال لها:
(إنه صعلوك)(٨).
ومتى كان هذا الصعلوك كاتب الوحي أو مقربا عند النبي(٩) ـ كما يقولون ـ لقد قابل الرسول (ص) عموم الامويين بالاستهانة والتحقير والحط من شأنهم وذلك لأنه استشف من وراء المغيبات أنهم مصدر الفتن والاضطراب والقلق بين المسلمين فباعدهم، وقد رأى (ص) في منامه أنهم ينزون على منبره نزو القردة والخنازير فانزل الله تعالى عليه قوله: (وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ) وما رؤي بعد ذلك ضاحكا(١٠).

(٤)

ولما انقصم ظهر الاسلام وانحسرت روحه بموت الرسول (ص) انصبت الفتن على المسلمين كقطع الليل المظلم حتى فقدوا الرشد والصواب فناصبوا عترة الرسول (ص) الذين هم وديعة النبي فابعدوهم عن مراتبهم التي رتبهم الله فيها وسلبوا الخلافة الاسلامية من أيديهم، وتهالكوا على الإمرة والسلطان، وقد مهد الخليفة الثاني الحكم للامويين فاستعمل معاوية واليا على الشام واطلق له العنان فلم يحاسبه على إسرافه، ولم يعاتبه على تبذيره وبذخه كما فعل مع بقية عماله وقد قيل له في ذلك فاعتذر لنفسه، واعتذر عنه قائلا: ذاك كسرى العرب؟
ولم يكتف بهذا المد للأمويين، وبهذا الاحسان الذي أسداه إليهم فقد فتل حبل الشورى الذي انتج فوزهم بالخلافة وتلاعبهم بمقدرات الأمة وامكانياتها، وجر الخطوب والويلات لها، وانتهاك كرامة النبي (ص) في عترته وذريته.
ولما استولى الامويون على زمام الحكم كان هدفهم طوي هذا الدين، وقلع جذوره، ومحو سطوره، وابادة معالمه وآثاره، ولو لا فيض عارم في مبادئه، وقوة كامنة في طاقاته، وتضحيات العلويين لانتشاله، وعناية قبل كل شيء فيه من الله تعالى لا صبح الاسلام معدوم الأثر من دنيا الوجود لأنه حينما استتب لهم الأمر وصفا لهم الجو ظهر مدى حقدهم البالغ على الاسلام، وظهرت رغباتهم في الملك والسلطان فكانوا لا يفكرون الا بذلك ولا يحلمون الا بأن تكون دولة المسلمين العوبة بأيدي ابنائهم وصبيانهم، وقد ادلى بذلك أبو سفيان بكلمته التي القاها أمام أسرته وذويه قائلا لهم:
(يا بني أمية، تلاقفوها تلقف الكرة فو الذي يحلف به أبو سفيان ما من جنة ولا نار وما زلت أرجوها لكم ولتصيرن إلى صبيانكم وراثة)(١١).
قال هذه الكلمة أبو سفيان: بمرأى ومسمع من عثمان وهي صريحة في ارتداده وظاهرة في الحاده والواجب الشرعي يحتم على عثمان أن يقيم عليه الحد باعتباره خليفة المسلمين، وهو مسئول عن تنفيذ احكام الدين وتطبيق حدوده ولكنه اعار ذلك أذنا صماء، واهمل ما وجب عليه.
وحينما نشبت اظفار معاوية بالملك اتضح عداؤه السافر للاسلام والمسلمين، وقد برز ذلك في أقواله وأعماله واتجاهاته فقد خطب في النخيلة وكانت نشوة الظفر عليه بادية فقال:
(يا أهل العراق، والله إني ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا، ولا لتحجوا ولا لتزكوا، وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم وقد أعطانى الله ذلك..).(١٢)
وأي قيمة للصلاة والصوم والزكاة والحج، واي أثر لسائر الطقوس الدينية عند ابن هند التي نهشت كبد سيد الشهداء حمزة، انه ما قاتلهم من اجل ذلك ولا من اجل المطالبة بدم عثمان الذي أقام الدنيا وأقعدها بسببه، وانما قاتلهم من اجل الظفر بالملك والسلطان.
لقد منيت البلاد الاسلامية أيام حكمه وسلطانه بالظلم والجور والاستبداد، ومني المسلمون بالاستعباد والاستغلال، فقد قضت سياسته الارهابية الملتوية بارسال الاخيار والمصلحين الى ساحات الاعدام وظلمات السجون، فقد اعدم الصحابى العظيم حجر بن عدي وإخوانه الصالحين لأنهم انكروا على ولاته سبهم لامير المؤمنين وسيد المتقين.
إن البارز في سياسة معاوية نشر الارهاب والخوف، واشاعة الفتن والاضطراب، واباحة الغدر والخيانة، والولوغ في دماء المسلمين فقد أسرف هو وعماله في ذلك حتى قتلوا الاطفال الصغار والشيوخ العاجزين بعد ما تجاوزوا الحد في قتل الرجال وسجن النساء، وقد ارتطمت البلاد بالفتن وضج الناس من الظلم والجور.
وقد ساند سياسته فريق من المرتزقة وباعة الضمير الذين وضعوا دنياهم فوق رءوسهم ودينهم تحت أقدامهم فراحوا يلقون عليه التقديس، ويخلعون عليه النعوت الحسنة ويبررون جرائمه وموبقاته، وهم ما بين راو وخطيب وزعيم فاخذوا يذيعون بين الشاميين قربه من الرسول وانه وارثه حتى انقضى ردح من الزمن وهم لا يظنون ان هناك احدا أقرب إلى النبي (ص) من معاوية وبني أميّة، كما افتعلوا الاحاديث الكثيرة في الثناء عليه وضرورة تكريمه وتقديره، ومضافا لهذا الفريق المرتزق البطانة التي ظفر بها كعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وزياد بن أبيه وأضرابهم من دهاة العرب وابالسة الدنيا فقد اخذوا في تسديده واحكام سلطانه وتخذيل اعدائه حتى اصبحت مقاومة حكمه من الصعوبة بمكان، فقد عجز أمير المؤمنين (ع) عن مقاومته ومناجزته حيث افسد عليه جيشه وتركه في ارباض الكوفة يتمنى النزوح عن هذه الدنيا ومفارقة ذلك المجتمع المصاب باخلاقه حتى قضى عليه السلام شهيدا صابرا.

(٥)

ولما فجع الاسلام ونكب المسلمون بقتل وصي الرسول (ص)، وبايعت الحواضر الاسلامية سبط النبي الامام الحسن اخذ معاوية وعملاؤه يدبّرون نفس الخطة التي دبّروها مع أبيه من قبل فافسدوا عليه جيشه وخواصه بالمال تارة وبالارهاب أخرى حتى بلغ بهم التخاذل والانحطاط مبلغا فظيعا فقد كاتبوا معاوية بتسليم الامام له أسيرا سرا أو علانية إن شاء ذلك وانضمت إلى ذلك عوامل أخرى سنذكرها مشفوعة بالتفصيل في غضون هذا الكتاب، فرأى عليه السلام أنه إن قاوم معاوية قاومه بيد جذاء ولو ضحى بنفسه لذهبت تضحيته سدى وتعود بالضرر الجسيم على الاسلام والمسلمين فوقف (ع) مع عدوه موقف الحازم اليقظ والبصير المحنك فصالح معاوية وحفظ دمه ودم أهل بيته والبقية الصالحة من المؤمنين، وقد كشف ذلك عن سمو رأيه وعمق نظره، ولم يترك (ع) بعد الصلح جهاده المقدس فقد انبرى يعمل في تحطيم عروش الدولة الأموية، ويبين اخطارها على العقيدة الاسلامية، وقد تصدى لمعاوية بالذات فذكر مثالبه وموبقاته في بلاطه وذلك حين سافر (ع) الى الشام.
وسيقف القارئ الكريم في بحوث هذا الكتاب على مدى الآلام المرهقة التي تجرعها سبط الرسول (ص) وريحانته من معاوية، ومن جلاوزته، ويقف على ما ألمّ به من المحن والبلوى، والاستهانة به حتى من خلص أصحابه وأصحاب أبيه، فقد جابهوه بعد ابرام الصلح باقسى القول وأمره وكان أشد على نفسه من ضربات السيوف، وقد صبر سلام الله عليه على ما انتابه من الخطوب، وبث حزنه وشكواه الى الله.
وبحثنا في هذا الكتاب عن مظاهر شخصيته، وعن سيرته الندية، التي هي ـ بحق ـ من اروع ما حفل به تأريخ المسلمين من المآثر والمفاخر، كما ذكرنا الأدوار التي اجتازت عليه، وما في عصره من الظواهر الاجتماعية فان الاحاطة بذلك ـ فيما نعلم ـ ضرورة ملزمة يقتضيها البحث، وقد بحثنا عن ذلك كله ببحث حر جهد ما توصل إليه تتبعنا، ومن الله التوفيق وهو ولي القصد.

النجف الأشرف: ١ / صفر سنة ١٣٧٣ هـ
باقر شريف القرشي

اجتماع النورين
نشأت الصديقة

فاطمة سيدة بنات حواء في إبان الدعوة الاسلامية وترعرعت والاسلام في مرحلة الارتقاء، وقد قام بدور تربيتها منقذ الانسانية وسيد ولد آدم الرسول محمد (ص) فغذاها من حكمه وكماله، وأفرغ عليها أشعة من روحه المقدسة، واشبعها من مكرمات نفسه العظيمة، لتكون قدوة لنساء أمته، ومثالا للكمال الانساني، وعنوانا للطهر والعفاف.
وحمل الرسول (ص) في نفسه من الحب لها ما لم يحمله لغيرها ذلك لأنها البقية الصالحة من زوجته الطاهرة أم المؤمنين خديجة (رض)(١٣) التي منحته بعطفها وحنانها، وآمنت به قبل غيرها، ورصدت جميع أموالها وامكانياتها لتقويم دعائم الاسلام وتشييد دعوته حتى نفذ جميع ما عندها من الثراء العريض، ولم ينس الرسول (ص) تلك اليد البيضاء التي اسدتها على الاسلام فقد قابلها بالشكر الجزيل والثناء العاطر، فكان بعد موتها دوما يترحم عليها ويذكر وفاءها واحسانها حتى وجدت عليها عائشة، وانطلقت تقول له:
(ما تذكر من عجوز حمراء الشدقين(١٤) قد أبدلك الله خيرا منها) فغضب النبي (ص) من هذا التوهين فقال لها:
(ما أبدلني الله خيرا منها آمنت بي حين كذبني الناس، وواستني بما لها حين حرمني الناس، ورزقت منها الولد وحرمته من غيرها..).(١٥).
لقد واسته خديجة حينما وجدت عليه جبابرة قريش، فوقفت الى جانبه تحميه وتصون دعوته بأموالها الضخمة كما رزق منها الولد ولم يرزقه من غيرها فقد رزق منها سيدة نساء العالمين شبيهة القديسة مريم بنت عمران في عفافها وطهارة ذيلها فاطمة الزهراء عليها السلام التي بتلها الله عن النظير وهو السبب في تسميتها (بالبتول) كما ان السبب في تسميتها بفاطمة ان الله قد فطمها وذريتها من النار.(١٦)

سمو منزلتها:

وادلى الرسول (ص) بعظيم منزلة الزهراء عليها السلام وسمو مكانتها عند الله فقال (ص) مخاطبا لها:
(إن الله يرضى لرضاك ويغضب لغضبك)(١٧)
وأخذ بيدها وقال للمسلمين:
(من عرف هذه فقد عرفها، ومن لم يعرفها فهي فاطمة بنت محمد (ص) وهي بضعة مني، وهي قلبي، وهي روحي التي بين جنبي من آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله).(١٨)
لقد قرن الرسول راحتها براحته وسعادتها بسعادته، وقد تظافرت الاخبار التي أثرت عن النبي (ص) بذلك فقد قال (ص):
(إنما فاطمة شجنة مني(١٩) يبسطني ما يبسطها(٢٠) ويقبضني(٢١) ما يقبضها)(٢٢).
وروت عائشة عن مدى حفاوته (ص) وتكريمه للزهراء (ع) فقالت: إنها إذا دخلت عليه قام إليها فقبلها ورحب بها وأخذ بيدها فأجلسها في مجلسه(٢٣).
وسئلت عائشة فقيل لها:
ـ أي الناس كان أحب الى رسول الله (ص)؟
فقالت: فاطمة
فقيل لها، ومن الرجال؟
فقالت: زوجها إن كان ما علمت صواما قواما(٢٤).
وأخرج الامام احمد بن حنبل في (مسنده) ان النبي (ص) قال: (فداؤها أبوها) قال ذلك ثلاث مرات(٢٥).
وبلغ من حبه، وتقديره لها أنه إذا سافر جعلها آخر الناس عهدا به، وإذا قدم من سفره جعلها أول من يقصده(٢٦).
وروى أنس بن مالك أن رسول الله (ص) كان يمر بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج لصلاة الفجر يقول: الصلاة يا أهل البيت، ويتلو قوله تعالى: (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) الآية.
لقد كان كلف النبي (ص) واشفاقه على بضعته الزهراء (ع) فوق كلف الآباء واشفاقهم على أبنائهم(٢٧) ومن المعلوم الذي لا ريب فيه ان الرسول (ص) لم يمنحها هذا العطف، ولم يفض عليها هذا التكريم لأنها ابنته ولا عقب له سواها فان شأن النبوة بعيد كل البعد عن المحاباة والاندفاع بعاطفة الهوى والحب، وانما صنع ذلك لتشييد الفضيلة ورفع مستوى القيم الرفيعة فانه (ص) لم يجد في بنات المسلمين ونسائهم من تضارع ابنته في كمالها وعفافها وطهارة ذيلها فقد تجسمت فيها جميع المثل الخيرة من العلم والعبادة والتقوى وغير ذلك من الصفات التي عز وجود بعضها في بنات حواء.

خطبة الامام لها:

ولما أشرفت كريمة الرسول (ص) على ميعة الشباب تشرفت مشيخة الصحابة بمقابلة الرسول (ص) وعرضوا عليه رغبتهم في التشرف بمصاهرته فقد جاء أبو بكر خاطبا فرده (ص) وقال له: (أنتظر بها القضاء) وأعقبه عمر فرده بمثل ما رد به صاحبه(٢٨)، ولما علم المسلمون أن أمر الزهراء بيد الله تعالى وليس للنبي (ص) أن يبت فيه، وجموا عن مذاكرته في ذلك، ومضت فترة من الزمن اجتمع في خلالها نفر من الصحابة بعلي فذكروا له قربه من الرسول (ص) وشدة بلائه في الاسلام ومناصرته للنبي في جميع المواقف والمشاهد، وحفزوه على خطبة كريمته ليفوز بمصاهرته ويحوز الى شرف جهاده شرف المصاهرة، فسار (ع) بين احجام واقدام يمشي في خطو متمهل وئيد حتى دخل على النبي (ص) وقد أخذه صمت رهيب(٢٩) فالتفت (ص) إليه مستفسرا:
(ما حاجة ابن أبي طالب؟)
فغالبه الحياء برهة ثم اجاب:
(ذكرت فاطمة يا رسول الله)
فاجابه الرسول والسرور باد على وجهه، وابتسامة ظاهرة على شفتيه قائلا:
(مرحبا إن الله أمرني أن أزوجك من ابنتي)(٣٠)
وتغمر المسرات قلب الامام بما أراد له الخالق الحكيم من خير الدنيا والآخرة فهو ابن عم الرسول (ص) وسيصبح له صهرا، وورد في بعض التفاسير انه هو المعنى بهذه الآية (وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا)(٣١) ويلتفت النبي الى أصحابه فيخبرهم بما أمره الله به قائلا:
(لقد أتاني ملك، فقال لي: يا نبي الله، إن الله يقرئك السلام، ويقول لك: إني زوجت فاطمة من علي في الملأ الأعلى فزوجها منه في الأرض)(٣٢).
ويدخل الرسول (ص) على ابنته، وقد اترعت نفسه الشريفة بالافراح فيخبرها بذلك قائلا لها (زوجتك خير أمتي اعلمهم علما وافضلهم حلما وأولهم سلما)(٣٣).
ويقول لها مرة اخرى.
(يا فاطمة، أما علمت أن الله عز وجل اطلع على اهل الارض، فاختار منهم أباك فبعثه نبيا، ثم اطلع ثانية فاختار بعلك فاوحي إلي فانكحته، واتخذته وصيا..)(٣٤)
ويقول لها:
(إنه لأول أصحابي اسلاما أو أقدم أمتي سلما، وأكثرهم علما وأعظمهم حلما)(٣٥).
ومع توفر هذه المثل الرفيعة والقيم العليا في شخصية الامام (ع) كيف لا يزوجه الرسول (ص) من كريمته التي لا كفؤ لها في المسلمين سوى أمير المؤمنين كما جاء بذلك الحديث الشريف (لو لم يخلق علي ما كان لفاطمة كفؤ)(٣٦).

المهر:

وأنبرى الرسول (ص) وقد غمرته موجات من السرور الى الامام قائلا له:
(ما عندك من المهر؟)
اجابه الامام أنه لا يملك شيئا من متع الدنيا سوى فرسه، ودرعه، وكانت الدرع مما أفاء الله بها عليه من غنائم بدر، فقال له النبي (ص): (أما فرسك فلا بد لك منها، وأما درعك فبعه).
وانطلق الامام الى السوق فباع درعه باربعمائة وثمانين درهما، وجاء بالثمن معقودا في طرف ثوبه(٣٧) فوضعه بين يدي الرسول (ص) وقد غلبه الحياء حيث يعلم ان هذا المهر هو اقل ما يبذله الفقراء مهرا لازواجهم ولكن الرسول (ص) أحب مصاهرته لا لشيء من حطام الدنيا ولا لغير ذلك مما يئول أمره الى التراب بل انما خصه بهذه المكرمة لأنه الفرد الاول في أمته الذي امتاز على غيره بسبقه الى الاسلام(٣٨) وجهاده عن حياض هذا الدين بالاضافة الى عبقرياته الاخرى التي لا تتوفر بعضها في أي انسان.

الجهاز:

وعند ما قبض الرسول (ص) المهر ناول بعضا منه بلالا ليشتري شيئا من الطيب والروائح وناول بعضه الآخر سلمان وأم سلمة ليشتريا بقية الأثاث، وما هي إلا ساعة حتى تم جهاز العرس وكان إهاب كبش إذا ارادا أن يناما قلباه على صوفه، ووسادة من أدم حشوها ليف(٣٩) وسريرا مشروطا(٤٠) ورحيين وسقاء وجرتين(٤١) وغير ذلك مما هو زهيد في بادئ الرأي ولكنه في نظر الاسلام أثمن من الجوهر واعلى من الأمتعة الثمينة التي توجد عند الملوك وذوي الثراء العريض، وقد استنتج المستشرق الانگليزي (لامنس) من هذا الجهاز المقدس نتيجة معكوسة يقول:
(وبالاحرى أن هذا الجهاز الذي أمر به محمد (ص) دليل على الكراهية التي في نفس محمد (ص) لابنته فاطمة ولزوجها وكانت كراهيته له لا تقل عنها).(٤٢)
ولحقد (لامنس) على الاسلام وجهله بحكم تشاريعه استنتج ذلك فقد اعتقد أن مظاهر الحب من الوالد تجاه ولده تتجلى فيما إذا أكثر له من ملاذ الحياة ونعيمها ومباهجها، ولم يعلم أن مقام الرسول (ص) اسمى من أن يخضع لعاطفة الحب التي تجر إلى زخارف الحياة، فانه في عمله هذا كان في مقام التشريع والتأسيس لأهم نقطة حيوية في الإسلام تبتنى عليها سعادة المسلمين وهي تسهيل الزواج وعدم تعقيده بزيادة المهر، فان المهر الذي ارتضاه لابنته، وهذا الجهاز الزهيد الذي هيأه لها مع أنها أعز ابنائه وبناته انما هو سنة من نظامه الرفيع الخالد الذي كره المغالاة في المهر فان زيادته تمنع الفقراء والبؤساء من الاقتران، ولهذه الغاية النبيلة قال (ص): (أفضل نساء امتي أقلهن مهرا)(٤٣) ويقول الامام موسى بن جعفر عليه السلام: كان الرجل على عهد رسول الله يتزوج المرأة على السورة من القرآن وعلى الدرهم وعلى الحنطة، القبضة(٤٤) وقد زوج (ص) أحد أصحابه وجعل صداق زوجه تعليم سورة من القرآن الكريم(٤٥)، لقد حثت الشريعة الاسلامية على الزواج وتساهلت في صداقه، والغت التفاضل بين الزوجين، وجعلت المسلم كفء المسلمة، والحكمة في ذلك هو قمع الفساد والقضاء على البغاء، وتكثير النسل، وقد خفيت هذه العلل والاسباب على (لامنس) الذي لا ينظر الى الاشياء الا من زاوية المادة فاستنتج النتيجة السالفة على غير هدى جاهلا بالنظم الاسلامية الداعية الى سعادة المجتمع ودفع الشقاء عنه.

خطبة العقد:

ولما تم شراء الجهاز دعا رسول الله (ص) جماعة من المهاجرين والانصار لحضور مجلس العقد فلما مثلوا عنده اجرى (ص) خطبة النكاح وهذا نصها:
(الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المطاع بسلطانه، المرهوب من عذابه وسطواته، النافذ أمره في سمائه وارضه، الذي خلق الخلق بقدرته، وميزهم بأحكامه، وأعزهم بدينه، وأكرمهم بنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم إن الله تبارك اسمه وتعالت عظمته جعل المصاهرة سببا لاحقا وأمرا مفترضا او شج به الارحام والزمها الأنام، فقال عزّ من قائل: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً) وأمر الله يجري الى قضائه، وقضاؤه يجري إلى قدره، ولكل قضاء قدر، ولكل قدر أجل، ولكل أجل كتاب (يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ) ثم ان الله عز وجل أمرني أن ازوج فاطمة من علي، وأشهدكم أني زوجت فاطمة من علي على اربعمائة مثقال فضة إن رضي بذلك على السنة القائمة والفريضة الواجبة، فجمع الله شملهما، وبارك لهما، وأطاب نسلهما وجعل نسلهما مفاتيح الرحمة ومعادن الحكمة، وأمن الأمة اقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم..).
ولم يكن الامام حاضرا مجلس العقد، وإنما كان في حاجة لرسول الله (ص) وحينما انتهت خطبة العقد دخل امير المؤمنين على النبي (ص) فلما رآه تبسم وقال له:
(يا علي، إن الله أمرني أن أزوجك فاطمة، واني قد زوجتكها على اربعمائة مثقال فضة) فقال أمير المؤمنين: رضيت، وخر (ع) ساجدا لله شاكرا له، ولما رفع رأسه من السجود قال (ص): (بارك الله لكما وعليكما وأسعد جدكما واخرج منكما الكثير الطيب).(٤٦)
وأمر الرسول (ص) أن يقدم للمدعوين وعاء فيه بسر، وقال لهم: (انتهبوا فتخاطف المدعوون منه(٤٧) وبعد الفراغ تفرقوا وهم يدعون للزوجين بالسعادة والهناء والذرية الطاهرة.

الوليمة:

ولما حانت ليلة اقتران النورين قال رسول الله (ص) وقد غمرته الافراح:
يا علي: لا بد للعروس من وليمة
فانطلق سعد بن عبادة فتبرع بكبش وتبرع الانصار بأصوع من ذرة(٤٨) ودعي المسلمون لتناول طعام العشاء وتقول اسماء: ما كانت وليمة في ذلك الزمان أفضل من وليمة علي(٤٩) وقام المدعوون فتناولوا الطعام، وبعد الفراغ منه اقبلوا يهنئون الامام ويباركون له.

الزفاف:

وطلب النبي (ص) من أم سلمة أن تذهب بكريمته الى دار أمير المؤمنين فمضت أم سلمة مع حفنة من النساء تقدمهن أمهات المؤمنين قد زففن الصديقة الطاهرة الى بيت الامام وهن يرتلن الاهازيج والأشعار، وبعد ما فرغ الرسول (ص) من صلاة العشاء انطلق الى دار علي فاستقبلته أم أيمن فقال لها بصوت فياض بالبشر:
(هاهنا أخي؟)
وملكت الدهشة أم أيمن فراحت تقول:
(بأبي أنت وأمي يا رسول الله!... فمن أخوك؟)
(علي بن أبي طالب)
(وكيف يكون أخاك وقد زوجته ابنتك؟)
(هو ذلك يا أم أيمن)
ودخل النبي (ص) فنهض الزوجان تكريما واجلالا له فالتفت إلى فاطمة وأمرها بان تناوله ماء فاحضرت له قعبا فيه ماء فاخذه ومج فيه وقال لها: قومي فنضح بعض ذلك الماء على ثدييها(٥٠) ورأسها وهو يرفع صوته بالدعاء الى الله.
(اللهم، إني اعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم)
وقال لعلي: عليّ بماء، فاحضره له فاخذ منه شيئا ثم مجه فيه وصبه على رأسه وانطلق يدعو له:
(اللهم: إني اعيذه بك وذريته من الشيطان الرجيم)
ثم قال له ادبر فادبر وصب بقية ذلك الماء بين كتفيه، ودعا له وقال له: ادخل باهلك باسم الله والبركة(٥١) وانصرفت النسوة إلى منازلها وتخلفت أسماء بنت عميس فقال لها (ص): (من أنت؟)
(أنا التي أحرس ابنتك، إن الفتاة ليلة بنائها لا بد لها من امرأة قريبة منها، إن عرضت لها حاجة أو ارادت أمرا أفضت بذلك إليها..)
فشكر النبي (ص) ذلك منها وانطلق يوافي ابنته بدعائه:
(إني اسأل الهي أن يحرسك من بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك من الشيطان الرجيم...)
وقام النبي (ص) فاغلق الباب بيده وانصرف وهو يدعو لهما خاصة لا يشرك أحدا في دعائه حتى توارى في حجرته(٥٢) وكان تأسيس هذا البيت الجديد في السنة الثانية من الهجرة(٥٣). ويمتد الزمن بعد زواج الامام عليه السلام والعيش هادئ، والحياة البيتية كل يوم في سرور قد غمرتها المودة والوداعة، وبذل المعونة وترك الكلفة واجتناب هجر الكلام ومره، فكان الامام يشارك زوجته في شئونها البيتية ويعينها بما تحتاج إليه فكانت حياتهما أسمى مثل للرابطة الزوجية الرفيعة.
وفي فترات تلك المدة السعيدة عرض للصديقة (ع) حمل وكان الرسول يبشر بطلائعه وأنه غلام وذلك حينما جاءت إليه أم الفضل تطلب منه تفسير رؤياها(٥٤) قائلة له يا رسول الله (ص) إني رأيت في المنام أن عضوا من أعضائك سقط في بيتي، فقال لها (ص): خيرا رأيت تلد فاطمة غلاما فترضعيه بلبن قثم(٥٥).
وكان المسلمون آنذاك ينتظرون بفارغ الصبر وخصوصا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ساعة ولادة الصديقة شوقا الى المولود المبارك لتطيب به للإمام (ع) ولزوجته الحياة وتظللهما السعادة، ونختم الفصل لنستقبل الوليد الجديد.

الوليد الجديد

أطل على العالم الاسلامي نور الامامة من بيت أذن الله أن يرفع، ويذكر فيه اسمه، وانبثق من دوحة النبوة والإمامة فرع طيب زاك رفع الله به كيان الاسلام، وأشاد به صروح الايمان، وأصلح به بين فئتين عظيمتين.
لقد استقبل حفيد الرسول (ص) وسبطه الاكبر سيد شباب أهل الجنة دنيا الوجود في شهر هو أبرك الشهور وأفضلها حتى سمي شهر الله، وهو شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، وكان ذلك في السنة الثانية، أو الثالثة من الهجرة(٥٦) وقد شوهدت في طلعة الوليد طلعة الرسول (ص) وبدت فيه شمائل النبوة ومحاسن الإمامة.
ولما أذيع نبأ ولادة الصديقة بالمولود المبارك غمرت موجات من السرور والفرح قلب النبيّ (ص) فسارع إلى بيت ابنته ـ أعز الباقين، والباقيات عليه من ابنائه ـ ليهنئها بمولودها الجديد ويبارك به لاخيه امير المؤمنين، ويفيض على المولود شيئا من مكرمات نفسه التي طبق شذاها العالم باسره ولما وصل (ص) الى مثوى الامام نادى:
(يا أسماء: هاتيني ابني..)
فانبرت أسماء، ودفعته إليه في خرقة صفراء فرمى بها.
وقال:
(الم أعهد إليكم أن لا تلفوا المولود في خرقة صفراء؟)
وقام (ص) فسرّه، وألباه بريقه(٥٧) وضمه إلى صدره، ورفع يديه بالدعاء له.
(اللهم: إني أعيذه بك، وذريته من الشيطان الرجيم..)(٥٨)

سنن الولادة:

واخذ (ص) باجراء مراسيم الولادة وسننها على مولوده المبارك وهى:

١ ـ الأذان والإقامة:

وأذن (ص) في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى(٥٩) وفي الخبر (ان ذلك عصمة للمولود من الشيطان الرجيم)(٦٠).
همسة رائعة همس بها خير بني آدم في أذن وليده، ليستقبل عالم الوجود باسمى ما فيه، فاى بداية منح بها الانسان افضل من هذه البداية التي منح بها السبط الاكبر؟! فان اول صوت قرع سمعه هو صوت جده الرسول (ص) علة الموجودات، وسيد الكائنات، وأنشودة ذلك الصوت.
(الله اكبر لا إله إلا الله.)
بهذه الكلمات المنطوية على الإيمان بكل ماله من معنى يستقبل بها الرسول (ص) سبطه فيغرسها في اعماق نفسه، ويغذي بها مشاعره، وعواطفه لتكون انشودته في بحر هذه الحياة.

٢ ـ التسمية:

والتفت (ص) إلى أمير المؤمنين، وقد أترعت نفسه العظيمة بالغبطة والمسرات فقال له:
(هل سميت الوليد المبارك؟)
فأجابه الامام:
(ما كنت لاسبقك يا رسول الله.)
وانطلق النبي (ص) فقال له:
(ما كنت لأسبق ربي..)
وما هي الا لحظات وإذا بالوحي يناجى الرسول، ويحمل له (التسمية) من الحق تعالى يقول له جبرئيل: (سمه حسنا)(٦١).
حقا إنه اسم من أحسن الأسماء وكفى به جمالا وحسنا أن الخالق الحكيم هو الذي اختاره ليدل جمال لفظه على جمال المعنى وحسنه.

٣ ـ العقيقة:(٦٢)

وانطوت سبعة أيام على ولادة حفيد الرسول (ص) فاتجه (ص) إلى بيت الإمام (ع) ليقوم ببعض التكريم والاحتفاء فجاء بأقصى ما عنده من البر والتوسعة فعق عنه بكبش واحد(٦٣) واعطى القابلة منه الفخذ وصار فعله هذا سنة لأمته من بعده.

٤ ـ حلق رأسه:

وحلق (ص) رأس حفيده بيده المباركة، وتصدق بزنته فضة على المساكين(٦٤) وطلى رأسه بالخلوق(٦٥) حقا لم نر حنانا مثل هذا الحنان، ولا عطفا يضارع هذا العطف.

٥ ـ الختان:

واجرى (ص) عليه الختان في اليوم السابع من ولادته(٦٦) لأن ختان الطفل في ذلك الوقت اطيب له وأطهر(٦٧).

٦ ـ كنيته:

وكناه النبي (ص) أبا محمد(٦٨) ولا كنية له غيرها، وبهذا انتهت جميع مراسيم الولادة التي قام النبيّ (ص) بها لسبطه الأكبر.

ألقابه:

ولقب (ع) بالسبط، والزكي، والمجتبى، والسيد، والتقي.

ملامحه:

أما ملامحه، فكانت تحاكي ملامح جده الرسول (ص) فقد حدث أنس ابن مالك قال: لم يكن أحد أشبه بالنبى من الحسن بن علي(٦٩) وقد صور رواة الأثر صورته بما ينطبق على صورة جده (ص) فقالوا: إنه كان ابيض مشربا بحمرة ادعج العينين(٧٠) ذا وفرة(٧١) عظيم الكراديس(٧٢) بعيد المنكبين(٧٣) جعد الشعر(٧٤) كث اللحية(٧٥) كأن عنقه إبريق فضة(٧٦) وهذه الأوصاف تضارع أوصاف النبيّ (ص) حسب ما ذكره الرواة من أوصافه (ص)، وكما شابه جده في صورته فقد شابهه وماثله في اخلاقه الرفيعة(٧٧).
رأى النبيّ (ص) أن سبطه الحسن (ع) صورة مصغرة عنه، يضارعه في أخلاقه، ويحاكيه في سمو نفسه، وانه قبس من سناه، يرشد أمته من بعده الى طريق الحق، ويهديها إلى سواء السبيل، واستشف (ص) من وراء الغيب أن كل ما يصبو إليه في هذه الحياة من المثل العليا سيحققه على مسرح الحياة، فافرغ عليه أشعة من روحه العظيمة، وقابله بالعناية والتكريم، وأفاض عليه حنانه وعطفه، من حين ولادته ونشأته، وسنقدم عرضا مفصلا لإلوان ذلك التكريم والاحتفاء الذي صدر من النبي (ص) تجاه الحسن في حال طفولته وصباه.

ذكاء وعبقريّة

ومما لا شبهة فيه أن للتربية الصالحة أهمية كبرى في تكوين الطفل، وتنمية مداركه، كما أن سلوك الوالدين لهما الأثر الفعال في نمو ذكائه، وفي سلوكه العام، وطفولة الامام الحسن (ع) قد التقت بها جميع هذه العناصر الحية، فالرسول (ص) تولى تربية سبطه، وافاض عليه بمكرمات نفسه، والامام أمير المؤمنين (ع) غذاه بحكمه ومثله، والعذراء القديسة أفضل بنات حواء قد غرست في نفس وليدها الفضيلة والكمال، وبذلك سمت طفولته فكانت مثالا للتكامل الانساني، وعنوانا للسمو والتهذيب، ورمزا للذكاء والعبقرية.
لقد ذهب بعض علماء النفس إلى أن الطفل في اصغر ما يلزمه من العادات، وفي أهم الخصائص العقلية، والخلقية، وفي الموقف العام الذي يقفه من الناس، وفي وجهة النظر العامة التي ينظر بها إلى الحياة أو العمل في كل هذه الأشياء مقلد إلى حد كبير، وقد يكون التقليد أحيانا شعوريا مقصودا، ولكنه في أغلب الحالات يكون لا شعوريا، فاذا منح الطفل بتقليده الأشخاص المهذبين ظل متأثرا باخلاقهم وعواطفهم، وإن هذا التأثير في أول الأمر يعتبر تقليدا، ولكنه سرعان ما يصبح عادة، والعادة طبيعة ثانية، والتقليد هو أحد الطريقين اللذين تكتسب بهما الخصائص الفردية، وتتكون بهما الأخلاق الشخصية(٧٨).
إن الامام الحسن (ع) على ضوء هذا الرأي، هو الفرد الاول في خصائصه العقلية، والخلقية لأنه نشأ في بيت الوحي، وتربى في مدرسة التوحيد، وشاهد جده الرسول (ص) الذي هو اكمل انسان ضمه هذا الوجود، يقيم في كل فترة من الزمن صروحا للعدل، ويشيد دعائم الفضيلة والكمال، قد وسع الناس باخلاقه، وجمعهم على كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة، فتأثر السبط بذلك، وانطلق يسلك خطى جده في نصح الناس وارشادهم فقد اجتاز مع أخيه سيد الشهداء (ع)، وهما في دور الطفولة على شيخ لا يحسن الوضوء، فلم يدعهما السمو في النفس، وحب الخير للناس أن يتركا الشيخ على حاله لا يحسن وضوءه، فاحدثا نزاعا صوريا أمامه، وجعل كل منهما يقول للآخر: أنت لا تحسن الوضوء، والتفتا إلى الشيخ باسلوب هادئ وجعلاه حاكما بينهما قائلين له:
(يا شيخ، يتوضأ كل واحد منا أمامك، وانظر أي الوضوءين أحسن؟) فتوضآ أمامه، وجعل الشيخ يمعن في ذلك فتنبه إلى قصوره، والتفت إلى تقصيره من دون أن يأنف فقال لهما:
(كلاكما، يا سيدي: تحسنان الوضوء، ولكن هذا الشيخ الجاهل هو الذي لا يحسن، وقد تعلم الآن منكما، وتاب على يديكما...).(٧٩)
وهذه البادرة ترينا بوضوح ان اتجاه الرسول (ص) في هداية الناس بالطرق السليمة والاخلاق الرفيعة قد انطبعت في ذهن الامام الحسن عليه السلام وهو في دور الصبا حتى صارت من خصائصه ومن طبائعه لقد ذهب بعض علماء النفس إلى وراثة الخلق الفردي، وان لها أثرا مهما في تكوين اخلاق الشخص وأنها لا تقل أهمية عن التقليد، يقول (هكسلي):
(ما من أثر أو خاصة لكائن عضوي الا ويرجع كلها الى الوراثة، أو إلى البيئة، فالتكوين الوراثي يضع الحدود، لما هو محتمل، والبيئة تقرر أن هذا الاحتمال سيتحقق، فالتكوين الوراثي ليس الا القدرة على التفاعل مع أية بيئة بطريق خاص..).
وقد أيد هذه النظرية (جنجز) فقال: (إن كل انسان لديه قوى موروثة كامنة، ولكن اظهار أية واحدة يقف على الظروف التي تحيط بهذه القوى عند نموها).
وقاعدة الوراثة تقضى ان الامام الحسن (ع) في طليعة من ظفر بهذه الظاهرة فقد ورث ما استقر في نفس جده (ص) من القوى الروحية، والثروة الاصلاحية الهائلة يضاف إلى ذلك تأثره بالبيئة الصالحة التي تكونت من أسرته ومن خيار المسلمين وصلحائهم.
وملك الامام الحسن (ع) بمقتضى ميراثه من الذكاء، وسمو الادراك ما لا يملكه غيره، فقد حدث الرواة عن مدى نبوغه الباكر، فقالوا: إنه كان لا يمر عليه شيء إلاّ حفظه، وكان يحضر مجلس جده (ص) فيحفظ الوحي فينطلق إلى أمه فيلقيه عليها، فتحدث به أمير المؤمنين (ع) فيتعجب، ويقول:
(من أين لك هذا؟!!)
(من ولدك الحسن.)
واختفى الامام (ع) في بعض زوايا البيت ليسمع ولده، ويقبل الحسن على عادته ليلقي على أمه ما حفظه من آيات الوحي والتنزيل فيرتج عليه، ولا يستطيع النطق فتبادر البتول قائلة:
(يا بني، لما ذا أرتج عليك؟!!)
(يا أماه.. لا تعجبي مما عراني، فان كبيرا يرعاني!!)(٨٠).
وهذه البادرة تدل بوضوح على مدى ادراكه الواسع، الذي يبصر به الاشياء من بعيد، ويستشف به ما غاب عنه من وراء حجاب.

حفظه للحديث:

وحفظ (ع) وعمره الشريف اربع سنين الشيء الكثير مما سمعه من جده (ص) ونشير إلى بعض ما رواه عنه.
١ ـ قال (ع): علمنى رسول الله (ص) كلمات أقولهن في الوتر: (اللهم، اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما اعطيت، وقنى شر ما قضيت، فانك تقضى ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت).(٨١)
٢ ـ وروى عمير بن مأمون، قال: سمعت الحسن بن علي (ع) يقول: (من صلى صلاة الغداة، فجلس في مصلاه حتى تطلع الشمس كان له حجاب من النار، أو قال: ستر من النار)(٨٢).
٣ ـ وقال له بعض أصحابه: ما تذكر من رسول الله (ص)؟ فقال (ع): أخذت تمرة من تمر الصدقة، فتركتها في فمي فنزعها بلعابها، فقيل يا رسول الله، ما كان عليك من هذه التمرة، قال إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة(٨٣).
٤ ـ وسئل (ع) عما سمعه من رسول الله (ص)، فقال: سمعته يقول لرجل: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فان الشر ريبة والخير طمأنينة)(٨٤).
٥ ـ وحدث (ع) أصحابه عن خلق جده الرسول (ص) وسيرته فقال: كان رسول الله (ص) إذا سأله أحد حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول.
٦ ـ قال (ع): سمعت رسول الله (ص) يقول: (ادعوا لي سيد العرب ـ يعنى عليا ـ فقالت له عائشة: الست سيد العرب؟ فقال لها أنا سيد ولد آدم وعلي سيد العرب، فدعى له الإمام فلما مثل بين يديه أرسل خلف الأنصار، فلما حضروا التفت إليهم قائلا:
يا معشر الأنصار ألا ادلكم على شيء ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا، قالوا بلى يا رسول الله فقال: هذا علي فأحبوه بحبي واكرموه بكرامتى فان جبرئيل أخبرني بالذي قلت لكم عن الله عز وجل(٨٥) وقد نقل علماء الفقه ورواة السنة الشيء الكثير عنه (ع) مما سمعه وشاهده من رسول الله (ص) فيما يتعلق بأحكام الشريعة المقدسة وآدابها وذلك يدل على نبوغه وعبقريته وإدراكه الواسع، والناظر في دور طفولته (ع) يهيم بها إعجابا وإكبارا وتقديسا وذلك لما لها من آيات للكمال والفضيلة والذكاء، ولما أنيطت بلون من التربية الرفيعة التي لم يظفر بها إنسان فيما نحسب.

تكريم وحفاوة

واشاد كتاب الله العزيز بفضل اهل البيت واحتفى بهم رسول الله (ص) فقرنهم بمحكم الكتاب، وفرض على الأمة مودتهم وحبهم، ولا بد لنا أن نشير إلى بعض ما ورد في الكتاب، والسنة في حق أهل البيت (ع) فان ذلك يرتبط ارتباطا وثيقا بما نحن فيه ويكشف لنا عن مدى خطورة الامام الحسن (ع) وعظم شأنه، وسمو منزلته، وإلى القراء ذلك:

الكتاب العزيز:

ونطق كتاب الله العظيم ـ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه ـ بفضل أهل البيت، وبسمو مكانتهم عند الله، وحسبنا أن نشير إلى بعض آياته:

١ ـ آية المودة:

وفرض الله على المسلمين مودة أهل البيت (ع) وقد نطق القرآن بذلك قال تعالى: (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)(٨٦) وروى ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية قال بعض المسلمين: يا رسول الله من قرابتك الذين أوجبت علينا طاعتهم؟ فقال (ص): علي وفاطمة وابناهما(٨٧) وروى أبو نعيم بسنده عن جابر، قال جاء اعرابي إلى النبي (ص) فقال: يا محمد أعرض عليّ الاسلام، فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وان محمدا عبده ورسوله، قال: تسألني عليه أجرا؟ قال: ـ لا ـ إلا المودة في القربى، قال: قرباي أو قرباك؟ قال: قرباي، قال هات أبايعك، فعلى من لا يحبك ولا يحب قرباك لعنة الله، قال (ص) آمين(٨٨) وصرح الامام الحسن (ع) أنه من المعنيين بهذه الآية في بعض خطبه قال (ع):
(وأنا من أهل البيت الذين أفترض الله مودتهم على كل مسلم، فقال تبارك وتعالى: (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى، وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً) فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت.)(٨٩)
وإلى مضمون الآية الكريمة يشير الامام الشافعي في قوله:

يا أهل بيت رسول الله حبكم * * * فرض من الله في القرآن أنزله(٩٠)

وأفاد الفخر الرازي ما نصه: (وإذا ثبت هذا ـ يعنى أنها نزلت في علي وفاطمة وابناهما ـ وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم، وتدل عليه وجوه (الاول) قوله تعالى: (إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) ووجه الاستدلال به ما سبق، وهو ما ذكره من قبل من أن آل محمد (ص) هم الذين يئول أمرهم إليه، فكل من كان أمرهم إليه أشد وأكمل كانوا هم الآل، ولا شك ان فاطمة وعليا والحسن والحسين (ع) كان التعلق بينهم وبين رسول الله (ص) أشد التعلقات، وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر، فوجب أن يكونوا هم الآل (الثانى) لا شك ان النبي (ص) كان يحب فاطمة (ع) قال (ص): (فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها) وثبت بالنقل المتواتر عن محمد (ص) أنه كان يحب عليا والحسن والحسين:، وإذا ثبت ذلك وجب على كل الأمة مثله، لقوله تعالى: (وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) ولقوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) ولقوله: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ) ولقوله سبحانه:
و (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (الثالث) إن الدعاء للآل منصب عظيم، ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلاة، وهو قوله: اللهم صل على محمد وآل محمد، وارحم محمدا وآل محمد) وهذا التعظيم لم يوجد في حق غير الآل، فكل ذلك يدل على أن حب آل محمد واجب).(٩١)
إن مودة أهل البيت من أهم الواجبات الاسلامية، ومن أقدس الفروض الدينية لأن فيها أداء لأجر الرسالة، وصلة للرسول (ص)، وشكرا له على ما لاقاه من عظيم العناء في سبيل انقاذ المسلمين من الشرك وعبادة الأوثان، فحقه على الأمة أن توالي عترته، وتكن لها المودة والاحترام.

٢ ـ آية التطهير:

ومن آيات الله البينات الدالة على عصمة اهل البيت من الذنوب، وعلى طهارتهم من الزيغ والآثام، آية التطهير قال تعالى: (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(٩٢) وهي صريحة الدلالة في العصمة، ويقع البحث في الآية من جهات:

أ ـ دلالتها على العصمة:

وكيفية الاستدلال بها على عصمة أهل البيت، انه تعالى حصر إرادة إذهاب الرجس ـ أي المعاصي ـ بكلمة انما، وهي من أقوى أدوات الحصر وبدخول اللام في الكلام الخبري وبتكرار لفظ الطهارة وذلك يدل ـ بحسب الصناعة ـ على الحصر والاختصاص، ومن المعلوم أن ارادة الله تعالى يستحيل فيها تخلف المراد عن الارادة (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) وبذلك يتم الاستدلال بها على عصمة أهل البيت من كل ذنب ومعصية.

ب ـ المختصون بها:

واجمع ثقاة الرواة أنها نزلت في رسول الله (ص) وفي أمير المؤمنين عليه السلام وفاطمة، والحسنين (ع) ولم يشاركهم أحد في هذه الفضيلة(٩٣) فقد روى الحاكم بسنده عن أم سلمة أنها قالت: في بيتي نزلت هذه الآية (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) قالت: فأرسل رسول الله (ص) إلى علي وفاطمة والحسن والحسين (ع) فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، قالت أم سلمة: يا رسول الله ما أنا من أهل البيت؟ قال (إنك إلى خير وهؤلاء أهل بيتي، اللهم أهل بيتي احق)(٩٤).
وفي رواية أم سلمة الأخرى: (قالت في بيتي نزلت: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت)، وفي البيت فاطمة وعلى والحسن والحسين فجللهم رسول الله (ص) بكساء كان عليه، ثم قال: هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا).(٩٥)
وروى الخطيب البغدادي بسنده عن أبي سعيد الخدري عن النبي (ص) في قوله تعالى: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) قال: جمع رسول الله (ص) عليا وفاطمة والحسن والحسين (ع) ثم أدار عليهم الكساء فقال: هؤلاء أهل بيتي اللهم اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وأم سلمة على الباب فقالت: يا رسول الله ألست منهم؟ فقال: إنك لعلى خير، أو إلى خير)(٩٦).
ويدل على اختصاص الآية بهم وعدم شمولها لغيرهم ما رواه ابن عباس قال: (شهدت رسول الله (ص) تسعة أشهر يأتى كل يوم باب علي بن أبي طالب (ع) عند وقت كل صلاة فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) الصلاة رحمكم الله، كل يوم خمس مرات)(٩٧).
واخرج ابن جرير وابن مردويه عن أبي الحمراء قال: حفظت من رسول الله (ص) ثمانية أشهر بالمدينة ليس من مرة يخرج إلى صلاة الغد إلا أتى باب علي فوضع يده على جنبتي الباب، ثم قال: الصلاة، الصلاة (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا).(٩٨)
وروى أبو برزة قال: صليت مع رسول الله (ص) سبعة أشهر فاذا خرج من بيته أتى باب فاطمة (ع) فقال: السلام عليكم (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا).(٩٩)
وروى أنس بن مالك قال: كان النبي (ص) يمر بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج لصلاة الفجر، ويقول: الصلاة يا أهل البيت (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ويطهركم تطهيرا).(١٠٠)
وقال الامام الحسن (ع) في بعض خطبه:
(وأنا من أهل البيت الذي كان جبريل ينزل إلينا، ويصعد من عندنا، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرا.)(١٠١)
لقد تواترت الاخبار الصحيحة التي لا مجال للشك في سندها، وفي دلالتها، على اختصاص الآية الكريمة في الخمسة من أهل الكساء:، وعدم تناولها لغيرهم من أسرة النبي (ص).

ج ـ خروج نساء النبي:

وليس لنساء النبي (ص) نصيب في هذه الآية، فقد اختص بها أهل الكساء، وللتدليل على ذلك نذكر ما يلي:
١ ـ خروجهن موضوعا عن الأهل، فإنه موضوع لعشيرة الرجل وذوى قرباه، ولا يشمل الزوجة، ويؤكد هذا المعنى ما صرح به زيد ابن ارقم حينما سئل من أهل بيته ـ اي النبي (ص) ـ نساؤه؟ فقال ـ لا ـ وأيم الله، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها، وقومها، أهل بيته أصله، وعصبته، الذين حرموا الصدقة بعده(١٠٢).
٢ ـ انا لو سلمنا أن الأهل يطلق على الزوج فلا بد من تخصيصه، وذلك للاخبار المتواترة التي تقدم ذكرها وهي توجب تقييد الاطلاق من دون شك.

د ـ مزاعم عكرمة:

وزعم عكرمة أن الآية نزلت في نساء النبي (ص) وكان ينادى بذلك في السوق(١٠٣) وبلغ من اصراره وعناده أنه كان يقول: (من شاء باهلته أنها نزلت في أزواج النبيّ)(١٠٤) وعكرمة لا يعول على روايته، ولا يوثق به، وذلك لما يلي:
١ ـ انه من الخوارج(١٠٥) وموقف الخوارج من الامام أمير المؤمنين معروف، من ناحية النصب والعداء.
٢ ـ انه قد عرف بالكذب واشتهر به فعن ابن المسيب (انه قال لمولى اسمه برد لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس)(١٠٦) وعن عثمان بن مرة أنه قال للقاسم: ان عكرمة حدثنا عن ابن عباس كذا: فقال القاسم: يا بن اخي إن عكرمة كذاب يحدث غدوة حديثا يخالفه عشيا(١٠٧) ومع اتهامه بالكذب كيف يمكن التعويل على حديثه.
٣ ـ انه كان فاسقا يسمع الغناء، ويلعب بالنرد، ويتهاون في الصلاة وانه كان خفيف العقل(١٠٨).
٤ ـ إنه كان منبوذا عند المسلمين، فقد جفوه، وتجنبوه، وبلغت من كراهيتهم له أنه لما توفى لم يصلوا عليه، ولم يشهدوا تشييع جنازته(١٠٩) ومع هذه الطعون التي احتفت به كيف يمكن التعويل على روايته؟ مضافا إلى أنها من أخبار الآحاد حتى لو لم تمن بالضعف فانها لا تصلح لمعارضة الأخبار الصحيحة المتواترة.

٣ ـ آية المباهلة:

من آيات الله الباهرات التي أشادت بفضل أهل البيت (ع) آية المباهلة قال تعالى: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ)(١١٠) فقد روى الجمهور بطرق مستفيضة(١١١) أنها نزلت في أهل البيت (ع) وان ابناءنا اشارة إلى (الحسنين)، ونساءنا الى فاطمة، وأنفسنا إلى علي.

وموجز قصة المباهلة

ان وفدا من نصارى نجران قدموا على رسول الله (ص) ليناظروه في دينه، وبعد حديث دار بينهما اتفقا على (المباهلة) وهي أن يبتهلوا أمام الله تعالى فيجعلوا لعنته الخالدة وعذابه المعجل على الكاذبين، وعينوا زمانا خاصا لها.
وخرج رسول الله (ص) في اليوم الذي اتفقا عليه، وقد اختار للمباهلة أعز الناس لديه، وأكرمهم عند الله، وهم الحسن والحسين، وسيدة النساء فاطمة، وأمير المؤمنين، واحتضن (ص) الحسين وامسك بيده الأخرى الحسن، وسارت خلفه الزهراء وهي مغشاة بملاءة من نور الله، وأمير المؤمنين يسير خلفها وهو باد الجلال، وخرج السيد والعاقب بولديهما وعليهما الحلي والحلل، ومعهم نصارى نجران وفرسان بني الحرث على خيولهم، وهم على أحسن هيئة واستعداد، وقد اجتمعت الجماهير الحاشدة وهي تراقب الحادث الخطير، ويسأل الناس بعضهم بعضا، هل تباهل النصارى؟ أو تكف عن ذلك وبينما هم على هذا الحال إذ تقدم السيد والعاقب إلى رسول الله (ص) وقد بدا عليهما الذهول والارتباك قائلين:
(يا أبا القاسم بمن تباهلنا؟.).
فأجابهم (ص):
(أباهلكم بخير أهل الأرض وأكرمهم على الله، وأشار إلى علي وفاطمة والحسنين.)
وقدما له سؤالا مقرونا بالتعجب:
(لمّ لا تباهلنا بأهل الكرامة، والكبر، وأهل الشارة، ممن آمن بك، وأتبعك؟!!)
فقال رسول الله (ص):
(أجل. أباهلكم بهؤلاء خير أهل الأرض وأفضل الخلق.)
فذهلوا، وذابت قلوبهم من الخوف والرعب، ورجعوا قافلين الى الاسقف زعيمهم يستشيرونه في الأمر قائلين:
(يا أبا حارثة. ما ذا ترى في الأمر؟)
فأجابهم الاسقف، وقد غمرته هيبة آل الرسول (ص) قائلا:
(أرى وجوها لو سأل الله بها أحد أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله)
ولا يكتفي بذلك بل يدعم قوله: بالبرهان واليمين التي تؤيد مقالته:
(أفلا تنظرون محمدا رافعا يديه، ينظر ما تجيئان به، وحق المسيح ـ إن نطق فوه بكلمة ـ لا نرجع إلى أهل، ولا إلى مال!!)
وجعل يصيح بهم:
(ألا ترون إلى الشمس، قد تغير لونها، والأفق تنجع فيه السحب الداكنة(١١٢)، والريح تهب هائجة سوداء، حمراء، وهذه الجبال يتصاعد فيها الدخان، لقد أطل علينا العذاب، أنظروا إلى الطير وهي تقيء حواصلها وإلى الشجر كيف تتساقط أوراقها، وإلى هذه الأرض كيف ترجف تحت أقدامنا.!!!)
الله أكبر.. لقد غمرت المسيحيين عظمة تلك الوجوه المقدسة، وآمنوا بما لها من الكرامة والشأن عند الله، ووقفوا خاضعين أمام النبي (ص) ونفذوا طلباته، وقال (ص):
(والذي نفسي بيده إن العذاب تدلى على أهل نجران، ولو لا عنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولأضطرم عليهم الوادي نارا، ولأستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على الشجر، وما حال الحول على النصارى كلهم...).(١١٣)
ودلت قصة المباهلة على عظيم منزلة أهل البيت، وسمو مكانتهم، وانهم افضل خلق الله وأحبهم إلى رسول الله (ص)، ولا يداني فضلهم أحد من سائر العالمين.

٤ ـ سورة هل أتى:

ونزلت في أهل البيت (ع) سورة مباركة من سور القرآن الكريم وهي سورة (هل أتى) فقد روى جمهور المفسرين والمحدثين أنها نزلت فيهم(١١٤) والسبب في نزولها ان الحسن والحسين (ع) مرضا فعادهما جدهما رسول الله (ص) مع بعض الصحابة، فقالوا للامام: لو نذرت لله إن عافى ولديك، فنذر (ع) صوم ثلاثة أيام شكرا لله إن برئا، وتابعته الصديقة عليها السلام وجاريتها فضة في هذا النذر، ولما ابل الحسنان من المرض صاموا جميعا، ولم يكن عند أمير المؤمنين (ع) في ذلك الوقت شيء من الطعام ليجعله افطارا لهم فاستقرض ثلاثة أصواع من الشعير، فعمدت الصديقة (ع) في اليوم الاول إلى صاع فطحنته وخبزته فلما آن وقت الإفطار، وإذا بمسكين يستمنحهم من القوت شيئا، فتبرع الامام في افطاره، وتابعه الجميع في صنعه، وناولوا طعامهم إلى المسكين وقضوا ليلتهم، ولم يذوقوا من الطعام شيئا، واصبحوا وهم صائمون، فلما حل وقت الافطار، والطعام بين أيديهم، وإذا بيتيم على الباب يشكو ألم الجوع، فتبرعوا جميعا بقوتهم، وطووا ليلتهم، ولم يذوقوا سوى ماء القراح، وفي اليوم الثالث قامت سيدة النساء فطحنت ما فضل من الطعام وخبزته، فلما حان وقت الافطار قدمت لهم الطعام، وسرعان ما طرق الباب أسير يشكو الجوع فسحبوا أيديهم من الطعام، ومنحوه له، سبحانك اللهم أي مبرة أعظم من هذه المبرة، وأي ايثار اعظم من هذا الايثار!!!
وفي اليوم الرابع جاء رسول الله (ص) لزيارتهم، فرآهم ويا لهول ما رأى، رأى الصفرة بادية على الوجوه، الارتعاش حل في أجسامهم من الضعف، فتغير حاله وانطلق يقول:
(وا غوثاه أهل بيت محمد يموتون جياعا!!).
ولم ينته الرسول (ص) من كلامه حتى هبط عليه أمين الوحى، وهو يرفع إليه سورة (هل اتى) وفيها اجمل الثناء وعاطر الذكر لاهل البيت قال تعالى: (إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً * عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً * وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً.)
لقد شكر الله سعيهم على هذا الايثار الذي لا نظير له في عالم المبرات والاحسان، وأورثهم في دار الآخرة الفردوس يتقلبون في نعيمه، وجعل ذكرهم خالدا، وحياتهم قدوة، وجعلهم أئمة للمسلمين حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
وبهذا ينتهي بنا المطاف عن بعض الآيات التي نزلت في حق أهل البيت:، وهي من دون شك تتناول الامام الحسن (ع)، وتدل على خطورة شأنه، وسمو منزلته عند الله.

السنة:

أما الأخبار التي أثرت عن النبيّ (ص) في سبطه الاكبر، وأشادت بعظيم شأنه، وبينت عما يكنه الرسول (ص) في نفسه من عميق الود، وخالص الحب فهي على طوائف ثلاثة (الاولى) إنها مختصة به (الثانية) وردت فيه وفي أخيه سيد الشهداء (ع) (الثالثة) في أهل بيته، ومن المعلوم ان الامام الحسن (ع) من أبرارهم فتشمله بالضرورة تلك الأخبار وهذه المناحي قد تظافرت بها النصوص وتواترت حتى افادت القطع واليقين، وإلى القراء ذلك.

الطائفة الاولى:

اما ما أثر عن النبي (ص) فيما يخص سبطه فهى روايات عدة نقتصر منها على ما يلي:
١ ـ روى البراء بن عازب(١١٥) قال: رأيت النبي (ص) والحسن على عاتقه، يقول: (اللهم، إنى أحبه فاحبه).(١١٦)
٢ ـ وروت عائشة قالت: إن النبيّ (ص) كان يأخذ حسنا، فيضمه إليه ثم يقول: (اللهم، إن هذا ابنى، وأنا أحبه، فأحبه، وأحب من يحبه..).(١١٧)
٣ ـ وروى زهير بن الاقمر قال: بينما الحسن بن علي يخطب بعد ما قتل علي (ع) إذ قام إليه رجل من الأزد آدم طوال، فقال: لقد رأيت رسول الله (ص) واضعه في حبوته، يقول: (من أحبني فليحبه، فليبلغ الشاهد الغائب) ولو لا عزمة من رسول الله (ص) ما حدثتكم(١١٨).
٤ ـ وروى أبو بكرة قال: رأيت رسول الله (ص) على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه، وهو يقبل على الناس مرة، وعليه أخرى، ويقول: (إن ابني هذا سيد. ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)(١١٩).
٥ ـ وروى ابن عباس قال: اقبل النبيّ (ص) وقد حمل الحسن على رقبته فلقيه رجل، فقال نعم المركب ركبت يا غلام، فقال رسول الله (ص) ونعم الراكب هو.(١٢٠)
٦ ـ وروى عبد الله بن عبد الرحمن بن الزبير قال: أشبه أهل النبي (ص) وأحبهم إليه الحسن رأيته يجيء وهو ساجد فيركب رقبته أو قال: ظهره فما ينزله حتى يكون هو الذي ينزل، ولقد رأيته وهو راكع فيفرج له بين رجليه حتى يخرج من الجانب الآخر.(١٢١)
٧ ـ وروى ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى احدى صلاتي العشاء فسجد سجدة أطال فيها السجود، فلما سلم قال له الناس: في ذلك فقال: (إن ابنى هذا ـ يعنى الحسن ـ ارتحلنى فكرهت أن أعجله).(١٢٢)
٨ ـ وصعد صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر ليخطب، فجاء الحسن فصعد المنبر، فوضعه على رقبته حتى كان يرى بريق خلخاليه من اقصى المسجد، وهما يلمعان على صدر الرسول، ولم يزل على هذه الحالة حتى فرغ صلى الله عليه وآله وسلم من خطبته.(١٢٣)
٩ ـ وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (من سره أن ينظر إلى سيد شباب اهل الجنة فلينظر الى الحسن)(١٢٤)
١٠ ـ وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (الحسن ريحانتي من الدنيا)(١٢٥) ١١ ـ وروى انس بن مالك قال دخل الحسن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأردت أن أميطه عنه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (ويحك يا أنس دع ابنى، وثمرة فؤادي، فان من آذى هذا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله).(١٢٦)
هذه طائفة من الاخبار التي وردت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سبطه الاكبر، ويلمس فيها أسمى الوان التكريم والحفاوة والحب العميق.

الطائفة الثانية:

أما ما أثر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حق السبطين عليهما السلام فكوكبة من الروايات الصحاح التي دونها الثقات والحفاظ، وهي صريحة الدلالة في أنهما عليهما السلام من أعز الناس عند رسول الله صلى عليه وآله ومن أحبهم له، ونذكر منها ما يلي:
١ ـ روى سعيد بن راشد، قال: جاء الحسن والحسين عليهما السلام يسعيان الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخذ أحدهما فضمه الى إبطه، ثم جاء الآخر فضمه إلى إبطه الاخرى، وقال: (هذان ريحانتي من الدنيا من أحبنى فليحبهما)(١٢٧) وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم دوما يضفى عليهما هذا اللقب، وقد وردت بذلك روايات عديدة.(١٢٨)
٢ ـ وروى انس بن مالك قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي أهل بيتك أحب إليك؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: (الحسن والحسين) وكان يقول: لفاطمة ادعي ابني فيشمهما ويضمهما إليه.(١٢٩)
٣ ـ وروى أسامة بن زيد قال: طرقت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات ليلد في بعض الحاجة فخرج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وهو مشتمل على شيء لا ادري ما هو؟ فلما فرغت من حاجتي، قلت: ما هذا الذي أنت مشتمل عليه؟ قال فكشفه فاذا هو حسن وحسين على وركيه، فقال: (هذان ابناي، وابنا ابنتي، اللهم، إني احبهما فأحبهما وأحب من يحبهما).(١٣٠)
٤ ـ وروى سلمان الفارسي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (الحسن والحسين ابناي من احبهما احبني، ومن احبني أحبه الله، ومن أحبه الله ادخله الجنة، ومن أبغضهما ابغضني ومن ابغضني ابغضه الله، ومن ابغضه الله ادخله النار).(١٣١)
٥ ـ وروى ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما).(١٣٢)
٦ ـ واعتلى صلى الله عليه وآله وسلم أعواد المنبر يخطب، فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران، وهما يمشيان ويعثران، فنزل صلى الله عليه وآله وسلم عن المنبر فحملهما، ووضعهما بين يديه، وقال: صدق الله إذ يقول: (أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) (لقد نظرت إلى هذين الصبيين وهما يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما).(١٣٣)
٧ ـ وروى ابن عباس قال: بينا نحن ذات يوم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ أقبلت فاطمة سلام الله عليها تبكى، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فداك أبوك، ما يبكيك؟ قالت إن الحسن والحسين خرجا، ولا أدرى أين باتا، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تبكين فان خالقهما ألطف بهما مني ومنك، ثم رفع يديه، فقال: اللهم احفظهما وسلمهما، فهبط جبرئيل، وقال يا محمد، لا تحزن فانهما في حظيرة بني النجار، نائمان، وقد وكل الله بهما ملكا يحفظهما، فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعه أصحابه حتى أتى الحظيرة فاذا الحسن والحسين عليهما السلام معتنقان نائمان، وإذا الملك الموكل بهما قد جعل أحد جناحيه تحتهما والآخر فوقهما، يظلهما، فأكب النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليهما يقبلهما، حتى انتبها من نومهما، ثم جعل الحسن على عاتقه الايمن، والحسين على عاتقه الايسر، فتلقاه أبو بكر، وقال يا رسول الله: ناولني أحد الصبيين أحمله عنك، فقال صلى الله عليه وآله وسلم نعم المطي مطيهما، ونعم الراكبان هما، وأبوهما خير منهما، حتى أتى المسجد فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على قدميه وهما على عاتقيه ثم قال:
(معاشر المسلمين، ألا أدلكم على خير الناس جدا وجدة؟
(بلى يا رسول الله)
(الحسن والحسين، جدهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاتم المرسلين، وجدتهما خديجة بنت خويلد، سيدة نساء أهل الجنة) ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ألا أدلكم على خير الناس عما وعمة؟) قالوا: بلى يا رسول الله
(الحسن والحسين عمهما جعفر بن أبي طالب، وعمتهما أم هاني بنت أبي طالب.)
ثم قال: (أيها الناس، ألا أدلكم على خير الناس خالا وخالة؟) قالوا: بلى يا رسول الله
(الحسن والحسين، خالهما القاسم بن رسول الله، وخالتهما زينب بنت رسول الله).
ثم قال: اللهم، انك تعلم أن الحسن والحسين في الجنة، وعمهما، في الجنة، وعمتهما في الجنة، ومن أحبهما في الجنة، ومن أبغضهما في النار.(١٣٤)
ودل الحديث على مدى حبه صلى الله عليه وآله وسلم لسبطيه، وانهما أحب أهل بيته إليه، وآثرهما عليه، ومن المعلوم أن شأن النبوة بعيد عن الاندفاع بعواطف الحب، فانه صلى الله عليه وآله وسلم لم يمنحهما هذا الحب الا لانهما مصدرا كل فضيلة، ومنبعا كل خير.
٨ ـ وروى جابر، قال دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والحسن والحسين على ظهره، وهو يقول: (نعم الجمل جملكما، ونعم العدلان أنتما)(١٣٥) وبهذا المضمون روى عمر قال رأيت الحسن والحسين عليهما السلام على عاتقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلت نعم الفرس تحتكما فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونعم الفارسان هما(١٣٦) وقد نظم ذلك شاعر العقيدة السيد الحميرى في قوله:

اتى حسنا والحسين الرسول * * * وقد برزا ضحوة يلعبان
فضمهما وتفداهما * * * وكانا لديه بذاك المكان
ومرا وتحتهما عاتقاه * * * فنعم المطية والراكبان

٩ ـ وروى يعلى بن مرة الثقفي(١٣٧) قال: جاء الحسن والحسين يستبقان الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فضمهما إليه، وقال: إن الولد مبخلة مجبنة(١٣٨)
١٠ ـ وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (الحسن والحسين سبطان من الاسباط).(١٣٩)
١١ ـ وبلغ من مزيد حبه واشفاقه على سبطيه أنه كان يعوذهما خوفا عليهما من الحسد، فقد روى أبو نعيم بسنده عن عبد الله، قال: كنا جلوسا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ مرّ الحسن والحسين وهما صبيان، فقال: هات ابنى أعوذهما بما عوذ به إبراهيم ابنيه اسماعيل، واسحاق، فقال: (اعيذكما بكلمات الله التامة من كل عين لامة، ومن كل شيطان وهامة)(١٤٠) وليس في سجل المودة الانسانية أجمل من هذا الحنان، ولا أكرم من هذا العطف.
١٢ ـ ومما اشتهر بين المسلمين قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الحسن والحسين إمامان إن قاما وان قعدا)(١٤١) واضفى صلى الله عليه وآله وسلم على حفيديه حلة الامامة، وهي من أهم الصفات الماثلة فيهما وذلك لما تستدعيه من المثل العليا التي لا تتوفر إلا عند من اختاره الله واصطفاه من بين عباده، فقد خص الله بها خليله إبراهيم قال تعالى: (قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)(١٤٢) وسنتحدث عن الامامة، وما يعتبر في الامام من المؤهلات، والصفات عند عرض مثله عليه السلام.

الطائفة الثالثة:

وتواترت النصوص الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في لزوم مودة أهل بيته، وانه حرب لمن حاربهم، وسلم لمن سالمهم، وقرنهم بمحكم الكتاب، وجعلهم سفن النجاة، وأمان الأمة، وإلى القراء بعض تلك السنن.
١ ـ روى زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لعلي وفاطمة والحسن والحسين:: (أنا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم).(١٤٣)
٢ ـ وعن أبي بكر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيم خيمة، وهو متّكئ على قوس عربية، وفي الخيمة علي وفاطمة والحسن والحسين: فقال: (معشر المسلمين أنا سلم لمن سالم أهل الخيمة، وحرب لمن حاربهم، وولي لمن والاهم، لا يحبهم إلا سعيد الجد، طيب المولد، ولا يبغضهم إلا شقي الجد ردىء الولادة).(١٤٤)
٣ ـ وروى احمد بن حنبل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخذ بيد الحسن والحسين، وقال: (من احبني، وأحب هذين وأباهما، وامهما كان معي في درجتي يوم القيامة).(١٤٥)
٤ ـ وروى جابر، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ذات يوم بعرفات، وعلى تجاهه (ادن منى يا علي خلقت أنا وأنت من شجرة أنا أصلها وأنت فرعها، والحسن والحسين أغصانها فمن تعلق بغصن منها ادخله الله الجنة).(١٤٦)
٥ ـ وروى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتى أمان لأمتي من الاختلاف فاذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب ابليس).(١٤٧)
٦ ـ روى زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدى، احدهما اعظم من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتى ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما).(١٤٨)
إن حديث الثقلين من أوثق الأحاديث النبوية، واكثرها ذيوعا، وقد اهتم العلماء به اهتماما بالغا لانه يحمل جانبا مهما من جوانب العقيدة الاسلامية، كما انه من اظهر الأدلة التي تستند إليها الشيعة في حصر الامامة في اهل البيت، وفي عصمتهم من الاخطاء والاهواء لان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرنهم بكتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فلا يفترق أحدهما عن الآخر ومن الطبيعي أن صدور آية مخالفة لاحكام الدين تعتبر افتراقا عن الكتاب العزيز، وقد صرح النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعدم افتراقهما حتى يردا عليه الحوض، فدلالته على العصمة ظاهرة جلية، وقد كرر النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا الحديث في غير موقف من المواقف لأنه يهدف الى صيانة الأمة والمحافظة على استقامتها وعدم انحرافها في المجالات العقائدية، وغيرها أن تمسكت بأهل البيت ولم تتقدم عليهم، ولم تتأخر عنهم.
واستيفاء البحث في جوانب الحديث يستدعى وضع كتاب خاص، وقد كفانا مئونة البحث عنه ما ذكره العلماء من التحقيق الرائع في جميع مناحى الحديث سواء أكان من ناحية السند أم الدلالة وغيرها.(١٤٩)
٧ ـ روى أبو سعيد الخدرى قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (إنما مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، وإنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله غفر له..).(١٥٠)
يقول الامام شرف الدين في مرجعاته القيمة في بيان الحديث ما نصه (وأنت تعلم أن المراد من تشبيههم: بسفينة نوح أن من لجأ إليهم في الدين فأخذ فروعه وأصوله عن أئمتهم الميامين نجا من عذاب النار، ومن تخلف عنهم كان كمن آوى (يوم الطوفان) إلى جبل ليعصمه من أمر الله، غير أن ذاك غرق في الماء وهذا في الحميم والعياذ بالله. والوجه في تشبيههم: بباب حطة هو أن الله تعالى جعل ذلك الباب مظهرا من مظاهر التواضع لجلاله والبخوع لحكمه، وبهذا كان سببا للمغفرة.
هذا وجه الشبه، وقد حاوله ابن حجر إذ قال: ـ بعد أن أورد هذه الاحاديث وغيرها من أمثالها ـ
(ووجه تشبيههم بالسفينة أن من أحبهم وعظمهم شكرا لنعمة مشرفهم وأخذ بهدي علمائهم نجا، من ظلمة المخالفات، ومن تخلف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم، وهلك في مفاوز الطغيان) إلى أن قال: (وبباب حطة ـ يعني ووجه تشبيههم بباب حطة ـ ان الله جعل دخول ذلك الباب الذي هو باب أريحا أو بيت المقدس مع التواضع والاستغفار سببا للمغفرة، وجعل لهذه الأمة مودة أهل البيت سببا لها).(١٥١)
٨ ـ قال صلى الله عليه وآله وسلم: (معرفة آل محمد براءة من النار وحب آل محمد جواز على الصراط، والولاية لآل محمد أمان من العذاب.)(١٥٢)
٩ ـ قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من مات على حب آل محمد مات شهيدا، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفورا له، ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائبا، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمنا مستكمل الايمان، ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة، ثم منكر ونكير، ألا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنة كما تزف العروس الى بيت زوجها ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان إلى الجنة، ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة، ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه: آيس من رحمة الله..)(١٥٣)
١٠ ـ قال صلى الله عليه وآله وسلم: (واجعلوا أهل بيتى منكم مكان الرأس من الجسد، ومكان العينين من الرأس، ولا يهتدي الرأس إلا بالعينين).(١٥٤).
ان الواجب على المسلمين أن يجعلوا أهل بيت نبيهم مكان الرأس من الجسد، ومكان العينين من الرأس، فيتمسكوا بأهدافهم، ويأخذوا بأفعالهم وأقوالهم، ولو انهم حققوا ذلك لكانوا سادات الامم وهداة الشعوب ولكنهم ناصبوهم العداء، واخروهم عن مراتبهم، وأزالوهم عن مكانتهم، فاصيبت الامة بالنكسات، وحفت بها الخطوب والاخطار فانا لله وإنا إليه راجعون.
١١ ـ قال (ص): لا تزول قدما عبد ـ يوم القيامة ـ حتى يسأل عن أربع، عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن ماله فيما أنفقه، ومن أين اكتسبه، وعن محبتنا أهل البيت).(١٥٥)
إن المسلمين مسئولون أمام الله عن مودة أهل البيت وعن حبهم، ومن اظهر ألوان الحب الأخذ بأقوالهم والاقتداء بهم في جميع المجالات.
١٢ ـ قال (ص): من سره أن يحيا حياتي ويموت مماتي، ويسكن جنة عدن غرسها ربي، فليوال عليا من بعدي، وليوال وليه وليقتد بأهل بيتى من بعدي فانهم عترتي، خلقوا من طينتى ورزقوا فهمي وعلمي فويل للمكذبين بفضلهم من امتي، القاطعين فيهم صلتى، لا أنالهم الله شفاعتي).(١٥٦)
ونقتصر على هذه السنن التي أثرت عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في أهل بيته، وهناك عشرات أمثالها ذكرت في كتب الحديث وهي تهتف بفضلهم، وتلزم المسلمين بالرجوع إليهم في جميع المجالات.

احتفاء المسلمين به:

واحتفى المسلمون بالامام الحسن احتفاء بالغا فكان كبار الصحابة يقابلونه بالتجلة والتكريم، ويتسابقون الى القيام بخدمته، فهذا عبد الله بن عباس حبر الأمة كان إذا ركب الحسن والحسين عليهما السلام بادر فأمسك لهما الركاب وسوى عليهما الثياب، وقد لامه مدارك بن زياد على ذلك فنهره وقال له:
(يا لكع أو تدري من هذان؟! هذان ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو ليس مما أنعم الله به علي أن أمسك لهما الركاب، وأسوي عليهما الثياب..).(١٥٧)
وبلغ من تعظيم المسلمين وتكريمهم لهما انهما كانا يفدان الى بيت الله الحرام ماشيين فما اجتازا على ركب الا ترجل ذلك الركب اجلالا واكبارا لهما، وإذا طافا بالبيت الحرام بلغ زحام الناس عليهما مبلغا هائلا لم يشاهد نظيره لاجل السلام عليهما والتبرك بزيارتهما(١٥٨) وكان أبو هريرة إذا رأى الامام الحسن (ع) مقبلا قام إليه فقبله بسرته لأنه رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعل ذلك(١٥٩) وحقا للمسلمين أن يكرموا حفيد نبيهم ويقدسوه بعد ما كرمه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورفع من شأنه.

الفاجعة الكبرى

وقطع الحسن عليه السلام شوطا من طفولته مع جده الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حتى توسعت مداركه ونمت ملكاته، وهو ناعم البال قرير العين، يستقبل الحياة كل يوم بثغر باسم وبهناء وسعادة، يرى من جده صلى الله عليه وآله وسلم الحنان والعطف، ومن مشيخة الصحابة التعظيم والتكريم، وقد رأى عليه السلام ما منح به الاسلام من التوسع وكثرة الغزوات حتى دخل الناس في دين الله افواجا افواجا، فقد تحطمت عروش الشرك واندحرت قوى الالحاد، وغزت الجيوش الاسلامية مكة التي هي اعز بلد وامنعه في الجزيرة العربية، وقام الاسلام وهو عبل الذراع مفتول الساعد شامخ الكيان وسرت موجات فتحه الى أغلب شعوب الأرض، وقد غمرت قلوب المسلمين المسرات على هذا النصر الذي أعزهم الله وأيدهم به وكان أشد المسلمين فرحا واعظمهم سرورا بهذه الانتصارات التي حققها الاسلام أهل البيت.
ولكن لم تدم لهم الحالة الهانئة فقد عبس الزمن في وجوههم، واكفهر، وغزا قلوبهم بخوف غامض وحزن بهيم فقد آن للرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يفد على الله، وينتقل الى حظيرة القدس، وقد بدت له طلائع الرحيل وامارات الانتقال وهي:
١ ـ وكانت أول النذر بمغادرته لهذه الحياة نزول الوحي عليه بهذه الآية (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) وقد اثارت كوامن التوجس في نفسه فقد سمعه المسلمون ينعى نفسه ويقول:
(ليتنى اعلم متى يكون ذلك؟)
ونزلت عليه بعد هذه الآية سورة (النصر) فكان يسكت بين التكبير والقراءة ويقول:
(سبحان الله وبحمده، استغفر الله واتوب إليه)
وقد ساور قلوب المسلمين الخوف والجزع فانطلقت قلوبهم قبل السنتهم تستفهم عن هذه الحالة الرهيبة فاجابهم صلى الله عليه وآله وسلم:
(إن نفسي قد نعيت لي)(١٦٠)
وحينما سمع المسلمون ذلك قدّت قلوبهم وانهارت قواهم، وغامت أبصارهم بفيض من الدموع، وأصابتهم رجفة هزت كيانهم واشاعت في نفوسهم الجزع والخوف.
٢ ـ ونزل عليه القرآن الكريم في تلك السنة مرتين فاستشعر بذلك حضور الاجل المحتوم(١٦١) واخذ ينعى نفسه، ويعلن مفارقته لهذه الحياة وقد تصدعت القلوب لهذا النبأ وطافت بالمسلمين أمر الوان المحن والخطوب.

حجة الوداع:

ولما علم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بانتقاله الى دار الخلود، وهو قد تحمل في سبيل ارشاد المسلمين وهدايتهم من العنت والعناء ما تنوء بحمله النفوس رأى أن يتم النهاية لرسالته المقدسة ويضع الخطة السليمة التي تضمن لامته من بعده السعادة والنجاح فحج صلى الله عليه وآله وسلم من اجل ذلك حجته الأخيرة الشهيرة بحجة الوداع، في السنة العاشرة من الهجرة واشاع بين الوافدين لبيت الله الحرام ان هذا الالتقاء هو آخر العهد بهم قائلا:
(انى لا ادري لعلي لا القاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف ابدا..)
وجعل يطوف على الجماهير ويعرفهم بما يضمن لهم السعادة والنجاح (يا أيها الناس، اني تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي..)(١٦٢)
لقد قرن بين الكتاب والعترة الطاهرة وجعل التمسك بهما منجاة من الفتن والزيغ، ولو أن الامة تابعته في قوله، وتمسكت بهما لما حلت بها الاهواء والخطوب وما عراها الذل والهوان، وما اختلفت كلمتها، ولا تشعبت الى فرق واحزاب (كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)

غدير خم:

ولما فرغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أداء مناسك الحج اتجه الى يثرب فلما وصل موكبه الى غدير خم هبط عليه أمين الوحي فأمره أن يحط رحله في رمضاء الهجير، وينصب الامام أمير المؤمنين خليفة من بعده ومرجعا لأمته، وكان أمر السماء يحمل طابعا مهما بالغ الخطورة، فقد نزل عليه الوحي بهذه الآية:
(يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)(١٦٣) واضطرب النبي من هذا الانذار وهذا التهديد، إنه إن لم ينفذ ما أراد الله في تقليد أمير المؤمنين بهذا المنصب الخطير فما بلغ رسالة الله وضاعت جميع اتعابه وجهوده، فانبرى صلى الله عليه وآله وسلم بعزم ثابت الى تنفيذ ذلك وإن اغضب الطامعين بالخلافة والمنحرفين عن الامام عليه السلام، فوضع صلى الله عليه وآله وسلم اعباء المسير وحط رحله في ذلك المكان القاحل وكان الوقت قائضا حتى كان الرجل يضع طرف ردائه تحت قدميه ليتقى من الحر وامر صلى الله عليه وآله باجتماع الجماهير فلما اجتمعوا صلى بهم فلما انفلت من صلاته أمر أن توضع حدائج الابل لتكون له منبرا فصنعوا له ما اراد فاعتلى عليها وكان عدد الحاضرين مائة الف أو يزيدون، وقد اتجهوا بقلوبهم قبل اسماعهم الى الرسول ليسمعوا ما يلقى عليهم، وانبرى صلى الله عليه وآله وسلم فبين لهم ـ اولا ـ جهاده المقدس واتعابه الشاقة في سبيل ارشادهم وانقاذهم من حضيض الشرك والعبودية، وذكر لهم ـ ثانيا ـ جملة من الاحكام الاسلامية والآداب الدينية فأمرهم بتطبيقها على واقع حياتهم، وبعد ذلك قال لهم:
(فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين)
فناداه مناد من القوم
(وما الثقلان يا رسول الله؟)
فاجابه صلى الله عليه وآله وسلم: (الثقل الاكبر كتاب الله طرف بيد الله عز وجل وطرف بأيديكم فتمسكوا به لا تضلوا، والآخر الاصغر عترتي وان اللطيف الخبير نبأني انهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فسألت ذلك لهما ربي فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا).
ثم أخذ بيد علي حتى بان بياض إبطيهما وعرفه القوم اجمعون وقال:
(أيها الناس، من أولى الناس بالمؤمنين من انفسهم؟
فاجابوه (الله ورسوله اعلم)
فقال صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من انفسهم، فمن كنت مولاه فعلي مولاه قال ذلك ثلاث مرات او أربع مرات، ثم قال:
(اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، واحب من أحبه، وابغض من ابغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وادر الحق معه حيث دار الا فليبلغ الشاهد الغائب).(١٦٤)
ولما انهى صلى الله عليه وآله وسلم خطابه الشريف الحافل بتكريم أمير المؤمنين عليه السلام وتقليده للخلافة العظمى انبرى الى النبي (ص) حسان ابن ثابت فاستأذنه ان يتلو احدى روائع نظمه ليصف بها هذه المناسبة الخالدة فاذن له في ذلك فانطلق يقول:

يناديهم يوم الغدير نبيهم * * * بخم واسمع بالرسول مناديا
فقال فمن مولاكم ونبيكم * * * فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا
إلهك مولانا وأنت نبينا * * * ولم تلق منا في الولاية عاصيا
فقال له: قم يا على فانني * * * رضيتك من بعدى إماما وهاديا
فمن كنت مولاه فهذا وليه * * * فكونوا له اتباع صدق مواليا
هناك دعا اللهم وال وليه * * * وكن للذى عادى عليا معاديا(١٦٥)

واقبل المسلمون على اختلاف طبقاتهم يبايعونه بالخلافة ويهنئونه بامرة المؤمنين، وأمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أمهات المؤمنين أن يسرن إليه ويهنئنه(١٦٦) وممن هنأه عمر بن الخطاب فقد صافحه وقال له:
(هنيئا يا ابن أبي طالب اصبحت وامسيت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة...)(١٦٧)
وفي ذلك اليوم الخالد في دنيا الحق والفضيلة نزلت هذه الآية الكريمة: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً).(١٦٨)
لقد تمت النعمة الكبرى، وكمل الدين بولاية أمير المؤمنين، وامام المتقين، وقد خطا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك الخطوة الاخيرة للمحافظة على المجتمع الاسلامي وعلى التشريع الاسلامي فلم يترك الامة حيرى تسودها الفوضى والانحلال بل نصب لها علما وهاديا ومرشدا الى سواء السبيل.
ان بيعة الغدير من اوثق الادلة واكثرها وضوحا على اختصاص الخلافة والامامة بالامام أمير المؤمنين عليه السلام، وقد احتج بها الامام الحسن على احقية أبيه بالخلافة وذلك في خطابه الذي القاه بعد الصلح فقد جاء فيه: (إنا أهل بيت أكرمنا الله بالاسلام، واختارنا واصطفانا واذهب عنا الرجس، وطهرنا تطهيرا، لم تفترق الناس فرقتين إلا جعلنا الله في خيرهما من آدم الى جدي محمد صلى الله فلما بعثه الله للنبوة واختاره للرسالة وانزل عليه كتابه ثم امره بالدعاء الى الله عز وجل فكان أبي اول من استجاب لله ولرسوله، وأول من آمن وصدق الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وقد قال الله في كتابه المنزل على نبيه المرسل: (أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ) فجدى الذي على بينة من ربه وأبي الذي يتلوه وهو شاهد منه (إلى أن قال) وقد سمعت هذه الامة جدي يقول: ما ولت امة امرها رجلا، وفيهم من هو اعلم منه الا لم يزل يذهب أمرهم سفالا حتى يرجعوا الى ما تركوه. وسمعوه يقول لابي: أنت منى بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي. وقد رأوه وسمعوه حين أخذ بيد أبي بغدير خم، وقال لهم: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وآل من والاه وعاد من عاده ثم أمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب).(١٦٩)
لقد حفلت كتب التاريخ الاسلامي بذكر احتجاج أهل البيت: واعلام شيعتهم ببيعة الغدير على أحقية الامام أمير المؤمنين بمنصب الخلافة الاسلامية، ولكن القوم أعرضوا عن الحديث وأولوه حسب ميولهم وأهوائهم.

استغفاره لاهل البقيع:

ولما رجع الرسول الله عليه وآله من حجه إلى يثرب اقام بها حفنة من الايام، وقد احاطت به الهواجس والهموم وارق ليلة طال فيها أرقه فاستدعى أبا مويهبة(١٧٠) في الليل البهيم فلما مثل عنده أمره بمصاحبته الى البقيع وقال له:
(لقد أمرت بالاستغفار لاهل البقيع فلذا بعثت إليك للانطلاق معى...)
وسار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حتى انتهى الى البقيع فسلم على الاموات وهنأهم بما هم فيه وأخذ يخبر عن الفتن السود التي ستنصب على أمته من بعده قائلا:
(السلام عليكم يا أهل المقابر ليهنئكم ما اصبح الناس فيه، فقد اقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها اولها، الآخرة شر من الاولى..)
وانطلق يحدث ابا مويهبة عن مغادرته لهذه الحياة قائلا له:
(إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلود فيها ثم الجنة بعد ذلك فاخترت لقاء ربي والجنة)
فقال له أبو مويهبة: بأبي أنت وأمي ألا تأخذ مفاتيح خزائن الدنيا وتكون مخلدا فيها ثم الجنة بعد ذلك؟..)
فاجابه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن رغبته الملحة في ملاقاة الله (لا والله لقد اخترت لقاء ربي) ثم استغفر لاهل البقيع وانصرف الى منزله(١٧١)

سرية اسامة:

ولما علم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن لقاءه بربه لقريب أراد أن يعزز خلافة أمير المؤمنين عليه السلام التي عقد أواصرها في (غدير خم) وأن يقضي على روح الشغب والتمرد ليتم الامر بعد وفاته بسهولة الى الامام عليه السلام فرأى أن خير ضمان لتحقيق ذلك اخلاء عاصمته من جميع المناوئين للامام عليه السلام وارسالهم الى ساحة الجهاد لغزو الروم فأمر أصحابه بالتهيؤ الى ذلك ولم يبق احدا من أعلام المهاجرين والانصار كابي بكر وعمرو أبي عبيدة وبشير بن سعد وامثالهم(١٧٢) وأمر عليهم اسامة بن زيد(١٧٣) وذلك لأربع ليال بقين من صفر سنة احدى عشر للهجرة، وقال لاسامة: (سر الى موضع قتل أبيك فأوطئهم الخيل فقد وليتك هذا الجيش، فاغز صباحا على أهل ابنى(١٧٤) وحرّق عليهم، واسرع السير لتسبق الاخبار، فان أظفرك الله عليهم فاقل اللبث فيهم، وخذ معك الأدلاء، وقدم العيون والطلائع معك..)
وفى اليوم الثامن والعشرين من شهر صفر ألم المرض به فاصابته حمى ملازمة وصداع شديد قيل انهما كانتا مسببين عن الطعام المسموم الذي ذاقه في خيبر فكان يقول! (ما زلت أجد ألم الطعام الذي اكلته بخيبر.(١٧٥)
ولما اصبح اليوم التاسع والعشرين من صفر رأى أصحابه وقد دب فيهم التمرد والتخاذل خرج بنفسه مع ما مني به من المرض فحثهم على المسير وحفزهم على الخروج، وعقد اللواء بنفسه لأسامة وقال له:
(اغز بسم الله، وفي سبيل الله، وقاتل من كفر بالله)
فخرج بلوائه معقودا ودفعه الى بريدة، وعسكر بالجرف، وتثاقل القوم من الالتحاق به واظهروا التمرد والتخاذل يقول عمر لاسامة:
(مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنت علي امير؟!).(١٧٦)
وانطلقت السنتهم بالنقد اللاذع والاعتراض المر على تأمير أسامة، وتثاقلوا من الالتحاق بالجيش فوصلت كلماتهم الى مسمع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقد ازدادت به الحمى المبرحة واخذ منه الصداع القاسي مبلغا ليس بالقليل فغضب صلى الله عليه وآله وسلم وخرج وهو معصب الرأس مدثر بقطيفته وقد برّح به الحزن لانه رأى أن الوسيلة التي مهدها لغايته ستبوء بالفشل وعدم النجاح فصعد المنبر وذلك في يوم السبت لعشر خلون من ربيع الاول، فاظهر سخطه البالغ وغضبه الشديد على عدم تنفيذهم لأوامره قائلا:
(أيها الناس، ما مقالة بلغتنى عن بعضكم في تأميرى أسامة؟ ولئن طعنتم في تاميرى اسامة لقد طعنتم في تأميرى أباه من قبله وايم الله إنه كان لخليقا بالامارة وان ابنه من بعده لخليق بها)
ثم نزل عن المنبر ودخل بيته(١٧٧) وجعل يوصى بالالتحاق به وهو يقول:
(جهزوا جيش اسامة)
(نفذوا جيش اسامة)
(لعن الله من تخلف عن جيش أسامة)
ولم تثر حفائظ نفوسهم هذه الأوامر المشددة، ولم يرهف عزيمتهم هذا الاهتمام البالغ من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في ساعاته الأخيرة فقد تثاقلوا عن الخروج، وتخلفوا عن الجيش، واعتذروا للرسول صلى الله عليه وآله وسلم بشتى المعاذير وهو ـ بأبي وأمي ـ لم يمنحهم العذر، وأظهر لهم الغيظ والسخط، والمتأمل في هذا الحادث الخطير يستنتج ما يلي:
١ ـ إن اهتمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشأن اخراج القوم من يثرب ولعنه لمن تخلف من الالتحاق بجيش اسامة يدل بوضوح لاخفاء فيه على غايته المنشودة وهي اخلاء عاصمته من الحزب المعارض لامير المؤمنين عليه السلام ليصفو له الأمر بسهولة، وتتم له الخلافة بهدوء وسلام.
٢ ـ ان تخلف القوم عن الجيش وطعنهم في تأمير اسامة ما كان المقصود منه الا الظفر بالسلطة والحكم، واحكام قواعد سياستهم فانهم اذا انصرفوا الى الغزو ونزحوا عن عاصمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فان الخلافة لا محالة تفوت من أيديهم، ولا مجال لهم حينئذ الى التمرد والخلاف.
٣ ـ ان السبب في عدم تولية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قيادة الجيش لذوي السن والموجهين من الصحابة انما هو للاحتياط على مستقبل الأمة، وصيانتها من الاضطراب والفتن من بعده، فانه لو اسند القيادة إليهم لاتخذوها وسيلة الى أحقيتهم بالخلافة ومطالبتهم بالحكم فسد صلى الله عليه وآله وسلم عليهم هذه النافذة لئلا يتصدع شمل الامة، ويضطرب أمنها.
وأما الحكمة من تأميره صلى الله عليه وآله وسلم لأسامة وهو حدث السن فقد كان عمره آنذاك سبعة عشر عاما او يزيد عليها بيسير فهي ما يلي:
(أ) ـ سد جميع نوافذ الخلاف والطعن في خلافة امير المؤمنين عليه السلام لأنه حدث السن فان أسامة اصغر منه سنا وقد اسند إليه اهم الوظائف العسكرية في جيشه.
(ب) ـ الغاء التقدم في السن، وعدم الاعتناء به في استحقاق المناصب الرفيعة مع حرمان الشخص من القابليات والمواهب، فان ادارة شئون الامة وقيادتها انما يستحقها ذوو الكفاءات والحزم والادارة وقد صرح صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الفكرة الاصلاحية بقوله:
(من تقدم على قوم من المسلمين وهو يرى أن فيهم من هو أفضل منه فقد خان الله ورسوله، والمسلمين).(١٧٨)
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (من استعمل عاملا من المسلمين، وهو يعلم أن فيهم أولى بذلك منه فقد خان الله ورسوله وجميع المسلمين)(١٧٩) ان الاسلام يحرص كل الحرص على تعيين خيرة الرجال واكثرهم كفاءة للعمل في جهاز الحكم ليضعوا المصلحة العامة نصب اعينهم ويكونوا أمناء فيما يجبونه من الناس وفيما ينفقونه على المرافق العامة، وان يسيروا بين الناس بسيرة قوامها العدل الخالص، ولا يكون ذلك بتقدم السن وانما يكون بالدراية والاطلاع على ما تحتاج إليه الامة في جميع مجالاتها العامة.(١٨٠)
(ج) ـ انه صلى الله عليه وآله وسلم في تاميره لاسامة قد كبح جماح المناوئين لأمير المؤمنين، وكسر شوكتهم وحطم معنوياتهم، واقصاهم الى حد بعيد، وقد فطنوا الى ما دبر صلى الله عليه وآله وسلم فطعنوا في تأمير أسامة، وتثاقلوا من الالتحاق بكتيبته، ولم يبرحوا مقيمين بالجرف حتى لحق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالرفيق الاعلى.
هذه بعض البوادر التي تطل على المتأمل في سرية أسامة وهي صريحة الدلالة على قصده صلى الله عليه وآله وسلم من تمهيد الأمر للامام امير المؤمنين بعد وفاته بهدوء وسلام(١٨١) كما تدل بوضوح على وجود الموامرة الخطيرة التي دبرها القوم ضد خليفته ووصيه كما ولعلنا سنذكر ذلك مفصلا في بعض الفصول.

اشتداد مرضه:
واشتدت الحمى عليه حتى كأن به لهبا منها، وكانت عليه قطيفة فاذا وضع أزواجه وعواده أيديهم عليها شعروا بحرها(١٨٢) ووضعوا الى جواره إناء فيه ماء بارد فما زال يضع يده فيه ويمسح به وجهه، واقبل المسلمون يهرعون الى عيادته وقد خيم عليهم الجزع والذهول فازدحمت حجرته بهم فنعى إليهم نفسه واوصاهم بما يضمن لهم السعادة والنجاح قائلا:
(أيها الناس يوشك أن اقبض قبضا سريعا فينطلق بي، وقد قدمت إليكم القول معذرة إليكم الا اني مخلف فيكم كتاب الله عز وجل وعترتى أهل بيتي)
ثم اخذ بيد علي فرفعها وقال:
(هذا علي مع القرآن، والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا علي الحوض).(١٨٣) وكان الاجدر بالأمة أن تتابع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتواكب أرائه فتتبع أمير المؤمنين وتسلم له قيأتها لانه يسير بمنهج القرآن ويحكم بما انزل الله، ولو انها حققت ذلك بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لنجت من جميع النكسات وما اصيبت به من الفتن والخطوب، ولتقدم الاسلام بخطى ثابتة متزنة وسادت في العالم مبادئ الحق والعدالة.

اعطاء القصاص من نفسه:

وخرج علة الكائنات وسيد الموجودات وهو مثقل قد تعصب بعمامته ليعلن المساواة العادلة التي جاء بها، ويعطي القصاص من نفسه لو كان منه اعتداء على اي انسان فاعتلى أعواد المنبر وبين للمسلمين مدى ما عاناه من الجهود في سبيل ارشادهم وهدايتهم ثم قال:
(ان ربي عز وجل حكم واقسم أن لا يجوزه ظلم ظالم، فانشدكم بالله أي رجل منكم كانت له قبل محمد مظلمة الا قام ليقتص مني فالقصاص في دار الدنيا أحب الى من القصاص في دار الآخرة على رءوس الملائكة والأنبياء..)
ووجم الحاضرون عن الجواب، وذهلوا حتى عن نفوسهم، وساد فيهم صمت رهيب أى واحد له ظلامة او حق عند الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو مشرع العدالة الكبرى ومثال اللطف الالهي، وقد خيم عليهم الجزع لأنهم عرفوا أن كلامه كلام مودع لهذه الحياة، وانبرى من اقصى القوم شخص يسمى سوادة بن قيس فادعى ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اصابه بسوط في بطنه، وهو يريد القصاص منه فأمر صلى الله عليه وآله وسلم بلالا أن يحضر له السوط ليقتص منه سوادة وانطلق بلال وهو مبهور قد ملكت احاسيس نفسه هذه العدالة الكبرى فراح يجوب في ازقة يثرب وهو رافع عقيرته قائلا:
(أيها الناس اعطوا القصاص من أنفسكم في دار الدنيا، فهذا رسول الله قد اعطى القصاص من نفسه)
ومضى الى دار النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاخذ السوط، وجاء به الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأمره أن يدفعه الى سوادة ليقتص منه وتوجه المسلمون بقلوبهم قبل ابصارهم الى سوادة ينظرون هل يقتص من النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ وهو بتلك الحالة قد فتك به المرض وأضناه السقام، وانبرى سوادة وهو مرتعش الخطا قد غمرته عظمة الرسول وهيبته فقال له:
(يا رسول الله اكشف لي عن بطنك..)
فكشف صلى الله عليه وآله وسلم عن بطنه فقال له سوادة بصوت خافض:
يا رسول الله، أتاذن لي أن اضع فمي على بطنك؟
فاذن له صلى الله عليه وآله وسلم فوضع سوادة فمه على بطن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودموعه تتبلور على خديه وهو يقول:
(اعوذ بموضع القصاص من رسول الله من النار يوم النار)
فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اتعفو يا سوادة أم تقتص؟
بل اعفو يا رسول الله
فرفع صلى الله عليه وآله وسلم يده بالدعاء له قائلا:
اللهم، اعفو عن سوادة كما عفا عن نبيك محمد(١٨٤)
وتصدعت قلوب المسلمين، وبلغ بهم الحزن الى قرار سحيق، وايقنوا بنزلة القضاء المرهوب والرزء القاصم.

توجع الزهراء

واحاط الاسى بابنة الرسول وألم بها الخطب واضر الحزن بقلبها الرقيق المعذب، فقد شاهدت أباها يعاني اشد الألم والكرب وهو يقول:
(وا كرباه)
ويمتلئ قلبها باللوعة والحزن فتجيبه
(وا كربا لكربك يا أبتي)
فنظر إليها وقد غام بصرها بالدموع فاشفق عليها وقال لها:
(لا كرب على أبيك بعد اليوم..)
ولما اشتدت حالته تغير وضع الزهراء (ع) فكانت شاحبة اللون خائرة القوى ذاهلة اللب قد ساورتها الهواجس والهموم واحاطت بها الآلام والاحزان فلما رآها تصدع قلبه وأراد أن يزيل عنها كابوس الحزن فاجلسها الى جنبه فاسر إليها بحديث فلم تملك عند سماعه الا ان تجرى عيناها بالدموع ومال صلى الله عليه وآله وسلم إليها ثانية فالقى عليها كلاما قابلته ببسمات فياضة بالبشر والرضا، وعجبت عائشة من هذا الصنيع وراحت تقول:
(ما رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن!!)
وسألتها عما قال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فامتنعت عن اجابتها، ولما تصرمت الايام اخبرت عن سبب ذلك البكاء والسرور فقالت أخبرني:
(ان جبرئيل كان يعارضني بالقرآن في كل سنة مرة، وانه عارضني هذا العام مرتين، وما اراه الا قد حضر أجلى)
فهذا سبب لوعتها وبكائها واما سبب سرورها فتقول أخبرني.
(انك اول أهل بيتي لحوقا بي، ونعم السلف انا لك.. ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الامة..)
لقد دفع صلى الله عليه وآله وسلم عن حبيبته الأسى باخبارها بعدم طول الفراق بينها وبينه، ولما علمت أن لقاء أبيها بربه لقريب انطلقت الى بيتها فجاءت بولديها وهي تذرف من الدموع مهما ساعدتها الجفون فقالت له: (أبه هذان والداك فورثهما منك شيئا..)
فافاض عليهما الرسول من مكرمات نفسه، وورثهما من كمالاته قائلا:
(اما الحسن فان له هيبتي، وسؤددي، وأما الحسين فان له جرأتى وجودي).(١٨٥)
ويقوم الحسن من عنده وقد ورث منه الهيبة والسؤدد، وورث منه سيد الشهداء الجرأة والجود، وهل هناك مما تحويه البسيطة ميراث خير من هذا الميراث الحاوي لكمالات النبوة وسؤددها، وقد كان الحسن بحكم ميراثه رمزا للهيبة الأحمدية، ومثالا للسؤدد النبوي فقد روى (أنه كان عليه سيماء الأنبياء وبهاء الملوك.)(١٨٦)

التصدق بما عنده

وكانت عند الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قبل مرضه سبعة دنانير فخاف أن يقبضه الله إليه وهي عنده فأمر أهله أن يتصدقوا بها، ولكن انشغالهم بتمريضه والقيام بخدمته انساهم تنفيذ أمره، فلما افاق من مرضه سألهم ما فعلوا بها؟ فاجابوه أنها ما تزال باقية عندهم فطلب منهم أن يحضروها فلما جيء بها إليه وضعها في كفه وقال:
(ما ظن محمد بربه لو لقى الله وعنده هذه)(١٨٧)
ثم تصدق بها على فقراء المسلمين، ولم يبق منها عنده شيء.

الرزية الكبرى

واستشف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من وراء الغيب أن امته من بعده سوف تنصب عليها الفتن كقطع الليل المظلم وتتوالى عليها الخطوب السود فترتد على اعقابها بعد الايمان ـ كما اخبر صلى الله عليه وآله وسلم ـ فكبر ذلك وعظم عليه، وزاد في حزنه وأساه وهو في ساعاته الأخيرة اطلاعه على المؤامرة الكبرى التي دبرت ضد وصيه وخليفته وباب مدينة علمه وذلك بتخلف القوم وتثاقلهم عن الالتحاق بسرية أسامة فرأى صلى الله عليه وآله وسلم أن يسلك طريقا آخر يصون امته من الضلال ويحميها من الفتن والاخطاء فقال صلى الله عليه وآله وسلم:
(ائتوني بالكتف والدواة، اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا..(١٨٨)
ما اعظمها من نعمة، واغلاها من فرصة لو استغلوها وسارعوا الى تنفيذها وتحقيقها لوقوا انفسهم ووقوا الاجيال اللاحقة من الزيغ والانحراف ولكنهم حرموا أنفسهم السعادة، وسدوا نوافذ الرحمة والهداية عليهم وعلى من يليهم من الاجيال، فقد خدعتهم الدنيا وتهالكوا على الامرة وعلموا قصد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعرفوا غايته انه سيوصي بامير المؤمنين ويعزز بيعة يوم الغدير فتفوت بذلك أهدافهم وتضيع مصالحهم فانبرى إليه أحدهم بكل وقاحة وصلافة رادا عليه قائلا:
(حسبنا كتاب الله)
والمتأمل في هذا الرد تنفتح أمامه الكوة التي تطل على تآمرهم وعلى مخططاتهم في اقصاء أمير المؤمنين عن جهاز الحكم فانهم لو كانوا يحتملون ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يوصي بالخلافة إليه وانما يوصي بحماية الثغور أو بالمحافظة على طقوسه الدينية لما قابلوه بهذه الجرأة وماردوا رغبته، ولكنهم علموا ما يريده فقاموا بعمليات التخريب والافساد، وعلى اي حال فقد كثر الخلاف والتشاجر في ذلك، وانطلقت النسوة من وراء الستر فقلن لهم:
(الا تسمعون ما يقول رسول الله:؟)
فثار عمر وصاح فيهن لئلا يفسد عليهم الامر قائلا:
(انكن صويحبات يوسف إذا مرض عصرتن اعينكن، واذا صح ركبتن عنقه..)
فرمقه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بطرفه وقد ازعجه كلامه فقال له:
(دعوهن فانهن خير منكم)
وكادت أن تفوز الجبهة التي رغبت في تنفيذ ارادة الرسول فانبرى احد المعارضين فسدد لهم سهما افسد عليهم أمرهم فقال: ويا لهول ما قال:
(إن النبي ليهجر..)(١٨٩)
اي خطب حل بالاسلام مثل هذا الخطب، وأى رزية مني بها المسلمون مثل هذه الرزية أفيحكم على علة الموجودات وسيد الكائنات بالهجر؟ لقد رجع القوم الى جاهليتهم الاولى وتناسوا مقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقابلوه بأمر الكلام وأقساه، فانا لله وإنا إليه راجعون.
إنها الرزية الكبرى، والرزء القاصم الذي يذيب هوله القلوب، فقد حيل بين المسلمين وبين سعادتهم، وأقصي عنهم الخير، وكان ابن عباس اذا ذكر الحادث المؤلم يتفجع ويبكي حتى تسيل دموعه على خديه كأنها نظام اللؤلؤ ويتنهد ويقول: يوم الخميس، وما يوم الخميس! قال رسول الله: ائتوني بالكتف والدواة أو اللوح والدواة أكتب لكم كتابا ان تضلوا بعده أبدا فقالوا ان رسول الله يهجر.(١٩٠)
ولم يسمعوا نصوص القرآن الكريم وهي تتلى عليهم آناء الليل، وأطراف النهار، وقد دلت على عصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى: (ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى) وقال تعالى: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ) الى غير ذلك من الآيات التي نصت على عصمته من الهجر، ولكن القوم قد غرتهم الدنيا، وراقهم زبرجها فانحرفوا عن طريق الحق، ومالوا عن سنن العدل، وتركوا الأمة تتردى في ميادين الجهالة والغواية، وسدوا عليها نوافذ الرحمة والهداية.

الى الرفيق الاعلى

ولما قرب دنو النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى حظيرة القدس بعث الله إليه ملك الموت ليسمو بروحه الطاهرة الى جنة المأوى، والى سدرة المنتهى وجاء ملك الموت فاستأذن من أهل بيت الوحي بالدخول على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاخبرته الزهراء عليها السلام بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شغل عنه لأنه كان قد أغمي عليه من شدة المرض، وبعد برهة كرر الطلب فافاق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من اغمائه فقال لابنته:
ـ أتعرفيه؟
ـ لا يا رسول الله
ـ إنه معمر القبور، ومخرب الدور، ومفرق الجماعات
فانهد كيانها، واحاط بها الذهول، وارسلت ما في عينها من دموع وراحت تقول بصوت خافت حزين النبرات (وا ويلتاه لموت خاتم الأنبياء وا مصيبتاه لممات خير الاتقياء، ولانقطاع سيد الاصفياء، وا حسرتاه لانقطاع الوحي من السماء، فقد حرمت اليوم كلامك..)
واشفق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على بضعته فارسل لها كلمة فيها سلوى وعزاء فقال لها:
(لا تبكي فانك اول أهلي لحوقا بي..).(١٩١)
واذن صلى الله عليه وآله وسلم لملك الموت بالدخول عليه فلما مثل عنده قال له:
(يا رسول الله، إن الله ارسلني إليك وأمرني أن اطيعك في كل ما تأمرني إن أمرتني أن اقبض نفسك قبضتها، وان امرتني أن أتركها تركتها...)
فقال صلى الله عليه وآله وسلم أتفعل يا ملك الموت؟
بذلك أمرت أن أطيعك في كل ما أمرتني.
ثم دخل جبرئيل فقال: يا احمد ان الله قد اشتاق إليك..).(١٩٢)
ولما علم أهل البيت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سيفارقهم في هذه اللحظات اذهلهم الخطب وبلغ بهم الحزن الى قرار سحيق، وجاء الحسن والحسين فالقيا بانفسهما على الرسول ليودعاه الوداع الأخير وهما يذرفان الدموع فجعل صلى الله عليه وآله وسلم يقبلهما وهما يقبلانه وأراد أمير المؤمنين أن ينحيهما عنه فقال صلى الله عليه وآله وسلم:
(دعهما يتمتعان مني واتمتع منهما فستصيبهما بعدي أثرة...)
ثم التفت الى عواده فقال لهم:
(قد خلفت فيكم كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فالمضيع لكتاب الله كالمضيع لسنتي، والمضيع لسنتي كالمضيع لعترتي انهما لن يفترقا حتى اللقاء على الحوض..).(١٩٣)
واستدعى وصيه وخليفته امير المؤمنين فقال له:
(ضع رأسي في حجرك فقد جاء أمر الله فاذا فاضت نفسي فتناولها وامسح بها وجهك، ثم وجهني الى القبلة وتولىّ أمرى، وصل عليّ أول الناس ولا تفارقنى حتى تواريني في رمسي واستعن بالله عز وجل..)
واخذ أمير المؤمنين رأس النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوضعه في حجره ومد يده اليمنى تحت حنكه، واذن صلى الله عليه وآله وسلم لملك الموت باستلام روحه المقدسة، واخذ صلى الله عليه وآله وسلم يعاني آلام الموت وشدة النزع حتى فاضت نفسه الزكية فمسح بها الامام وجهه(١٩٤) ونعاه الى الحاضرين لقد انطوت ألوية العدالة في ذلك اليوم الخالد في دنيا الاحزان، واخمدت مصابيح الكمال والفضيلة، وما اصيبت الانسانية بكارثة كهذه الكارثة فقد مات المنقذ العظيم، واحتجب النور الذي اضاء الطريق للانسان وهداه الى سواء السبيل.
وطاشت احلام المسلمين أمام هذا الخطب المريع فما بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للناس عزاء ولا للأسى على فقده مدى ولا انتهاء، لقد ذهب محمد عن هذه الدنيا وغرب نور محياه فانطلقت الالسن نادبة والاعين باكية، وعلى الصراخ والعويل من بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان اكثر أهل بيته لوعة واشدهم مصابا هي بضعته الزهراء فقد وقعت على جثمانه وهي مذهولة اللب من شدة الوله والحزن وهي تبكي امر البكاء وتقول:
(وا أبتاه، الى جبرئيل انعاه!... وا أبتاه جنة الفردوس مأواه!.. وا أبتاه أجاب ربا دعاه!!.).(١٩٥)
وسرى النبأ المفجع الى مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فتركها تمور في الحزن واجتمع المسلمون وهم حيارى قد أخرسهم الخطب وألم بهم الحادث المريع وهم ما بين وآجم وصائح ومشدوه ونائح ونتهوا الى واد من الالم ماله قرار.
وقام أمير المؤمنين وقد حفت به الآلام والاحزان فأخذ في تجهيز الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فغسله(١٩٦) وهو يقول: (بابي أنت وأمي طبت حيا وميتا..).(١٩٧)
وبعد الفراغ من تجهيزه وضعه على السرير، فاول من صلى عليه هو الله من فوق عرشه ثم جبرئيل ثم ميكائيل ثم اسرافيل ثم الملائكة زمرا زمرا(١٩٨) ودخل المسلمون يلقون على الجثمان المقدس نظرة الوداع، ويؤدون فريضة الصلاة(١٩٩) وبعد الانتهاء قام الإمام فحفر القبر ولما فرغ منه القى المغيرة خاتمه في القبر، وقال لأمير المؤمنين عليه السلام خاتمي، فقال عليه السلام لولده الحسن: أدخل فناوله خاتمه، ففعل عليه السلام ذلك، وكان مقصد المغيرة من ذلك أن يدخل القبر الشريف بعد ما خرج منه أمير المؤمنين ليفتخر على الصحابة بأنه آخر الناس عهدا برسول الله فالتفت أمير المؤمنين الى مقصده، فامر الحسن بدخول القبر، فكان آخر الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(٢٠٠)
وقام الامام أمير المؤمنين فوارى الجسد العظيم في مقره الأخير ووقف على القبر يرويه بماء عينيه، وارسل كلمات تنم عن لواعج حزنه وثكله قائلا:
(ان الصبر لجميل الا عنك، وان الجزع لقبيح الا عليك، وان المصاب بك لجليل، وانه قبلك وبعدك لجلل...).(٢٠١)
واذاب الهول العظيم، والمصاب المؤلم قلب الامام الحسن (ع) وهو في سنه المبكر فذبلت منه نضارة الصبا وروعته فقد رأى من يحدب عليه ويفيض عليه من رقيق حنانه يوارى في الثرى، ورأى أبويه وقد اضناهما الذهول واحاط بهما الأسى على فقد الراحل العظيم فترك ذلك في نفسه شديد الألم ولاذع الحزن... لقد مضى الرسول (ص) الى الرفيق الاعلى وكان عمر الحسن سبع سنين(٢٠٢) وهو دور تنمو فيه مدارك الطفولة، وتكون فيه فكرة الطفل كالعدسة اللاقطة تنقل الى دخائل النفس كثيرا من المشاهدات والصور وينطبع فيها جميع ما يمر عليها من حزن وسعادة، كما انه قد تكون لبعض الاطفال النابهين اللياقة والاستعداد لأن يفهم الغاية من بعض الاعمال والمواقف، وقد رافق الامام الحسن في ذلك الدور الاحداث الخطيرة التي وقعت قبل وفاة جده الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من امتناع القوم من الالتحاق بسرية أسامة وعدم استجابتهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم حينما امر باعطائه الدواة والكتف ليكتب لأمته كتابا يقيها من الفتن والضلال فعرف ـ من غير شك ـ الغاية من ذلك، وعلم ما دبره القوم من المؤامرات ضد أبيه فترك ذلك في نفسه كامن الحزن والوجد وانبرى ينكر على القوم غصبهم لحق أبيه كما سنبينه في عهد الشيخين.

فى عهد الشيخين

وحينما مضى النبيّ (ص) الى جنة المأوى، وسمت روحه الى الرفيق الاعلى، انثالت الفتن على المسلمين تترى كقطع الليل المظلم، وعصفت بهم امواج عارمة من الانشقاق والاختلاف زعزعت كيانهم وصدعت شملهم، ومزقت وحدتهم، وقد بين تعالى ما يمنى به المسلمون بعد وفاة نبيه من الارتداد والاختلاف قال تعالى: (وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ..).(٢٠٣)
فاي رزية اعظم من رزية الانقلاب؟ وأي كارثة اقسى من كارثة الارتداد بعد الايمان!! لقد ترك القوم جثمان نبيهم لم يواروه في مقره الأخير وتهالكوا على الامرة والسلطان، وصمموا على صرف الخلافة الاسلامية عن أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ومهبط الوحي والتنزيل، وقد تحدث الامام أمير المؤمنين عليه السلام عن غب ما فعلوه وسوء ما ارتكبوه يقول عليه السلام:
(حتى اذا قبض رسوله رجع قوم على الاعقاب، وغالتهم السبل واتكلوا على الولائج(٢٠٤) ووصلوا غير الرحم، وهجروا السبب الذي أمروا بمودته، ونقلوا البناء عن رص أساسه(٢٠٥) فبنوه في غير موضعه معادن كل خطيئة، وأبواب كل ضارب في غمرة).(٢٠٦)
لقد استأثروا بالامر، ونقلوه عن اهله ومعدنه، ووضعوه في غير محله، وقد فاجئوا أهل البيت (ع) ـ والجرح لما يندمل والرسول لما يقبر بصرف الامر عنهم والاعتداء عليهم، وتركوهم يتجرعون الغصص، ويتوسدون الارق وتساورهم الهموم، فما اعظم رزيتهم؟! وما اشد محنتهم وبلاءهم!!
لقد تسرع القوم الى عقد البيعة، وانتهزوا الفرصة في انشغال امير المؤمنين بتجهيز جثمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يمهلوه حتى يفرغ من مواراته صلى الله عليه وآله وسلم لئلا يفوت الامر منهم، وتضيع امانيهم وآمالهم في الاستيلاء على زمام الحكم والسلطان.. وعلى أي حال فلا بدلنا من البحث عن فصول تلك المأساة الكبرى ـ بايجاز ـ فانها ترتبط ارتباطا وثيقا بحياة الامام الحسن عليه السلام، فان صرف الامر عن أهل البيت: كانت له مضاعفاته السيئة ونتائجه الخطيرة، واهمها طمع الطلقاء وابنائهم خصوم الاسلام واعداء الله في الخلافة الاسلامية، ومناجزتهم لاهل بيت النبوة ومعدن الرحمة، حتى اضطر سبط النبي صلى الله عليه وآله وسلم الامام الحسن عليه السلام في دوره الى الصلح مع معاوية وتسليم الامر له، والى القراء بيان ذلك.
السقيفة
وترك القوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسجى في فراش الموت، لم يهتموا في شيء من أمره فقد سارع الانصار الى سقيفة بني ساعدة(٢٠٧) وعقدوا لهم اجتماعا سريا أحاطوه بكثير من الكتمان والتحفظ، واحضروا معهم شيخ الخزرج سعد بن عبادة.(٢٠٨)
فتداولوا في شئون الخلافة والسلطان، وكان شيخ الخزرج قد ألم به المرض فخطب في القوم فلم يتمكن أن يسمع كلامه للناس وانما كان يقول ويبلغ مقالته بعض اقربائه، وكان منطق خطابه ان الغنم بالغرم، والانصار هم الذين غرموا في سلسلة الحروب وحركات الجهاد التي قام بها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فهم احق بالأمر وأولى به من غيرهم وهذا هو نص خطابه:
يا معشر الانصار لكم سابقة في الدين وفضيلة في الاسلام ليست لقبيلة من العرب، ان محمدا صلى الله عليه وآله وسلم لبث بضع عشر سنة في قومه يدعوهم الى عبادة الرحمن وخلع الأنداد والأوثان فما آمن به من قومه الا القليل، وما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا أن يعزوا دينه، ولا أن يدفعوا عن انفسهم ضيما عموا به حتى إذا أراد بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة، وخصكم بالنعمة فرزقكم الله الايمان به وبرسوله والمنع له ولاصحابه والاعزاز له ولدينه والجهاد لاعدائه، فكنتم اشد الناس على عدوه منكم، وأثقله على عدوه من غيركم حتى استقامت العرب لامر الله طوعا وكرها، واعطى البعيد المقادة صاغرا داخرا، حتى اثخن الله عز وجل لرسوله بكم الأرض ودانت بأسيافكم له العرب وتوفاه الله وهو عنكم راض وبكم قرير العين، استبدوا بهذا الأمر دون سائر الناس فانه لكم دون الناس...) فاجابه الأنصار بالرضا والطاعة قائلين (وفقت في الرأي وأصبت في القول، ولن نعدوا ما رأيت نوليك هذا الامر فانك فينا مقنع ولصالح المؤمنين رضى..،(٢٠٩)
لقد القى الانصار المقادة والسمع لسيد الخزرج، واعربوا له عن رغبتهم الملحة في ترشيحه لمنصب الخلافة، وهنا امور تدعو الى العجب وتبعث الى التساؤل في أمر الانصار وهي:
١ ـ إنهم حضنة الاسلام، واعضاد الملة، وحماة الدين فلماذا أسرعوا في شأن الخلافة، وتناسوا مبايعتهم لأمير المؤمنين في غدير خم، وتنكروا لوصايا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أهل بيته وعترته؟!!
٢ ـ لما ذا هذا التستر في مكان منزو عن الانظار والابصار؟! ولما ذا هذا التكتم والحيطة في اخفاء الامر؟!!
٣ ـ لما ذا لم يأخذوا رأي العترة الطاهرة في شأن البيعة واستبدوا بالأمر؟؟!!
واكبر الظن انهم وقفوا على المؤامرة الخطيرة التي دبرها كبار المهاجرين ضد أمير المؤمنين فخافوا أن يفوز المهاجرون بالخلافة، ويحرموا منها لذا اسرعوا لانتهاز الفرصة وبادروا الى ترشيح سعد الى مركز الخلافة.
فذلكة عمر
ولم يكن أبو بكر في يثرب عند وفاة النبي (ص) وانما كان بالسنح(٢١٠) فخاف عمر بن الخطاب أن يفوز احد بالخلافة قبل مجيء أبي بكر فصنع فذلكة دلت على سياسته النفسية وخبرته الفائقة باحوال المجتمع فقد اوقف حركة البيعة، وشغل الناس حتى عن تفكيرهم فقد راح يهز بيده السيف ويهتف بصوت عال.
(إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد مات. وإنه والله ما مات ولكنه ذهب الى ربه كما ذهب موسى بن عمران.. والله ليرجعن رسول الله فيقطعن أيدي رجال وأرجلهم ممن ارجفوا بموته...)
وجعل لا يمر باحد يقول: مات رسول الله الا خبطه بسيفه، وتهدده وتوعده(٢١١) واستغرب المسلمون من هذه البادرة، واستطابها السذج والبسطاء، فقد جاءهم بالأمل اللذيذ والحلم الجميل فان النفوس تأبى أن تذعن بموت العظيم، وتتمسك بحياته بالخيال والأوهام، وقد ساق إليها عمر أطيب الاماني واروع الآمال، اخبرها بحياة عزيزها ومنقذها، وأملها باظهار دينه على الدين كله، واضاف الى كلامه اعنف الارهاب والتهديد وعزاه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتقطيعه الايدي والارجل ممن ارجف بموته، كما توعد هو بالقتل لمن فاه بموت النبي صلى الله عليه وآله وسلم واستمر على هذا الحال يبرق ويرعد، ويتهدد ويتوعد حتى وصل أبو بكر إلى يثرب فاحتف به عمر وانطلقا إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكشف أبو بكر الرداء عن وجه النبي (ص) وإذا بجثمانه الطاهر قد رحلت منه روحه الزكية، فخرج وهو يفند مقالة عمر والتفت إلى الجماهير الحائرة التي اذهلها الخطب فقال لها:
(من كان يعبد محمدا فان محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فان الله حي لا يموت... وتلا قوله تعالى: (وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ).
وتلقى الجمهور مقالة أبي بكر بالإذعان، وراحوا يلهجون بالآية واسرع عمر الى تصديق مقالة أبي بكر ولم يبد اية معارضة له، واحتف به، وسار معه يشد عضده، ويحمي جانبه.
ولا بد لنا من وقفة قصيرة امام هذه البادرة الغريبة فانها تدعو إلى التساؤل من عدة امور وهي:
١ ـ هل صحيح ان عمر قد خفي عليه موت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؟؟ والقرآن الكريم قد أعلن أن كل انسان لا بد أن يتجرع كأس الحمام قال تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ) وقال تعالى في نبيه: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) وقال تعالى: (أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ) الآية، بالاضافة الى أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد نعى نفسه غير مرة الى المسلمين وأخبرهم بأنه يوشك أن يدعى فيجيب، وكان عمر نفسه يقول لأسامة قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم: مات رسول الله وأنت علي أمير.
٢ ـ ما هو السر في تهديده وتوعيده لمن أرجف بموت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ ولما ذا ينكل رسول الله المرجفين؟ فهل أن قولهم ارتداد عن الدين او خروج عن حظيرة الاسلام كي يستحقون تقطيع الأيدي والأرجل؟
ان من امعن النظر في هذه الحادثة يتضح له المقصود من فعل عمر وهو اشغال الناس عن مبايعة أي انسان قبل مجيء أبي بكر. إن عمر لم يكن من البلهاء والأغبياء كي يخفى عليه موت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وان حماسه البالغ وقيامه بعمليات التهديد والتوعيد، وسكون ثورته حينما جاء أبو بكر كل ذلك يدل بوضوح لا خفاء فيه على أن هذه الحادثة جزء من المخطط المرسوم قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صرف الخلافة عن أهل بيته واستئثارهم بها، ويذهب المستشرق لامنس الى أنه كانت بين أبي بكر وعمر وأبي عبيدة مؤامرة في صرف الخلافة عن أهل البيت: قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول:
(إن الحزب القرشي الذي يرأسه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح لم يكن وضع حاضر، ولا وليد مفاجأة أو ارتجال، وانما كان وليد مؤامرات سرية مبرمة حيكت أصولها وربت أطرافها بكل احكام، وإن ابطال هذه المؤامرة، أبو بكر، عمر بن الخطاب، أبو عبيدة بن الجراح، ومن اعضاء هذا الحزب عائشة وحفصة،.)
وهو رأي وثيق للغاية فان الامعان في تتبع خطوات القوم، والتدبر في افعالهم يقضي بقدم المؤامرة، وانهم حاكوا اصولها منذ زمان بعيد، فان تثاقلهم من الالتحاق بسرية اسامة، ومراسلة بعض ازواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم لآبائهن في التريث عن المسير، وترشيحهن لآبائهن لامامة الجماعة، والرد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما رامه من الكتابة وغير ذلك من القرائن والشواهد مما يدل بوضوح على قدم المؤامرة، وانهم بنوها على خطط وثيقة مدروسة احيطت بالامعان والتدبر، وليست وليدة الوقت الحاضر، ولا وليدة المباغتة والمفاجأة.
مباغتة الانصار:
ولما عقد الانصار أمرهم على تولية سيد الخزرج سعد بن عبادة كان ابن عمه بشير بن سعد بن ثعلبة الخزرجي، واسيد بن خضير زعيم الاوس ينافسانه في السيادة، وحسداه على ترشيحه لهذا المنصب الرفيع، فاضمرا له الحقد وأجمع رأيهما على صرف الأمر عنه وانضم إليهما عويم بن ساعدة الأوسي، ومعن بن عدى حليف الانصار، وكانا من حزب أبي بكر ومن اوليائه على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالاضافة الى ذلك انهما كانا يضمر ان الحقد والشحناء لسعد بن عبادة فانطلقا الى أبي بكر وعمر مسرعين فاخبرهما باجتماع الانصار في السقيفة وانهم قد اجمعوا على تولية سعد بن عبادة(٢١٢) فذهل أبو بكر وقام مسرعا ومعه عمر وتبعهما أبو عبيدة بن الجراح(٢١٣) وسالم مولى أبي حذيفة ولحقهم آخرون من حزبهم من المهاجرين، فكبسوا الانصار في ندوتهم فغاض لون سعد واسقط ما في أيدي الانصار وساد عليهم الوجوم والذهول، واراد عمر أن يتكلم فمال إليه أبو بكر فهمس في أذنه قائلا:
(رويدك يا عمر حتى اتكلم..)
وافتتح أبو بكر الحديث فقال:
(نحن المهاجرون أول الناس اسلاما، وأكرمهم احسابا، وأوسطهم دارا، وأحسنهم وجوها، وأمسهم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رحما وانتم اخواننا في الاسلام، وشركاؤنا في الدين نصرتم وواسيتم فجزاكم الله خيرا. فنحن الأمراء وانتم الوزراء، لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش، فلا تنفسوا على إخوانكم المهاجرين ما فضلهم الله به، فقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ـ يعني عمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح...).(٢١٤)
ان أوثق الأدلة التي أقامها أبو بكر على احقية المهاجرين بالخلافة والإمرة هي ما يلي:
١ ـ إنهم أول الناس اسلاما
٢ ـ إنهم أمس الناس رحما برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
ولم يفصح في استدلاله عن أول من آمن بالله، واستجاب لدعوة نبيه، ووقف إلى جانبه يصد عنه الاعتداء، ويحميه من جبابرة قريش وهو الامام أمير المؤمنين عليه السلام ابن عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وزوج ابنته، وأبو سبطيه، وباب مدينة علمه، فقد تناساه أبو بكر ورشح أبا عبيدة، وابن الخطاب لمنصب الخلافة، وهل كانت له ولاية على المسلمين حتى يرضى لهم ويختار من يتولى قيادتهم ويدير شئونهم وقد علق الامام أمير المؤمنين على احتجاجه بقوله: (احتجوا بالشجرة واضاعوا الثمرة) وما ابلغ هذا القول!! وما أروع هذا الاحتجاج!! فقد تمسك المهاجرون بقربهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم واستدلوا به على احقيتهم بالأمر، وتغافلوا عن عترته وذريته ووديعته وعدلاء كتاب الله، وقد خاطب أمير المؤمنين أبا بكر بذلك، واستدل عليه بعين ما استدل به أبو بكر على الانصار فقال له:

فان كنت بالقربى حججت خصيمهم * * * فغيرك اولى بالنبي وأقرب
وإن كنت بالشورى ملكت أمورهم * * * فكيف بهذا والمشيرون غيب

وخاطب عليه السلام القوم مرة أخرى فقال لهم: (والله، إني لأخوه ـ اى أخ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ـ ووليه وابن عمه ووارث علمه، فمن احق به منى)(٢١٥) لقد عدل القوم عن أبي الحسين وتناسوا فضائله ومآثره ووصايا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه طمعا في الخلافة وتهالكا على الامارة.
بيعة ابي بكر:
ولما انهى أبو بكر خطابه السالف الذي رشح فيه عمر وأبا عبيدة لمنصب الخلافة اسرع إليه عمر فقال له: (يكون هذا وأنت حى؟! ما كان أحد ليؤخرك عن مقامك الذي أقامك فيه رسول الله (ص)...)
ولا نعلم متى أقامه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في مقامه الذي هو فيه، وقد أخرجه صلى الله عليه وآله وسلم من يثرب مع بقية اصحابه جنودا مسلحين وولى عليهم أسامة بن زيد وهو شاب حدث السن، بمثل هذا اللف والدوران تمت البيعة لأبي بكر، وقد تسابق إلى بيعته عمر وبشير، وتبارى إلى البيعة جميع اعضاء حزبهم فبايعه اسيد بن حضير، وعويم بن ساعدة، ومعن بن عدى، وأبو عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة وخالد بن الوليد، واشتد هؤلاء على حمل الناس على البيعة، وكان اشدهم حماسا عمر فقد لعبت درته شوطا في الميدان وارغم الممتنعين على البيعة وقابلهم بالقسوة والعنف، وقد سمع الانصار يقولون في سعد:
(قتلتم سعدا)
فاندفع يقول:
(اقتلوه، قتله الله فانه صاحب فتنة)(٢١٦)
ولما تمت البيعة لابي بكر بهذه الصورة التي يحف بها الارهاب والتهديد اقبل به حزبه يزفونه الى مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زفاف العروس(٢١٧) والنبي صلى الله عليه وآله وسلم ملقى على فراش الموت، قد انشغل أمير المؤمنين عليه السلام بتجهيزه، فلما أخبر تمثل بقول القائل:

واصبح أقوام يقولون ما اشتهوا * * * ويطغون لما غال زيدا غوائل(٢١٨)


لقد بويع أبو بكر بمثل هذه العجالة والمباغتة، وكان عمر يرى عدم مشروعية هذه البيعة ووجه إليها لاذع النقد فقال فيها كلمته المشهورة:
(إن بيعة أبي بكر كانت فلتة، وقى الله المسلمين شرها، فمن دعاكم الى مثلها فاقتلوه.)(٢١٩)
وحفلت هذه الكلمة باقسى الوان النقد والتشهير واحتوت على ما يلي:
١ ـ إن عمر وصم البيعة (بالفلتة) وسواء أكان معناها الشر والخطيئة والزلة، أو المباغتة والمفاجأة فانها اعظم ما تكون في ميدان القدح والذم.
٢ ـ إنه دعا الله أن ينقذ المسلمين من شرها ويقيهم من مضعفاتها السيئة.
٣ ـ انه حكم بقتل من دعا لمثل هذه البيعة
وانما طعن عمر في انتخاب أبي بكر وقدح في بيعته لانها لم تعتمد على اسس سليمة، ولم تبتن على منطق رصين وحفلت بما يلي من المؤاخذات:
١ ـ إن القوم لم يأخذوا رأي العترة الطاهرة فيها واستبدوا بالأمر وقد تناسوا وصايا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها، واهملوا ما أمرهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من الاقتداء والتمسك بذريته يقول الامام شرف الدين طيب الله مثواه:
(فلو فرض أن لا نص بالخلافة على أحد من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفرض كونهم مع هذا غير مبرزين في حسب أو نسب او اخلاق أو جهاد، أو علم، أو عمل، او ايمان، أو اخلاص، ولم يكن لهم السبق في مضامير كل فضل، بل كانوا كسائر الصحابة، فهل كان مانع شرعي، أو عقلي، أو عرفي يمنع من تأجيل عقد البيعة الى فراغهم من تجهيز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ ولو بأن يوكل حفظ الامن الى القيادة العسكرية موقتا حتى يستتب أمر الخلافة؟
أليس هذا المقدار من التريث كان أرفق باولئك المفجوعين؟ وهم وديعة النبي لديهم، وبقيته فيهم. وقد قال الله تعالى: (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ) أليس من حق هذا الرسول ـ الذي يعز عليه عنت الامة ويحرص على سعادتها، وهو الرءوف بها الرحيم لها ـ أن لا تعنت عترته فلا تفاجأ بمثل ما فوجئت به ـ والجرح لما يندمل والرسول لما يقبر).(٢٢٠)
النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسجى على فراش الموت لم يغيبه عن عيون القوم مثواه، وراحوا بهلع وجشع يتسابقون الى الحكم والسلطان، واهملوا عترته، واجمعوا على مجافاتهم، وهضم حقوقهم، وسلب تراثهم، ومنذ ذلك اليوم واجهت العترة الوانا قاسية من النكبات والخطوب فاريقت دماؤها، وسبيت نساؤها، ولم ترع فيها قرابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي هي اولى بالرعاية والعطف من كل شيء.
٢ ـ ومما يؤخذ على هذه البيعة انها لم تكن جامعة لاهل الحل والعقد الذي يعتبرونه هم شرطا اساسيا في حصول الاجماع وفي مشروعية الانتخاب، فقد الغى القوم استشارة الطبقة الرفيعة في الاسلام فلم يعتنوا بآرائها ولم يأخذوا موافقتها في الخليفة الجديد، كما ان المكان الذي اجرى فيه الانتخاب كان مخفيا الى ابعد الحدود يقول عبد الوهاب النجار
(يرى المطلع على الشكل الذي حصلت به بيعة أبي بكر ان الاستشارة في أمرها كانت ناقصة نقصا ظاهرا لان المعقول في مثل هذه الحال أن يتخذ المسلمون مكانا يجتمعون فيه وان يؤذن الناس به من قبل..)(٢٢١)
إن انتخاب أبي بكر كان مشوها الى أبعد الحدود، فقد انسحبت عن اختياره وانتخابه الشخصيات الفذة التي ساهمت في بناء كيان الاسلام وفي طليعتها الامام أمير المؤمنين عليه السلام ومن يمت إليه من الهاشميين ووجوه الصحابة كسلمان الفارسي، وأبي ذر وعمار بن ياسر، وأبي بن كعب، ومن الهاشميين الزبير وعتبة بن أبي لهب والعباس وغيرهم كما امتنع جميع الانصار أو بعضهم عن البيعة، وقالوا) لا نبايع الا عليا)(٢٢٢) ومع انسحاب هذا العدد الضخم من الانتخاب، وفيهم الضروس، والرءوس، والاعلام من المهاجرين والانصار كيف تكون البيعة مشروعة، والانتخاب صحيحا؟!!
٣ ـ ان المسلمين قد أرغموا على بيعة أبي بكر، وأكرهوا عليها ولم تكن ناشئة عن اختيارهم وارادتهم فقد لعبت درة عمر في تحقيقها وايجادها حتى ذهل المسلمون، ولم يشترطوا في ضمن العقد أن يسير الخليفة على كتاب الله وسنة نبيه كما اشترطوا ذلك على الخلفاء من بعده ولعل لهذه الاسباب حكم عمر بعدم مشروعيتها، وعدم مشروعية أساليبها، كما حكم بالقتل لمن يعود لمثلها.
امتناع امير المؤمنين عن البيعة:
وامتنع أمير المؤمنين عليه السلام عن البيعة، واعلن سخطه البالغ على أبي بكر لأنه نهب تراثه، وسلب حقه، وهو يعلم أن محله من الخلافة محل القطب من الرحى ينحدر عنه السيل ولا يرقى إليه الطير ـ على حد تعبيره ـ لذلك كان عليه السلام لا يظن ان احدا يرقى منبر الخلافة غيره وقد اعلن ذلك بوضوح لما جاء إليه عمه العباس وطلب منه أن يبايعه فقال له:
يا بن أخي امدد يدك أبايعك، فيقول الناس: عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بايع ابن عم رسول الله فلا يختلف عليك اثنان.)
فاجابه الامام:
(ومن يطلب هذا الأمر غيرنا)(٢٢٣)
لقد قلده النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذا المنصب الرفيع يوم غدير خم، واعلن له الولاية على ملأ من الناس، بالاضافة الى وصاياه المتظافرة التي حث فيها أمته على متابعته، وتسليم قيادتها بيده، يقول الدكتور طه حسين في هذا الموضوع ما نصه:
(نظر العباس في الأمر فرأى ابن أخيه أحق منه بوراثة هذا السلطان لأنه ربيب النبي، وصاحب السابقة في الاسلام، وصاحب البلاء الحسن الممتاز في المشاهد كلها، ولأن النبيّ كان يدعوه أخاه حتى قالت له أم أيمن: ذات يوم مداعبة تدعوه أخاك وتزوجه ابنتك! ولأن النبي قال له: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا انه لا نبي بعدى. وقال للمسلمين يوما آخر: من كنت مولاه فعلى مولاه. من أجل ذلك اقبل العباس بعد وفاة النبي على ابن اخيه فقال له: ابسط يدك ابايعك..).(٢٢٤)
لقد تخلف امير المؤمنين عن البيعة فلم يسالم القوم، ولم يمنحهم الرضا واعلن سخطه عليهم، وحاججهم وناظرهم، وقد حفل نهجه بتذمره البالغ وسخطه الشديد على القوم لأنهم سلبوا تراثه، وجحدوا ولايته وحقه.
احتجاج ومناظرات:
واحتج الامام أمير المؤمنين عليه السلام على القوم بأنه أولى بالامر واحق به منهم، وكذلك احتج عليهم من يمت إليه من الهاشميين، وذوي السابقة في الاسلام من اعلام المهاجرين والانصار، والى القراء بعض تلك الاحتجاجات:
١ ـ الامام امير المؤمنين
ولما اخذ أمير المؤمنين عليه السلام قسرا ليبايع أبا بكر قال له القوم بعنف:
(بايع أبا بكر)
فاجابهم وهو رابط الجأش ثابت الجنان
(أنا احق بالأمر منكم، لا أبايعكم وانتم اولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الامر من الانصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتأخذونه منا أهل البيت غصبا، ألستم زعمتم للانصار أنكم اولى بهذا الامر منهم لما كان محمد منكم فأعطوكم المقادة، وسلموا إليكم الامارة، وأنا احتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الانصار نحن اولى برسول الله حيا وميتا، فانصفونا ان كنتم تؤمنون وإلا فبوءوا بالظلم وانتم تعلمون..).
وسلك عليه السلام بهذا الاحتجاج الصارم الطريقة التي سلكها المهاجرون أمام الانصار من انهم امس الناس رحما برسول الله، وهذا الملاك الذي هتف به المهاجرون واتخذوه وسيلة لتحطيم آمال خصومهم موجود في الامام عليه السلام على النحو الاكمل فهو ابن عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وختنه على ابنته، ومما وسع ابن الخطاب أمام هذا المنطق الا أن يسلك طريق العنف، وهو طريق من يعوزه الدليل والبرهان فقال له:
(إنك لست متروكا حتى تبايع)
فصاح به أمير المؤمنين
(احلب حلبا لك شطره، واشدد له اليوم أمره يردده عليك غدا..)
وثار الامام وهتف يزأر
(والله، يا عمر لا اقبل قولك، ولا ابايعه..)
وخاف ابو بكر ان يصل الأمر الى ما لا تحمد عقباه فاقبل على الامام يتلطف به ويقول له بناعم القول.
(إن لم تبايع فلا أكره..)
وحاول أبو عبيدة ارضاء الامام فقال له:
(يا بن عم إنك حدث السن، وهؤلاء مشيخة قومك ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالامور ولا ارى أبا بكر إلا أقوى على هذا الامر منك وأشد احتمالا واضطلاعا به، فسلم لأبي بكر هذا الأمر، فانك إن تعش ويطل بك بقاء، فانت لهذا الامر خليق وبه حقيق في فضلك ودينك وعلمك، وفهمك وسابقتك، ونسبك وصهرك..)
وأثارت هذه المخادعة كوامن الالم والاستياء في نفس الامام فاندفع يخاطب المهاجرين ويذكر لهم مآثر اهل البيت: قائلا:
(الله الله يا معشر المهاجرين!.. لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره، وقعر بيته الى دوركم وقعور بيوتكم، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه؟.. فو الله يا معشر المهاجرين لنحن احق الناس به ـ لأنا أهل البيت ـ ونحن أحق بهذا الامر منكم، ما كان فينا القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بسنن رسول الله، المضطلع بأمر الرعية، الدافع عنهم الامور السيئة، القاسم بينهم بالسوية، والله إنه لفينا فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل الله فتزدادوا من الحق بعدا..).(٢٢٥)
ودفع الامام باحتجاجه الرائع جميع شبه القوم فلم يترك لهم نافذة الا سدها ببليغ حجته وقوة برهانه، فان أبلغ ما تمسك به أبو عبيدة لاثبات ولاية أبي بكر أنه اكبر سنا من امير المؤمنين وذلك عنده مقياس الصواب وفصل الخطاب، ولكنه منطق مفلوج في نظر الاسلام، فان المقياس عنده في قيم الرجال أن تتوفر فيهم المواهب والكفآت والعبقريات فمن تمتع بها فهو الخليق بزعامة الامة، وبادارة شئونها، ولهذه الجهة نظر الامام في احتجاجه فبين لهم الصفات الرفيعة الماثلة في أهل البيت: من الفقه بدين الله، والعلم بسنن رسوله والاضطلاع بامور الرعية ودفع الشر والمكروه عنها، والقسم بينها بالسوية، وهذه الصفات التي اعتبر الاسلام مثولها في الحاكمين والمسئولين لم تتوفر الا عند أهل البيت: فهم احق بالأمر وأولى به من غيرهم.
٢ ـ الزهراء
واحتجت سيدة نساء العالمين بحجج بالغة على القوم، وبينت لهم سوء ما فعلوا، وعظيم ما ارتكبوا قالت سلام الله عليها:
(ويحهم انى زحزحوها ـ أي الخلافة ـ عن رواسي الرسالة؟! وقواعد النبوة، ومهبط الروح الأمين، الطبن(٢٢٦) بأمور الدنيا والدين، ألا ذلك هو الخسران المبين، وما الذي نقموا من أبي الحسن؟ نقموا والله منه نكير سيفه وشدة وطأته، ونكال وقعته، وتنمره في ذات الله، وتالله لو تكافئوا(٢٢٧) على زمام نبذه إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لاعتقله(٢٢٨) وسار بهم سيرا سجحا(٢٢٩) لا يكلم خشاشه(٢٣٠) ولا يتتعتع راكبه(٢٣١) ولأوردهم منهلا رويا فضفاضا(٢٣٢) تطفح ضفتاه(٢٣٣) ولا يترنم جانباه(٢٣٤) ولأصدرهم بطانة(٢٣٥) ونصح لهم سرا واعلانا، غير متحل منهم بطائل الا بغمر الناهل(٢٣٦) وردعة سورة الساغب(٢٣٧) ولفتحت عليهم بركات من السماء والارض، وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون، الا هلمّ فاستمع وما عشت أراك الدهر عجبا!! وإن تعجب فقد اعجبك الحادث الى أي لجأ لجئوا؟! وبأى عروة تمسكوا لبئس المولى ولبئس العشير، بئس للظالمين بدلا، استبدلوا والله الذنابى بالقوادم، والعجز بالكاهل(٢٣٨) فرغما لمعاطس قوم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، الا أنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون، يحهم أفمن يهدى الى الحق أحق أن يتبع امن لا يهدّي إلا ان يهدى فما لكم كيف تحكمون، أما لعمر إلهكن لقد لقحت، فنظرة ريثما تنتج ثم احتلبوها طلاع العقب دما عبيطا وذعافا ممقرا(٢٣٩) هنالك يخسر المبطلون، ويعرف التالون غب ما اسس الاولون، ثم طيبوا عن انفسكم نفسا وطامنوا للفتنة جأشا، وابشروا بسيف صارم، وبقرح شامل يدع فيئكم زهيدا، وجمعكم حصيدا، فيا حسرة لكم انلزمكموها وانتم لها كارهون..).(٢٤٠)
 وشجبت بضعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في خطابها الرائع البليغ الاعتداء الصارخ على آل البيت:، ونددت بمن غصب الخلافة الاسلامية منهم، فان القوم قد وضعوها في غير موضعها، وضيعوا بذلك عترة نبيهم وهم رواسي الرسالة، وقواعد النبوة والامامة، وفي بيوتهم هبط الروح الامين، وتنزل الذكر الحكيم، وقد حفل خطابها القيم بامور بالغة الخطورة وهي:

١ ـ انها ذكرت اهم الاسباب الوثيقة التي من اجلها زهد القوم في أبي الحسين، ونقموا منه:
(أ) ـ نكير سيف الامام الذي حصد به رءوس المشركين والملحدين ونافح به عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جميع المواقف والمشاهد، ووتر به الاقربين والابعدين في سبيل اقامة دعائم الدين، ومن الطبيعي أن ذلك اولد في نفوس القوم عظيم الحقد والكراهية.
(ب) ـ شدة وطأته عليه السلام فقد كان حتف الكافرين، وغيظ المنافقين، لم يصانع، ولم يحاب، ولم تأخذه في الله لومة لائم وهو القائل (وأيم الله لانصفن المظلوم من ظالمه، ولآخذن الظالم بخرامته، حتى اورده منهل الحق وان كان كارها)
(ج) ـ تنمره في ذات الله، فقد وهب عليه السلام نفسه لله، ورصد جميع طاقاته لاحياء دين الله، واقامة سننه، وقد قذف نفسه في لهوات الحروب، وخاض الغمرات والأهوال، ووطأ صماخ المشركين باخمصه حتى استقام امر هذا الدين، وقام على سوقه عبل الذراع كل ذلك ببركة جهوده، وعظيم جهاده.
ان هذه الاسباب: هي التي أدت الى بغض القوم وحقدهم عليه، بالاضافة الى حسدهم على ما منحه الله من المواهب والكمالات، والحسد يولد ضغنا وحقدا في النفوس، ويلقى الناس في شر عظيم.
٢ ـ ان الامة لو قلدت امورها الى أمير المؤمنين، وتابعت قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه لظفرت بما يلي:
١ ـ انه يسير فيهم بسيرة العدل والحق، ويحكم بما انزل الله تعالى ولا يضام في ظل حكمه احد، ولا تهدر كرامة اي فرد منهم.
٢ ـ انه يوردهم منهلا عذبا، ويقود ركبهم الى شاطئ الامن والسلامة ويفيض عليهم بالخير والبركات، ويغدق عليهم بالنعم فلا يشكو احد في ظل عدله الحرمان والجوع والفقر.
٣ ـ انه ينصح لهم في السر والعلانية، ويهديهم الى سواء السبيل
٤ ـ ان الامام سلام الله عليه لو تقلد زمام الحكم لما تحلى من دنياهم بطائل، وما استأثر من اموالهم بشيء، ولشاركهم في البأساء والضراء وقد حقق ذلك حينما آلت إليه أمور المسلمين، فقد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعامه بقرصيه وما وضع لبنة على لبنة، وواسى الفقراء والمحرومين وقد قال كلمته الخالدة في المواساة.
(أأقنع من نفسي بان يقال أمير المؤمنين، ولا اشاركهم في مكاره الدهر وجشوبة العيش)
ولم يحفل تأريخ المسلمين بحاكم مثله في زهده، وورعه، وعدله، وتجنبه عن اموال الرعية، وقد بقيت سيرته من اروع الامثلة التي يعتز بها المسلمون.
٥ ـ ان الامام (ع) لو تولى الخلافة من بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لانتشرت الخيرات والبركات، وعمت النعم جميع ارجاء البلاد، واكل الناس من فوق رءوسهم ومن تحت ارجلهم، ولكن المسلمين حرموا انفسهم السعادة وحرموها للاجيال اللاحقة من بعدهم، فقد استبدلوا الذنابى بالقوادم، والعجز بالكاهل، وتركوا من يهديهم الى الحق ويسير فيهم بسيرة العدل.
٣ ـ واستشفت بضعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من وراء الغيب النتائج الفظيعة التي تترتب على ما ارتكبه القوم وهي كما يلي:
(أ) انتشار الفتن بين المسلمين، وانشقاق صفوفهم وتفلل وحدتهم
(ب) ـ تنكيلهم وارهاقهم من قبل السلطات الجائرة.
(ج) ـ استبداد الظالمين بشئونهم
وقد تحققت هذه النتائج الخطيرة على مسرح الحياة حينما استولى الأمويون على زمام الحكم، فقد حكم معاوية رقاب المسلمين وولى عليهم جلاوزته الجلادين امثال سمرة بن جندب، وبسر بن ارطاة، وزياد بن أبيه، فامعنوا في ارهاق المسلمين والتنكيل بهم، واذاعوا الخوف بين المسلمين، وفي عهد زياد كان الناس يقولون: (انج سعد فقد هلك سعيد) وتولى من بعده يزيد فاستعمل على المسلمين ابن مرجانة ففعل الأفاعيل المنكرة التي سود بها وجه التاريخ، وهكذا اخذت الخلافة الاسلامية تنتقل من ظالم الى ظالم، ومن جائر الى جائر حتى ضجت البلاد من الظلم والجور والاستبداد.
ولهذه الاسباب الوثيقة التي بينتها في خطابها ناهضت الحكم القائم، وناجزته بجميع امكانياتها، وطالبت المسلمين بالقيام لقلب الحكم، ودعتهم الى الثورة لاستنقاذ الحق الغصيب فقد طاف بها زوجها المظلوم اربعين يوما على بيوت المهاجرين والانصار تسألهم النجدة والنصرة فكانوا يقولون لها:
(يا بنت رسول الله.. قد مضت بيعتنا لهذا الرجل)
فتجيبهم مستنكرة
(افتدعون تراث رسول الله يخرج من داره الى غير داره؟)
واخذوا يعتذرون لها قائلين:
(يا بنت رسول الله... لو أن زوجك سبق إلينا قبل أبي بكر لما عدلنا به)
ويجيبهم أمير المؤمنين
(أفكنت أدع رسول الله في بيته لم ادفنه، ثم أخرج انازع الناس سلطانه؟) وتدعم بضعة الرسول قول أمير المؤمنين فتقول:
(ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له.. وقد صنعوا ما الله حسيبهم عليه).(٢٤١)
وقد خطبت سلام الله عليها خطبتها الشهيرة واستنهضت ـ في كثير من فصولها ـ همم المسلمين وحفزتهم على الثورة وطالبتهم بارجاع الخلافة الى أمير المؤمنين فقد قالت مخاطبة بني قيلة:
(أيها بنى قيلة، أأهضم تراث أبي وانتم بمرأى، ومسمع تبلغكم الدعوة، وشملكم الصوت وفيكم العدة، ولكم الدار والجنن، وانتم نخبة الله التي انتخبت وخيرته التي اختار. باديتم العرب، وبادهتم الامور، وكافحتم البهم، حتى دارت بكم رحى الاسلام، ودر حلبه وخبت نيران الحرب، وسكنت فورة الشرك، وهدأت دعوة الهرج، واستوثق نظام الدين، أفتأخرتم بعد الاقدام، ونكصتم بعد الشدة، وجبنتم بعد الشجاعة عن قوم نكصوا أيمانهم من بعد عهدهم، وطعنوا في دينكم، فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا ايمان لهم لعلهم ينتهون..).(٢٤٢)
وقد اثارت حفائظ النفوس، والهبت نار الثورة في خطابها الكبير إلا أن أبا بكر استقبلها بالاعتذار، واللين، واظهر لها بالغ الاحترام والتقدير فاخمد الثورة وشل حركتها، فلم تجد سلام الله عليها مجالا لاسترجاع حق امير المؤمنين عليه السلام واخذت تبث الشكوى والشجى الى أبيها وخلدت الى الصبر على ما انتابها من المحن والخطوب.
٣ ـ الامام الحسن
وما استقر في نفس أمير المؤمنين عليه السلام من اللوعة والأسى على ضياع حقه وغصب تراثه قد استقر في نفس وليده الامام الحسن عليه السلام فقد انطلق إلى مسجد جده صلى الله عليه وآله وسلم فرأى أبا بكر على منبر المسجد يخطب الناس فالتاع ووجه إليه لاذع النقد قائلا له:
(انزل... انزل عن منبر أبي، واذهب الى منبر أبيك!!)
وبهت ابو بكر، وتطلعت ابصار الناس إلى القائل فإذا هو حفيد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وريحانته، فاخذتهم الحيرة والدهشة، وساد عليهم الوجوم، واسترد أبو بكر خاطره فتدارك الموقف فقال له بناعم القول:
(صدقت والله. إنه لمنبر أبيك لا منبر أبي..)(٢٤٣)
إن احتجاج الامام الحسن عليه السلام ـ وهو في غضون الصبا ـ انبعث عن نضوج وطموح وذكاء، وكشف عن آلام مرهقة كان يكنها في اعماق نفسه على ضياع حق أبيه.
كان يرى المنبر يرقاه جده الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو يدعو الناس الى الله، ويهديهم الى سواء السبيل، وقد اختفى ذلك النور، واحتجب ذلك الصوت، وهو لا يجد أحدا خليقا بأن يخلفه سوى أبيه سيد الاوصياء الذي نافع عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جميع المواقف والمشاهد.
٤ ـ سلمان الفارسي
واندفع سلمان الفارسي ابن الاسلام البار، ومنبع التقوى والصلاح، الى الانكار على القوم والاحتجاج عليهم فقد راح يتكلم مع أبي بكر قائلا له:
(يا أبا بكر.. الى من تسند أمرك إذا نزل بك ما لا تعرفه؟! وإلى من تفزع اذا سئلت عما لا تعلمه؟ وما عذرك في تقدم من هو اعلم منك، واقرب الى رسول الله، واعلم بتأويل كتاب الله عز وجل، وسنة نبيه، ومن قدمه النبي في حياته، واوصاكم به عند وفاته، فنبذتم قوله، وتناسيتم وصيته، واخلفتم الوعد، ونقضتم العهد، وحللتم العقد، الذي كان عقده عليكم، من النفوذ تحت راية أسامة بن زيد!).(٢٤٤)
٥ ـ عمار بن ياسر
وانطلق الطيب ابن الطيب عمار بن ياسر الى محاججة القوم فقال لهم:
(يا معاشر قريش.. ويا معاشر المسلمين، إن كنتم علمتم وإلا فاعلموا أن أهل بيت نبيكم اولى به واحق بارثه، وأقوم بامور الدين، وآمن على المؤمنين، واحفظ لملته، وانصح لأمته فمروا صاحبكم فليرد الحق الى أهله قبل أن يضطرب حبلكم، ويضعف أمركم، ويظهر شقاقكم، وتعظم الفتنة بكم، وتختلفون فيما بينكم، ويطمع فيكم عدوكم، فقد علمتم أن بني هاشم أولى بهذا الامر منكم، وعلي أقرب منكم الى نبيكم، وهو من بينهم وليكم بعهد الله ورسوله، وفرق ظاهر قد عرفتموه في حال بعد حال عند سد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبوابكم التي كانت الى المسجد كلها غير بابه، وايثاره اياه بكريمته فاطمة، دون ساير من خطبها إليه منكم، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: انا مدينة العلم، وعلى بابها، ومن أراد الحكمة فليأتها من بابها، وانكم جميعا مضطرون فيما اشكل عليكم من أمور دينكم إليه، وهو مستغن عن كل أحد منكم الى ما له من السوابق التي ليست لأفضلكم عند نفسه، فما بالكم تحيدون عنه، وتبتزون عليا على حقه، وتؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة، بئس للظالمين بدلا، اعطوه ما جعله الله له، ولا تولوا عنه مدبرين، ولا ترتدوا على اعقابكم فتنقلبوا خاسرين..(٢٤٥)
٦ ـ خزيمة بن ثابت
وانبرى الصحابي العظيم خزيمة بن ثابت فقال: (أيها الناس، الستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل شهادتي وحدى، ولم يرد معي غيرى؟ فقالوا بلى. قال: فاشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: أهل بيتي يفرقون بين الحق والباطل، وهم الأئمة الذين يقتدى بهم، وقد قلت ما علمت، وما على الرسول إلا البلاغ المبين..)
٧ ـ أبو الهيثم بن التيهان
وانطلق الصحابي الكبير أبو الهيثم بن التيهان فقال: (وأنا أشهد على نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أنه أقام عليا يوم غدير خم، فقالت الانصار ما أقامه الا للخلافة، وقال بعضهم: ما أقامه إلا ليعلم الناس أنه مولى من كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مولى له، وكثر الخوض في ذلك فبعثنا رجالا منا الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسألوه عن ذلك؟ فقال: قولوا لهم: على ولي المؤمنين بعدي، وانصح الناس لأمتى، وقد شهدت بما حضرني فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، إن يوم الفصل كان ميقاتا..).
٨ ـ سهل بن حنيف
واندفع سهل بن حنيف فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبيّ وآله ثم قال:
(يا معشر قريش، اشهد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد رأيته في هذا المكان ـ يعنى في جامعه ـ وقد أخذ بيد علي بن أبي طالب عليه السلام وهو يقول: أيها الناس هذا علي إمامكم من بعدي، ووصيي في حياتي؟ وبعد وفاتي، وقاضي ديني، ومنجز وعدي، وأول من يصافحنى على حوضي، وطوبى لمن تبعه، ونصره، والويل لمن تخلف عنه وخذله..).
٩ ـ عثمان بن حنيف
وقام عثمان بن حنيف فقال: (سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: أهل بيتي نجوم الأرض فلا تتقدموهم فهم الولاة من بعدي فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله، وأي أهل بيتك؟ فقال: علي والطاهرون من ولده..)
١٠ ـ أبو أيوب الانصاري
وقال أبو أيوب الانصاري: (اتقوا الله عباد الله في أهل بيت نبيكم، وردوا إليهم حقهم الذي جعله الله لهم، فقد سمعتم مثل ما سمع إخواننا في مقام بعد مقام لنبينا عليه السلام ومجلس بعد مجلس يقول: أهل بيتى أئمتكم بعدي، ويومىء الى علي ويقول: هذا أمير البررة، وقاتل الكفرة مخذول من خذله، منصور من نصره فتوبوا الى الله من عملكم، إن الله تواب رحيم، ولا تتولوا عنه مدبرين، ولا تتولوا عنه معرضين..).(٢٤٦)
١١ ـ عتبة بن أبي لهب
وقام عتبة بن أبي لهب وهو يذرف الدموع وينشد:

ما كنت أحسب أن الامر منصرف * * * عن هاشم ثم منهم عن أبي حسن
عن أول الناس إيمانا وسابقة * * * واعلم الناس بالقرآن والسنن
وآخر الناس عهدا بالنبي ومن * * * جبريل عون له في الغسل والكفن
من فيه ما فيهم لا يمترون به * * * وليس في القوم ما فيه من الحسن(٢٤٧)

الى غير ذلك من الاحتجاجات الصارمة التي اقامها كبار المسلمين وثقاتهم على احقية الامام عليه السلام بالأمر، ولكن القوم اعاروا ذلك أذنا صماء واصروا على صرف الخلافة عن أهل البيت:.
كبس دار الامام
وتخلف امير المؤمنين عليه السلام عن بيعة أبي بكر، واحتج عليه بأنه اولى بالخلافة منه، واعلن سخطه البالغ على القوم، وقد انضم إليه اعلام الاسلام، ووجوه المسلمين كعمار بن ياسر، وأبي ذر، والزبير، وخالد بن سعيد، وغيرهم، فكانوا يعقدون الاجتماع في داره، ويتداولون فيها الاحاديث، وثقل على أبي بكر ذلك، وعظم عليه، فاقتضت سياسته أن يكبس دار الامام، ويقابله بالشدة والصرامة، ويتخذ معه جميع الإجراءات الحاسمة، فاصدر أوامره الى عمر بكبس داره، وحمله على البيعة قسرا، فراح عمر يشتد ومعه الشرطة والجنود، وقد رأى ان خير وسيلة لحمل الامام على الطاعة ان يحرق داره، ويشعل فيها النار، فحمل مشعلا من النار، وحمل القوم حزمة الحطب وانطلقوا مسرعين يعلوهم الغضب ليحرقوا البيت الذي اذن الله أن يرفع، ويذكر فيه اسمه!! البيت الذي اذهب الله عن أهله الرجس، وطهرهم تطهيرا!! وهجم عمر على الدار وهو مغيظ محنق يصيح باعلى صوته.
(والذي نفس عمر بيده ليخرجن، أو لأحرقنها على من فيها؟)(٢٤٨) فعذلته طائفة، وحذرته من عقوبة الله قائلة:
(ان فيها فاطمة..)
فصاح فيها غير مكترث ولا مبال
(وإن! وإن!)
وطالعتهم حبيبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبضعته، وقد علاها الرعب، واستولى عليها الذهول فوجهت إليهم لاذع القول:
(لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم، تركتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جنازة بين أيدينا، وقطعتم امركم بينكم لم تستأمرونا، ولم تردوا لنا حقا).
وتبدد جبروت القوم، وذاب عنفهم، واسرع عمر الى أبى بكر يحفزه على المضى في حمل الامام على البيعة قائلا: (ألا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة؟!)
فارسل أبو بكر قنفذا خلف الامام فابى عليه السلام من الحضور، فانطلق عمر ومعه معاونوه الى بيت الامام فقرع الباب، واقتحم على الاسد عرينه فانطلقت بضعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهي تهتف بابيها وتستغيث به قائلة:
(يا أبت، يا رسول الله... ما ذا لقينا بعدك من ابن الخطاب، وابن أبي قحافة!!؟)
وتصدعت القلوب، وذابت النفوس من هول المصاب، وانصرف القوم باكين، وبقى ابن الخطاب ومعه حزبه وبدا عليه الحنق والغضب ولم يجد معه تعنيف بضعة الرسول، فاخرج أمير المؤمنين بعنف وانطلق به إلى أبي بكر، فقال له:
(بايع)
(وإن لم افعل؟))
فبادر القوم، وقد اضلهم الهوى قائلين له:
(والله. الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك..)
فصمت عليه السلام برهة، ونظر الى القوم، فاذا ليس له معين ولا ناصر فقال بصوت حزين النبرات.
(إذا تقتلون عبد الله، وأخا رسوله!!)
واندفع ابن الخطاب، وهو مندلع الثورة فرد على الامام
(اما عبد الله فنعم، وأما أخو رسوله فلا!!)
وتناسى عمر ان امير المؤمنين اخو النبي، ونفسه وباب مدينة علمه، والتفت الى أبي بكر يحثه على الايقاع به، قائلا:
(الا تأمر فيه بأمرك؟؟)
وحاذر أبو بكر من الفتنة، وخاف ان تندلع نيران الثورة فقال:
(لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة الى جانبه..)
واطلقوا سراح الامام فراح يهرول الى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستنجد به ويناجيه وهو يبكي أمر البكاء رافعا صوته.
(يَا بْنَ أُمَ).. (إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي، وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي..)
لقد استضعفه القوم، واستوحدوه، واستباحوا حرمته، وقفل عليه السلام الى البيت راجعا وهو كئيب حزين قد أحاط به الهم والاسى، واتضح له ما يكنه القوم في نفوسهم من الحقد والكراهية له.
مصادرة فدك
ولما فتحت الجيوش الاسلامية حصون خيبر قذف الله الهلع والرعب في قلوب أهالي فدك، وخيم عليهم الذعر والخوف فهرعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونزلوا على حكمه، وصالحوه على نصف اراضيهم فكانت ملكا خالصا له لأن المسلمين لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب، ولما انزل الله تعالى على نبيه قوله: (وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ) بادر صلى الله عليه وآله وسلم فانحل فاطمة فدكا، ووضعت يدها عليها وتصرفت فيها تصرف الملاك في املاكهم، وبعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم اقتضت سياسة أبي بكر أن يصادرها، وينتزعها من يد الزهراء عليها السلام لئلا تقوى شوكة الامام، ويغلب جانبه، وهو حرب اقتصادى باعثه اضعاف الروح المعارضة، وشل الحركة المعادية له، وهذا ما عليه الدول قديما وحديثا أمام خصومها، وقد مال الى هذا الرأي علي بن مهنأ العلوي قال:
(ما قصد أبو بكر، وعمر بمنع فاطمة عنها ـ اي عن فدك ـ إلا أن يقوى علي بحاصلها وغلتها على المنازعة في الخلافة..)(٢٤٩)
وبعد ما استولى أبو بكر على فدك، واخرج منها عامل الزهراء انبرت سلام الله عليها إليه فطالبته بردها فما اجابها الى ذلك، وطلب منها إقامة البينة على صدق دعواها، وهو من الغرابة بمكان ـ اولا ـ ان ذلك لا ينطبق بحال على ما قرر في الفقه الاسلامى من أن صاحب اليد لا يطالب بالبينة، وانما البينة على المدعي ومع عدم وجودها فلا حق له الا اليمين على المنكر، والزهراء سلام الله عليها هي صاحبة اليد، فلا تطالب بالبينة وانما يطالب بها أبو بكر، ومع عدم وجودها عنده فلا حق له سوى اليمين عليها، ولكنه أهمل ذلك وصمم على أن تقيم البينة ـ وثانيا ـ ان فاطمة سيدة نساء هذه الأمة، وخير نساء العالمين، على حد تعبير أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واجمع المسلمون على أنها ممن انزل الله فيهم آية التطهير، وهي تدل على طهارة ذيلها وعصمتها، وهي اصدق الناس لهجة حسب قول عائشة(٢٥٠) أفلا يكفى ذلك كله في تصديقها، واجابة قولها؟
وعلى اي حال فقد مضت ريحانة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فاحضرت أمير المؤمنين، وأم أيمن فشهدا عنده ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انحلها فدكا، فرد الشهادة واعتذر بأن البينة لم تتم، وهذا لا يخلو أيضا من المؤاخذات ـ اولا ـ انه لا يتفق مع القواعد الفقهية فانها صريحة في أن الدعوى اذا كانت على مال أو كان المقصود منها المال فانها تثبت بشاهد ويمين فان اقام المدعي شاهدا واحدا فان على الحاكم أن يحلفه بدلا من الشاهد الثاني فان حلف اعطاه الحق، وإن نكل رد الدعوى، ولم يطبق ذلك أبو بكر فالغى الشهادة ورد الدعوى، وثانيا ـ انه رد شهادة أمير المؤمنين، وهو مع القرآن، والقرآن معه لا يفترقان كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(٢٥١) ـ وثالثا ـ انه رد شهادة السيدة الصالحة أم ايمن وقد شهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنها من أهل الجنة.(٢٥٢)
وخرجت سيدة النساء من عند أبي بكر وهي تتعثر باذيالها من الخيبة قد انهد كيانها والم بها الشجى والحزن يقول الامام شرف الدين نضّر الله مثواه.
فليته اتقى فشل الزهراء في مواقفها بكل ما لديه من سبل الحكمة، ولو فعل لكان ذلك أحمد في العقبى، وابعد عن مظان الندم، وأنأى عن مواقف اللوم، واجمع لشمل الامة واصلح له بالخصوص
وقد كان في وسعه أن يربأ بوديعة رسول الله ووحيدته عن الخيبة ويحفظها عن أن تنقلب عنه وهي تتعثر باذيالها، وما ذا عليه، إذ احتل محل أبيها لو سلمها فدكا من غير محاكمة؟! فان للامام أن يفعل ذلك بولايته العامة، وما قيمة فدك في سبيل هذه المصلحة، ودفع هذه المفسدة؟).(٢٥٣)
إن أبا بكر لم يصنع الجميل، ولم يفعل المعروف مع بضعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فقد كان بوسعه أن يقر يدها على فدك، ولا يستعمل معها اللف والدوران، ولا يواجهها بمثل هذه القسوة والجفوة، ولكن الأمر كما حكاه على بن الفارقي احد اعلام بغداد ومن المدرسين في مدرستها الغربية، واحد شيوخ ابن أبي الحديد فقد سأله:
ـ أكانت فاطمة صادقة ـ في دعواها النحلة ـ؟
ـ نعم
ـ فلم لم يدفع لها أبو بكر فدكا وهي عنده صادقة؟
قال ابن أبي الحديد: فتبسم، ثم قال: كلاما لطيفا مستحسنا مع ناموسه، وحرمته وقلة دعابته، قال: لو اعطاها اليوم فدكا بمجرد دعواها لجاءت إليه غدا، وادعت لزوجها الخلافة، وزحزحته عن مقامه ولم يكن يمكن حينئذ الاعتذار بشيء، لأنه يكون قد سجل على نفسه بأنها صادقة فيما تدعي كائنا ما كان من غير حاجة الى بينة ولا شهود)
نعم لهذه الجهة اجمع القوم على هضمها، وسلب تراثها، واستباحوا رد شهادة أمير المؤمنين، وتركوا عترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتقطعون حسرات، ويتصعدون زفرات قد خيم عليهم الهم والغم واخذهم من الحزن ما يذيب لفائف القلوب ومن الوجل ما تميد به الجبال.
ندم ابى بكر
وندم أبو بكر أشد الندم على ما فرط مع بضعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأخذ يؤنبه ضميره على ما صدر منه من كبس دارها، وحمل مشاعل النار لاحراقها فقال:
(وددت أني لم اكشف بيت فاطمة، ولو انهم اغلقوه على الحرب.)(٢٥٤)
وجزع جزعا شديدا على ما ارتكبه مع وديعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فانطلق مع صاحبه عمر الى بيتها ليطيبا خاطرها ويفوزا برضاها، فاستأذنا عليها فأبت أن تأذن لهما، ثم استأذنا ثانيا فأبت، فسارا الى أمير المؤمنين وطلبا منه أن يمنحهما الإذن لمقابلة وديعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فانطلق عليه السلام الى الدار فالتمس من سيدة النساء أن تأذن لهما فاجابته الى ذلك فأذن (ع) لهما ودخلا فسلما عليها فلم تجبهما، وتقدما فجلسا أمامها فازاحت بوجهها عنهما، وراحا يلحان أن تسمع مقالتهما، فاذنت لهما في ذلك فقال أبو بكر: (يا حبيبة رسول الله والله ان قرابة رسول الله أحب الى من قرابتى، وإنك لأحب الى من عائشة ابنتي ولوددت يوم مات أبوك أني مت، ولا ابقى بعده... أفتراني اعرفك وأعرف فضلك وشرفك وامنعك حقك وميراثك من رسول الله؟ الا أني سمعت رسول الله يقول:
(لا نورث ما تركناه فهو صدقة)
وقد فندت روايته بضعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بما اقامته ـ في خطابها الكبير ـ من اوثق الأدلة على بطلان قوله ومساواة النبي لعموم المسلمين في الميراث، والتفتت سلام الله عليها إلى أبي بكر وقد اشركت عمر معه في خطابها قائلة:
(ونشدتكما الله... ألم تسمعا رسول الله يقول: رضا فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي، فمن احب فاطمة ابنتي فقد أحبنى، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن اسخط فاطمة فقد أسخطني؟)
فاجابا بالتصديق قائلين:
(اجل سمعناه يقول ذلك)
فرفعت كفيها إلى السماء وراحت تقول بفؤاد مكلوم
(فاني اشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني، وما أرضيتماني... ولئن لقيت رسول الله لأشكو كما إليه!)
وانطلق أبو بكر يبكي فقالت له:
(والله لأدعون عليك في كل صلاة اصليها..)(٢٥٥)
(فما كان أشدها كلمات أخف من وقعها ضربات السيف! مادت الارض تحتهما، ودارت كالرحى حتى سارا من هول ما لقيا يترنحان. وغادرا الدار وقد خبا أملهما في رضا زهراء الرسول، وعلما مدى الغضب الذي أثاراه عليهما في قلبها ومدى السخط الذي باءا به)(٢٥٦)
وحقا لأبي بكر أن يبكي ويحزن من غضب سيدة النساء عليه فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لها:
(إن الله يغضب لغضبك، ويرضى لرضاك)(٢٥٧)
لقد ضاقت الدنيا على أبي بكر، ولاذ بدموعه ليخفف بها آلامه واحزانه فقد فاته رضاء بضعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو من رضاء الله
كل هذه الحوادث كانت بمرأى من الامام الحسن ومسمع فكان لها الاثر في موطن شعوره فقد جعلته واجدا على من تقمص حق أبيه وناقما على من احتل مركزه
شجون الزهراء
وطافت بوديعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم موجات من الهموم والاحزان وغشيتها سحب من الكدر واللوعة، على ضياع حقها، وعلى فقد أبيها، فقد حدثوا أنها لم تر ضاحكة، ولا داخلها السرور بعده حتى لحقت به فكانت لا تفكر الا به، ولا تذكر اسمه إلا مقرونا بالتفجع والآلام.
وكانت تزور جدثه الطاهر فتطوف به وهي حيرى فتبل أديمه المقدس بدموع سخية، وتلقي بنفسها على القبر وهي ذاهلة اللب، مصدوعة الجسم، منهدة الكيان فتأخذ من ثرى القبر قبضة فتضعها على عينيها ووجهها وتطيل من شمها وتقبيلها وهي تبكي أمر البكاء وترفع صوتها الحزين النبرات قائلة:

ما ذا على من شم تربة أحمد * * * أن لا يشم مدى الزمان غواليا
صبت علي مصائب لو أنها * * * صبت على الأيام صرن لياليا(٢٥٨)

ينظر الحسن عليه السلام الى هذا الحزن البهيم الذي حل بأمه الرؤم فينصدع قلبه، ويذرف من الدموع مهما ساعدته الجفون، يرى الحسن وهو في غضون الصبا لوعة المصائب التي دهت أمه الحنون حتى وهت قوتها ولوّن الاسى وجهها كانها صورة جثمان قد فارقته الحياة، فيغرق في الدموع والشؤون.
أي حزن هذا الذي حل بابنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وريحانته حتى ضربوا بها المثل في الحزن، وعدوها من البكائين الخمس(٢٥٩) الذين مثلوا الحزن والاسى على مسرح الحياة؟؟
وبلغ من عظيم حزنها ان أنس بن مالك استأذن عليها ليعزيها بمصابها الجليل فاذنت له وكان ممن وسد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مقره الأخير فقالت.
(أنس بن مالك)
(نعم، يا بنت رسول الله)
فقدمت له سؤالا مقرونا بالتفجع والآلام
(كيف طابت نفوسكم أن تحثوا التراب على رسول الله؟.)(٢٦٠)
وخرج أنس وقلبه كاد أن يقضي حسرة، قد علا صوته بالبكاء، وكانت سلام الله عليها تطالب أمير المؤمنين بالقميص الذي غسل فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاذا رأته شمته ووضعته على عينيها، ويذوب قلبها من الم الحزن حتى يغشى عليها.
وهكذا بقيت بضعة الرسول بعد أبيها قد اضناها الحزن، وزاد في احزانها جحد القوم حقها وسلبهم لتراثها، وبقي الحسن يشاهد ما منيت به أمه من الكوارث والخطوب وهو مصدوع الجسم، قد ذبلت نضارة صباه لا يعرف في نهاره إلا شجرة الأراك حيث يمضي مع أمه ليساعدها في النوح ويخفف عنها اللوعة والحسرة ويستمر معها طيلة النهار في حزن وكمد فاذا اوشكت الشمس أن تغرب تقدمها مع أبيه وأخيه قافلين الى الدار فيجد الوحشة والهم قد خيما عليها، وقلع القوم الشجرة التي كانت تستظل بها فكانت تبكي مع ولديها في حر الشمس، فقام أمير المؤمنين فبنى لها بيتا أسماه بيت الاحزان فكانت تجلس فيه وتبكي على أبيها وتناجيه وتبثه الشكوى.
وأحاطت بها الآلام، وفتكت بها الامراض فلازمت الفراش، ولم تتمكن من النهوض والقيام وبادرت نساء المسلمين يعدنها فقلن لها:
(كيف اصبحت من علتك يا بنت رسول الله؟.)
فرمقتهن بطرفها، واعربت لهن عما تكنه في نفسها من الاسى قائلة (أجدني كارهة لدنياكن، مسرورة لفراقكن، القى الله ورسوله بحسرات منكن فما حفظ لي الحق، ولا رعيت منى الذمة، ولا قبلت الوصية، ولا عرفت الحرمة.)(٢٦١)
وعدنها بعض نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلن لها:
(يا بنت رسول الله... صيرى لنا في حضور غسلك حظا...)
فأبت وقالت:
(اتردن أن تقلن في، كما قلتن في أمي، لا حاجة لي في حضوركن)
الى الرفيق الاعلى
وبرح المرض بابنة الرسول، وانهك الحزن جسمها النحيل، واضر الأسى بقلبها الرقيق المعذب، حتى مشى إليها الموت وهي في فجر الصبا وروعة الشباب... فوا لهفتاه على حبيبة النبيّ وريحانته، لقد دنا إليها الموت سريعا، وحان موعد اللقاء بينها وبين أبيها الذي اشتاقت إليه وتطلبت لقياه بفارغ الصبر.
ولما علمت بدنو الاجل المحتوم منها استدعت امير المؤمنين فاوصته بوصيتها، وأهم ما فيها أن يواري جثمانها في غلس الليل البهيم، وأن لا يصلي عليها، ولا يقوم على قبرها أحد من الذين ظلموها وجحدوا حقها لأنهم اعداؤها وأعداء أبيها ـ على حد تعبيرها ـ وانصرف الامام وهو غارق في البكاء، قد استجاب لأحاسيس نفسه الولهى الذي لم يترك الزمن فيها فراغا لغير الاسى والحزن.
واحبت ان يصنع لها نعش يواري جثمانها المقدس لان الناس كانوا يضعون الميت على سرير تبدو فيه جثته فكرهت ذلك، وما احبت أن ينظر إليها أحد فاستدعت اسماء بنت عميس(٢٦٢) واخبرتها بما ترومه فعملت لها سريرا يستر من فيه قد شاهدته يوم كانت في الحبشة، فلما نظرت إليه تبسمت وهي اول ابتسامة شوهدت لها بعد وفاة أبيها(٢٦٣) وفي اليوم الاخير من حياتها كانت فرحة مسرورة لعلمها باللحاق بابيها الذي بشرها انها تكون اول أهل بيته لحوقا به، وعمدت لولديها فغسلت لهما، وأمرتهما، بالخروج لزيارة قبر جدهما فخرجا وهما يفكران في الأمر هل ان أمهما قد انهكتها العلة، واضر الداء بها حتى لا تستطيع ان تمضي الى بيت الاحزان الذي الفته؟! او انها تريد أن تبكي في هذا اليوم في ثويها؟! كيف البكاء وشيوخ المدينة قد منعوها من البكاء؟! وغرقا في بحر من الهموم وتيار من الهواجس.
والتفتت الى سلمى بنت عميس(٢٦٤) وكانت تتولى خدمتها وتمريضها فقالت لها.
(يا أماه)
(نعم يا حبيبة رسول الله)
(اسكبي لي غسلا)
فانبرت وأتت لها بما طلبته من الماء فاغتسلت فيه، وهي على احسن ما تكون، وقالت لها:
(ايتني بثيابي الجدد)
فناولتها ثيابها، وهتفت بها ثانية (اجعلي فراشي وسط البيت)
فذهلت المرأة وقامت تتعثر باذيالها فصنعت لها ذلك فاضطجعت على فراشها، واستقبلت القبلة والتفتت الى سلمى قائلة:
(يا أمه... اني مقبوضة الآن، وقد تطهرت، فلا يكشفني احد)(٢٦٥) وقبضت في وقتها وقد انطوت في ذلك اليوم الخالد في دنيا الاحزان اروع صفحة من صفحات الفضيلة والطهر والعفاف، وانقطع بموتها آخر من كان في دنيا الوجود من نسل رسول الله
وقفل الحسنان راجعين الى الدار فنظرا فاذا ليس فيها أمهم فبادرا الى سلمى فقالا.
(سلمى اين امنا؟)
فبادرت إليهما، وقد احاطت بها رعشة الذهول والارتباك، وغامت عيناها بالدموع فقالت:
(يا سيدى إن أمكما قد ماتت... فاخبرا بذلك أباكما..)
وا شرفا على الموت بهذا النبأ المريع فبادرا الى المسجد، وقد علا منهما البكاء فاستقبلهما المسلمون، قائلين:
(ما يبكيكما يا بني رسول الله؟ لعلكما نظرتما الى موقف جدكما فبكيتما شوقا إليه؟)
فاجابا بصوت مشفوع بالاسى والعبرات
(أو ليس قد ماتت أمنا فاطمة)
وسلبا شعور المسلمين بهذا النبأ المؤلم، وتركا الالم يحز في قلوبهم لانهم فقدوا بضعة نبيهم واعز ابنائه وبناته عنده، وهم لم يحفظوا مكانتها ولم يؤدوا حقها، وهرعوا من كل جانب الى دار الامام ليفوزوا بتشييع بقية النبوة، القديسة الطاهرة، وازدحموا على بيت الامام، وقد علاهم الندم والاسى على عدم قيامهم بمراعاة بضعة نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم الذي برّ بدينهم ودنياهم.
وامر الامام سلمان الفارسي أن يصرف الناس فخرج سلمان وصرفهم واقبلت عائشة فارادت الدخول الى بيت الامام فمنعتها اسماء وقالت لها:
(لقد عهدت الي فاطمة أن لا يدخل عليها أحد..)(٢٦٦)
وقام الامام الثاكل الحزين فغسل الجسد الطاهر وطيبه بالحنوط، وادرجه في الاكفان ودعا باطفالها الذين لم ينتهلوا من حنان امهم فالقوا عليها نظرة الوداع، وقد علا منهم الصراخ والعويل، وبعد الفراغ من ذلك انتظر الهزيع الاخير من الليل فلما حل خرج مع حفنة من الرجال وهم يحملون الجثمان المقدس الى مقره الاخير، ولم يخبر امير المؤمنين احدا من الناس سوى الصفوة من اصحابه تنفيذا لوصيتها(٢٦٧) وحفر (ع) لها قبرا في البقيع على ما قيل(٢٦٨) ووسدها فيه واهال عليها التراب، ولما انصرف من كان معه من المشيعين وقف على حافة القبر ونار الحزن قد لسعت قلبه، فجعل يناجى الرسول، ويؤبن زهراءه بكلمات تنم عن قلب افعم بالآلام والحسرات.
(السلام عليك يا رسول الله، عنى وعن ابنتك النازلة في جوارك، والسريعة اللحاق بك... قلّ يا رسول الله عن صفيتك صبرى، ورق عنها تجلدي... الا أن في التأسي بعظيم فرقتك، وفادح مصيبتك موضع تعز فلقد وسدتك في ملحودة قبرك، وفاضت بين نحرى وصدرى نفسك... إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد استرجعت الوديعة، وأخذت الرهينة، أما حزني فسرمد وأما ليلى فمسهد(٢٦٩) الى أن يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم، وستنبئك ابنتك بتظافر أمتك على هضمها فاحفها السؤال(٢٧٠) واستخبرها الحال... هذا ولم يطل العهد، ولم يخل منك الذكر. والسلام عليكما سلام مودع لا قال ولا سئم(٢٧١) فان انصرف فلا عن ملالة، وان اقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين..)(٢٧٢) واعلن الامام (ع) بهذه المناجاة الحزينة عن تظافر الأمة على هضم وديعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الوقت الذي لم يطل فيه غيابه، ولم ينقطع ذكره ويطلب منه أن يستقصي في السؤال من بضعته لتخبره بما جرى عليها بعده من الشؤون والشجون، وتعرفه بما لاقته من الظلم والاذى والاضطهاد يصغي الامام الحسن عليه السلام الى هذه المناجاة الحزينة من أبيه فتلم به آلام مبرحة، ويحف به حزن مرهق، وتضاعف حزنه وشجاه حينما رأى أعز ما في الحياة عنده أمه الرءوم قد عاشت في هذه الدنيا وعمرها كعمر الزهور، وفاجأها الموت وهي في شبابها الغض الاهاب، وقد حملت على الآلة الحدباء في غلس الليل البهيم ولم يحضر أحد من المسلمين تشييعها عدا نفر قليل، وهي بضعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وريحانته، ووديعته في امته واعز من أحب من أبنائه وبناته، وقد ذاق من هذه الكوارث وهو في دوره الباكر مرارة الحياة، وصار قلبه موطنا للهموم، ومركزا للاحزان والشجون.
اعتزال الامام
وانصرف امير المؤمنين عليه السلام بعد أن ودع بضعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الثرى، وهو يبكي أمر البكاء، وعاد الى البيت وهو كئيب حزين، ينظر الى اطفاله وهم يندبون امهم ويبكون على فادح المصاب، فتهيج أحزانه، وتزداد آلامه، ويشاهد حقه وتراثه فيرى الرجال قد تناهبوه فتلم به الكوارث والخطوب، فآثر عليه السلام العزلة، واحب الخلود الى السكون في داره، وقد اعتزل عليه السلام عن الناس فصار جليس بيته، لا يجتمع بالناس، ولا يجتمعون به قد اعرض عن القوم، واعرضوا عنه، لا يراجعهم، ولا يراجعونه، ولا يشار كونه في جميع الامور اللهم إلا إذا حلت في ناديهم مشكلة لا يعرفون جوابها، ولا يهتدون لحلها، فزعوا إليه ليكشف لهم الستار عنها، وكان عليه السلام تارة يتولى جواب ذلك بنفسه، واخرى يحيله الى ولده الحسن للتدليل على فضله ومواهبه، فمن ذلك ما حدث به الرواة ان اعرابيا سأل أبا بكر فقال له:
(إني اصبت بيض نعام فشويته وأكلته، وانا محرم فما يجب علي؟.)
فتحير ابو بكر ولم يطق جوابا، واحال الجواب الى عمر فتحير أيضا، واحال الجواب الى عبد الرحمن فعجز عنه، وفزعوا جميعا الى باب مدينة علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليهديهم الى الجواب، ووجه إليه الاعرابي السؤال السالف فقال (ع):
(سل أي الغلامين شئت ـ واشار الى الحسن والحسين ـ)
ووجه الاعرابي سؤاله الى الامام الحسن فقال (ع) له
ـ ألك إبل؟
ـ نعم
ـ فاعمد الى ما أكلت من البيض نوقا فاضر بهن في الفحول، فما ينتج منها، اهده الى بيت الله العتيق، الذي حججت إليه..)
والتفت إليه أمير المؤمنين
(يا بني. إن من النوق السلوب، وما يزلق(٢٧٣))
فاجابه الحسن عن اشكاله.
(يا ابة. إن يكن من النوق السلوب، وما يزلق فان من البيض ما يمرق(٢٧٤) وكان جوابه عليه السلام على وفق ما قرر في الفقه الاسلامي في كفارة الاحرام، واستحسن أمير المؤمنين جوابه فالتفت عليه السلام الى حضار مجلسه، وهو يشيد بمواهب ولده، وغزارة علمه وفضله، قائلا:
(معاشر الناس.. إن الذي فهم هذا الغلام هو الذي فهمه سليمان بن داود(٢٧٥) لقد كان امير المؤمنين عليه السلام مرجعا للفتيا في حياة أبي بكر وعمر ومفزعا للمسلمين إن حلت يناديهم مشكلة، وقد اتفقت الكلمة انه اعلم الصحابة بشئون الدين واحكام الشرع.
وفاة ابي بكر
وظل أبو بكر متقمصا للخلافة زمنا يسيرا يدير شئون الامة، ويتصرف في أمورها، قد اعتمد على عمر وأسند إليه مهام الدولة، ولما مرض مرضه الذي توفي فيه وثقل حاله ادلى بالامر من بعده إليه وقد انكر عليه طلحة هذا الاختيار فقال له:
(ما ذا تقول لربك، وقد وليت علينا فظا غليظا؟ تفرق منه النفوس وتنفض منه القلوب).(٢٧٦)
فسكت أبو بكر، واندفع طلحة قائلا:
(يا خليفة رسول الله، إنا كنا لا نحتمل شراسته وأنت حي تأخذ على يديه، فكيف يكون حالنا معه، وأنت ميت وهو الخليفة..)(٢٧٧)
ولم ينفرد طلحة بهذا الانكار بل شاركه جمهور المهاجرين والانصار فقد بادروا الى أبي بكر وقالوا له:
(نراك استخلفت علينا عمر، وقد عرفته، وعلمت بوائقه فينا، وأنت بين أظهرنا، فكيف اذا وليت عنا، وأنت لاق الله عز وجل فسائلك، فما أنت قائل؟..)
فاجابهم أبو بكر بصوت خافض (لئن سألني الله لاقولن استخلفت عليهم خيرهم في نفسي...)(٢٧٨)
وكون عمر خيرهم في نفسه ليس مبررا له في ترشيحه للخلافة، فان الاجدر أن يأخذ رأي المسلمين في ذلك ويستشير أهل الحل والعقد منهم عملا بقاعدة (الشورى) ولكنه اهمل ذلك، واستجاب لعواطفه ورغبته الملحة في أن يتولى زمام الحكم من بعده خدنه وزميله، وعلى أي حال فقد كان عمر الى جانبه يعزز مقالته ورأيه فيه قائلا:
(أيها الناس، اسمعوا، واطيعوا قول خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..)(٢٧٩)
ودعا أبو بكر عثمان بن عفان، وامره أن يكتب له العهد في عمر وأملاه عليه وهذا نصه:
(هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة، آخر عهده في الدنيا نازحا عنها. وأول عهده بالآخرة داخلا فيها، إني استخلفت عليكم عمر ابن الخطاب، فان تروه عدل فيكم فذلك ظني به ورجائى فيه، وإن بدل وغير فالخير أردت، ولا اعلم الغيب (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)(٢٨٠)
وتناول عمر الكتاب، وانطلق يهرول الى الجامع ليقرأه على الناس فقال له رجل:
(ما في الكتاب يا أبا حفص.؟)
(لا ادري. ولكني أول من سمع وأطاع..)
فنظر الرجل إليه نظرة ريبه وانبرى قائلا:
(ولكني والله أدرى ما فيه: أمرته عام أول، وأمرك العام..)(٢٨١)
لقد مهد أبو بكر الأمر الى عمر، وعبدّ له الطريق، وتناسى أمير المؤمنين فلم يشاوره في الامر، ولم يرع حقه، وقد نطق عليه السلام بعد سنين عما يكنه في نفسه من عميق الالم والحزن يقول في خطبته الشهيرة بالشقشقية:
فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجا، أرى تراثي نهبا، حتى مضى الاول لسبيله، فادلى بها الى فلان بعده، ثم تمثل بقول (الأعشى):

شتان ما يومي على كورها * * * ويوم حيان أخي جابر

فيا عجبا!! بينا هو يستقيلها في حياته(٢٨٢) إذ عقدها لآخر بعد وفاته لشد ما تشطرا ضرعيها..(٢٨٣)
وهذه الكلمات قد عبرت عن عظيم الوجد، وبالغ الاسى الذي استقر في نفس الامام على ضياع حقه، ويعتقد بعض كتاب العصر أن السبب في عدول أبي بكر عن اختياره، هو تخلفه عن بيعته، واحتجاجه عليه بأنه أحق بالأمر منه لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما اوجب بغض أبي بكر له، وحقده عليه.
وزاد المرض بأبي بكر، وثقل حاله حتى وافاه الأجل المحتوم(٢٨٤) فقام عمر في شئونه، ودفنه في بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي جواره، وبيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يخلو اما أن يكون ميراثا كما تقول به بضعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو يكون صدقة كما زعم أبو بكر فان كان ميراثا فلا يحل دفنه فيه الا بعد ارضاء الورثة، وان كان صدقة فلا بد من ارضاء جماعة المسلمين، ولم يتحقق كل ذلك.
خلافة عمر
وتولى عمر بن الخطاب أزمة الحكم بعد وفاة أبي بكر، وتسلم قيادة الأمة بهدوء وسلام، فساس البلاد بشدة وعنف بالغين، وقد تحامى لقاءه أكابر الصحابة، فلم يستطع أحد منهم أن يجاهر بآرائه، أو ينقد الحكم القائم، فان درة عمر ـ كما يقولون ـ كانت أهيب في النفوس من سيف الحجاج، حتى ان ابن عباس لم يتمكن أن يصرح برأيه في جواز المتعة، وحليتها الا بعد وفاة عمر، وقد وصف الامام أمير المؤمنين عليه السلام بعد اعوام سياسة عمر، وشدة عنفه يقول عليه السلام:
(فصيرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها، ويخشن مسها، ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة، إن اشنق لها خرم وان اسلس لها تقحم، فمني الناس لعمر الله بخبط وشماس، وتلون واعتراض..)(٢٨٥)
وهو وصف دقيق للسياسة العمرية التي انتهجت منهج الشدة والغلظة في جميع مجالاتها حتى مني الناس بخبط وشماس وتلون واعتراض، وبلغ من عظيم عنفها ان امرأة جاءت تسأله عن أمر، وكانت حاملا، ولشدة خوفها اجهضت حملها(٢٨٦) ويقول عثمان في شدة عمر وقسوته: (لقد وطئكم ابن الخطاب برجله، وضربكم بيده، وقمعكم بلسانه فخفتموه، ورضيتم به) ويذهب الناقدون الى هذه السياسة انها لا تمثل وجهة السياسة الاسلامية، فانها لا تقر بحال سياسة العنف والارهاب، فقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخذته هيبة النبيّ فارتعدت اعضاؤه فنهره صلى الله عليه وآله وسلم وقال له: (انما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد) إن الاسلام بنى على الرفق، واللين، والتسامح وليس لرئيس الدولة أن يسلك أي طريق يؤدي الى ارهاق المواطنين وعنائهم.
ومما يؤخذ على السياسة العمرية انها كانت تنهج إلى ايجاد الطبقية في الاسلام، فقد التزم في سياسته المالية بتقديم بعض الطبقات على بعض في العطاء، فقدم امهات المؤمنين على غيرهن، وقدم البدريين على من سواهم، والمهاجرين على الانصار(٢٨٧) ومن الطبيعي أن ذلك يتنافى مع المساوات التي جاء بها الاسلام.
ومما يرد على سياسة عمر أنه فرض الحصار على الصحابة في يثرب ولم يسمح لهم بمغادرتها وذلك يجافي الحرية التامة التي اقرها الاسلام، ومنحها لجميع المواطنين.
ولعل لهذه الجهات وصف أمير المؤمنين عهد عمر بأن المجتمع قد منى فيه بخبط وشماس وتلون واعتراض.
اعتزال الامام
واعتزل الامام امير المؤمنين عليه السلام في دور الخليفة الثاني كما اعتزل في عهد الخليفة الاول، فلم يشترك في شأن من شئون القوم، ولم يتدخل في أمر من أمورهم، حتى خفت صوته في جميع الحروب والمواقف اللهم الا رأيه الوثيق اذا استفتي حتى اشتهرت كلمة عمر في ذلك: لو لا علي لهلك عمر)(٢٨٨) فقد كان عمر لا يستغنى عن الامام من ناحية الفتيا لأن معلومات الخليفة في الفقه الاسلامي كانت ضئيلة للغاية فقد قضى في ميراث الجد مع الاخوة قضايا كثيرة مختلفة ثم خاف في الحكم في هذه المسألة فقال: من أراد أن يقتحم جرائيم جهنم فليقل في الجد برأيه،(٢٨٩) وقال: لا يبلغني أن امرأة تجاوز صداقها صداق نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم الا ارتجعت ذلك منها، فقالت إليه امرأة:
(ما جعل الله لك ذلك، إنه تعالى قال: (وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً)(٢٩٠)
فانطلق عمر وهو يبدى للمسلمين عجزه قائلا:
(كل الناس أفقه من عمر حتى ربات الحجال! ألا تعجبون من إمام أخطأ، وامرأة اصابت فاضلت إمامكم ففضلته..(٢٩١)
وعلى أي حال فقد كان عمر قليل البضاعة في الفقه الاسلامي ليست له دراية في كثير من مسائله، فكان بطبيعة الحال مضطرا الى الرجوع الى باب مدينة علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووصيه ليكشف له الستار عما أشكل عليه، وقد تصدى عليه السلام بسخاء لهذه الناحية، ولم يظن على القوم بعلومه ومعارفه لئلا تهمل أحكام الله وتتعطل حدوده، وهو في نفس الوقت كان بعيدا عن القوم كل البعد فلم يشترك في شأن من شئونهم قد خلد الى الانعزال، والابتعاد عنهم، وأظهر لهم المسالمة حرصا منه على كلمة الإسلام، وخوفا على كلمة المسلمين من الانشقاق.
وقد قطع الامام الحسن عليه السلام في عهد عمر دور الصبا حتى أشرف على ميعة الشباب، وقد اقتضت سياسة عمر أن يجل السبطين ويجعل لهما نصيبا فيما يغتنمه المسلمون، ووردت إليه حلل من وشي اليمن فوزعها على المسلمين ونساهما، فبعث الى عامله على اليمن أن يرسل له حلتين، فأرسلهما إليه فكساهما وقد جعل عطاءهما مثل عطاء أبيهما، وألحقهما بفريضة أهل بدر، وكانت خمسة آلاف(٢٩٢).
ولم تظهر لنا أي بادرة عن الامام الحسن عليه السلام ما عدا ذلك، ويعود السبب الى عدم تدخل أبيه أمير المؤمنين عليه السلام في شئون عمر وعدم اشتراكه في أي جانب من الجوانب العامة.
اغتياله:
واغتاله أبو لؤلؤة غلام المغيرة فطعنه ثلاث طعنات إحداهن تحت سرته وهي التي قضت عليه، وتعزو بعض المصادر سبب ذلك الى ان المغيرة جعل عليه خراجا ثقيلا فشكا حاله الى عمر فزجره وقال له:
(ما خراجك بكثير من أجل الحرف التي تحسنها..)
فتأثر أبو لؤلؤة، وأضمر له الشر في نفسه، واجتاز عليه في وقت آخر فسخر منه عمر قائلا:
(بلغنى أنك تقول: لو شئت أن أصنع رحى تطحن بالريح لفعلت..)
فاندفع أبو لؤلؤة وقد لسعته سخريته فاخبره بما يبيت له من الشر قائلا:
لأصنعن لك رحى يتحدث الناس بها..)
وفي اليوم الثاني قام بعملية الاغتيال(٢٩٣) وقيل ان اغتياله كان وليد مؤامرة دبرها الناقمون على سياسته التي انتهجت منهج الشدة والقسوة، وخلقت الطبقية بين المسلمين.
ومهما يكن من أمر فقد حمل عمر الى داره، وجراحاته تنزف دما وبادر أهله فأحضروا له طبيبا فقال له:
(أي الشراب أحب إليك؟.)
(النبيذ)
فسقوه منه، فخرج من بعض طعناته، فقال الناس: خرج صديدا ثم سقوه لبنا فخرج من بعض طعناته، فيئس منه الطبيب وقال له:
لا أرى أن تمسى(٢٩٤) ولما أيقن ولده عبد الله بموته قال له:
(يا أبة. استخلف على امة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فانه لو جاءك راعي إبلك أو غنمك، وترك إبله أو غنمه لا راعى لها لمته، وقلت له:
كيف تركت أمانتك ضائعة؟! فكيف بأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فاستخلف عليهم..)
فنظر إليه نظرة ريبة فقال له:
(إن استخلف عليهم فقد استخلف أبو بكر، وإن أتركهم فقد تركهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..)(٢٩٥)
وأقام عبد الله في حديثه برهانا تدعمه الفطرة على ضرورة نصب الوصي، وتعيين ولى العهد، وان من أهمله يستحق اللوم والتقريع، وهو أمر واضح لا مجال للشك فيه، والعجب من عمر وهو في ساعاته الأخيرة كيف يقول إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ترك امته ولم يستخلف عليها أحدا من بعده!! وهو صلى الله عليه وآله وسلم الحريص على امته الذي يعز عليه عنتها واختلافها، وانشقاقها وقد لاقى في سبيل هدايتها أعظم العناء وأشقه، ولعل (الوجع) قد غلب على عمر فنسي النصوص المتضافرة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أمير المؤمنين عليه السلام وأنه ولى عهده وخليفته من بعده، وتناسى بيعته له يوم غدير خم، وقوله له: (بخ بخ لك يا علي أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة) ولكن إنا لله، وإنا إليه راجعون.
الشورى:
ولما يئس عمر من الحياة، وأيقن بنزول الأجل المحتوم أخذ يطيل التفكير، ويمعن النظر فيمن يتولى شئون الحكم من بعده، وتذكر أقطاب حزبه الذين شاركوه في تمهيد الأمر الى أبي بكر، وصرفه عن أهل بيت النبوة فطافت به آلام مبرحة لأنه لم يكن أحد منهم إلا اختطفته يد المنون فجزع عليهم وقال بنبرة الآسف: (لو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته لأنه أمين هذه الامة، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا استخلفته لأنه شديد الحب لله تعالى...)
لقد اسف على هلاك أبي عبيدة وسالم، ولو كانا حيين لرشحهما لمنصب الخلافة، فهل لهما سابقة الجهاد في الاسلام؟ أو أنهما كانا أثيرين عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليستحقا هذا المنصب الخطير.
لقد فتش عمر في سجل الاموات عمن هو أهل للخلافة، ونسي أمير المؤمنين عليه السلام الذي هو نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم وباب مدينة علمه، وباب دار حكمته، وأقضى امته، وأبو سبطيه، وناصره في جميع المشاهد والمواقف، لقد نساه عمر فلم يذكره بقليل ولا بكثير، وعلى اي حال فقد رأى عمر ان يجعلها شورى في جماعة زعم أن الامام أحدهم، وهي مؤامرة خطيرة دبرت ضد أمير المؤمنين عليه السلام يقول الامام كاشف الغطاء;:
(الشورى بجوهرها وحقيقتها مؤامرة واقعية، وشورى صورية، وهي مهارة بارعة لفرض عثمان خليفة على المسلمين رغما عليهم ولكن بتدبير بارع عاد على الاسلام والمسلمين بشر ماله دافع..)
ودعا عمر أعضاء الشورى فلما مثلوا عنده قال لهم:
(أكلكم يطمع بالخلافة بعدي؟..)
ووجموا عن الكلام، فأعاد القول عليهم ثانيا فانبرى إليه الزبير فرد عليه مقالته قائلا:
(وما الذي يبعدنا منها!! وليتها أنت فقمت بها ولسنا دونك في قريش، ولا في السابقة ولا في القرابة..)
والتفت إليهم فقال:
(أفلا أخبركم عن أنفسكم؟!)
(قل: فانا لو استعفيناك لم تعفنا..)
وأخذنا يدلي برأيه فيهم، ويخبر عن نفسياتهم واتجاهاتهم واحدا بعد واحد فقال في الزبير:
(أما أنت يا زبير، فوعق لقس(٢٩٦) مؤمن الرضا كافر الغضب، يوما انسان، ويوما شيطان، ولعلها لو أفضت إليك ظلت يومك تلاطم بالبطحاء على مد من شعير!! أفرأيت إن أفضت إليك، فليت شعرى من يكون للناس يوم تكون شيطانا، ومن يكون يوم تغضب!! وما كان الله ليجمع لك أمر هذه الامة، وأنت على هذه الصفة.)
ومع علمه بنفسية الزبير، وأنه يوم إنسان، ويوم شيطان وأنه مبتل بالبخل والشح ويلاطم بالبطحاء على مد من شعير كيف يرشحه للخلافة، ويجعله من أعضاء الشورى؟؟!!
وأقبل على طلحة فقال له:
(أقول أم أسكت؟.)
فزجره طلحة وقال له:
(إنك لا تقول من الخير شيئا..)
(أما إني أعرفك منذ اصيبت إصبعك يوم أحد وائيا(٢٩٧) بالذي حدث لك، ولقد مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ساخطا عليك بالكلمة التي قلتها يوم انزلت آية الحجاب...)
وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد توفى وهو ساخط على طلحة كيف يرشحه للخلافة الاسلامية التي هي نيابة عن الرسول؟ كما أنه يناقض ما قاله أخيرا في أعضاء الشورى من أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مات وهو راض عنهم، يقول الجاحظ: (لو قال لعمر قائل: أنت قلت: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مات وهو راض عن الستة فكيف تقول الآن لطلحة: إنه مات عليه السلام ساخطا عليك للكلمة التي قلتها، لكان قد رماه بمشاقصه(٢٩٨) ولكن من الذي كان يجسر على عمر أن يقول له ما دون هذا فكيف هذا)
وأقبل على سعد بن ابي وقاص فقال له:
(إنما أنت صاحب مقنب(٢٩٩) من هذه المقانب، تقاتل به، وصاحب قنص وقوس، وأسهم، وما زهرة والخلافة وأمور الناس!!)
فسعد بن أبي وقاص ـ حسب فراسة عمر ـ رجل حرب، وقتال، وصاحب قنص وقوس فلا يصلح للخلافة، وليس خليقا بها هو وأسرته فكيف يرشحه عمر لها ويجعله من أعضاء الشورى الذين لهم الأهلية لتسلم قيادة الحكم؟!
والتفت الى عبد الرحمن بن عوف فقال له:
(وأما أنت يا عبد الرحمن، فلو وزن نصف إيمان المسلمين بايمانك لرجح إيمانك به، ولكن ليس يصلح هذا الامر لمن فيه ضعف كضعفك وما زهرة وهذا الامر!.) ان عبد الرحمن رجل إيمان وتقوى ـ حسب رأي عمر ـ ومن إيمانه الذي اضفاه عليه الخليفة أنه عدل عن انتخاب العترة الطاهرة، وسلم قيادة الامة، ومقدراتها بأيدى الامويين خصوم الاسلام واعداء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ثم ان الايمان بذاته ـ كما يقول عمر ـ لا يصلح لترشيح صاحبه للخلافة ما لم تكن له دراية تامة بشئون المجتمع، وخبرة وافرة بما نحتاج إليه الامة في جميع مجالاتها، وعبد الرحمن ـ حسب اعتراف عمر ـ رجل كيف لا يليق للخلافة فكيف يرشحه لها ويجعله من أعضاء الشورى البارزين؟! وأقبل على أمير المؤمنين فقال له:
(لله أنت، لو لا دعابة فيك! أما والله لئن وليتهم لتحملنهم على الحق الواضح، والمحجة البيضاء..)
ومتى كانت لأمير المؤمنين عليه السلام الدعابة والمزاح، وهو الذي ما الف في حياته لغير الجد في القول والعمل، وعلى تقدير اتصافه بها، فهى من خلق الأنبياء ومن خلق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالاخص، فقد ورد أنه كان صلى الله عليه وآله وسلم يداعب الرجل ليسره بذلك.
وهل من الحيطة على الاسلام، والمحافظة على وحدة الامة، ورعاية صالحها أن يفتل عمر حبل الشورى ويجعل أمير المؤمنين عليه السلام أحد أعضائها، وهو ـ حسب اعترافه ـ لو تولى زمام الحكم لحمل المسلمين على الحق الواضح والمحجة البيضاء، ولسار بهم سيرا سجحا لا يكلم خشاشه، ولا يتعتع راكبه، ولأوردهم منهلا رويا فضفاضا تطفح ضفتاه، ولا يترنم جانباه، ولأصدرهم بطانا، ونصح لهم سرا واعلانا ـ كما تقول بضعة الرسول ووديعته ـ ويقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن ولوا عليا فهاديا مهديا)(٣٠٠) ان الامام أمير المؤمنين عليه السلام لو استولى على زمام السلطة لوفر للمسلمين ما يحتاجون إليه من خيرات الحياة وأوجد لهم الفرص المتساوية، وصان المثل الاسلامية من التدهور والانحطاط، فهل من الانصاف أن تصرف الخلافة عنه وتجعل شورى بأسلوب يؤدي الى فوز الامويين بالحكم؟!!
وأقبل عمر على عثمان فقال له:
(هيها إليك!! كأني بك قد قلدتك قريش هذا الامر لحبها إياك فحملت بني أمية، وبني أبي معيط على رقاب الناس، وآثرتهم بالفىء فسارت إليك عصابة من ذؤبان العرب، فذبحوك على فراشك ذبحا. والله لئن فعلوا لتفعلن، ولئن فعلت ليفعلن، ثم أخذ بناصيته، فقال: فاذا كان ذلك فاذكر قولي..)(٣٠١)
ومع علمه بأنه يحمل بنى أمية، وبنى أبي معيط على رقاب الناس، ويؤثرهم بفىء المسلمين كيف يرشحه للخلافة، ويمكنه من رقاب المسلمين ويعرض الامة للويلات والخطوب!!
وبعد ما أدلى بحديثه التفت الى الجمهور قائلا:
إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مات وهو راض عن هؤلاء الستة من قريش، وقد رأيت أن أجعلها شورى بينهم ليختاروا لأنفسهم واحدا منهم..)
ثم قال للمرشحين: (احضروا معكم من شيوخ الانصار، وليس لهم من أمركم شيء، واحضروا معكم الحسن بن علي، وعبد الله بن عباس فان لهما قرابة، وارجو لكم البركة في حضورهما وليس لهما من أمركم شيء..)(٣٠٢)
وما هى البركة التي تحصل لأعضاء الشورى بحضور الامام الحسن، وعبد الله بن عباس، وهما لا يملكان من الامر شيئا، قد جردهما من الادلاء بالرأي، كما جرد شيوخ الانصار من ذلك، ولم يسمح لأحد منهم أن يبدي برأيه، ثم التفت الى أبي طلحة الانصاري(٣٠٣) فقال له:
(يا أبا طلحة، إن الله أعز الاسلام بكم فاختر خمسين رجلا من الانصار، فالزم هؤلاء النفر بامضاء الامر وتعجيله..)
والتفت الى المقداد بن الاسود فاوصاه بمثل ذلك ثم قال:
(اذا اتفق خمسة، وأبى واحد منهم فاضربوا عنقه، وان اتفق أربعة وأبى اثنان فاضربوا عنقيهما، وان اتفق ثلاثة منهم على رحل، ورضي ثلاثة منهم برجل آخر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس..)
وخرج الامام أمير المؤمنين المظلوم المهتضم، وهو ملتاع حزين من الشورى العمرية قد أيس من الامر فالتقى بعمه العباس فبادره قائلا:
(يا عم لقد عدلت عنا..)
ومن أعلمك بذلك؟!)
(لقد قرن بي عثمان.. وقال: كونوا مع الاكثر، ثم قال: كونوا مع عبد الرحمن، وسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن، وعبد الرحمن صهر لعثمان، وهم لا يختلفون فاما أن يوليها عبد الرحمن عثمان أو يوليها عثمان عبد الرحمن..)(٣٠٤)
لقد كشف عليه السلام عن المؤامرة التي دبرها الخليفة الراحل ضده فقد فتل حبل الشورى بهذا الاسلوب ليصرف الامر عنه، وقد كوت هذه الصور المؤلمة قلبه فراح يقول بعد سنين:
(حتى اذا مضى لسبيله، جعلها في جماعة زعم أني أحدهم، فيا لله وللشورى متى اعترض الريب في مع الاول منهم حتى صرت أقرن الى هذه النظائر..)
أجل والله، متى اعترض الريب فيه مع أبي بكر حتى صار يقرن بطلحة وعثمان وعبد الرحمن بن عوف فهل في هؤلاء من هو كفؤ للامام في دينه وعلمه، وجهاده، وسابقته للاسلام، وإنما استجاب عليه السلام لئن يكون من أعضاء الشورى مع وجود هذه المفارقات بينه، وبين القوم، فقد بينه في حديثه مع عبد الله بن عباس، وخلاصته أن عمر قد أهله للخلافة وكان من قبل يقول: لا تجتمع النبوة والخلافة في بيت واحد فاراد أن يظهر أن أقواله تناقض أفعاله، ولهذا السبب الوثيق انضم مع أعضاء الشورى
نظرة في الشورى:
وتواجه الشورى العمرية عدة من المؤاخذات فقد ذكر الناقدون لها أنها لم تستند الى الاساليب الصحيحة، ولم تبتن على الاسس الوثيقة، وانها لم تنشد بأي حال صالح الامة، ولم تهدف الى حماية المجتمع وصيانته من القلق والاضطراب، وإنما الغرض منها صرف الخلافة عن أمير المؤمنين عليه السلام وحرمان الامة من التمتع في ظل حكمه العادل، فهي لم تكن شورى واقعية، وإنما كانت شورى صورية مشفوعة بالعصبية والاحقاد، والى القراء بعض تلك النقود التي ترد عليها:
١ ـ إن حقيقة الشورى ان تشترك الامة بجميع هيآتها في الانتخاب والاختيار في جو تتوفر فيه الحريات العامة لجميع الناخبين، والشورى العمرية قد فقدت هذه العناصر فقد حيل بين الشعب والاختيار فان عمر منح الاختيار الى ستة اشخاص ومن الطبيعي أنهم لا يملكون إلا آراءهم الخاصة فلا يمثلون الامة ولا يحكون ارادتها على أنه ضيق الدائرة فجعل المناط بآراء الثلاثة الذين ينضم إليهم عبد الرحمن بن عوف، وجعل آراءهم تعادل آراء بقية الشعوب الاسلامية، وهذا شكل من اشكال التزكية التي تستعملها بعض الحكومات التي تفرض ارادتها على شعوبها، لقد تصادمت هذه الشورى مع إرادة الشعوب الاسلامية، وتنافت مع حرياتهم، وقد فرضت عليهم فرضا.
٢ ـ إن هذه الشورى قد ضمت اكثر العناصر المعادية لأمير المؤمنين عليه السلام والحاقدة عليه ففيها طلحة التيمي وهو من أسرة أبي بكر الذي نافس الامام على الخلافة، وكانت بين تيم والامام أشد المنافرة والخصومة وضمت الشورى عبد الرحمن بن عوف، وهو صهر عثمان، بالاضافة الى أنه كان حقودا على امير المؤمنين عليه السلام فهو من جملة الذين حملوا الحطب في بيعة أبي بكر لحرق بيت الامام، وضمت الشورى سعد بن أبي وقاص، وكان يحقد على الامام من أجل اخواله الامويين فان أمه حمنة بنت سفيان بن أميّة، وقد أباد الامام صناديدهم في سبيل الاسلام فكانت نفس سعد مترعة بالحقد والعداء على الامام من أجلهم، ولما بايع المسلمون الامام كان سعد في طليعة المتخلفين عن بيعته، واحتوت الشورى على عثمان وهو شيخ الاسرة الاموية التي عرفت بالنصب لآل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد ألب عمر هذه القوى كلها ضد الامام، لئلا تؤل الخلافة إليه، وقد تحدث عليه السلام بعد ان ولى الامر عن ضغن أعضاء الشورى وحقدهم عليه فقال:
(لكني اسففت إذ أسفوا، وطرت إذ طاروا، فصغى رجل منهم لضغنه، ومال الآخر لصهره مع هن وهن)
لقد ألب عمر عن عمد جميع أحقاد قريش، واضغانها ضد أخي رسول الله ووصيه وباب مدينة علمه استجابة لأحقاد قريش التي وترها الامام في سبيل الاسلام.
٣ ـ لقد عمد عمر الى اقصاء جميع العناصر الموالية للامام فلم يجعل لها نصيبا في الشورى ولم يرشح أحدا من الانصار وهم الذين آووا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونصروه لأنه كان لهم هوى وميل للامام عليه السلام كما لم يجعل نصيبا فيها لعمار بن ياسر الذي هو أحد المؤسسين في يناء الاسلام، وكذلك أقصى أبا ذر، والمقداد وأمثالهم من أعلام الاسلام لأنهم كانوا شيعة لعلي، وقصر الشورى على القوى المنحرفة عن الامام والمعادية له.
٤ ـ ومن عجيب أمر الشورى التي وضع برامجها عمر أنه يشهد بحق أعضائها ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مات وهو راض عنهم ثم يأمر بضرب أعناقهم إن تأخروا عن انتخاب أحدهم فهل ان ذلك موجب للخروج عن الدين، والمروق من الاسلام حتى تباح دماؤهم!!؟
٥ ـ ومن غريب أمر هذه الشورى ان عمر جعل الترجيح للكفة التي تضم عبد الرحمن فيما اذا اختلف أعضاؤها، وغض طرفه عن الجماعة التي تضم أمير المؤمنين عليه السلام فلم يعرها أي اهتمام بل الزمها بالخضوع لرأي عبد الرحمن بن عوف، وتقديمه على أمير المؤمنين وهو صاحب المواهب والعبقريات الذي لا ند له في علمه وورعه وتقواه فكيف يساويه بغيره، والله تعالى يقول: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) أف لك يا زمان، وتعسا لك يا دهر أيكون أمير المؤمنين ندا لأعضاء الشورى، ويرجح عليه عبد الرحمن، ولكنها الاحقاد والعصبيات التي أترعت نفوسهم بها قد أنستهم المقاييس، وصدتهم عن جادة العدل.
٦ ـ ومما يؤخذ على هذه الشورى انها أوجدت التنافس بين أعضائها فقد رأى كل واحد منهم أنه كفؤ للآخر، ولم يكونوا قبلها على هذا الرأي فقد كان سعد تبعا لعبد الرحمن، وعبد الرحمن تبعا لعثمان، والزبير من شيعة الامام، وهو القائل على عهد عمر: (والله لو مات عمر بايعت عليا) ولكن الشورى قد نفخت فيه روح الطموح ففارق أمير المؤمنين وخرج عليه يوم الجمل، وقد تولدت في نفوسهم بسبب الشورى الاطماع والاهواء، ورجا الخلافة وتطلبها من ليس أهلا لها حتى ضجت البلاد بالفتن والاختلاف، واضطربت كلمة المسلمين، وتصدع شملهم، وقد صرح بهذا الواقع المرير معاوية بن ابي سفيان في حديثه مع ابن حصين الذي أوفده زياد لمقابلته، فقد قال له معاوية:
ـ بلغنى ان عندك ذهنا، وعقلا فاخبرني عن شيء أسألك عنه؟
ـ سلنى عما بدا لك:
ـ أخبرني ما الذي شتت أمر المسلمين، وملأهم وخالف بينهم؟؟
ـ قتل الناس عثمان
ـ ما صنعت شيئا
ـ مسير علي إليك وقتاله اياك
ـ ما صنعت شيئا
ـ مسير طلحة، والزبير، وعائشة، وقتال علي إياهم!!
ـ ما صنعت شيئا
ـ ما عندي غير هذا يا أمير المؤمنين
ـ أنا أخبرك انه لم يشتت بين المسلمين، ولا فرق أهواءهم إلا الشورى التي جعلها عمر الى ستة نفر، وذلك ان الله بعث محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون فعمل بما أمره الله به، ثم قبضه الله إليه، وقدم أبا بكر للصلاة فرضوه لأمر دنياهم إذ رضيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأمر دينهم، فعمل بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسار بسيرته حتى قبضه الله، واستخلف عمر فعمل بمثل سيرته، ثم جعلها شورى بين ستة نفر فلم يكن رجل منهم إلا رجاها لنفسه، ورجاها له قومه، وتطلعت الى ذلك نفسه، ولو أن عمر استخلف عليهم كما استخلف أبو بكر ما كان في ذلك خلاف..)(٣٠٥)
هذه بعض آفات الشورى التي فتحت باب الفوضى والنزاع بين المسلمين، وتركت الطلقاء وأبناءهم يتسابقون الى ميدان الخلافة الاسلامية وينزون على منابر المسلمين، ويستأثرون بالفيء وينكلون باخيار المسلمين وصلحائهم فانا لله وإنا إليه راجعون.
الانتخاب:
ولاقى عمر ربه، ومضى الى مقره الأخير(٣٠٦) فاحاط البوليس بأعضاء الشورى، وألزمهم بالاجتماع لينفذوا وصية عمر، ويختاروا للمسلمين حاكما منهم، فاجتمع المرشحون في بيت المال، وقيل في بيت مسرور بن محرمة وأشرف على الانتخاب الامام الحسن عليه السلام وعبد الله بن عباس، وازدلف عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة الى محل الانتخاب فجلسا في الباب، فعرف قصدهما سعد بن أبي وقاص فنهرهما وقال:
(تريدان ان تقولا: حضرنا، وكنا في أهل الشورى؟!)
وتداول الاعضاء الحديث فيما بينهم عمن هو أحق بالامر وأولى به وأكثرهم قدرة وقابلية على ادارة شئون الحكم، وانبرى إليهم أمير المؤمنين عليه السلام فأقام عليهم الحجة، وحذرهم مغبة ما يحدث في البلاد من الفتن ان استجابوا لنزعاتهم ولم يؤثروا الحق فقال عليه السلام:
(لم يسرع أحد قبلي الى دعوة حق، وصلة رحم، وعائدة كرم فاسمعوا قولي، وعوا منطقى، عسى أن تروا هذا الامر من بعد هذا اليوم تنتضى فيه السيوف، وتخان فيه العهود، حتى يكون بعضكم أئمة لأهل الضلال وشيعة لأهل الجهالة..)(٣٠٧)
ولم يعوا منطق الامام، ولم يتأملوا فيه، وانطلقوا مدفوعين وراء أطماعهم وأهوائهم، وكشف الزمن بعد حين صدق تنبؤ الامام، فقد انتضوا السيوف، وخانوا العهود ليصلوا الى صولجان الحكم والسلطان وصار بعضهم أئمة لأهل الضلالة، وشيعة لأهل الجهالة
وعلى اي حال، فقد كثر الجدال في الموضوع، وانفضت الجلسة ولم تنته على محصل، وكان الناس ينتظرون بفارغ الصبر النتيجة الحاسمة التي تسفر عن اجتماعهم، فلم يظفروا بشيء، وانعقد الاجتماع مرة أخرى ولكنه لم يسفر عن اي نتيجة وأخذت فترة الزمن التي حددها عمر تضيق فأشرف أبو طلحة الانصارى على الاعضاء وقال لهم:
(لا والذي نفس عمر بيده!. لا أزيدكم على الايام الثلاثة التي أمرتم..)
واقترب اليوم الثالث، فانعقد الاجتماع فانبرى طلحة، ووهب حقه لعثمان وانما فعل ذلك لعلمه بانحرافه عن أمير المؤمنين عليه السلام، فاراد يقوي جانبه، ويضعف جانب الامام، وانطلق الزبير فوهب حقه للامام لأنه رأى الامام قد ضعف جانبه، واندفع سعد فوهب حقه لعبد الرحمن ابن عوف لأنه ابن عمه(٣٠٨) أما عبد الرحمن الذي أناط به عمر أمر الشورى وجعل رأيه هو الفيصل فكان يرى في نفسه الضعف وعدم القدرة على ادارة شئون الحكم، فاتجه الى ترشيح غيره، وكانت ميوله مع عثمان، واستشار القرشيين فزهدوه في أمير المؤمنين وحببوا له عثمان، ودفعوه الى اختياره وانتخابه.
وحلت الساعة الرهيبة التي تغير فيها مجرى التأريخ فقال عبد الرحمن لابن اخته:
(يا مسور.. اذهب فادع لي عليا وعثمان.
(بأيهما أبدأ يا خال؟)
(بأيهما شئت.)
فانطلق مسور، فاحضر الامام، وعثمان وحضر المهاجرون والانصار وازدحمت الجماهير في الجامع لتأخذ القرار الحاسم فقام عبد الرحمن وقال:
(أشيروا علي في هذين ـ واشار الى سليل هاشم، وشيخ الامويين ـ) فانبرى إليه الطيب ابن الطيب عمار بن ياسر فقال له:
(ان أردت ألا يختلف الناس فبايع عليا..)
وأشار عليه بالرأي الصائب الذي يصون الامة من الاختلاف، ويحميها من النزاع والانشقاق، وانطلق المقداد فأيّد مقالة عمار، فقال:
(صدق عمار.. وإن بايعت عليا، سمعنا واطعنا..)
فقام عبد الله بن ابي سرح أحد أعلام الامويين الذين ناهضوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وناجزوه فخاطب ابن عوف فقال له:
(إن أردت ألا تختلف قريش فبايع عثمان..)
واندفع عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي فقال:
(صدق إن بايعت عثمان سمعنا وأطعنا..)
وانبرى عمار بن ياسر فشتم ابن أبي سرح وقال له:
(متى كنت تنصح للإسلام؟؟!)
وصدق عمار فمتى كان ابن أبي سرح يقيم وقارا للاسلام، او ينصح المسلمين، ويهديهم الى طريق الحق، وقد كان من اعدى الناس الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولما فتح مكة أمر صلى الله عليه وآله وسلم بقتله ولو كان متعلقا باستار الكعبة(٣٠٩)، أمثل هذا الوغد يتدخل في شئون المسلمين؟ ولكن إنا لله وإنا إليه راجعون.
وتكلم بنو هاشم وبنو أميّة، واحتدم الجدال بين الاسرتين، فانطلق ابن الاسلام البار عمار بن ياسر فقال:
(أيها الناس إن الله اكرمكم بنبيه، وأعزكم بدينه، فالى متى تصرفون هذا الامر عن اهل بيت نبيكم!!؟)
لقد كان كلام عمار حافلا بمنطق الاسلام الذي وعاه قلبه فان قريشا وسائر العرب إنما اعزها الله بدينه وأسعدها بنبيه، فهو مصدر عزهم وشرفهم ومجدهم، فليس من الانصاف ولا من العدل أن يصرفوا الامر عن أهله وعترته ويضعونه تارة في تيم واخرى في عدي، ويجهدون الآن ليضعونه في قبيلة اخرى وانبرى إليه رجل من مخزوم فقطع عليه كلامه قائلا:
(لقد عدوت طورك يا ابن سمية.. وما أنت وتأمير قريش لأنفسها!!؟) وقد أترعت نفس الرجل بروح الجاهلية فراح يندد بابن سمية، ويرى أنه عدا طوره، وتجاوز حده لتدخله في شئون قريش، وأي حق لقريش في هذا الامر؟! وهي التي ناهضت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وناجزته، ووقفت في وجه دعوته، وإنما الامر للمسلمين يشترك فيه ابن سمية ـ الذي أعزه الله بدينه ـ وسائر الضعفاء الذين ساندوا الرسول، وحاموا عن دعوته فهؤلاء لهم الرأى ولهم الحكم وليس لطغاة قريش أي رأي لو كان هناك منطق أو حساب
وعلى أي حال فبعد ما كثر النزاع بين القوى الاسلامية الواعية، وبين القوى المنحرفة عنه التفت سعد الى عبد الرحمن فقال له:
(يا عبد الرحمن.. افرغ من امرك قبل أن يفتتن الناس..))
فاسرع عبد الرحمن الى الامام:
(هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه، وفعل ابي بكر وعمر؟:
فرمقه الامام بطرفه واجابه بمنطق الايمان، ومنطق الاحرار قائلا (بل على كتاب الله وسنة رسوله واجتهاد رأيي..)
ولا يتوقع من الامام عليه السلام غير ذلك فان مصدر التشريع في الاسلام كتاب الله وسنة نبيه فعلى ضوئهما تسير الدولة، وتعالج مشاكل الرعية، وليس فعل ابي بكر وعمر من مصادر التشريع، وقد نهج أبو بكر في سياسته منهجا خاصا لم يوافقه عمر فيه ويرى انه كان بعيدا عن سنن التشريع فقد كان لأبي بكر رأيه الخاص في خالد بن الوليد حينما قتل مالك بن نويرة(٣١٠) وزنى بزوجته فقد رأى أبو بكر أن خالدا تأول فأخطأ فلا يستحق أن يقام عليه الحد، ويرى عمر أنه لا بد من اقامة الحد عليه ولا مجال لاعتذار ابي بكر، وسلك أبو بكر في سياسته المالية منهجا اقرب الى المساواة من سياسة عمر التي انتهجت في كثير من شئونها منهج الطبقية وتقديم بعض المسلمين على بعض في العطاء، وحرم عمر المتعتين وهما حسب اعترافه كانتا مشروعتين في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولعمر فتواه المتعارضة في ميراث الجدة وغيرها فعلى أي منهج منها يسير ابن أبي طالب رائد العدالة الاجتماعية الكبرى في الارض، ولو كان عليه السلام يروم الأمرة والسلطان لالتزم لابن عوف بشرطه، وبعد ذلك يسير برأيه الخاص في الحكم، ويعتقل المعارضين له ولكنه عليه السلام أبى ذلك وحجزه إيمانه الوثيق أن يقر شيئا لا يراه مشروعا.
ولما يئس ابن عوف من الامام انبرى الى عثمان فشرط عليه ذلك فابدأ عثمان الموافقة لأي شرط وأرسل يده فصفق عبد الرحمن بكفه عليها وقال:
(اللهم. إني قد جعلت ما في رقبتي من ذاك في رقبة عثمان..)
وعلا الضجيج والصخب بين الناس، فقد فاز عميد الامويين بالحكم وآلت إليه امور الخلافة، وانطلق أمير المؤمنين عليه السلام فقال لابن عوف:
(والله ما فعلتها إلا لأنك رجوت منه ما رجا صاحبكما من صاحبه، دق الله بينكما عطر منشم)(٣١١)
والتفت الى القرشيين فقال لهم:
(ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا، فصبر جميل، والله المستعان على ما تصفون.)
واندفع ابن عوف الى الامام يهدده
(يا علي، لا تجعل على نفسك سبيلا)
وغادر الامام المسجد وهو يقول:
(سيبلغ الكتاب أجله.)
وانطلق الطيب ابن الطيب عمار بن ياسر، وهو يخاطب ابن عوف:
(يا عبد الرحمن.. أما والله لقد تركته، وانه من الذين يقضون بالحق، وبه كانوا يعدلون..)
وخرج المقداد، وهو مثقل الخطا ويقول:
(تالله ما رأيت مثل ما أتى الى أهل هذا البيت بعد نبيهم!! واعجبا لقريش!! لقد تركت رجلا ما اقول ولا أعلم أن أحدا أقضى بالعدل ولا اعلم ولا اتقى منه أما لو أجد أعوانا..)
وقطع عليه عبد الرحمن كلامه فقال له:
(اتق الله يا مقداد، فاني خائف عليك الفتنة..)(٣١٢)
واشرف الامام الحسن على الانتخاب فراعه ما رأى من انقياد القوم نحو الاغراض الشخصية، والمطامع، واستبان له أن المهاجرين من قريش يحملون في نفوسهم حقدا وضغنا على أبيه، وان الدين لعق على ألسنتهم يحوطونه حيث ما درّت معايشهم، وقد تركت تلكم الصور التي اجتازت عليه في نفسه أشد الاستياء والتذمر، وعرفته ان القوم يسيرون وراء مصالحهم وأطماعهم، ولا شأن لهم بالمصلحة العامة، وهنا نودع الامام الحسن لنلتقي معه في عهد الخليفة الثالث.
فى عهد عثمان
نستقبل الحسن عليه السلام في عهد عثمان وهو في شرخ الشباب وعنفوانه فقد كان عمره ينيف على عشرين عاما وهو دور يسمح لصاحبه أن يخوض معترك الحياة، وأن يعطي رأيا في الناحية الاجتماعية فدخل الامام عليه السلام في دوره هذا ـ على ما قيل ـ ميدان الجهاد (والجهاد باب من أبواب الجنة) فانضم الى المجاهدين حيث اتجهت ألويتهم الفاتحة الى احتلال افريقية، سنة ست وعشرين من الهجرة(٣١٣) وتذكر المجاهدون في حفيد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم شخصية جده، فأبلوا بلاء حسنا حتى فتح الله على أيديهم وبعد ما وضعت الحرب أوزارها اتجه الحسن عليه السلام الى عاصمة جده صلى الله عليه وآله وسلم والنصر حليفه وقلبه مفعم بالسرور والارتياح لتوسع النفوذ الاسلامى وانتشار دين جده، ولما كانت سنة ثلاثين من الهجرة اتجهت الجيوش الاسلامية الفاتحة والتي يرف النصر عليها الى احتلال طبرستان فانضم الحسن عليه السلام إليها(٣١٤) وببركته فتح الله على أيديهم ورف لواء الاسلام عليها، ففي سبيل المصلحة العامة وخدمة الدين اللذين هما فوق سائر الاعتبارات دخل الامام الحسن عليه السلام في ميدان الجهاد والكفاح، والقى الستار على ما يكنه في نفسه من الاستياء على ضياع حق أبيه، وهو درس رائع يجب أن تستفيد منه الاحزاب السياسية القائمة في البلاد من ان عنعنات الحزبية يجب ان تلغى أمام صالح البلاد والمجتمع.
وساس عثمان الامة حفنة من السنين فكانت سياسته بعيدة كل البعد عن سنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وسيرة الشيخين وبعيدة كل البعد عن روح ذلك العصر لأنها لم تتفق مع الناحية الدينية والاجتماعية لذلك كتب لها الفشل والخذلان، وسبب ذلك يرجع الى عدم قدرة الخليفة على ادارة شئون الامة وعجزه من الناحية الادارية، وضعف ارادته ضعفا يلمس في كافة أعماله، وصدق (امرسن) في قوله:
(إن قوة الارادة سر النجاح، والنجاح غاية الوجود، فان قوة إرادة نابليون، وكرنت، والاسكندر وغيرهم من رجال التأريخ هي التي خلدت اسماءهم، وإنا لنرى عددا كبيرا من رجال التأريخ لم ينتج انخذالهم على ما اشتهروا به من الشجاعة والحنكة والذكاء إلا عن ترددهم، وضعف إرادتهم، وان من المحال أن ندخل معترك الحياة، ونرجو الفوز فيها دون أن تكون لدينا إرادة قوية)(٣١٥)
إن قوة الارادة لها الاثر التام في تكوين الشخص وفي خلوده في هذه الحياة، وان الشخص الضعيف المغلوب على امره يستحيل أن يحقق أي هدف للامة أو يبني لها كيانا، وقد حرص الاسلام كل الحرص على ابعاد ضعيف الارادة عن قيادة الامة، ومنعه من مزاولة الحكم لأنه يعرض البلاد للاخطار، ويجر لها الويلات والخطوب، ويذهب بهيبة الحكم ومعنويته ويغري ذوي القوة بالتمرد والخروج من الطاعة.
إن عثمان كان فاقد الارادة الى حد بعيد، فلم تكن له قدرة لمواجهة الاحداث، ولا قابلية له للتغلب عليها فقد او كل شئون الدولة الى مروان يتصرف بها حسب ما يشاء، ونقل ابن ابي الحديد عن بعض مشايخه ان الخليفة في الحقيقة والواقع مروان، وعثمان له اسم الخلافة لا غير.
وعلى أي حال فلا بد لنا أن نتبين قصة عثمان، ونقف على حقيقتها وواقعها فان لها ارتباطا وثيقا بما نحن فيه، فقد زعم غير واحد من المؤرخين أن الامام الحسن عليه السلام كان عثمانى الهوى، وانه وقف يوم الدار مدافعا عن عثمان، وحزن عليه بعد مقتله حزنا بالغا، وانه كان يندد بأبيه لأنه لم يقم بنجدته وحمايته، وقد مال لذلك الدكتور طه حسين وأرسلها الى القراء ارسال المسلمات من دون ان يتبين فيها، ولا يعرف مدى واقعية ذلك إلا بعد التعرف على سياسة عثمان وسيرته فانها هي التي تكشف عن زيف هذه الامور وعدم التقائها بواقع الامام عليه السلام الذي كان يحمل هدي جده الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وسيرة أبيه.
وقبل التحدث عن سياسة عثمان نود أن نبين أنا نلتقي في كثير من بحوثنا الآتية مع الدكتور طه حسين فقد حاول تبرير عثمان، وتنزيهه عن التهم التي الصقت به بوجوه بعيدة خالية من التحقيق العلمي، وقد تنصل في طليعة بحوثه عن عثمان عن كل هوى وتعصب طائفى، فليس هو شيعة لعثمان وليس شيعة لعلي، وانما يريد أن يخلص في بحوثه للحق ما وسعه اخلاصه للحق وحده(٣١٦) ولكنه لم يلتزم بوعده فانطلق يتمسك بالاسباب الواهية لتصحيح أخطاء السياسة العثمانية التي لم تساير في اي مرحلة من مراحلها كتاب الله وسنة نبيه، وسيرة الشيخين، حتى نقم عليها خيار المسلمين وصلحاؤهم، وثارت عليه الاقاليم الاسلامية، واحاطت به جماهير المسلمين يطالبونه أن يعتدل في سياسته وأن يسير على الطريق الواضح والمحجة البيضاء فلم يستجب لذلك فاردوه صريعا، قد شقيت الامة بحكمه، وامتحنت بعد مقتله.
إن الواجب يقضى بأن ننظر الى هذه الاحداث بدقة وأمانة، ونتعمق فيها، ونبين معطياتها فانها ترتبط بواقعنا الدينى، وليس لنا ان نلتمس المعاذير لأي شخص كان فيما اذا جافت سيرته تعاليم الاسلام، وتنافت مع مبادئه واحكامه، والى القراء بعض تلك المؤاخذات التي تواجه سياسة عثمان:
عفوه عن عبيد الله
واستقبل عثمان خلافته بالعفو عن عبيد الله بن عمر الذي ثار لمقتل أبيه فقتل بغير حق الهرمزان، وجفينة، وبنت أبي لؤلؤة، وأراد قتل كل سبي بالمدينة فانتهى إليه سعد بن أبي وقاص فساوره وقابله بناعم القول حتى أخذ منه السيف، وأودع في السجن حتى ينظر عثمان في امره، ولما تمت البيعة لعثمان اعتلى أعواد المنبر، وعرض على المسلمين قصة عبيد الله فقال:
(وقد كان من قضاء الله ان عبيد الله بن عمر أصاب الهرمزان، وكان الهرمزان من المسلمين، ولا وارث له إلا المسلمون عامة، وأنا إمامكم وقد عفوت أفتعفون؟..)
فانبرى جمع من الناس فاعلنوا الرضا، والاقرار للعفو سوى الامام أمير المؤمنين عليه السلام فقد انكر على عثمان ولم يرض بقضائه وقال له:
(أقد الفاسق فانه أتى عظيما، قتل مسلما بلا ذنب..)
وصاح الامام بعبيد الله (يا فاسق.. لئن ظفرت بك لأقتلنك بالهرمزان.)(٣١٧)
واندفع المقداد بن عمر فرد على عثمان قائلا:
(إن الهرمزان مولى لله ولرسوله، وليس لك أن تهب ما كان لله ولرسوله..)(٣١٨)
ولم يرض ثقات المسلمين وصلحاؤهم بهذا العفو واعتبروه تعديا على الاسلام وخرقا لحدوده فكان زياد بن لبيد إذا لقى عبيد الله يقول له:

ألا يا عبيد الله مالك مهرب * * * ولا ملجأ من ابن أروى ولا خفر
أصبت دما والله في غير حله * * * حراما وقتل الهرمزان له خطر
على غير شيء غير أن قال قائل * * * أتتهمون الهرمزان على عمر
فقال سفيه والحوادث جمة * * * نعم أتهمه قد أشار وقد أمر
وكان سلاح العبد في جوف بيته * * * يقلبه والامر بالامر يعتبر

وشكا عبيد الله الى عثمان فدعا زيادا فنهاه عن ذلك، ولكنه لم ينته وقد تناول بالنقد عثمان فقال فيه:

أبا عمرو عبيد الله رهن * * * ـ فلا تشكك ـ بقتل الهرمزان
فانك ان غفرت الجرم عنه * * * وأسباب الخطا فرسا رهان
لتعفو إذ عفوت بغير حق * * * فما لك بالذي تخلي يدان

وغضب عثمان على زياد فنهاه وزجره حتى انتهى(٣١٩) واخرج عبيد الله من يثرب الى الكوفة، وأنزله دارا فنسب الموضع إليه فقيل (كويفة ابن عمر) وروى الطبري ان عثمان استشار الصحابة في شأن عبيد الله، فاشار عليه قوم بالعفو، وقالوا: يقتل عمر امس ويقتل ابنه اليوم، وأشار عليه جماعة منهم الامام أمير المؤمنين بالقود، فقال له عمرو بن العاص يا أمير المؤمنين، ان الله قد أعفاك أن يكون هذا الحدث كان ولك على المسلمين سلطان، إنما كان هذا الحدث، ولا سلطان لك، فاستجاب عثمان لرأيه وقال: أنا وليهم وقد جعلتها دية، واحتملها في مالى.(٣٢٠)
وقد حفلت هذه البادرة بما يلي من المؤاخذات:
١ ـ ان الاسلام قد ألزم ولاة الامور باقامة الحدود وعدم التسامح والتساهل فيها للحفاظ على النظام العام، وصيانة النفوس، وحمايتها من الاعتداء وليس للحاكم ان يقف موقف اللين والتسامح مع المعتدى مهما كانت له من مكانة مرموقة في المجتمع، وقد أعلن ذلك الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وطبقه على واقع الحياة فقد سئل أن يعفو عن سارقة لشرف أسرتها فأجاب:
(انما هلك من كان قبلكم لأنهم كانوا إذا أذنب الضعيف فيهم عاقبوه، واذا أذنب الشريف تركوه، والله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها..)(٣٢١)
وجلد صلى الله عليه وآله وسلم أصحاب الإفك، وفيهم سطح بن اثاثة(٣٢٢) وكان من أهل بدر، هذا ما يقتضيه العدل الاسلامى الذي لا يفرق بين الابيض والاسود، والضعيف والقوي، والرئيس والمرءوس فهم سواسية أمام القانون، وقد جافى عثمان ذلك، وخالف ما يقتضيه العدل فلم يفد عبيد الله لأنه ابن عمر، وفتى من فتيان قريش فآثر رضا آل الخطاب ورضا قريش فعفا عنه، وابعده الى الكوفة، ومنحه دارا يسكن فيها، وقد فتح بذلك باب الفوضى والفساد، ومكن ذوي النفوذ أن ينالوا من الضعفاء، الذين ليس لهم ركن يأوون إليه.
٢ ـ ان عثمان قد الغى رأى أمير المؤمنين الذي الزم بالقود، وهو من دون شك أعلم بحدود الله واحكامه، واستجاب لرأي ابن العاص الذي عرف ببغيه وحقده على الاسلام.
٣ ـ ان المصلحة العامة كانت تقضى بالقود وعدم العفو عنه لأنه لو قتله لكان اقطع للفساد، وأنفى للقتل، ولم يقدم أحد من ذوى النفوذ على ارتكاب هذه الجريمة، فان ابن الخليفة قد اقتص منه ولكن عثمان لم يرع المصلحة العامة، واستجاب الى الاغراض الخاصة التي تتنافى مع مصلحة الامة.
٤ ـ إن الولاية للامام إنما تثبت فيما اذا علم ان المقتول لا وارث له والهرمزان من فارس فكان اللازم على عثمان أن يفحص عن وارثه ويتبين واقعيته، ومع عدمه تثبت له الولاية، ولكنه لم يفعل ذلك، ولم يتحقق في أمره فاضفى على نفسه أنه وارثه ووليه.
٥ ـ وليس للحاكم ان يعفو عن الدية، وإنما له ان يصالح عليها كما يرى ذلك ملك العلماء الحنفى يقول:
(ان الامام له ان يصالح على الدية إلا أنه لا يملك العفو، لأن القصاص حق المسلمين بدليل أن ميراثه لهم، وإنما الامام نائب عنهم في الاقامة، وفي العفو إسقاط حقهم أصلا ورأسا وهذا لا يجوز، ولهذا لا يملكه الاب والجد وإن كانا يملكان استيفاء القصاص، وله ان يصالح على الدية)(٣٢٣). وعلى ضوء هذه الفتيا الحنفية فليس لعثمان صلاحية العفو عن الدية، وهذا الاشكال يسجل على عثمان على ما رواه بعضهم من انه عفا عن الدية. هذه بعض المؤاخذات التي تواجه عثمان في عفوه عن عبيد الله وعدم قوده.
دفاع طه حسين
وحاول الدكتور طه حسين تبرير عثمان، ونفي المسئولية عنه، وكان اعتذاره لا يحمل طابعا علميا، ونسوق الى القراء مواضع دفاعه:
١ ـ فما كان عثمان ليستفتح خلافته بقتل فتى من فتيان قريش، وابن من أبناء عمر. وما كان عثمان ليهدر دم مسلم وذميين. وهو من أجل ذلك آثر العافية، فأدى دية القتلى من ماله الخاص الى بيت مال المسلمين وحقن دم عبيد الله بن عمر، وفي امضائه الحكم على هذا النحو سياسة رشيدة لو نظر الناس الى القضية نظرة سياسية خالصة(٣٢٤).
ان عثمان لو استفتح خلافته بقتل عبيد الله لوفى للمسلمين ما عاهدهم عليه من السير على ضوء كتاب الله وسنة نبيه، وتطبيق أحكام الشرع على واقع الحياة ولكنه انطلق في ميدان السياسة فآثر العافية وأهمل أحكام الدين وقد علق سماحة الامام كاشف الغطاء; على هذا الاعتذار بقوله:
(هذا من الاغلاط الواضحة فان دم عبيد الله قد هدره الشرع ولم يحقنه ـ هذا أولا ـ وثانيا ان القتل كان عن عمد وحكمه القصاص لا الدية وقد غلط الاولون وجاء الآخرون يوجهون غلطهم بغلط آخر..)(٣٢٥)
٢ ـ ونعود فنقول إن عثمان كان ولي أمر المسلمين وله بحكم هذه الولاية أن يعفو، ونزيد على ذلك أنه حين عفا لم يعطل حدا من حدود الله، ولم يهدر دم الهرمزان وصاحبيه، وإنما ادى ديتهم من ماله لبيت مال المسلمين الذي كان يرثهم وحده..)(٣٢٦)
وقد علق عليه سماحة المغفور له كاشف الغطاء قال ما نصه:
(وهذا أيضا غلط ادهى وأمر فان واجب ولي أمر المسلمين اقامة حدود الله لا تعطيلها، واعطاء الدية في مورد القصاص من دون رضاء أولياء الدم تحكم في احكام الشرع وتلاعب بالدين.)
٣ ـ وقد أمر النبي ان تدرأ الحدود بالشبهات، فلعل عثمان قد درأ هذا الحد عن عبيد الله بالشبهة التي تأتي من غضبه لأبيه واندفاعه مع شهوته الجامحة. والله قد حبب الى المسلمين العفو حين يقدرون وجزاهم عليه خيرا...)
وهذا من الاغلاط الفظيعة فان الغضب لا يصلح أن تدرأ به الحدود وإلا لوجب أن يدرأ الحد عن كل قاتل على نحو القتل على الاكثر إنما يصدر عن الغضب والثورة الجامحة، وقاعدة الحدود تدرأ بالشبهات لا تنطبق على ما نحن فيه فلها مواردها الخاصة والمورد ليس من مصاديقها، ولو كان الغضب موجبا لسقوط القود لاعتذر به عثمان، ودافع به عن نفسه حينما أنكر عليه أمير المؤمنين وغيره، فهل الدكتور اعرف بمواقع السنة من عثمان؟!
إن دفاع الدكتور خال من التحقيق، وليست له أي صبغة تشريعية ولا يمكن ان يبرر عثمان ويقصى عنه المسئولية.
ومهما يكن من أمر فان عفو عثمان عن عبيد الله لم يكن المقصود منه إلا تطييب قلوب آل الخطاب، وارضاء القرشيين، وليس فيه أي مصلحة للامة.
سياسته المالية
واحتاط الاسلام احتياطا شديدا في أموال الدولة، وألزم الولاة والحكام ان ينفقوها على المرافق العامة وعلى اصلاح الحياة، ومكافحة الفقر، واعالة الضعيف، والانفاق على العاجزين كالارامل والايتام، وليس لهم ان يدخروا منها لأنفسهم، ولا أن يصطفوا منها لذراريهم، فليست طعمة لهم، ولا ملكا يتصرفون فيها حيثما شاءوا، يقول الامام أمير المؤمنين لعبد الله بن زمعة لما قدم عليه في خلافته يطلب منه مالا:
(إن هذا المال ليس لي ولا لك، وإنما هو فيء للمسلمين وجلب أسيافهم، فان شركتهم في حرب كان لك مثل حظهم، وإلا فجناة ايديهم لا تكون لغير أفواههم..)(٣٢٧)
وكتب عليه السلام الى قثم بن العباس عامله على مكة:
(وانظر الى ما اجتمع عندك من مال الله فاصرفه الى من قبلك من ذوي العيال والمجاعة، مصيبا به مواضع الفاقة والخلات، وما فضل عن ذلك فاحمله إلينا لنقسمه فيمن قبلنا)(٣٢٨)
ويقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ان رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة)(٣٢٩)
هذا هو نظر الاسلام بايجاز في الناحية المالية فهو يلزم المسئولين بصرف أموال الدولة على انعاش المواطنين، وانقاذهم من البؤس والحاجة، وليس لهم بأي حال أن يتاجروا بها في شراء الضمائر، وصلة غير المحتاج، ولكن عثمان لم يطبق ذلك لا بكثير ولا بقليل، فقد تسلط على الخزينة المركزية، ووهب الاموال الطائلة بسخاء الى الامويين والى آل أبي معيط لتقوية نفوذهم وتركيزهم في البلاد، فقاموا بدورهم باستغلال المسلمين، والتلاعب بمقدراتهم والتحكم في مصيرهم، كما منح الاموال الطائلة الى الوجوه والاعيان الذين يخاف جانبهم، ويحذر سطوتهم نظرا لنفوذهم السياسي في البلاد، وقد أدى ذلك الى تضخم الثراء وتكدس الاموال عند طائفة من الناس حاروا في صرفها وفي انفاقها، ومن الطبيعي أن ذلك يؤدي الى نشر الفاقة وذيوع الفقر والبؤس بين الناس الامر الذي يتنافى مع اتجاه الاسلام الذي يحرص كل الحرص على اسعاد المجتمع، ونشر الرفاهية، وبسط السعة بين الناس ونسوق بعض البوادر للاستدلال بها على ما ذكرناه:
١ ـ هباته للأمويين
ومنح عثمان أموال المسلمين الى اسرته، وذوي قرباه الذين تنكروا للإسلام، وقابلوه، وناجزوه الحرب، فأوصلهم وبرّ بهم، وحملهم على رقاب الناس، ووهبهم الثراء العريض يتمتعون فيه، ويبالغون في البذخ والاسراف، والى القراء بعض اولئك الذين أغدق عليهم بهباته:
أ ـ أبو سفيان
ووهب عثمان الى أبي سفيان مائتى الف من بيت المال(٣٣٠) أعطاه هذه المنحة وهو رأس المشركين يوم أحد، ويوم الاحزاب، وفي طليعة الحاقدين على الاسلام، والناقمين منه، وما دخل الدين في قلبه، ولا انتزعت روح الجاهلية من نفسه، وهو الذي انطلق الى قبر حمزة فركله برجله، وقال: (يا أبا عمارة!.. إن الامر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمسى في يد غلماننا يتلعبون به.) ثم مضى مثلوج القلب، ودخل على عثمان بعد أن فقد بصره فقال:
(اللهم، اجعل الامر أمر جاهلية، والملك ملك غاصبية، واجعل أوتاد الارض لبني أمية..).(٣٣١)
فهل من العدل والانصاف أن تمنح أموال المسلمين الى هذا المنافق الذي اترعت روحه بالعداء والبغض للإسلام؟!! وهل تبيح الشريعة الاسلامية إعطاء هذه الاموال الى شخص ما آمن بالله طرفة عين؟!
ب ـ الحارث بن الحكم
وأجزل عثمان بالعطاء الى الحارث بن الحكم لأنه صهره من عائشة فقد أعطاه ثلاثمائة الف درهم(٣٣٢) ووردت ابل الصدقة الى المدينة فوهبها له(٣٣٣) وأقطعه سوقا في يثرب يعرف بتهروز بعد أن تصدق به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على جميع المسلمين(٣٣٤) وبما ذا استحق الحارث أن يمنح هذه الاموال الطائلة؟ فهل اسدى خدمة للاسلام او قام بعمل نفع به المسلمين حتى يستحق أن يوصل بهذه الاموال؟! هذا مع ان ابل الصدقة يجب ان تنفق على الفقراء والمعوزين، كما أنه كيف خصه بصدقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أنها لجميع المسلمين، فلا مبرر ولا مسوغ له في هذا العطاء الذي خالف أحكام الله، وتنافى مع صالح الامة
ج ـ عبد الله بن سعد
وأعطى عبد الله بن سعد بن أبي سرح أخاه من الرضاعة جميع ما أفاء الله به من فتح إفريقية بالمغرب وهي من طرابلس الغرب الى طنجة، ولم يشرك في عطائه أحدا من المسلمين(٣٣٥) وهو أحد أعلام المشركين، ومن الذين تنكروا للإسلام، وكفروا بقيمه، وسنذكر ترجمته في البحوث الآتية ما يثبت ذلك، فكيف جاز لعثمان أن يوصله بهذه الاموال الهائلة، ويمنحه هذا الثراء العريض.
د ـ الحكم بن أبي العاص
ويجدر بنا قبل أن نذكر هبات عثمان وصلاته للحكم أن نتعرف على واقعيته، وبعض شئونه ليتضح أنه كان خليقا بالقطيعة والاقصاء، وجديرا بالتوهين والاستخفاف، وإن منحه أموال المسلمين أمر لا مبرر له بأي حال والى القراء ذلك:
١ ـ محاربته للإسلام
ووقف الحكم في وجه الدعوة الاسلامية فكان يحرض الناس على البقاء على عبادة الاوثان، ويمنعهم من الدخول في حظيرة الاسلام، وقد التقى مروان بحويطب فسأله عن عمره فأخبره به فقال له مروان: (تأخر اسلامك أيها الشيخ حتى سبقك الاحداث؟!)
فقال حويطب:
(والله لقد هممت بالاسلام غير مرة، كل ذلك يعوقني أبوك يقول: تضع شرفك، وتدع دين آبائك، لدين محدث، وتصير تابعا..).(٣٣٦)
إن الحكم وبقية الاسرة الاموية ناهضت الاسلام، وبذلت جميع امكانياتها في صد الدعوة الاسلامية ومكافحتها بشتى الاساليب، ولكن الله رد كيدهم، ونصر الاسلام واعز دينه.
٢ ـ استهزاؤه بالنبي
كان الحكم من ألد أعداء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن أحقدهم عليه وقد بالغ في إيذائه والتوهين به، والاستخفاف بمقامه الرفيع، فكان يمر خلفه فيغمز به، ويحكيه، ويخلج بأنفه وفمه(٣٣٧) والتفت النبي فرآه يفعل ذلك فقال: كذلك فلتكن، فكان الحكم مختلجا يرتعش حتى مات، وقد عيره بذلك عبد الرحمن بن حسان بن ثابت فقال في هجاء عبد الرحمن بن الحكم:

إن اللعين أبوك فارم عظامه * * * إن ترم ترم مخلجا مجنونا
يمسي خميص البطن من عمل التقى * * * ويظل من عمل الخبيث بطينا(٣٣٨)

٣ ـ لعن النبي له
واستأذن هذا الخبيث الماكر على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ائذنوا له لعنة الله عليه وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمنين، وقليل ما هم، ذوو مكر وخديعة يعطون الدنيا، وما لهم في الآخرة من خلاق(٣٣٩) وأمر صلى الله عليه وآله وسلم الامام عليا أن يقوده كما تقاد الشاة ويأتي به إليه فأنطلق الامام وجاء به وهو آخذ بأذنه حتى أوقفه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلعنه ثلاثا، ثم قال: أحله ناحية حتى راح إليه قوم من المهاجرين والانصار، ثم دعا به ثانيا فلعنه، وقال: إن هذا سيخالف كتاب الله وسنة نبيه، وستخرج من صلبه فتن يبلغ دخانها السماء، فقال إليه قوم هو أقل، وأذل من أن يكون هذا منه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: بلى وبعضكم يومئذ شيعته.(٣٤٠)
٤ ـ نفيه الى الطائف
وكان هذا الرجس الخبيث يفشى أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويبالغ في ايذائه فنفاه الى الطائف، وقال: لا يساكننى(٣٤١) ولم يزل منفيا هو وأولاده طيلة خلافة الشيخين، وقد توسط عثمان في شأنه عندهما فلم يستجيبا له وظل مبعدا منفيا.
٥ ـ رجوعه الى يثرب
ولما آل الامر الى عثمان أصدر عنه العفو فقدم الى يثرب، وعليه فزر خلق وهو يسوق تيسا والناس ينظرون الى رثة ثيابه، وسوء حاله، فدخل دار عثمان ثم خرج وعليه جبة خز وطيلسان(٣٤٢) وأوصله بمائة الف(٣٤٣).
٦ ـ توليته على الصدقات
وولاه على صدقات قضاعة فبلغت ثلاث مائة الف درهم فوهبها له(٣٤٤) وقد ادى ذلك الى شيوع السخط والانكار عليه لأنه آوى طريد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومنحه أموال الصدقة التي جعلها الله للفقراء والمحرومين وذوي الحاجة، فكيف ساغ له أن يمنحها لهذا اللعين على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والحكم في هذه المسألة للقراء.
٥ ـ سعيد بن العاص
ومنح عثمان سعيد بن العاص مائة الف درهم(٣٤٥) وهو من فساق بني أمية، ومن فجارهم، وكان أبوه من أعلام المشركين قتله الامام أمير المؤمنين يوم بدر(٣٤٦) وقد أثار ذلك السخط على عثمان فانكر عليه ثقات المسلمين وصلحاؤهم.
٦ ـ الوليد بن عقبة
والوليد بن عقبة أخو عثمان من أمه، وكان فاسقا ماجنا لا يرجو لله وقارا ـ كما سنبين ذلك عند التحدث عن ولاة عثمان وعماله ـ قدم الكوفة فاستقرض من عبد الله بن مسعود أموالا طائلة من بيت المال فأقرضه، وطلبها منه عبد الله فكتب الوليد الى عثمان بذلك، فرفع عثمان مذكرة الى ابن مسعود جاء فيها، إنما أنت خازن لنا فلا تعرض للوليد فيما أخذ من المال، فطرح ابن مسعود المفاتيح وقال: كنت أظن أني خازن للمسلمين فأما اذا كنت خازنا لكم فلا حاجة لي في ذلك، وأقام بالكوفة بعد ان استقال من منصبه(٣٤٧) وكيف ساغ لعثمان أن يبدد أموال المسلمين، ويهبها الى أعداء الله وخصوم الاسلام، ولنترك الحكم في ذلك للقراء.
٧ ـ مروان بن الحكم
ومروان بن الحكم هر الذي لعنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في صلب أبيه كما رواه الامام الحسن عليه السلام (٣٤٨) ولما ولد جيء به الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: هو الوزغ ابن الوزغ، الملعون ابن الملعون(٣٤٩) ونظر إليه الامام أمير المؤمنين فقال له:
(ويل لك، وويل لأمة محمد منك ومن بيتك إذا شاب صدغاك)(٣٥٠) وكان رأسا من رءوس المنافقين، ووجها من وجوه أهل الضلال والباطل، وكان يلقب خيط باطل وفيه يقول الشاعر:

لعمرك ما أدرى واني لسائل * * * حليلة مضروب القفا كيف يصنع
لحى الله قوما أمروا خيط باطل * * * على الناس يعطي ما يشاء ويمنع(٣٥١)

وقد عرف بالغدر، ونقض الوعد، وخيانة العهد، يقول الامام أمير المؤمنين حينما كلمه السبطان في مبايعة مروان له:
لا حاجة لي في بيعته، إنها كف يهودية لو بايعنى بيده لغدر بسبابته أما إن له امرة كلعقة الكلب انفه، وهو أبو الاكبش الاربعة، وستلقى الامة منه ومن ولده يوما أحمر..)(٣٥٢)
وهذا الوزغ الرجس قد بر به عثمان وأحسن إليه، ومكنه من بيت المال يهب منه لمن شاء، ويمنع عنه من شاء، ونسوق الى القراء الهبات الضخمة التي منحها عثمان لمروان وهى:
١ ـ اعطاه خمس غنائم إفريقية، وقد بلغت خمس مائة الف دينار وقد عيب عثمان على ذلك وهجاه عبد الرحمن بن حنبل بقوله:

سأحلف بالله جهد اليمي * * * ن ما ترك الله أمرا سدى
ولكن خلقت لنا فتنة * * * لكي نبتلي لك أو تبتلى
فان الامينين قد بينا * * * منار الطريق عليه الهدى
فما أخذا درهما غيلة * * * وما جعلا درهما في الهوى
دعوت اللعين فأدنيته * * * خلافا لسنة من قد مضى
وأعطيت مروان خمس العبا * * * د ظلما لهم وحميت الحمى(٣٥٣)

٢ ـ انه منحه الف وخمسين أوقية ولا نعلم انها من الذهب او الفضة وهي من جملة الامور التي سببت النقمة على عثمان(٣٥٤)
٣ ـ اعطاه مائة الف من بيت المال، فجاء زيد بن أرقم صاحب بيت المال بالمفاتيح فوضعها بين يدي عثمان وبكى فنهره عثمان وقال له:
(اتبكى إن وصلت رحمي؟)
(ولكن أبكي لأني أظنك أنك أخذت هذا المال عوضا عما كنت انفقته في سبيل الله، في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لو اعطيت مروان مائة درهم لكان كثيرا..)
فزجره عثمان وصاح به
(الق المفاتيح.. يا بن أرقم، فانا سنجد غيرك.)(٣٥٥)
٤ ـ واقطعه فدكا، ووهبها له(٣٥٦) وهي على كل حال لا تصح هبتها لأنها إن كانت نحلة لفاطمة عليها السلام كما تقول فهي لأبنائها، وان كانت صدقة كما زعم أبو بكر فهي لجميع المسلمين، وليس لعثمان ان يتصرف فيها على كلا الوجهين.
وعلى اي حال، فأي خدمة أسداها مروان للامة، وأي مكرمة أو مأثرة صدرت منه حتى يستحق هذا العطاء الجزيل، ويمنح هذا الثراء العريض
هذه بعض اعطيات الخليفة ومنحه الى اسرته، وذوى قرباه، وهي من دون شك لا تتفق مع كتاب الله وسنة نبيه فانهما الزما بالمساواة بين القريب والبعيد، وأهابا بالحاكمين ان لا يميزوا قوما على آخرين وأن يطبقوا العدل في جميع المجالات.
الانكار على عثمان:
وكان من الطبيعي أن تثير هذه السياسة سخط الاخيار، والصلحاء والمتحرجين في دينهم بل وسخط العامة الذين ينظرون الى بني أميّة نظرة ريبة وشك في اسلامهم، ويرون في هذا العطاء امتدادا لهم وتقوية لنفوذهم وبسطا لسلطانهم، حتى نقم من عثمان عبد الرحمن بن عوف الذي انتخبه وعينه حاكما على المسلمين، فكان يقول: عاجلوه قبل ان يتمادى في ملكه وكان يقول للإمام أمير المؤمنين: خذ سيفك وآخذ سيفي فانه قد خالف ما اعطاني، ولما حضرته الوفاة اوصى أن لا يصلي عليه(٣٥٧)
لقد شاع التذمر بين المسلمين من جراء هذه السياسة الملتوية، وقد انكرت عليه الخاصة والعامة حينما استأثر بالسفط الذي كان في بيت المال فأخذ منه ما حلى به بعض أهله وصعد على أثر ذلك أعواد المنبر فقال:
(لنأخذن حاجتنا من هذا الفيء وإن رغمت به أنوف أقوام..)
وقد اثار سخط الناس هذا الكلام فتصدى أمير المؤمنين الى رده فقال له:
(إذن تمنع من ذلك ويحال بينك وبينه).
واندفع الصحابي العظيم عمار بن ياسر فأيد مقالة الامام، وأعلن نقمته على عثمان فقال:
(أشهد ان أنفى أول راغم من ذلك..)
ولما منح سعيد بن العاص مائة الف درهم، انطلق الامام أمير المؤمنين مع جماعة من اعلام الصحابة فعابوا عليه عمله، وانكروا عليه هذا العطاء فقال لهم:
(إن له قرابة ورحما..)
فردوا عليه حجته، وقالوا له:
(أفما كان لأبي بكر وعمر قرابة؟..)
فأجابهم:
(ان ابا بكر، وعمر كانا يحتسبان في منع قرابتهما وأنا أحتسب في اعطاء قرابتى..)(٣٥٨)
لقد نقم المسلمون من عثمان، وسخط عليه خيارهم لأنه استأثر بالفيء، ومنح أموال المسلمين الى بني أميّة، ولم يطبق في سياسته العدل الاجتماعى الذي جاء به الاسلام.
اعتذار عثمان
واعتذر عثمان للناقدين لسياسته بأنه أوصل رحمه، وبرّ بذي قرباه وليس في ذلك مأثم عليه او مخالفة للشرع ـ كما يراه ـ ولا بد لنا من وقفة قصيرة أمام هذا الاعتذار لنعرف مدى واقعيته، وصحته، والذي يقتضيه النظر أنه منطق مفلوج لا يتفق مع الشرع، ولا يلتقي بصالح الامة وذلك ـ أولا ـ ان الاموال التي منحها لأسرته لم تكن من أمواله الخاصة لتكون له مندوحة في انفاقها عليهم، وانما هي أموال المسلمين فيجب انفاقها عليهم، وليس لرئيس الدولة أن يتصرف فيها بقليل، ولا بكثير فقد ورد عقيل من يثرب وهو بائس مضطر الى أخيه أمير المؤمنين عليه السلام فطلب منه وفاء دينه، فقال له الامام:
ـ كم دينك؟
ـ أربعون الفا
ـ ما هي عندي، ولكن اصبر حتى يخرج عطائي فادفعه إليك ـ بيوت المال بيدك وأنت تسوفنى بعطائك؟
ـ أتأمرني ان أدفع إليك أموال المسلمين، وقد ائتمنوني عليها.(٣٥٩)
هذا هو منطق الاسلام، وهذا عدله، وهذه مساواته إنه لا يفرق بين القريب والبعيد فالجميع سواسية في العطاء وغيره.
و ـ ثانيا ـ إن اسرته التي برّ بها خليقة بالقطيعة وجديرة بأن لا توصل لأنها ناهضت الاسلام وناجزته الحرب، وهي الشجرة الملعونة في القرآن فقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمرو ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: رأيت ولد الحكم بن ابي العاص على المنابر كأنهم القردة فانزل الله: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة: يعنى الحكم وولده(٣٦٠) وقالت عائشة لمروان سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لأبيك: (أبي العاص بن أميّة) انكم الشجرة الملعونة في القرآن(٣٦١) وقد نهى الله عن موادة المعادين له، وحرم مواصلتهم قال تعالى: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو اخوانهم أو عشيرتهم)(٣٦٢)
لقد كان عثمان شديد الحب للامويين فقد قال: (لو أن بيدي مفاتيح الجنة لأعطيتها بنى أميّة حتى يدخلوا عن آخرهم..)(٣٦٣) وهذا الحب العارم لأسرته هو الذي اجهز عليه، وحفز القوى الاسلامية الى الثورة عليه والاطاحة بحكمه وقتله.
٢ ـ منحه للاعيان
ووهب عثمان أموال المسلمين الى الوجوه والاعيان، وذوي النفوذ السياسى ممن يحذر جانبهم، فوصل طلحة بمائتي الف دينار(٣٦٤) وكانت له عليه خمسون الفا، فقال له طلحة: تهيأ مالك فاقبضه، فوهبه له، وقال: هو لك يا أبا محمد على مروءتك(٣٦٥) ووصل الزبير بستمائة الف، ولما قبضها جعل يسأل عن خير المال ليستغل صلته فدل على اتخاذ الدور في الاقاليم والامصار(٣٦٦) فبنى احدى عشرة دارا بالمدينة، ودارين بالبصرة ودارا بالكوفة، ودارا بمصر(٣٦٧) ووهب أموالا طائلة لزيد بن ثابت حتى بلغ به الثراء انه لما توفى خلف من الذهب والفضة ما يكسر بالفؤوس غير ما خلف من الاموال والضياع مائة الف دينار(٣٦٨) ومنح أموالا أخرى الى السائرين في ركابه، والمؤيدين لسياسته، وقد ذكر بالتفصيل تلك الهبات شيخ المحققين الاميني في موسوعته الخالدة(٣٦٩)
وبأي وجه تصحح هذه الهبات وهي أموال المسلمين وقد فرض فيها ان تصرف على اصلاح المجتمع، وانقاذ الفقير والمحروم من البؤس والفاقة، لا أن يتاجر بها في شراء الضمائر، وتأييد الحكم القائم فان ذلك لا يقره الاسلام بحال من الاحوال.
٣ ـ استئثاره بالاموال
واستنزف عثمان بيوت الاموال فاصطفى منها ما شاء لنفسه وعياله، وبالغ في البذخ والاسراف فبنى دارا في يثرب شيدها بالحجر والكلس، وجعل أبوابها من الساج والعرعر، واقتنى أموالا وجنانا وعيونا بالمدينة(٣٧٠) وكان ينضد اسنانه بالذهب، ويتلبس بأثواب الملوك، وانفق اكثر بيت المال في عمارة ضياعه ودوره(٣٧١) ولما قتل كان عند خازنه ثلاثون الف الف درهم، وخمسمائة الف درهم وخمسون ومائة الف دينار، وترك الف بعير وصدقات ببراديس وخيبر، ووادي القرى قيمة مائتى الف دينار(٣٧٢)
إن عثمان قد نهج منهجا خاصا في سياسته المالية، فلم يتقيد بكتاب الله، ولا بسنة نبيه، فتصرف في بيت المال تصرفا كيفيا فأخذ منه ما شاء ومنح من أحب، ووهب لمن سار في ركابه، وقد وصف الامام امير المؤمنين هذه السياسة الملتوية بقوله:
(الى ان قام ثالث القوم ـ يعني عثمان ـ نافجا حضنيه(٣٧٣) بين نثيله ومعتلفه(٣٧٤) وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الابل نبتة الربيع..)
وهذا أبدع ما توصف به السياسة المنحرفة التي تتخذ الحكم وسيلة للثراء والتمتع بملاذ الحياة، ولا تقيم وزنا للامة، ولا تعتني بمصالحها وأهدافها.
وقد أصدر الامام أمير المؤمنين قراره الحاسم بعد ان استولى على زمام الحكم بمصادرة جميع الاموال التي استأثر بها عثمان لنفسه، والتي وهبها لخاصته وأقربائه، وهذا نص قراره:
(الا ان كل قطيعة اقطعها عثمان، وكل مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال، فان الحق القديم لا يبطله شيء، ولو وجدته قد تزوج به النساء، وفرق في البلدان لرددته الى حاله فان في العدل سعة ومن ضاق عنه الحق فالجور عنه أضيق..)(٣٧٥)
وكان هذا الاجراء الذي اتخذه الامام على وفق العدل الاسلامي الذي حدد صلاحية المسئولين، ولم يطلق لهم العنان في التصرف بأموال الامة، والاستئثار بها، فليس لهم أن يصطفوا منها لأنفسهم ولا لذراريهم فهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد جاءته ابنته الوحيدة التي لا عقب له سواها تطلب منه ان يبغي لها وصيفا يخدمها لأن يديها قد مجلت من الرحى، فلم يجد صلى الله عليه وآله وسلم مجالا لأن يأخذ من بيت المال ما يشتري به وصيفا يعين ابنته فردها، وعلمها التسبيح الذي ينسب لها، وقد سار على هذه السيرة وصيه وباب مدينة علمه الامام امير المؤمنين عليه السلام فقد جاء أخوه عقيل يستميحه البر، ويطلب منه السعة والرفاهية فاحمى له حديدة كاد ان يحترق من ميسمها، هذا هو منطق الاسلام الذي جاء لاسعاد الشعوب واصلاحها وانقاذها من البؤس والفقر والحرمان.

مع الدكتور طه حسين
وتناقضت أقوال الدكتور طه حسين تناقضا صريحا في تصوير السياسة المالية التي انتهجها عثمان، فتارة يسف في قوله فيزعم انه كان محافظا على سيرة عمر في سياسة المال فلم يخالفه في ذلك، ولم يشذ عنه في جميع أعماله الادارية والحربية، وفيما كان يأخذ به عامة المسلمين من الامر بالمعروف والنهى عن المنكر، والتزام السنة الموروثة، واجتناب التكلف والابتداع(٣٧٦) واخرى يستقيم في قوله فيذهب الى أنه انحرف عن سياسة عمر في الابقاء على بيت المال، وفى ألا ينفق منه إلا بمقدار الحاجة الى الانفاق، وأنه كان ينكر تشدد عمر، ويرى أن في بيت المال ما يسع الناس اكثر مما وسعهم أيام عمر فهو نقد غير مباشر لسيرة عمر في سياسة بيت المال(٣٧٧) ومعنى هذا انه لم يتقيد بسيرة عمر، ولم يطبق سياسته على واقع حكومته وهذا ينافى ما ذكره أولا، من انه كان يسير على وفق الاهداف التي سار عليها عمر.
وعلى أي حال فقد مال أخيرا الى تصحيح سياسته المالية وانها لم تخالف السنة الموروثة، ولم تخل من الخير ومراعاة الصالح العام، ونسوق نص كلامه في ذلك مع مواقع النظر فيه وهو كما يلي:
أفاد الدكتور ما نصه: (الشيء المحقق هو ان عثمان لم يدهن في دينه والشيء المحقق أيضا هو ان عثمان لم ير في سياسته تلك مخالفة خطيرة او غير خطيرة لسيرة الشيخين، فهو لم يعتمد الجور ولا المحاباة، وإنما وسع على الناس من أموالهم، رأى في بيت المال غنى فآثر الناس به، ولم يغل في الادخار. وأي حرج في أن يصل اصحاب النبي بشيء من هذا المال قليل او كثير، وهم أئمة الاسلام وبناة الدولة وأصحاب البلاء الحسن ايام النبيّ، وهم قد احتملوا من الشدة والحرمان شيئا كثيرا! وقد صدق الله وعده واكثر الخير، فأي الناس أحق من هؤلاء المهاجرين ان يستمتعوا بشيء من هذا الخير الكثير..)(٣٧٨)
ومواقع النظر في كلامه ما يلي:
١ ـ انه ذهب الى أن عثمان لم يدهن في دينه، وأنه لم ير في سياسته مخالفة خطيرة او غير خطيرة لسيرة الشيخين، ولم يتعمد الجور ولا المحاباة.
أما ان عثمان لم يدهن في دينه فيزيفه اعلانه للتوبة، وانه قد جافى العدل، وانحرف عن الطريق القويم وهذا نص توبته:
(أما بعد: أيها الناس، فو الله ما عاب من عاب منكم شيئا أجهله وما جئت إلا وأنا أعرفه، ولكني منتنى نفسي، وكذبتني، وضل عني رشدي، ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من زلّ فليتب(٣٧٩) ومن أخطأ فليتب، ولا يتمادى في الهلكة إن من تمادى في الجور كان أبعد من الطريق، فانا أول من اتعظ، استغفر الله عما فعلت وأتوب إليه)(٣٨٠)
وهي صريحة في أنه سلك غير الجادة، وشذ عن السنة الموروثة، وأنه على بصيرة من ذلك لم يجهله، ولم يغب عنه علمه وانما ارتكب ما ارتكب من المخالفات للسنة كهباته للأمويين، وصلاته لآل أبى معيط، وتنكيله باعلام الصحابة الناقدين لسياسته، وغير ذلك من الاحداث الجسام، انما هو استجابة لعواطفه ورغباته فان نفسه قد منته بذلك حتى ضل عنه رشده وفقد صوابه ـ على حد تعبيره ـ ومع اعترافه بذلك، وتسجيله على نفسه انه انحرف عن الطريق كيف يمكن ان يقال إنه لم يدهن في دينه، ولم يتعمد الجور والمحاباة.
٢ ـ أما ما ذكره من أن عثمان وسع على الناس من أموالهم لأنه رأى في بيت المال غنى فآثر الناس به، ولم يغل في الادخار.. فان هذا لا يمكن المساعدة عليه بوجه فان عثمان لم يوسع على الناس، ولم يبسط لهم في العيش وإلا لما ثاروا عليه، وقتلوه، وإنما وسع على نفسه وخاصته، ووسع على بنى أميّة والمؤيدين لسياسته فآثرهم بالفىء، وخصهم بأموال الدولة الامر الذي اوجب شيوع التذمر، ونقمة المسلمين عليه في جميع اقطارهم وأقاليمهم حتى أطاحوا بحكمه، وأردوه قتيلا لم يواروه في قبره حتى ندم خيار المسلمين على عدم حرق جثته(٣٨١)
٣ ـ وأما ما أفاده من أنه لا حرج، ولا اثم على عثمان في صلته لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالاموال لأنهم أئمة المسلمين، وأصحاب البلاء الحسن، فأي الناس احق منهم بالاستمتاع بشيء من هذا الخير. فانه ظاهر البطلان لأن بيت المال ـ كما ذكرنا غير مرة ـ هو للمسلمين جميعا لا يختص به قوم دون آخرين، ويجب صرفه على مصالحهم، واصلاح شئونهم، وليس لطائفة مهما علا شأنها ان تختص به، وتحرم منه الاكثرية الساحقة، على ان الاسلام في ذلك الوقت احوج ما يكون الى بسط عدله الاجتماعي بين الشعوب المتعطشة الى مساواته العادلة التي لا تميز قوما على آخرين، ولكن عثمان آثر بنى أميّة في كل شيء آثرهم بالاموال والوظائف وحملهم على رقاب الناس الامر الذي أدى الى تحطيم المساواة التي جاء بها الاسلام.
وأما سبق المهاجرين من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الى الاسلام ودفاعهم عن حياضه، وتحملهم للعناء والبلاء في سبيله فامر لا مجال للشك فيه، وهم مشكورون عليه، والله هو الذي يتولى جزاءهم عن ذلك، ولكن منحهم بالاموال والاغداق عليهم بالنعم فامر لا مساغ له لأن فيه إحياء للطبقية التي حاربها الاسلام وشجب جميع مظاهرها.
ويمضى الدكتور في تصحيح سياسة عثمان، ومشروعية هباته للصحابة وانه لم يخالف بذلك السنة الموروثة، وإنما جرى على طبعه السخي، ولم يذكر هباته الضخمة، وعطاياه الوافرة للامويين وآل أبي معيط فقد اعرض سيادته عن ذلك ولم يذكره بقليل ولا بكثير، وهو فيما نحسب من أهم الاسباب التي أدت الى الانكار عليه، لقد أهمل الدكتور هذه الناحية أما لأنه لم يجد مجالا للاعتذار عنها أو انه لا يرى بأسا في ذلك كما لا يرى بأسا في عطاياه للصحابة، ومن المؤسف ان يسف في ذلك، ويبرر ما خالف السنة.
ولاته على الامصار
ويحتم الاسلام على خليفة المسلمين، وولي أمرهم أن يجهد نفسه في اختيار ذوي القابليات والمواهب ممن تتوفر فيهم الشروط المطلوبة من العدالة والتقوى، والنزاهة، والنصح للرعية، والسهر على صالحها، ورعاية شئونها بأمانة واخلاص ليجعلهم ولاة على الامصار والاقاليم، ولا يجوز ان يولي أي احد مهما كان قريبا له محاباة او اثرة فان ذلك خيانة لله ولرسوله، وللمسلمين لأن الولاة يتحملون مسئولية الحكم، والقضاء بين الناس، وادارة شئونهم والاصلاح فيما بينهم، والائتمان على أموالهم ودمائهم فلا بد ان يكونوا من خيرة الرجال ومن اكثرهم دينا، ووقوفا في الشبهات، وأبعدهم عن الطمع والحرص، واصبرهم على تكشف الامور هذا هو رأي الاسلام، وهذه خطته التي حفل بها نظامه الخالد، وقد ابتعد عثمان عن ذلك فعمد الى توظيف اسرته وذوى قرباه الذين حاربوا الله ورسوله وسعوا في الارض فسادا فحملهم على رقاب المسلمين وأسند إليهم اهم الوظائف فجعلهم أمراء على الامصار والاقاليم، ونشير الى بعضهم مع بيان تراجمهم وهم:
١ ـ الوليد بن عقبة
وكان على الكوفة واليا سعد بن أبي وقاص الزهري فعزله عثمان عنها وولى عليها الوليد بن عقبة بن ابي معيط ولم يعهد الى اهل الكفاية والقدرة من المهاجرين والانصار الذين احسنوا البلاء في الاسلام ليتولوا شئون هذا المصر الذي هو من اعظم امصار المسلمين أهمية وأكثرها ثغورا.
وعلى أي حال فهل ان الوليد كان خليقا لأن يعهد إليه بهذا المنصب الخطير الذي يوكل إليه القضاء بين الناس وإتمامهم به في الصلاة، والائتمان على بيت المال وغير ذلك من الشؤون التي تتوقف على العدالة والتقوى والحريجة في الدين ونقدم عرضا موجزا لبعض شئونه ليتضح حاله وهي:
أ ـ نشأته
نشأ في مجتمع جاهلي، وتربى تربية جاهلية، ولم يدخل بصيص من نور الاسلام في قلبه، كان ابوه من ألد اعداء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم روت عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: كنت بين شرّ جارين بين أبي لهب وبين عقبة بن ابي معيط، إن كانا ليأتيان بالفروث فيطرحانها على بابي حتى أنهم ليأتون ببعض ما يطرحونه من الاذى فيطرحونه على بابي(٣٨٢) وقد بصق هذا اللعين في وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشتمه، فقال له النبي: إن وجدتك خارجا من جبال مكة اضرب عنقك صبرا، فلما كان يوم بدر وخرج اصحابه امتنع من الخروج فقال له اصحابه اخرج معنا، قال وعدني هذا الرجل إن وجدني خارجا من جبال مكة ان يضرب عنقى صبرا، فقالوا له: لك جمل احمر لا يدرك فلو كانت الهزيمة طرت عليه فخرج معهم، فلما هزم الله المشركين حمل به جمله في جدود من الارض فأخذه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسيرا في سبعين من قريش فقدم إليه فقال عقبة أتقتلني من بين هؤلاء؟ قال نعم بما بزقت في وجهي، ثم أمر عليا فضرب عنقه(٣٨٣) وقد اترعت نفس الوليد بالحقد والكراهية من النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه قد وتره بأبيه، ولما لم يجد بدا من الدخول في الاسلام اسلم ولكن قلبه كان مطمئنا بالكفر والنفاق.
ب ـ فسقه
ونطق القرآن الكريم بفسقه، وعدم ايمانه مرتين (الاولى) انه جرت بينه وبين امير المؤمنين مشادة، فقال الوليد له: اسكت فانك صبي وأنا شيخ، والله اني ابسط منك لسانا، وأحد منك سنانا، واشجع منك جنانا، وأملأ منك حشوا في الكثيبة، فقال له علي: اسكت فانك فاسق فانزل الله تعالى فيهما قوله: (أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً)(٣٨٤) وقد نظم ذلك حسان بن ثابت بقوله:

أنزل الله والكتاب عزيز * * * في علي وفى الوليد قرانا
فتبوا الوليد من ذاك فسقا * * * وعلي مبوأ إيمانا
ليس من كان مؤمنا عرف الله * * * كمن كان فاسقا خوانا
فعلي يلقى لدى الله عزا * * * ووليد يلقى هناك هوانا
سوف يجزى الوليد خزيا ونارا * * * وعلي لا شك يجزى جنانا(٣٨٥)

(الثانية) أنه غش النبيّ وكذب عليه وذلك حينما ارسله في بنى المصطلق، فعاد الى النبيّ يزعم انهم منعوه الصدقة، فخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليهم غازيا فتبين له كذب الوليد، ونزلت عليه الآية بفسقه قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ)(٣٨٦)
ومع اعلان القرآن بفسقه وأثمه كيف يجوز أن يجعل حاكما على المسلمين واماما لهم ومؤتمنا على أموالهم ودمائهم.
ج ـ ولايته على الكوفة
واستعمله عثمان واليا على الكوفة بعد عزله لسعد، فسار فيها سيرة عبث ومجون وتهتك، ولم يرع للدين حرمة ووقارا، وأخذ يعيث فسادا في الارض حتى ضجت الكوفة من مجونه واستهتاره وتذمر الاخيار والصلحاء من سوء سيرته.
د ـ شربه للخمر
واقترف الوليد افحش جريمة، وافظع ذنب فقد ثمل وصلى بالناس صلاة الصبح أربع ركعات، وصار يقول: في ركوعه وسجوده: اشرب واسقنى. ثم قاء في المحراب وسلم، وقال هل ازيدكم؟ فقال له ابن مسعود: لا زادك الله خيرا، ولا من بعثك إلينا، وأخذ فردة نعله، وضرب به وجه الوليد، وحصبه الناس فدخل القصر والحصباء تأخذه، وهو مترنح(٣٨٧) وفي فعله يقول الحطيئة جرول بن أوس العبسي:

شهد الحطيئة يوم يلقى ربه * * * إن الوليد أحق بالعذر
نادى وقد تمت صلاتهم * * * أأزيدكم؟ ثملا ولا يدرى
ليزيدهم خيرا ولو قبلوا * * * منه لزادهم على عشر
فأبوا أبا وهب ولو فعلوا * * * لقرنت بين الشفع والوتر
حبسوا عنانك اذ جريت * * * ولو خلوا عنانك لم تزل تجري(٣٨٨)

وقال الحطيئة فيه أيضا:

تكلم في الصلاة وزاد فيها * * * علانية وجاهر بالنفاق
ومج الخمر عن سنن المصلي * * * ونادى والجميع الى افتراق
أزيدكم على أن تحمدوني * * * فما لكم وما لي من خلاق(٣٨٩)

وهذه البادرة قد دلت على تهتكه، وتماديه في الاثم والفسوق، فلم يرع حرمة للصلاة التي هي من اهم الشعائر الدينية، واعظمها حرمة عند الله

رأي طه حسين
ويعتقد طه حسين ان صلاة الوليد بالمسلمين، وهو ثمل وزيادته فيها قصة مخترعة لا نصيب لها من الصحة قد وضعها خصوم الوليد والصقوها به ويستدل على ذلك أنه لو زاد فيها لما تبعته جماعة المسلمين من اهل الكوفة، وفيهم نفر من اصحاب النبي، وفيهم القراء والصالحون، ولما رضى المسلمون من عثمان بما اقام عليه من حد الخمر، فان الزيادة في الصلاة والعبث بها اعظم خطرا عند الله وعند المسلمين من شرب الخمر، كما يذهب الى ان الشعر الذي هجي به الوليد لم يقله الحطيئة، وانما قال الحطيئة شعرا يمدح به الوليد مدح حب حريص على رضاه، وذكر أبياتا قالها في مدحه والثناء عليه(٣٩٠) والذي ذكره الدكتور لا يمكن المساعدة عليه بوجه وذلك ـ أولا ـ ان النصوص قد تضافرت بذلك ودونها الكثير ممن ترجم الوليد أو تعرض لأحداث عثمان فقد قال ابو عمر في الاستيعاب: (ان صلاته ـ اي الوليد ـ بهم وهو سكران، وقوله ازيدكم؟ بعد ان صلى الصبح اربعا مشهورة من رواية الثقات من أهل الحديث وأهل الاخبار) وقال ابن حجر في الاصابة: (قصة صلاته بالناس الصبح وهو سكران مشهورة مخرجة) وحكى أبو الفرج في الاغاني (١٤ / ١٧٨) عن ابى عبيد والكلبي والاصمعي ان الوليد بن عقبة كان زانيا شريب خمر فشرب الخمر بالكوفة وقام ليصلي بهم الصبح في المسجد الجامع فصلى بهم اربع ركعات ثم التفت إليهم، وقال لهم ازيدكم؟ وتقيأ في المحراب، وقرأ بهم في الصلاة:

علق القلب الربابا * * * بعد ما شابت وشابا

إن التشكيك في هذا الحادث والاعتقاد بأنه من الموضوعات انكار للضروريات، وتشكيك في البديهيات وفي الهامش ثبت الى المصادر التي دونت ذلك، وهي توجب القطع بصحته، وعدم الريب فيه(٣٩١) ـ وثانيا ـ إن الله تعالى هو العالم بسرائر عباده ونياتهم، وقد اعلن في كتابه الكريم فسق الوليد وفجوره في آيتين فلا يستبعد منه بعد ذلك أن تصدر منه افحش الموبقات واعظم الجرائم ـ وثالثا ـ ان صلحاء المسلمين وخيارهم قد انكروا عليه ونقموا منه وثاروا في وجهه، فقد ضربه عبد الله بن مسعود بنعله، وحصبه الناس ـ كما تقدم ـ وخرج رهط من الكوفة فاستجاروا باعلام الصحابة، لينقذوهم من امارة الوليد واستهتاره ـ كما سنذكر ذلك ـ وما زعمه الدكتور طه حسين ان جماعة من المسلمين من أهل الكوفة قد تبعته وفيهم من أصحاب النبيّ والصالحين، قد غالط بذلك الحقائق التأريخية التي نصت على ما ذكرناه ـ ورابعا ـ ان الحطيئة وان كان قد مدح الوليد واخلص له فانه لا ينافي أنه نقم منه وهجاه على ارتكابه هذه الجريمة النكراء التي سود بها وجه التأريخ الاسلامى والعربي.
إن الحطيئة عرف بالهجاء والمدح فهو قد يمدح شخصا يأمل منه البر والخير فاذا لم يعطه هجاه وذمه فقد قصد بنى ذهل يسترفدهم، ويستميحهم العطاء، ويقول في مدحهم:

إن اليمامة خير ساكنها * * * أهل القرية من بني ذهل
قوم اذا انتسبوا ففرعهم * * * فرعي وأثبت أصلهم اصلي

فلم يعطوه شيئا فقال يهجوهم:

ان اليمامة شر ساكنها * * * أهل القرية من بني ذهل

وكان اذا غضب على بنى عبس يهجوهم ويقول انا من بنى ذهل وإذا غضب على بنى ذهل يهجوهم ويقول لهم: أنا من بنى عبس، وقد غضب على أمه فهجاها بقوله:

تنحي فاجلسى منى بعيدا * * * أراح الله منك العالمينا
أغربالا اذا استودعت سرا * * * وكانونا على المحدثينا
حياتك ما علمت حياة سوء * * * وموتك قد يسر الصالحينا

والتمس انسانا يهجوه فلم يجده فانشأ يقول:

أبت شفتاي اليوم إلا تكلما * * * بشر فما ادري لمن انا قائله
وجعل يردد البيت، ولا يرى انسانا حتى اذا طلع على حوض فرأى وجهه فقال:
أرى لي وجها شوه الله خلقه * * * فقبح من وجه وقبح حامله(٣٩٢)

هذا هو الحطيئة فهل خفى حاله على الدكتور حتى يستبعد منه ان يمدح الوليد ويهجوه؟
وعلى أي حال فان طه حسين قد حاول تبرير الوليد، وتنزيهه عن الموبقات والآثام وإلحاقه بالامراء الصالحين الذين لم يجوروا عن القصد في حكمهم وقد قال فيه ما نصه:
(إن الوليد قد سار في اثناء ولايته على الكوفة سيرة فيها كثير جدا من الغناء وحسن البلاء. فهو لم يقصر في سد الثغور والامعان في الفتح، وإنما بلغ من ذلك غاية عرفت له وتحدث بها الناس في حياته وبعد موته وهو قد ساس الكوفة سياسة حزم وعزم ومضاء، فاقر الامن، وضرب على ايدي المفسدين من الاحداث والذين لا يرعون للنظام حرمة، ولا يرجون للدين وقارا.)(٣٩٣)
وهل يستطيع الدكتور ان يثبت ذلك ويدلنا على معالم تلك السياسة الرشيدة التي سار عليها الوليد وتحدث الناس بها في حياته وبعد وفاته، ولو كان الامر كما ذكره لما قام سعيد بن العاص ـ الذي عينه عثمان واليا على الكوفة بعد عزله للوليد ـ بغسل المنبر تحرجا من موبقات الوليد وآثامه. نعم لقد تحدث الناس، ولا زالوا يتحدثون عن مهازل الحكم الاموي الذي بنى على الاثرة والاستغلال والتحكم في رقاب المسلمين، وخيانة الامة، وقهرها واذلالها باستعمال الوليد وأمثاله من الماجنين والمستهترين حكاما وولاة عليها وإنا لنأسف من الدكتور ان يدافع عن هؤلاء الخونة الذين هم صفحة عار وخزي على الامة العربية والاسلامية.
ه ـ اقامة الحد عليه
واسرع قوم من الكوفيين ممن يهمهم الاصلاح الى يثرب ليعرضوا على عثمان جريمة الوليد، وانتهاكه لحرمة الاسلام، وقد صحبوا معهم خاتمه الذي انتزعوه منه وهو في حالة السكر، ولما انتهوا الى يثرب قابلوا عثمان، وشهدوا عنده ان الوليد قد شرب الخمر فزجرهم عثمان وقال لهم:
(وما يدريكما أنه شرب خمرا؟.)
(هى الخمر التي كنا نشربها في الجاهلية)
وأخرجوا له خاتمه الذي انتزعوه منه، فثار عثمان، وقام فدفع في صدورهم، وقابلهم بأمر القول، فانطلقوا الى امير المؤمنين(٣٩٤) وأخبروه بالامر فأقبل الامام الى عثمان وقال له: (دفعت الشهود وأبطلت الحدود؟)
(ما ترى؟)
(أرى ان تبعث الى صاحبك فان اقاما الشهادة في وجهه، ولم يدل بحجة أقمت عليه الحد.)
ولم يجد عثمان بدا من الاذعان، والاستجابة لقول الامام فكتب الى الوليد يأمره بالشخوص إليه، ولما وصلت رسالته إليه نزح عن الكوفة فانتهى الى يثرب، ودعا عثمان الشهود فأقاموا عليه الشهادة، ولم يدل الوليد بأي حجة يدافع بها عن نفسه، وامتنع حضار المجلس من القيام بحده نظرا لقربه من عثمان، فانبرى امير المؤمنين فأخذ السوط ودنا منه فسبه الوليد، وقال: يا صاحب مكس(٣٩٥) فاندفع عقيل بن أبي طالب، فرد على الوليد قائلا:
(إنك لتتكلم يا بن ابي معيط، كأنك لا تدري من أنت، وأنت علج من أهل صفورية ـ وهى قرية بين عكة واللجون من اعمال الاردن من بلاد طبرية، كان ذكوان اباه يهوديا منها ـ
وجعل الوليد يروغ من الامام فاجتذبه، وضرب به الارض وعلاه بالسوط، فثار عثمان، وقد علاه الغضب فقال للامام:
(ليس لك ان تفعل به هذا..)
(بلى وشر من هذا اذا فسق ومنع حق الله ان يؤخذ منه..)(٣٩٦)
واقام الامام عليه الحد وكان اللازم بعد هذا الحادث أن يبعده عثمان ولا يقربه إليه حتى يرتدع هو وغيره من ارتكاب المنكر والفساد ولكنه لم يلبث ان رق عليه وولاه صدقات كلب، وبلقين(٣٩٧) وكيف يؤتمن هذا الخليع الفاسق على صدقات المسلمين وأموالهم؟
إن الامصار الاسلامية التي استجد تأسيس بعضها، والتي لم يستجد تأسيسها كان يقيم فيها العربي وغيره من النازحين عن أوطانهم لطلب الرزق والعيش، والاسرى الذين كانوا يقيمون مع الفاتحين وكل اولئك كانوا جديدى عهد بالاسلام فكانوا ينتظرون من خليفة المسلمين وولي أمرهم ان يستعمل عليهم رجالا اترعت نفوسهم بالتقوى والصلاح، وتوفرت فيهم النزعات الخيرة ليكونوا قدوة لهم وهداة قبل ان يكونوا حكاما وامراء ولكن عثمان آثر في الحكم بنى أميّة وآل أبي معيط وهم لا يمثلون إلا الترف والدعارة والبطالة والفراغ والتهالك على اللذة والمجون.
٢ ـ سعيد بن العاص
وبعد ان اقترف الوليد تلك الجريمة النكراء اقصاه عثمان عن امارة الكوفة على كره منه، وكان من المتوقع ان يسند الحكم الى أحد اعلام الصحابة من الذين أبلوا في الاسلام بلاء حسنا، ولكنه عمد الى سعيد ابن العاص فولاه هذا المصر العظيم، وقد استقبله الكوفيون بالكراهية وعدم الرضا لأنه كان شابا مترفا(٣٩٨) لا يتحرج من الاثم ولا يتورع من الإفك روى ابن سعد أنه قال مرة في فطر رمضان ـ بعد أن ولي المصر ـ من رأى منكم الهلال؟ فقال إليه هاشم بن عتبة الصحابي العظيم (انا رأيته)
فوجه إليه لاذع القول وأقساه قائلا:
(بعينك هذه العوراء رأيته؟!)
فالتاع هاشم واجابه
(تعيرني بعينى، وإنما فقئت في سبيل الله ـ وكانت عينه اصيبت يوم اليرموك ـ).
واصبح هاشم في داره مفطرا عملا بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته) وفطر الناس لإفطاره، وبلغ ذلك سعيدا، فأرسل إليه وضربه، وحرق داره، وقد أثار حفائظ النفوس بهذا الاعتداء الصارخ على علم من أعلام الاسلام.
وأثر عنه انه قال: إنما السواد ـ اي سواد الكوفة ـ بستان لقريش فقام إليه الاشتر فقال له: أتجعل مراكز رماحنا، وما أفاء الله علينا بستانا لك ولقومك؟ والله لو رامه أحد لقرع قرعا يتصأصأ منه، وانضم الى الاشتر قراء المصر وفقهاؤهم فأيدوا مقالته، وغضب صاحب شرطة سعيد فرد عليهم ردا غليظا فقاموا إليه فضربوه ضربا منكرا حتى اغمي عليه، وقاموا من مجلسه وهم يطلقون ألسنتهم بنقده، ويذكرون مثالب عثمان، وسيئات قريش، وجرائم بنى أميّة وكتب سعيد الى عثمان بخبره بأمر هؤلاء، فأجابه عثمان ان يسيرهم الى الشام، وكتب في نفس الوقت الى معاوية يأمره باستصلاحهم.
والمهم ان هؤلاء لم يرتكبوا اثما او فسادا، ولم يقترفوا جرما حتى يستحقوا هذا التنكيل والنفى وانما نقدوا اميرهم لأنه شذ عن الطريق، وقال غير الحق، والاسلام قد منح الحرية التامة للمواطنين، ومنها حرية النقد للحاكمين إن سلكوا غير الجادة، وعدلوا عن الطريق القويم، فعلى اي وجه يصحح نفيهم عن اوطانهم وهم لم يخلعوا يدا عن طاعة ولم يفارقوا جماعة.. وعلى أي حال فقد اخرجهم سعيد بالعنف، وأرسلهم الى الشام الى بلد لا يألفون الى اهلها ولا يسكنون الى من فيها، وتلقاهم معاوية فانزلهم في كنيسة، واجرى عليهم بعض الرزق، وجعل يناظرهم، ويعظهم ولكنه لم ينجح في اقناعهم، فقد كان منطقهم منطق الاحرار، فأي، مزية تمتاز بها قريش حتى يكون السواد ملكا لها، وأي مأثرة صدرت لها حتى تمتاز على بقية العرب والمسلمين، ولما يئس منهم معاوية كتب الى عثمان يستعفيه من بقائهم في الشام خوفا من ان يفسدوا أهلها عليه، فأعفاه عثمان وأمره ان يردهم الى الكوفة، فعادوا إليها وهم مصرون على نقد الحكم القائم وأطلقوا السنتهم في ذكر مثالب سعيد ومعاوية وعثمان وأعاد سعيد الكتابة الى عثمان يطلب منه ابعاد القوم عن مصرهم، فأجابه عثمان الى ذلك، وأمره ان ينفيهم الى حمص والجزيرة فاخرجهم من وطنهم الى حمص، فقابلهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد عامل معاوية على حمص اعنف لقاء وأشده، وأخذ يسومهم سوء العذاب، ويقابلهم بأغلظ القول وأفحشه، وكان اذا ركب أمر بهم فساروا حول ركابه، ليظهر هوانهم واذلالهم، ويغري الناس بانتقاصهم ولما رأوا تلك القسوة اظهروا الطاعة وأعلنوا التوبة، وطلبوا منه ان يقيلهم من ذنوبهم فأقالهم، وكتب الى عثمان يسترضيه عنهم ويسأله العفو عنهم فأجابه الى ذلك وردهم الى الكوفة ونزح سعيد بن العاص الى يثرب في مهمة له فوجد القوم هناك يشكونه الى عثمان ويسألونه عزله، ولكن عثمان ابى وامتنع من اجابتهم، وأمره ان يرجع الى عمله فقفل القوم راجعين الى مصرهم قبله فاحتلوا الكوفة وأقسموا ان لا يدخلها سعيد ما حملوا سيوفهم، ثم خرجوا في جمع بقيادة الاشتر حتى بلغوا الجرعة، فانتظروا سعيدا فلما أقبل ردوه ومنعوه من دخول المصر، وأجبروا عثمان على عزله وتولية غيره فاستجاب عثمان على كره منه لذلك.(٣٩٩)
والمهم ان عثمان قد نكل بالناقدين لسعيد بن العاص وهم قراء المصر وفقهاؤه ونفاهم عن اوطانهم وبالغ في ارهاقهم من أجل شاب طائش لأنه من ذويه واسرته الامر الذي أوجب شيوع التذمر وانتشار السخط عليه، وكراهية الامة لحكمه.
٣ ـ عبد الله بن عامر
وعزل عثمان أبا موسى الاشعري عن ولاية البصرة، واختار لها ابن خاله عبد الله بن عامر بن كريز(٤٠٠) فولاها اياه وهو ابن أربع أو خمس وعشرين سنة(٤٠١) وبلغ ذلك ابا موسى فقال للناس: (يأتيكم غلام خراج ولاج، كريم الجدات والخالات والعمات يجمع له الجندان.(٤٠٢)
والمهم أنه ولاه هذا المصر العظيم وهو شاب حدث السن، وكان الاولى ان يختار له من خيار الصحابة وثقاتهم ليستفيد الناس من هديه وصلاحه، ولكنه عمد الى اختيار هذا الفتى لأنه ابن خاله، وقد سار في اثناء ولايته سيرة ترف وبذخ، فكان ـ كما قال الاشعري ـ ولاجا خراجا فهو أول من لبس الخز في البصرة، وقد لبس جبة دكناء فقال الناس: لبس الامير جلد دب، فغير لباسه ولبس جبة حمراء(٤٠٣) وقد انكر عليه عامر بن عبد الله التميمي الزاهد العابد وعاب عليه سياسته كما عاب على عثمان فقد روى الطبري: انه اجتمع ناس من المسلمين فتذاكروا أعمال عثمان، وما صنع فاجتمع رأيهم أن يبعثوا إليه رجلا يكلمه ويخبره باحداثه فارسلوا إليه عامر بن عبد الله، ولما التقى به قال له:
(إن ناسا من المسلمين اجتمعوا فنظروا في اعمالك فوجدوك قد ركبت امورا عظاما، فاتق الله عز وجل وتب إليه، وانزع عنها.)
فاحتقره عثمان وقد لسعه قوله فقال لمن حوله:
(انظروا الى هذا فان الناس يزعمون انه قارة ثم هو يجيء فيكلمنى في المحقرات، فو الله ما يدري أين الله؟.)
فقال له عامر: أنا لا أدري اين الله؟
ـ نعم
ـ اني لأدرى أن الله بالمرصاد
وارسل عثمان الى مستشاريه وعماله فعرض عليهم الامر فأشار عليه عبد الله بن عامر فقال له:
(رأيي لك، يا أمير المؤمنين ان تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك، وان تجمهرهم في المغازي حتى يذلوا لك، فلا يكون همة احدهم إلا نفسه وما هو فيه من دبر دابته وقمل فروته..)
واشار عليه آخرون بغير ذلك إلا انه استجاب الى رأى عبد الله فرد عماله، وأمرهم بالتضييق على من قبلهم، وأمرهم بتجمير الناس في البعوث، كما عزم على تحريم اعطياتهم ليطيعوه، ويحتاجوا إليه.(٤٠٤)
ولما وصل عبد الله بن عامر الى البصرة عمد الى التنكيل بعامر بن عبد الله، فقد اوعز الى عملائه واذنابه أن يشهدوا عنده بأن عامرا قد خالف المسلمين في امور أحلها الله فهو لا يأكل اللحم، ولا يرى الزواج ولا يشهد الجمعة(٤٠٥) ورفع تقريرا الى عثمان فامره بنفيه الى الشام على قتب فحمل إليها، وانزله معاوية (الخضراء) وبعث إليه بجارية، وأمرها ان تتعرف على حاله وتكون عينا عليه، فرأت أنه يقوم في الليل متعبدا ويخرج من السحر فلا يعود إلا بعد العتمة ولا يتناول من طعام معاوية شيئا، وكان يجىء بكسر من الخبز وبجعلها في ماء، ويشرب من ذلك الماء، فأخبرته الجارية بشأنه، فكتب معاوية الى عثمان بأمره، فأوعز إليه بصلته(٤٠٦)
وقد نقم المسلمون من عثمان لأنه نفى رجلا من صلحاء المسلمين(٤٠٧) وأبعده عن اهله ووطنه لأنه نقد عماله وعاب ولاته، وليس لولي الامر الصلاحية في هذا النفي فانه إنما شرع لمن حارب الله ورسوله وسعى في الارض فسادا.
وعلى اي حال فان عبد الله بن عامر ظل واليا على البصرة الى أن قتل عثمان فلما سمع بمقتله نهب ما في بيت المال، وسار الى مكة فوافى بها طلحة والزبير وعائشة فانضم إليهم، وأمد المتمردين بالاموال، وكان من عزمهم ان يتوجهوا الى الشام إلا انه صرفهم عنه، وأشار عليهم بالمسير الى البصرة(٤٠٨).
٤ ـ معاوية بن أبي سفيان
ومعاوية بن أبي سفيان اكثر ولاة عثمان حظا، وأعظمهم نفوذا، واسبقهم امرة كما ان شعبه من اكثر الشعوب طاعة واخلاصا له قد أحبه وأحبهم، وقد منحه عمر بالامارة، وحباه بالولاية، وأيده بجميع ألوان التأييد فرفع شأنه، وأعلا قدره فكان في كل سنة يحاسب عماله، ويشاطرهم أموالهم وان اكتسبوها بالتجارة او ربحوها بسائر الوجوه المشروعة، سوى معاوية فانه لم يحاسبه، ولم يشاطره، ولم يتفقد اموره وانما كان يضفى عليه المديح والثناء، ويبالغ في تسديده والاعتذار عنه، فكانوا يقولون له: إنه يلبس الديباج والحرير وهو لباس محرم في الاسلام، وانه يسرف ويبذخ وهو مجاف للنظم الادارية التي جاء بها الاسلام فانها تلزم الولاة بالاقتصاد وعدم البسط في العيش من أموال المسلمين.
كانوا يقولون لعمر ذلك: فيعتذر عنه، ويقول: ذاك كسرى العرب، ولو فرضنا انه كان كذلك فهل يباح له أن يلبس المحرم، ويسرف في أموال المسلمين؟ ولم يكتف بهذا المد والتأييد، فقد نفخ فيه روح الطموح، وفتح له باب الامل بالخلافة، فقد قال لأعضاء الشورى: (ان تحاسدتم وتقاعدتم، وتدابرتم، وتباغضتم، غلبكم على هذا معاوية بن ابي سفيان، وكان إذ ذاك أميرا على الشام(٤٠٩) وقد دفعه ذلك الى الاتجاه للخلافة، واتخاذ جميع الوسائل للظفر بالحكم، واعلانه للتمرد على حكومة الامام أمير المؤمنين، ومناجزته له، كما سنذكر ذلك بالتفصيل في غضون هذا الكتاب.
وعلى اي حال فقد ظل معاوية واليا على الشام والاردن طيلة خلافة عمر يتصرف حيثما شاء، قد استأثر بالاموال فشرى بها الضمائر، واحاط نفسه بالاتباع لا رقيب عليه، ولم توجه له اي مسئولية، وانما يرى التسديد، والمديح والرضا بما يعمل، وبعد وفاة عمر أقره عثمان على عمله، وزاد في سلطانه فضم إليه فلسطين بعد موت عاملها عبد الرحمن ابن علقمة الكناني، كما ضم إليه حمص بعد ان استعفاه عاملها عمير بن سعد الانصاري، وبذلك خلصت له ارض الشام كلها، واصبح من اعظم الولاة قوة، ومن اكثرهم نفوذا، واصبح قطره من اهم الاقطار الاسلامية وامنعها واكثرها هدوءا واستقرارا.
ومما لا شبهة فيه ان عثمان قد زاد في نفوذه، ووسع رقعة سلطانه، ومهد له نقل الخلافة الاسلامية الى آل ابي سفيان، وقد صرح بذلك الدكتور طه حسين قال ما نصه:
(وليس من شك في ان عثمان هو الذي مهد لمعاوية ما اتيح له من نقل الخلافة ذات يوم الى آل أبي سفيان وتثبيتها في بنى أميّة. فعثمان هو الذي وسع على معاوية في الولاية فضم إليه فلسطين وحمص، وأنشأ له وحدة شامية بعيدة الارجاء، وجمع له قيادة الاجناد الاربعة، فكانت جيوشه أقوى جيوش المسلمين. ثم مد له في الولاية أثناء خلافته كلها كما فعل عمر، واطلق يده في امور الشام اكثر مما اطلقها عمر. فلما كانت الفتنة نظر معاوية فاذا هو أبعد الامراء بالولاية عهدا وأقواهم جندا وأملكهم لقلب رعيته.)(٤١٠)
إن عثمان قد عبّد له الطريق، وأتاح له الفرصة لمنازعة أمير المؤمنين ومحاربته، وارتكابه لفظائع المنكرات والموبقات، وقتله صلحاء المسلمين وثقاتهم كحجر بن عدي واخوانه المؤمنين، وغير ذلك من المآثم والجرائم
٥ ـ عبد الله بن سعد
وحبا عثمان اخاه من الرضاعة عبد الله بن سعد بن أبي سرح بولاية مصر، ومنحه إمارة هذا القطر العظيم فجعل بيده امر صلاته وخراجه(٤١١) وقبل ذلك منحه الاموال الطائلة، ووهبه خمس غنائم إفريقية، ولم يكن خليقا بذلك كله لأن له تأريخا أسودا حافلا بالآثام والموبقات فقد ارتد مشركا بعد اسلامه، وصار الى قريش بمكة يسخر بالنبي ويقول لهم: اني اصرفه حيث اريد، واهدر النبي دمه يوم الفتح، وان وجد متعلقا باستار الكعبة، ففر الى عثمان، واستجار به فغيبه، وبعد ما اطمأن أهل مكة أتى به الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فصمت طويلا ثم آمنه وعفا عنه فلما انصرف عثمان قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما صمت الا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه، فقال له رجل من الانصار: هلا أومأت الي يا رسول الله؟ فقال: إن النبي لا ينبغى ان تكون له خائنة الاعين(٤١٢)
ونزل القرآن الكريم بكفره وذمه قال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ)(٤١٣) واجمع المفسرون أنه هو المعنى بهذه الآية، وسبب ذلك انه لما نزلت الآية (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ) دعاه النبي فأملاها عليه فلما انتهى الى قوله: (ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ) عجب عبد الله في تفصيل خلق الانسان فقال: تبارك الله أحسن الخالقين، فقال النبي: هكذا انزلت علي فشك عبد الله، وقال: لئن كان محمد صادقا لقد اوحي الي كما اوحى إليه، وإن كان كاذبا لقد قلت كما قال: فارتد عن الاسلام ولحق بالمشركين(٤١٤)
أمثل هذا المرتد الذي سخر بالنبي ورجع عن حظيرة الاسلام يكون واليا على المسلمين وتسلم له قيادتهم، ويكون مؤتمنا على أموالهم، ودمائهم إن ذلك والله هو الرزء القاصم الذي يذيب لفائف القلوب، وتذوب النفوس من هوله اسى وحسرات، أتعطي امارة المسلمين، وتمنح اقطارهم وامصارهم الى اعداء الاسلام وخصومه الذين لم يألوا جهدا في البغى على الاسلام والكيد له فانا لله وإنا إليه راجعون.
وعلى اي حال فقد مكث الرجل واليا على مصر سنين، وكلف المصريين فوق ما يطيقون، وساسهم سياسة عنف وجور، واظهر الكبرياء والغطرسة، فضجر الناس منه، وسئموا حكمه فخف أخيارهم يشكونه الى عثمان فبعث إليه رسالة يتهدده فيها، ويتوعده بالعزل ان لم يئوب الى الرشاد ولكنه ابى أن ينزع عما نهاه، ونكل بمن شكاه الى عثمان حتى قتله فخرج سبع مائة رجل من مصر الى يثرب فنزلوا الجامع، وشكوا الى اصحاب النبيّ ما صنع بهم ابن ابي سرح، فانبرى طلحة الى عثمان فكلمه بكلام شديد، وأرسلت إليه عائشة ان ينصف القوم من عاملهم، ودخل عليه أمير المؤمنين فقال له:
(إنما يسألك القوم رجلا مكان رجل، وقد ادعوا قبله دما فأعزله عنهم، واقض بينهم، فان وجب عليه حق فانصفهم منه).
فاستجاب لذلك، وقال لهم: اختاروا رجلا اوليه عليكم مكانه، فاشار الناس عليه بمحمد بن ابي بكر فكتب عهده الى مصر، ووجه معه عدة من المهاجرين والانصار ينظرون فيما بينهم وبين ابن ابي سرح(٤١٥) ونزحوا عن يثرب فلما بلغوا الى المحل المعروف (بحمس) وإذا بقادم من المدينة تأملوه فاذا هو ورش غلام عثمان فتفحصوا عن حاله واذا يحمل رسالة الى ابن ابي سرح يأمره التنكيل بالقوم، تأملوا الكتاب فاذا هو بخط مروان، فرجعوا الى يثرب، وصمموا على خلع عثمان او قتله.
إن عثمان قد سمى لحتفه بظلفه، وجر البلاء لنفسه، وعرض الامة للخطوب والويلات في سبيل اسرته، وتدعيم كيانها، ولو أنه استجاب لرأي الامام، والناصحين له فاقصى بنى أميّة عن مراكز الحكم لكان بمنجاة عن تلك الثورة التي اودت بحياته، وفتحت باب الفتن بين المسلمين، وفرقت كلمتهم، وجعلتهم احزابا (كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض عماله وولاته الذين ما استعملهم الا اثرة ومحاباة.
تنكيله بالصحابة:
ونكل عثمان بخيار المسلمين وثقاتهم من الذين أبلوا في الاسلام بلاء حسنا. وساهموا في بنائه، لأنهم عابوا عليه سياسته، وطلبوا منه أن يسير على المحجة البيضاء، ويهتدي بسنة الرسول، ويقتفى اثره، فلم يستجب لارشادهم ولم يثب لنصحهم، فشددوا عليه في المعارضة والنكير فصب عليهم جام غضبه، وبالغ في اضطهادهم وارهاقهم، وهم كما يلي:
١ ـ عبد الله بن مسعود
وعبد الله بن مسعود اشبه الناس هديا وسمتا برسول الله صلى الله عليه وآله(٤١٦) ويقول فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من سره ان يقرأ القرآن غضا او رطبا كما انزل فليقرأه على قراءة ابن أمّ عبد)(٤١٧) واثنى عليه قوم عند أمير المؤمنين فقال عليه السلام: أقول فيه مثل ما قالوا: وهو أفضل من قرأ القرآن، وأحل حلاله، وحرم حرامه، فقيه في الدين، عالم بالسنة(٤١٨) وهو ممن نزلت فيهم الآية الكريمة(٤١٩) (الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ)(٤٢٠) وهو أيضا ممن نزلت فيهم الآية(٤٢١) قال تعالى: (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ)(٤٢٢)
ان عبد الله بن مسعود من أقطاب المسلمين في هديه، وصلاحه، وورعه، وتحرجه في الدين، سيره عمر في عهده الى الكوفة مع عمار بن ياسر، وكتب لأهل الكوفة كتابا جاء فيه:
(إني قد بعثت عمار بن ياسر اميرا وعبد الله بن مسعود معلما ووزيرا وهما من النجباء من اصحاب رسول الله من اهل بدر فاقتدوا بهما، واطيعوا واسمعوا قولهما وقد آثرتكم بعبد الله على نفسى(٤٢٣)
وبقى ابن مسعود في الكوفة طيلة خلافة عمر وهو يفقه المسلمين في دينهم، ويعلمهم كتاب الله، ويغذيهم بمعارف الاسلام وهديه ويرشدهم الى سواء السبيل، وكان في نفس الوقت خازنا لبيت المال، ولما آل الامر الى عثمان وبعث الوليد واليا على الكوفة جرت بينه وبين الوليد مشادة ـ ذكرناها عند البحث عن امارة الوليد على الكوفة ـ أوجبت أن يستقيل من منصبه وبقى في الكوفة وقتا ثم غادرها فشيعه الكوفيون وحزنوا على فراقه، وقالوا له عند وداعه:
(جزيت خيرا فلقد علمت جاهلنا، وثبت عالمنا، وأقرأتنا القرآن وفقهتنا في الدين، فنعم أخو الاسلام أنت، ونعم الخليل)
ثم ودعوه وانصرفوا وواصل ابن مسعود المسير حتى انتهى الى يثرب وكان عثمان على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطب فلما رآه قال للمسلمين وأشار الى ابن مسعود (ألا انه قدمت عليكم دويبة سوء، من يمشي على طعامه يقىء ويسلح..).
أيشتم صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الكلام المر، ويقابل بمثل هذه الجفوة من أجل الوليد الذي خان الله ورسوله ونهب أموال المسلمين؟! ورد عليه ابن مسعود قائلا:
(لست كذلك، ولكني صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر، ويوم بيعة الرضوان.)
وقد اثار كلام عثمان حفائظ النفوس فاندفعت عائشة تعلن انكارها وسخطها عليه قائلة:
(أي عثمان. اتقول هذا لصاحب رسول الله؟!)
وأمر عثمان جلاوزته فاخرجوا الصحابي العظيم من المسجد اخراجا عنيفا، وقام إليه عبد الله بن زمعة فضرب به الارض، وقيل بل احتمله (يحموم) غلام عثمان ورجلاه تختلفان على عنقه حتى ضرب به الارض فدق ضلعه.
وثار أمير المؤمنين فانبرى الى عثمان فقال له:
ـ يا عثمان، أتفعل هذا بصاحب رسول صلى الله عليه وآله وسلم بقول الوليد بن عقبة؟؟
ـ ما بقول الوليد فعلت هذا، ولكن وجهت زبيد بن الصلت الكندي الى الكوفة، فقال له ابن مسعود: إن دم عثمان حلال
ـ احلت عن زبيد على غير ثقة!!(٤٢٤)
وحمل امير المؤمنين ابن مسعود الى منزله فقام برعايته حتى أبل من مرضه، فقاطعه عثمان، وهجره، ولم يأذن له في الخروج من يثرب، كما قطع عطاءه، ومرض ابن مسعود مرضه الذي توفى فيه فدخل عليه عثمان عائدا فقال له:
ـ ما تشتكي؟
ـ ذنوبي
ـ فما تشتهي؟؟
ـ رحمة ربي
ـ ألا ادعو لك طبيبا؟
ـ الطبيب امرضني
ـ آمر لك بعطائك
ـ منعتنيه وأنا محتاج إليه، وتعطينه وأنا مستغن عنه
ـ يكون لولدك
ـ رزقهم على الله
ـ استغفر لي يا ابا عبد الرحمن؟
ـ أسأل الله ان يأخذ لي منك بحقى
وانصرف عثمان ولم يظفر برضائه ولما ثقل حاله اوصى ان لا يصلي عليه عثمان، وان يصلي عليه صاحبه عمار بن ياسر، ولما انتقل الى دار الحق قامت الصفوة من اصحابه بأمره فدفنوه بالبقيع، ولم يخبروا عثمان فلما علم غضب وقال: سبقتموني، فرد عليه الطيب ابن الطيب عمار بن ياسر قائلا:
(انه اوصى ان لا تصلي عليه..)
وقال ابن الزبير:

لأعرفنك بعد الموت تندبني * * * وفى حياتي ما زودتني زادي(٤٢٥)

لقد صب عثمان جام غضبه على ابن مسعود فاهانه وحقره وجفاه، وقطع عطاءه، واوعز الى شرطته بضربه، وفرض عليه الاقامة الجبرية في يثرب، ولم يرع شبهه بالنبي في هديه وسمته، وماله من عظيم الجهاد وحسن البلاء في الاسلام، لقد نقم منه عثمان لأنه انكر عليه منحه للوليد أموال المسلمين وهو خازن لها، ولم يجد اي مبرر لهذا التلاعب في ميزانية الدولة، فراح بوحى من دينه وعقيدته ينكر عليه ويشجب تصرفاته.
٢ ـ أبو ذر
وأبو ذر أعظم شخصية عرفها التأريخ الاسلامى فقد تجسدت فيه جميع طاقات الاسلام، وعناصره ومقوماته، ووعى حقيقة الاسلام، وتغذى بجوهره وواقعه، وهو اقدم من سبق الى اعتناقه والايمان به(٤٢٦) وجهر بالشهادتين أمام قريش فانبرت إليه عتاتهم فأوجعوه ضربا، والهبوا جسمه بالسياط حتى كاد أن يتلف(٤٢٧) ولم يثنه ذلك فقد انطلق كالمارد الجبار يدعو قومه الى الاسلام، وهجر الاوثان، وكان من ابرز الصحابة في علمه وورعه وتقواه وزهده وتحرجه في الدين، وقد أثر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال فيه:
(ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة اصدق من أبي ذر، من سره أن ينظر الى زهد عيسى بن مريم فلينظر الى ابي ذر..)(٤٢٨).
لقد كان ازهد الناس في الدنيا، وأقلهم احتفالا بمنافعها، وأشدهم خوفا من الله وانصرافا عن اباطيل الحياة، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأتمنه حين لا يأتمن أحدا، ويسر إليه حين لا يسر الى احد(٤٢٩) وهو أحد الثلاثة الذي أحبهم الله، وامر نبيه بحبهم(٤٣٠) كما انه احد الثلاثة الذين تشتاق لهم الجنة(٤٣١).
ولما حدثت الفتن، واستأثر عثمان مع بني أميّة بأموال المسلمين فكنزوا لأنفسهم، واكثروا من شراء الضياع وبناء القصور وقف أبو ذر عملاق الامة الاسلامية فأخذ يندد، ويهدد عثمان، ويدعو المسلمين الى الثورة، وقلب الحكم، واعادة النظام الاسلامي الحافل بكل مقومات النهوض والارتقاء وتطبيق سياسته البناءة على واقع الحياة.
إن صيحة ابي ذر كانت صيحة رجل يقظ وعى الاسلام، ووقف على اهدافه، واحاط بواقعه فانه ليس من الاسلام في شيء أن تستغل أموال المسلمين، وتمنح للوجوه والاعيان، فيمعنون في التلذذ والاسراف وقد اخذ الفقر بخناق المسلمين، وعمت في بلادهم المجاعة والفاقة والبطالة فانكر أبو ذر ذلك، واندفع بوحي من عقيدته الى تلك الصيحة التي دوخت عثمان وانكرها المستغلون من اتباعه. يقول الاستاذ السيد قطب: (إن صيحة ابي ذر كانت دفعة من دفعات الروح الاسلامى أنكرها الذين فسدت قلوبهم ولا يزال ينكرها امثالهم من مطايا الاستغلال في هذه الايام، لقد كانت هذه الصيحة يقظة ضمير لم تخدره الاطماع امام تضخم فاحش في الثروات يفرق الجماعة الاسلامية طبقات، ويحطم الاسس التي جاء هذا الدين ليقيمها..)(٤٣٢)
وانطلق أبو ذر يوالي انكاره، ومعارضته للحكم القائم لا يعبأ به، ولا يبالي بشدة ارهابه وقسوته فكان يقف على اولئك الذين منحهم عثمان بهباته فيتلو قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) ورفع ذلك مروان بن الحكم الى عثمان فارسل إليه ينهاه عن ذلك فقال أبو ذر:
(اينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله... فو الله لأن ارضي الله بسخط عثمان أحب الي وخير لي من أن اسخط الله برضاه..)
فالتاع عثمان من ذلك، ولكنه كظم غيظه، وقد أعياه امر ابي ذر وضاق به ذرعا.
نفيه الى الشام
واستمر صاحب رسول الله في اداء رسالته الاصلاحية لم يصانع ولم يحاب، وانما يبغي الحق ويلتمس وجه الله ورضاه، وقد وجد عليه عثمان وامر بنفيه الى الشام، ويقول الرواة: إن السبب في ذلك هو ان عثمان سأل حضار مجلسه فقال لهم:
(أيجوز ان يأخذ من المال فاذا ايسر قضى؟)
فانبرى كعب الاحبار فأجاب عن سؤاله فقال:
(لا ارى بذلك بأسا..)
ولما رأى أبو ذر كعب الاحبار يتدخل في امور الدين وهو يهودي النزعة، ويشك في اسلامه غضب من ذلك ورد عليه قائلا:
(يا ابن اليهوديين. أتعلمنا ديننا؟)
فثار عثمان وقال له:
(ما اكثر أذاك، وأولعك بأصحابي؟ الحق بمكتبك في الشام.)
وذهب أبو ذر الى الشام، فلما انتهى إليها ورأى منكرات معاوية وبدعه جعل ينكر على معاوية ويندد بالسياسة الاموية، ويذيع مساوئ عثمان وبعد سيرته عن سيرة الرسول وسنته، وقد نقم من معاوية حينما قال: المال مال الله، فقال له: المال مال المسلمين، وانكر عليه بناء الخضراء التي انفق عليها الاموال الطائلة من بيت المال فكان يقول له:
(يا معاوية إن كانت هذه الدار من مال الله فهي الخيانة، وان كانت من مالك فهذا الاسراف؟)
واخذ يوقظ النفوس، ويبعث روح الثورة على معاوية فكان يقول لأهل الشام:
(والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها. والله ما هي في كتاب الله ولا في سنة نبيه، والله اني لأرى حقا يطفأ، وباطلا يحيى، وصادقا يكذب، وأثرة بغير تقى، وصالحا مستأثرا عليه..)(٤٣٣)
وكان الناس يسمعون قوله، ويؤمنون بحديثه، وخاف معاوية من دعوة أبي ذر فكتب الى عثمان يخبره بخطره على الشام، فكتب عثمان إليه ان يرسله على اغلظ مركب وأوعره، فارسله معاوية مع جماعة لا يعرفون مكانته، ولا يحترمون مقامه فساروا به ليلا ونهارا حتى تسلخت بواطن أفخاذه وكاد ان يتلف، ولما بلغ المدينة مضى في دعوته فكان ينكر على عثمان أشد الانكار ويقول له:
(تستعمل الصبيان، وتحمى الحمى(٤٣٤) وتقرب أولاد الطلقاء؟!)
وانطلق يبين للمسلمين ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذم الامويين، ومدى خطرهم على الاسلام يقول: قال رسول الله:
(اذا كملت بنو أمية ثلاثين رجلا اتخذوا بلاد الله دولا، وعباد الله خولا ودين الله دغلا..)
واصدر عثمان اوامره بمنع مجالسة أبي ذر، كما حرم الكلام معه، والاختلاط به.
نفيه الى الربذة
وثقل أبو ذر على عثمان، وضاق به ذرعا، فقد ايقظ النفوس، واوجد فيها وعيا أصيلا يبعثها على الثورة العارمة، والاجهاز على النظام القائم الذي آثر الاغنياء بأموال الدولة، وحجبها عن المصالح العامة، الامر الذي أدى الى فقدان التوازن في الحياة الاقتصادية، وشيوع الفقر والمجاعة في البلاد.
ورأى عثمان ان خير وسيلة له من الخطر الذي يتهدده ابعاد ابي ذر عن يثرب ونفيه عن سائر الامصار الاسلامية الى بعض المجاهل والقرى التي لا تزدحم بالسكان، فأرسل خلفه فلما حضر بادره أبو ذر بالكلام فقال له:
(ويحك يا عثمان!! أما رأيت رسول الله، ورأيت ابا بكر وعمر هل رأيت هذا هديهم؟ إنك لتبطش بي بطش الجبارين.)
فقطع عثمان كلامه، وصاح به
ـ اخرج عنا من بلادنا
ـ اتخرجني من حرم رسول الله؟
ـ نعم وانفك راغم
ـ اخرج الى مكة؟
ـ لا
ـ الى البصرة؟
ـ لا
ـ الى الكوفة
ـ لا
ـ الى اين اخرج؟
ـ الى الربذة حتى تموت فيها
وأوعز الى مروان باخراجه فورا من المدينة، وهو مهان الجانب محقر الكيان، وحرم على المسلمين ان يشايعوه ويخرجوا لتوديعه، ولكن أهل الحق، ومن طبعوا على نصرته ابوا إلا مخالفة عثمان فقد خف الامام أمير المؤمنين لتوديعه، ومعه عقيل وعبد الله بن جعفر، والحسن والحسين وبادر مروان الى الحسن فقال له:
(إيه يا حسن!! ألا تعلم ان عثمان قد نهى عن كلام هذا الرجل؟
فان كنت لا تعلم فاعلم ذلك..)
فحمل امير المؤمنين عليه، وضرب أذنى راحلته بالسوط، وصاح به: تنح نحاك الله الى النار، وولى مروان منهزما الى عثمان يخبره بالحال.
ووقف الامام أمير المؤمنين على أبي ذر فودعه والقى إليه كلمات كانت له سلوى طيلة حياته في تلك البقعة الجرداء قال له:
(يا أبا ذر، انك غضبت لله فارج من غضبت له، إن القوم خافوك على دنياهم، وخفتهم على دينك، فاترك في أيديهم ما خافوك عليه، واهرب بما خفتهم عليه، فما احوجهم الى ما منعتهم وما اغناك عما منعوك، وستعلم من الرابح غدا، والاكثر حسدا؟ ولو ان السموات والارض كانتا على عبد رتقا، ثم اتقى الله لجعل الله منهما مخرجا، لا يؤنسنك إلا الحق، ولا يوحشنك إلا الباطل فلو قبلت دنياهم لأحبوك، ولو قرضت منها لآمنوك..)
وحدد الامام ـ بهذه الكلمات الرائعة ـ الموقف الرهيب الذي وقفه أبو ذر من عثمان فانه لم يكن من اجل المادة، ولا من اجل سائر الاعتبارات الاخرى التي يئول امرها الى التراب، وانما كان من أجل المبادئ الاصيلة والقيم العليا التي جاء بها الاسلام وهي تهيب بالحاكمين والمسئولين أن لا يستأثروا بأموال المسلمين، وقد جافى عثمان ذلك، وانتهج سياسة خاصة بنيت على الاستغلال والإثرة، فلهذا ثار أبو ذر في وجهه وناجزه، وقد خافه عثمان على ملكه وسلطانه، وخافه أبو ذر على دينه وعقيدته، وقد امره الامام ان يترك ما بأيديهم، ويهرب بدينه ليكون بمنجاة من شرور القوم وآثامهم.
وبيّن عليه السلام ـ في كلماته ـ اتجاه ابي ذر وميوله، فانه لا يؤنسه إلا الحق، ولا يوحشه إلا المنكر والباطل ولو انه غيّر اتجاهه فسالم القوم ووادعهم لأحبوه واخلصوا له، وأجزلوا له العطاء، ومنحوه الثراء.
وبادر إليه الامام الحسن فصافحه وودعه، وألقى عليه كلمات تنم عن قلب موجع لهذا الفراق قائلا:
(يا عماه. لو لا انه ينبغي للمودع أن يسكت، وللمشيع ان ينصرف لقصر الكلام وإن طال الاسف، وقد اتى القوم إليك ما ترى، فضع عنك الدنيا بتذكر فراغها، وشدة ما اشتد منها برجاء ما بعدها، واصبر حتى تلقى نبيك، وهو عنك راض..).
لقد امره الامام الحسن عليه السلام بالصبر على ما انتابه من الكوارث والخطوب التي صبها عليه القوم ليلقى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو عنه راض.
والقى ابو ذر على أهل البيت نظرة مقرونة بالتفجع والاسى والحسرات وتكلم بكلمات يلمس فيها ذوب قلبه على هذا الفراق المرير قال:
(رحمكم الله يا أهل بيت الرحمة، اذا رأيتكم ذكرت بكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما لي بالمدينة سكن ولا شجن(٤٣٥) غيركم إني ثقلت على عثمان بالحجاز كما ثقلت على معاوية بالشام، وكره أن اجاور أخاه وابن خاله بالمصرين(٤٣٦) فأفسد الناس عليهما فسيرنى الى بلد ليس لي به ناصر ولا دافع إلا الله، والله ما أريد إلا الله صاحبا، وما اخشى مع الله وحشة..)
وانصرف أبو ذر طريدا في فلوات الارض شريدا عن حرم الله وحرم رسوله قد باعدته السياسة العمياء، وفرقت بينه وبين اهل البيت الذين يكن لهم أعمق الود وخالص الحب من أجل حبيبه وصاحبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
لقد مضى أبو ذر الى الربذة ليموت فيها جوعا، وفي يد عثمان ذهب الارض يصرفه على بني أمية، وعلى آل ابي معيط، ويحرمه على شبيه المسيح عيسى بن مريم في هديه وسمته.
ورجع الامام امير المؤمنين مع اولاده من توديع ابي ذر، وقد علاه الاسى والحزن فاستقبلته جماعة من الناس فاخبروه بغضب عثمان واستيائه منه لأنه خالف أمره وخرج لتوديع خصمه فقال عليه السلام:
(غضب الخيل على اللجم.)(٤٣٧)
وبادر عثمان الى الامام فقال له:
ـ ما حملك على رد رسولي؟
ـ اما مروان فانه استقبلني يردني فرددته عن ردي، وأما امرك فلم ارده
ـ او لم يبلغك أني قد نهيت الناس عن تشييع ابي ذر؟
ـ أو كل ما أمرتنا به من شيء يرى طاعة الله والحق في خلافه أتبعنا فيه أمرك؟!!
ـ أقد مروان
ـ وما أقيده؟
ـ ضربت بين اذني راحلته
ـ أما راحلتي فهي تلك، فإن اراد ان يضربها كما ضربت راحلته فليفعل، وأما أنا فو الله لئن شتمني لأشتمنك أنت بمثلها بما لا اكذب فيه ولا أقول إلا حقا.
ـ ولم لا يشتمك إذ شتمته، فو الله ما أنت عندي بأفضل منه.
وغضب الامام من عثمان لأنه ساوى بينه وهو من النبي بمنزلة هارون من موسى، وبين الوزغ ابن الوزغ مروان بن الحكم الذي لعنه رسول الله وهو في صلب أبيه، فقال عليه السلام له:
ـ إلي تقول هذا القول؟ وبمروان تعدلني؟!! فانا والله افضل منك وأبي افضل من أبيك، وأمي أفضل من أمك، وهذه نبلي قد نثلتها..).
فسكت عثمان، وانصرف الامام وهو ملتاع حزين منه لأنه لم يرع مقامه، ولم يلحظ جانبه وقرن بينه وبين مروان.
٣ ـ عمار بن ياسر
وعمار بن ياسر فذ من أفذاذ الاسلام، وعلم من أعلامه، وقطب من أقطابه، وصاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخليله لقي في سبيل الاسلام أعظم الجهد، وأمر البلاء، وعذب مع أبويه اعنف التعذيب وأقساه، فقد استضعفتهم جبابرة قريش فصبت عليهم وابلا من العذاب الأليم فألهبت ابدانهم بمكاوى النار، وضربتهم ضربا موجعا، ووضعت على صدورهم الاحجار الثقيلة، وصبت عليهم قربا من الماء، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجتاز عليهم فيرى ما هم فيه من المحنة والعذاب فتذوب نفسه اسى وحزنا، ويقول:
(اصبروا آل ياسر: موعدكم الجنة.)(٤٣٨)
ويقول وقد اضناه الحزن (اللهم اغفر لآل ياسر وقد فعلت..)(٤٣٩)
وبقيت هذه الاسرة التي وهبت حياتها لله تحت التعذيب والارهاق لم تحتفل بما تعانيه من ألم التعذيب وشدته وأصرت على ايمانها بدعوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي تسخر بأوثان قريش واصنامها فورم من ذلك أنف أبي جهل، وانتفخ سحره، وجعلت عيناه تقدحان شررا وغيظا فعمد الى سمية فطعنها في قلبها فماتت وهي اول شهيدة في الاسلام، وعمد الاثيم بعد ذلك الى ياسر فقتله.
وظل عمار تحت التعذيب حتى اعياه، وأرهقه فعرضت عليه قريش سب النبي والعدول عن دينه فاجابهم على كره فعفوا عنه، فانطلق الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبكي فجعل رسول الله يمسح عينيه، وقال: إن عادوا لك فعد لهم بما قلت، وانزل الله تعالى فيه:
(مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ.)(٤٤٠)
وملئت نفس عمار بالايمان بالله فكان الدين قطعة من طبعه، وعنصرا مقوما لمزاجه، وانزل الله فيه غير آية من القرآن كلها ثناء عليه وتمجيد له، واشادة به، وقد عناه تعالى بقوله: (أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ)(٤٤١) ونزلت فيه الآية الكريمة: (أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ)(٤٤٢) كما نزلت في الثناء عليه وفى ذم الوليد الآية المباركة وهي قوله تعالى: (أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ.)(٤٤٣)
واهتم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شأن عمار اهتماما بالغا فكان يرفع من شأنه، ويشيد بذكره، ويقدمه على غيره فقد رأى خالدا يغلظ له في القول فالتاع من ذلك وانبرى يقول: (من عادى عمارا عاداه الله، ومن أبغض عمارا ابغضه الله.)(٤٤٤) وجرت بينه وبين شخص مشادة فقال لعمار: سأعرض هذه العصا لأنفك، فلما سمع ذلك رسول الله (ص) غضب واندفع يقول: (ما لهم ولعمار يدعوهم الى الجنة، ويدعونه الى النار، إن عمارا جلدة ما بين عيني وأنفى فاذا بلغ ذلك من الرجل فاجتنبوه)(٤٤٥) ويقول فيه: (ما خير عمار بين امرين الا اختار ارشدهما)(٤٤٦)
وظل عمار موضع عناية النبي وتبجيله وتقديره لما يرى فيه من الاخلاص والزهد في الدنيا، والحب للحق وقد شهد مع النبي بدرا وأحدا والمشاهد كلها، وشارك في بناء المسجد النبوي فكان المسلمون يحمل كل واحد منهم لبنة لبنة، وهو يحمل لبنتين لبنتين، وهو يقول: (نحن المسلمين نبتنى المساجد) وكان النبي يرجع عليه بعض قوله فيقول (المساجد) وشارك كذلك في حفر الخندق وكان يمسح التراب عنه، وهكذا كان عمار في طليعة أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ايمانه واخلاصه وعظيم بلائه وعنائه في سبيل الاسلام، ولما انتقل النبي الى حضيرة القدس لازم أمير المؤمنين وكان متفانيا في حبه، ولا يرى أحدا خليقا بالخلافة غيره ومن أجل ذلك تخلف عن بيعة أبي بكر واحتج عليه، وقد تقدم بيان ذلك ولما آل الامر الى عثمان، وسلك غير الجادة نقم منه عمار واشتد في معارضته والانكار عليه، وقد نكل به عثمان، واعتدى عليه، وقابله بافحش القول وأمره، وكان ذلك في مواضع عدة وهي:
١ ـ انه لما استأثر بالسفط، وحلى به بعض نسائه انكر عليه أمير المؤمنين، وايد عمار معارضته، كما تقدم بيانه قال له عثمان: أعليّ يا بن المتكاء(٤٤٧) تجترئ؟ واوعز الى شرطته بأخذه فأخذوه وأدخلوه عليه فضربه حتى غشي عليه، وهو شيخ قد علاه الضعف وحمل الى منزل السيدة أم سلمة زوج النبي، ولم يفق من شدة الضرب حتى فاتته صلاة الظهرين والمغرب، فلما افاق توضأ وصلى العشاء، وقال: الحمد لله ليس هذا اول يوم أوذينا فيه في الله، وغضبت من اجل ذلك السيدة عائشة فاخرجت شعرا من شعر رسول الله وثوبا من ثيابه، ونعلا من نعاله، ثم قالت ما اسرع ما تركتم سنة نبيكم، وهذا شعره وثوبه ونعله لم يبل بعد وغضب عثمان حتى لا يدري ما يقول، ولا يعرف كيف يعتذر عن عمله؟(٤٤٨)
٢ ـ ان أعلام الصحابة رفعوا مذكرة لعثمان ذكروا فيها احداثه، ومخالفة سياسته للسنة، وانهم يناجزونه إن لم يثب الى الرشاد، ولم يغير خطته، وقد دفع إليه المذكرة عمار، فأخذها عثمان وقرأ صدرا منها فثار واندفع وهو مغيظ محنق فقال له:
ـ أعلي تقدم من بينهم؟؟!
ـ إني انصحهم لك
ـ كذبت يا ابن سمية
ـ أنا والله ابن سمية وابن ياسر
وأمر عثمان غلمانه فمدوا بيديه ورجليه، ثم ضربه عثمان برجليه، وهي في الخفين على مذاكيره فاصابه الفتق، وكان ضعيفا فأغمي عليه(٤٤٩)
٣ ـ ولما نفى عثمان أبا ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الى الربذة، وتوفى فيها غريبا، وجاء نعيه الى يثرب قال عثمان أمام جماعة من الصحابة:(;)
فاندفع عمار قائلا:
(نعم; من كل أنفسنا..)
فانتفخت اوداج عثمان، وقال لعمار بافحش القول، وأقساه:
(يا عاض أير أبيه، أتراني ندمت على تسييره؟)
وأمر غلمانه فدفعوا عمارا، وأرهقوه، كما أمر بنفيه الى الربذة، فلما تهيأ للخروج أقبلت بنو مخزوم الى امير المؤمنين فسألوه ان يذاكر عثمان في شأنه، فانطلق الامام إليه، وقال له:
ـ اتق الله، فانك سيرت رجلا صالحا من المسلمين فهلك في تسييرك ثم أنت الآن تريد ان تنفي نظيره؟ فثار عثمان وقال للامام:
ـ أنت احق بالنفي منه
ـ رم إن شئت ذلك
واجتمع المهاجرون فعذلوه، ولاموه على ذلك فاستجاب لقولهم، وعفا عن عمار(٤٥٠).
لقد بالغ عثمان في اضطهاد عمار وارهاقه، فضربه اعنف الضرب وأقساه، واغلظ له في القول، ولم يرع بلاءه في الاسلام، ونصرته للنبي في جميع المواقف والمشاهد، واهتمام النبي بشأنه، وتقديمه على غيره، وانه جلدة ما بين عينيه ـ على حد تعبيره ـ كل ذلك لم يلحظه فاعتدى عليه، ونقم منه لأنه أمره بالعدل، ودعاه الى الحق الواضح، والى الاعتدال في سياسته.
الى هنا ينتهي بنا الحديث عن تنكيله باعلام الصحابة من الذين سبقوا الى الاسلام، وجاهدوا اعظم الجهاد في سبيله، وهم ـ من دون شك ـ لم يكونوا مدفوعين بدافع الرغبة في الحكم أو الامرة على بعض الامصار والاقاليم الاسلامية، او الظفر بالمال، كل ذلك لم يدفعهم الى الصيحة عليه، وإنما رأوا أنه احدث من الاعمال ما ليست في كتاب الله، ولا في سنة نبيه، رأوا حقا يطفأ، وباطلا يحيى، وصادقا يكذب، وأثرة بغير تقى ـ كما يقول أبو ذر ـ من اجل ذلك اعلنوا نقمتهم وانكارهم عليه، وطالبوه بأن يسلك الجادة الواضحة، ويسير على الطريق القويم، ويتبع هدي النبي ويقتفى اثره.
الافتراء على الامام الحسن
وافترى بعض المؤرخين على الامام الحسن فزعم أنه كان عثماني الهوى وانه يكن له في دخائل نفسه أعمق الحب ومزيد الولاء والاخلاص، وقد حزن عليه بعد مقتله حزنا بالغا، وقد ذهب الى ذلك الدكتور طه حسين قال ما نصه:
(ولم يفارق الحسن حزنه على عثمان، فكان عثمانيا بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، إلا انه لم يسل سيفا للثأر بعثمان لأنه لم ير ذلك حقا له، وربما غلا في عثمانيته حتى قال لأبيه ذات يوم ما لا يحب فقد روى الرواة أن عليا مر بابنه الحسن وهو يتوضأ فقال له: اسبغ الوضوء فاجابه الحسن بهذه الكلمة المرة: (لقد قتلتم بالأمس رجلا كان يسبغ الوضوء) فلم يزد علي على ان قال: لقد اطال الله حزنك على عثمان.)(٤٥١)
إن السياسة التي انتهجها عثمان، والاحداث الجسام التي صدرت منه لم تترك له أي حميم أو صديق في البلاد فقد سخط عليه عموم المسلمين، وخافوه على دينهم، فكانت عائشة تخرج ثوب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتقول للداخلين إليها: هذا ثوب رسول الله لم يبل، وعثمان قد أبلى سنته، ونقم عليه حتى طلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف، وغيرهم ممن اغدق عليهم بالنعم والاموال، ولم يعد له أي صديق أو مدافع عنه سوى بني أمية وآل ابي معيط، وبعد هذه الكراهية الشاملة في نفوس المسلمين لعثمان كيف يكون الامام الحسن ـ الذي يحمل هدي جده الرسول ـ عثمانيا بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة ـ كما يقول طه حسين ـ لقد كان الحسن من جملة الناقمين على عثمان والناكرين عليه لأنه رأى ما لاقاه أصحاب أبيه كأبي ذر وعمار، وابن مسعود من الاضطهاد والارهاق، وشاهد ما لاقاه أبوه بالذات من الاستهانة بحقه، والاعتداء عليه حينما خرج لتوديع ابي ذر وبعد هذا كيف يكون الحسن عثمانيا، او مغاليا في حبه له؟!!
وأي مظهر من مظاهر الكآبة والحزن بدت من الامام الحسن على عثمان بعد مقتله، أفي قيامه بالدور البطولي في بعث الجماهير، واخراجها الى ساحة الحرب في موقعة الجمل التي اثيرت للطلب بدم عثمان، وقد كان معه في كثير من تلك المواقف عمار بن ياسر، وكان ينال من عثمان ويتهمه في دينه، ويقول فيه: قتلنا عثمان يوم قتلناه وهو كافر(٤٥٢) وكان الحسن يسنده، ويدعم أقواله، أو أنه ظهر منه الاسى على عثمان في حرب صفين الذي ثأر فيه معاوية للطلب بدم عثمان، ففى أي موقف أظهر الامام حزنه وأساه على عثمان؟؟
وأما الرواية التي استند إليها الدكتور طه حسين لتدعيم قوله، فقد رواها البلاذري عن المدائني(٤٥٣) الذي عرف بالنصب والعداء لأهل البيت وافتعال الروايات الحسنة في بني أميّة(٤٥٤) والغرض من وضع هذه الرواية أن يضفي على عثمان ثوب القداسة، ويجعل له رصيدا من الحب في نفوس صلحاء المسلمين، ومضافا لضعف سندها فيرد عليها بعض المؤاخذات وهي
١ ـ إن الامام امير المؤمنين قد تلطف في خطابه مع ولده الحسن، وبين له الحكم الشرعي، ولم يواجهه بلاذع القول فما الذي دعا الحسن ان يقابله بتلك الكلمات المرة، وهو وارث النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشبيهه في سمو أخلاقه وكريم طباعه.
٢ ـ إن الامام الحسن كان من جملة المدافعين عن عثمان ـ كما يقولون ـ وكان ذلك بأمر من أبيه فكيف يتهمه بقتل عثمان؟
٣ ـ إن الامام لم يكن له أي دخل في قتل عثمان، ولا في التآمر عليه، وإنما قتلته أعماله، وأجهزت عليه الاحداث التي ارتكبها، فكيف يتهم الحسن أباه بقتله؟
وبعد الاحاطة بما ذكرنا لا تبقى للرواية اي قيمة في سندها ولا في دلالتها، والغريب من الدكتور أن يعتمد عليها، ولا يمعن النظر فيها وفى امثالها من الروايات التي تعمد وضعها ذوو النزعات الاموية وأجراء السلطة
الثورة
وأخذ المسلمون يتحدثون في أنديتهم عن مظالم عثمان، وعن احداثه واستبداده بشئونهم، وتبديده لثرواتهم، وتنكيله بأخيار الصحابة وأعلام الدين، وتلاعب مروان وبني أميّة بشئون الدولة، وغير ذلك من الاحداث الجسام، وقد انتشر التذمر، وعم السخط والاستياء جميع انحاء البلاد، فاجتمع أهل الحل والعقد، وذوو السابقة في الاسلام فكاتبوا الامصار يستنجدون بهم، ويطلبون منهم العون، وارسال القوات المسلحة للقيام بقلب الحكم القائم وهذا نص مذكرتهم لأهل مصر:
(من المهاجرين الاولين وبقية الشورى، الى من بمصر من الصحابة والتابعين، أما بعد: ان تعالوا إلينا وتداركوا خلافة رسول الله قبل أن يسلبها أهلها، فان كتاب الله قد بدل، وسنة رسوله قد غيرت، واحكام الخليفتين قد بدلت، فننشد الله من قرأ كتابنا من بقية اصحاب رسول الله والتابعين باحسان إلا أقبل إلينا، وأخذ الحق لنا، وأعطاناه، فأقبلوا إلينا ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وأقيموا الحق على المنهاج الواضح الذي فارقتم عليه نبيكم، وفارقكم عليه الخلفاء، غلبنا على حقنا، واستولى على فيئنا، وحيل بيننا وبين أمرنا، وكانت الخلافة بعد نبينا خلافة نبوة ورحمة، وهي اليوم ملك عضوض، من غلب على شيء أكله..)(٤٥٥)
وحفلت هذه الرسالة بذكر الاحداث الخطيرة التي ابتلي بها العالم الاسلامي من جراء الحكم القائم وهي:
١ ـ تبديل كتاب الله، والغاء أحكامه العادلة
٢ ـ تغيير سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم واهمال ما اثر عنه في عالم الحكم والسياسة
٣ ـ الاعراض عن سيرة الشيخين
٤ ـ استئثار السلطة بالفيء وصرفه على مصالحها الخاصة
٥ ـ صرف الخلافة الاسلامية عن مفاهيمها البناءة، وطاقاتها الثرة الى ملك عضوض لا يعتني باهداف الامة، ولا يرع مصالحها
وقد اوجبت هذه الاحداث زعزعة الكيان الاسلامي، وتهديد الحياة الاسلامية بالدمار، وقد واصل الناقمون على عثمان جهادهم فبعثوا برسالة أخرى الى المرابطين في الثغور من اصحاب النبي يطلبون منهم القدوم الى يثرب لإقامة الخلافة، وهذا نص رسالتهم:
(انكم انما خرجتم ان تجاهدوا في سبيل الله عز وجل، تطلبون دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم فان دين محمد قد أفسده خليفتكم فاقيموه..)
واستجابت الامصار الاسلامية لهذا النداء فارسلت وفودها الى يثرب للاطلاع على الاوضاع الراهنة ودراسة الموقف، وما يحتاجه من علاج، والوفود التي أقبلت هي:
أ ـ الوفد المصري
وأرسلت مصر وفدا عدده اربع مائة شخص، وقيل اكثر من ذلك بقيادة محمد بن أبي بكر، وعبد الرحمن بن عديس البلوي
ب ـ الوفد الكوفي
وأرسلت الكوفة وفدها بقيادة الزعيم مالك الاشتر، وزيد بن صوحان العبدي، وزياد بن النضر الحارثي، وعبد الله بن الاصم العامري، وعلى الجميع عمرو بن الاهثم
ج ـ الوفد البصري
ونزح من البصرة حكيم بن جبلة في مائة رجل، ولحقه بعد ذلك خمسون، وفيهم ذريح بن عباد العبدي وبشر بن شريح القيسي، وابن المحرش وغيرهم من الاعيان والوجوه
ورحبت الصحابة بالوفود، واستقبلتها بمزيد من الابتهاج والشكر وأخذت تذكر لها احداث عثمان التي لا تتفق بظاهرها وواقعها مع الدين وحرضوها على الايقاع به والاجهاز عليه لتستريح الامة من حكمه.
ورأى الوفد المصري ـ قبل كل شيء ـ أن يرفع مذكرة الى عثمان يدعوه فيها الى التوبة والاستقامة في سياسته فكتبوا ذلك، وهذا نصه:
(أما بعد فاعلم ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم فالله الله ثم الله الله، فانك على دنيا فاستتم معها آخرة، ولا تنسى نصيبك من الآخرة، فلا تسوغ لك الدنيا، واعلم انا لله ولله نغضب، وفي الله نرضى وإنا لن نضع سيوفنا عن عواتقنا حتى تأتينا منك توبة مصرحة أو ضلالة مجلحة مبلجة(٤٥٦) فهذه مقالتنا لك وقضيتنا إليك والله عذيرنا منك والسلام..)(٤٥٧)
واضطرب عثمان من الامر، وقرأ الرسالة بامعان، وأحاط الثوار به فبادر إليه المغيرة وطلب منه الاذن بالكلام معهم، فاذن له وانطلق إليهم فلما رأوه صاحوا به
(يا أعور وراءك! يا فاجر وراءك! يا فاسق وراءك!)
فرجع خائبا ودعا عثمان عمرو بن العاص، وطلب منه ان يكلم القوم فمضى إليهم وسلم فما ردوا عليه السلام، وقالوا له:
(ارجع يا عدو الله! ارجع يا ابن النابغة! فلست عندنا بأمين ولا مأمون) وعلم عثمان ان لا ملجأ له إلا الامام أمير المؤمنين فاستغاث به، وطلب منه ان يدعو القوم الى كتاب الله وسنة نبيه، فأجابه الامام الى ذلك ولكن شرط عليه ان يعطيه عهد الله وميثاقه على الوفاء بما قال فأعطاه ذلك ومضى الامام الى القوم فلما رأوه قالوا له:
ـ وراءك!
ـ لا. بل امامي، تعطون كتاب الله، وتعتبون من كل ما سخطتم وعرض عليهم ما بذله عثمان لهم
ـ أتضمن ذلك عنه؟
ـ نعم
ـ رضينا
وأقبل وجوههم وأشرافهم مع أمير المؤمنين حتى دخلوا على عثمان، فعاتبوه على اعماله فاعتبهم من كل شيء، وطلبوا منه أن يكتب لهم كتابا يلتزم فيه على نفسه بالعمل على كتاب الله وسنة نبيه وتوفير الفيء للمسلمين فأجابهم الى ذلك، وكتب لهم ما نصه:
(هذا كتاب من عبد الله عثمان أمير المؤمنين لمن نقم عليه من المؤمنين والمسلمين أن لكم أن اعمل فيكم بكتاب الله وسنة نبيه، يعطى المحروم ويؤمن الخائف، ويرد المنفي، ولا تجمر في البعوث. ويوفر الفيء، وعلي ابن أبي طالب ضمين للمؤمنين والمسلمين، على عثمان الوفاء بما في هذا الكتاب)
وشهد فيه كل من الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد ابن مالك أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وسهل بن حنيف، وأبو ايوب خالد بن زيد، وكتب ذلك في ذي القعدة سنة خمس وثلاثين من الهجرة، وأخذ القوم الكتاب وانصرفوا(٤٥٨)، وطلب منه الامام أمير المؤمنين ان يخرج الى الناس، ويعلن لهم أنه قد استجاب لهم ونفذ طلباتهم، ففعل عثمان ذلك، واعطى الناس عهدا ان يسير فيهم على كتاب الله وسنة نبيه، وأن يوفر لهم الفيء، ولا يؤثر به أحدا من أرحامه، وذوي قرباه، ورجع المصريون الى بلادهم، ودخل مروان على عثمان فقال له:
(تكلم واعلم الناس ان اهل مصر قد رجعوا، وان ما بلغهم عن امامهم كان باطلا، فان خطبتك تسير في البلاد قبل ان يتحلب الناس عليك من امصارهم فيأتيك من لا تستطيع دفعه..)
لقد دعاه ان يعلن الكذب، ويقول غير الحق فامتنع من اجابته ـ اولا ـ ولكنه انصاع أخيرا لقوله فخرج، واعتلى أعواد المنبر وقال:
(أما بعد: إن هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغهم عن امامهم أمر فلما تيقنوا أنه باطل ما بلغهم رجعوا الى بلادهم...)
واندفع المسلمون الى الانكار عليه فناداه عمرو بن العاص
(اتّق الله يا عثمان فانك قد ركبت نهابير(٤٥٩) وركبناها معك فتب الى الله نتب معك..)
فزجره عثمان وصاح به:
(وإنك هناك يا ابن النابغة؟ قملت والله جبتك منذ تركتك من العمل؟..)
وارتفعت من جميع جنبات المسجد أصوات الانكار وهي ذات لهجة واحدة
(اتق الله يا عثمان اتق الله.)
فانهارت قواه، ولم يجد بدا من أن يعلن التوبة على هذا الإفك، ونزل عن المنبر ومضى الى منزله(٤٦٠)
وهذه البادرة تدل على ضعفه، وهزال ارادته، وتلاعب مروان في شئونه، وسيطرته على جميع اموره، وأنه لا قدرة له على مخالفته، والتغلب عليه.
استنجاده بالامصار
ولما ازداد نشاط الثوار، وحاصروه في داره استنجد بمعاوية، واستغاث به، وكتب إليه هذه الرسالة:
(أما بعد: فان اهل المدينة قد كفروا، وخلعوا الطاعة، ونكثوا البيعة، فابعث إلي من قبلك من مقاتلة أهل الشام على كل صعب وذلول..)(٤٦١) وتربص معاوية حينما اطلع على الكتاب فلم يندفع الى نصرته واجابته وتنكر للأيادي التي اسداها عليه، وعلى اسرته.
ولما ابطأ معاوية على عثمان، ولم يقم بنجدته بعث عثمان رسالة الى يزيد بن اسد بن كرز وإلى أهل الشام يستفزهم ويحثهم على الخروج لنصرته، ولما انتهى إليهم الكتاب نفروا للخروج تحت قيادة يزيد القسري ولكن معاوية أمره أن يقيم بذي خشب، ولا يتجاوزه، فأقام الجيش هناك حتى قتل عثمان، والسبب في ذلك هو أن يتخذ من قتله وسيلة للمطالبة بدمه لتؤل الخلافة الى بني أميّة، إن معاوية ممن دبر الحيلة في قتله، والى ذلك يشير أبو أيوب الانصاري بقوله لمعاوية: (إن الذي تربص بعثمان، وثبط يزيد بن اسد عن نصرته لأنت.)
وعلى اي حال فان عثمان قد كتب رسائل متعددة الى الامصار، والى من حضر الموسم في مكة يستنجد بهم ويطلب منهم القيام بنجدته.
يوم الدار
ورجع الوفد المصري من اثناء الطريق لما تبينت له المكيدة الخطيرة التي دبرت ضده، فاحاطوا بقصر عثمان وهم يهتفون بسقوطه، ويطالبونه بالاستقالة من منصبه، وخرج إليهم مروان فشتمهم ونال منهم قائلا:
(ما شأنكم؟ كأنكم قد جئتم لنهب؟ شاهت الوجوه. تريدون ان تنزعوا ملكنا من ايدينا اخرجوا عنا.)
فألهبت هذه الكلمات نار الثورة في نفوسهم فاحاطوا بعثمان، وعزموا على قتله فاستنجد بالامام فاقبل إليه وقد نقلت له كلمات مروان فقال (ع):
(أما رضيت من مروان، ولا رضى منك إلا بتحرفك عن دينك وعن عقلك، مثل جمل الضعينة يقاد حيث يسار به، والله ما مروان بذي رأي في دينه، ولا في نفسه، وأيم الله لأراه سيوردك ثم لا يصدرك وما أنا بعائد بعد مقامى هذا لمعاتبتك، اذهبت شرفك، وغلبت على امرك..)
إن الذي اجهز على عثمان وقتله هو مروان وبنو أميّة، وقد صرحت بذلك نائلة زوج عثمان فقالت للامويين:
(أنتم والله قاتلوه وميتمو أطفاله..)
ونصحت زوجها بأن لا يطيع مروان تقول له: (انك متى اطعت مروان قتلك..)
إن عثمان يحمل قسطا ليس بالقليل في الجناية على نفسه لأنه لما علم أنه ضعيف الارادة، ولا قابلية له للتغلب على الاحداث وان بني أمية قد استولوا على اموره، وهو يعلم من دون شك كراهية المسلمين لهم، فكان اللازم عليه أن يترك الامر لغيره ويستقيل من منصبه، ولا ينكب الامة بقتله. وأيقن الثوار أنه لا مجال لإصلاحه لأنه إن ابرم أمرا نقضه مروان فاصروا عليه أن يخلع نفسه عن الخلافة فأبى وقال: (انما هي ثوب البسنيها الله.) وفي الحقيقة انها ثوب كساه بها عمر، وألبسها اياه عبد الرحمن بن عوف.
وعلى أي حال فقد اندلعت نيران الثورة، واشتد أوارها حتى بلغ السيل الزبى فقد صمم الثوار على قتله بعد إبائه عن الاستقالة من منصبه فمنع عنه طلحة الماء، واستولى على بيوت الاموال، واحاط الثوار بقصره وتسلق بعضهم عليه الدار فجعلوا يرمونه بالحجارة، ويبالغون في سبه وشتمه وقذفه
موقف الامام الحسن
وزعم غير واحد من المؤرخين ان الامام الحسن وقف يوم الدار مدافعا عن عثمان بايعاز من أبيه، وقد أبلى في ذلك بلاء حسنا حتى خضب بدمائه، وهذا القول ـ من دون شك ـ من موضوعات الامويين ومن مفترياتهم فان الامام الحسن (ع) وسائر البقية الصالحة من المهاجرين والانصار كانوا في معزل عن عثمان بل ومن الناقمين عليه، ولم يحضر من يدافع عنه في حصاره سوى بني أمية وبعض المنتفعين منهم ولو كان له أي رصيد في المجتمع لما تمكن الثائرون من قتله.
لقد اتفقت كلمة الصحابة على خذلانه، ولم تظهر منهم بادرة من بوادر المساعدة والمؤازرة له بل كانوا يمجدون الثورة، ويبعثون روح الحماس في نفوس الثوار، وبعد هذا فكيف يمكن ان يخرق الامام الحسن الاجماع ويمضي للدفاع عنه وعلى أى حال فقد تعرض المحقق الاميني الى تزييف تلك الاخبار، وعدها في سلسلة الموضوعات(٤٦٢)
الاجهاز على عثمان
واجهز الثوار على عثمان، وقد تولى قتله جماعة في طليعتهم محمد ابن ابي بكر فكان من أحقدهم عليه فقد شهر السيف في وجهه وقال له:
ـ على أي دين أنت يا نعثل؟
ـ على دين الاسلام ولست بنعثل، ولكني أمير المؤمنين
ـ غيرت كتاب الله
ـ كتاب الله بيني وبينكم
وأخذ بلحيته فسحبه الى الارض وهو يقول: إنا لا يقبل منا يوم القيامة أن نقول: ربنا إنا أطعنا ساداتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل.
وهجم القوم عليه فاردوه قتيلا يتخبط بدمائه، وتركوه جثة هامدة(٤٦٣) لم يواروه، ولم يسمحوا لأحد بمواراته، وتكلم بعض خواصه مع الامام أمير المؤمنين في ذلك فتوسط في شأنه فأذنوا لهم في ذلك ولكنهم لم يسمحوا لهم بدفنه في البقيع فدفنوه في حش كوكب(٤٦٤)
لقد امتحن المسلمون امتحانا عسيرا في امر عثمان، وقد أورثهم قتله عناء أي عناء، وقد تولدت في ايام حكومته وبعد مقتله أحزاب نفعية لا يهمها إلا الوصول الى الحكم لتتخذ منه وسيلة الى الثراء، وأخذت تلك الاحزاب تعيث فسادا في الارض، وتتآمر على مصالح المسلمين فأبادت وحدتهم، وفرقت كلمتهم، وخلقت في المجتمع أهم المصاعب والمشاكل حتى أصبح من المتعذر على الامام أمير المؤمنين في دور حكومته أن يصلح الاوضاع الراهنة، ويعيد سيرة الرسول وسنته بين الناس، واتسعت تلك المشاكل حتى بلغت الذروة في دور الامام الحسن، فرأى أن لا خطة له أفضل ولا أحسن من الاستسلام كما سنوضحه بالتفصيل في البحوث الآتية.
وبهذا ينتهى بنا المطاف عن عهد عثمان، وقد اسهبنا القول في امره واطلنا الحديث في تصوير سياسته التي أشعلت نار الفتنة الكبرى في البلاد وفتحت باب الخلاف والنزاع بين المسلمين، ومهدت الطريق للامويين ان يتدخلوا في شئون المسلمين، ويختلسوا السلطة من أيديهم، ويمعنوا في قتل الاخيار ومطاردة المصلحين، وإبادة جميع الاسس التي جاء هذا الدين ليقيمها وبسطنا القول في ذكر بعض المؤاخذات التي تواجه بحوث الدكتور طه حسين في عثمان، وتبرير سياسته، ولم نكن ـ يعلم الله ـ مدفوعين في ذلك كله بدافع العصبية أو الحقد على عثمان، وإنما رائدنا الاخلاص للحق وحده، وخدمة القضية الاسلامية، فان الكثير من كتاب العصر قد حاول تصحيح تلكم الاحداث بوجوه بعيدة لا يسندها منطق، ولا يدعمها برهان، ونحن في أمس الحاجة الى دراسة التأريخ الاسلامي على واقعه، والامعان في الحوادث التي جرت في العصور الاسلامية الاولى، لنقف على الذوات الخيرة التي خدمت الاسلام ورفعت مناره ونتميز الذين خدعتهم السلطة، وغرهم الثراء فتنكروا لدينهم وأمتهم في سبيل مصالحهم الضيقة، وعسى ان تكون هذه البحوث التي رسمناها بدقة وامانة قد صورت لنا الواقع الذي جرى في تلكم العصور.
المثل العليا
وتوفرت في الامام أبي محمد الصفات الرفيعة والمثل الكريمة، وتجسدت فيه طاقات الاسلام وعناصره ومقوماته، فهو بحكم قابلياته ونزعاته فذ من أفذاذ العقل الانساني، ومثل من امثلة التكامل البشري، وعظيم من عظماء الاسلام.
لقد بلغ الامام الذروة في فضائله، ومآثره، واصالة رأيه، وسمو تفكيره، وشدة ورعه، وسعة حلمه، ودماثة اخلاقه الى غير ذلك من ملكاته التي كان بها موضع اعتزاز المسلمين وفخرهم، ونشير الى بعضها
امامته
ومن أبرز الصفات الماثلة فيه هي الامامة وذلك لما تستدعيه من المثل والقابليات التي لا تتوفر إلا عند من اصطفاه الله واختاره من بين عباده، وقد حباه تعالى بها، وأعلن ذلك الرسول الكريم بقوله فيه وفي أخيه: (الحسن والحسين إمامان إن قاما وإن قعدا.)
ولا بد لنا من وقفة قصيرة لنتبين فيها معنى الامامة، وبعض الشؤون التي تتعلق بها فانها تكشف عن سمو مكانة الامام وعظيم شأنه والى القراء ذلك:
أ ـ معنى الامامة
وحددها علماء الكلام فقالوا: (الامامة رئاسة عامة في امور الدين والدنيا لشخص انساني.) فالامام ـ حسب هذا التحديد ـ هو الزعيم العام والرئيس المتبع وله السلطة الشاملة على الناس في جميع شئونهم الدينية والدنيوية
ب ـ الحاجة الى الامامة
والامامة ضرورة من ضروريات الحياة لا يمكن الاستغناء عنها بحال من الاحوال فبها يقام ما أعوج من نظام الدنيا والدين، وبها تتحقق العدالة الكبرى التي ينشدها الله في ارضه، ويتحقق الامن العام والسلام بين الناس، ويدفع عنهم الهرج والمرج، ويمنع القوي من أن يتحكم في الضعيف، ومن اهم الامور الداعية الى وجود الامام ايصال الناس الى عبادة الله، ونشر احكامه وتعاليمه، وتغذية المجتمع بروح الايمان والتقوى ليبتعد الانسان بذلك عن الشر ويتجه الى الخير، ويجب على الامة كافة الانقياد إليه، والامتثال لأوامره ليقيم أودها، ويلم شعثها ويهديها الى سواء السبيل.
ج ـ واجبات الامام
إن على امام المسلمين وولي أمرهم ان يقوم بما يلي:
١ ـ حفظ الدين، وحراسة الاسلام، وصيانته من المستهترين بالقيم والاخلاق.
٢ ـ تنفيذ الاحكام، والقضاء على الخصومات، وانصاف المظلوم من ظالمه.
٣ ـ حماية البلاد الاسلامية من الغزو الخارجي سواء أكان الغزو عسكريا أم فكريا كما في هذه العصور التي غزت بلادنا بعض المبادئ الهدامة التي تدعو الى تحطيم الاسس التي أقامها الاسلام.
٤ ـ اقامة الحدود، والقضاء على كافة الجرائم التي توجب شقاء الانسان.
٥ ـ تحصين الثغور
٦ ـ الجهاد
٧ ـ جباية الاموال كالزكاة والخراج وغيرها من الامور التي نص عليها التشريع الاسلامي.
٨ ـ استخدام الامناء في جهاز الحكم، وعدم استعمال الموظف محاباة او اثرة.
٩ ـ النظارة على امور الرعية بالذات، ولا يجوز له أن يعول على الغير لينظر فيها لأن ذلك من حقوق الرعية(٤٦٥)
١٠ ـ القضاء على البطالة، ونشر الرفاهية الشاملة في ربوع الامة، وانقاذها من الفقر والحرمان.
هذه بعض الامور التي يجب على الامام أن يطبقها على مسرح الحياة العامة، وقد استوفينا البحث في هذه الجهات في كتابنا (النظام الاداري في الاسلام).
د ـ اوصافه
ولا بد في الامام ان تتوفر فيه الشروط الآتية وهي:
١ ـ العدالة على شروطها الجامعة وهي الامتناع من ارتكاب كبائر الذنوب والاصرار على صغائرها
٢ ـ العلم بما تحتاج إليه الامة في جميع مجالاتها، ومعرفة النوازل والاحكام
٣ ـ سلامة الحواس، كالسمع، والبصر، واللسان، ليصح معها مباشرة ما يدرك كما يشترط سلامة الاعضاء الاخرى من أي نقص.
٤ ـ الرأي المفضي الى سياسة الرعية وتدبير المصالح العامة.
٥ ـ الشجاعة والنجدة، والقدرة على حماية بيضة الاسلام وجهاد العدو
٦ ـ النسب وهو ان يكون الامام من قريش وقد ذكر هذه الشروط والاوصاف كل من الماوردي وابن خلدون(٤٦٦).
٧ ـ العصمة، وعرفها المتكلمون: بأنها لطف من الله يفيضها على اكمل عباده وبها يمتنع من ارتكاب الجرائم والموبقات عمدا وسهوا، وقد أجمعت الشيعة على اعتبارها في الامام، ويدل عليها حديث الثقلين، فقد قرن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بين الكتاب والعترة وكما ان الكتاب معصوم من الخطأ والزلل فكذلك العترة الطاهرة وإلا لما صحت المقارنة والمساواة بينهما وقد تقدم الكلام في بيان ذلك.
وهذه الاوصاف لم تتوفر إلا في أئمة أهل البيت حضنة الاسلام وحماته، والادلاء على مرضاة الله وطاعته، وقد وصفهم الكميت شاعر العقيدة الاسلامية بقوله:

القريبين من ندى والبعيدين * * * من الجور في عرى الاحكام
والمصيبين ما أخطأ النا * * * س ومرسي قواعد الاسلام
والحماة الكفاة في الحرب إن لف * * * ضرام وقوده بضرام
والغيوث الذين ان أمحل النا * * * س فمأوى حواضن الايتام
راجحي الوزن كاملي العدل في ال * * * سيرة طبين بالامور الجسام
ساسة لا كمن يرى رعية النا * * * س سواء ورعية الاغنام(٤٦٧)

إن أئمة أهل البيت سلام الله عليهم قد دللوا بسيرتهم وهديهم على عصمتهم من الخطأ والزيغ، وقد برهنت الحوادث والوقائع على ذلك، ودلت على أنهم نسخة لا مثيل لها في تأريخ الانسانية وذلك لما لهم من عظيم الفضل والتقوى والحراجة في الدين.
ه ـ تعيينه
وذهبت الشيعة الى أن تعيين الامام ليس بيد الامة، ولا بيد أهل الحل والعقد منها، والانتخاب في الامامة باطل والاختيار فيها مستحيل، فحالها كحال النبوة فكما أنها لا تكون بايجاد الانسان وتكوينه كذلك الامامة لأن العصمة ـ التي هي شرط في الامامة ـ لا يعرفها الله المطلع على خفايا النفوس، وقد اوضح ذلك واستدل عليه حجة آل محمد ومهدي هذه الأمة القائم المنتظر عليه السلام في حديثه مع سعد بن عبد الله فقد سأل الامام عن العلة التي تمنع الناس من اختيار امام لأنفسهم فقال عليه السلام له:
ـ يختارون مصلحا او مفسدا؟
ـ بل مصلحا
ـ فهل يجوز ان تقع خيرتهم على المفسد بعد ان لا يعلم أحد بما يخطر ببال غيره من صلاح او فساد
ـ بلى
ـ فهي العلة أوردها لك ببرهان يثق به عقلك، اخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم الله، وانزل الكتب عليهم، وأيدهم بالوحي والعصمة، إذ هم أعلام الامم، وأهدى الى الاختيار، منهم مثل موسى وعيسى، هل يجوز مع وفور عقلهما، وكمال علمهما إذا همّا بالاختيار أن تقع خيرتهما على المنافق وهما يظنان أنه مؤمن
ـ لا
ـ هذا موسى كليم الله مع وفور عقله، وكمال علمه ونزول الوحي عليه اختار من أعيان قومه ووجوه عسكره لميقات ربه سبعين رجلا ممن لا يشك في ايمانهم واخلاصهم، فوقعت خيرته على المنافقين، قال الله عز وجل: (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا) الى قوله (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ) بظلمهم.) فلما وجدنا اختيار من قد اصطفاه الله للنبوة واقعا على الافسد دون الاصلح وهو يظن أنه الاصلح علمنا ان الاختيار ليس إلا لمن يعلم ما تخفى الصدور، وتكن الضمائر..)(٤٦٨)
إن الطاقات البشرية قاصرة عن ادراك الاصلح الذي تسعد به الامة فليس اختياره بيد الانسان وإنما هو بيد الله العالم بخفايا الامور، هذه صورة مجملة عن الامامة وتفصيل الكلام يجده المتتبع مستوفى في كتب الكلام.
اخلاقه الرفيعة
قال بعض علماء الاجتماع: إنما تتفاضل الامم في حال البداوة بالقوة البدنية فاذا ارتقت تفاضلت بالعلم، ثم اذا بلغت من الارتقاء غايته تفاضلت بالاخلاق. فالاخلاق هي غاية ما يصل إليه الانسان في سموه وكماله وتهذيبه
إن الخلق الكامل اذا انطبع في النفس لا يمكن ان تنحرف عن الطريق القويم، أو تحل الانانية محل الايثار، او تستولي عليها المغريات والنقائص من اجل ذلك كانت الاخلاق من أهم العناصر التي تبتني عليها الحياة الاجتماعية والفردية، كما انها من اوثق الاسباب في بقاء الامم وفى دوام حضارتها واصالتها.
إن من أقوى العلل في ظهور الشرائع السماوية، وبقاء سلطانها الروحي عنايتها بالخلاق واهتمامها بتهذيب النفوس وتربيتها بالنزعات الخيرة، وقد اهتم النبي بها اهتماما بالغا واعتبرها من ابرز الاسباب التي بعث من اجلها يقول صلى الله عليه وآله وسلم (إنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق) وقد استطاع بمكارم اخلاقه أن يوقظ البشر من سباته، ويؤسس معالم الحضارة في العالم ويغير مجرى التأريخ فقد الف ما بين القلوب، ووحّد المشاعر والعواطف وجمع الناس على صعيد المحبة والاخاء.
كان النبي في عظيم أخلاقه مثالا للرحمة الإلهية التي تملأ القلوب البائسة الحزينة رجاء ورحمة، كان يزور ضعفاء المسلمين، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم، ويجيب دعوة من دعاه، ولا يرد دعوة مملوك ولا فقير(٤٦٩) ومن جالسه صابره حتى يكون جليسه هو المنصرف، وما أخذ أحد بيده فجذبها منه حتى يكون الآخذ هو الذي يرسلها، وكان حريصا على تطييب النفوس واجتناب الإساءة لأي انسان.
وهذه الاخلاق الرفيعة قد تمثلت في الامام الحسن بحكم ميراثه من جده العظيم، وقد ذكر التأريخ بوادر كثيرة من مكارم اخلاقه نسوق بعضها وهي:
١ ـ انه اجتاز على جماعة من الفقراء قد وضعوا على وجه الارض كسيرات من الخبز كانوا قد التقطوها من الطريق، وهم يأكلون منها فدعوه الى مشاركتهم فأجابهم الى ذلك وهو يقول: (إن الله لا يحب المتكبرين) ولما فرغ من تناول الطعام دعاهم الى ضيافته فاطعمهم وكساهم(٤٧٠) واغدق عليهم بنعمه واحسانه.
إن التواضع دليل على كمال النفس وسموها وشرفها، وفي الحديث (إن التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة فتواضعوا يرحمكم الله)(٤٧١)
٢ ـ ومن آيات أخلاقه أنه مرّ على صبيان يتناولون الطعام فدعوه لمشاركتهم فاجابهم الى ذلك ثم حملهم الى منزله فمنحهم ببره ومعروفه وقال: (اليد لهم لأنهم لم يجدوا غير ما اطعموني ونحن نجد مما اعطيناهم)(٤٧٢)
٣ ـ ومن مكارم اخلاقه أنه كان يغضي عمن اساء إليه، ويقابله بالاحسان، فقد كانت عنده شاة فوجدها يوما قد كسرت رجلها فقال عليه السلام لغلامه:
ـ من فعل هذا بها؟
ـ أنا
ـ لم ذلك؟!
ـ لأجلب لك الهم والغم
فتبسم عليه السلام، وقال له: لأسرك، فاعتقه وأجزل له في العطاء(٤٧٣)
٤ ـ ومن عظيم أخلاقه أنه كان جالسا في مكان فأراد الانصراف منه فجاءه فقير فرحب به ولاطفه وقال له:
ـ إنك جلست على حين قيام منا أفتأذن لي بالانصراف؟؟
ـ نعم يا ابن رسول الله(٤٧٤)
إن مراعاة حق الجليس من الآداب الاجتماعية التي توجب المحبة والإلفة، وتوجد التعاون والترابط بين الناس فلذا أمر الإسلام بها وحث عليها.
٥ ـ واجتاز على الامام شخص من أهل الشام ممن غذاهم معاوية بالكراهية والحقد على آل البيت فجعل يكيل للامام السب والشتم، والامام ساكت لم يرد عليه شيئا من مقالته، وبعد فراغه التفت الامام فخاطبه بناعم القول وقابله ببسمات فياضة بالبشر قائلا:
(أيها الشيخ: أظنك غريبا؟ لو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا حملناك، وإن كنت جائعا أطعمناك، وإن كنت محتاجا أغنيناك، وإن كنت طريدا أويناك..) وما زال (ع) يلاطف الشامي بهذا ومثله ليقلع روح العداء والشر من نفسه حتى ذهل ولم يطق رد الكلام وبقي حائرا خجلا كيف يعتذر للامام، وكيف يمحو الذنب عنه؟ وطفق يقول:
(اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ) فيمن يشاء.)(٤٧٥)
وهكذا كان عليه السلام مثالا للانسانية الكريمة، ورمزا للخلق العظيم لا يثيره الغضب، ولا يزعجه المكروه قد وضع نصب عينيه قوله تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ.) وقد قابل جميع ما لاقاه من سوء وأذى ومكروه من الحاقدين عليه بالصبر والصفح الجميل، حتى اعترف الد خصومه مروان بن الحكم بسمو حلمه، وعظيم خلقه، وذلك حينما انتقل الامام إلى الرفيق الاعلى فبادر مروان إلى حمل جثمانه فقال له سيد الشهداء:
ـ تحمل اليوم سريره، وقد كنت بالأمس تجرعه الغيظ؟!!
ـ إني كنت افعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال(٤٧٦)
لقد كان الامام كجده الرسول في سعة حلمه، وعظيم أخلاقه، وصفحه عمن أساء إليه، وقد روى التأريخ بوادر كثيرة من أخلاقه دلت على أنه في طليعة الأخلاقيين والمساهمين في بناء الأخلاق والآداب في دنيا العرب والمسلمين.
كرمه وسخاؤه:
من كان ندى الكف مبسوط اليدين بالعطاء متمسكا بأهداب السخاء بعيدا عن البخل وضروبه فاعظم به من خير عميم، كبير الثقة بالله، عظيم النفس، شريف الذات، وقد تحدث رسول الله (ص) عن شرف هذه الظاهرة فقال: (خلقان يحبهما الله وهما: حسن الخلق والسخاء) وقال: (السخاء من الايمان).
إن السخاء ينم عن طيب القلب، ويكشف عن الفضائل النفسية، ويحكى عن رحمة الانسان ورأفته، ومن الطبيعي انه انما يكون كذلك فيما اذا كان بذله بداعي الخير والمعروف لا بداعي السمعة والمديح والثناء وغير ذلك من الدواعي التي لا تمت إلى الاحسان بصلة، وقد حدث التأريخ عن أناس كانوا يهبون الألوف للوافدين، ويبذلون القرى للاضياف، ولكن سرعان ما انكشف أنه تصنع لا اتصال له بحقيقة الكرم والمعروف، وذلك كعطاء معاوية بن أبي سفيان وهباته للوافدين عليه فان ذلك لم يكن بداعي الاحسان وإنما كان لشراء الضمائر لأجل التمسك بزمام الحكم.
إن السخاء الحقيقي هو بذل الخير بداعي الخير، وبذل الاحسان بداعي الاحسان، وقد تجلت هذه الصفة الرفيعة بأجلى مظاهرها، واسمى معانيها في الامام أبي محمد (ع) حتى لقب بكريم أهل البيت.
تلقى هذه المكرمة من سلفه الطاهر الذي عرف بالسخاء والمعروف ونجدة الضعيف والاحسان إلى كل منقطع ومحروم وفى جده الاعلى يقول القائل:

عمرو العلى هشم الثريد لقومه * * * ورجال مكة مسنتون عجاف

وزاد الحسن على سلفه الطاهر في ذلك فقد كان لا يعرف للمال قيمة، ولا يرى له أهمية سوى ما يرد به جوع جائع، أو يكسو به عاريا، أو يغيث به ملهوفا، أو يفي به دين غارم.
ان السخاء عنصر من عناصر ذاته، ومقوم من مقومات مزاجه، وقد أثر عنه أنه ما قال لسائل لا قط(٤٧٧) وقيل له لأي شيء لا نراك ترد سائلا؟ فأجاب:
(إني لله سائل، وفيه راغب، وأنا استحي أن أكون سائلا، وأرد سائلا، وان الله عودني عادة أن يفيض نعمه علي، وعودته أن أفيض نعمه على الناس فأخشى ان قطعت العادة أن يمنعني العادة وأنشأ يقول:

إذا ما أتاني سائل قلت مرحبا * * * بمن فضله فرض علي معجل
ومن فضله فضل على كل فاضل * * * وأفضل أيام الفتى حين يسأل(٤٧٨)

ونسبت له أبيات نظمها في الجود والسخاء منها قوله:

إن السخاء على العباد فريضة * * * لله يقرأ في كتاب محكم
وعد العباد الأسخياء جنانه * * * وأعد للبخلاء نار جهنم
من كان لا تندى يداه بنائل * * * للراغبين فليس ذاك بمسلم

وله أيضا:

خلقت الخلائق من قدرة * * * فمنهم سخي ومنهم بخيل
فأما السخي ففي راحة * * * وأما البخيل فحزن طويل(٤٧٩)

وكانت الوفود من المرتزقة والمحتاجين تزدحم عليه فيغدق عليهم ببره واحسانه، ويجزل لهم المزيد من العطاء، وقد ذكر التأريخ بوادر كثيرة من كرمه وجوده نسوق إلى القراء بعضها.
١ ـ جاءه اعرابي سائلا فقال (ع): اعطوه ما في الخزانة، وكان فيها عشرة آلاف درهم فقال له الاعرابي: يا سيدي هلا تركتني أبوح بحاجتي، وأنشر مدحتي؟ فاجابه الامام:

نحن أناس نوالنا خضل * * * يرتع فيه الرجاء والأمل
تجود قبل السؤال أنفسنا * * * خوفا على ماء وجه من يسل
لو علم البحر فضل نائلنا * * * لغاض من بعد فيضه خجل(٤٨٠)

٢ ـ واجتاز عليه السلام على غلام أسود بين يديه رغيف يأكل منه لقمة ويدفع لكلب كان عنده لقمة اخرى.
فقال له الامام:
ـ ما حملك على ذلك؟
ـ إني لأستحيي أن أكل ولا أطعمه.
رأى الامام فيه خصلة من أحب الخصال عنده، فاحب أن يجازيه على صنعه، ويقابل إحسانه بإحسان فقال له:
لا تبرح من مكانك، ثم انطلق فاشتراه من مولاه واشترى الحائط(٤٨١) الذي هو فيه فاعتقه، وملكه إياه(٤٨٢).
٣ ـ وأجتاز يوما في بعض أزقة المدينة فسمع رجلا يسأل الله أن يرزقه عشرة آلاف درهم، فانطلق إلى بيته، وأرسلها إليه بالوقت(٤٨٣).
٤ ـ وجاءه شخص يظهر الاعواز والحاجة فقال له (ع) ما هذا حق سؤالك، يعظم لدى معرفتي بما يجب لك، ويكبر على ويديّ تعجز عن نيلك بما أنت اهله، والكثير في ذات الله قليل، وما في ملكى وفاء لشكرك، فان قبلت منا الميسور، ورفعت عنا مئونة الاحتفال والاهتمام فعلت، فأجابه الرجل: يا بن رسول الله (ص) أقبل القليل واشكر العطية، واعذر على المنع، فاحضر (ع) وكيله وحاسبه وقال له: هات الفاضل، وكان الفاضل خمسين الف درهم فدفعها إليه ولم يكتف (ع) بذلك بل قال لوكيله ما فعلت بالخمس مائة دينار التي عندك؟ فقال له: هي عندي، فأمره باحضارها ثم دفعها إلى الرجل وهو يعتذر منه(٤٨٤) إن قوله (ع) (الكثير في ذات الله قليل) ينم عن أن هذا العطاء إنما هو في سبيل الله تعالى لا يبتغي من احد جزاء أو شكورا.
٥ ـ ومن مكارمه (ع) انه خرج هو وأخوه الحسين (ع) وابن عمهما عبد الله بن جعفر(٤٨٥) وافدين إلى بيت الله الحرام، وفى أثناء الطريق أصابهم جوع وعطش وقد سبقتهم اثقالهم، فانعطفوا على بيت قد ضرب أطنابه في وسط تلك البيداء القاحلة، فلما وصلوا إلى البيت لم يروا فيه إلا عجوزا فطلبوا منها شرابا وطعاما، فأجابت بما طبعت عليه نفس الكريم قائلة:
نعم.
إنها النفس إذا جبلت على الخير وطبعت فيها الأريحية قدمت في سبيل العز والمجد كل ما تملك، لم يك عند العجوز سوى شاة هى كل ما تملك مما أظلته الخضراء وأقلته الغبراء، فتقدمت وبيدها الشاة قائلة لهم:
دونكم هذه الشاة فاحلبوها واشربوا لبنها، فلما فعلوا ذلك تقدمت إليهم مرة أخرى قائلة:
أقسم عليكم إلا ما ذبحها أحدكم حتى أهيّئ لكم الحطب لشيها، ففعلوا ذلك وهيأت العجوز الحطب، وبعد الفراغ من تناول الطعام عزموا على الرحيل فتقدموا إليها وعرفوها بشخصياتهم ليجازوها على صنعها خيرا إن رجعوا إلى وطنهم، قائلين:
(يا أمة الله إنا نفر من قريش نريد حج بيت الله الحرام، فاذا رجعنا سالمين فهلمي إلينا لنكافئك على هذا الصنع الجميل).
ثم انصرفوا لشأنهم، ولما عنّ غياب القرص عن السماء أقبل رب البيت على عادته فأخبرته العجوز بالقصة، فاستولى عليه الغضب، ذلك لأن الشاة هي مصدر القوت وإدرار الرزق عليهم، فقال لها: ويحك أتذبحين الشاة لأناس لا تعرفينهم؟ ثم تقولين إنهم نفر من قريش.
وطوى الدهر عجلته فمضت سنة وأقبلت أخرى فاعترت البادية أزمة شديدة لأن السماء قد منعتها قطرها حتى قلت موارد العيش وانعدمت أسباب القوت، فرحلا عن البادية ونزلا المدينة، ولم يجدا عملا يحيطان به خبرا سوى التقاط البعر من الطرقات والشوارع، فاتخذا ذلك مهنة لهما، وفي يوم من الأيام وهما على عملهما ارادت السعادة أن تحنو عليهما فلمح الحسن (ع) العجوز فعرفها، وقد حل وفاء الدين، والمعروف في ذمة الأحرار دين فأمر (ع) غلامه أن يأتي بها إليه، فلما مثلت بين يديه قال (ع) لها:
أتعرفيني يا أمة الله؟
ـ لا..
ـ أنا أحد ضيوفك يوم كذا سنة كذا.
ـ لست أعرفك.
ـ إن لم تعرفيني فانا أعرفك، ثم أمر (ع) غلامه فاشترى لها من غنم الصدقة الف شاة وأعطاها الف دينار، ثم أمر (ع) غلامه أن يذهب بها إلى أخيه الحسين (ع) ويعرفه بها، فأخذها الغلام فلما دخلت عرفها الحسين (ع)، فقال للغلام: كم اعطاها أخي؟ فأخبره الغلام بعطائه، فأوصلها (ع) بمثل ذلك، ثم بعث الحسين بها إلى عبد الله بن جعفر، فلما دخلت عليه عرفها، فأمر لها بألفي شاة والفي دينار فأخذت ذلك جميعا وانصرفت(٤٨٦) وفد تغير حالها من فقر مدقع إلى غناء وثروة حسدها عليه كل من عرفها كل ذلك من بر الحسن وفضله،.
٦ ـ ومن آيات مكارمه (ع) أنه اشترى حائطا من الأنصار بأربعمائة الف فبلغه أنهم قد احتاجوا إلى ما في أيدي الناس فرده إليهم(٤٨٧) إن إنقاذ هؤلاء من ذل السؤال ورد شرفهم إليهم من أفضل أنواع السخاء ومن أسمى مراتب الجود.
٧ ـ ومن مكارمه (ع) أن جارية حيته بطاقة من ريحان، فقال عليه السلام لها: أنت حرة لوجه الله، فلامه أنس على ذلك، فأجابه عليه السلام: أدبنا الله فقال تعالى: (إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها) وكان أحسن منها إعتاقها(٤٨٨).
٨ ـ ومن مكارمه (ع) أن مروان بن الحكم قال: إني لمشغوف ببغلة الحسن بن علي فمن يأتيني بها؟ فأنبرى إليه ابن أبي عتيق قائلا:
ـ أنا آتيك بها لكن بشرط أن تقضي لي ثلاثين حاجة؟
ـ التزم لك بذلك.
فقال ابن أبي عتيق لمروان: إذا اجتمع الناس عندك العشية فاني آخذ في مآثر قريش وأمسك عن الحسن فلمنى على ذلك، فلما اجتمع الناسى أخذ ابن أبي عتيق في مآثر قريش وسكت عن ذكر فضائل الامام الحسن (ع)، فقال له مروان ألا تذكر أولية أبي محمد، وله في هذا ما ليس لأحد منا، فقال ابن أبي عتيق: إنما كنا في ذكر الاشراف ولو كنا في ذكر الأنبياء لذكرنا فضائل أبي محمد، ولما خرج الامام (ع) تبعه ابن ابي عتيق فلما نظر إليه الحسن (ع) تبسم وعرف الغاية من مديحه فقال (ع) له: ألك حاجة؟ فقال: نعم ذكرت البغلة، فنزل (ع) عنها ودفعها إليه(٤٨٩).
٩ ـ ومن جوده (ع) أن رجلا سأله أن يعطيه شيئا فقال له (ع) إن المسألة لا تصلح إلا في غرم فادح(٤٩٠) أو فقر مدقع أو حمالة مفظعة(٤٩١) فقال ما جئت إلا في إحداهن، فأمر (ع) له بمائة دينار، ثم انعطف الرجل نحو الحسين (ع) فسأله مثل سؤال اخيه فأعطاه مائة دينار سوى دينار لأنه كره أن يساوى أخاه في عطائه وانعطف الرجل بعد ذلك إلى عبد الله بن عمر فسأله فأعطاه سبعة دنانير، فقال الرجل: لعبد الله إني أتيت الحسن والحسين وحكى له ما جرى له معهما فقال ابن عمر: ويحك أنى تجعلني مثلهما؟! انهما غرا العلم(٤٩٢). غرا المال(٤٩٣).
١٠ ـ ومن مكارمه (ع) أنه ما اشترى من أحد حائطا ثم أفتقر البائع إلا ورده عليه وأردفه بالثمن معه(٤٩٤).
١١ ـ وجاءه فقير يشكو حاله ولم يك عنده (ع) في ذلك اليوم شيء فعز عليه الامر واستحى من رده فقال (ع) له: إني أدلك على شيء يحصل لك منه الخير، فقال الفقير يا بن رسول الله ما هو؟! قال عليه السلام اذهب إلى الخليفة فان ابنته قد توفيت وانقطع عليها وما سمع من أحد تعزية بليغة فعزه بهذه الكلمات يحصل لك منه الخير، قال يا بن رسول الله حفظني إياها، قال (ع) قل له الحمد لله الذي سترها بجلوسك على قبرها ولم يهتكها بجلوسها على قبرك، وحفظ الفقير هذه الكلمات وجاء إلى الخليفة فعزاه بها، فذهب عنه حزنه وأمر له بجائزة وقال له:
أكلامك هذا؟
ـ لا: وإنما هو كلام الامام الحسن.
الخليفة: صدقت فانه معدن الكلام الفصيح وأمر له بجائزة أخرى(٤٩٥).
وذكر المترجمون للإمام صورا كثيرة من ألوان بره ومعروفه على الفقراء وقيامه بانقاذهم من كابوس الحاجة والفقر الى الدعة والسعة في العيش، وجميع تلك المبرات التي أسداها عليهم كانت خالصة لوجه الله، ولم تكن مشفوعة بأي غرض من الاغراض فإنه كان يمنحهم العطاء والبر قبل أن يبوحوا بحاجاتهم، ويذكروا مديحهم وثناءهم لئلا يظهر عليهم ذل السؤال والاحتياج.
عبادته وتقواه
ان الانسان كلما ازداد معرفة بالله ازداد إيمانا به، وحبا له، وانقيادا لأوامره وطاعته، وسعيا في جميع الوسائل التي تقربه إليه.
والامام الحسن قد تغذى بلباب المعرفة، وبجوهر الايمان، وبواقع الدين وانطبعت مثله في دخائل نفسه واعماق ذاته، فكان من اشد الناس إيمانا، ومن اكثرهم اخلاصا وطاعة لله، وقد حدث الرواة عن مدى طاعته فقالوا: إنه لم ير في وقت من الاوقات إلا وهو يلهج بذكر الله(٤٩٦)، وانه اذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم(٤٩٧) فسأل الله الجنة وتعوذ من النار، واذا ذكر الموت وما يعقبه من البعث والنشور بكى بكاء الخائفين والمنيبين(٤٩٨) واذا ذكر العرض على الله شهق شهقة يغشى عليه منها(٤٩٩)، وكان من اشد المعتبرين بالموت فاذا حضر جنازة ظهرت عليه السكينة أياما، واذا مات في جواره ميت سمع منه النحيب والبكاء كما يسمع من دار الميت(٥٠٠) ودلت هذه الامور على عظيم طاعته وخوفه من الله، ونسوق الى القراء بعض مظاهر عبادته:
١ ـ وضوؤه وصلاته
كان الامام اذا اراد الوضوء تغير حاله، وداخله خوف عميق حتى يصفر لونه وترتعد فرائصه، وسئل عن سر ذلك فقال:
(حق على من وقف بين يدي رب العرش أن ترتعد فرائصه، ويصفر لونه..)
واذا فرغ من الوضوء وأراد الدخول الى المسجد رفع صوته قائلا:
(إلهي: ضيفك ببابك، يا محسن قد أتاك المسيء، فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك يا كريم)(٥٠١)
واذا اقبل على صلاته بدا عليه الخضوع والخشوع، وظهر عليه الخوف حتى ترتعد جميع فرائصه واعضائه(٥٠٢) واذا فرغ من صلاة الفجر لا يتكلم الا بذكر الله حتى تطلع الشمس(٥٠٣)
٢ ـ حجه
ومن مظاهر عبادته وعظيم اخلاصه وطاعته لله تعالى انه حج بيت الله الحرام خمسا وعشرين حجة ماشيا على قدميه وكانت النجائب(٥٠٤)، تقاد بين يديه(٥٠٥) وسئل عن كثرة حجه ماشيا فأجاب: (اني استحي من ربي أن لا امضي الى بيته ماشيا على قدمي(٥٠٦)
٣ ـ تلاوته للقرآن
كان الامام يتلو الذكر الحكيم تلاوة امعان وتدبر فلا يمر بآية تشتمل على نداء المؤمنين إلا قال: لبيك. اللهم لبيك(٥٠٧) وكان يقرأ في كل ليلة سورة الكهف(٥٠٨)
٤ ـ التصدق بأمواله
وقدم الامام في سبيل مرضاة الله كل غال ونفيس، فقد خرج عن جميع ما يملك مرتين، وشاطر الله أمواله ثلاث مرات حتى أعطى نعلا وامسك اخرى(٥٠٩)
زهده
ورفض الامام جميع مباهج الحياة، وزهد في ملاذها ونعيمها، واتجه الى الدار الآخرة التي أعدها الله للمتقين من عباده، وقد تحدث عليه السلام عن عزوفه عن الدنيا، واقتناعه بالقليل منها يقول:

لكسرة من خسيس الخبز تشبعني * * * وشربة من قراح الماء تكفيني
وطرة من دقيق الثوب(٥١٠) تسترني * * * حيا وان مت تكفيني لتكفيني(٥١١)

ورسم على خاتمه بيتين من الشعر يلمس فيهما مدى زهده وهما:

قدم لنفسك ما استطعت من التقى * * * إن المنية نازل بك يا فتى
أصبحت ذا فرح كأنك لا ترى * * * أحباب قلبك في المقابر والبلى(٥١٢)

وكان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت

يا اهل لذات دنيا لا بقاء لها * * * ان اغترارا بظل زائل حمق(٥١٣)

ومما ينسب له في ذم المغرور في الدنيا والمفتون بحبها قوله:

قل للمقيم بغير دار اقامة * * * حان الرحيل فودع الاحبابا
ان الذين لقيتهم وصحبتهم * * * صاروا جميعا في القبور ترابا(٥١٤)

ومن مظاهر زهده ما حدث به مدرك بن زياد(٥١٥) قال: كنا في حيطان ابن عباس فجاء الحسن والحسين، وابنا العباس فطافوا في تلك البساتين ثم جلسوا على ضفاف بعض السواقي، فقال الحسن: يا مدرك: هل عندك غذاء؟ فقلت له: نعم ثم انطلقت فجئته بخبز وشيء من الملح مع طاقتين من بقل فأكل منه، وقال يا مدرك ما أطيب هذا؟
وجيء بعد ذلك بالطعام وكان في منتهى الحسن والجودة فالتفت عليه السلام الى مدرك وأمره بأن يجمع الغلمان ويقدم لهم الطعام، فدعاهم مدرك فأكلوا منه ولم يأكل الامام منه شيئا فقال له مدرك: لما ذا لا تأكل منه؟ فقال عليه السلام: ان ذاك الطعام أحب عندي(٥١٦) لأنه طعام الفقراء والمحرومين، ومما يدل على عظيم زهده أنه زهد في الملك طلبا لمرضاة الله، وخوفا على دماء المسلمين، وقد الف في زهده محمد ابن بابويه القمي(٥١٧) كتابا اسماه زهد الحسن وأجمع المترجمون له انه كان أزهد الناس وأفضلهم بعد جده وأبيه
هيبته ووقاره
إن شخصية الامام كانت تملأ العيون وتهيمن على النفوس لأنه قد التقت بها عناصر النبوة والامامة، وتمثلت فيها هيبة النبيّ، وقد حدث واصل بن عطاء(٥١٨) قال:
(كانت على الحسن سيماء الأنبياء وبهاء الملوك)(٥١٩)
وقال ابن الزبير:
(والله ما قامت النساء عن مثل الحسن بن علي في هيبته وسمو منزلته)(٥٢٠)
وبلغ من عظيم هيبته انه كان يفرش له على باب البيت فاذا خرج وجلس انقطع الطريق لأنه لا يمر أحد إلا جلس اجلالا واكبارا له، فاذا علم ذلك قام ودخل البيت(٥٢١)
ومن عظيم هيبته وسمو مكانته في نفوس المسلمين أنه ما أجتاز مع أخيه على ركب في حال سفرهما إلى بيت الله الحرام ماشيين إلا ترجل ذلك الركب تعظيما واكبارا لهما حتى ثقل المشي على جماهير الحجاج فكلموا سعد بن أبي وقاص في ذلك فبادر إلى الامام وقال له:
(يا أبا محمد، إن المشي قد ثقل على الحجاج لأنهم إذا رأوا كما لم تطب نفوسهم بالركوب، فلو ركبتما رحمة لهم..)
فاجابه الامام بما ينم عن نفس قد عاهدت الله أن تبذل فى مرضاته كل غال ونفيس قائلا:
(لا نركب فقد عاهدنا الله أن نؤم بيته ماشيين، ولكن نتنكب الطريق..)(٥٢٢)
وسار عليه السلام فى بعض طرق يثرب وقد لبس حلة فاخرة، وركب بغلة فارهة، ووجهه الشريف يشرق حسنا وجمالا، وقد حفت به خدمه، وحاشيته فرآه بعض اغبياء اليهود فبادر إليه وقال له:
يا بن رسول الله عندى سؤال؟
ـ ما هو؟
ـ إن جدك رسول الله (ص) يقول: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، فأنت المؤمن وأنا الكافر، وما الدنيا إلا جنة لك تتنعم فيها، وتستلذ بها وأنت مؤمن، وما أراها الا سجنا قد أهلكني حرها وأجهدني فقرها؟
ـ لو نظرت إلى ما أعد الله لي وللمؤمنين في الدار الآخرة مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر لعلمت أني قبل انتقالي إليها وأنا فى هذه الحالة فى سجن، ولو نظرت إلى ما أعد الله لك ولكل كافر في دار الآخرة من سعير نار جهنم، ونكال العذاب الأليم المقيم لرأيت قبل مصيرك إليه أنك في جنة واسعة ونعمة جامعة(٥٢٣) وتركه الامام، واليهودي يتميز من الغيظ والحقد.
ورأى هيبة الامام ووقاره بعض الأغبياء من الحاقدين عليه فقال له إن فيك عظمة فاجابه الامام ان في عزة ثم تلا قوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)(٥٢٤) ان الحسن كان يحكى جده الرسول (ص) فى هيبته وسؤدده وكريم طباعه.
فصاحته وبلاغته:
وكل ظاهرة من ظواهر الكمال قد تمثلت في الامام أبي محمد، وتحلت بها شخصيته الكريمة، ومن أروع صفاته البلاغة والفصاحة في الكلام فقد كان (ع) من أبرع البلغاء في اصابته للمناسبات، ومن أقدرهم على الايجاز والاعجاز والابداع فى الكلام، وحقا أن يكون كذلك فقد تفرع من دوحة الفصاحة والبلاغة وفصل الخطاب، فالجد رسول الله (ص) أفصح من نطق بالضاد، والأب علي (ع) سيد البلغاء وامير البيان.
إن الحسن (ع) في فصاحته وبلاغته كأبيه، وقد ترك (ع) تراثا رفيعا وحكما بالغة تحتوى على أصول الآداب الاجتماعية والنصح والارشاد والوعظ الخالد، قد رصعت بجمال اللفظ وسمو المعنى وإلى القراء بعضها.
الآداب الاجتماعية:
وجه الامام علي (ع) الى الحسن اسئلة تتعلق بأصول الأخلاق والفضائل، فأجابه الحسن (ع) بما هو عفو البداهة والخاطر فكان الجواب آية من آيات البلاغة والاعجاز:
الامام علي: يا بني ما السداد؟
الحسن: يا أبت السداد دفع المنكر بالمعروف.
ـ ما الشرف؟
ـ اصطناع العشيرة وحمل الجريرة.
ـ ما المروءة؟
ـ العفاف واصلاح المرء ماله.
ـ ما الدنيئة؟
ـ النظر في اليسير ومنع الحقير.
ـ ما اللوم؟
ـ احتراز المرء نفسه وبذله عرسه(٥٢٥).
ـ ما السماحة؟
ـ البذل في العسر واليسر.
ـ ما الشح؟
ـ أن ترى ما في يديك شرفا وما أنفقته تلفا.
ـ ما الاخاء؟
ـ الوفاء في الشدة والرخاء.
ـ ما الجبن؟
ـ الجرأة على الصديق والنكول عن العدو.
ـ ما الغنيمة؟
ـ الرغبة في التقوى والزهادة في الدنيا.
ـ ما الحلم؟
ـ كظم الغيظ وملك النفس.
ـ ما الغنى؟
ـ رضى النفس بما قسم الله وإن قل فانما الغنى غنى النفس.
ـ ما الفقر؟
ـ شره النفس في كل شيء.
ـ ما المنعة؟
ـ شدة البأس ومقارعة أشد الناس.
ـ ما الذل؟
ـ الفزع عند المصدوقية؟
ـ ما الجرأة؟
ـ موافقة الأقران.
ـ ما الكلفة؟
ـ كلامك فيما لا يعنيك.
ـ ما المجد؟
ـ أن تعطى في الغرم وأن تعفو عن الجرم.
ـ ما العقل؟
ـ حفظ القلب كل ما استرعيته(٥٢٦).
ـ ما الحزق؟
ـ معاداتك إمامك ورفعك عليه كلامك.
ـ ما الثناء؟
ـ اتيان الجميل وترك القبيح.
ـ ما الحزم؟
ـ طول الأناة(٥٢٧) والرفق بالولاة والاحتراس من الناس بسوء الظن هو الحزم.
ـ ما الشرف؟
ـ موافقة الاخوان.
ـ ما السفه؟
ـ إتباع الدناة ومصاحبة الغواة.
ـ ما الغفلة؟
ـ تركك المسجد وطاعتك المفسد.
ـ ما الحرمان؟
ـ تركك حظك وقد عرض عليك.
ـ ما السيد؟
ـ الأحمق في ماله المتهاون في...، يشتم فلا يجيب، المتحزن(٥٢٨) بأمر العشيرة هو السيد(٥٢٩).
إن النفس لتقف حائرة أمام هذا الاسترسال العجيب من الامام الحسن وعدم تكلفه في الجواب واحاطته خبرا بمعانى هذه النقاط الحيوية، فلن يسع النفس إلا الاكبار والاعجاب والاعتراف بالعظمة والخضوع لتلك المواهب العلمية.
مكارم الأخلاق:
قال جابر: سمعت الحسن (ع) يقول: مكارم الأخلاق عشرة، صدق اللسان، وصدق البأس، واعطاء السائل، وحسن الخلق، والمكافاة بالصنائع، وصلة الرحم، والتذمم(٥٣٠) على الجار، ومعرفة الحق للصاحب، وقرى الضيف، ورأسهن الحياء(٥٣١).
والتفت معاوية يوما إلى الامام (ع) قال له: يا أبا محمد ثلاث خلال لم أجد من يجيبني عنها!!!
ـ ما هي؟
ـ المروءة، الكرم، النجدة.
ـ أما (المروءة) فاصلاح الرجل أمر دينه وحسن قيامه على ماله وإفشاء السلام والتحبب إلى الناس.
(الكرم) العطية قبل السؤال، والتبرع بالمعروف والاطعام في المحل.
(النجدة) الذب عن الجار، والمحامات في الكريهة، والصبر عند الشدائد.
وجاء إليه شخص فقال: يا بن رسول الله (ص) من أحسن الناس؟
ـ من أشرك الناس في عيشه.
ـ من أشر الناس؟
ـ من لا يعيش فى عيشه أحد(٥٣٢).
الجرائم الاخلاقية:
قال (ع): هلاك الناس في ثلاث، الكبر، الحرص، الحسد.
(الكبر) به هلاك الدين، وبه لعن إبليس.
(الحرص) عدو النفس وبه اخرج آدم من الجنة.
(الحسد) رائد السوء وبه قتل هابيل قابيل(٥٣٣).
لا شك ان هذه الرذائل الثلاث التي حرض الامام (ع) على اجتنابها واقام الشواهد على اضرارها هي اصول الاجرام وامهات الرذائل.
التحريض على طلب العلم:
قال (ع): لبنيه تعلموا العلم فانكم صغار القوم، وكبارهم غدا، ومن لم يحفظ منكم فليكتب(٥٣٤).
وقال (ع) علم الناس، وتعلم علم غيرك فتكون قد اتقنت علمك وعلمت ما لم تعلم(٥٣٥).
وقال (ع): حسن السؤال نصف العلم(٥٣٦).
فضل العقل:
قال (ع): لا أدب لمن لا عقل له، ولا مودة لمن لا همة له، ولا حياء لمن لا دين له، ورأس العقل معاشرة الناس بالجميل، وبالعقل تدرك سعادة الدارين، ومن حرم العقل حرمهما جميعا(٥٣٧).
فضل القرآن الكريم:
قال (ع): إن هذا القرآن فيه مصابيح النور، وشفاء الصدور، فليجل جال بضوئه، وليلجم(٥٣٨) الصفة قلبه، فان التفكير حياة القلب البصير كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور(٥٣٩).
الدعاء:
قال (ع) ما فتح الله عز وجل على أحد باب مسألة فخزن(٥٤٠) عنه باب الاجابة، ولا فتح على رجل باب عمل فخزن عنه باب القبول، ولا فتح لعبد باب شكر فخزن عنه باب المزيد(٥٤١).
السياسة:
سأله شخص عن رأيه في السياسة؟ فقال (ع): هي أن ترعى حقوق الله، وحقوق الاحياء، وحقوق الأموات (فأما حقوق الله) فأداء ما طلب، والاجتناب عما نهى (وأما حقوق الأحياء) فهي أن تقوم بواجبك نحو اخوانك، ولا تتأخر عن خدمة أمتك، وأن تخلص لولى الأمر ما اخلص لأمته، وأن ترفع عقيرتك في وجهه إذا ما حاد عن الطريق السوى (وأما حقوق الأموات) فهي أن تذكر خيراتهم، وتتغاضى عن مساوئهم فان لهم ربا يحاسبهم(٥٤٢).
وقال له معاوية: ما يجب لنا في سلطاننا؟
الامام: ما قال سليمان بن داود!!!
معاوية: وما قال سليمان؟
الامام: انه قال لبعض أصحابه، أتدري ما يجب على الملك فى ملكه وما لا يضره إذا أدى الذي عليه منه، إذا خاف الله في السر والعلانية وعدل في الغضب والرضا، وقصد في الفقر والغنى، ولم يأخذ الأموال غصبا، ولم يأكلها إسرافا وتبذيرا، ولم يضره ما تمتع به من دنياه إذا كان من خلته(٥٤٣).
هذه هي السياسة الصحيحة التي لو سارت عليها الدول لدام لها البقاء وكان الشعب والحكومة في راحة ونعيم، وقد ادلى الامام (ع) بهذه الآراء القيمة إلى عدوه لأجل المصلحة العامة علّه أن يسير خصمه على ضوء الحق.
الصديق والصاحب:
قال (ع): ألا اخبركم عن صديق كان لي من اعظم الناس في عيني، وكان رأس ما عظم به في عيني صغر الدنيا في عينه، كان خارجا من سلطان بطنه فلا يتشهى ما لا يحل ولا يكنز إذا وجد، وكان خارجا من سلطان الجهالة فلا يمد يدا إلا على ثقة لمنفعة، كان لا يتشكى ولا يتبرم، كان أكثر دهره صامتا فاذا قال بذ(٥٤٤) القائلين، كان ضعيفا مستضعفا فاذا جاء الجد فهو الليث عاديا، كان إذا جامع العلماء على أن يسمع احرص منه على أن يقول، كان إذا غلب على الكلام لم يغلب على السكوت كان لا يقول ما يفعل ويفعل ما لا يقول كان إذا عرض له أمران لا يدري أيهما أقرب إلى الحق نظر اقربهما من هواه فخالفه كان لا يلوم أحدا على ما قد يقع العذر في مثله، كان لا يقول حتى يرى قاضيا عدلا وشهودا عدولا (٥٤٥)
وقال (ع) لبعض ولده: يا بني لا تواخ احدا حتى تعرف موارده ومصادره القريب من قربته المودة والبعيد من باعدته المودة وإن قرب نسبه.
وسأله رجل أن يكون صديقا له وجليسا، فقال له (ع): إياك أن تمدحني فانا اعلم بنفسي منك، أو تكذبني فانه لا رأى لمكذوب، أو تغتاب عندى أحدا، فقال الرجل: ائذن لي في الانصراف قال له: نعم إذا شئت(٥٤٦).
السخاء والمعروف:
كان (ع) يطوف في بيت الله الحرام فسأله رجل عن معنى الجواد فقال له: إن لكلامك وجهين، فان كنت تسأل عن المخلوق فان الجواد الذي يؤدى ما افترض عليه، والبخيل الذي يبخل بما افترض عليه، وإن كنت تسأل عن الخالق فهو الجواد إن اعطى وهو الجواد إن منع لأنه إن أعطى عبدا اعطاه ما ليس له وإن منع منع ما ليس له(٥٤٧) وقال (ع) المعروف ما لم يتقدمه مطل ولا يتبعه منّ، والاعطاء قبل السؤال من اكبر السؤدد(٥٤٨).
البخل:
قال (ع) البخل جامع للمساوئ والعيوب، وقاطع للمودات من القلوب.
وسئل (ع) عن البخل فقال: هو أن يرى الرجل ما انفقه تلفا وما امسكه شرفا(٥٤٩).
التواضع:
قال (ع): أعرف الناس بحقوق اخوانه واشدهم قضاء لها اعظمهم عند الله شأنا، ومن تواضع في الدنيا لاخوانه فهو عند الله من الصديقين ومن شيعة علي بن أبي طالب (ع) (٢)(٥٥٠).
التوكل على الله:
قيل له (ع): إن أبا ذر كان يقول الفقر أحب إلى من الغنى، والسقم أحب إلى من الصحة. فقال: رحم الله أبا ذر، أما أنا فأقول من اتكل على حسن اختيار الله لم يتمن أنه في غير الحالة التي اختارها الله له(٥٥١).
ابطال الجبر:
ورفع أهالي البصرة إليه (ع) رسالة يطلبون منه رأيه في مسألة الجبر(٥٥٢) فأجابهم عليه السلام:
من لم يؤمن بالله وقضائه وقدره فقد كفر، ومن حمل ذنبه على ربه فقد فجر، إن الله لا يطاع استكراها، ولا يعصى لغلبة لأنه المليك لما ملكهم والقادر على ما أقدرهم فان عملوا بالطاعة لم يحل بينهم وبين ما فعلوا فاذا لم يفعلوا فليس هو الذي أجبرهم على ذلك، فلو اجبر الله الخلق على الطاعة لأسقط عنهم الثواب، ولو أجبرهم على المعاصي لاسقط عنهم العقاب، ولو اهملهم لكان عجزا فى القدرة ولكن له فيهم المشيئة التي غيبها عنهم فان عملوا بالطاعات كانت له المنة عليهم، وإن عملوا بالمعصية كانت الحجة عليهم(٥٥٣).
تقوى الله:
قال (ع) إن الله لم يخلقكم عبثا وليس بتارككم سدى، كتب آجالكم وقسم بينكم معايشكم ليعرف كل ذى منزلة منزلته وإن ما قدر له أصابه وما صرف عنه فلن يصيبه قد كفاكم مئونة الدنيا وفرغكم لعبادته وحثكم على الشكر وافترض عليكم الذكر وأوصاكم بالتقوى وجعل التقوى منتهى رضاه، والتقوى باب كل توبة ورأس كل حكمة وشرف كل عمل بالتقوى فاز من فاز من المتقين، قال الله تبارك وتعالى: (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً) وقال: (وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) فاتقوا عباد الله واعلموا أن من يتق الله يجعل له مخرجا من الفتن ويسدده في أمره ويهيأ له رشده، ويفلحه بحجته ويبيض وجهه ويعطيه رغبته مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا)(٥٥٤).
الوعظ والارشاد
قال عليه السلام: يا ابن آدم عف عن محارم الله تكن عابدا وارض بما قسم الله تكن غنيا، واحسن جوار من جاورك تكن مسلما وصاحب الناس بمثل ما تحب أن يصاحبوك به تكن عادلا، إنه كان بين أيديكم قوم يجمعون كثيرا ويبنون مشيدا ويأملون بعيدا اصبح جمعهم بورا وعملهم غرورا ومساكنهم قبورا، يا ابن آدم إنك لم تزل في هدم عمرك مذ سقطت من بطن أمك، فجد بما في يديك فان المؤمن يتزود والكافر يتمتع وكان يتلو عقيب كلامه هذا، قوله تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى)(٥٥٥).
وقال عليه السلام: اتقوا عباد الله وجدّوا في الطلب وتجاه الهرب وبادروا العمل قبل مقطعات النقمات وهادم اللذات، فان الدنيا لا يدوم نعيمها ولا تؤمن فجيعتها ولا تتوقى في مساويها، غرور حائل، وسناد مائل فاتعظوا عباد الله بالعبر واعتبروا بالأثر وازدجروا بالنعم وانتفعوا بالمواعظ، فكفى بالله معتصما ونصيرا وكفى بالكتاب حجيجا وخصيما وكفى بالجنة ثوابا وكفى بالنار عقابا ووبالا(٥٥٦).
وعزى عليه السلام رجلا قد مات بعض ذويه فقال له. إن كانت هذه المصيبة احدثت لك موعظة وكسبتك اجرا فهو، وإلا فمصيبتك في نفسك أعظم من مصيبتك في ميتك(٥٥٧).
وجاءه رجل من الاثرياء فقال له: يا ابن رسول الله اني أخاف من الموت!!!
فقال له عليه السلام: ذاك لأنك أخرت مالك ولو قدمته لسرك أن تلحق به(٥٥٨).
ومر عليه السلام على قوم يلعبون ويضحكون في يوم عيد الفطر فوقف عليه السلام والتفت إليهم قائلا: إن الله جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه بطاعته الى مرضاته فسبق قوم ففازوا، وقصر آخرون فخابوا، فالعجب كل العجب من ضاحك لاعب في اليوم الذي يثاب فيه المحسنون ويخسر فيه المبطلون، وأيم الله لو كشف الغطاء لعلموا ان المحسن مشغول باحسانه والمسيء مشغول بإساءته. ثم تركهم عليه السلام وانصرف(٥٥٩)
وقال عليه السلام: اوصيكم بتقوى الله وادامة التفكر فان التفكر أبو كل خير وأمه.
وقال عليه السلام: من عرف الله احبه ومن عرف الدنيا زهد فيها والمؤمن لا يلهو حتى يغفل واذا تفكر حزن(٥٦٠).
ومر عليه السلام على ميت يراد دفنه فقال: إن امرا هذا آخره لحقيق بأن يزهد في اوله، وان امرا هذا اوله لحقيق أن يخاف من آخره(٥٦١).
وقال عليه السلام: الناس في دار سهو وغفلة يعملون ولا يعلمون فاذا صاروا الى دار الآخرة صاروا الى دار يقين يعلمون ولا يعملون(٥٦٢).
طلب الرزق
قال عليه السلام: لا تجاهد الطلب جهاد الغالب ولا تتكل على القدر اتّكال المستسلم فان ابتغاء الفضل من السنة والاجمال فى الطلب من العفة وليست العفة بدافعة رزقا ولا الحرص بجالب فضلا فان الرزق مقسوم واستعمال الحرص استعمال المآثم(٥٦٣).
المساجد
قال عليه السلام: من ادام الاختلاف الى المسجد أصاب ثمان خصال آية محكمة، وأخا مستفادا، وعلما مستطرفا، ورحمة منتظرة، وكلمة تدله على هدى أو تردعه عن ردى، وترك الذنوب حياء او خشية(٥٦٤).
آداب المائدة
قال عليه السلام: غسل اليدين قبل الطعام ينفى الفقر وبعده ينفي الهم(٥٦٥).
وقال عليه السلام: في المائدة اثنتا عشرة خصلة يجب على كل مسلم أن يعرفها، أربع فيها فرض، واربع سنة، واربع تأديب.
الفرض: المعرفة، الرضا، التسمية، الشكر.
السنة: الوضوء قبل الطعام، الجلوس على الجانب الايسر، الاكل بثلاثة اصابع ولعق الاصابع.
التأديب: الاكل مما يليك، تصغير اللقمة، تجويد المضغ. قلة النظر فى وجوه الناس(٥٦٦)،
ولاء اهل البيت
قال له رجل: يا ابن رسول الله إني من شيعتكم!!!
فقال عليه السلام: يا عبد الله إن كنت لنا فى أوامرنا وزواجرنا مطيعا فقد صدقت، وان كنت بخلاف ذلك فلا تزد في ذنوبك بدعواك مرتبة شريفة لست من أهلها، لا تقل أنا من شيعتك، ولكن قل أنا من مواليكم ومحبيكم ومعادى اعدائكم وأنت في خير والى خير(٥٦٧).
التحذير من المحرفين لكتاب الله
قال عليه السلام: أيها الناس إنه من نصح لله وأخذ قوله دليل هدى للتي هي أقوم، وفقه الله للرشاد وسدده للحسنى، فان جار الله آمن محفوظ وعدوه خائف مخذول، فاحترسوا من الله بكثرة الذكر واخشوا الله بالتقوى وتقربوا الى الله بالطاعة فانه قريب مجيب، قال الله تعالى: (وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) فاستجيبوا لله وآمنوا به فانه لا ينبغي لمن عرف عظمة الله أن يتعاظم، فان رفعة الذين يعلمون عظمة الله أن يتواضعوا، والذين يعرفون ما جلال الله ان يتذللوا وسلامة الذين يعلمون ما قدرة الله ان يستسلموا له ولا ينكرون انفسهم بعد المعرفة ولا يضلون بعد الهدى، واعلموا علما يقينا انكم لن تعرفوا التقى حتى تعرفوا صفة الهدى ولن تمسكوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نبذه ولن تتلوا الكتاب حق تلاوته حتى تعرفوا الذي حرفه، فاذا عرفتم ذلك عرفتم البدع والتكلف ورأيتم الفرية على الله ورأيتم كيف يهوي من يهوي ولا يجهلنكم الذين لا يعلمون، والتمسوا ذلك عند أهله فانهم خاصة نور يستضاء بهم وأئمة يقتدى بهم، بهم عيش العلم وموت الجهل وهم الذين اخبركم حلمهم عن جهلهم، وحكم منطقهم عن صمتهم، وظاهرهم عن باطنهم لا يخالفون الحق ولا يختلفون فيه، وقد خلت لهم من الله سابقة ومضى فيهم من الله حكم، إن في ذلك لذكرى للذاكرين، واعقلوه اذا سمعتموه عقل رعاية، ولا تعقلوه عقل رواية فان رواة الكتاب كثير ورعاته قليل والله المستعان(٥٦٨).
الشاهد والمشهود
وجاء رجل الى مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليسأل عن المراد من قوله تعالى: (وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) فرأى في المسجد ثلاثة اشخاص قد احتف بكل واحد منهم جمع من الناس وهم يحدثونهم عما سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الاحكام والآداب فقصد واحدا منهم فسأله عن مسألته؟!!!
فقال له: الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة. ثم انعطف الى الثاني، فسأله عن مسألته؟!!!
فقال له: الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم النحر. ثم انعطف نحو الشخص الثالث فسأله عن مسألته؟!!!
فقال له: الشاهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمشهود يوم القيامة ودعم كلامه بالبرهان قائلا: أما سمعت الله يقول في كتابه العزيز: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً) وقال تعالى: (وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) فسأل من هو الاول؟ قيل له هو عبد الله بن عباس(٥٦٩)
فسأل من هو الثاني؟ قيل له عبد الله بن عمر(٥٧٠).
فسأل من هو الثالث؟ قيل له الحسن بن علي(٥٧١).
بعض خطبه:
وكان عليه السلام خطيبا مفوها من أبرع الخطباء واقدرهم على الارتجال والابداع في القول وإليك أيها القارئ الكريم بعضا من خطبه:
قال عليه السلام: نحن حزب الله المفلحون، وعترة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الاقربون، وأهل بيته الطاهرون الطيبون، وأحد الثقلين اللذين خلفهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والثاني كتاب الله فيه تفصيل كل شيء لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والمعول عليه في كل شيء لا يخطئنا تأويله، بل نتيقن حقائقه، فاطيعونا فاطاعتنا مفروضة إذ كانت بطاعة الله والرسول وأولي الامر مقرونة (فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) وأحذركم الاصغاء لهتاف الشيطان إنه لكم عدو مبين فتكونون كأوليائه الذين قال لهم: (لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ) فتلقون للرماح أزرا، وللسيوف جزرا، وللعمد خطأ، وللسهام غرضا، ثم لا ينفع نفسا إيمانها ما لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ايمانها خيرا، والله اعلم.
ومرض الامام علي عليه السلام يوما فأمر الحسن ان يصلي بالناس صلاة الجمعة، فصعد عليه السلام المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله لم يبعث نبيا إلا اختار له نفسا ورهطا وبيتا، فو الذي بعث محمدا بالحق لا ينتقص من حقنا أهل البيت أحد إلا نقصه الله من عمله، مثله ولا يكون علينا دولة إلا وتكون لنا العاقبة، ولتعلمن نبأه بعد حين(٥٧٢)
كلماته الحكمية القصار:
فضح الموت الدنيا(٥٧٣).
كن في الدنيا ببدنك وفى الآخرة بقلبك.
اجعل ما طلبت من الدنيا فلم تظفر به بمنزلة ما لم يخطر ببالك.
ما تشاور قوم إلا هدوا الى رشدهم.
إن من طلب العبادة تزكى لها.
المزاح يأكل الهيبة وقد اكثر من الهيبة الصامت.
تجهل النعم ما أقامت فاذا ولت عرفت.
الوعد مرض في الجود والانجاز دواؤه.
المسئول حر حتى يعد ومسترق بالوعد حتى ينجز.
لا تعاجل الذنب بالعقوبة، واجعل بينهما للاعتذار طريقا.
قطع العلم عذر المتعلمين.
اليقين معاذ السلامة.
لا يغش العاقل من استنصحه:
إذا أضرت النوافل بالفريضة فاتركوها.
الفرصة سريعة الفوت بطيئة العود.
وسأله شخص عن الصمت؟ فقال (ع): هو ستر العى وزين العرض وفاعله في راحة وجليسه في أمن.
فوت الحاجة خير من طلبها إلى غير أهلها.
أشد من المصيبة سوء الخلق.
من تذكر بعد السفر اعتدّ.
القريب من قربته المودة وإن بعد نسبه، والبعيد من باعدته المودة وإن قرب نسبه.
وقال (ع): لرجل قد برىء من مرضه، إن الله قد ذكرك فاذكره وأقالك فاشكره.
إن لم تطعك نفسك فيما تحملها عليه مما تكره فلا تطعها فيما تحملك عليه مما تهوى.
من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه.
العار أهون من النار.
قال (ع) لأصحابه: هل رأيتم ظالما أشبه بمظلوم؟ قالوا وكيف ذاك يا بن رسول الله؟!!
قال: الحاسد، فانه فى تعب ومن حسده فى راحة.
مروءة القناعة والرضا أكثر من مروءة الاعطاء.
تمام الصنيعة خير من ابتدائها.
نظمه للشعر:
إما نظم الامام (ع) للشعر فقليل وقد تقدمت فى بحوث هذا الكتاب أبيات نسبت له ولكن ابن رشيق قد عد الامام (ع)، من الشعراء واستشهد له ببيت واحد كان الامام قد أنشده وهو مختضب بالسواد فقال (ع):

نسود أعلاها وتأبى أصولها * * * فليت الذي يسود منها هو الأصل(٥٧٤)

وجاء فى أعيان الشيعة أنه (ع) قال في الوعظ:

ذرى كدر الأيام ان صفاءها * * * تولى بأيام السرور الذواهب
وكيف يغر الدهر من كان بينه * * * وبين الليالي محكمات التجارب

وجاء في المناقب أنه (ع) قال:

لئن ساءني دهر عزمت تصبرا * * * وكل بلاء لا يدوم يسير
وإن سرني لم أبتهج بسروره * * * وكل سرور لا يدوم حقير

إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن تراثه ومثله:
فى عهد الإمام على (ع)
واستقبل جمهور المسلمين خلافة الامام أمير المؤمنين بمزيد من السرور والابتهاج واتساع الأمل والرجاء فقد أيقنوا أن الامام سيرجع لهم الحريات المنهوبة. ويحطم عنهم أركان العبودية التي أقامها الحكم الأموي المهدوم، ويعيد لهم عهد النبوة الزاهر الذي انبسطت فيه الرحمة، وعم فيه العدل والرجاء، وانهم سينعمون ـ من دون شك ـ في ظل حكمه العادل الذي لا يعرف الإثرة والاستغلال، ولا يميز قوما على آخرين لقد وثق الجمهور أن الامام سيحقق لهم الأهداف النبيلة التي يصبون إليها من تحقيق العدل الاجتماعي والعدل السياسي في البلاد، وتطبيق المبادئ والنظم التي جاء بها الاسلام، والقضاء على جميع الفوارق والامتيازات التي خلفها عثمان، وقد هبوا بجميع طبقاتهم إلى الامام وهم يهتفون باسمه، ويعلنون رغبتهم الملحة فى أن يلي أمورهم ليحملهم على الحق الواضح والمحجة البيضاء، ونضع بين يدي القراء صورة مجملة عن البيعة وعن الأحداث التي رافقتها وهي:
البيعة:
واجتمع المهاجرون والأنصار ومعهم الثوار وبقية الجماهير ومن بينهم طلحة والزبير فهرعوا إلى الامام أمير المؤمنين وهو معتزل بداره فأحاطوا به من كل جانب وقالوا له:
(يا أبا الحسن. إن هذا الرجل قد قتل. ولا بد للناس من إمام. ولا نجد اليوم أحدا أحق بهذا الأمر منك، لا أقدم سابقة، ولا أقرب قرابة من رسول الله..).
فامتنع الامام من أجابتهم وقال لهم:
(لا حاجة لي فى أمركم فمن اخترتم رضيت به..)
فهتفوا بلسان واحد (ما نختار غيرك..)
وكثر اصرار الجماهير على الامام ولكنه لم يستجب لهم فخرجوا منه ولم يظفروا بشيء، وعقدت القوات المسلحة اجتماعا خاصا عرضت فيه الأحداث الخطيرة التي تواجه الأمة إن بقت بلا إمام يدير شئونها، وقد قررت على احضار المدنيين وارغامهم على انتخاب إمام للمسلمين فقالوا لهم:
(أنتم أهل الشورى، وأنتم تعقدون الإمامة. وحكمكم جائز على الأمة فانظروا رجلا تنصبونه، ونحن لكم تبع، وقد أجلناكم يومكم، فو الله لئن لم تفرغوا لنقتلن عليا وطلحة والزبير وتذهب من أضحية ذلك أمة من الناس..)(٥٧٥)
وفزع المدنيون بعد هذا الانذار والتهديد إلى الامام أمير المؤمنين، وهم يهتفون بلسان واحد
البيعة. البيعة
أما ترى ما نزل بالاسلام، وما ابتلينا به من أبناء القرى

وأجابهم الامام بهدوء قائلا:
(دعوني والتمسوا غيري.)
ثم أعرب لهم عن السر في توقفه من قبول الخلافة قائلا:
(أيها الناس، إنا مستقبلون أمرا له وجوه وله ألوان لا تقوم به القلوب ولا تثبت عليه العقول..)(٥٧٦)
لقد علم عليه السلام بما دب في نفوس الأمة من الشر، وبما ساد في نفوس زعمائها من الأهواء لا سيما ولاة عثمان وأسرته ومن يمت إليه فانهم جميعا سيقفون أمامه ويحولون بينه وبين تحقيق أهدافه العريضة، ولا بد أن يخلقوا المشاكل والمصاعب في وجه حكومته لذلك أصر على الامتناع من قبول الأمر.
وفكر الامام فى الأمر فقال لهم:
(إني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، وإن تركتموني فانما أنا كأحدكم ألا واني من أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه..)
وصاحوا به هاتفين:
(ما نحن بمفارقيك حتى نبايعك).
وقد وصف عليه السلام مدى انثيالهم عليه وشدة اصرارهم واقبالهم عليه بقوله:
(فما راعني إلا والناس كعرف الضبع إلى(٥٧٧) ينثالون عليّ من كل جانب حتى لقد وطئ الحسنان وشق عطفاي(٥٧٨) مجتمعين حولي كربيضة الغنم(٥٧٩)) وأجلهم الامام إلى صباح اليوم الآخر لينظر فى الأمر فافترقوا على ذلك، وقد خيم الليل على سماء المدينة وبرك بحمله على بيوتها فبات المدنيون ولكن في غير هدوء واطمئنان، ولما أصبح الصبح اجتمع الناس فى الجامع الأعظم فاقبل الامام، واعتلى أعواد المنبر فخطب فيهم قائلا:
(يا أيها الناس، إن هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم وقد افترقنا بالأمس وكنت كارها لأمركم فأبيتم إلا أن أكون عليكم ألا وانه ليس لي أن آخذ درهما دونكم فان شئتم قعدت لكم والا فلا آخذ على أحد..)
وتعالى هتاف الجماهير بلهجة واحدة
(نحن على ما رقناك عليه بالأمس..)
(اللهم اشهد عليهم.)
وتدافع الناس كالموج المتلاطم إلى البيعة، وتقدم طلحة فبايع بتلك اليد التي سرعان ما نكث بها عهد الله(٥٨٠) وجاء بعده الزبير فبايع كما بايع رفيقه وبايعه الوفد المصري والوفد العراقي، وبايعه الجمهور العام ولم يظفر أحد من الخلفاء بمثل هذه البيعة في شمولها، وعمت المسرة جميع المسلمين وقد وصف الامام مدى سرور الناس ببيعته بقوله:
(وبلغ من سرور الناس ببيعتهم إياي أن ابتهج بها الصغير، وهدج إليها الكبير، وتحامل نحوها العليل، وحسرت إليها الكعاب.)
لقد ابتهج المسلمون ببيعتهم إلى وصي رسول الله وباب مدينة علمه، وعمت الأفراح جميع أنحاء البلاد فقد أطلت على عالم الوجود حكومة العدل والمساواة، وتقلد الخلافة امام الحق، وناصر المظلومين، وأبو الأيتام الذي واسى الفقراء والمحرومين في سغبهم ومحنهم، القائل فى دور حكمه.
(أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم فى مكاره الدهر أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش..)
لقد نشرت في ذلك اليوم الخالد ألوية العدالة الكبرى، وتحققت الأهداف الأصيلة التي ينشدها الإسلام فى عالم السياسة والحكم فلا استغلال ولا مواربة ولا استبداد ولا انقياد للنزعات والعواطف كل ذلك حققه ابن أبي طالب في دور خلافته وحكمه.
تأييد الصحابة:
وانبرى كبار الصحابة وأعلام الاسلام من الذين آمنوا بحق أمير المؤمنين منذ وفاة النبي فأبدوا سرورهم البالغ بهذه البيعة، وأعلنوا تأييدهم الشامل لحكومة الامام وحثوا المسلمين إلى تدعيمها وهم:
١ ـ ثابت بن قيس
ووقف ثابت بن قيس خطيب الأنصار فخاطب الامام قائلا:
(والله يا أمير المؤمنين لئن كان قد تقدموك فى الولاية فما تقدموك في الدين ولئن كانوا سبقوك أمس لقد لحقتهم اليوم، ولقد كانوا وكنت لا يخفى موضعك، ولا يجهل مكانك، يحتاجون إليك فيما لا يعلمون وما احتجت إلى أحد مع علمك..)
٢ ـ خزيمة بن ثابت
وانطلق الصحابي العظيم خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين فقال:
(يا أمير المؤمنين، ما أصبنا لأمرنا هذا غيرك ولا كان المنقلب إلا إليك ولئن صدقنا أنفسنا فيك لأنت أقدم الناس إيمانا، واعلم الناس بالله وأولى المؤمنين برسول الله (ص) لك ما لهم وليس لهم مالك..)
وجرت على لسانه أبيات من الشعر فخاطب الجماهير بها:

إذا نحن بايعنا عليا فحسبنا * * * أبو حسن مما نخاف من الفتن
وجدناه أولى الناس بالناس انه * * * أطب قريش بالكتاب وبالسنن
وإن قريشا ما تشق غباره * * * إذا ما جرى يوما على الضمر البدن
وفيه الذي فيهم من الخير كله * * * وما فيهم كل الذي فيه من حسن(٥٨١)

٣ ـ صعصعة بن صوحان
وقام صعصعة بن صوحان فقال للامام:
(والله يا أمير المؤمنين لقد زينت الخلافة وما زانتك، ورفعتها وما رفعتك ولهي إليك أحوج منك إليها،.)(٥٨٢)
٤ ـ مالك الأشتر
واندفع الزعيم الكبير مالك الأشتر فخاطب المسلمين قائلا:
(أيها الناس هذا وصي الأوصياء، ووارث علم الأنبياء، العظيم البلاء الحسن العناء، الذي شهد له كتاب الله بالايمان ورسوله بجنة الرضوان، من كملت فيه الفضائل، ولم يشك في سابقته وعلمه وفضله الأواخر ولا الأوائل..)
٥ ـ عقبة بن عمرو
وقام عقبة بن عمرو فأشاد بفضل الامام قائلا:
(من له يوم كيوم العقبة، وبيعة كبيعة الرضوان، والامام الأهدى الذي لا يخاف جوره، والعالم الذي لا يخاف جهله..)(٥٨٣)
وتتابعت الصحابة وهي تشيد بفضائل أبي الحسين وتذكر مناقبه ومآثره وتدعوا المسلمين إلى تأييد حكومته.
وجوم القرشيين:
واستقبلت قريش وسائر القوى المنحرفة عن الحق خلافة الامام أمير المؤمنين فى كثير من الوجوم والقلق والاضطراب لأن الامام قد وترهم في سبيل الدعوة الاسلامية وقضى على الكثير من عيونهم ووجوههم فقد قتل من أعلام بني أمية عتبة بن ربيعة جد معاوية، والوليد بن عتبة خاله، وحنظلة أخاه وقتل غير هؤلاء من أقطاب الشرك ودعائم الالحاد ما أوغر به الصدور وأثار الحفائظ عليه ومضافا لذلك فان سياسة الامام تتصادم مع مصالحهم ومنافعهم فانها تحارب الإثرة والاستغلال، ولا تقر بأي حال من الأحوال سياسة النهب والإيثار التي سار عليها عثمان لذلك أظهرت قريش تمردها على حكومته، وقد أعرب عن هذه المناحي بأسرها الوليد حينما حمل على البيعة ومعه الأمويون فقال للإمام:
(إنك وقد وترتنا جميعا أما أنا فقتلت أبي صبرا يوم بدر، وأما سعيد فقتلت أباه يوم بدر وكان أبوه من نور قريش، وأما مروان فشتمت أباه وعبت على عثمان حين ضمه إليه، فنبايع على أن تضع عنا ما أصبنا وتعفي لنا عما في أيدينا، وتقتل قتلة صاحبنا..)
فرد عليه الامام مقالته وأجابه بمنطق الاسلام الذي لا تعيه قريش قائلا:
(أما ما ذكرت من وتري إياكم فالحق وتركم، وأما وضعي عنكم عما فى أيديكم فليس لي أن أضع حق الله، وأما إعفائي عما في أيديكم فما كان لله وللمسلمين فالعدل يسعكم، وأما قتلي قتلة عثمان فلو لزمني قتالهم اليوم لزمني قتالهم غدا ولكن لكم أن أحملكم على كتاب الله وسنة نبيه فمن ضاق الحق فالباطل عليه أضيق، وإن شئتم فالحقوا بملاحقكم..)(٥٨٤)
ان قريشا تريد المساومة من الامام على أموال الأمة، وتريد منه أن ينحرف عن خطته القويمة التي تنشد المصلحة العامة، وحمل الناس على الحق الواضح والمحجة البيضاء، ولكن الامام قد عاهد الله وعاهد المسلمين أن يطبق أحكام القرآن ويحيي معالم الإسلام، ويسير على ضوء سنة النبي (ص) وأن لا ينصاع للأحداث والظروف مهما كانت قاسية وشديدة، وأن يقف بالمرصاد لكل ظالم ومعتد على المسلمين، لذا أظهرت قريش حقدها البالغ على حكومته، وهبت بأحلافها وأبنائها على اعلان التمرد والعصيان، ويصف ابن أبي الحديد مدى اضطرابهم وقلقهم بقوله:
(كأنها حاله لو أفضت الخلافة إليه يوم وفاة ابن عمه من اظهار ما في النفوس وهيجان ما في القلوب حتى الأحلاف من قريش، والأحداث والفتيان الذين لم يشهدوا وقائعه، وفتكاته في أسلافهم وآبائهم فعلوا ما لو كانت الأسلاف أحياء لقصرت عن فعله..)
لقد امتحن الامام امتحانا عسيرا بهؤلاء العتاة الذين لم ينفث الإسلام إلى قلوبهم ومشاعرهم، وقد أترعت نفوسهم بالحقد عليه لأنه وقف إلى جانب النبي (ص) يحمي دعوته، ويصد عنه اعتداء الغادرين والمعتدين وأطاح برءوس الكافرين والملحدين منهم، وقد أعرب عن مدى استيائه منهم بقوله:
(ما لي ولقريش لقد قتلتهم كافرين، ولأقتلنهم مفتونين.. والله لأبقرن الباطل حتى يظهر الحق من خاصرته.. فقل لقريش فلتضج ضجيجها.)
لقد وجدت قريش على الامام وحالت بينه وبين حقه منذ وفاة النبي (ص) فصرفت عنه الخلافة تارة إلى تيم وأخرى إلى عدي، وثالثة إلى أمية، وهي جادة على أن تخلق الشغب والتمرد حتى تجهز على حكومته، وقد ظهر ذلك منها في موقعة الجمل وصفين.
القعاد:
وتخلف جماعة عن البيعة لأمير المؤمنين سماهم المسعودي (بالقعاد)(٥٨٥) وسماهم أبو الفداء (بالمعتزلة)(٥٨٦) وسئل الامام عنهم فقال: (أولئك قوم قعدوا عن الحق ولم يقوموا مع الباطل)(٥٨٧) وهم سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وحسان بن ثابت وكعب بن مالك ومسلمة بن مخلد، وأبو سعيد الخدري، ومحمد بن مسلمة، والنعمان بن بشير، وزيد بن ثابت ورافع بن خديج، وفضالة بن عبيد، وكعب بن عجرة، وعبد الله بن سلام وصهيب بن سنان، وسلامة بن سلامة، وأسامة بن زيد، وقدامة بن مظعون والمغيرة بن شعبة(٥٨٨) وهؤلاء قد انحرفوا عن الحق وضلوا عن الطريق فان بيعة الامام قد قام عليها الاجماع وليس لهم أي عذر في التأخر عن مبايعته فتخلفهم كان خرقا للاجماع، وخروجا على ارادة الأمة، وقد فتحوا بذلك باب البغي والتمرد على حكومة الامام، وأشعلوا نار الفتنة في البلاد، وقد اعتذر سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة في الجنة ـ كما يقولون ـ عن سبب اعتزاله عن الامام وعن بني أمية أيام الفتنة الكبرى فقال: إني لا أقاتل حتى يأتوني بسيف مبصر عاقل ناطق ينبئني أن هذا مسلم وهذا كافر، وهو اعتذار مهلهل لا يدعمه منطق ولا برهان فان بيعة الامام كانت شرعية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة فقد اصحر بها الامام وبايعه جمهور المسلمين ولم تكن بيعته فلتة كبيعة أبي بكر، ولا بادلاء شخص معين كبيعة عمر، ولم تستند إلى جماعة معينة كبيعة عثمان فالفئة التي خرجت عليه كانت باغية يجب قتالها كما أمر الله بذلك قال تعالى: (فقاتلوا التي تبغي حتى تفىء إلى أمر الله) ولكن سعدا كان يحمل حقدا على الامام وهو الذي وهب صوته إلى عبد الرحمن بن عوف لاضعاف كفة الامام كما بينا ذلك في حديث الشورى، وأخيرا ندم على ما فرط في أمره وود أن يكون مع الامام، كما ندم عبد الله بن عمر فقال عند موته: إني لم أخرج من الدنيا وليس في قلبي حسرة إلا تخلفي عن علي، وقد انتقم الله منه فأراه الذل والهوان فى أواخر أيامه فقد عاش إلى زمن عبد الملك فجاء الحجاج ليأخذ البيعة له فجاء عبد الله في آخر الناس لئلا يراه أحد فعرف الحجاج ذلك فاحتقره واستهان به وقال له:
(لم لم تبايع أبا تراب وجئت تبايع آخر الناس لعبد الملك أنت أحقر من أن أمد لك يدي دونك رجلي فبايع..)
ومد إليه رجله وفيها نعله فبايعها، ان هؤلاء القعاد يعلمون ـ من دون شك ـ ان الحق مع علي وانه أولى بالأمر من غيره لسابقته في الاسلام ولعلمه وفقهه وتحرجه في الدين ولكن الأهواء ودواعي الغرور هي التي باعدت بينهم وبين دينهم فناصبوا عترة نبيهم وأبعدوهم عن مراتبهم التي رتبهم الله فيها فإنا لله وإنا إليه راجعون.
مصادرة الاموال المنهوبة:
وكانت فاتحة الأعمال التي قام بها الامام أمير المؤمنين أن أصدر قراره الحاسم برد القطائع التي أقطعها عثمان، وباسترجاع الأموال التي استأثر بها والأموال التي منحها لذوي قرباه لأنها أخذت بغير وجه مشروع، وقد صودرت أموال عثمان حتى سيفه ودرعه، وفي ذلك يقول الوليد بن عقبة يخاطب بني هاشم:

بني هاشم ردوا سلاح ابن أختكم * * * ولا تنهبوه لا تحل مناهبه
بني هاشم كيف الهوادة بيننا * * * وعند علي درعه ونجائبه
بني هاشم: كيف التودد منكم * * * وبزّ ابن أروى فيكم وحرائبه
بني هاشم: ألا تردوا فاننا * * * سواء علينا قاتلاه وسالبه
بني هاشم إنا وما كان منكم * * * كصدع الصفا لا يشعب الصدع شاعبه
قتلتم أخي كيما تكونوا مكانه * * * كما غدرت يوما بكسرى مرازبه

فرد عليه عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بأبيات منها:

فلا تسألونا سيفكم إن سيفكم * * * أضيع وألقاه لدى الروع صاحبه
وشبهته كسرى وقد كان مثله * * * شبيها بكسرى هديه وضرائبه

وقد أثارت هذه الاجراءات العادلة سخط الذين استباحوا نهب أموال المسلمين وتمرغوا بالدنيا فقد كتب عمرو بن العاص إلى معاوية رسالة جاء فيها (ما كنت صانعا فاصنع إذ قشرك ابن أبي طالب من كل مال تملكه، كما تقشر عن العصا لحاها)(٥٨٩)
وأوجس خيفة كل من طلحة والزبير ومن شابهما ممن أقطعهم عثمان ووهبهم الأموال الطائلة والثراء فخافوا على ما في أيديهم من أن يصدر الحكم بمصادرته فأظهروا بوادر الشقاق والبغي وأعلنوا التمرد على الامام.
عزل الولاة:
ومضى أمير المؤمنين يؤسس معالم العدل في البلاد فأصدر أوامره بعزل ولاة عثمان واحدا بعد واحد لأنهم أظهروا الجور والفساد في الأرض. وقد أبى الامام أن يبقيهم في جهاز الحكم لحظة واحدة لأن في ابقائهم اقرارا للظلم والطغيان، وقد عزل بالفور معاوية بن أبي سفيان، وقد نصحه جماعة من المخلصين له أن يبقيه على عمله حتى تستقر الحال فأبى وامتنع من المداهنة في دينه، وقد دخل عليه زياد بن حنظلة ليعرف رأيه فى معاوية فقال له الامام:
ـ تيسر يا زياد
ـ لأي شيء يا أمير المؤمنين؟
ـ لغزو الشام
ـ الرفق والأناة أمثل
فأجابه الامام:

متى تجمع القلب الذكي وصارما * * * وأنفا حميا تجتنبك المظالم

وعبأ جيوشه لغزو الشام والقضاء على الحكم الأموي الجاثم عليها الا انه فوجئ بتمرد طلحة والزبير وعائشة فانشغل بهم وانصرف إلى القضاء على تمردهم كما سنبينه بالتفصيل في البحوث الآتية،
اعلان المساواة:
وانطلق رائد العدالة الاجتماعية الكبرى في الارض فاعلن المساواة العادلة بين جميع المسلمين سواء فى العطاء أو في غيره، وقد عوتب على خطته فاجاب:
(أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه، والله ما أطور به ما سمر سمير، وما أم نجم في السماء نجما، لو كان المال لي لسويت بينهم فكيف وإنما المال مال الله! الا وإن اعطاء المال في غير حقه تبذير واسراف، وهو يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في الآخرة ويكرمه في الناس ويهينه عند الله..)(٥٩٠).
إن المساواة التي اعلنها الإمام كانت تهدف إلى ايجاد مجتمع لا تطغى فيه العنصريات والقوميات، ولا يوجد فيه بائس ومحروم وعاطل، وينعدم فيه الظلم والطغيان والاستبداد والاستغلال.
ان المساواة التي طبقها الامام في دور حكمه كانت ترتكز على المفاهيم الإسلامية البناءة التي تهدف إلى تطبيق العدل السياسي والعدل الاجتماعي في الأرض، والى القضاء على جميع افانين الظلم وضروب الجور والاستبداد وقد هبت القوى النفعية الى معارضتها كما ناجزت الرسول في بدء دعوته، وناهضت مبادئه وأهدافه.
وصاياه لولده الحسن:
وللامام أمير المؤمنين وصايا تربوية لولده الحسن حافلة بالقيم العليا والمثل الانسانية الكريمة، وأهمها وصيته الخالدة التي كتبها بحاضرين(٥٩١) حال انصرافه من صفين، وقد حفلت بالدروس القيمة، والآداب الاجتماعية، وحقا أن ترسم على صفحات القلوب، وأن يجعلها المسلمون دستورا لهم في سلوكهم الفردي والاجتماعي، ونسوق الى القراء بعضا من فصولها:
(من الوالد الفان المقر للزمان(٥٩٢) المدبر العمر، المستسلم للدهر، الذام للدنيا، الساكن مساكن الموتى، والظاعن عنها غدا، إلى المولود المؤمل ما لا يدرك(٥٩٣) السالك سبيل من قد هلك غرض الاسقام، ورهينة الايام، ورمية المصائب(٥٩٤) وعبد الدنيا، وتاجر الغرور، وغريم المنايا. وأسير الموت، وحليف الهموم، وقرين الأحزان ونصب الآفات(٥٩٥) وصريع الشهوات، وخليفة الاموات...).
لقد اعرب عليه السلام بهذه الكلمات الذهبية عن استسلامه للدهر وإدباره عن الدنيا فقد كان عمره الشريف حين كتابته لهذه الوصية ينيف على ستين عاما، وهو سن من يفارق الحياة، ويقبل على الآخرة، وقد وصف كل من يولد في الدنيا بأنه يؤمل ما لا يدركه، في الوقت الذي يسلك فيه سبيل الهالكين، وانه غرض للاسقام وحليف للهموم والاحزان وقد ذكر (ع) بعد هذا الاسباب الوثيقة التي دعته لرسم هذه الوصية فيقول:
(.. أما بعد، فان فيما تبينت من إدبار الدنيا عنى، وجموح الدهر علىّ(٥٩٦)، وإقبال الآخرة إلىّ، ما يرغبني عن ذكر من سواى والاهتمام بما ورائى(٥٩٧) غير أنى حيث تفرد بي ـ دون همموم الناس ـ هم نفسى، فصدقنى رأيى وصرفني عن هوائي، وصرح لى محض أمرى، فأفضى بي إلى جد لا يكون فيه لعب، وصدق لا يشوبه كذب، ووجدتك بعضي بل وجدتك كلى حتى كأن شيئا لو أصابك اصابني. وكأن الموت لو أتاك أتاني فعنانى من أمرك ما يعنيني من امر نفسى، فكتب إليك (كتابى) مستظهرا به(٥٩٨) إن أنا بقيت لك أو فنيت..)
وبعد ما ذكر العوامل التي دعته لأن يرسم هذه الوصية شرع في بيان المثل الكاملة التي ينبغي لولده أن يتمسك بها ويسير عليها فقال:
(.. فانى أوصيك بتقوى الله ولزوم أمره، وعمارة قلبك بذكره والاعتصام بحبله، وأى سبب أوثق من سبب بينك وبين الله إن أنت أخذت به؟
أحى قلبك بالموعظة، وأمته بالزهادة، وقوه باليقين، ونوره بالحكمة، وذلّله بذكر الموت، وقرره بالفناء(٥٩٩)، وبصره فجائع الدنيا وحذره صولة الدهر، وفحش تقلب الليالى والأيام، وأعرض عليه أخبار الماضين وذكره بما اصاب من كان قبلك من الأولين، وسر في ديارهم وآثارهم، فانظر فيما فعلوا، وعما انتقلوا، وأين حلوا ونزلوا، فانك تجدهم قد انتقلوا عن الأحبة وحلوا ديار الغربة، وكأنك عن قليل قد صرت كأحدهم، فاصلح مثواك. ولا تبع آخرتك بدنياك، ودع القول فيما لا تعرف، والخطاب فيما لم تكلف وأمسك عن طريق إذا خفت ضلالته، فان الكف عند حيرة الضلال خير من ركوب الأهوال، وأمر بالمعروف تكن من أهله وأنكر المنكر بيدك ولسانك، وباين من فعله بجهدك، وجاهد في الله حق جهاده، ولا تأخذك في الله لومة لائم، وخض الغمرات(٦٠٠) للحق حيث كان، وتفقه في الدين، وعود نفسك التصبر على المكروه، ونعم الخلق التصبر (فى الحق) وألجئ نفسك فى الأمور كلها إلى إلهك فانك تلجئها إلى كهف حريز(٦٠١)، ومانع عزيز وأخلص في المسألة لربك فان بيده العطاء والحرمان، واكثر الاستخارة(٦٠٢)، وتفهم وصيتي، ولا تذهبن عنها صفحا(٦٠٣) فان خير القول ما نفع، وأعلم أنه لا خير في علم لا ينفع، ولا ينتفع بعلم لا يحق تعلمه(٦٠٤).
إن هذه الحكم التي تضمنها كلامه الشريف هى برامج السعادة وخلاصة الحكمة والآداب والتهذيب، ويعرب (ع) في كلماته الآتية عن بلوغه سن الشيخوخة وهو يخاف أن يهجم عليه الموت دون أن يدلى بهذه الحكم إلى ولده فيقول:
(.. أى بنى، إنى لما رأيتنى قد بلغت سنا(٦٠٥) ورأيتنى أزداد وهنا بادرت بوصيتي إليك، وأوردت خصالا منها قبل أن يعجل بي أجلى دون أن أفضى(٦٠٦) إليك بما في نفسى، وأن انقص(٦٠٧) في رأيي كما نقصت في جسمى، أو يسبقنى إليك بعض غلبات الهوى، أو فتن الدنيا(٦٠٨)، فتكون كالعصب النفور(٦٠٩)، وإنما قلب الحدث كالارض الخالية، ما القى فيها من شيء قبلته. فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبك. لتستقبل بجد رأيك من الأمر ما قد كفاك أهل التجارب بغيته(٦١٠) وتجربته، فتكون قد كفيت مؤونة الطلب وعوفيت من علاج التجربة، فأتاك من ذلك ما قد كنا نأتيه، واستبان لك ما ربما اظلم علينا منه..)
انه عليه السلام لما طعن في السن أراد أن يضع في نفس ولده ما استقر في نفسه الشريفة من الآداب والكمال، ويغذيه بأطرف الحكم ويلمسه أهم العبر التي حدثت في عالم الوجود والتي أخذ خلاصتها الحكماء وأهل التجارب، يضع كل ذلك أمام ولده ليستبين له كل شيء، ويعرف خلاصة الأمور واهمها، ثم يسترسل الامام الحكيم في وصيته فيقول.
(.. أى بنى، إنى ـ وإن لم أكن عمرت عمر من كان قبلى ـ فقد نظرت في أعمالهم، وفكرت في اخبارهم، وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم بل كأني بما انتهى إلى من أمورهم قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم فعرفت صفو ذلك من كدره، ونفعه من ضرره، فاستخلصت لك من كل أمر نخيله(٦١١) وتوخيت لك جميله، وصرفت عنك مجهوله ورأيت ـ حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشفيق وأجمعت(٦١٢) عليه من أدبك ـ أن يكون(٦١٣) ذلك وأنت مقبل العمر، ومقتبل الدهر، ذو نية سليمة ونفس صافية، وأن ابتدئك بتعليم كتاب الله وتأويله وشرائع الاسلام واحكامه، وحلاله وحرامه، (و) لا اجاوز لك إلى غيره(٦١٤) ثم اشفقت(٦١٥) أن يلتبس عليك ما اختلف الناس فيه من اهوائهم وآرائهم مثل الذي التبس عليهم، فكان إحكام ذلك على ما كرهت من تنبيهك له أحب إلى من إسلامك إلى أمر لا آمن عليك به الهلكة(٦١٦) ورجوت أن يوفقك الله لرشدك، وأن يهديك لقصدك، فعهدت إليك بوصيتى هذه..)
سيدي أيها الخبير بأحوال الناس العارف بصفو الأمور وكدرها المحيط بجوهر الاشياء، حدثنا عن أحب الامور إليك وأهمها عندك فيقول
(.. واعلم يا بنى، أن أحب ما أنت آخذ به إلىّ من وصيتي، تقوى الله والاقتصار على ما فرضه الله عليك، والأخذ بما مضى عليه الأولون من آبائك والصالحون من أهل بيتك فانهم لم يدعوا أن نظروا لأنفسهم كما أنت ناظر. وفكروا كما أنت مفكر، ثم ردهم آخر ذلك إلى الأخذ بما عرفوا والامساك عما لم يكلفوا فان أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا فليكن طلبك ذلك بتفهم وتعلم، لا بتورط الشبهات وعلو الخصوصيات، وأبدأ ـ قبل نظرك في ذلك ـ بالاستعانة بالهك، والرغبة إليه في توفيقك، وترك كل شائبة أولجتك في شبهة(٦١٧)، أو اسلمتك إلى ضلالة، فاذا أيقنت أن قد صفا قلبك فخشع، وتم رأيك فاجتمع، وكان همك فى ذلك هما واحدا، فانظر فيما فسرت لك، وإن أنت لم يجتمع لك ما تحب من نفسك وفراغ نظرك وفكرك، فاعلم أنك إنما تخبط العشواء(٦١٨) وتتورط الظلماء، وليس طالب الدين من خبط أو خلط! والامساك عن ذلك امثل..
فتفهم يا بني وصيتي، واعلم أن مالك الموت هو مالك الحياة، وأن الخالق هو المميت، وأن المفنى هو المعيد) وأن المبتلى هو المعافي، وأن الدنيا لم تكن لتستقر إلا على ما جعلها الله عليه من النعماء(٦١٩) والابتلاء والجزاء في المعاد، أو ما شاء مما لا نعلم فان أشكل عليك شيء من ذلك فاحمله على جهالتك به فانك أول ما خلقت جاهلا ثم علمت، وما اكثر ما تجهل من الأمر) ويتحير فيه رأيك ويضل فيه بصرك ثم تبصره بعد ذلك فاعتصم بالذى خلقك ورزقك وسواك، وليكن له تعبدك، وإليه رغبتك، ومنه شفقتك(٦٢٠).
وبعد هذا شرع (ع) في توحيد الله وإقامة الادلة عليه وبعد فراغه من ذلك أخذ في بيان الآداب الاجتماعية فقال:
يا بنى، اجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبين غيرك، فاحبب لغيرك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لها، ولا تظلم كما لا تحب أن تظلم واحسن كما تحب أن يحسن إليك، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك، وارض من الناس بما ترضاه لهم من نفسك(٦٢١) ولا تقل ما لا تعلم وإن قل ما تعلم، ولا تقل ما لا تحب أن يقال لك.
واعلم أن الاعجاب ضد الصواب، وآفة الألباب(٦٢٢) فاسع في كدحك(٦٢٣) ولا تكن خازنا لغيرك(٦٢٤) وإذا كنت هديت لقصدك فكن اخشع ما تكون لربك.
إن هذه الحكم القيمة لو سار عليها الانسان لكان اسمى مثل للتهذيب والسمو والكمال، فقد احتوت على اصول العدل واسس الفضيلة والكمال ومن جملة هذه الحكم الخالدة قوله:
وأعلم يقينا أنك لن تبلغ أملك، ولن تعدو أجلك، وأنك في سبيل من كان قبلك فخفض في الطلب(٦٢٥) وأجمل في المكتسب، فإنه رب طلب قد جر إلى حرب(٦٢٦) فليس كل طالب بمرزوق، ولا كل مجمل بمحروم، وأكرم نفسك عن كل دنية وإن ساقتك إلى الرغائب فانك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا(٦٢٧) ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا، وما خير خير لا ينال إلا بشر(٦٢٨) ويسر لا ينال إلا بعسر؟!(٦٢٩)، وإياك أن توجف بك مطايا الطمع(٦٣٠) فتوردك مناهل الهلكة وإن استطعت أن لا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل، فانك مدرك قسمك، وآخذ سهمك! وإن اليسير من الله ـ سبحانه ـ اعظم وأكرم من الكثير من خلقه وإن كان كل منه.
وتلا فيك(٦٣١) ما فرط من صمتك أيسر من إدراكك ما فات من منطقك، وحفظ ما في الوعاء بشد الوكاء، وحفظ ما في يديك أحب إلي من طلب ما في يد غيرك(٦٣٢) ومرارة اليأس خير من الطلب إلى الناس والحرفة مع العفة خير من الغنى مع الفجور، والمرء احفظ لسره(٦٣٣) ورب ساع فيما يضره(٦٣٤) من اكثر أهجر(٦٣٥) ومن تفكر أبصر!
قارن أهل الخير تكن منهم، وباين أهل الشر تبن عنهم! بئس الطعام الحرام، وظلم الضعيف افحش الظلم. إذا كان الرفق خرقا كان الخرق رفقا(٦٣٦) ربما كان الدواء داء والداء دواء، وربما نصح غير الناصح وغش المستنصح(٦٣٧) وإياك واتكالك على المنى فانها بضائع الموتى والعقل حفظ التجارب. وخير ما جربت ما وعظك. بادر الفرصة قبل أن تكون غصة. ليس كل طالب يصيب، ولا كل غالب يؤوب، ومن الفساد اضاعة الزاد، ومفسدة المعاد، ولكل أمر عاقبة، سوف يأتيك ما قدر لك، التاجر مخاطر!! ورب يسير أنمى من كثير، ولا خير في معين مهين ولا في صديق ظنين، ساهل الدهر ما ذلّ لك قعوده(٦٣٨) ولا تخاطر بشيء رجأ اكثر منه وإياك أن تجمح بك مطية اللجاج!! احل نفسك من أخيك ـ عند صرمه ـ على الصلة(٦٣٩) وعند صدوده على اللطف والمقاربة وعند جموده(٦٤٠) على البذل وعند تباعده على الدنو، وعند شدته على اللين، وعند جرمه على العذر، حتى كأنك له عبد، وكأنه ذو نعمة عليك، وإياك أن تضع ذلك في غير موضعه، أو أن تفعله بغير أهله، لا تتخذن عدو صديقك عدوا فتعادي صديقك، وامحض أخاك النصيحة حسنة كانت أو قبيحة، وتجرع الغيظ فاني لم أر جرعة أحلى منها عاقبة ولا ألذ مغبة(٦٤١) ولن لمن غالظك فانه يوشك أن يلين لك وخذ على عدوك بالفضل فانه أحلى الظفرين، وان أردت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقية يرجع إليها إن بدا له ذلك يوما ما ومن ظن بك خيرا فصدق ظنه، ولا تضيعن حق أخيك اتكالا على ما بينك وبينه فانه ليس لك بأخ من أضعت حقه، ولا يكن أهلك أشقى الخلق بك، ولا ترغبن فيمن زهد عنك، ولا يكونن أخوك على مقاطعتك أقوى منك على صلته، ولا يكونن على الاساءة أقوى منك على الاحسان، ولا يكبرن عليك ظلم من ظلمك فانه يسعى في مضرته ونفعك وليس جزاء من سرك أن تسؤه.)
وهكذا يسترسل الامام (ع) فى كلامه فيضع جواهر الحكم القيمة واسمى الدروس النافعة واثمن الآراء الصائبة في وصيته، ونكتفي بهذا المقدار منها وبها ينتهى بنا المطاف لنلتقي مع الامام فى البصرة.
فى البصرة
تمت البيعة للامام من جميع الحواظر الاسلامية سوى الشام، وآمن المسلمون بالأهداف الاصيلة التي ينشدها الحكم الجديد، وايقنوا أن الامام سيعيد لهم رحمة الاسلام وعدله، وان حكمه امتداد لحكم النبي وسيرته، وقد قام الامام في اليوم الاول من خلافته بتطبيق العدالة الاسلامية الكبرى، وتحقيق المساواة الشاملة بين المسلمين سواء فى العطاء أو فى غيره من المجالات العامة، وحطم الفوارق والامتيازات التي اوجدها عثمان على مسرح الحياة الاسلامية، وقام بمصادرة الأموال المنهوبة التي منحها عثمان لأسرته وأقاربه وقد قضى بذلك على الغبن الاجتماعي، والظلم الاجتماعي، كما قام بحماية المسلمين من الاستغلال والاستبداد، وصيانتهم من التدهور والانحطاط، وقد أثارت هذه المبادئ والأهداف سخط النفعيين والمنحرفين فلم تمض أيام قليلة حتى اظهروا بوادر البغي والشقاق، واعلنوا التمرد والعصيان وقاموا بعد وانهم المسلح لاجل الاطاحة بالحكم القائم واعادة سياسة النهب والتجويع، وأبطال هذه المؤامرة عائشة وطلحة والزبير فقد أثاروها حربا شعواء من اجل مطامعهم الرخيصة، فكانت موقعة البصرة التي صدعت شمل المسلمين، وأشاعت الحزن والحداد فى ربوعهم، وعلينا أن ننظر إلى فصول هذه المأساة الكبرى التي نشرت الفتن والكوارث في أجواء العالم الاسلامي لنتبين بواعثها ودوافعها.
تمرد طلحة والزبير
وتعرض كثير من المسلمين لأسباب الفتن ودواعي الغرور وطرأت عليهم من الأحداث ما باعدت بينهم وبين دينهم وبين عهدهم الأول، والسبب فى ذلك انهم امتحنوا بالسلطة وبالثراء الواسع العريض، ومن هؤلاء طلحة والزبير فقد انطلقا إلى الامام أمير المؤمنين فقالا له:
(هل تدرى على م بايعناك يا أمير المؤمنين؟؟)
فرمقهما الامام بطرفه وقال لهما:
ـ نعم على السمع والطاعة، وعلى ما بايعتم عليه أبا بكر وعمر وعثمان ـ لا ـ ولكن بايعناك على أنا شريكاك في الأمر
ـ لا ـ ولكنكما شريكان فى القول والاستقامة والعون على العجز والأود إن بيعتهما للامام فى قرارة أنفسهما كانت مدفوعة بالدوافع المادية البحتة، فهما يريدان الحكم، والمساومة على السلطة، وهمها فى نظر الامام شريكان له فى الاستقامة وفى تحقيق العدالة بين المسلمين، ولما استبان لهما أنه لا يوليهما شيئا اظهرا الشكاة واعلنا التمرد فقال الزبير فى ملأ من قريش:
(هذا جزاؤنا من علي، قمنا له فى أمر عثمان حتى أثبتنا عليه الذنب وسببنا له القتل، وهو جالس فى بيته وكفى الأمر فلما نال بنا ما أراد جعل دوننا غيرنا..)
وقال طلحة:
(ما اللوم الا انا كنا ثلاثة من أهل الشورى كرهه أحدنا(٦٤٢)، وبايعناه، واعطيناه ما فى أيدينا، ومنعنا ما فى يده فأصبحنا قد اخطأنا ما رجونا..)
وانتهى حديثهما إلى الامام أمير المؤمنين فاستدعى عبد الله بن عباس فقال له:
ـ بلغك قول الرجلين؟
ـ نعم
ـ أرى أنهما أحبا الولاية فول البصرة الزبير، وول طلحة الكوفة وأنبرى الامام يفند رأى ابن عباس، ويبين له أن فى ولايتهما خطرا على الأمة قائلا:
(ويحك!! إن العراقين بهما الرجال والأموال، ومتى تملكا رقاب الناس يستميلا السفيه بالطمع، ويضربا الضعيف بالبلاء، ويقويا على القوى بالسلطان، ولو كنت مستعملا أحدا لضره ونفعه لاستعملت معاوية على الشام، ولو لا ما ظهر لي من حرصهما على الولاية لكان لي فيهما رأي)(٦٤٣) ودلت هذه البادرة على مدى حرص طلحة والزبير على الامارة والسلطان، وانهما إنما أثارا سخط الناس على عثمان طمعا بالخلافة والولاية ولم يكونا مدفوعين بدافع المصلحة العامة، وحب النصح للمسلمين، وقد خسرا الصفقة، وذهبت مساعيهما أدراج الرياح حينما آل الأمر إلى أمير المؤمنين لأن المحور الذي تدور عليه رحى سياسته مسايرة الدين والعمل على وفق المبادئ الاسلامية وهي لا تقر بأي حال من الأحوال أن تمنح الوظائف أثرة أو محاباة لأن ذلك خيانة للامة، وقد اعرب الامام عن الاسباب التي دعته أن لا يوليهما العراقين وهي:
١ ـ إنهما يستميلان السفهاء بالمنافع والاطماع.
٢ ـ إنهما يصبان على الضعفاء وابلا من العذاب والبلاء.
٣ ـ يستغلان النفوذ والسلطان ويقويان به على القوى.
ومع علمه بهذه الاتجاهات كيف يجعلهما ولاة وحكاما على المسلمين يتصرفان في أموالهم ودمائهم.. وقد انتقد شفيق جبرى الامام في ذلك واعتبر أن حرمانهما من الولاية كان غلطة منه ـ على حد تعبيره الرخيص(٦٤٤)
ان شفيق جبري قد آمن بالسياسة الغربية التي تبيح جميع الوسائل فى سبيل الوصول إلى الحكم وان كانت غير مشروعة وهذه السياسة لا يقرها الاسلام بحال فقد بنى سياسته الخلاقة على الايمان بحقوق الانسان وتجنب المكر والخداع وان توقف عليهما النصر والظفر وعلى ضوء هذه السياسة العادلة سار ابن ابي طالب رائد العدالة الاجتماعية الكبرى في الأرض.
ان السياسة التي سار عليها الملوك ولا يزال يسيرون عليها عشاق الملك والسلطان لا يلتقى معها الامام بصلة، ولا تتفق مع أهدافه العليا، وقد اوضح عليه السلام اسباب ذلك بقوله:
(لو لا التقى والورع لكنت ادهى العرب)
ان التقى والورع والخوف من الله تقف امامه وتصده عن ارتكاب اى وسيلة لا يقرها الشرع، ومضافا لذلك فان المصلحة كانت تقضي ان لا يوليهما الكوفة والبصرة لان لهما حزبين وشيعة بهما ولا يؤمن أن يتسرب نفوذهما يوما ما إلى الدولة الاسلامية كافة
وعلى أي حال فلما استبان لطلحة والزبير ضياع املهما وعدم فوزهما بمقعد الحكم انطلقا إلى الامام طالبين منه الاذن بالخروج قائلين:
ـ ائذن لنا يا أمير المؤمنين.
ـ إلى اين؟!!
ـ نريد العمرة.
فرمقهما الامام هينهة وقد عرف حفايا نفوسهما فقال لهما برنة المستريب
والله ما العمرة تريدان!! بل الغدرة ونكث البيعة!!
واقسما له بالايمان المغلظة انهما لا يخلعان البيعة، وانهما يخرجان ليعتمرا بالبيت الحرام، وانهما يعلمان أنها قسم حانث، ولكن لم يجدا وسيلة يصلان بها إلى الغاية سوى اليمين الكاذب، والتفت الامام لهما ونفسه مترعة بالشك والريبة منهما قائلا:
(أعيدا البيعة لي ثانية).
ففعلا دون تردد، ومضيا منهزمين إلى مكة، وكأنه قد اتيح لهما الخلاص من سجن أو عقاب، ولحقا بعائشة يستفزانها على الثورة فانهما على علم بما تكنه من الحقد والعداء للامام.
خروج عائشة:
كانت عائشة في طليعة من أشعل نار الثورة على عثمان، وقالت فيه أمر القول وأقساه، وما كان اسمه عندها الا نعثلا، وتعزو بعض المصادر السبب في ذلك إلى أنه نقصها مما كان يعطيها عمرو صيرها كغيرها من أزواج النبي (ص)(٦٤٥) وقد بالغت في التشهير به والتحريض على قتله ولما احاط الثوار به خرجت إلى مكة وبعد ادائها لمناسك الحج قفلت راجعة إلى يثرب وهي تجد في السير لتنظر ما آل إليه أمر عثمان فلما انتهت إلى سرف(٦٤٦) لقيها رجل من أخوالها يقال له عبيد بن أبي سلمة وكان قادما من المدينة فاستعجلت قائلة له:
ـ مهيم؟(٦٤٧).
ـ قتلوا عثمان.
ـ ثم صنعوا ماذا؟
ـ اجتمعوا على بيعة علي فجازت بهم الأمور الى خير مجاز!!
فانهارت أعصابها، وتحطمت قواها، وبلغ بها الحزن إلى قرار سحيق، وهتفت وهي حانقة مغيظة وبصرها يشير إلى السماء، ثم ينخفض فيشير إلى الأرض قائلة:
(والله ليت هذه انطبقت على هذه، إن تم الأمر لابن أبي طالب قتل عثمان مظلوما والله لأطلبن بدمه).
فاجابها عبيد باستنكار وسخرية:
(ولمّ؟ فو الله إن أول من أمال حرفه لأنت!!! ولقد كنت تقولين اقتلوا نعثلا فقد كفر!) لماذا هذا الحزن والجزع من عائشة؟
وقد عادت للاسلام نضارته بحكومة الامام، وظفر المسلمون بما يصبون إليه؟؟
وأجابت عائشة ابن خالها فقالت له:
(إنهم استتابوه ثم قتلوه، وقد قلت وقالوا؟ وقولي الأخير خير من قولي الأول..)
وهل كانت حاضرة حينما استتابوه؟ وهل لها دراية بكيفية توبته، ولكنها افتعلت دلك لتبرير موقفها وفد رد عليها عبيد فقال لها:

منك البداء ومنك الغير * * * ومنك الرياح ومنك المطر
وأنت أمرت بقتل الامام * * * وقلت لنا إنه قد كفر
فهبنا(٦٤٨) اطعناك فى قتله * * * وقاتله عندنا من أمر
ولم يسقط السقف من فوقنا * * * ولم تنكسف شمسنا والقمر
وقد بايع الناس ذا تدرإ * * * يزيل الشبا ويقيم الصعر(٦٤٩)
ويلبس للحرب أثوابها * * * وما من وفى مثل من قد غدر

فاعرضت عنه وانصرفت راجعة الى مكة(٦٥٠) وقد علاها الحزن والاكتئاب، واحاط بها الاسى والذهول.
دوافع تمردها:
وليس شيء أو هى من القول بأن السبب في خروج عائشة هو المطالبة بدم عثمان فانها هي التي حفزت المسلمين إلى الاجهاز عليه ودعتهم إلى الاطاحة بحكمه يقول شوقي:

أثار عثمان الذي شجاها * * * أم غصة لم ينتزع شجاها
ذلك فتق لم يكن بالبال * * * كيد النساء موهن الجبال

نعم تذرعت بدم عثمان واتخذته وسيلة إلى اعلان العصيان والتمرد وإلى اغراء السذج والبسطاء فزجت بهم فى الحرب التي أثارتها ضد أمير المؤمنين وأخي رسول الله (ص) وباب مدينة علمه.
إن دم عثمان لا يصلح باي حال ان يكون من بواعث ثورتها على النظام القائم وانما بواعث ذلك ما يلي:
١ ـ إن نفسها كانت مترعة بالبغض والكراهية للامام ولزوجته سيدة النساء وأولادهما وسبب ذلك انها رأت اتجاه النبي واقباله عليهم وانه قد خصهم بمزيد الحب والعطف على نحو لم يشاركهم فيه أحد(٦٥١) ولم تحض عائشة بقليل ولا بكثير من تلك الرعاية وذلك الحنان بل كان يعاملها معاملة عادية بل ويزدري بها فى كثير من الاحيان فقد وقف خطيبا على منبره فأشار إلى مسكنها قائلا: (هاهنا الفتنة، هاهنا الفتنة هاهنا الفتنة حيث يطلع قرن الشيطان(٦٥٢) وقد هددها غير مرة بالطلاق نظرا لما كان يعانيه منها فقد قالت له مرة فى كلام غضبت عنده أنت الذي تزعم أنك نبي(٦٥٣) وكان اذا صلى تمد رجلها في قبلته ثم لا ترفعها عن سجوده حتى يغمزها فاذا غمزها رفعتها، حتى يقوم فتمدها ثانية(٦٥٤) لقد رأت عائشة اقبال النبي على فاطمة وعلى زوجها واعراضه عنها الأمر الذي اثار كوامن الحقد في نفسها، وقد جابهت رسول الله (ص) بذلك فقد استأذن أبو بكر على رسول الله فسمع صوت عائشة عاليا وهي تقول له: (والله لقد عرفت أن عليا أحب إليك من أبي ومنى مرتين أو ثلاثا)(٦٥٥) وليس شيء يثير عواطف المرأة ويترك العقد النفسية فيها مثل ما ترى أحدا أثيرا عند زوجها، ومقدما عليها في الحنان والحب، وزاد في تأثرها وانفعالها انها حرمت الولد من النبي كما حرم من غيرها، وقد تبنى ابناء ابنته الوحيدة فاقام لهم في نفسه اعمق الحب والاخلاص، وقد ترك ذلك كوامن الحسد فى نفسها من الامام وزوجته، وقد بذلت جميع طاقاتها في مقابلة أمير المؤمنين وصرف الخلافة عنه فقد رشحت أباها للصلاة فى مرض رسول الله لئلا يصلي بالمسلمين الامام، وبعد وفاة النبي كان لها ضلع كبير في ترشيح ابيها للخلافة وحرمان الامام منها، وبلغ من عظيم حقدها ان بضعة النبي لما توفيت جئن نساؤه الى بني هاشم في العزاء الا هي ونقل عنها كلام يدل على سرورها وفرحها(٦٥٦) ولما آل الأمر إلى الامام انهارت جميع قواها واندفعت إلى مقاومته وإلى اعلان الثورة على حكومته، وقد وصف عليه السلام مدى ضغنها وحقدها عليه بقوله:
(أما فلانة فقد أدركها ضعف رأي النساء، وضعن غلا في صدرها كمرجل القين(٦٥٧) ولو دعيت لتنال من غيرى ما أتت إلى ما تفعل)(٦٥٨)
ان من أقوى العوامل التي دفعتها إلى مقاومة الامام هي الاحقاد والضغائن التي تكنها في نفسها حتى انها لم تستطع إلى كبتها واخفائها، وقد ابدت بالغ المسرات والأفراح حينما بلغها مقتله، وقد تناسب أنه أخو النبي ووليه وانه منه بمنزلة هارون من موسى، واعرضت عما قال فيه: (اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله..) لقد سمعت ذلك ووعته، ولم يخف عليها شيء مما أثر عن النبي فيه وفي أبنائه.
٢ ـ ومن بواعث ثورتها انها كانت تتوقع أن ترجع الخلافة إلى تيم ويتقلدها ابن عمها طلحة ـ كما يرى ذلك العقاد(٦٥٩). وكانت تدعو له وتشيد به ولما بلغها مقتل عثمان وهي في مكة بادرت قائلة: إن أحق الناس بهذا الأمر ذو الأصبع ـ يعنى طلحة ـ ثم اقبلت مسرعة إلى المدينة وهي لا تشك أنه هو صاحب الأمر، وكانت تقول: بعدا لنعثل وسحقا، إيه ذا الأصبع، إيه أبا شبل، إيه ابن عم لله أبوك، أما انهم وجدوا طلحة لها كفؤا، لكأني أنظر إلى إصبعه حثو الابل)(٦٦٠)
وهي بذلك كانت مدفوعة بدافع العصبية القبلية فلم تنظر لصالح الأمة فقد أرادت أن تعيد المجد ثانيا لأسرتها، وأن تبسط نفوذها وتستأثر بالأموال وذلك لا يتحقق الا بأن ترجع الخلافة إلى تيم.
٣ ـ ويرى الاستاذ العلائلى ان السبب في خروجها من اجل الحزبية السائدة فى ذلك العصر يقول:
(والتاريخ لا يحدثنا لما ذا خرجت على علي ولم تر بعد من سياسته شيئا ما، ودعوى انها خرجت طلبا بدم عثمان توهيم لأنها لم تكن جاهلة بالشريعة التي تقضي بترك الأمر إلى الحاكم المركزي فان لم يكن فلولي القتيل وليست من اوليائه(٦٦١)
إذن فلم نخرج عائشة طلبا بدم عثمان بل لشيء آخر وهو ما لم يذكره التأريخ بصراحة، والذي يستقيم عندي في هذا الأمر ان الحزبية بلغ من نفوذها مبلغا عظيما حتى عدت إلى زوجات النبي فكانت أم سلمة من حزب المحافظين (أي حزب علي) وعائشة من حزب طلحة والزبير كما ذكرت فى (مقدمة الحلقة الاولى) وكانتا كذلك في عهد النبي فقد كانت أم سلمة زعيمة طائفة من نسائه، وعائشة زعيمة طائفة أخرى، ولا ريب في أن هذه الحزبية ولدت في نفسيهما حزازة تأريخية اتصلت بمسلكيهما العام..)(٦٦٢)
هذه بعض البواعث التي حفزتها على الخروج على حكومة الامام وقد فتحت بذلك باب التمرد والعصيان، ومهدت السيل للقوى المنحرفة عن الحق أن تتكتل وتجتمع على حرب ابن أبي طالب فتغرق البلاد في المآسي والدموع، وتجر للأمة الويلات والخطوب.
اعلان العصيان:
واعلنت عائشة العصيان والخروج على الحكم القائم في خطابها الذي القته بمكة فقد جاء فيه:
(أيها الناس.. إن الغوغاء من أهل الأمصار، وأهل المياه، وعبيد أهل المدينة اجتمعوا إن عاب الغوغاء على هذا المقتول بالأمس الأرب(٦٦٣) واستعمال من حدث سنه، وقد استعمل أسنانهم قبله ومواضع من الحمى حماها لهم، وهي أمور قد سبق بها لا يصلح غيرها، فتابعهم ونزع لهم عنها استصلاحا لهم فلما لم يجدوا حجة ولا عذرا خلجوا(٦٦٤) وبادروا بالعدوان، ونبا فعلهم عن قولهم، فسفكوا الدم الحرام، واستحلوا البلد الحرام، واستحلوا الشهر الحرام، والله لأصبع عثمان خير من طباق الأرض أمثالهم!.. فنجاة من اجتماعكم عليهم حتى ينكل بهم غيرهم ويشرد من بعدهم وو الله لو ان الذي اعتدوا به عليه كان ذنبا لخلص منه كما يخلص الذهب من خبثه او الثوب من درنه إذ ماصوه(٦٦٥) كما يماص الثوب بالماء)(٦٦٦)
وحفل خطابها بالمغالطات والتنكر للحقائق فقد جاء فيه ان الغوغاء عابوا على عثمان وهو مجاف للواقع فان الذي عاب عليه، وشهر به إنما هم كبار المهاجرين والانصار، وكانت هي بالذات اول من قدح زناد الثورة عليه فقد قالت فيه كلمتها الشهيرة: اقتلوا نعثلا فقد كفر، انها وغيرها من الاعلام والرءوس هم الذين اجهزوا عليه ولا علاقة لغيرهم بدمه
وجاء فى خطابها أنه رجع عن احداثه، وتابع الثوار استصلاحا لهم فلما لم يجدوا حجة عليه استحلوا دمه وقتلوه، وهذا أيضا لا يلتقى بالواقع فان عثمان قد اعلن التوبة وأظهر الندم على الأحداث التي ارتكبها الا انه اعلن للناس اخيرا انه إنما قال ذلك من أجل ضغط الثوار عليه وهو ماض على سياسته التي رسمها لنفسه، ولما قفل الثوار راجعين بعد المكيدة التي دبرها ضدهم طالبوه بالاستقالة من منصبه فابى وامتنع من اجابتهم فلم يجدوا بدا من قتله، كما ذكرنا ذلك بالتفصيل وهو لا يتفق مع ما ذكرته عائشة في خطابها من انهم لم يجدوا حجة لقتله.
وعلى أي حال فان خطاب عائشة كان أول اعلان للعصيان والتمرد والاختلاف يقول الاستاذ عبد الفتاح مقصود: (وتفرق الناس بعد حديثها هذا شيعا، وكان اولى بهم أن تتوحد كلمتهم في هذه المحنة الحازبة التي اصابت الاسلام، ففيم تدعوهم اليوم أم المؤمنين؟ وإلى أية غاية تريد أن تسير بهم!. لحرب الغوغاء؟. للزحف على المدينة وفيها الأمير الشرعي للبلاد؟.)(٦٦٧)
لقد احدثت عائشة في خروجها الشقاق والاختلاف بين المسلمين، وغرست بذور العداء والفتن فى جميع أنحاء البلاد.
مع أمّ سلمة:
واستنجدت عائشة بازواج النبي ودعتهن أن يخرجن معها لحرب وصي رسول الله وباب مدينة علمه وأبي سبطيه واجتمعت بأم سلمة فجعلت تخادعها وتقول لها:
(يا بنت أبي أمية، أنت أول مهاجرة من أزواج رسول الله (ص) وأنت كبيرة أمهات المؤمنين، وكان رسول الله يقسم لنا من بيتك وكان جبرئيل أكثر ما يكون في منزلك..)
فتريبت أم سلمة من كلامها وقالت لها:
(لأمر ما قلت هذه المقالة؟.)
فاجابتها عائشة بما تروم قائلة:
(إن القوم استتابوا عثمان، فلما تاب قتلوه صائما فى الشهر الحرام وقد عزمت على الخروج إلى البصرة، ومعي الزبير وطلحة، فاخرجى معنا لعل الله يصلح هذا الأمر على أيدينا..) وانبرت أم سلمة إلى تفنيد مقالتها وإلى تسديدها ونصحها قائلة:
(إنك كنت بالأمس تحرضين على عثمان، وتقولين فيه أخبث القول وما كان اسمه عندك الا نعثلا، وانك لتعرفين منزلة علي عند رسول الله أما أذكرك؟..)
ـ نعم
ـ أتذكرين يوم أقبل ونحن معه حتى إذا هبط من قديد ذات الشمال فخلا بعلي يناجيه فأطال، فاردت أن تهجمي عليهما فنهيتك فعصيتني وهجمت عليهما، فما لبثت أن رجعت باكية فقلت: ما شأنك؟ فقلت: أتيتهما وهما يتناجيان، فقلت لعلي: ليس لي من رسول الله الا يوم من تسعة أيام، أفما تدعني يا ابن أبي طالب ويومي؟ فاقبل رسول الله علي وهو محمر الوجه غضبا، فقال ارجعي وراءك والله لا يبغضه أحد الا وهو خارج من الايمان. فرجعت نادمة ساخطة.
ـ نعم اذكر ذلك.
ـ أو أذكرك.
ـ نعم
ـ كنت أنا وأنت مع رسول الله فقال لنا: أيتكن صاحبة الجمل الادب(٦٦٨) تنبحها كلاب الحوأب فتكون ناكبة عن الصراط؟ فقلنا نعوذ بالله وبرسوله من ذلك، فضرب على ظهرك فقال: إياك أن تكونيها يا حميراء.
ـ نعم اذكر ذلك
ـ أو أذكرك؟
ـ نعم
ـ كنت أنا وأنت مع رسول الله فى سفر له، وكان علي يتعاهد نعل رسول الله فيخصفها، وثيابه، فيغسلها، فنقب نعله، فأخذها يومئذ يخصفها، وقعد في ظل سمرة، وجاء أبوك ومعه عمر فاستأذنا عليه فقمنا إلى الحجاب، ودخلا يحدثانه فيما أرادا، ثم قالا يا رسول الله: إنا لا ندري قدر ما تصحبنا، فلو أعلمتنا من يستخلف علينا ليكون لنا بعدك مفزعا؟ فقال لهما: أما إني قد أرى مكانه، ولو فعلت لتفرقتم عنه كما تفرق بنو إسرائيل عن هارون بن عمران، فسكتا ثم خرجا فلما خرجا خرجنا إلى رسول الله فقلت له أنت وكنت أجرأ عليه منا: يا رسول الله من كنت مستخلفا عليهم؟ فقال: خاصف النعل. فنزلنا فرأيناه عليا فقلت يا رسول الله، ما أرى الا عليا، فقال: هو ذاك.
ـ نعم اذكر ذلك
ـ فاي خروج تخرجين بعد هذا؟
ـ إنما أخرج للاصلاح بين الناس وأرجو فيه الأجر
ـ أنت ورأيك
وانصرفت أم سلمة وكتبت بالأمر الى الامام أمير المؤمنين(٦٦٩) وقد أبدت لها تمام النصح وذكرتها بما تناسته من فضائل أمير المؤمنين ومآثره ولكن عائشة استسلمت لاحقادها وعواطفها فلم تستجب لذلك.
الزحف الى البصرة:
واستجاب لدعوة عائشة جميع رجال الحكم المباد من ولاة عثمان واقربائه وذوى الاطماع الذين اعتقدوا أن حكومة الامام تبدد أحلامهم فى النفوذ السياسي، والمغرر بهم والسذج من الناس الذين تلونهم الدعاية كيف شاءت، كل هؤلاء جرفتهم دعوة عائشة ودعايتها وخضعوا لأوامرها وقد تداول زعماء الفتنة الآراء في غزو أي بلد، وعرضوا المدينة الا انهم عدلوا عنها لأن فيها الخليفة الشرعي وهو يتمتع بالقوى العسكرية ولا قبل لهم بها، وعرضوا ثانيا الشام وفيها الرجال والأموال وعليها ابن عثمان واليا فهي اولى بلد واجدره بالاجابة ولكن الأمويين لم يستجيبوا لذلك لأنهم جعلوا الشام في حوزتهم وخافوا عليها من التصدع، فاجمع الرأي على غزو البصرة لأن فيها أعوانا وانصارا لهم ونادى المنادي فى مكة:
(أيها الناس، إن أم المؤمنين وطلحة والزبير شاخصون إلى البصرة فمن كان يريد اعزاز الاسلام، وقتال المحلين، والطلب بثار عثمان، ولم يكن عنده مركب ولا جهاز فهذا جهازه وهذه نفقته..)
وزودوا الجند بالسلاح والعتاد فاعان يعلى بن أمية(٦٧٠) بأربعمائة الف وحمل سبعين رجلا، واعتلت عائشة جملها المسمى (بعسكر) قد احتف بها بنو أمية وهي تتقدم أمام الحشد الزاخر، تقودهم إلى تمزيق الوحدة الاسلامية والى محاربة الحكومة الشرعية، ولما انتهت إلى ذى قار التقى بها سعيد ابن العاص(٦٧١) فقال لها:
ـ أين تريدين يا أم المؤمنين؟
ـ البصرة
ـ وما تصنعين بها؟
ـ أطلب بدم عثمان
فضحك ساخرا وقال متبهرا:
ـ هؤلاء قتلة عثمان يا أم المؤمنين
فازاحت بوجهها عنه إذ لا حجة لها تدافع بها عن نفسها، وتركها وانصرف إلى مروان فقال له:
ـ وأنت أيضا تريد البصرة
ـ نعم
ـ ما تريد؟
ـ أطلب بدم عثمان
ـ فهؤلاء قتلة عثمان معك ـ وأشار الى طلحة والزبير ـ فقال: إن هذين الرجلين قتلة عثمان، وهما يريدان الأمر لأنفسهما، فلما غلبا عليه قالا: نغسل الدم بالدم والحوبة بالتوبة(٦٧٢) ولم تجد معهم هذه المحاورة شيئا، وانطلقوا مصممين على الغي والعدوان.
ماء الحوأب:
وانطلقت قافلة عائشة تطوى البيداء فاجتازت على مكان يقال له (الحوأب)(٦٧٣) فتلقت الركب كلاب الحي الساهرة بهرير وعواء فذعرت عائشة من ذلك النباح الذي اطلقته الكلاب على القافلة، فقالت لمحمد بن طلحة(٦٧٤):
ـ أي ماء هذا؟
ـ ماء الحوأب.
فذعرت، وذاب قلبها أسى وحسرات على ما فرطت في أمرها وقالت:
ـ ما أراني إلا راجعة!!
ـ لمّ ـ يا أم المؤمنين؟
ـ سمعت رسول الله يقول لنسائه: كأني بإحداكنّ قد نبحتها كلاب الحوأب(٦٧٥)، وإياك أن تكوني أنت يا حميراء.
ـ تقدمي رحمك الله ودعى هذا القول ولم تقتنع عائشة واصرت على الانسحاب فعلم ذلك طلحة والزبير فاقبلا يلهثان لأنها متى انفصلت عن الجيش ذهبت آمالهما أدراج الرياح فتكلما معها في الامر فاصرت على الانسحاب فجاءوا لها بشهود اشتروا ضمائرهم فشهدوا أنه ليس بماء الحوأب وهي اول شهادة زور تقام في الاسلام(٦٧٦) وبهذه الشهادة الكاذبة استطاعوا أن يقلعوا رأيها وكان الواجب عليها بعد ما ذكرت قول الرسول أن ترجع إلى بيتها فلا تقود الجيوش لمحاربة أخي رسول الله
في ربوع البصرة:
وسارت قافلة عائشة تطوي البيداء حتى اشرفت على البصرة فلما علم ذلك عامل البصرة عثمان بن حنيف(٦٧٧) أرسل إليها أبا الأسود الدئلى ليسألها عن قدومها، ولما التقى بها قال لها:
ـ ما أقدمك يا أم المؤمنين؟
ـ أطلب بدم عثمان
ـ ليس في البصرة من قتلة عثمان أحد!!
ـ صدقت، ولكنهم مع علي بن أبي طالب بالمدينة، وجئت أستنهض أهل البصرة لقتاله، انغضب لكم من سوط عثمان، ولا نغضب لعثمان من سيوفكم؟
فرد عليها بمنطقه الفياض قائلا:
ـ ما أنت من السوط والسيف؟ إنما أنت حبيسة رسول الله (ص) أمرك أن تقري في بيتك، وتتلي كتاب ربك، وليس على النساء قتال، ولا لهن الطلب بالدماء، وإن عليا لأولى منك وأمس رحما، فانهما ابنا عبد مناف!!
ـ لست بمنصرفة حتى امضي لما قدمت إليه، افتظن أبا الأسود أن أحدا يقدم على قتالي؟!
ـ أما والله لتقاتلن قتالا أهونه الشديد.
ثم تركها وانصرف عنها واقبل الى الزبير فذكره بماضي ولائه للامام أمير المؤمنين قائلا:
ـ يا أبا عبد الله، عهد الناس بك، وأنت يوم بويع أبو بكر آخذ بقائم سيفك، تقول: لا أحد أولى بهذا الامر من ابن أبي طالب، واين هذا المقام من ذاك.؟؟
ـ نطلب بدم عثمام
ـ أنت وصاحبك وليتماه فيما بلغنا
وانصاع الزبير لمقالة أبي الاسود ورأى فيها النصح والرشاد إلا انه طلب منه مواجهة طلحة ومذاكرته في الأمر، فمضى أبو الاسود مسرعا وعرض عليه الامر فلم يستجب له وأصر على الغي والعدوان(٦٧٨) وأنطلق أبو الأسود الى ابن حنيف فأخبره بنية القوم، واصرارهم على الحرب فجمع أصحابه فخطب فيهم فقال في خطابه:
(أيها الناس، إنما بايعتم الله، يد الله فوق أيديهم، فمن نكث فانما ينكث على نفسه، ومن أو فى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه الله أجرا عظيما، والله لو علم علي أحدا احق بهذا الامر منه ما قبله، ولو بايع الناس غيره لبايع وأطاع وما به الى أحد من صحابة رسول الله حاجة، وما باحد عنه غنى ولقد شاركهم في محاسنهم وما شاركوه في محاسنه ولقد بايع هذان الرجلان وما يريدان الله، فاستعجلا الفطام قبل الرضاع. والرضاع قبل الولادة والولادة قبل الحمل، وطلبا ثواب الله من العباد، وقد زعما أنهما بايعا مستكرهين فان كانا استكرها قبل بيعتها وكانا رجلين من عرض قريش لهما أن يقولا ولا يأمرا، إلا وان الهدى ما كانت عليه العامة، والعامة على بيعة على. فما ترون أيها الناس؟)
وانبرى إليه حكيم بن جبلة فخاطبه بمنطق الايمان قائلا.
(نرى إن دخلا علينا قاتلناهما، وإن وقفا تلقيناهما، والله ما أبالي أن أقاتلهما وحدي، وإن كنت أحب الحياة، وما أخشى في طريق الحق وحشة، ولا غيرة ولا غشا ولا سوء منقلب الى بعث وانها لدعوة قتيلها شهيد وحيها فائز، والتعجيل الى الله قبل الأجر خير من التأخير في الدنيا، وهذه ربيعة معك..)(٦٧٩)
وصمم القوم بذلك على رد العدوان، ومقابلتهم بالمثل إن اعتدوا عليهم، وعدم التعرض لهم إن لم يبدؤهم بقتال.
عقد الهدنة:
وجرت بين الفريقين مصادمات عنيفة ادت الى قتل البعض وجرح الآخر منهما، وكان ابن حنيف يروم السلم ولا يحب مناجزة القوم قبل أن يأتيه أمر بذلك من أمير المؤمنين، فاوقف القتال وعقد هدنة موقتة حتى يستبين له رأى الامام وهذا نصها.
(هذا ما اصطلح عليه عثمان بن حنيف الانصاري ومن معه من المؤمنين من شيعة أمير المؤمنين على بن أبي طالب. وطلحة والزبير ومن معهما من المؤمنين والمسلمين من شيعتهما. إن لعثمان بن حنيف دار الامارة والرحبة والمسجد وبيت المال والمنبر، وان لطلحة والزبير ومن معهما أن ينزلوا حيث شأوا من البصرة ولا يضار بعضهم بعضا فى طريق ولا فرضة(٦٨٠) ولا سوق ولا شريعة، ولا مرفق حتى يقدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فان أحبوا دخلوا في ما دخلت فيه الامة، وان أحبوا لحق كل قوم بهواهم، وما أحبوا من قتال او سلم أو خروج أو إقامة وعلى الفريقين بما كتبوا عهد الله وميثاقه. واشد ما أخذه على نبي من أنبيائه من عهد وذمة.)
ووقعها الفريقان، ومضى ابن حنيف إلى دار الامارة، وأمر اصحابه بالقاء السلاح والالتحاق بمنازلهم.
غدر وخيانة:
وقام طلحة والزبير بمراسلة الوجوه والاشراف يدعونهم الى الطلب بدم عثمان وخلع أمير المؤمنين واخراج ابن حنيف، فاستجابت لهم قبائل الأزد وضبة وقيس عيلان، وتابعهم كثير من البسطاء وذوى الاطماع، ولما استوثق لهم الأمر غدروا وخانوا ونقضوا ما اتفقوا عليه من الهدنة، فقد هجموا على ابن حنيف في غلس الليل وهو في دار الإمارة فاعتقلوه ونكلوا به فأمروا بنتف شعر رأسه ولحيته وحاجبيه(٦٨١) ونهبوا ما في بيت المال، ولما حضر وقت الصلاة تنازع طلحة والزبير على الصلاة بالناس فجعل كل واحد منهما يمنع صاحبه من التقدم عليه حتى فات وقت الصلاة فصاح الناس بهما، فقطعت عائشة النزاع فيما بينهما وقالت يصلي بالناس يوما محمد بن طلحة، ويوما عبد الله بن الزبير(٦٨٢) فذهب ابن الزبير ليصلي بالناس فجذبه محمد بن طلحة وتقدم محمد ليصلي بالناس فمنعه ابن الزبير، ورأى الجميع أن خير وسيلة لفصل الخصومة وقطع النزاع هي القرعة فاقترعا فخرج محمد بن طلحة فتقدم وصلى بالناس وقرأ سأل سائل بعذاب واقع)(٦٨٣) وفي ذلك يقول الشاعر:

تبارى الغلامان إذ صليا * * * وشح على الملك شيخاهما
ومالي وطلحة وابن الزبير * * * وهذا بذي الجذع مولاهما
فأمهما اليوم عزتهما * * * ويعلى بن منية دلاهما(٦٨٤)

ان القوم مدفوعون بدافع الملك والسلطان، ولو تم الأمر لهما لأجهز كل واحد منهما على صاحبه، فانهما بعد في بداية الطريق وقد ظهرت منهما بوادر الانشقاق والاختلاف.
إنهما لم يخرجا على حكم الامام الا من أجل المنافع المادية الضيقة وقد اعترف بذلك الزبير فقد جاء إليهما رجل وهما في جامع البصرة فقال لهما:
(نشدتكما بالله في مسيركما أعهد إليكما فيه رسول الله شيئا؟...)
فسكت طلحة ولم يجبه بشيء فاجابه الزبير:
(ـ لا ـ ولكن بلغنا أن عندكم دراهم فجئنا نشارككم فيها...)(٦٨٥)
لقد حدد الزبير خروجهم على وصي رسول الله فهو انما كان من أجل الاطماع والمنافع وليس فيه أى عهد من الرسول (ص).
وعلى أى حال فقد سقطت البصرة بايديهم واحتلت قواتهم جميع مواقعها وأمرت عائشة بقتل عثمان بن حنيف الا ان احدى السيدات استعظمت هذا الأمر وقالت لعائشة:
(نشدتك الله يا أم المؤمنين في عثمان وصحبته لرسول الله) فعدلت عن رأيها وأمرت بحبسه(٦٨٦) وأمرت بقتل الشرطة وحراس بيت المال وعددهم سبعون شخصا وهم من خيار المسلمين وصلحائهم فقتلوا صبرا(٦٨٧) ولم تتحرج أم المؤمنين فى إراقة دمائهم، ولم تتأثم فى اشاعة الثكل والحزن والحداد بين أهليهم، قد أعرضت عما أمر الله به من الحريجة في الدماء وحرمة سفكها بغير الحق.
مقتل حكيم بن جبلة:
ولما بلغ حكيم بن جبلة ما ارتكبه القوم بعثمان بن حنيف من التنكيل وما قاموا به من قتل الشرطة وخزان بيت المال خرج في ثلاثمائة رجل من عبد القيس(٦٨٨) فخرج القوم وحملوا عائشة على جمل، فسمى ذلك اليوم يوم الجمل الأصغر ويومها مع امير المؤمنين يوم الجمل الأكبر، وتجالد الفريقان بالسيوف، وأبلى حكيم مع أصحابه المؤمنين بلاء حسنا، وشد عليه رجل من الأزد من عسكر عائشة فضرب رجله فقطعها، وجثا حكيم فأخذ رجله المقطوعة فضرب بها الأزدي الذي قطعها فقتله ولم يزل يقاتل ورجله مقطوعة وهو يقول:

يا ساق لن تراعى * * * ان معى ذراعي
أحمي بها كراعي

وما زال على مثل هذه الحالة التي ضرب بها الرقم القياسي في البطولة والشجاعة ونكران الذات والدفاع عن المبدأ والعقيدة حتى نزف دمه، فانطلق إلى الرجل الذي قطع رجله فاتكأ عليه وهو قتيل فاجتاز عليه شخص فقال له: من فعل بك هذا؟ فقال: وسادتي ثم قتله سحيم الحداني(٦٨٩) وقتل معه اخوة له ثلاثة كما قتل جميع أصحابه(٦٩٠) ففى ذمة الله تلك الدماء الزكية التي أريقت، والنفوس الكريمة التي أزهقت فى سبيل الذب عن دين الله، والدفاع عن وصي رسول الله.
استنجاد الامام بالكوفة:
كان الامام أمير المؤمنين متهيأ لغزو الشام حيث اعلن معاوية التمرد على حكومته ورفض بيعته وبينما هو جاد في تدبير الأمر إذ فاجأه الخبر عن هياج أهل مكة للطلب بدم عثمان بتحريض طلحة والزبير وعائشة واتباعهم من الامويين، فاشفق من انشقاق العصا واختلاف شمل المسلمين، ورأى أن خطرهم أقوى من خطر معاوية، وشرهم أقوى من شره، وإذا لم يبادر لاخماد هذه الفتنة فانها يوشك أن تتسع، ويكثر التمرد والاختلاف فتجهز للشخوص إليهم، وخفت لنصرته البقية الصالحة من المهاجرين والانصار وخرجوا مسرعين ليلحقوا بهم قبل أن يدخلوا مصرا من الامصار فيفسدوه فلما بلغوا الربذة علموا بسبقهم إلى البصرة وبالحوادث التي جرت فيها فاقام الامام بالربذة أياما يحكم أمره، وارسل إلى جماهير أهل الكوفة يستنجد بهم ويدعوهم الى نصرته والقيام معه لاخماد نار الفتنة، وأوفد للقياهم محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر(٦٩١) وزودهما برسالة جاء فيها
(إني اخترتكم على الامصار، وفزعت إليكم لما حدث فكونوا لدين الله أعوانا وانصارا، وأيدونا وانهضوا إلينا، فالاصلاح ما نريد لتعود الأمة إخوانا، ومن أحب ذلك وآثره فقد أحب الحق، ومن ابغض ذلك فقد أبغض الحق وأغمضه)(٦٩٢).
وطوى الرسولان البيداء حتى وصلا الكوفة فعرضا رسالة الامام على أبي موسى والي المصر إلا انهما لم يجدا منه أي اجابة أو انطلاق فى الامر وانما وجدا منه موقفا غير طبيعي فقد كان يثبط العزائم، ويوهن القوى ويمنع الناس من الاستجابة لنداء الامام، وتكلم معه الرسولان بشدة فاجابهما أبو موسى مبررا لعناده قائلا:
(والله إن بيعة عثمان لفى عنقي وعنق صاحبكما، فان لم يكن بد من القتال، لا نقاتل أحدا حتى يفرغ من قتلة عثمان..)(٦٩٣).
وبعث المحمدان الأنباء بالتفصيل إلى الامام، وعرفاه بتمرد أبي موسى وتثبيطه عزائم الناس، فأوفد الامام للقياه هاشم المرقال وزوده برسالة جاء فيها:
(إني وجهت هاشما لينهض بمن قبلك من المسلمين إلي، فاشخص الناس، فاني لم أولك إلا لتكون من أعواني على الحق..).
وسار هاشم حتى انتهى إلى الكوفة فرأى أبا موسى مصرا على تمرده وممعنا في غلوائه وعدائه، وكلما حاول اقناعه وارجاعه إلى طريق الحق لم يتمكن، واستدعى أبو موسى سائب بن مالك الأشقري ليستشيره فى الأمر فاشار عليه بالنصيحة وملازمة الامام، وتنفيذ أوامره الا انه لم يسترشد وبقي مصمما على عصيانه وعناده، فارسل هاشم إلى الامام رسالة يخبره فيها بفشله في مهمته، واخفاقه في سفارته.
ايفاد الحسن:
وبعث الامام ولده الحسن ومعه عمار بن ياسر وارسل معه رسالة فيها عزل أبي موسى عن منصبه وتعيين قرضة بن كعب(٦٩٤) في وظيفته، وهذا نص رسالته:
(أما بعد: فقد كنت أرى أن تعزب عن هذا الأمر الذي لم يجعل الله لك نصيبا منه، بمنعك عن رد أمري، وقد بعثت الحسن بن علي وعمار بن ياسر يستفزان الناس، وبعثت قرضة بن كعب واليا على المصر فاعتزل عملنا مذموما مدحورا، فان لم تفعل فاني قد أمرته أن ينابذك..)
ووصل الامام الحسن إلى الكوفة فالتأم حوله الناس زمرا، وهم يعربون له الانقياد والطاعة، ويظهرون له الولاء والاخلاص، واعلن الامام الحسن بالوقت عزل الوالي المتمرد عن منصبه، وتعيين قرضة في محله، ولكن أبا موسى بقي مصمما على مكره وغيه، فقد اقبل على عمار ابن ياسر يحدثه فى أمر عثمان عله أن يجد في حديثه فرجة فيتهمه بدم عثمان ليتخذ من ذلك وسيلة إلى خذلان الناس عن الامام فقال له:
(يا أبا اليقظان، أعدوت فيمن عدا على أمير المؤمنين فأحللت نفسك مع الفجار.؟)
فاجابه عمار:
(لم أفعل ولم تسؤني؟.)
وعرف الحسن غايته فقطع حبل الجدال وقال له:
(يا أبا موسى، لم تثبط عنا الناس؟)
وأقبل الامام الحسن يحدثه برفق ولين ليقلع روح الشر والعناد من نفسه قائلا:
(يا أبا موسى.. والله ما أردنا الا الاصلاح، وليس مثل أمير المؤمنين يخاف على شيء..)
فبهت أبو موسى، وضاقت به مكابرته، وطغيانه فقال للامام:
(صدقت بأبي أنت وأمي!... ولكن المستشار مؤتمن..)
ـ نعم
ـ سمعت رسول الله يقول: إنها ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الراكب!. وقد جعلنا الله عز وجل اخوانا وحرم علينا أموالنا ودماءنا، فقال: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً)(٦٩٥) وقال عز وجل: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ)(٦٩٦)...)
فانبرى إليه عمار فرد عليه أباطيله وخداعه قائلا:
(أنت سمعت هذا من رسول الله؟...)
(نعم وهذه يدى بما قلت.)
فالتفت عمار الى الناس قائلا:
(إنما عنى رسول الله بذلك أبا موسى، فهو قاعد خير منه قائم؟..)
ولم يجد كلام عمار ولا ترفق الحسن، وطول صبره وعظيم حلمه مع هذا الجلف المتمرد الذي لا يخضع لغير الشدة والقسر، فقد بقي شديد الاصرار على ما هو عليه من تثبيط عزائم الناس وخذلانهم من الخروج مع الامام.
واخذ سبط النبي يوقظ الهمم، ويبعث النشاط في النفوس ويحفزها للجهاد، وخطب فيهم قائلا:
(أيها الناس.. قد كان في مسير أمير المؤمنين علي بن أبى طالب ما قد بلغكم، وقد أتيناكم مستنصرين لأنكم جبهة الانصار، ورءوس العرب وقد كان من طلحة والزبير بعد بيعتهما وخروجهما بعائشة ما قد بلغكم. وتعلمون أن وهن النساء وضعف رأيهن الى التلاشي، ومن أجل ذلك جعل الله الرجال قوامين على النساء، وأيم الله لو لم ينصره منكم أحد لرجوت أن يكون فيمن أقبل معه من المهاجرين والانصار كفاية، فانصروا الله ينصركم..)
وقام عمار فاخذ يحفز الناس للجهاد ويبين لهم حقيقة الحال في شأن عثمان قائلا:
(يا أهل الكوفة.. إن غابت عنكم انباؤنا فقد انتهت إليكم امورنا إن قتلة عثمان لا يعتذرون من قتله الى الناس ولا ينكرون ذلك، وقد جعلوا كتاب الله بينهم وبين محاججتهم فيه أحيا الله من أحيى، وأمات من أمات، وان طلحة والزبير كانا أول من طعن وآخر من أمر، وكانا أول من بايع، فلما اخطأهما ما أملا نكثا بيعتهما من غير حدث!.. وهذا ابن بنت رسول الله قد عرفتموه وقد جاء يستنصركم، وقد دلكم علي في المهاجرين والبدريين والانصار الذين تبؤوا الدار والايمان..)
وقام على أثرهما قيس بن سعد فجعل يدعوهم الى القيام بالواجب ونصرة أمير المؤمنين قائلا:
(.. إن الأمر لو استقبلنا به أهل الشورى لكان علي أحق الناس به، وكان قتال من أبى حلالا فكيف والحجة على طلحة والزبير، وقد بايعاه طوعا، وخالفاه حسدا وقد جاءكم علي في المهاجرين والانصار. ثم أنشأ يقول:

رضينا بقسم الله إذ كان قسمنا * * * عليا وأبناء الرسول محمد
وقلنا لهم أهلا وسهلا ومرحبا * * * نمد يدينا من هوى وتودد
فما للزبير الناقض العهد حرمة * * * ولا لأخيه طلحة اليوم من يد
أتاكم سليل المصطفى ووصيه * * * وأنتم بحمد الله عار من الهد(٦٩٧)
فمن قائم يرجى بخيل الى الوغا * * * وصم العوالي والصفيح المهند
يسود من أدناه غير مدافع * * * وإن كان ما نقضيه غير مسود
فان يأتى ما نهوى فذاك نريده * * * وإن نخط ما نهوى فغير تعمد(٦٩٨)

وقد بقى أبو موسى مصرا على طغيانه يثبط عزائم الناس، ويدعوهم إلى التخاذل وعدم الاجابة لنصرة الامام، وقد جعل كلما سمعه من الحسن ومن الخطباء دبر أذنيه حتى اعيى الامام الحسن حلمه فاندفع يصيح به في ثورة وعنف قائلا له:
(اعتزل عملنا أيها الرجل، وتنح عن منبرنا لا أم لك!.)
وأخذ الحسن يجد في تحفيز الناس للجهاد ويحثهم على الخروج لنصرة أبيه، وقد قام فيهم خطيبا فقال لهم:
(أيها الناس.. أجيبوا دعوة أميركم، وسيروا إلى إخوانكم، فانه سيوجد الى هذا الامر من ينفر إليه، والله لئن يليه أولو النهي أمثل في العاجل والآجل وخير في العاقبة، فاجيبوا دعوتنا واعينونا على ما ابتلينا به وابتليتم، وان أمير المؤمنين يقول: قد خرجت مخرجي هذا ظالما او مظلوما واني اذكر الله رجلا رعى حق الله إلا نفر، فان كنت مظلوما اعانني، وان كنت ظالما أخذ. والله ان طلحة والزبير لاول من بايعني، وأول من غدر فهل استأثرت بمال او بدلت حكما، فانفروا وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر..)
فاجابه الناس بالسمع والطاعة، والامتثال والانقياد لأمره، والاجابة لدعوته، ولكن الزعيم مالك الاشتر رأى ان الامر لا يتم الا بإخراج أبي موسى مهان الجانب محطم الكيان، فاقبل مع جماعة من قومه فاحاطوا بالقصر فلما نظر إليهم غلمانه اقبلوا يشتدون الى أبي موسى وقد خيم عليهم الخوف والذعر فقالوا له:
(يا أبا موسى. هذا الاشتر قد دخل القصر فضربنا واخرجنا.)
فنزل الوغد من القصر وقد استولى عليه الذهول فصاح به الاشتر:
(أخرج من قصرنا لا أم لك..)
وتردد الاشعرى برهة فصاح به مالك ثانيا:
(اخرج... اخرج الله نفسك!. فو الله إنك لمن المنافقين!.)
ونطق الاشعرى بصوت واهن ضعيف
ـ أجلني هذه العشية.
ـ هي لك، ولا تبيتن فى القصر الليلة..
ودخلت الجماهير تنهب امتعته وأمواله، ولكن الاشتر لم يتنكر لعدوه المهزوم فقد وقف معه موقف الكريم النبيل فحال وبين الجماهير وبين ما ابتغوه من نهبه والتنكيل به، فقال لهم:
(إني أجلته الليلة وقد أخرجته فكفوا عنه.)
فكف الناس عنه، وفى الصباح خرج الباغي الأثيم وهو يجر سرابيل الخزي والخيانة، وقد صفا الجو للامام الحسن، واقبل يتحدث الى الناس بالخروج قائلا:
(أيها الناس. إني غاد، فمن شاء منكم أن يخرج معي على الظهر(٦٩٩) ومن شاء فليخرج في الماء..)
واستجابت الجماهير لدعوة الامام فلما رأى ذلك قيس بن سعد غمرته الافراح والمسرات وأنشأ يقول:

جزى الله اهل الكوفة اليوم نصرة * * * أجابوا ولم يأبوا بخذلان من خذل
وقالوا! علي خير حاف وناعل * * * رضينا من ناقضي العهد من بدل
هما أبرزا زوج النبي تعمدا * * * يسوق بها الحادى المنيخ على جمل
فما هكذا كانت وصاة نبيكم * * * وما هكذا الإنصاف اعظم بذا المثل
فهل بعد هذا من مقال لقائل * * * ألا قبح الله الاماني والعلل(٧٠٠)

وعجت الكوفة بالنفار فقد نزحت منها آلاف كثيرة، فريق منها ركب السفن، وفريق آخر ركب المطي، وقد بدا عليهم الرضا والقبول وقد ساروا وهم تحت قيادة الحسن فانتهوا الى ذي قار(٧٠١) وقد التقوا بالامام أمير المؤمنين حيث كان مقيما هناك فسر بنجاح ولده، وشكر له جهوده ومساعيه النبيلة.
الافتراء على الحسن:
وروى الطبرى في تأريخه حديثا موضوعا فيه افتراء على الامام الحسن نسوقه الى القراء ثم نبين ما يثبت وضعه، فقد ذكر أنه أقبل على أبيه بعد خروج طلحة والزبير فقال له:
ـ أمرتك فعصيتنى، فانت اليوم تقتل بمضيعة لا ناصر لك!..
ـ لا تزال تحن حنين الجارية، ما الذي أمرتني فعصيتك؟؟
ـ أمرتك يوم أحيط بعثمان أن تخرج من المدينة، فيقتل ولست بها، ثم أمرتك يوم قتل ألا تبايع حتى تأتيك وفود أهل الامصار والعرب وبيعة كل مصر.
ثم أمرتك حين فعل هذان الرجلان ما فعلا أن تجلس في بيتك حتى يصطلحوا فان كان الفساد كان على يد غيرك، فعصيتني في ذلك كله.
فرد أمير المؤمنين عليه قائلا:
(أي بني، أما قولك: (لو خرجت من المدينة حين احيط بعثمان) لقد احيط بنا كما أحيط بعثمان، وأما قولك: (لا تبايع حتى تأتي بيعة الامصار) فان الامر أمر أهل المدينة، وكرهنا أن يضيع هذا الامر، وأما قولك: (حين خرج طلحة والزبير) فان ذلك كان وهنا على أهل الاسلام، وو الله ما زلت مقهورا منذ وليت، منقوصا لا أصل الى شيء مما ينبغي.
وأما قولك: (اجلس في بيتك) فكيف لي بما قد لزمنى!! أو من تريدني؟ أتريدني أن اكون مثل الضبع التي يحاط بها، ويقال: دباب دباب(٧٠٢) ليست هاهنا حتى يحل عرقوباها(٧٠٣) ثم تخرج، وإذا لم انظر فيما لزمني من هذا الامر ويعنيني فيمن ينظر فيه فكف عنك اي بنى)(٧٠٤)
وهذا الحديث رواه الطبرى عن سيف بن عمر الاسدى التميمي وهو من موضوعاته ومختلقاته، وقد اجمع الثقات على ضعفه وعدم الاعتماد على احاديثه لانه عرف بالكذب والوضع، واختلاق الحديث، وقد اتهمه بعضهم في دينه وقد بين حاله وواقعه، وعرض موضوعاته ومفترياته العلامة المحقق السيد مرتضى العسكري في كتابه (عبد الله بن سبأ)
ومما يزيد وضوحا في وضع الرواية وافتعالها أنه جاء فيها أن الامام الحسن قال لأبيه: (أمرتك فعصيتني) وهذا من اسمج الكلام وأمره فكيف يستقبل الحسن أباه بذلك وهو العارف بحقيقته والعالم بعظيم شأنه وقد قال فيه: إنه لم يسبقه الأولون بعمل ولم يدركه الآخرون بعمل) ومما لا ريب فيه ان ذلك يتنافى مع هدى الامام الحسن الذي تجنب الاساءة وهجر الكلام ومره حتى مع أعدائه ومناوئيه فكيف يخاطب أباه بذلك؟!!
وعلق عبد الوهاب النجار على هذا الحديث الموضوع فقال: (وكأني به ـ يعنى أمير المؤمنين ـ في هذا الامر الاخير يقول بمقالة عثمان: (لا اخلع لباسا البسنيه الله عز وجل) وهو اعتذار لا يقبله من يريد له وللمسلمين السلامة، أو هو مثل اعتذار دول الاستعمار بأنه لا مناص لهم من تحمل التبعة الملقاة على عاتقهم بإزاء الامم التي يحتلون بلادها ويهيمنون عليها وعلى مرافقها ومقومات حياتها)(٧٠٥)
وعبد الوهاب النجار قد عرف بالتعصب لبني أميّة والتنكر لاهل البيت، ولم يوفق في كثير من بحوثه فقد اعتمد على الموضوعات والمختلقات ولم يمعن النظر فيها، وقد تجرأ بهذه الكلمات القاسية على الامام امير المؤمنين فقد شبهه بالدول الاستعمارية الظالمة التي نشرت الجور والظلم في الارض والامام أمير المؤمنين هو الذي بسط العدالة والمساواة ونشر جميع القيم الانسانية فى دور حكمه، ولم يعهد في تأريخ الانسانية حاكم مثله في عدله وتحرجه وعدم انخداعه بمظاهر الملك والسلطان، فقد دخل عليه ابن عباس وهو يخصف نعله بيده فقال له:
ـ يا ابن عباس، ما قيمة هذا النعل؟
ـ لا قيمة له يا أمير المؤمنين
ـ والله لهى أحب إلي من أمرتكم، إلا أن أقيم حقا أو ادفع باطلا هذا هو نظر الامام الى الحكم فهو عنده وسيلة لاقامة الحق ودحض الباطل، ولو كان يروم الحكم لما فاز بالخلافة عثمان كما ذكرنا ذلك في بحث الشورى، فكيف يصح أن يشبه بالدول الاستعمارية الكافرة، وهو نفس النبي ووصيه وباب مدينة علمه؟!!
التقاء الفريقين:
وتحركت كتائب الامام من ذي قار تجد السير حتى انتهت الى الزاوية(٧٠٦) فنزل الامام فصلى فيها اربع ركعات ولما فرغ من صلاته جعل يعفر خده الشريف على التربة وهو يبكي، ثم رفع يديه بالدعاء الى الله قائلا:
(اللهم، رب السموات وما أظلت، والارضين وما أقلت، ورب العرش العظيم، هذه البصرة أسألك من خيرها، وأعوذ بك من شرها، اللهم انزلنا فيها خير منزل، اللهم هؤلاء القوم قد خلعوا طاعتي وبغوا علي، ونكثوا بيعتي، اللهم احقن دماء المسلمين..)(٧٠٧)
ولما استقر الامام بعث بالوقت عبيد الله بن عباس، وزيد بن صوحان الى عائشة يدعوها إلى حقن الدماء وجمع كلمة المسلمين، وقال لهما:
قولا لها:
(إن الله أمرك ان تقري في بيتك وأن لا تحرجي منه، وانك لتعلمين ذلك غير أن جماعة قد أغروك، فخرجت من بيتك، فوقع الناس لاتفاقك معهم في البلاء والعناء، وخير لك أن تعودي الى بيتك ولا تحومي حول الخصام والقتال، وإن لم تعودي ولم تطفئ هذه النائرة فانها سوف تعقب القتال، ويقتل فيها خلق كثير فاتقي الله يا عائشة وتوبي الى الله فان الله يقبل التوبة من عباده ويعفو. وإياك أن يدفعك حب عبد الله بن الزبير وقرابة طلحة الى أمر يعقبه النار..).
ولو وعت عائشة هذه النصيحة وارتدعت عما هي عليه لعادت بخير عميم على الأمة، ولكنها جعلت ذلك دبر أذنيها، وقالت للرسولين:
إني لا ارد على ابن ابي طالب بالكلام لأني لا أبلغه فى الحجاج)(٧٠٨)
إنها لا ترده بالكلام لأنها ليست لها حجة تدلى بها في الدفاع عن نفسها، وبعث الامام برسالة الى طلحة والزبير يدعوهما فيها الى الوئام ونبذ الشقاق وهذا نصها:
(أما بعد فقد علمتما وإن كتمتما أني لم أرد الناس حتى أرادوني، ولم أبايعهم حتى بايعوني وإنكما ممن أرادنى وبايعني، وإن العامة لم تبايعني لسلطان غالب ولا لعرض حاضر، وان كنتما بايعتماني طائعين فارجعا وتوبا الى الله من قريب، وإن كنتما بايعتماني كارهين فقد جعلتما لي عليكما السبيل بإظهاركما الطاعة، وإسراركما المعصية، ولعمري ما كنتما بأحق المهاجرين بالتقية والكتمان، وان دفعكما هذا الامر من قبل أن تدخلا فيه كان اوسع عليكما من خروجكما منه بعد اقراركما به، وقد زعمتما اني قتلت عثمان فبيني وبينكما من تخلف عني وعنكما من أهل المدينة، ثم يلزم كل امرئ بقدر ما احتمل، فارجعا أيها الشيخان عن رأيكما، فان الآن اعظم امركما العار من قبل أن يجتمع العار والنار..)(٧٠٩)
ولم يستجيبا لنداء الحق واصرا على الفساد والتمرد والبغي، واعلنا مقاومة الامام ومناجزته.
خطاب ابن الزبير:
وكان عبد الله بن الزبير من اشد المحرضين الى اثارة الفتنة، واراقة الدماء، وقد افسد جميع الوسائل التي صنعها امير المؤمنين لتحقيق السلم، وقد خطب في جموع البصريين ودعاهم الى الحرب ومناجزة الامام وهذا نص خطابه:
(أيها الناس، ان علي بن أبي طالب قتل الخليفة بالحق عثمان، ثم جهز الجيوش إليكم ليستولي عليكم، ويأخذ مدينتكم، فكونوا رجالا تطلبون بثأر خليفتكم، واحفظوا حريمكم، وقاتلوا عن نسائكم وذراريكم وأحسابكم وانسابكم، أترضون لأهل الكوفة ان يردوا بلادكم، اغضبوا فقد غوضبتم، وقاتلوا فقد قوتلتم، ألا وإن عليا لا يرى معه في هذا الأمر أحدا سواه والله لئن ظفر بكم ليهلكن دينكم ودنياكم..)
وحفل خطابه بالمغالطات والاكاذيب، واثارة النعرات والعصبيات ضد امير المؤمنين، وهو يعلم ـ من دون شك ـ كذب ما قاله ولكن نفسه سولت له ذلك طمعا بالامرة والسلطان.
خطاب الحسن:
وبلغ الامام أمير المؤمنين خطاب ابن الزبير فاوعز الى ولده الحسن بالرد عليه فقام الحسن خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
(قد بلغتنا مقالة ابن الزبير في أبي وقوله فيه: إنه قتل، عثمان، وانتم يا معشر المهاجرين والانصار وغيرهم من المسلمين علمتم بقول الزبير في عثمان، وما كان اسمه عنده، وما كان يتجنى عليه، وان طلحة يومذاك ركز رايته على بيت ماله وهو حي، فانى لهم أن يرموا أبى بقتله وينطقون بذمه، ولو شئنا القول فيهم لقلنا.
وأما قوله: إن عليا ابتز الناس أمرهم، فان أعظم حجة لأبيه زعم أنه بايعه بيده ولم يبايعه بقلبه، فقد أقر بالبيعة وادعى الوليجة فليأت على ما ادعاه ببرهان وانى له ذلك؟
وأما تعجبه من تورد أهل الكوفة على أهل البصرة، فما عجبه من أهل حق توردوا على أهل باطل.
أما انصار عثمان فليس لنا معهم حرب ولا قتال، ولكننا نحارب راكبة الجمل واتباعها..)(٧١٠)
واندفع عمرو بن أحيحة فابدى اعجابه البالغ بخطاب الامام فقال:

حسن الخير يا شبيه أبيه * * * قمت فينا مقام خير خطيب
قمت بالخطبة التي صدع الل * * * ه بها عن أبيك أهل العيوب
وكشفت القناع فاتضح الامر * * * وأصلحت فاسدات القلوب
لست كابن الزبير لجلج في القو * * * ل وطأطأ عنان فسل مريب
وأبى الله أن يقوم بما قا * * * م به ابن الوصي وابن النجيب
ان شخصا بين النبي ـ لك الخير ـ وبين الوصي غير مشوب(٧١١)

لقد فند الامام ابو محمد مزاعم ابن الزبير، ورد عليه اكاذيبه فان الذي اشعل نار الفتنة على عثمان انما هو الزبير وطلحة وعائشة، وليس للامام امير المؤمنين ضلع في ذلك، كما اوضحناه في البحوث المتقدمة.
الدعوة الى كتاب الله
وبذل الامام قصارى جهوده فى تدعيم السلم وعدم ايقاع الحرب والدعوة الى العمل بما في كتاب الله فقد رفع المصحف بيمينه وجعل يطوف به بين أصحابه وفي نفسه بقية امل في الصلح قائلا:
(أيكم يعرض عليهم هذا المصحف وما فيه؟.. فان قطعت يده أخذه بيده الأخرى، وإن قطعت أخذه باسنانه، وهو مقتول..)
فنهض إليه فتى كوفي ونفسه تفيض حماسا ونبلا فقال له:
(أنا له يا أمير المؤمنين)
فأشاح الامام بوجهه عنه برهة، وطاف في أصحابه ينتدبهم لمهمته فلم يجبه أحد سوى ذلك الفتى النبيل فدفع له المصحف وقال له:
(اعرض عليهم هذا، وقل هو بيننا وبينكم... والله في دمائنا ودمائكم.)
وانطلق الفتى مزهوا لم يختلج في قلبه خوف ولا رعب وهو يلوح بالمصحف أمام عسكر عائشة يدعوهم الى العمل بما فيه، ويدعوهم الى الأخوة والوئام، فتنكروا له، فقد دفعتهم الانانية وكراهية الحق الى الفتك به فقطعوا يمناه، فأخذ المصحف بيساره وهو يدعوهم الى العمل بكتاب الله فعدوا عليه ثانيا فقطعوا يساره فأخذ المصحف باسنانه وقد اغرق في الدماء، وهو يدعوهم فى آخر مراحل حياته الى السلم والصلح وحقن الدماء قائلا:
(الله في دمائنا ودمائكم)
فانثالوا عليه وهم مصرون على الغي والعناد فرشقوه بنبالهم فوقع على الارض جثة هامدة وانطلقت أمه ترثيه.

يا رب إن مسلما أتاهم * * * يتلو كتاب الله لا يخشاهم
فخضبوا من دمه لحاهم * * * وأمه قائمة تراهم(٧١٢)

ولم يجد الامام بعد هذا الاعذار وسيلة سوى الحرب فقال لاصحابه (الآن حل قتالهم وطاب لكم الضراب.)(٧١٣)
اعلان الحرب:
ودعا الامام بعد مقتل سفيره قادة جيشه فأقامهم على أماكنهم، وعبأ الجنود للحرب وقد رسم لهم خطة تمثلت فيها الفضيلة والرحمة والعدل فقد قال لهم:
(أيها الناس.. إذا هزمتموهم فلا تجهزوا على جريح، ولا تقتلوا أسيرا، ولا تتبعوا موليا، ولا تطلبوا مدبرا، ولا تكشفوا عورة، ولا تمثلوا بقتيل ولا تهتكوا سترا ولا تقربوا من أموالهم إلا ما تجدونه في معسكرهم من سلاح أو كراع أو عبد او امة، وما سوى ذلك فهو ميراث لورثتهم على كتاب الله..)
واعتلت عائشة جملها المسمى بعسكر، وقد البسوه المسوح، وجلود البقر، وجعلوا دونه اللبود(٧١٤)
ولها القيادة العامة فهي التي تنظم العساكر وتصدر الأوامر، ووجه جيشها النبل الى معسكر الامام فقتل بعض اصحابه، فلم يجد بعد ذلك بدا من الحرب فتقلد الامام سيفه، ودفع الراية الى ولده محمد(٧١٥) وقال للحسن والحسين: انما دفعت الراية الى أخيكما وتركتكما لمكانكما من رسول الله وانطلق محمد الى ساحة الوغى بعزم ثابت ونفس جياشة وهو يطلب الظفر والنصر، ولكن سهام القوم قد مطرت عليه من كل جانب فتريث عن المسير برهة فلم يشعر الا ويد أبيه تدفعه من الخلف وهو يقول له بنبرات تقطر حماسا:
(أدركك عرق من امك!)
ثم خطف الراية من يده وهزها في وجهه وهو يقول له:

اطعن بها طعن أبيك تحمد * * * لا خير في الحرب إذا لم توقد
بالمشرفي والقنا المسدد

لم يكن موقف محمد خورا وجبنا وانما هو من دهاء القائد المحنك الذي أراد أن يبلغ الغاية بعد أن تنكشف عنه سهام القوم، ولم يرد أمير المؤمنين بفعله الا ليرى أهل البصرة فى بداية الحرب الحزم والعزم والبسالة لعلهم عن غيهم يرتدعون.
وحمل الامام على القوم وقد رفع العلم بيسراه، وشهر فى يمينه ذا الفقار الذي حارب به الملحدين والمشركين على عهد رسول الله واليوم يحارب به المارقين من الدين والمنحرفين عن الاسلام، واحتف به اعلام المهاجرين والانصار فكان العدو أمام بواترهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف
مصرع الزبير:
وخرج أمير المؤمنين حاسرا بين الصفوف فنادى باعلا صوته:
(أين الزبير.؟)
فخرج إليه الزبير وهو شاك في سلاحه فلما رآه اعتنقه وقال له:
ـ يا أبا عبد الله ما جاء بك هاهنا؟؟
ـ جئت أطلب دم عثمان
فرمقه بطرفه وقال له بنبرة المستريب.
ـ تطلب دم عثمان؟!!
ـ نعم
ـ قتل الله من قتل عثمان
واقبل عليه يحدثه برفق، ويذكره بما نساه قائلا:
(أنشدك الله يا زبير، هل تعلم أنك مررت بي وأنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو متّكئ على يدك، فسلم علي رسول الله وضحك إلي، ثم التفت إليك فقال لك: يا زبير إنك تقاتل عليا وأنت له ظالم.)
فاطرق الزبير، وقد غاض لونه، وذاب قلبه أسى وحسرات، وندم على ما فرط من أمره وقال للامام:
ـ اللهم نعم
ـ فعلام تقاتلني؟
ـ نسيتها والله، ولو ذكرتها ما خرجت إليك، ولا قاتلتك(٧١٦)
ـ ارجع
ـ وكيف ارجع وقد التقت حلقتا البطان، هذا والله العار الذي لا يغسل؟؟
ـ ارجع قبل أن تجمع العار والنار
فانصرف وهو يقول:

اخترت عارا على نار مؤججة * * * ما إن يقوم لها خلق من الطين
نادى على بأمر لست أجهله * * * عار لعمرك في الدنيا وفي الدين
فقلت حسبك من عدل أبا حسن * * * فبعض هذا الذي قد قلت: يكفيني(٧١٧)

وعزم على الانسحاب من هذه الفتنة الا انه أراد أن يخرج منها بسلام فقال لعائشة:
(يا أم المؤمنين... إني والله ما وقفت موقفا قط إلا عرفت اين أضع قدمي فيه إلا هذا الموقف؟ فاني لا أدري أمقبل أنا فيه أم مدبر..؟)
عرفت عائشة خبيئته، وما يرومه في حديثه من الانسحاب، فالتفتت إليه وكانت عارفة بما يثيره وينقض عزيمته فقالت له باستهزاء.
(يا أبا عبد الله.. خفت سيوف بنى عبد المطلب؟!)
وعاثت هذه السخرية في نفسه، وزاد في اضطرابه وقلقه وارجاعه الى ساحة التمرد ابنه المشوم عبد الله فقد قال له:
(إنك خرجت على بصيرة، ولكنك رأيت رايات ابن أبي طالب وعرفت أن تحتها الموت فجبنت؟!)
لقد اتهمه ابنه بالحور والجبن وهو عار وذل ومنقصة عليه فالتفت إليه وقد مشت الرعدة باوصاله فقال له:
ـ ويحك إني قد حلفت له أن لا أقاتله؟
ـ كفر عن يمينك بعتق غلامك سرجس.
فاعتق غلامه(٧١٨) ثم انعطف يجول فى الميدان ليرى عائشة وابنه شجاعته وبسالته وعدم مبالاته بحتفه، فشد في الميسرة، ثم رجع فشد في القلب، ورجع الى ابنه وقال له:
(ايفعل هذا جبان؟؟)
ومضى منصرفا حتى أتى (وادي السباع) وكان الاحنف بن قيس مع قومه مقيمين فيه، فقالوا له: هذا الزبير قد اجتاز فقال: ما اصنع بالزبير؟ وقد جمع بين فئتين عظيمتين من الناس يقتل بعضهم بعضا؟ ولحقه نفر من بنى تميم فسبقهم إليه عمرو بن جرموز، وقد نزل الزبير الى الصلاة فقال: أتؤمنى أو أؤمك؟ فأمه الزبير، فقتله عمرو بن جرموز وهو فى حال صلاته(٧١٩)
لقد كانت النهاية الأخيرة من حياة الزبير مشفوعة بالغدر والخيانة والتمرد على الحق وهو مما يؤسف له، فله ماضيه الزاهر الحافل بالمكرمات والفضائل فهو صاحب حلف الفضول الذي كان شعاره مناصرة المظلوم فما باله في هذه المرحلة قد تنكر لأمير المؤمنين ونسيى ظلامته، فقد ابتزت حقه تيم تارة وعدى أخرى وأمية ثالثة، وقد جاء هو لينتزع منه حقه.
انه مما يؤسف على الزبير أن تكون له هذه النهاية المؤلمة وهو صاحب المواقف الكريمة الذي جلى بسيفه الكرب عن وجه رسول الله (ص) ووقف من بعده، مع أمير المؤمنين يحمي جانبه ويهتف بفضله ويقدمه على غيره فما الذي حداه على الخروج عليه فهل استأثر ابن أبى طالب باموال المسلمين وهل ادخر وفرا لنفسه ولعياله حتى يناجزه ويخرج عليه؟
الاحتفاف بعائشة:
واستطابت الموت واستلذته بعض القبائل العربية في سبيل عائشة فقدموا لها الضحايا والقرابين، وبالغوا في حمايتها والدفاع عنها وهم:
أ ـ الأزد
وهامت الازد بحب عائشة، وتفانت في ولائها، فكانوا يأخذون بعر جملها يشمونه ويقولون: بعر جمل أمنا ريحه ريح المسك(٧٢٠) وقد هبوا للدفاع عنها مستميتين، وقد انطلق شيخ في المعركة يستنجد بهم لما رأى من عظيم ولائهم واخلاصهم لها فقد خاطبهم قائلا:

يا معشر الأزد عليكم امكم * * * فانها صلاتكم وصومكم
والحرمة العظمى التي تعمكم * * * فاحضروها جدكم وحزمكم
لا يغلبن سم العدو سمكم * * * إن العدو إن علاكم زمكم
وخصكم بجوره وعمكم * * * لا تفضحوا اليوم فداكم قومكم(٧٢١)

واحتفوا بهودجها، وامسكوا بخطام (عسكرها) فبهرت عائشة وقالت!
ـ من انتم؟
فاخذت تلهب في نفوسهم روح الحماس وتدفعهم الى الموت قائلة:
(إنما يصبر الأحرار.. ما زلت أرى النصر مع بني ضبة!)
واشعلت هذه الكلمات نار الثورة فى نفوسهم فاندفعوا إلى الموت، وقاتلوا أشد القتال في سبيلها(٧٢٢)
ب ـ بنو ضبة
وبنو ضبة من أرذال العرب وأوباشهم، وكانوا غلاظ القلوب والطباع، قد أترعت نفوسهم بروح الجاهلية ومساوئها، وقد وهبوا أرواحهم بسخاء لعائشة، وأحاطوا بجملها مستميتين وهم يقولون:

يا أمنا يا زوجة النبي * * * يا زوجة المبارك المهدي
نحن بنو ضبة لا نفر * * * حتى نرى جماجما تخر
يخر منها العلق المحمر

ووقفوا صامدين حتى قطعت أيديهم وبدرت رءوسهم، واتخذوا في ذلك اليوم دم عثمان شعارا لهم فكانوا يقاتلون اعنف القتال وأشده وشاعرهم يرتجز ويقول:

نحن بنو ضبة أصحاب الجمل * * * ننازل القرن اذا القرن نزل
والقتل اشهى عندنا من العسل * * * نبغي ابن عفان بأطراف الأسل
ردوا علينا شيخنا ثم بجل

وقتل حول خطامها اربعون رجلا منهم، وكانت عائشة تقول: ما زال جملي معتدلا حتى فقدت اصوات بني ضبة.
ج ـ بنو ناجية
ومن القبائل التي فتنت بحب عائشة بنو ناجية، فقد انطلقوا الى ساحة الموت في سبيلها فأخذوا بخطام جملها فسألت عنهم؟ فقيل لها بنو ناجية فأخذت تستفز حميتهم، وتقذف بهم فى لظى الحرب قائلة:
(صبرا يا بنى ناجية. فاني اعرف فيكم شمائل قريش..)(٧٢٣)
هذه بعض القبائل التي قدمت المزيد من الضحايا في سبيل عائشة، قد غرتهم امهم وفتنتهم في سبيل أطماعها واحقادها.
عقر الجمل:
واستمر اعنف القتال بين الفريقين يريد أصحاب أمير المؤمنين أن يحموا امام المسلمين ووصيي نبيهم ويريد أصحاب عائشة أن يحموا أمهم ويموتوا دونها حتى شاعت المقتلة بينهما، ورأى امير المؤمنين ان الحرب لا تنتهي ما دام الجمل موجودا، فدعا بعمار وبالاشتر فلما مثلا بين يديه قال لهما.
(اذهبا فاعقرا هذا الجمل فان الحرب لا يخمد ضرامها ما دام حيا!!! فانهم قد اتخذوه قبلة لهم.)
انطلق الأشتر وعمار ومعهما فتية من مراد فوثب فتى يعرف بمعمر ابن عبد الله(٧٢٤) الى الجمل فضربه على عرقوبه فهوى الى الارض وله عجيج منكر لم يسمع مثله، وتفرق اصحاب عائشة فقد تحطم الصنم الذي قدموا له القرابين، وأمر الامام بحرقه وتذرية رماده في الهواء لئلا تبقى منه بقية يفتتن بها السذج والبسطاء وبعد ما فرغ من ذلك قال:
(لعنه الله من دابة. فما اشبهه بعجل بني اسرائيل!!)
ومد بصره الى الرماد الذي اخذه الريح فتلا قوله تعالى: (وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في أليم نسفا)(٧٢٥)
الصفح عن عائشة:
وقابل الامام عائشة بالاحسان والصفح الجميل فبعث إليها أخاها محمدا يسألها عن حالها فانطلق إليها محمد فادخل يده في هودجها فجفلت مرعوبة منه وصاحت به:
ـ من أنت؟
ـ ابغض أهلك إليك
عرفته في الوقت فقالت له ونفسها مترعة بالكراهية له والحقد عليه:
ـ ابن الخثعمية؟
ـ نعم أخوك البر
ـ عقوق
وأزاحت بوجهها عنه، والتفت إليها يسألها برفق ولين:
ـ هل أصابك مكروه؟
ـ سهم لم يضرني
فانتزعه منها، وأخذ بخطام هودجها، وادخلها في الربع الأخير من الليل الى دار عبد الله بن خلف الخزاعي(٧٢٦) على صفية بنت الحارث(٧٢٧) فاقامت هناك اياما.
العفو العام:
واصدر الامام اوامره بالعفو عن جميع اعدائه، والمعارضين له، وطلبت عائشة ان يؤمن ابن اختها عبد الله بن الزبير وهو من ألد اعدائه فاجابها إلى ذلك، وتكلم معه الحسن والحسين فى شأن مروان فآمنه وعفا عنه ونادى مناديه:
(ألا لا يجهز على جريح، ولا يتبع مول، ولا يطعن في وجه مدبر ومن القى سلاحه فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن..)
ثم آمن الاسود والأحمر ـ على حد تعبير اليعقوبي (٧٢٨) ولم ينكل بأحد من خصومه، وبذلك فقد انتشر السلام وعم الهدوء في جميع ربوع البصرة
تسريح عائشة:
وبعث أمير المؤمنين عبد الله بن عباس الى عائشة لتخرج من البصرة الى يثرب فتقر فى بيتها كما أمرها الله فانطلق إليها ابن عباس واستأذن منها فأبت أن تأذن له فدخل بغير أذن وهوى الى متاعها فأخرج منه وسادة فجلس عليها، فتأثرت منه وقالت له:
(تالله يا ابن عباس.. ما رأيت مثلك تدخل بيتنا وتجلس على وسادتنا بغير أمرنا!!)
فانبرى إليها ابن عباس وهو فياض المنطق قائلا:
(والله ما هو بيتك، ولا بيتك الا الذي أمرك الله أن تقرى فيه فلم تفعلي، إن أمير المؤمنين يأمرك أن ترجعي الى بلدك الذي خرجت منه.)
فاظهرت كوامن غيظها وبغضها للامام فقالت:
ـ رحم الله أمير المؤمنين ذاك عمر بن الخطاب.
ـ نعم. وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
ـ أبيت، أبيت
ـ ما كان إباؤك إلا فواق ناقة بكيئة(٧٢٩) ثم صرت ما تحلين ولا تمرين ولا تأمرين ولا تنهين.
فالتاعت من كلامه وأرسلت ما في عينيها من دموع، ثم قالت له:
(نعم ارجع فان ابغض البلدان الي بلد انتم فيه.)
فثار ابن عباس من كلامها ورد عليها:
(أما والله ما كان ذلك جزاؤنا منك إذ جعلناك للمؤمنين أما، وجعلنا أباك لهم صديقا.)
فاجابته باسخف القول
(أتمن علي برسول الله؟!!)
وما ابعد هذا القول عن منطق الايمان فمن تكون هي لو لا رسول الله فبسببه علا لها نجم وصار لها ذكر، وقد انبرى ابن عباس فرد عليها منطقها الرخيص قائلا:
(نمن عليك بمن لو كان منك بمنزلته منا لمننت به علينا!!)
وتركها وانصرف فاخبر الامام بحديثه معها، وباستجابتها لقوله فشكره الامام على ذلك(٧٣٠) ولما عزمت على الخروج جهزها الامام باحسن جهاز واعد لها قافلة كاملة لا ينقصها شيء، وفي اليوم المقرر لسفرها دخل عليها ومعه الحسن والحسين فلما رأينه النسوة بكين وصحن في وجهه، والتفتت إليه صفية ربه الدار فقالت له:
يا قاتل الأحبة. يا مفرق الجماعات. أيتم الله بنيك منك كما ايتمت بنى عبد الله..)
اجابها الامام: لو كنت قاتل الأحبة لقتلت من في هذا البيت، وأشار الى بيت فى دارها قد اختفى فيه فريق من أعدائه وخصومه، وأراد من كان معه الهجوم عليهم فمنعهم من ذلك، وجرى بعد ذلك حديث بين الامام وعائشة فقالت له: إني احب أن أقيم معك فاسير إلى قتال عدوك، فابى الامام وأمرها أن تقر في البيت الذي تركها فيه رسول الله ولو أراد السياسة الوقتية لأجابها إلى ذلك ولكنه منبع التقوى والايمان أراد أن يسير معها على وفق الشريعة الاسلامية التي تلزم المرأة بالحجاب وبالعمل لتهذيب نفسها واصلاح منزلها، وليس لها باي حال أن تدخل في المعمعات الحزبية والمعتركات السياسية، ورحلت عائشة من البصرة وقد اسكنت بيوتها الثكل والحزن والحداد، وروعت المسلمين وأشاعت القتل فيما بينهم فقد كان عدد الضحايا بسببها عشرة آلاف نصفهم من اصحابها والنصف الآخر من أصحاب الامام(٧٣١) وقد دمرت بخروجها على الامام وشائج الصلات بين المسلمين، ونسفت أواصر الأخوة الاسلامية التي عقدها الرسول الكريم، وفتحت باب الفتن والشر بين أمة محمد (ص) كما مهدت العصيان لمعاوية وبني أميّة، وعبدت لهم الطريق ليتخذوا من دم عثمان وسيلة الى الظفر بالحكم وإلى استعباد المسلمين واذلالهم.
لقد اجمع أئمة المسلمين على تأثيم القائمين بهذا التمرد وانه لا مبرر له بحال من الاحوال كما نعتوهم بالبغاة وان الواجب الديني يقضي بمناجزتهم عملا بقوله تعالى: (فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ) يقول أبو حنيفة:
(وما قاتل أحد عليا الا وعلي أولى بالحق منه، ولو لا ما سار علي فيهم ما علم أحد كيف السيرة فى المسلمين. ولا شك ان عليا إنما قاتل طلحة والزبير بعد أن بايعاه وخالفاه، وفى يوم الجمل سار على فيهم بالعدل، وهو علم المسلمين فكانت السنة في قتال أهل البغي)(٧٣٢)
وقال ابن حجر:
(ان أهل الجمل وصفين رموا عليا بالمواطاة مع قتلة عثمان وهو برىء من ذلك وحاشاه واضاف يقول: ويجب على الامام قتال البغاة لاجماع الصحابة عليه ولا يقاتلهم حتى يبعث إليهم أمينا عدلا فطنا ناصحا يسألهم عما ينقمونه على الامام تأسيا بعلي (ع) فى بعثه ابن عباس الى الخوارج بالنهروان)(٧٣٣)
وقال امام الحرمين الحويني: (كان على بن أبي طالب امام حق في توليته ومقاتلوه بغاة)(٧٣٤)
ان الشريعة الاسلامية تلزم بمناجزة الخارجين على السلطة الشرعية لان في خروجهم تصديعا لوحدة المسلمين، وتدميرا لاخوتهم.
لقد مرت هذه الحادثة الرهيبة على الامام الحسن وقد عرفته باضغان القوم وأحقادهم على أبيه، وقد كان فى تلك الموقعة البطل الوحيد والقائد المحنك الذي استطاع أن يحفز الجماهير ويجهزهم لقتال القوى الباغية على أبيه، وبهذا ينتهى بنا المطاف عن مشكلة البصرة لنلتقى به في موقعة صفين.
فى صفّين
تمر بعض الحوادث في دنيا الوجود وتذهب من دون أن تترك أثرا مهما يذكره التأريخ وإن كان لها في وقتها من الخطورة شأن كبير، وتمر بعض الحوادث الأخرى في ميدان الحياة فتبقى خالدة خلود الدهر لأنها تركت أثرا اجتماعيا عاد بالخير العميم على الانسان، وتجتاز بعض الحوادث على مسرح الحياة فتملأ الدنيا بالمآسي والخطوب وتعود بشقاء الانسان واستعباده، من هذه الحوادث المفجعة والرزايا المؤلمة حادثة صفين التي تجسم فيها الصراع بين الحق والباطل، وبين العدل والجور والظلام والنور وبين الخلافة الدينية التي تنشد صالح الانسان واسعاده. وبين الحكم الفوضوي الذي لا يهدف إلا إلى الإثرة والاستغلال والمتاجرة بمصالح الشعوب.
إن الشعوب الاسلامية لم تقرر مصيرها الحاسم في وقعة صفين فقادها ذلك الى الاستعباد والاذلال والخضوع للظلم والجور، وقد المع الى ذلك الاستاذ مالك الجزائري في ايضاحه للاسس القويمة التي تبناها مؤتمر (باندونج) اذ يقول:
ولقد عرف التأريخ الاسلامي لحظة كهذه ـ اي فى تقرير حق المصير ـ في معركة صفين تلك الحادثة الموسفة المؤثرة التي نتج عنها التذبذب في الاختيار، الاختيار الحتم بين علي ومعاوية، بين المدينة ودمشق، بين الحكم الديمقراطي الخليفي والحكم الاسري، ولقد اختار المجتمع الاسلامي في هذه النقطة الفاصلة في تأريخه الطريق الذي قاده اخيرا الى القابلية للاستعمار والى الاستعمار)(٧٣٥)
لقد انخذل المجتمع الاسلامى في حادثة صفين فلم يقرر مصيره الحاسم فانتج ذلك خذلان الامام أمير المؤمنين وارغام الامام الحسن من بعده على الصلح، وتسلم الامويين لقيادة الحكم في البلاد فامعنوا في قتل الاخيار ومطاردة المصلحين واشاعة الظلم والجور في الأرض، وعلينا أن نتبين فصول هذه المأساة ـ بايجاز ـ وننظر الى متاركها الفظيعة وهي:
تمرد معاوية:
واعلن معاوية التمرد على حكومة الامام، ورفض البيعة والدخول فيما دخل فيه المسلمون اما بواعث عصيانه فهي ما يلي:
١ ـ لقد علم معاوية أن الامام لا يقره في منصبه، ولا بد أن يجرده من جميع امواله التي اختلسها من بيت مال المسلمين، ولو كان يحتمل أنه يبقيه على حاله ويقره على بذخه واسرافه لما اعلن العصيان والخروج عليه إن الامام لا يداهن في دينه، ولا يطلب النصر بالجور، ولا يقر الظلم، وهو حتف الظالمين والمعتدين فكيف يبقى معاوية في جهاز الحكم، وهو يعلم أنه لا واقعية له ولا حريجة له في الدين، وقد اصدر في اليوم الأول من خلافته عزله عن مقره، وقد كتب إليه معاوية يسأله أن يبقيه على حاله أو يجعله واليا على مصر فامتنع من اجابته، وقد لام عقبة بن أبي معيط معاوية على ذلك وكتب له رسالة جاء فيها.

معاوية إن الشام شامك فاعتصم * * * بشامك لا تدخل عليك الأفاعيا
فان عليا ناظر ما تجيبه * * * فأهد له حربا تشيب النواصيا
وحام عليها بالصوارم والقنا * * * ولاتك مخشوش الذراعين واصيا
والا فسلم ان فى الأمن راحة * * * لمن لا يريد الحرب فاختر معاويا
وان كتابا يا ابن حرب كتبته * * * على طمع جان عليك الدواهيا
سألت عليا فيه ما لا تناله * * * ولو نلته لم تبق إلا لياليا
الى أن ترى منه الذي ليس بعدها * * * بقاء فلا تكثر عليك الأمانيا
ومثل علي تغترره بخدعة * * * وقد كان ما خربت من قبل بانيا
ولو نشبت أظفاره فيك مرة * * * فراك ابن هند بعد ما كنت فاريا(٧٣٦)

إن معاوية ومن يمت به يعلمون اتجاه الامام وأهدافه الرامية الى تحقيق العدل في البلاد والقضاء على الغبن الاجتماعي واقصاء الظالمين عن مراكزهم، وانهم سيعودون في ظل حكومته نكرات لا امتياز لهم كما كانوا فى عهد الرسول فلذا اعلنوا عليه البغي حفظا على مصالحهم الضيقة.
٢ ـ ورأى معاوية أن له قوة على مقاومة الامام ومناجزته وذلك لما له من النفوذ والمكانة في بلاده فانه لم يعمل فيها عمل وال يظل واليا طول حياته ويقنع بهذا المنصب ثم لا يتطاول إلى ما وراءه ولكنه عمل فيها عمل صاحب الدولة التي يؤسسها ويدعمها له ولا بنائه من بعده فجمع الأقطاب، واشترى الانصار بكل ثمن في يديه وأحاط نفسه بالقوة والثروة واستعد للبقاء الطويل(٧٣٧) وقد حفزته هذه القوى التي يتمتع بها الى مناجزة الامام ومقاومته.
٣ ـ ومما دفعه الى التمرد خروج عائشة وطلحة والزبير فقد فتحوا له الطريق، ومهدوا له السبيل فان واقعة صفين انما هي امتداد لحرب الجمل، ونتيجة من نتائجها فلو لا خروجهم واعلانهم للعصيان وتطبيلهم بدم عثمان لما استطاع معاوية أن يشق الكلمة ويخرج على الامام ويناجزه الحرب.
٤ ـ وشيء آخر جدير بالاهتمام علل به معاوية عصيانه وخروجه على النظام القائم وذلك في رسالته التي بعثها لمحمد بن أبي بكر وقد جاء فيها
(كان ابوك وفاروقه أول من ابتزه ـ يعني عليا ـ حقه وخالفاه على امره، على ذلك اتفقا واتسقا ثم دعواه الى بيعتهما فابطأ عنهما وتلكأ عليهما فهما به الهموم واردا به العظيم، ثم انه بايع لهما وسلم لهما، وأقاما لا يشاركانه في أمرهما، ولا يطلعانه على سرهما حتى قبضهما الله... واضاف يقول: فان يك ما نحن فيه صوابا فابوك استبد به ونحن شركاؤه ولو لا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب ولسلمنا إليه ولكن رأينا أباك فعل ذلك به من قبلنا واخذنا بمثله..)(٧٣٨)
وهو تعليل وثيق للغاية فانه لو لا منازعة الشيخين للامام وابتزازهما لحقه لما استطاع معاوية ان يخالفه ويخرج عليه ولكنه احتذى حذوهما وسار على طريقتهما فبغى على الامام وأفسد عليه جيشه وتركه في أرباض الكوفة يتمنى الموت ليستريح مما ألم به من الشؤون والشجون.
٥ ـ ومن الامور التي حفزته على العصيان والتمرد على الامام هو المطالبة بدم عثمان فقد اتخذ قتله وسيلة الى نيل أهدافه وبلوغ أمانيه، وقد ارصد جميع أبواق دعايته لتهويل أمره والاشادة بذكره وتنزيهه عن كل ذنب حتى انقادت له قلوب اهل الشام وأترعت نفوسهم بالحقد والكراهية للامام فاذا بهم يظهرون الحزن والاسى اكثر مما يظهر وإذا بهم يحثونه ويستعجلونه على الحرب والمطالبة بدمه اكثر مما يستعجل.
ولم يكن هناك ادنى مجال للشك في أن معاوية لا يهمه أمر عثمان ولا يقيم لمقتله وزنا فقد استنجد به لما حوصر وضويق، وطلب منه المعونة فلم يخف لنصرته، ولم يستجب له ولم يسعفه بشيء، ولو كان يروم المطالبة بدمه لكان اولى الناس بالعقوبة والتنكيل مستشاره ووزيره عمرو بن العاص فهو الذي سعر الدنيا نارا على عثمان وكان يقول: (والله لالفى الراعى فاحرضه على عثمان فضلا عن الرؤساء والوجوه)(٧٣٩) فمطالبته بدم عثمان ليست الا وسيلة لتحقيق غايته والظفر بالملك الذي يحلم به.
هذه بعض الاسباب والبواعث التي دعت معاوية لمناجزة الامام واعلانه للحرب عليه.
ايفاد جرير:
ولما اعلن معاوية تمرده على حكومة الامام طلب أصحاب الامام أن ينهض بهم لحربه بعد فراغهم من حرب الجمل وكأنهم أرادوا أن يحوزوا لنصرهم نصرا فابى الامام لأن خطته كانت المسالمة وايثار العافية فرأى أن يبعث إليه السفراء يدعونه الى الطاعة والدخول فيما دخل فيه الناس فاوفد للقياه جرير بن عيد الله البجلى(٧٤٠) وزوده بهذه الرسالة:
(أما بعد فان بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام، لانه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بويعوا عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد. وانما الشورى للمهاجرين والانصار فاذا اجتمعوا على رجل فسموه إماما كان ذلك لله رضا، فان خرج من امرهم خارج بطعن او رغبة ردوه الى ما خرج منه، فان أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى ويصليه جهنم وساءت مصيرا، وإن طلحة والزبير بايعاني ثم نقضا بيعتي، وكان نقضهما كردهما، فجاهدتهما على ذلك حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون فادخل فيما دخل فيه المسلمون، فان أحب الامور إلى فيك العافية، إلا أن تتعرض للبلاء، فان تعرضت له قاتلتك واستعنت الله عليك. وقد اكثرت فى قتلة عثمان، فادخل فيما دخل فيه المسلمون، ثم حاكم القوم إلىّ أحملك وإياهم على كتاب الله. فأما تلك التي تريدها فخدعة الصبي عن اللبن، ولعمرى لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان. واعلم أنك من الطلقاء(٧٤١) اللذين لا تحل لهم الخلافة، ولا تعرض فيهم الشورى. وقد أرسلت إليك وإلى من قبلك جرير بن عبد الله، وهو من أهل الايمان والهجرة. فبايع ولا قوة إلا بالله(٧٤٢)
وكانت هذه الرسالة رسالة حق داعية واعية. دعت الى الحق من أقصر سبله، وبأوضح أساليبه. ووعت قصة الاستخلاف التي أثارت كل هذا الخلاف، بما سبقها وما لحقها من المقدمات والخواتيم.
وكانت فوق هذا وذاك عظة جارية، وحكمة هادية لمن أراد الهداية وشرح الله صدره وفجر في فؤاده ينبوع النور، فلم يغفل الامام فيها أمرا جرت ألسن الناس بذكره إلا بينه. ولم يدع ثغرة ينفذ منها خصمه إلا سدها دونه وما من شيء كان معاوية يستطيع أن يحتال به، أو يدعيه حجة تؤيد خلافه وتسند انحرافه الا مد له الامام معولا من سطورها ـ حديدا شديدا ـ يدمر باطله ويقوض معاقله، كما قال الاستاذ السيد عبد الفتاح مقصود(٧٤٣):
وطوى جرير البيداء حتى وصل الى بلاط معاوية، فانطلق يتكلم معه قائلا:
أما بعد يا معاوية فانه قد اجتمع لابن عمك أهل الحرمين وأهل المصرين(٧٤٤) وأهل الحجاز وأهل اليمن، وأهل العروض وعمان وأهل البحرين واليمامة، فلم يبق إلا أهل هذه الحصون التي أنت فيها، لو سال عليها سيل من اوديته غرقها وقد أتيتك أدعوك الى ما يرشدك ويهديك الى مبايعة الرجل(٧٤٥)
ولما سمع معاوية ذلك خارت قواه وبقي مبهور النفس لم يفه بشيء ولكنه بقي يطاوله، ويسرف في مطاولته لا يجد لنفسه مهربا سوى الامهال والتسويف، وقد جمع في خلال تلك المدة وجوه أهل الشام وقادة الجيش فجعل يستشيرهم في الخضوع لحكومة الامام والاستجابة لسفيره أو اعلان التمرد والمطالبة بدم عثمان فاظهروا له رغبتهم الملحة في الطلب بدم عثمان، واعلان العصيان على حكومة الامام.
مراسلة معاوية لعمرو:
وعلم معاوية أن الامر لا يتم له إلا إذا انضم إليه داهية العرب عمرو ابن العاص ليقوم بتسديده ويستعين به في مهامه، فبعث إليه رسالة يطلب فيها قدومه إليه وهذا نصها:
(أما بعد: فانه قد كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك وقد سقط إلينا مروان بن الحكم في رافضة أهل البصرة، وقدم علينا جرير بن عبد الله في بيعة علي، وقد حبست نفسي عليك حتى تأتيني أقبل أذاكرك أمرا...)
ولما قرأ الرسالة تحير في أمره فاستشار ولديه عبد الله ومحمدا فقال له عبد الله وكان رجل صدق وصلاح.
(أرى أن نبي الله قبض وهو عنك راض والخليفتان من بعده، وقتل عثمان وأنت عنه غائب، فقر في منزلك فلست مجعولا خليفة، ولا تريد أن تكون حاشية لمعاوية على دنيا قليلة أو شك أن تهلك فتشقى فيها..)
وأشار عليه عبد الله بالنصيحة والورع والتقوى وعدم الاستجابة لدواعي الفتن والغرور، وأما ابنه محمد فقد فتنته الدنيا وطمع بالملك فقد قال له:
(أرى أنك شيخ قريش وصاحب أمرها، وان تصرم هذا الامر وأنت فيه خامل تصاغر أمرك فالحق بجماعة أهل الشام فكن يدا من ايديها وأطلب بدم عثمان، فانك قد استلمت فيه الى بني أمية..)
وقد دفعه محمد الى هلاك آخرته واصلاح دنياه، والتفت عمرو الى ولده عبد الله فقال له: أما أنت فأمرتني بما هو خير في ديني؟ وقال لولده محمد: أما أنت أمرتني بما هو خير لي فى دنياى؟
حيرة وذهول:
واعتركت الدنيا والآخرة في نفس عمرو وملأت الحيرة اهابه واحاطت به الهواجس، وقد انفق ليلا ساهرا يفكر فى الامر فهل يلتحق بمعسكر معاوية فيناجز أخا رسول الله ووصيه وباب مدينة علمه فيكون قد فرط في أمر دينه أو يلتحق بعلي فيكون رجلا كسائر الناس له ما لهم وعليه ما عليهم ولكنه يضمن بذلك آخرته ودينه، وأطال التفكير فى الأمر وسمعه أهله يقول:

تطاول ليلى للهموم الطوارق * * * وخوف التي تجلو وجوه العوائق
وإن ابن هند سائلي أن أزوره * * * وتلك التي فيها بنات البوائق
أتاه جرير من على بخطة * * * أمرّت عليه العيش ذات مضائق
فان نال منى ما يؤمل رده * * * وإن لم ينله ذل ذل المطابق
فو الله ما ادري وما كنت هكذا * * * اكون ومهما قادني فهو سائقي
أخادعه إن الخداع دنية * * * أم اعطيه من نفسي نصيحة وامق
أم أقعد في بيتي وفي ذاك راحة * * * لشيخ يخاف الموت في كل شارق
وقد قال عبد الله قولا تعلقت * * * به النفس إن لم تقتطعني عوائقي
وخالفه فيه أخوه محمد * * * وانى لصلب العود عند الحقائق

ودل هذا الشعر على تردده وحيرته إلا ان ابنه عبد الله فهم منه الاستجابة لدعوة معاوية فقال:
(بال الشيخ على عقبيه، وباع دينه بدنياه!!)
ولما اندلع لسان الصبح دعا غلامه وردان وكان ذكيا يقرأ ما في النفوس فقال له: (حط يا وردان، ثم قال له: ارحل، ثم قال له حط يا وردان).
فعرف غلامه حيرته وذهوله فقال له:
ـ خلطت أبا عبد الله؟! أما إن شئت أنبأتك بما فى نفسك؟
ـ هات ويحك!!
ـ اعتركت الدنيا والآخرة على قلبك، فقلت: على معه الآخرة فى غير دنيا، وفى الآخرة عوض من الدنيا. ومعاوية معه الدنيا بغير آخرة وليس في الدنيا عوض الآخرة فانت واقف بينهما.
ـ إنك والله ما أخطأت!! ما ترى؟
ـ أرى أن تقيم في بيتك فان ظهر أهل الدين عشت في عفو دينهم وإن ظهر أهل الدنيا لم يستغنوا عنك.
ولم يستجب لنصحه وصمم على الالتحاق بمعاوية وهو يقول:

يا قاتل الله وردانا وفطنته * * * أبدى لعمرك ما فى النفس وردان
لما تعرضت الدنيا عرضت لها * * * بحرص نفسى وفي الاطباع ادهان
نفس تعف واخرى الحرص يغلبها * * * والمرء يأكل تبنا وهو غرثان(٧٤٦)
أما علي فدين ليس يشركه * * * دنيا وذاك له دنيا وسلطان
فاخترت من طمعي دنيا علي بصر * * * وما معي بالذي اختار برهان
اني لاعرف ما فيها وأبصره * * * وفي أيضا لما أهواه الوان
لكن نفسي تحب العيش في شرف * * * وليس يرضى بذل العيش انسان
عمرو لعمر أبيه غير مشتبه * * * والمرء يعطس والوسنان وسنان

لقد استجاب لعاطفته فآثر الدنيا على الآخرة، وعزم على الالتحاق
بمعسكر معاوية ليحارب امير المؤمنين الذي هو نفس رسول الله ومن هو منه بمنزلة هارون من موسى.
قدومه الى الشام:
وارتحل ابن العاص ومعه ابناه الى دمشق فلما بلغها جعل يبكي كما تبكي المرأة وهو يقول:
(وا عثماناه انعى الحياء والدين!!)(٧٤٧)
لقد اصطنع البكاء ليغري السذج ويظهر الاخلاص والطاعة لمعاوية ولما التقى به تذاكر معه معاوية في الوسائل والطرق التي يسلكها في حربه مع الامام، فقال له ابن العاص:
(أما علي فو الله لا تساوي العرب بينك وبينه في شيء من الاشياء وإن له في الحرب لحظا ما هو لأحد من قريش الا أن تظلمه..)
وانطلق معاوية يبين له الدوافع في حربه وعصيانه قائلا:
(صدقت. ولكنا نقاتله على ما في أيدينا، ونلزمه قتلة عثمان!!)
إنه إنما يقاتل الامام من أجل السلطة والامرة والثراء العريض الذي اختلسه من بيت المال، واندفع ابن العاص يبين له وهن المطالبة بدم عثمان قائلا:
ـ وا سوأتاه إن احق الناس أن لا يذكر عثمان!!
ـ ولم ويحك؟!!
ـ أما أنت فخذلته ومعك أهل الشام حتى استغاث بيزيد بن اسد البجلي فسار إليه، وأما أنا فتركته عيانا وهربت الى فلسطين!!(٧٤٨)
فلم يلتفت معاوية الى قوله لأنه لم يجد وسيلة يتمسك بها في عصيانه سوى المطالبة بدم عثمان.
المساومة الرخيصة:
وكان ابن العاص يحن الى مصر حنينا متصلا وقد باع دينه وضميره على معاويه من اجلها فقد قال له معاوية:
ـ أتحبني يا عمرو؟
ـ لماذا؟ للآخرة فو الله ما معك آخرة، أم للدنيا. فو الله لا كان حتى أكون شريك فيها!!
ـ أنت شريكي فيها
ـ فاكتب لي مصر وكورها
ـ لك ما تريد
فكتب له ولاية مصر وكتب في آخر الوثيقة وعلى عمرو السمع والطاعة فقال له عمرو:
ـ إن السمع والطاعة لا ينقصان من الشرط شيئا.
ـ نعم، ولا ينظر الناس الى هذا.
ونفذ له ما أراد(٧٤٩) وبذلك فقد باع دينه على معاوية، وسمع وهو يقول:

معاوي لا اعطيك ديني ولم أنل * * * به منك دنيا فانظرن كيف تصنع
فان تعطنى مصر فاربح بصفقة * * * أخذت بها شيخا يضر. وينفع
وما الدين والدنيا سواء وإنني * * * لآخذ ما أعطي ورأسي مقنع
ولكنني أعطيك هذا وإنني * * * لأخدع نفسي والمخادع يخدع
أأعطيك أمرا فيه للملك قوة * * * وأبقى له إن زلت النعل اضرع
وتمنعني مصر وليست برغبة * * * وان ثرى القنوع يوما لمولع(٧٥٠)

لقد ظفر معاوية بأهم سياسي ماكر مخادع يجيد اللعب على الحبل ويتغلب على الأحداث وهو القائل عن دهائه أنا أبو عبد الله ما حككت قرحة إلا أدميتها.
رد جدير:
ولما اجتمع لمعاوية امره واحكم وضعه رد سفير الامام (جرير) الى الكوفة ولم يجبه الى شيء، وأرسل معه رسالة الى الامام جاء فيها:
(اما بعد. لو بايعك الذين ذكرت وأنت برىء من دم عثمان لكنت كأبي بكر وعمر وعثمان، ولكنك اغريت بدم عثمان، وخذلت الانصار فأطاعك الجاهل، وقوى بك الضعيف، وقد أبى اهل الشام إلا قتالك حتى تدفع إليهم قتلة عثمان فان فعلت كانت شورى بين المسلمين وانما كان الحجازيون هم الحكام على الناس والحق فيهم، فلما فارقوه كان الحكام على الناس اهل الشام، ولعمري ما حجتك على اهل الشام كحجتك على طلحة والزبير إن كانا بايعاك فلم ابايعك انا، فأما فضلك في الاسلام وقرابتك من رسول الله فلست ادفعه...).
وكانت هذه الرسالة حاملة للبهتان والاباطيل ففيها اتهام الامام بدم عثمان، وهو يعلم أن الامام برىء منه، ولكنه لم يجد حجة يتعلق بها سوى هذه الاكاذيب.
وهبط جرير على الامام وهو خافق فى سفارته، ومعه رسالة معاوية فاطلع عليها الامام وعرف ما يرومه معاوية من البغي والخروج عليه، وقد رأى أن يقيم عليه الحجة مرة اخرى فبعث إليه السفراء يدعونه الى الطاعة والدخول فيما دخل فيه المسلمون فلم يجد ذلك شيئا وأصر على عناده.
زحف معاوية لصفين:
وأخذ معاوية البيعة من أهل الشام على المطالبة بدم عثمان والأخذ بثأره، وتوفرت لديه الامكانيات والقوى العسكرية، وانضم إليه كل من لم تنطبع في نفسه العقيدة الدينية من ذوى الاطماع والمنحرفين عن الحق والباغين على الاسلام، ولما تم أمره زحف بجيوشه الى صفين(٧٥١) لمحاربة السلطة الشرعية والاطاحة بالحكم الاسلامي واعادة المثل الجاهلية، ولما انتهى في مسيره الى صفين نزل بها واحتل الفرات وعد هذا أول الفتح لانه حبس الماء على عدوه، وبقيت جيوشه رابضة هناك تصلح امرها، وتنضم قواها لتستعد للحرب.
تهيؤ الامام للحرب:
ولما اخفقت جميع الوسائل التي اتخذها الامام من أجل السلم تهيأ للحرب بعد ما علم أن خصمه قد زحف الى صفين لمناجزته، وقد استدعى المهاجرين والانصار الذين خفوا لنجدته فقال لهم:
(إنكم ميامين الرأي، مراجيح الحلم، مقاويل بالحق، مباركو الفعل والامر، وقد أردنا المسير الى عدونا فاشيروا علينا برأيكم؟)
فانطلق هاشم بن عتبة فقال له:
(يا أمير المؤمنين فأنا بالقوم جد خبير، هم لك ولأشياعك أعداء وهم لمن يطلب حرث الدنيا اولياء، وهم مقاتلوك ومجاهدوك(٧٥٢) لا يبقون جهدا، مشاحة على الدنيا، وضنا بما في أيديهم منها وليس لهم إربة غيرها إلا ما يخدعون به الجهال من الطلب بدم عثمان بن عفان، كذبوا ليسوا بدمه يثأرون، ولكن الدنيا يطلبون فسر بنا إليهم، فان اجابوا الى الحق فليس بعد الحق إلا الضلال. وإن أبوا الا الشقاق فذلك الظن بهم والله ما أراهم يبايعون وفيهم أحد ممن يطاع إذا نهى ويسمع إذا أمر..)(٧٥٣)
إن هاشما كان خبيرا بنفوس القوم، وعالما باتجاههم وميولهم فانهم يطلبون حرث الدنيا، وهم يقاتلون الامام من اجل مطامعهم، وقد تذرعوا بدم عثمان واتخذوه وسيلة لعصيانهم، ولا يتركون نفاقهم وغيهم ما دام لهم شاخص يتمتع بالنفوذ والقوة، فلا بد من مناجزتهم والزحف إليهم للقضاء على غيهم وتمردهم وانبرى غير واحد من اعلام المهاجرين والانصار فاعلنوا تأييدهم لمقالة هاشم، وأظهروا الطاعة والانقياد للامام، وقد اتجه بعد ذلك الى الاستعداد للحرب فراسل الوجوه وامراء القبائل وقادة الجنود يستحثهم على نصرته والخروج معه لحرب البغاة، واستجاب الجميع لنداء الحق واعربوا عن استعدادهم الشامل لنصرته.
خطبة الحسن:
وأخذ الامام الحسن يوقظ الهمم، ويبعث الحزم والنشاط في النفوس ويحثها على الخروج لحرب معاوية كما فعل ذلك من قبل في معركة الجمل وقد قام خطيبا بين الجماهير يدعوهم الى الجهاد وهذا نص خطابه.
(الحمد لله لا إله غيره، وحده لا شريك له، واثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:
إن مما عظم الله عليكم من حقه، وأسبغ عليكم من نعمه ما لا يحصى ذكره، ولا يؤدى شكره، ولا يبلغه صفة ولا قول ونحن إنما غضبنا لله ولكم، فانه منّ علينا بما هو أهله ان نشكر فيه آلاءه وبلاءه ونعماءه، قولا يصعد الى الله فيه الرضا، وتنتشر فيه عارفة الصدق يصدق الله فيه قولنا، ونستوجب فيه المزيد من ربنا، قولا يزيد ولا يبيد، فانه لم يجتمع قوم قط على أمر واحد إلا اشتد امرهم، واستحكمت عقدتهم. فاحتشدوا فى قتال عدوكم معاوية وجنوده، فانه قد حضر. ولا تخاذلوا فان الخذلان يقطع نياط القلوب، وإن الاقدام على الاسنة نجدة وعصمة لأنه لم يمتنع(٧٥٤) قوم قط الا رفع الله عنهم العلة، وكفاهم جوائح(٧٥٥) الذلة، وهداهم الى معالم الملة، ثم انشد.

والصلح تأخذ منه ما رضيت به * * * والحرب يكفيك من انفاسها جرع(٧٥٦)

وحفل خطابه البليغ بالدعوة الى الوحدة والتعاون، وبذل الجهود لمحاربة القوى الباغية، وقد استجاب الناس لدعوته فخفوا سراعا لنصرة الحق والدفاع عن الاسلام.
الحسن مع سليمان:
وكان بعض زعماء العراق قد اعتزل معركة الجمل، ولم يقم بنجدة الامام ومن بينهم سليمان بن صرد الخزاعي(٧٥٧) وقد وجه الامام امير المؤمنين إليه ـ بعد انقضاء الحرب ـ أعنف اللوم والتقريع فقد قال له:
(أرتبت وتربصت وراوغت، وقد كنت من أوثق الناس في نفسي وأسرعهم ـ فيما أظن ـ الى نصرتي فما قعد بك عن أهل بيت نبيك، وما زهدك في نصرهم؟؟)
وضاق سليمان ذرعا بتأنيب الامام له فقال له:
(يا أمير المؤمنين.. لا تردن الأمور على أعقابها، ولا تؤنبني بما مضى منها، واستبق مودتي تخلص لك نصيحتي، وقد بقيت امور تعرف فيها وليك من عدوك..)
ثم قام مسرعا إلى الامام الحسن ليعرض عليه حديث أبيه فقال له:
(ألا أعجبك من أمير المؤمنين وما لقيت منه من التبكيت والتوبيخ!!) وانطلق الحسن فتكلم معه برفق ولين ليزيل ما في نفسه من وجد قائلا:
(إنما يعاتب من ترجى مودته ونصيحته..)
ولكن سليمان بقي على ثورته فقد لذعته مرارة العتب والتقريع فقال للامام الحسن:
(إنه بقيت أمور سيستوسق فيها القنا(٧٥٨) وينتضى فيها السيوف، ويحتاج فيها الى اشباهي، فلا تستغشوا عتبى، ولا تهموا نصيحتي..)
فهدأ الحسن روعه، واعرب له عن ثقته به فقال له:
(رحمك الله: ما أنت عندنا بالظنين..)(٧٥٩)
وهدأت ثورة سليمان، وسكن روعه لما قابله الامام الحسن بالرفق وسجاحة الطبع، وقد استطاع الحسن أن يزيل ما في نفسه من الم الوجد ويرجعه الى صفوف المجاهدين.
المسير الى صفين:
ولما توفرت القوى العسكرية للامام تهيأ للخروج الى صفين، وأمر الحارث بن الأعور أن ينادي في الناس بالخروج إلى معسكرهم في النخيلة فنادى فيهم بذلك فعجت الكوفة بالنفار، وخرج الامام تحف به صحابة النبي وقد زحفت معه الكتائب كأنها السيل وهي ما بين راكب وراجل، وهم يعرفون القصد في خروجهم فانهم خرجوا لنصرة الحق ومحاربة اعداء الاسلام وخصومه.
ولزمت جيوش الامام الفرات فى زحفها السريع فلما انتهت الى الانبار استقبلها أهلها ثم جاءوا يهرعون إلى الامام فتنكر منهم وقال لهم:
(ما هذه الدواب التي معكم؟ وما أردتم بهذا الذي صنعتم؟..)
فقالوا وهم يبدون عظيم الولاء ومزيد التكريم.
(يا أمير المؤمنين. أما هذا الذي صنعنا فهو خلق منا نعظم به الامراء وأما هذه البراذين فهدية لك، وقد صنعنا لك وللمسلمين طعاما وهيأنا لدوابكم علفا كثيرا..)
فزجرهم الامام ونهاهم عن ذلك فقال:
(أما هذا الذي زعمتم أنه منكم خلق تعظمون به الامراء، فو الله ما ينفع هذا الامراء، وإنكم لتشقون به على أنفسكم وأبدانكم، فلا تعودوا له. وأما دوابكم هذه فان أحببتم أن نأخذها منكم فنحسبها من خراجكم أخذناها منكم. وأما طعامكم الذي صنعتم لنا فانا نكره أن نأكل من أموالكم شيئا الا بثمن..)
هذا هو منطق العدل الذي سار عليه ابن أبي طالب فلم يسمح للمهرجانات ولا لسائر المظاهر التي اعتادها الملوك والأمراء لأن فيها جهدا للرعية وتعظيما للامراء وهم في نظر الاسلام لا ميزة لهم على بقية أفراد الشعب واندفع الانباريون فقالوا له:
(يا أمير المؤمنين نقومه ـ اي الطعام ـ ثم نقبل ثمنه)
(لا تقومونه قيمته)
ثم تركهم وانصرف عنهم(٧٦٠) وسارت جيوشه تطوى البيداء حتى انتهت الى صفين فانزلها الامام بإزاء اصحاب معاوية.
القتال على الماء:
ولم يجد أصحاب الامام على الفرات شريعة يستقون منها الماء إلا وعليها الحرس الكثير وهم يمانعونهم أشد الممانعة من الوصول إليه فاقبلوا الى الامام يخبرونه بذلك فدعا صعصعة بن صوحان وقال له:
(ائت معاوية فقل: إنا سرنا مسيرنا هذا وأنا أكره قتالكم قبل الاعذار إليكم، وإنك قدمت بخيلك فقاتلتنا قبل أن نقاتلك، وبدأتنا بالقتال ونحن من رأينا الكف حتى ندعوك، ونحتج عليك. وهذه اخرى قد فعلتموها، حتى حلتم بين الناس وبين الماء. فخل بينهم وبينه حتى ننظر فيما بيننا وبينكم، وفيما قدمنا له وقدمتم. وان كان أحب إليك أن ندع ما جئنا له وندع الناس يقتتلون على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب فعلنا..)
وانطلق صعصعة الى معاوية فعرض عليه كلام الامام فاستشار اصحابه فقال له الوليد بن عقبة:
(امنعهم الماء كما منعوه ابن عفان: حصروه اربعين يوما يمنعونه برد الماء، ولين الطعام، اقتلهم عطشا قتلهم الله...)
وأشار عليه ابن العاص بالسماح لهم ولكن الوليد اعاد مقالته، وانبرى عبد الله بن سعد بن أبي سرح فقال له:
(امنعهم الماء الى الليل، فانهم إن لم يقدروا عليه رجعوا، وكان رجوعهم هزيمتهم. امنعهم الماء منعهم الله يوم القيامة..)
فثار صعصعة ولم يسعه السكوت فقال له:
(إنما يمنعه الله يوم القيامة الكفرة الفجرة شربة الخمر، ضربك وضرب هذا الفاسق ـ واشار الى الوليد ـ..) وتواثبوا عليه يشتمونه ويتهددونه، فأمرهم معاوية بالكف عنه، ورجع صعصعة ولم تنتج سفارته شيئا، فخف الى الامام الأشعث بن قيس(٧٦١) فقال له:
(يا أمير المؤمنين. أيمنعنا القوم ماء الفرات وأنت فينا ومعنا السيوف خل عنا وعن القوم فو الله لا نرجع حتى نرده أو نموت. ومر الاشتر فليعل بخيله فيقف حيث تأمره..)
فمنحه الامام الأذن، ولما ظفر الاشعث بذلك رجع الى قومه وهو يهتف بهم:
(من كان يريد الماء او الموت فميعاده الصبح، فانى ناهض الى الماء..).
فأجابه اثنا عشر الفا، فلما رآهم قام مزهوا يشد عليه لامة حربه وهو يقول:

ميعادنا اليوم بياض الصبح * * * هل يصلح الزاد بغير ملح
لا لا، ولا أمر بغير نصح * * * دبوا الى القوم بطعن سمح
مثل العزالى بطعان نفح(٧٦٢) * * * لا صلح للقوم واين صلحى
حسبي من الاقحام قاب رمح

ولما اندلع لسان الصبح دبت جماهير العراقيين الى الاشعث فحمل بهم على أهل الشام وهو يقول لقومه:
(بأبي أنتم وأمي تقدموا قاب رمحي..)(٧٦٣)
ولم يزل يهتف بقومه، ويبعث في نفوسهم روح العزم والنشاط حتى خالطوا أهل الشام، وصاح بهم الأشعث:
(خلوا عن الماء..)
فأجابه أبو الأعور السلمي(٧٦٤): بعدم السماح لهم، وهجم الاشعث ومن معه على صفوف أهل الشام فار الوهم عن الفرات والحقوا بهم خسائر فادحة في الاموال والنفوس، ولما ملك العراقيون الفرات سمح الامام لأهل الشام أن يردوا منه، ولم يكل لهم صاعا بصاع ولم يعمل معهم الا عمل المحسن الكريم.
ايفاد السفراء الى معاوية:
وقبل أن يدق جرس الحرب أوفد الامام رسل السلام الى معاوية كما اوفدهم من قبل في معركة الجمل رجاء في الصلح وحقن الدماء، والذين بعثهم للقياهم: عدى بن حاتم، وشبث بن ربعي، ويزيد بن قيس، وزياد بن حفصة، فتكلم معه عدى بن حاتم فقال له:
(أما بعد: فانا أتيناك لندعوك الى أمر يجمع الله به كلمتنا وأمتنا ويحقن به دماء المسلمين، وندعوك الى افضلها سابقة واحسنها في الاسلام آثارا(٧٦٥) وقد اجتمع له الناس، وقد ارشدهم الله بالذي رأوا، فلم يبق احد غيرك وغير من معك، فانته يا معاوية من قبل أن يصيبك الله واصحابك بمثل يوم الجمل..)
وهي دعوة حق لو وعاها ابن هند واستجاب لها لحقن دماء المسلمين وجمع كلمتهم ولكنه آثر مصالحه على ذلك فقال لعدى:
(كأنك إنما جئت متهددا ولم تأت مصلحا. هيهات يا عدي. كلا والله لابن حرب ما يقعقع لي بالشنان(٧٦٦) أما والله إنك لمن المجلبين على ابن عفان، وانك لممن قتلته، وإني لارجو أن تكون ممن يقتله الله. هيهات يا عدى قد حلبت بالساعد الاشد..)
لقد اظهر له الغي والتمرد والإيثار للحرب وذلك لما يتمتع به من القوى العسكرية والقدرة على مناجزة الامام وتكلم معه يزيد بن قيس فقال له:
(إنا لم نأتك الا لنبلغك ما بعثنا به إليك، ولنؤدى عنك ما سمعنا منك، لن ندع أن ننصح لك، وأن نذكر ما ظننا أن لنا به عليك حجة او أنه راجع بك الى الالفة والجماعة. إن صاحبنا لمن قد عرفت وعرف المسلمون فضله، ولا أظنه يخفى عليك: إن أهل الدين والفضل لن يعدلوك بعلي ولن يميلوا بينك وبينه(٧٦٧) فاتق الله يا معاوية، ولا تخالف عليا، فانا والله ما رأينا رجلا قط اعمل بالتقوى، ولا ازهد في الدنيا، ولا أجمع لخصال الخير كلها منه..)
إن معاوية يعلم فضل أمير المؤمنين ولكن احقاده واطماعه يحولان بينه وبين الحق فآثر حربه ومناجزته فاجاب القوم قائلا:
(أما بعد: فانكم دعوتم الى الطاعة والجماعة. فأما الجماعة التي دعوتم إليها فنعما هي. وأما الطاعة لصاحبكم فانا لا نراها. إن صاحبكم قتل خليفتنا، وفرق جماعتنا، وآوى ثأرنا، وقتلتنا، وصاحبكم يزعم أنه لم يقتله فنحن لا نرد ذلك عليه، أرأيتم قتلة صاحبنا؟ ألستم تعلمون انهم أصحاب صاحبكم؟ فليدفعهم إلينا فلنقتلهم به ونحن نجيبكم الى الطاعة والجماعة..)
وحفل كلام ابن هند بالاكاذيب والاغاليط فقد أتهم الامام بقتل عثمان وهو يعلم ببراءته منه، فقد قتله خيار المسلمين لما انحرف عن الحق وغيّر كتاب الله ـ كما ذكرنا ذلك عند عرض احداثه ـ وقد انبرى إليه شبث بن ربعي(٧٦٨)
فقال له:
(أيسرك بالله يا معاوية إن أمكنت من عمار بن ياسر فقتلته؟)
وقد عرض شبث لمعاوية اعظم شخصية اسلامية ثارت على عثمان وهو عمار بن ياسر فهل يقتص منه إن ظفر به، فقال له معاوية.
(وما يمنعني من ذلك؟ والله لو امكنني صاحبكم من ابن سمية ما قتلته بعثمان، ولكن كنت اقتله بنائل مولى عثمان بن عفان..)
وما الذي يمنع معاوية من قتل عمار لو ظفر به في سبيل الملك والبغي على الاسلام، وثار شبث حينما سمع مقالته فقال له:
(لا والله الذي لا إله إلا هو لا تصل الى قتل ابن ياسر حتى تنذر الهام عن كواهل الرجال، وتضيق الأرض الفضاء عليك برحبها..)
ورجع القوم وهم خافقون في سفارتهم لم يستجب لهم معاوية فقد رأوا أنه مصمم على الحرب وممعن في البغي والتمرد فجعلوا يدعون الناس للحرب، ويحرضونهم على مناجزة معاوية.
اعلان الحرب:
ولما اخفقت جميع الوسائل التي اتخذها الامام من أجل السلم تهيأ للحرب، وقد اصدر تعاليمه الى عموم جيشه وقد جاء فيها:
(لا تقاتلوهم حتى يقاتلوكم، فانتم بحمد الله على حجة، وترككم قتالهم حجة اخرى، فاذا هزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا، ولا تجهزوا على جريح، ولا تكشفوا عورة، ولا تمثلوا بقتيل، فاذا وصلتم الى رجال القوم فلا تهتكوا سترا، ولا تدخلوا دارا إلا بأذني، ولا تأخذوا شيئا من أموالهم إلا ما وجدتم في معسكرهم، ولا تهيجوا امرأة وإن شتمن أعراضكم، وتناولن امراءكم وصلحاءكم فانهن ضعاف القوى والانفس والعقول..)
هذه خطته التي رسمها لجيشه وهي تمثل ما يكنه في نفسه من الرحمة والرأفة وحب الخير حتى لاعدائه ومناوئيه.
وعقد الامام الالوية، وأمرّ الأمراء فاستعمل على الخيل عمار بن ياسر، وعلى الرجالة عبد الله بن بديل، ودفع اللواء الى هاشم المرقال، وجعل على الميمنة الاشعث بن قيس وعلى الميسرة عبد الله بن عباس، وعقد ألوية القبائل فاعطاها لأعيانهم، وكذلك عبأ معاوية أصحابه على راياتهم فاستعمل عبيد الله بن عمر على الخيل، وعلى الرجالة مسلم بن عقبة المري وعلى الميمنة عبيد الله بن عمرو بن العاص وعلى الميسرة حبيب بن مسلم الفهرى، واعطى اللواء عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وجعل على اهل دمشق الضحاك بن قيس الفهرى.
وجعلت كتائب من جيش الامام نخرج الى فرق أهل الشام فيقتتل الفريقان نهارا كاملا أو طرفا منه، ولم يرغب الامام في أن تقع حرب عامة بين الفريقين رجاء أن يجيب خصمه الى الصلح، ويثوب الى الرشاد، ودام على هذا الحال حفنة من الايام حتى أطل شهر المحرم وهو من الاشهر التي يحرم القتال فيها في الجاهلية والاسلام فتركوا القتال فيه، وتوادعوا شهرهم كله وأتيح للقوم أن يلتقوا فيه آمنين من دون أن تقع بينهم أي حرب ولكن كان بينهم أعنف الجدال واشد الخصام يدعو العراقيون أهل الشام الى جمع الكلمة وإلى العمل بكتاب الله ومبايعة وصي رسول الله (ص) ويدعوهم أهل الشام الى الطلب بدم عثمان ورفض بيعة الامام، ولما انقضى شهر المحرم مضى القوم على حربهم كما كانوا قبله، وجعل مالك الاشتر ينظر الى رايات أهل الشام ويتأملها فاذا هي رايات المشركين التي خرجت لحرب رسول الله (ص) فاندفع يخاطب قومه قائلا:
(أكثر ما معكم رايات كانت مع رسول الله، ومع معاوية رايات كانت مع المشركين على عهد رسول الله فما يشك فى قتال هؤلاء الا ميت القلب..)
واندفع عمار بن ياسر فجعل يبين للمسلمين واقع معاوية ويحرضهم على قتاله قائلا:
(يا أهل الاسلام(٧٦٩) أتريدون أن تنظروا الى من عادى الله ورسوله وجاهدهما وبغى على المسلمين وظاهر المشركين، فلما أراد الله أن يظهر دينه، وينصر رسوله أتى النبي فأسلم وهو والله فيما يرى راهب غير راغب وقبض الله رسوله وإنا والله لنعرفه بعداوة المسلم ومودة المجرم، الا وانه معاوية فالعنوه لعنه الله، وقاتلوه فانه ممن يطفئ نور الله ويظاهر اعداء الله..)
إن معاوية قبل أن يسلم قد عادى الله ورسوله، وبغى على المسلمين وما اسلم الا خوفا من حد السيوف التي أخذت اسرته، وقد اضمر الشرك والنفاق والبغي على الاسلام والمسلمين فلما وجد أعوانا نهض بهم لمحاربة أخي رسول الله وباب مدينة علمه.
الحسن مع عبيد الله
وحاول معاوية أن يلعب دورا مع الامام الحسن فبعث إليه عبيد الله ابن عمر(٧٧٠) يمنيه بالخلافة ويخدعه حتى يترك أباه فانطلق عبيد الله فقال له:
ـ لي إليك حاجة
ـ نعم.. ما تريد؟
ـ إن أباك قد وتر قريشا أولا وآخرا، وقد شنئوه فهل لك ان تخلعه ونوليك هذا الامر؟ نعم ان الامام قد وترهم ولكن فى سبيل الاسلام فقد حاولوا لف لوائه، فناجزهم الامام فقتل جبابرتهم، وأباد طغاتهم وهزم جموعهم، وهم من أجل ذلك يحملون له حقدا وعداء، ولما سمع الامام مقالته صاح به وقد لذعته عقرب الخيانة فقال له:
(كلا والله لا يكون ذلك!!)
والقى الامام الحسن عليه نظرة غضب واستياء، وأخبره انه سيلاقي حتفه عما قليل فقال له:
(لكأنّي انظر إليك مقتولا فى يومك أو غدك. أما ان الشيطان قد زين لك، وخدعك حتى اخرجك مخلقا بالخلوق(٧٧١) ترى نساء أهل الشام موقفك، وسيصرعك الله ويبطحك لوجهك قتيلا..)
ورجع عبيد الله الى معاوية وهو خائب حسير وقد اخفق في مهمته وأخبره بحديث الامام فقال معاوية متبهرا:
(انه ابن أبيه!!)(٧٧٢)
وخرج عبيد الله في ذلك اليوم الى ساحة الحرب يقاتل مع الجبهة المعادية للاسلام فلاقى حتفه سريعا على يد فذ نبيل من همدان، واجتاز الامام الحسن فى ساحة المعركة فرأى رجلا قد توسد رجلا قتيلا وقد ركز رمحه في عينه وربط فرسه في رجله، فقال الحسن لمن حوله: انظروا من هذا؟ فأخبروه أن الرجل من همدان، وان القتيل عبيد الله بن عمر، فسر بذلك وقال مبتهجا: الحمد لله على ذلك(٧٧٣) وقد قضى عبيد الله نهايته الأخيرة وهو معاد لله ورسوله، وباغ على الاسلام، وخارج على امام المسلمين.
الحرب العامة:
واستمرت المناوشات بين الفريقين أمدا غير يسير من دون أن تقع بينهما حرب عامة، وقد سئم كل منهما هذه المطاولة التي لم تكن تجدي شيئا فانه لم يكن هناك أي أمل في الاصلاح والوئام وجمع الكلمة، وإنما كانت هذه المطاولة تزيد الفتنة امتداد والشر انتشارا، فلما رأى الامام ذلك عبأ أصحابه وتهيأ للحرب العامة، ولما رأى معاوية ذلك فعل مثل فعله، والتقى كل منهما بالآخر، وبادر الحسن ليحمل على صفوف أهل الشام فلما بصر به الامام ذهل وأريع وقال لمن حوله:
(املكوا عنى هذا الغلام لا يهدنى(٧٧٤) فانني أنفس(٧٧٥) بهذين ـ يعنى الحسن والحسين ـ لئلا ينقطع بهما نسل رسول الله..(٧٧٦)
واستعرت نار الحرب، واشتد أوارها حتى جفل الناس وخيم عليهم الذعر والموت، وقد انكشفت ميمنة الامام، وتضعضع قلب الجيش وبدت الهزيمة فيه فدعا سهل بن حنيف فلما مثل بين يديه أمره أن يلتحق بمن معه في الميمنة، فامتثل ما أمر به فحملت عليهم جيوش أهل الشام فكشفتهم ورجعوا منهزمين الى الميسرة، وانكشفت عن الميسرة مضر وثبتت ربيعة فيها، وإن قائلهم ليقول: (يا معشر ربيعة، لا عذر لكم بعد اليوم عند العرب إن أصيب أمير المؤمنين وهو فيكم.)
تحالفت ربيعة على الموت وثبتت فى الميدان وهي رابطة الجاش لا تبالى بالحمام قد أخذت على عاتقها أن تقوم بنصرة الحق وتفدى ارواحها للامام وكان الامام معهم يحمل على اعدائه وقد مطرت عليه سهام القوم، وكان ابناؤه يقونه بأنفسهم ولم يفارقه أحد منهم، وبصر به حين اشتباك الأسنة مولى لبني أميّة يدعى بأحمر بن كيسان فجاء كالكلب نحو الامام وهو يقسم على قتل الامام قائلا:
(ورب الكعبة قتلني الله ان لم أقتلك أو تقتلنى)
فانبرى إليه مولى للامام يدعى بكيسان فبدر إليه الكلب المهاجم فأرداه صريعا على الارض يتخبط بدمه، وجعل الخبيث يشتد نحو الامام فتناوله الامام بيده وحمله على عاتقه ثم ضرب به الارض فكسر منكبه وعضديه وشد عليه الحسين ومحمد فقتلاه.
ودنا الامام من جموع اهل الشام فخاف الحسن أن يغتال العدو أباه فقال له:
(لو سعيت حتى تنتهى الى هؤلاء الذين قد صبروا لعدوك (يعني بهم ربيعة) من اصحابك.)
وعرف الامام مغزى كلام الحسن فقال له برفق ولين:
(يا بني.. إن لأبيك يوما لن يعدوه ولا يبطئ به عنه السعي ولا يعجل به إليه المشي، ان اباك والله ما يبالى أوقع على الموت أو وقع الموت عليه.)
واقبل الأشتر يركض وهو مذهول اللب مندهش الفكر لما انهزمت الكتائب وولت على اعقابها خوفا من الموت، فلما بصر الامام به قال له:
ـ يا مالك.
ـ لبيك.
ـ ائت هؤلاء القوم فقل لهم: اين فراركم من الموت الذي لن تعجزوه الى الحياة التي لا تبقى لكم.
مضى الاشتر الى المنهزمين فالقى عليهم رسالة الامام فهدأ روعهم ثم قال معرفا لهم بشخصيته.
ـ أنا مالك بن الحارث. أنا مالك بن الحارث.
وخطر له أن هذا الاسم غير كاف لهم فى تعريفه فقال معرفا نفسه بما اشتهر به.
ـ أنا الأشتر.
فبادرت فصيلة من الناس إليه فهتف فيهم بنبرات تقطر حماسا وعزما قائلا:
(أيها الناس. عضضتم بهن آبائكم، ما أقبح ما قاتلتم منذ اليوم.)
ثم هتف ثانيا قائلا:
(أخلصوا لى مذحجا.)
فأنبرت إليه مذحج. فقال لها:
(عضضتم بصم الجندل، ما ارضيتم ربكم ولا نصحتم له في عدوكم وكيف بذلك وانتم ابناء الحروب، واصحاب الغارات، وفتيان الصباح، وفرسان الطراد، وحتوف الأقران، ومذحج الطعان الذين لم يكونوا يسبقون بثأرهم ولا تطل دماؤهم، ولا يعرفون في موطن بخسف، وأنتم حد أهل مصركم واعد حي في قومكم، وما تفعلون فى هذا اليوم فانه مأثور بعد اليوم، فاتقوا ماثور الاحاديث في غد، واصدقوا عدوكم اللقاء فان الله مع الصادقين، والذي نفس مالك بيده ما من هؤلاء (وأشار لأهل الشام) رجل على مثال جناح بعوضة من محمد (ص) أنتم ما احسنتم القراع، اجلوا سواد وجهي دمى، عليكم بهذا السواد الأعظم، فان الله عز وجل، لو قد فضه تبعه من بجانبيه كما يتبع مؤخر السيل مقدمه!)
لقد هيمن الزعيم مالك على النفوس واستولى عليها بخطابه الحماسي الرائع فقد بعث روح العزم والنشاط في نفوس الجيش. وتعالت الاصوات من كل جانب تعرب له الطاعة والانقياد.
ـ خذ ـ حيث احببت.

وسارعوا إليه يتسابقون نحو الموت صامدين امام العدو، وكانت كتائب من همدان قد أبيد فريق من زعمائها وقوادها الباسلين فى المعركة وكان آخر من أخذ اللواء بيده وهب بن كريب فبادر إليه جمع من احبائه قائلين له:
(رحمك الله قد قتل أشراف قومك حولها ـ اي حول الراية ـ فلا تقتل نفسك ولا من بقى من قومك.)
انصرف وهب ومن معه عن ساحة الحرب وهم يطلبون فئة قوية ينضمون إليها وهتفوا امام الجموع بما يرومونه قائلين:
(ليت لنا عدتنا من العرب يحالفوننا على الموت ثم نستقدم نحن وهم فلا ننصرف حتى نقتل أو نظفر.)
واجتازوا على الاشتر فسمع نداءهم، فرحب بفكرتهم وقال لهم.
(أنا أحالفكم واعاقدكم على ان لا نرجع ابدا حتى نظفر أو نهلك) وابتهجوا بكلام الاشتر وانضمونا تحت لوائه، وفي فعلهم هذا يقول كعب بن جعيل: (وهمدان زرق تبتغي من تحالف)
وهجم الأشتر بمن معه من البهاليل على جموع أهل الشام فكانوا أمام بواترهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، وظهر الضعف في جيش معاوية وكاد اصحاب معاوية يبلغون فسطاطه وهمّ معاوية بالفرار لو لا أن ذكر قول ابن الاطنابة:

أبت لى عفتي وحياء نفسي * * * وإقدامي على البطل المشيح
وإعطائي على المكروه مالي * * * واخذى الحمد بالثمن الربيح
وقولى كلما جشأت وجاشت * * * مكانك تحمدى أو تستريحي

فرده ذلك الشعر الى الصبر والثبات كما كان يتحدث بذلك ايام العافية.
مصرع عمار:
ولما رأى الصحابي العظيم عمار بن ياسر الرءوس تتساقط، والارض قد صبغت بالدماء أخذ يناجى نفسه قائلا:
(صدق رسول الله (ص) هؤلاء القاسطون، إنه اليوم الذي وعدني فيه رسول الله، إني قد أربيت على التسعين فماذا انتظر؟! رحماك ربي قد اشتقت الى إخواني الذين سبقوني بالايمان إليك.. سأمشي الى لقاء ربي مجاهدا أعداءه بين يدي وليه ووصيي رسوله وخليفته من بعده، فاني أراه اليوم الذي وعدني به رسول الله (ص)...)
وأطال النظر في رايات معاوية فانطلق يقول: (إن مراكزنا على مراكز رايات رسول الله يوم بدر ويوم أحد ويوم حنين، وإن هؤلاء على مراكز رايات المشركين من الاحزاب..)(٧٧٧)
وتمثلت أمامه في ذلك اليوم صفحات من تأريخه البعيد والقريب، فعرضت له صورة أبويه ياسر وسمية وهما يعذبان أعنف التعذيب وأمره وهو شاب معهما يلاقى ما لاقياه من الارهاق على يد جبابرة قريش ففاضت روح أبويه، وأفلت هو من التعذيب، وتذكر ما عناه فى شيخوخته من عثمان من التنكيل والتعذيب كل ذلك في سبيل مبدئه وعقيدته، وقد اودعت هذه الذكريات في نفسه شوقا عارما الى ملاقاة الله فانفجر في البكاء وأخذ يناجي الله قائلا:
(اللهم انك تعلم. أنى لو أعلم أن رضاك ان اضع ظبة سيفى(٧٧٨) في صدري ثم انحنى عليها حتى تخرج من ظهري لفعلت، ولو اعلم أن رضاك في أن أقذف بنفسي في هذا البحر لفعلت، ولو اعلم أن رضاك أن أرمى بنفسي من هذا الجبل فاتردى واسقط فعلت، وإني لا اعلم اليوم عملا هو أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين، ولو أعلم من الاعمال هو أرضى لك منه لفعلته.)
ثم انعطف الى أمير المؤمنين ودموعه تتبلور على كريمته الشريفة فلما رأه الامام قام إليه وعانقه واحتفى به فالتفت الى الامام.
ـ يا أخا رسول الله أتأذن لي في القتال؟
فقد قلب الامام وأريع من كلامه لانه ساعده الذي به يصول فقال له بصوت راعش النبرات.
مهلا يرحمك الله!
انصرف عمار فلم يلبث الا قليلا حتى عرضت له تلك الذكريات فحفزته الى لقاء الله فرجع الى الامام قائلا:
ـ اتأذن لي فى القتال؟
ـ مهلا يرحمك الله
ومضى فلم يمكث الا برهة حتى عاوده الشوق الى لقاء احبائه الذين سبقوه الى الايمان فكر راجعا الى الامام فقال له:
(أتأذن لي بالقتال؟ فانى أراه اليوم الذي وصفه رسول الله (ص) وقد اشتقت الى لقاء ربي والى اخواني الذين سبقوني.)
فلم يجد الامام بدا من اجابته فقام إليه وعانقه وقد ذابت نفسه اسى وحسرات وقال له:
(يا أبا اليقظان. جزاك الله عنى وعن نبيك خيرا فنعم الاخ كنت ونعم الصاحب.)
واجهش الامام بالبكاء وبكى عمار لبكائه وقال له:
(والله يا أمير المؤمنين ما تبعتك الا ببصيرة فانى سمعت رسول الله يقول يوم حنين: (يا عمار ستكون بعدي فتنة فاذا كان كذلك فاتبع عليا وحزبه، فانه مع الحق والحق معه، وسيقاتل بعدي الناكثين والقاسطين) فجزاك الله يا أمير المؤمنين عن الاسلام أفضل الجزاء فلقد أديت، وبلغت ونصحت..)
ثم تقدم عمار الى ساحة الشرف وميدان القتال وهو جذلان مسرور بملاقاة الله وقد استرد قوته ونشاطه، وارتفع صوته عاليا وهو يقول:
(الجنة تحت ظلال العوالي، اليوم القى الأحبة محمدا وحزبه..)
وتبعه المهاجرون والانصار والشباب المؤمن فانعطف بهم الى القائد العام هاشم بن عتبة المرقال(٧٧٩) فطلب منه أن يتولى القيادة فاجابه إلى ذلك وحمل هاشم فجعل عمار يحثه على الهجوم وهو يقول له:
(احمل فداك أبي وأمي..)
وجعل هاشم يزحف باللواء زحفا فضاق على عمار ذلك لأنه في شوق عارم لملاقاة الله والوفود على حبيبه محمد فوجه لهاشم اعنف التقريع قائلا له:
(يا هاشم. أعور وجبان؟)
وثقل على هاشم هذا العتاب المر فقال له:
(رحمك الله يا عمار. إنك رجل تأخذك خفة في الحرب، وإني إنما أزحف باللواء زحفا أرجو أن أنال بذلك حاجتي، وإني إن خففت لم آمن الهلكة.)
وما زال عمار بهاشم يحرضه، ويحثه على الهجوم حتى حمل وهو يرتجز:

قد أكثروا لومي وما أقلا * * * إني شريت النفس لن اعتلا
أعور يبغى نفسه محلا * * * لا بد أن يفل أو يفلا
قد عالج الحياة حتى ملا * * * أشدهم بذى الكعوب شلا

فجال هاشم فى ميد القتال، وعمار يقاتل معه فنظر الى راية ابن العاص فجعل يقول:
(والله إن هذه الراية قاتلتها ثلاث عركات وما هذه بأرشدهن.)
وجعل يقاتل أشد القاتل وهو موفور النشاط خفيف الحركة وهو يرتجز ويقول:

نحن ضربناكم على تنزيله * * * واليوم نضربكم على تأويله
ضربا يزيل الهام عن مقيله * * * ويذهل الخليل عن خليله
أو يرجع الحق الى سبيله

لقد قاتل عمار قريشا مع النبي على الاقرار بكلمة التوحيد واليوم يقاتلهم على الايمان بما في القرآن وعلى التصديق بما جاء به الاسلام.
وبعد كفاح رهيب سقط عمار الى الارض صريعا قد قتلته الفئة الباغية(٧٨٠) التي طبع على قلوبها بالزيغ، ونسيت ذكر الله فسبحت في ظلام قاتم، ولما أذيع خبر مقتله انهد ركن الامام، واحاطت به موجات وموجات من الهموم والأحزان لأنه فقد بمقتله كوكبة من الاعوان والانصار ومشى لمصرعه حزينا باكيا تحف به قواد الجيش وأمراء القبائل والبقية الصالحة من المهاجرين والانصار، وهم يهرقون الدموع وعلا منهم النحيب والبكاء، ووقف الامام عليه فلما رأه صريعا متخبطا بدمه انهارت قواه وجعل يؤبنه بكلمات تنم عن قلب موجع قائلا:
(إن امرأ من المسلمين لم يعظم عليه قتل ابن ياسر، وتدخل عليه المصيبة الموجعة لغير رشيد. رحم الله عمارا يوم اسلم، ورحم الله عمارا يوم قتل، ورحم الله عمارا يوم يبعث حيا. لقد رأيت عمارا وما يذكر من أصحاب رسول الله أربعة الا كان رابعا، ولا خمسة إلا كان خامسا. وما كان أحد من قدماء أصحاب رسول الله يشك أن عمارا قد وجبت له الجنة في غير موطن ولا اثنين. فهنيئا لعمار بالجنة..)
وأخذ الامام رأس عمار ووضعه في حجره وجعل ينظم ذوب الحشا وهو يقول:

ألا أيها الموت الذي ليس تاركي * * * أرحنى فقد أفنيت كل خليل
أراك بصيرا بالذين أحبهم * * * كأنك تسعى نحوهم بدليل

ووقف الامام الحسن واجما مستعبرا عند مصرع الشهيد العظيم الذي ساهم في بناء الاسلام فأخذ يتلو على المسلمين ما سمعه من جده النبي (ص) في فضله والاشادة بعظيم منزلته فقال (ع): ان رسول الله (ص) قال لاصحابه: (ابنوا لى عريشا كعريش موسى) وجعل يتناول اللبن من قومه، وهو يقول: اللهم لا خير الا خير الآخرة، فاغفر للانصار والمهاجرة، وجعل يتناول اللبن من عمار، وهو يقول: ويحك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية.
وقال: إن جدى قال إن الجنة لتشتاق الى ثلاثة علي وعمار وسلمان) ولما اذيع خبر مقتله حدثت الفتنة والانشقاق في صفوف أهل الشام فقد سمعوا ممن سمع من رسول الله أنه قال: في عمار تقتله الفئة الباغية وقد حدثهم بذلك عمرو بن العاص، وقد اتضح لهم بعد مقتله انهم هم الفئة الباغية التي عناها الرسول، ولكن ابن العاص قد استطاع بمكره وأكاذيبه أن يزيل ذلك، ويرجع الحياة الى مجراها الطبيعي، فقد القى المسئولية على الامام زاعما انه هو الذي أخرجه وقتله، واذعن جهال أهل الشام، وصدقوا مقالته وراحوا يهتفون.
(انما قتل عمارا من جاء به.)
وثقل على أمير المؤمنين مقتل عمار، وأحاطت به المآسي والشجون، فهتف بربيعة وهمدان، فاستجابوا له فقال لهم:
(انتم درعي ورمحي)
فأجابه اثنا عشر الفا منهم فحمل بهم وهو هائج غصبان، فلم يبق صف لأهل الشام الا انتقض، وأبادوا كل فصيلة انتهوا إليها حتى قربوا من فسطاط معاوية، وكان الامام يرتجز ويقول في رجزه:

أضربهم ولا أرى معاوية * * * الجاحظ العين العظيم الحاوية

ووجه خطابه الى معاوية فقال له:
علام يقتتل الناس بيننا؟ هلم احاكمك الى الله فأينا قتل صاحبه استقامت له الامور.)
فانبرى ابن العاص الى معاوية مستهزءا به قائلا:
ـ انصفك الرجل
ـ ما انصفت، وانك لتعلم أنه لم يبارزه أحد إلا قتله
ـ وما يجمل بك الا مبارزته
ـ طمعت فيها بعدى(٧٨١)
واستمر القتال عنيفا بين الفريقين وهم ماضون فى الحرب لا يريحون ولا يستريحون، وقد بان الضعف في جيش معاوية، وتحطمت جميع كتائبه وتفللت جميع قواه حتى همّ بالفرار والانهزام.
رفع المصاحف:
ولما رأى معاوية بسالة جيش الامام وخور جيشه، وعجزه عن المقاومة ونهاية أمره دعا وزيره الماكر عمرو بن العاص وقد مشت الرعدة باوصاله وخيم عليه الخوف فقال له:
(إنما هي الليلة حتى يغدو علينا بالفيصل، فما ترى؟.)
وقد اعرب عن قرب نهايته وعدم قدرته على مقاومة جيش الامام فقال له ابن العاص:
(أرى رجالك لا يقومون برجاله، ولست مثله فهو يقاتلك على امر وأنت تقاتله على أمر آخر، إن أهل العراق يخافون منك إن ظفرت بهم، وأهل الشام لا يخافون من على إن ظفر بهم..)
لقد حدد ابن العاص النزاع القائم بين الامام ومعاوية فالامام يقاتله من اجل الاسلام والذب عن مثله ومعاوية يقاتله من اجل الملك والسلطان فكل واحد منهما يقاتل على امر لا ينشده الآخر، وقد اعرب له عن السر في بسالة جيش الامام وخور جيشه فجيش الامام يدافع عن كرامته وحياته لأنه على علم بنفسية معاوية واتجاهه ان تغلب عليهم فانه ينكل بهم ويصب عليهم وابلا من العذاب الأليم فلذلك كان جادا في حربه وأما جيشه فانه يعرف اتجاه الامام إن ظفر بهم فانه يقابلهم بالمعروف والاحسان وقد سمعوا عن عفوه واحسانه حينما ظفر بخصومه في واقعة الجمل. فجيش الامام لا بد أن يحوز النصر والظفر، وقد ادلى له ابن العاص بفكرة كانت هي السبب فى تغلبه على الأحداث والسبب في تدمير جيش الامام فقال له:
(الق إليهم أمرا إن قبلوه اختلفوا، وإن ردوه اختلفوا، ادعهم إلى كتاب الله حكما فيما بينك وبينهم، فانك بالغ حاجتك في القوم فاني لم أزل أؤخر هذا الأمر لحاجتك إليه..)
ورأى معاوية الصواب في رأي ابن العاص فبادره بالتصديق والاجابة وأمر بالوقت أن ترفع المصاحف فرفعت زهاء خمس مائة مصحف على الرماح، وارتفعت الصيحة من أهل الشام وهم يهتفون بلهجة واحدة قائلين:
(هذا كتاب الله بيننا وبينكم من فاتحته الى خاتمته، من لثغور أهل الشام بعد أهل الشام؟ ومن لثغور أهل العراق بعد أهل العراق؟ ومن لجهاد الروم؟ ومن للترك؟ ومن للكفار؟..)
لقد رفعوا المصاحف حيلة ومكرا، وتذرعوا بها لحقن دمائهم فانهم من دون شك لا يؤمنون بما فيها ولا يحزنون على مصير الاسلام والمسلمين ولا يرجون لله وقارا، ولا يهمهم سوى الحكم والسلطان، ولو كان في نفوسهم بصيص من نور الاسلام لما فتحوا باب الحرب على وصيي رسول الله وأراقوا دماء المسلمين بغير حق.
الفتنة الكبرى:
إن من أبشع المهازل وأسوئها في التأريخ الانساني هي حيلة رفع المصاحف فقد افتتن بها الجيش العراقي، وانقلب رأسا على عقب. فاذا بهم يخلعون الطاعة ويعلنون العصيان والتمرد من دون تفكير ولا تدبر وهم قد أشرفوا على الفتح والظفر بعدوهم الذي أراق سيلا عارما من دمائهم.
يا للمصيبة والأسف لقد استعلى الباطل على الحق باسم الحق، فقد عملت مكيدة ابن العاص عملها الفظيع في قلب حكومة العدل والمساواة فقد اندفعت كتائب منهم كالسيل فأحاطوا بالامام مرغميه على الاذعان والخضوع لدعوة معاوية وهم يهتفون بلسان واحد.
(لقد اعطاك معاوية الحق، دعاك الى كتاب الله فاقبل منه!!)
وكان في طليعة الهاتفين بدعوة التحكيم الأشعث بن قيس الذي كان سوسة تنخر في المعسكر العراقي، وأداة للشغب والتمرد، أما بواعث ذلك فانه كانت له رئاسة كندة وربيعة وقد عزله الامام عنها وجعلها لحسان ابن مخدوج، وتكلم جماعة مع الامام فى ارجاعه وعدم عزله فابى(٧٨٢) وقد أثار ذلك كوامن الحقد في نفسه على الامام وجعلته يتطلب الفرصة المواتية للانتقام وقد وجدها في تلك الفترة الرهيبة، ومن الخطأ أن يقال إنه انخدع بدعوة معاوية فانه ليس من السذج والبسطاء حتى يخفى عليه الامر وعلى أي حال فقد جاء يشتد كأنه الكلب نحو الامام وهو يقول:
(ما أرى الناس إلا قد رضوا، وسرهم أن يجيبوا القوم الى ما دعوهم إليه من حكم القرآن فان شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد؟ فنظرت ما يسأل.)
وأخذ يلح على الامام بان يوفده الى معاوية فامتنع من اجابته ولكنه اصر عليه اصرارا شديدا فلم يجد (ع) بدا من إجابته، فمضى وهو يحمل شارات الشر والشقاء، فقال لمعاوية:
(لأي شيء رفعتم هذه المصاحف؟)
فأجابه معاوية بالخداع والأباطيل قائلا:
(لنرجع نحن وأنتم إلى أمر الله عز وجل في كتابه، تبعثون منكم رجلا ترضون به ونبعث منا رجلا، ثم نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله لا يعدوانه، ثم نتبع ما اتفقا عليه.)
وانبرى مصدقا لمقالة معاوية:
(هذا هو الحق.)
وأغلب الظن ان معاوية مناه وارشاه لأنه كان يعلم بانحرافه عن أمير المؤمنين، وقد استجاب لدعوته وقفل راجعا الى الامام وهو ينادي بالتحكيم، فقال الامام (ع) له ولغيره من المعاندين الذين لا يجدون لذة سوى العناد والتمرد:
(عباد الله، إني أحق من أجاب إلى كتاب الله، ولكن معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي معيط وحبيب بن مسلمة وابن أبي سرح ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، إني أعرف بهم منكم، صحبتهم أطفالا وصحبتهم رجالا فكانوا شر أطفال وشر رجال، إنها كلمة حق يراد بها باطل. إنهم يعرفونها ولا يعملون بها، وما رفعوها لكم إلا خديعة ومكيدة، اعيروني سواعدكم وجماجمكم ساعة واحدة، فقد بلغ الحق مقطعه، ولم يبق إلا أن يقطع دابر الذين ظلموا.).
لقد اعرب (ع) في كلامه كذب ما يدعيه معاويه من الانقياد إلى كتاب الله، وأبان لهم عن غيهم وتمردهم عن الدين فهو أدرى بهم من غيره، ولكن ذلك المجتمع الهزيل لم يذعن لكلام الامام واعار حديثه أذنا صماء، فقد انبرى إليه زهاء أثنى عشر الفا من الذين يظهرون القداسة والدين وهم لا يفهمون منهما شيئا فخاطبوه باسمه الصريح منذرين ومتوعدين إن لم يخضع لما يرومونه قائلين:
(يا علي.. أجب القوم إلى كتاب الله إذ دعيت إليه، وإلا قتلناك كما قتلنا ابن عفان، فو الله لنفعلنها إن لم تجبهم.)
فأجابهم عليه السلام (ويحكم، أنا أول من دعا الى كتاب الله، وأول من أجاب إليه وليس يحل لى ولا يسعني في ديني أن أدعى إلى كتاب الله فلا أقبله، إني إنما أقاتلهم ليدينوا بحكم القرآن، فانهم قد عصوا الله فيما أمرهم، ونقضوا عهده ونبذوا كتابه، ولكن قد اعلمتكم أنهم قد كادوكم، وأنهم ليسوا العمل بالقرآن يريدون.)
وكلما حاول الامام إقناعهم وإفهامهم بشتى الاساليب بأنها خديعة بعد فشلهم وعجزهم عن المقاومة فلم يتمكن، وأخذوا يصرون عليه بأن يأمر قائده الأشتر بالانسحاب عن ساحة الحرب.
ورأى الامام الشرفي وجوههم وقد اجمعوا على مناجزته واحاطوا به مهددين ومنذرين فلم يجد (ع) بدا من إجابتهم فانفذ بالوقت الى الأشتر يزيد بن هانئ يأمره بالانسحاب عن الحرب، فلما انتهى الرسول الى الاشتر وبلغه رسالة الامام، انبرى الأشتر قائلا مقالة رجل تهمه مصلحة الأمة والنفع العام.
(قل لسيدى: ليست هذه بالساعة التي ينبغي لك أن تزيلني فيها عن موقفي، إني قد رجوت الله أن يفتح لي فلا تعجلني.)
رجع الرسول الى الامام فأخبره بمقالة الحازم اليقظ، وكانت إمارة الفتح والظفر قد بدت على يده وأوشك أن ينتهى الأمر، وارتفعت الأصوات من كتائب جيشه معلنة بالفتح المبين، فلما سمع هؤلاء المتمردون ذلك أحاطوا بالامام قائلين له:
والله ما نراك إلا امرته أن يقاتل.
ـ أرأيتموني ساررت رسولى (إليه)؟ أليس إنما كلمته على رءوسكم علانية وانتم تسمعون.
فانطلقوا يهتفون بلسان واحد:
فابعث إليه فليأتيك، وإلا فو الله اعتزلناك.
فأريع الامام منهم وقد أوشكوا أن يفتكوا به فقال (ع):
(ويحك يا يزيد، قل له: اقبل إلى، فان الفتنة قد وقعت!!)
فانطلق يزيد مسرعا إلى الأشتر فقال له:
(أقبل إلى أمير المؤمنين، فان الفتنة قد وقعت.)
فقد قلب الأشتر فقال ليزيد والذهول باد عليه مستفهما عن مدرك هذه الفتنة والانقلاب الذي وقع في الجيش:
ـ الرفع هذه المصاحف؟
ـ نعم.
وقال الأشتر مصدقا تنبؤ نفسه وحدسها في وقوع هذا الانقلاب: (أما والله لقد ظننت أنها حين رفعت ستوقع اختلافا وفرقة، إنها مشورة ابن العاهرة، ثم التفت الى الرسول والألم يحز في نفسه.
(ألا ترى إلى الفتح، ألا ترى الى ما يلقون، ألا ترى الى الذي يصنع الله لنا، أينبغى أن ندع هذا وننصرف عنه؟.)
فانطلق يزيد يخبره بحراجة الموقف والاخطار التي تحف بالامام قائلا:
ـ أتحب أنك ظفرت هاهنا، وأن أمير المؤمنين بمكانه الذي هو به يفرج عنه ويسلم الى عدوه؟
ـ سبحان الله. لا والله ما احب ذلك.
ـ فانهم قالوا: لترسلن الى الأشتر فليأتينك أو لنقتلنك بأسيافنا كما قتلنا ابن عفان، أو لنسلمنك الى عدوك.
فقفل الأشتر راجعا إلى الامام والحزن قد استولى عليه لضياع أمله المنشود، فقد ظفر بالفتح واهريقت دماء جيشه حتى اشرف على النهاية وإذا بتلك المتاعب والجهود تذهب سدى لمكر ابن العاص، وخاطب اولئك الاراذل بشدة وصرامه منددا بهم قائلا:
(يا أهل الذل والوهن، أحين علوتم القوم فظنوا أنكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها؟! وقد والله تركوا ما أمر الله به فيها وسنة من أنزلت عليه، فلا تجيبوهم، أمهلوني فواقا، فاني قد أحسست بالفتح.)
فانطلق هؤلاء المتمردون مظهرين له الغي والعناد قائلين بلسان واحد (لا. لا.)
ـ امهلوني عدوة الفرس، فاني قد طمعت في النصر.
ـ إذن ندخل معك في خطيئتك.
وانبرى الأشتر يحاججهم ويقيم لهم الأدلة على خطل رأيهم وبعدهم عن الصواب حدثوني عنكم ـ وقد قتل أماثلكم وبقى أراذلكم ـ متى كنتم محقين، أحين كنتم تقتلون أهل الشام، فانتم الآن حين أمسكتم عن القتال مبطلون، أم انتم الآن فى إمساككم عن القتال محقون؟ فقتلاكم إذن الذين لا تنكرون فضلهم وكانوا خيرا منكم، في النار.)
ولم يجد هذا الكلام المشفوع بالأدلة معهم شيئا فأجابوه:
(دعنا منك يا أشتر قاتلناهم في الله وندع قتالهم في الله، إنا لسنا نطيعك فاجتنبنا)
فقال لهم الاشتر:
(خدعتم والله فانخدعتم، ودعيتم الى وضع الحرب فأجبتم، يا اصحاب الجباه السود، كنا نظن أن صلاتكم زهادة في الدنيا وشوق إلى لقاء الله فلا أرى فراركم إلا إلى الدنيا من الموت، ألا فقبحا يا اشباه النيب الجلالة ما أنتم برائين بعدها عزا أبدا فابعدوا كما بعد القوم الظالمون.)
وما انهى الأشتر كلامه حتى اقبلوا عليه يكيلون له أصواعا من السب والشتم، فقابلهم بالمثل والتفت الى الامام بحماس قائلا:
(يا أمير المؤمنين. احمل الصف على الصف يصرع القوم.)
ولم يجبه الامام وأطرق برأسه وهو يفكر فى العاقبة المرة التي جرها هؤلاء المتمردون على الأمة، وقد اتخذ هؤلاء سكوته رضى منه بالأمر فهتفوا:
(إن عليا أمير المؤمنين. قد رضى الحكومة، ورضى بحكم القرآن) ولم يسع الامام الا الرضا كما لم يسع الأشتر إلا الاذعان والقبول فقال:
(إن كان أمير المؤمنين قد قبل ورضى بحكم القرآن فقد رضيت بما رضى به أمير المؤمنين.)
فانبروا يهتفون:
(رضى أمير المؤمنين. رضى أمير المؤمنين.)
والامام (ع) ساكت لا يجيبهم بشيء قد استولى عليه الهم والحزن لأنه ينظر الى جيشه قد فتكت به ومزقته حيلة ابن العاص، وليس بوسعه اصلاحهم وارجاعهم إلى طريق الحق والصواب، فانه لم يكن له نفوذ وسلطان عليهم كما أعرب (ع) عن ذلك بقوله:
(لقد كنت أمس أميرا فأصبحت اليوم مأمورا. وكنت أمس ناهيا فأصبحت اليوم منهيا)(٧٨٣)
انتخاب الاشعرى:
ولم تقف محنة الامام وبلاؤه في جيشه على هذا التمرد، وإنما أخذوا يسعون جاهدين للاطاحة بحكومته فقد اصروا عليه في ترشيح عدوه الخبيث أبي موسى الأشعرى، وانتخابه للتحكيم، وعدم الرضا بغيره ممن رشحه الامام كابن عباس ومالك الأشتر وغيرهما من ذوي البصيرة والرأي، والسبب في ذلك انهم يعلمون بانحراف الاشعرى عن أمير المؤمنين فاذا تولى مهمة التحكيم فانه لابه أن يختار للخلافة غير الامام، ويذهب الدكتور طه حسين إلى ان اصرارهم لم يأت مصادفة وانما كان عن مؤامرة وتدبير بين طلاب الدنيا من أصحاب على وأصحاب معاوية جميعا(٧٨٤) وعلى أي حال فقد أحاطوا بالامام يهتفون:
(إنا رضينا بأبى موسى الاشعرى.)
فزجرهم الامام ونهاهم عن انتخابه قائلا:
(إنكم قد عصيتموني في أول الامر. فلا تعصوني الآن، إني لا أرى أن أولى أبا موسى!!)
ولم يجد معهم نصح الامام شيئا وانما أخذوا يلحون عليه قائلين:
(لا نرضى إلا به، فما كان يحذرنا وقعنا فيه)
وأخذ الامام يبين لهم الوجه في كراهيته له قائلا لهم:
(إنه ليس لي بثقة، قد فارقني وخذل الناس عني، ثم هرب مني حتى آمنته بعد أشهر، ولكن هذا ابن عباس نوليه ذلك..)
فلم يقنعوا واصروا على غيهم وجهلهم قائلين:
(ما نبالي أنت كنت أم ابن عباس، لا نريد إلا رجلا هو منك، ومن معاوية سواء ليس الى واحد منكما بادنى منه الى الآخر..)
فدلهم الامام على الاشتر فانه ليس رحما له فردوا عليه قائلين:
(وهل سعر الأرض غير الأشتر!!)
ولم يجد الامام بعد هذه المحاورة وسيلة يسلكها في اقناعهم فاطلق سراحهم وخلى بينهم وبين جهلهم وأصبحت الأمور بيد هؤلاء العصاة المتمردين.
وثيقة التحكيم:
وتسابق القوم الى تسجيل ما يرومونه في وثيقة التحكيم وهذا نصها كما رواها الطبرى:
بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، قاضي علي على أهل الكوفة ومن معهم من شيعتهم من المؤمنين والمسلمين، وقاضي معاوية على أهل الشام ومن كان معهم من المؤمنين والمسلمين إنا ننزل عند حكم الله عز وجل وكتابه ولا يجمع بيننا غيره، وان كتاب الله عز وجل بيننا من فاتحته الى خاتمته نحيي ما احيا ونميت ما امات فما وجد الحكمان في كتاب الله عز وجل. وهما أبو موسى الاشعرى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص القرشي، عملا به وما لم يجدا في كتاب الله عز وجل فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة، وأخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين من العهود والميثاق والثقة من الناس انهما آمنان على انفسهما وأهلهما، والامة لهما انصار على الذي يتقاضيان عليه وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين كلتيهما عهد الله وميثاقه، إنا على ما في هذه الصحيفة وان قد وجبت قضيتهما على المؤمنين فان الامن والاستقامة ووضع السلاح بينهم أينما ساروا على أنفسهم وأهليهم وأموالهم وشاهدهم وغائبهم، وعلى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه أن يحكما بين هذه الأمة ولا يرداها في حرب ولا فرقة حتى يعصيا، وأجل القضاء الى رمضان، وإن أحبا أن يؤخرا ذلك أخراه على تراض منهما وإن توفي أحد الحكمين فان أمير الشيعة يختار مكانه ولا يألو من أهل المعدلة والقسط، وإن مكان قضيتهما الذي يقضيان فيه مكان عدل بين أهل الكوفة وأهل الشام وإن رضيا وأحبا فلا يحضرهما فيه إلا من أرادا ويأخذ الحكمان من ارادا من الشهود ثم يكتبان شهادتهما على ما في هذه الصحيفة وهم انصار على من ترك ما في هذه الصحيفة وأراد فيه إلحادا وظلما، اللهم إنا نستنصرك على من ترك ما في هذه الصحيفة)(٧٨٥)
وسجل فريق من زعماء العراق والشام شهادتهم في هذه الوثيقة، وتدل بنصها الصريح على عدم اهتمام معاوية وحزبه بدم عثمان ولو كان لهم إرب في ذلك لجاء ذكر قتله فيها صريحا أو ضمنا.
لقد أقاموا الدنيا وأقعدوها من أجل عثمان فنشروا ثيابه على منبر دمشق، وهم يبكون على مصابه وأثاروا هذه الحرب من أجل المطالبة بدمه، فما بالهم لم يتعرضوا له في وثيقة التحكيم، ولم يذكروه بقليل ولا كثير.
وعلى أي حال فقد حفلت هذه الصحيفة بتحقيق رغبات الاشعث وسائر ذوي الاطماع والمنحرفين من قومه لأنه قد تم لهم ما أرادوا من تفلل الجيش العراقي وانقلابه وتغلب القوى الباغية على قوى الحق والاسلام
انبثاق الفكرة الحرورية:
واعقبت مهزلة رفع المصاحف انبثاق الفكرة الثورية الهدامة وهي فكرة الخوارج التي لم يكن الباعث لها الا التماس المصالح الدنيوية، والسعي وراء النفوذ والسلطان، وتحقيق المطامع الشخصية الرخيصة، وقد اتخذوا (الحكم لله) شعارا لهم، ولكنهم سرعان ما جعلوا الحكم للسيف وذلك بما أراقوه من دماء الابرياء ونشر الذعر والخوف بين المسلمين، وكان سمتهم الذي اتصفوا به هو اعلان ال