فهرس المكتبة الحسنية

   

البحث في المكتبة التخصصية

 
 

كتاب مختار:

   

المسار

  الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية » كتب المركز » الإحسان الحسَنيّ - الأخلاق الحَسنيّة (٧)  

كتب المركز

 

الكتب الإحسان الحسَنيّ - الأخلاق الحَسنيّة (٧)

القسم القسم: كتب المركز الشخص المؤلف: جعفر البياتي التاريخ التاريخ: ٢٠١٥/٠٨/٢٩ المشاهدات المشاهدات: ٥٠٣١ التعليقات التعليقات: ٠

الإحسان الحسَنيّ
سلسلة الأخلاق الحَسنيّة (٧)

تأليف: جعفر البياتي
الناشر: العتبة الحسينية المقدسة
مركز الإمام الحسن عليه السلام للدراسات التخصصية

الإحسان صفةٌ إلهيّة يُدركها الإنسان بالوجدان، فالله تبارك وتعالى هو المـُنعِم على خلائقه جميعاً بالحياة والأرزاق: من إنسانٍ وغيره، ومِن مؤمنٍ وكافر، ومُتّقٍ وفاسق، ومطيعٍ وعاصٍ، صغيرٍ وكبير، يُغدق عليهم أنواع فضائله ونعمه وآلائه، من: الوجود، والعقل، والنبوّات والرسالات، والشرائع والأحكام، والتكريم والإكرام، وهو القائل جلّ شأنه:
ـ (وَلَقَد كرَّمْنا بَني آدم..)(١).
(كرّمَهم تبارك وتعالى بما خَصَّهم به من بين سائر الموجودات الكونيّة، وهو الذي يَمتازون به عن غيرهم، وهو العقل الذي يعرفون به الحقَّ من الباطل، والخيرَ من الشرّ، والنافع مِن الضارّ. وأمّا ما ذكره المفسّرون، أو وردت به الرواية، أنّ الذي كرّمهم به الله هو: النطق، أو تعديل القامة..(٢)، أو الأكل باليد، أو الخطّ، أو حُسن الصورة.. أو أنّ الله تعالى خلق أباهم آدمَ عليه السلام بيده، أو أنّه جعل محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم منهم، أو جميع ذلك، وما ذُكر منها، فإنّما ذُكر على سبيل التمثيل)(٣).
ومَن تخلّق بهذا الخُلق، فإنّه سيكون موضع محبّة الله جلّ وعلا، إذ هو القائل: (إنَّ اللهَ يُحبّ المـُحسِنين)(٤)، (واللهُ يُحبّ المـُحسِنين)(٥). وكذلك سيكون موضع محبّة الناس، فالنبيّ الصادق المصدَّق صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (جُبِلت القلوبُ على حُبِّ مَن أحسَنَ إليها)(٦)، ووصيّه أمير المؤمنين عليه السلام يقول: (مَن أحسَنَ إلى الناس استدام منهمُ المحبّة)(٧)، ويقول أيضاً: (مَن كثُر إحسانُه، أحبَّه إخوانُه)(٨).
وإذا كان للإحسان أهلُه وهم مصداقه، فَهُم الأنبياء، والرسُل والأوصياء عليهم أفضل الصلاة والسلام والثناء. وتعليل ذلك نجده في كلمةٍ نيّرةٍ واضحة صدرت عن الإمام عليٍّ سلاٰم الله عليه، تلك هي قوله: (أحقُّ الناس بالإحسان مَن أحسَنَ اللهُ إليه، وبَسَط بالقدرة يَدَيه)(٩). وقد تنصرف الأذهان إلى أنّ أهل القدرة مَن تفوّقوا على الناس بالقوّة والمال والسلطة، وحسب، ولكنّ أولياء الله تعالى قد أُنعِم عليهم بالفيض الإلهيّ والقدرة الإلهيّة، فكانت بأيديهم المـَلَكات والمواهب الربّانيّة، إضافةً إلى الولاية التكوينيّة، فكانوا هم أحقَّ الناس بالإحسان إلى الناس: في عطاءٍ ماليّ، وإرشادٍ معنويّ، وقضاءٍ للحاجات، ورفعٍ للمشكلات.. والمصداق الأتمّ لمثل هذا الإحسان وَجَدناه في محمّدٍ وآل محمّد صلوات الله عليهم، حيث نخاطبهم في زيارتنا لهم، بقولنا: (وفِعلُكمُ الخَير، وعادتُكمُ الإحسان)(١٠)، فهو عادةٌ شريفة مقدّسة، تُفيض على الآخرين فضلاً وخيراً ورحمةً وبركة، على الناس جميعاً، وإنّما الموفّقُ ذو الحظّ مَن أخذ منهم، ورَحِم الله مَن قال مخاطباً إيّاهم:

إليكم.. وإلّا لا تُشَدُّ الركائبُ * * * ومِنكم.. وإلّا لا تَصِحُّ المَواهبُ
وفيكم.. وإلّا فالحديثُ مُزَخْرَفٌ * * * وعنكم.. وإلّا فالمحدِّثُ كاذبُ(١١)

ويَكفيهم صلوات الله عليهم أنّ الله تعالى معهم، أكد ذلك فيهم، حيث قال جَلّ وعلا: (وإنَّ اللهَ لَمَعَ المُحسِنين)(١٢)، قال الإمام الباقر عليه السلام في ظلّ هذه الآية المباركة: (هذه الآيةُ لآل محمّد صلوات الله عليهم، ولأشياعِهم)(١٣).
ومِن آل محمّد صلوات الله عليهم الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، وقد عُرِف بالإحسان في صورٍ ومشاهد عديدة، وحالاتٍ ومواقف متعدّدة.. هذا بعضها:
قضـٰاء الحوائج
ساعياً سلام الله عليه في قضاء حوائج الناس مهما كانت تلك الحاجات، إذا كان السعي فيها يصبّ في طاعة الله، وفي مرضاة الله عزّ شأنه.
وفي هذه الفضيلة تنفيسٌ عن كرَب المكروبين، ورفعٌ لهمِّ المهمومين، وتفريجٌ عن حرمان المحرومين، كذلك فيها إدخال السرور على المحزونين، وإهداء الأمان والاطمئنان إلى نفوس المُضطرّين والمضطربين. ومن هنا سَمِع الناس الإمام الصادق عليه السلام يقول: (خيارُكم سُمحاؤُكم، وشرارُكم بخلاؤكم. ومِن صالح الأعمال: البِرُّ بالإخوان، والسعيُ في حوائجهم، وذلك مَرغمةٌ للشيطان، وتزحزحٌ عن النيران، ودخولُ الجِنان)(١٤). وقبلَ ذلك بَشّر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الساعين في حوائج الإخوان بقوله: (مَن مشى في عَونِ أخيه ومنفعته، فَلَه ثواب المجاهدين في سبيل الله)(١٥).
وأهل البيت عليهم السلام فوق ابتغاء الثواب؛ لأنّهم الخير المحض الذي يفيض رحمةً بطبيعته، ولذا نخاطبهم لدى زيارتنا لهم، فنقول لهم: (إن ذُكر الخيرُ كنتُم أوّلَه، وأصلَه وفرعَه ومَعدِنَه، ومَأواه ومُنتَهاه)(١٦)، ومن هنا كانوا وما زالوا أحبَّ الخَلق إلى الله تبارك وتعالى وهو القائل ـ جلّ من قائل ـ في حديثه القدسيّ الشريف: (الخَلقُ عيالي، فأَحبُّهم إليّ ألطفُهم بهم، وأسعاهم في حوائجهم)(١٧).
ولقد سعى أهل البيت ـ ومنهم الحسن الزكيّ عليه وعليهم السلام ـ للناس في الحوائج الماديّة والمعنويّة، الدنيويّة والأُخرويّة؛ ليوفّروا لهم السعادة والأمان، ويكفينا من الاهتمام الغيور بالناس ما رواه ابن عساكر الدمشقيّ الشافعيّ قائلاً ـ بعد إسناد طويل آخِرُه ـ: أنبأَنا أبو حمزة الثُّماليّ عن عليّ بن الحسين قال: (خرج الحسن يطوف بالكعبة، فقام إليه رجلٌ فقال: يا أبا محمّد، اذهبْ معي في حاجتي إلى فلان. فترك الطوافَ وذهب معه، فلمّا ذهب خرج إليه رجل (وفي رواية: قام إليه رجلٌ) حاسدٌ للرجل الذي ذهب معه، فقال: يا أبا محمّد، تركتَ الطوافَ وذهبتَ مع فلانٍ إلى حاجته! فقال له الحسن: وكيف لا أذهب معه ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: مَن ذَهَب في حاجة أخيه المسلم فقُضِيَت حاجتُه كتِبَت له حجّةٌ وعُمرة، وإن لم تُقْضَ له كتِبت له عمرة. فقد اكتسبتُ حجّةً وعمرة ورجعتُ إلى طوافي)(١٨).
تلك هي همّة الأولياء، مقرونةً بالعلم وحبّ الخير للناس، وبالمبادرة الكريمة الرحيمة لقضاء الحوائج المتعسّرة.. وقد رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام هذانِ الحديثان الشريفان: الأوّل ـ قوله: (إنّ الرجلَ لَيسألُني الحاجةَ فأُبادر بقضائها؛ مخافةَ أن يستغنيَ عنها، فلا يَجِد لها موقعاً إذا جاءته)(١٩)، والثاني ـ قوله: (إنّي لَأُسارعُ إلى حاجة عدوّي؛ خوفاً أن أَرُدَّه فيستغني عنّي)(٢٠).
الإعانة والتسديد
* في حياة سيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين عليه السلام، رُويَ أنّ رجلاً من الأنصار جاءه يريد أن يسأله حاجة، فقال له الحسين سلام الله عليه: (يا أخا الأنصار، صُنْ وجهَك عن بِذْلة المسألة، وارفَعْ حاجتَك في رقعة، فإنّي آتٍ فيها ما سارّك إن شاء الله). فكتب الرجل: يا أبا عبد الله، إنّ لفلانٍ علَيّ خمسَ مئةِ دينار، وقد ألحَّ بي، فكلِّمْه يُنظِرْني إلى مَيسرة(٢١). فلمّا قرأ الحسين عليه السلام الرقعة دخل إلى منزله فأخرج صُرّةً(٢٢) فيها ألفُ دينار، وقال للرجل: (أمّا خمسُ مئةٍ فاقْضِ بها دَينَك، وأمّا خمسُ مئةٍ فاستعِنْ بها على دهرك. ولا ترفَعْ حاجتَك إلّا إلى أحد ثلاثة: إلى ذي دِين، أو مُروّة، أو حَسَب: فأمّا ذو الدِّين فيصون دِينَه، وأمّا ذو المـُروّة فإنّه يَستَحْيي لمروّته، وأمّا ذو الحسب فيعلم أنّك لم تُكرِمْ وجهَك أن تبذلَه له في حاجتِك، فهو يصون وجهَك أن يَرُدَّك بغيرِ قضاءِ حاجتِك)(٢٣).
والإمام الحسن المجتبى عليه السلام قد جمع الشرفَ كلَّ الشرف من جميع أطرافه ونواحيه، فهو صاحب دِينٍ وصاحبُ شهامةٍ وعزّةٍ وكرامةٍ وحياء، وأمّا حسَبُه ونسَبُه فذالكما ما لا فوقَهما حسَبٌ ولا نَسَب.. ومِن ظريف ما رُويَ أنّ الحسين فاخَرَ أباه أمير المؤمنين، فكان من قول الحسين صلوات الله عليه أن قال لأبيه صلوات الله وسلامه عليه:
(يا أبتِ أنا الحسينُ بنُ عليِّ بنِ أبي طالب، وأُمّي فاطمةُ الزهراء سيّدةُ نساء العالمين، وجَدّي محمّد المصطفى سيّدُ بَني آدمَ أجمعين لا رَيب فيه. يا عليّ، أُمّي أفضلُ مِن أُمّك عند الله وعند الناس أجمعين، وجَدّي خيرٌ مِن جَدّكَ وأفضلُ عند الله وعند الناس أجمعين. وأنا في المهدِ ناغاني جَبرئيل، وتلقّاني إسرافيل. يا عليّ، أنت عند الله أفضل منّي، وأنا أفخَرُ منك بالآباء والأمّهات والأجداد). ثمّ إنّ الحسين عليه السلام اعتنق أباه وجعل يقبّله، وأقبَلَ عليّ عليه السلام يقبّل ولدَه الحسين وهو يقول له: (زادَك اللهُ تعالى شرفاً وفخراً، وعِلماً وحِلماً، ولعَنَ الله تعالى ظالمِيك يا أبا عبد الله)(٢٤).
وما يَصدُق على الحسين يصدق على أخيه الحسن عليهما السلام.. وقد روى العامّة أنّ ابن عبّاس قال: صلّى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة العصر، فلمّا كان في الرابعة أقبل الحسنُ والحسين حتّى رَكِبا ظهرَه، فلمّا سلّم وضَعَهما بين يديه، وأقبل الحسن فحمله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على عاتقه الأيمن، والحسينَ على عاتقه الأيسر، ثمّ قال:
(أيُّها الناس، ألا أُخبِرُكم بخير الناس جَدّاً وجَدّة؟ ألا أُخبركم بخير الناس عمّاً وعمّة؟.. ألا أُخبركم بخير الناس أباً وأُمّاً؟ هما الحسنُ والحسين، جَدُّهما رسول الله وجدّتُهما خديجة بنت خُوَيلد، وأمُّهما فاطمة بنت رسول الله وأبوهما عليُّ بن أبي طالب، وعمُّهما جعفر بن أبي طالب وعمّتُهما أُمّ هانئٍ بنت أبي طالب.. جَدُّهما في الجنّة [وجَدّتهما في الجنّة]، وأبوهما في الجنّة وأمّهما في الجنّة، وعمُّهما في الجنّة وعمّتهما في الجنّة.. وهما في الجنّة، ومَن أحبَّهما في الجنّة)(٢٥).
هذا والحسن الزكيّ هو مِن بيت الشرف والنور، بيت تشرّف الوحي بالهبوط فيه؛ لأنّ فيه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، فأصبح بيتُه بيتَ النبوّة والرسالة والكرامة الأعلى والشرف الأسمى، وقد أنزل الله تبارك وتعالى فيه قولَه: (في بُيوتٍ أذِنَ اللهُ أن تُرفَعَ ويُذكرَ فيها ٱسمُهُ يُسَبِّحُ له فيها بِالغُدُوِّ والآصالِ * رِجالٌ لا تُلْهِيهِم تجارةٌ ولا بيعٌ عَن ذِكرِ اللهِ وإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ، يَخافُونَ يوماً تَتقلَّبُ فيهِ القُلوبُ والأبصار)(٢٦).. روى أنس بن مالك وبُرَيدة، قالا: قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية، فقام إليه رجلٌ فقال: يا رسول الله، أيُّ بُيوتٍ هذه؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: (بُيوتُ الأنبياء)، فقام إليه أبو بكرٍ فقال: يا رسول الله، هذا البيت منها؟ وأشار إلى بيت عليٍّ وفاطمة، فأجابه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (نَعَم، مِن أفاضلِها)(٢٧).
* وعن الإمام الباقر عليه السلام قال في ظلّ الآية المباركة: (هي بيوت الأنبياء، وبيتُ عليٍّ منها)(٢٨).
وفي هذا البيت وُلِد الحسن المجتبى ونشأ بين النبيّ وعليٍّ وفاطمة صلوات الله عليهم، يرى نور الوحي، ويشمّ عبق الرسالة، ويلتحف بالحسَب الأقدس، فيكون مُصيباً مَن يقصده رافعاً إليه حاجتَه، ومُقدِّماً إليه طَلِبتَه، وراجياً منه هِبتَه، فقد اجتمع عند الحسن الزكيّ سلام الله عليه كلُّ دواعي الالتجاء إليه في قضاء الحوائج.. من الحسب والنسب، والمروءة(٢٩) والدِّين، في أسمى درجاتها، وهي جميعها لا تسمح لصاحبها أن يُهمِل حوائج الناس أو يَصُدّ عنها أو يتكاسل فيها.
ولقد وَضَع الإمام الحسن صلوات الله عليه جهدَه وجاهه ووجاهته عند الله تعالى سبباً لقضاء حوائج.. كيف؟ تُخبرنا هذه الرواية عن ذلك:
* روى الشيخ الكلينيّ بسنده عن أبي أسامة، أنّ الإمام الصادق عليه السلام قال: (خرج الحسن بن عليٍّ عليهما السلام إلى مكةَ سنةً ماشياً فَوَرِمَت قدماه، فقال له بعض مَواليه: لو رَكبتَ لَسَكن عنك هذا الورم، فقال: كلّا، إذا أتَينا هذا المنزل(٣٠) فإنّه يستقبلك أَسْودُ ومعه دُهْن، فاشترِ منه ولا تُماكسْه(٣١)، فقال له مولاه: بأبي أنت وأُمّي، ما قَدِمنا منزلاً فيه أحدٌ يبيع هذا الدواء، فقال له: بلى، إنّه أمامَك دونَ المنزل.
فسارا مِيلاً فإذا هو بالأسود، فقال الحسن عليه السلام لـمَولاه: دونَك الرجُلَ فَخُذْ منه الدُّهنَ وأعطِه الثمن، فقال الأسود: يا غلام، لِمـَن أردتَ هذا الدُّهن؟ فقال: للحسن بن عليٍّ عليهما السلام، فقال: انطلِقْ بي إليه. فانطلق، فأدخَلَه إليه، فقال له: بأبي أنت وأُمّي، لم أعلم أنّك تحتاج إلى هذا أو ترى ذلك، ولستُ آخِذاً له ثمناً، إنّما أنا مولاك، ولكنِ ادْعُ اللهَ أن يَرزُقَني ذَكراً سَوِيّاً يُحبّكم أهلَ البيت، فإنّي خلّفتُ أهلي تَمخَض، فقال: انطلِقْ إلى منزلك، فقد وَهَبَ اللهُ لك ذَكراً سَويّاً، وهو من شيعتنا)(٣٢).
رواه أيضاً: الحرّ العامليّ(٣٣)، والإربلّيّ(٣٤)، والقطب الراونديّ وقد زاد عليه: (فرجع الأسود مِن فوره فإذا امرأته قد ولدت غلاماً سويّاً، ثمّ رجع الأسود إلى الحسن عليه السلام، ودعا له بالخير بولادة الغلام له، وإنّ الحسن قد مسح رِجلَيه بذلك الدُّهن، فما قام مِن موضعه حتّى زال الورم)(٣٥).
* وفي ظلّ قوله تعالى: (وَيا قَومِ ٱستَغْفِروا ربَّكم ثُمّ تُوبُوا إلَيهِ يُرسِلِ السماءَ عَليكم مِدْراراً ويَزِدْكم قُوّةً إلى قُوّتِكم وَلا تَتَوَلَّوا مُجرِمين)(٣٦).. كتب الزمخشريّ: عن الحسن بن عليّ أنّه وَفَد على معاوية، فلمّا خرج تَبِعَه بعضُ حُجّاب معاوية فقال له: إنّي رجلٌ ذو مالٍ ولا يُولَد لي، فعلِّمْني شيئاً لعلّ اللهَ يرزقني ولداً. فقال: (عليك بالاستغفار).
فكان يُكثر الاستغفار، حتّى ربّما استغفر في يومٍ واحدٍ سبعَ مئةِ مرّة، فَوُلِد له عشرة بنين، فبلغ ذلك معاويةَ فقال له: هلّا سألتَه مِمّ قال ذلك (أي ما دليله عليه)! فوفد الحسن عليه السلام وَفْدةً أُخرى، فسأله الرجل، فأجابه: (ألم تَسمع قولَ هود عليه السلام: (ويَزِدْكم قوّةً إلى قُوّتِكم)، وقولَ نوح عليه السلام: (ويُمْدِدْكم بأموالٍ وبَنين)(٣٧) ؟!)(٣٨).
* قال السيّد مرتضى الحسينيّ الفيروز آباديّ معلّقاً على الخبر: أمّا قوله عليه السلام: (ألَم تَسمعْ قولَ هود..)، فالمراد منه واضح، وهو ما تقدّم في الآية الشريفة: (وَيا قَومِ ٱستَغْفِروا ربَّكم ... ويَزِدْكم قُوّةً إلى قُوّتِكم). وأمّا قوله عليه السلام: (وقولَ نوح..)، فالمراد منه هو قوله تعالى في سورة نوح: (فَقُلتُ ٱستَغْفِروا ربَّكم إنَّه كانَ غَفّاراً * يُرسِلِ السماءَ عَليكم مِدْراراً * ويُمْدِدْكم بأموالٍ وبَنينَ ويَجعَلْ لكم جَنّاتٍ ويَجعَلْ لكمُ أنهاراً) [الآيات: ١٠ ـ ١٢](٣٩).
وهكذا يُرشد الإمام الحسن المجتبى عليه السلام أهل الحَيرة والمتلهّفين، حتّى يُوصِلَهم إلى أمانيِّهم، يريد السعادةَ والهناء والخير والسرور للناس جميعاً، كما كان يريد الهدايةَ والصلاح والتوفيق للناس جميعاً. ودليل ذلك أنّه عليه السلام:
كان له إحسانٌ مقابلَ إساءات
أوردنا بعض الروايات في ذلك، مِمّا كان منه عليه السلام مع الشاميّ الذي سبّه ـ أو لعنه ولعن أباه صلوات الله عليهما ـ في بعض الأخبار، فقابله بالاستضافة والتكريم، فعاد الشاميّ ذاك إلى أهله وعليٌّ والحسن عليهما السلام أحبُّ الناس إليه، كذلك رجع بعضهم معتقدين بإمامته، مُعبِّرين عن ذلك بتلاوتهم قولَه تعالى: (اللهُ أَعْلَمُ حَيثُ يَجعَلُ رسالتَه)(٤٠)، وكأنّ أخلاق أهل البيت ـ من الطُّهر والنقاء والرحمة ـ قد أصبحت دليلاً على إمامتهم، وذلك هو الحقّ المطابق للواقع.
ومن إحسان الإمام الحسن عليه السلام مع المسيئين إليه ما تفضّل به على مروان بن الحكم، الذي كان يقطر حقداً على آل البيت النبويّ الطاهر، وكذلك إحسانه على قيس بن الأشعث، الذي شارك أُسرتَه في قتل أمير المؤمنين، ومِن بعده في قتل الحسن والحسين سلام الله عليهم أجمعين.
* ومع آخَرين من أهل الحقد والضغينة والعداوة السوداء، كان للحسن الزكيّ عفوٌ بل صفح، وإحسان بل وتكريم.. هكذا روى ابن سعد، قال: أخبَرَنا عبيد الله بن موسى قال: أخبَرَنا شدّاد الجُعفيّ عن جَدّته أُرجُوانة قالت: أقبل الحسنُ بن عليٍّ وبنو هاشم خَلْفَه، وجليسٌ لبني أُميّة مِن أهل الشام، فقال: مَن هؤلاءِ المُقْبِلون؟! ما أحسَنَ هيئتَهم!
فاستقبل الحسنَ فقال له: أنت الحسنُ بن عليّ ؟ قال: (نعم)، قال الشاميّ الأُمويّ: أتُحبّ أن يُدخِلَك اللهُ مُدخَلَ أبيك؟ فقال الحسن عليه السلام: (وَيحَك! ومِن أينَ وقد كانت له من السوابق ما قد سبق!)، قال الرجل: أدخَلَك اللهُ مُدخَلَه، فإنّه كافرٌ وأنت!! فتناوله محمّد بن عليّ (ولعلّه ابن الحنفيّة رضوان الله عليه) مِن خلف الحسن فلَطَمه لطمةً لَزِم بالأرض، فنشر الحسنُ عليه رداءَه وقال: (عزمةٌ منّي عليكم يا بَني هاشم لَتدخُلنّ المسجد ولتُصَلُّنّ)، وأخذ عليه السلام بيد الرجل الأمويّ فانطلق به إلى منزله، فكساه حُلّةً وخلّى عنه(٤١).
تلك هي خليقة أصيلة في أهل بيت الوحي والنبوّة والرسالة، ليس لديهم ما يناقضها أبداً، فقد جُبِلوا على الرحمة والإحسان، حتّى عُرِف الإحسانُ بهم، بل تجسّد فيهم.. أقوالاً مُرغِّبة، وأفعالاً طيّبة؛ لذلك حقَّ لنا أن نخاطبَهم في زيارتنا الجامعة الكبيرة لهم، فنقول: (فَما أحلى أسماءَكم، وأكرمَ أنفُسَكم، وأعظَمَ شأنَكم، وأَجَلَّ خَطَرَكم، وأَوفى عهدَكم، وأصدقَ وَعْدَكم!)(٤٢).
أجَل والله، فأسماؤُهم هي الحسنى، وأنفسُهم هي الأكرم والأسمى، وشأنُهم ورُتبُهم هي العليا، وقَدْرُهم هو الأغلى، ومنازلهم هي الأعلى. وأمّا عهودُهم فهي الأوفى.. مع الله تعالى كانت أو مع الناس، وكذلك وُعودُهم هي الأصدق. وتلك عادتُهمُ الإحسان، وما أطيبَ الإحسان!
ويكفي الإحسانَ شرفاً أنّه وصيّة سيّد الخلائق محمّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، حيث قال: (أحسِنْ إلى مَن أساءَ إليك)(٤٣)، كما يكفيه فخراً أن يمدحه أمير المؤمنين عليه السلام فيقول: (الإحسانُ إلى المسيء أحسنُ الفضل)(٤٤)، كذلك يكفيه رِفعةً أن يجعله أمير المؤمنين عليه السلام ميزاناً للرفعة، فيُوصي قائلاً: (اجعَلْ جزاءَ النعمةِ عليك، الإحسانَ إلى مَن أساءَ إليك)(٤٥)، (لا يكونَنّ أخوك على الإساءةِ إليك، أقوى منك على الإحسان إليه)(٤٦).
وكان من إحسانه تحقيق أُمنيّة، وإرواء شهيّة
حتّى هذه كانت رحمةً منه ورغبةً في إسعاد الناس، ولو تطلّب الأمر أن تكون هناك كرامة أو معجزة، أليس هو وليَّ الله وحبيبَه؟! ووصيَّ رسول الله وريحانته وسبطه وحبيبَه؟!
* روى ابن كثير قال: قال محمّد بن إسحاق: حدّثني مُساوِر مولى بني سعد ابن بكرٍ قال: رأيتُ أبا هريرة قائماً على مسجد رسول الله يومَ مات الحسن بن عليٍّ وهو ينادي بأعلى صوته: يا أيُّها الناس، ماتَ اليومَ حِبُّ رسول الله، فابكوا!(٤٧)
أفلا يكون له شأنٌ من الشأن إذا طَلَب من محبوبه تبارك وتعالى شيئاً للناس أن يُلبّيَ له طلَبَه؟!
* بهذا السند روى ثقة الإسلام الكلينيّ: محمّد بن يحيى وأحمد بن محمّد، عن محمّد بن الحسن، عن القاسم النَّهْديّ، عن إسماعيل ابن مِهران، عن الكناسيّ، عن أبي عبد الله (الصادق) عليه السلام قال: (خرج الحسن بن عليٍّ عليهما السلام في بعض عُمَرِه ومعه رجلٌ مِن وُلد الزبير كان يقول بإمامته، فنزلوا في مَنْهَلٍ مِن المناهل تحت نخلٍ يابسٍ قد يَبِس من العطش، فَفُرِش للحسن عليه السلام تحت نخلة، وفُرش للزبيريّ بِحِذاه تحت نخلةٍ أُخرى. قال: فقال الزبيريّ ـ ورَفَع رأسه ـ: لو كان في هذا النخل رُطَبٌ لَأكلنا منه! فقال له الحسن: وإنّك لَتشتهي الرُّطَب؟ فقال الزبيريّ: نَعَم. قال: فرَفَع يدَه إلى السماء فدعا بكلامٍ لم أفهَمْه [وهذا قول الزبيريّ]، فاخْضَرّتِ النخلةُ ثمّ صارت إلى حالها فأورَقَت وحمَلَت رُطباً.
فقال الجَمّال الذي اكتَرَوا منه: سِحرٌ والله! فقال الحسن عليه السلام: وَيلَك! ليس بسِحْر، ولكنْ دعوةُ ابنِ نبيٍّ مستجابة. قال: فَصَعِدوا إلى النخلة فَصَرموا ما كان فيه فكفاهُم)(٤٨).
فكان ذلك للإمام الحسن المجتبى عليه السلام معجزة في دعاءٍ مسموعٍ عند ربّ العزّة تبارك وتعالى، الذي لا يُخيّب رجاءَ أوليائه، وكان عليه السلام قد دعا ما دعا لمؤمن، فلبّى رغبتَه، ورسّخ عقيدتَه، فهَنِئ بالهِبتَين، وأمّا الجمّال ـ وقد أساء وشكك واتّهم ـ فقد أحسَنَ الإمام إليه إذ قدّم له الدليل والبرهان أثراً وعقلاً، وكان بإمكانه أن يؤدّبه بالعقوبة، من خلال كرامته، أو بمعجزةٍ أخرى تُرديه، لكنّه عفا وأصلح.
والإمام الحسن عليه السلام في كلّ ذلك لا يُريد دنياً ولا سلطاناً في الأرض ولا عُلُوّاً، فهوأعلى من ذلك في السماء، إنّما كان عليه السلام يُريد وجهَ الله تعالى ومرضاته، وقد غُمِر قلبه بحبّ الله والإخلاص له.. والعمدةُ في الأعمال الإخلاصُ له، جَلّ وعلا تبارك وتعالى، فإذا كان هو باعثَها والمداومَ عليها والحافظَ لها، كانت تلك الأعمال مباركةً رضيّةً مرضيّةً عند الله عزّ شأنه، وكان أهلها موضعَ محبّة الله جلّ شأنه، وكفى بذلك رفعةً ومقاماً وعزّةً وشرفاً.
* قال تعالى في حديثه القدسيّ الشريف: (الإخلاصُ سرٌّ مِن أسراري، استَودَعْتُه قلبَ مَن أحببتُ مِن عبادي)(٤٩)، لأنّ الإخلاص له شرفٌ خاصّ، عرّف به أمير المؤمنين عليه السلام في غرر حِكمه ودُرر كلِمه، قائلاً:
ـ (الإخلاصُ غايةُ الدِّين)(٥٠).
ـ (الإخلاص عبادة المقرَّبين)(٥١).
ـ (الإخلاص أعلى الإيمان)(٥٢).
ـ (الإخلاص شيمةُ أفاضل الناس)(٥٣).
وإذا كان هنالك موازينُ إلهيّةٌ يتفاضل بموجبها المؤمنون مِن عباد الله، فإنّ في مقدِّماتها الإخلاص؛ لقول النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: (بالإخلاص تتفاضل مراتب المؤمنين)(٥٤). ولأهمّيّة الإخلاص وضرورته في قبول الأعمال والنيّات جعله الإمام السجّاد زين العابدين عليه السلام أحدَ همومه الشريفة التي ناجى بها ربَّه سبحانه، فجاء في إحدى مناجاته قوله: (واجعَلْ جهادَنا فيك، وهمَّنا في طاعتِك، وأخلصْ نيّاتِنا في معاملتك؛ فإنّا بِكَ ولك، ولا وسيلةَ لنا إليك إلّا بِك)(٥٥).
ولا ينبغي في الإخلاص أن يُنظَر إلى حجم العمل، بل إلى نيّته الصالحة المتوجّهة إلى الباري جَلّ وعلا في الطاعة لله والحِفاظ على العمل وكتمانه، وعدمِ انتظار الثناء أو العوائد المادّيّة الدنيويّة، والحذرِ بعدَ العمل من: الرياء والعُجب والكبْر والتفاخر والتعالي والتباهي! فالقليل بإخلاص خيرٌ من الكثير برياء، وعمل المخلصين رابح هنيء، وعمل المرائين والمفاخرين خاسرٌ مردود، وقد سبق لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد وصّى ونبّه، فرُويَ أنّه قال: (أخلِصْ قلبَك يَكفِك القليلُ مِن العمل)(٥٦)، كذلك رُوي عنه قوله: (طُوبى للمخلصين، أُولئك مصابيح الهدى، تنجلي عنهم كلُّ فتنةٍ ظلماء)(٥٧)، كما رُوي عن أمير المؤمنين عليه السلام مُبشِّراً: (إنّ لله عباداً عامَلُوه بخالصٍ مِن سرِّه، فشَكر لهم بخالصٍ من شُكرِه، فأولئك تَمرّ صحفُهم يومَ القيامة فُرَّغاً، فإذا وقفوا بين يَدَيه مَلَأَها لهم مِن سرِّ ما أسرُّو إليه)(٥٨).
ولولا ذلك الإخلاص الخالص المخلَص الذي عُرِف في أهل البيت ـ ومنهم الحسن الزكيّ عليهم السلام وعليه ـ لما سَمِعنا بذلك الفيض الفيّاض من حِكمهم ونافع إرشاداتِهم، ولَما شهِد الناس تلك المشاهدَ من كراماتهم ومعجزاتِهم، بل والخيرَ المتّصِلَ من توفيقاتِهم، وقد جعلوا ذلك في طاعة الله، وفي هداية عباد الله، والإحسان إلى خَلق الله.
وكم كان له إحسان علميّ
رفع به الإمام الحسن عليه السلام حيرة، وأنقذ به من تيهٍ وضلالٍ وعثرة.. نُورد في ذلك روايتين فحسب:
الأولى ـ رواها الأستاذ أحمد زكي صفوت في كتابه (جمهرة رسائل العرب ج٢: ص ٢٥) عن مصادره الخاصّة، قائلاً:
رفع أهل البصرة إلى الحسن عليه السلام رسالةً يطلبون منه رأيَه في مسألة الجبر، فأجابهم عليه السلام بقوله:
(مَن لم يُؤمِنْ بالله وقضائهِ وقَدَرِه فقد كفَر، ومَن حَمَل ذَنْبَه على ربِّه فقد فَجَر! إنّ الله لا يُطاع اسْتِكراهاً، ولا يُعصى لِغَلَبة؛ لأنّه المـَليكُ لِما مَلّكهم، والقادرُ على ما أقْدَرَهم. فإن عَمِلوا بالطاعة لم يُخْلِ بينَهم وبينَ ما فَعلوا، فإذا لم يفعلوا فليس هو الذي أجبرهم على ذلك، فَلَو أجبَرَ اللهُ الخَلْقَ على الطاعة لَأَسقَط عنهمُ الثواب، ولو أجبَرَهم على المعاصي لَأَسقَط عنهمُ العقاب، ولو أهمَلَهم لكان عَجْزاً في القُدرة، وكان له فيهمُ المشيئةُ التي غيَّبَها عنهم، فإن عَمِلوا بالطاعات كانت له المِنّةُ عليهم، وإن عَمِلوا بالمعصية كانت الحُجّةُ عليهم).
وبذلك فرّج الإمام الحسن عليه السلام على أهل البصرة، بل وعلى أهل كثيرٍ من البلدان والأقوام والأجيال والمفكرين والباحثين على مدى القرون.. حيرةً مُحيِّرةً، كيف يُجيبون على مسألةٍ شائكةٍ يتشدّق بها العصاة في العقيدة والسلوك، فيتّهمون اللهَ سبحانه وتعالى بالجبر، ويبرّرون لأنفسهم كلَّ معصيةٍ وذنب!
أمّا الرواية الثانية ـ فيرويها الهجويريّ في (الكشف) قائلاً:
عندما ارتفع شأنُ القَدْريّين، وكانت لهم الغَلَبة، وانتشر مبدأ أهل الاعتزال في الدنيا، كتب الحسن البصريّ(٥٩) إلى الحسن بن عليّ:
بسم الله الرحمن الرحيم، السلامُ عليك يا ابنَ رسولِ الله وقُرّةَ عينِه، ورحمةُ الله وبركاتُه. أمّا بعد:
فإنّكم ـ معشرَ بَني هاشم ـ كالفُلك الجارية في اللُّجج، ومصابيحُ الدُّجى، وأعلامُ الهدى، والأئمّة القادة، الذينَ مَن تَبِعَهم نجا، كسفينةِ نوحٍ المشحونة، التي يَأوي إليها المؤمنون، وينجو بها المتمسّكون.
فما قولُك ـ يا ابنَ رسولِ الله ـ عند حَيرتِنا في القَدَر، واختلافِنا في الاستطاعة؟(٦٠) لِتُعْلِمَنا بما تأكد عليه رأيُك، فإنّكم ذرّيّةٌ بعضُها مِن بعض، يعلم اللهُ علمَكم، وهو الشاهد عليكم، وأنتم شهداءُ على الناس، والسلام.
وحينما وصله الخطاب أجابه قائلاً:
(أمّا بعد، فقدِ انتهى إليّ كتابُك عند حيرتك وحيرةِ مَن زعمتَ مِن أُمّتنا، والذي عليه رأيي:
أنّ مَن لم يُؤمنْ بالقَدَرِ خيرِه وشرِّه فقد كفَر، ومَن حمل المعاصي على الله فقد فجر! إنّ الله لا يُطاع بإكراه، ولا يُعصى بِغَلَبة، ولا يُهمِل العبادَ من المملكة، ولكنّه المالك لما ملّكهم، والقادرُ على ما غَلَب عليه قدرتُهم، فإنِ ائْتَمروا بالطاعة لم يكن لهم صادّاً، ولا لهم عنها مُثْبِطاً. فإن أَتَوا بالمعصية وشاءَ أن يَمُنَّ عليهم ويَحولَ بينَهم وبينَها فَعَل، وإن لم يفعل فليس هو حمَلَهم عليها إجباراً، ولا ألزَمَهم إيّاها إكراهاً باحتجاجه عليهم أن عَرَضَهم ومكنهم، وجعل لهم السبيلَ إلى أخذِ ما دعاهم إليه، وتركِ ما يَنهاهُم عنه، وللهِ الحُجّةُ البالغة، والسلام)(٦١).
* ولكنّ الذي رواه ابن شعبة الحرّانيّ (وهو من أعلام القرن الرابع الهجريّ) هو الأدقّ والأصحّ، حيث قال:
كتب الحسن بن أبي الحسن البصريّ إلى أبي محمّد الحسن بن عليّ عليهما السلام: أمّا بعد، فإنّكم ـ معشرَ بَني هاشم ـ الفُلكُ الجارية في اللُّجج الغامرة، والأعلامُ النيّرة الشاهرة، أو كسفينة نوحٍ عليه السلام التي نَزَلها المؤمنون، ونجا فيها المسلمون. كتبتُ إليك يا ابنَ رسول الله عند اختلافنا في القَدَر وحَيرتِنا في الاستطاعة، فأخبِرْنا بالذي عليه رأيُك ورأيُ آبائك عليهم السلام، فإنّ مِن عِلمِ الله عِلمَكم، وأنتمُ الشهداءُ على الناس، واللهُ الشاهدُ عليكم، (ذُرِّيّةً بَعضُها مِن بَعض، واللهُ سميعٌ عليم)(٦٢).
فأجابه الحسن عليه السلام: (بسم الله الرحمن الرحيم. وَصَل إليّ كتابُك، ولولا ما ذكرتَه مِن حَيرتِك وحيرةِ مَن مضى قَبلَك إذاً ما أخبرتُك.
أمّا بعد، فَمَن لم يُؤمِنْ بالقَدَر خيرِه وشرِّه أنّ الله يَعلمُه فَقَد كفَر! ومَن أحال المعاصي على الله فَقَد فَجَر! إنّ الله لم يُطَعْ مُكرِهاً، ولم يُعْصَ مغلوباً، ولم يُهمِلِ العبادَ سُدى من المملكة، بل هو المالكُ لِما مَلّكهم، والقادرُ على ما عليه أقدَرَهم، بل أمَرَهم تَخييراً، ونَهاهُم تحذيراً، فإنِ ائْتَمروا بالطاعة لم يَجِدوا عنها صادّاً، وإنِ انتَهَوا إلى معصيةٍ فشاءَ أن يَمُنَّ عليهم بأن يَحُولَ بينَهم وبينَها فَعَل، وإن لم يَفعلْ فليسَ هوَ الذي حمَلَهم عليها جبراً، ولا أُلزِمُوها كرهاً، بل مَنَّ عليهم بأن بَصَّرَهم وعرَّفَهم وحذّرهُم، وأمَرَهم ونَهاهم، لا جَبْلاً لهم على ما أمَرَهم به فيكون كالملائكة، ولا جَبراً لهم على ما نَهاهُم عنه، وللهِ الحُجّةُ البالغة، فَلَو شاءَ لَهداكم أجمعين، والسلامُ على مَنِ اتّبَع الهدى)(٦٣).
فكان للإمام الحسن المجتبى عليه السلام إحسانٌ على أهل الحيرة في زمانه وعلى أهل الحيرة في كلّ مكانٍ وزمانٍ بعده، وإحسانٌ على طلّاب العلم في وقته، وعلى طلّاب العلم في كلّ زمانٍ ومكانٍ بعده. وقد أحببنا أن نجمع إلى الروايتين السابقتين روايةً أخرى تتضمّن عباراتٍ أخرى، نافعةٌ هي الأخرى، ولعلّها الأكمل، تلك هي التي رواها الشيخ عليّ بن يوسف الحلّيّ (ت ٧٠٥ هـ) هكذا:
* كتب الحسن البصريّ إلى الحسن بن عليّ عليهما السلام: أمّا بعد، فأنتم أهلُ بيت النبوّة، ومَعدِنُ الحكمة، وإنّ الله جعَلَكمُ الفُلكَ الجاريةَ في اللُّجج الغامرة، يَلجأ إليكمُ اللّاجئ، ويعتصم بحبلِكمُ الغالي، مَنِ اقتدى بِكمُ اهتدى ونجا، ومَن تخلّف عنكم هلك وغَوى(٦٤). وإنّي كتبتُ إليك عند الحيرة واختلافِ الأُمّة في القَدَر، فتُفضي إلينا ما أفضاه الله إليكم أهلَ البيت، فنأخذ به.
فكتب إليه الحسن بن عليٍّ عليهما السلام:
(أمّا بعد، فإنّا أهلُ بيتٍ ـ كما ذكرتَ ـ عند الله وعند أوليائه، فأمّا عندك وعند أصحابك، فلو كنّا كما ذكرتَ ما تَقدّمتُمونا، ولَا ٱستبدَلْتُم بنا غيرَنا! ولَعَمْري لَقَد ضَربَ اللهُ مَثَلَكم في كتابه حيث يقول: (أَتَسْتَبْدِلونَ الَّذي هُوَ أَدْنى بِالَّذي هُوَ خَيرٌ)(٦٥)؟! هذا لأوليائك فيما سألوا، ولكم فيمَا ٱستبدَلتُم. ولولا ما أُريد من الاحتجاج عليك وعلى أصحابك ما كتبتُ إليك بشيءٍ ممّا نحن عليه، ولَئن وَصَل كتابي إليك لَتَجِدنّ الحُجّةَ عليك وعلى أصحابِك مؤكدة، حيث يقول الله عزّ وجلّ: (أفَمَن يَهْدي إلَى الحقِّ أحقُّ أن يُتّبَعَ أمّن لا يَهدي إلّا أن يُهدى فما لكم كيفَ تَحكمون)(٦٦).
فاتّبِعْ ما كتبتُ إليك في القَدَر، فإنّه مَن لم يُؤمِن بالقَدَرِ خيرِه وشرِّه فَقَد كفَر! ومَن حَمَل المعاصي علَى اللهِ فَقَد فَجرَ! إنّ الله عزّ وجلّ لا يُطاع بإكراهٍ ولا يُعصى بِغَلَبة، ولا يُهمِل العبادَ من المَلَكة، ولكنّه المالكُ لِما مَلَّكهم، والقادرُ على ما أقدَرَهم، فإنِ ائْتَمروا بالطاعة لن يكون عنها صادّاً مُثبِّطاً، وإن ائْتَمروا بالمعصية فشاء أن يَحولَ بينَهم وبينَ ما ائْتَمروا به فَعَل، وإن لم يفعل فليس هو حمَلَهم عليها، ولا كلّفَهم إيّاها جبراً، بل تمكينُه إيّاهم وإعذاره إليهم طرَّقَهم ومكنَهم، فجعَلَ السبيلَ إلى أخذِ ما أمَرَهم به، وتركِ ما نَهاهُم عنه، ووَضَع التكليفَ عن أهل النقصان والزَّمانة، والسلام)(٦٧).
وكان له إحسان مع جميع مَن عاشَرَه
ومنهم زوجاته، فقد عامَلَهنّ بالإحسان، وتحمّل ما تحمّله من الأقرباء والأصحاب، ولم يَشْكُ أحدٌ منه أنّه لقيَ منه ما يُؤذيه في لفظٍ أو فعلٍ أو موقف، حتّى مَن كانوا يخالفونه، بل ومَن كانوا يُؤذونه ويحاربونه، ويتمنَّون لو أُتيح لهم فيقتلونه!
* ويكفينا ما رواه لنا الحافظ الدمشقيّ الشافعيّ ابن عساكر، مِن أنّ الحسن المجتبى عليه السلام لم يفارقِ امرأةً من زوجاته إلّا وهي تُحبّه(٦٨).
وحتّى امرأتُه التي أقدَمَت على دس السمّ إليه ترَكها، وكان بإمكانه أن يقيم القصاص الإلهيّ عليها، تركها إحساناً منه إليها، وإمهالاً لها، بعد تسليمه لأمر الله تعالى وقضائه، ولم يُخبر عمّن تآمرَ معها ودفعها وسوّل لها، وكان قادراً علىٰ أن ينتقم منهم ومنها.
* رُويَ عن الإمام الصادق عن آبائه عليهم وعليه السلام أنّ الحسن عليه السلام قال لأهل بيته: (إنّي أموتُ بالسمّ كما مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)(٦٩)، فقالوا: ومَن يفعل ذلك؟! قال: (امرأتي جعدةُ بنت الأشعث بن قيس؛ فإنّ معاوية يَدُس إليها ويأمرُها بذلك). قالوا: أخرِجْها مِن منزلك، وباعِدْها مِن نفسك، قال: (كيف أُخرِجُها ولم تَفعلْ بعدُ شيئاً؟! ولو أخرجتُها ما قتَلَني غيرُها، وكان لها عذرٌ عند الناس).
فما ذهبت الأيّامُ حتّى بعَثَ إليها معاوية مالاً جسيماً، وجعل يُمنّيها بأن يُعطيَها مئةَ ألف درهم أيضاً ويُزوّجَها من يزيد، وحمل إليها شربة سمّ لتسقيَها الحسن، فانصرف عليه السلام إلى منزله وهو صائم، فأخرَجَت له وقت الإفطار ـ وكان يوماً حارّاً ـ شربة لبنٍ وقد ألقَتْ فيها ذلك السمّ، فشربها وقال: (يا عدوّةَ الله! قتلتِيني قتَلَكِ الله، واللهِ لا تُصِيبينَ منّي خَلَفاً، ولَقَد غَرّكِ وسَخِر منك، واللهُ يُخزيكِ ويُخزيه). فمكثَ عليه السلام يومَينِ ثمّ مضى، فغدر بها معاويةُ ولم يَفِ لها بما عاهدها عليه(٧٠).
وكان إحسان الحسن الزكيّ صلوات الله عليه:
أولاّ: دليلاً آخَر على إمامته؛ لتمثّل الإحسان ـ وهو خُلقٌ إلهيّ ـ فيه.
وثانياً: مثالاً سامقاً يُقتدى به ويُتأسّى في حياة المسلمين، ليتعاشروا بمحبّةٍ وإخاءٍ وأمان.
وثالثاً: حُجّةً على مَن حاول التهرّب من الحقائق، وعلى مَن أقّر بها كذلك ولم يَرَ للإمام الحسن عليه السلام تلك المنزلة الرفيعة والمقام الشامخ والإمامة الحقّة، ولم يُقرَّ ببقيّة فضائله، ولم يتطرّق إلى مظلوميّته ولا إلى ظالميه! وإنّما اكتفى أن يقول: وهذه المواقف تدلّ على حُسنِ أخلاقه وعظمتها، مع تواضعٍ كبير، ولا نستغرب ذاك مِن سيّدنا الحسن ... وهذه المواقف الكريمة للحسن رضي الله عنه تطبيقٌ لتوجيهات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..(٧١).


 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) سورة الإسراء: ٧٠.
(٢) قال تعالى: (لَقَد خَلَقْنا الإنسانَ في أحسَنِ تَقْويم) سورة التين: ٤.
(٣) الميزان في تفسير القرآن ١٣: ١٥٦.
(٤) سورة البقرة: ١٩٥، سورة المائدة: ١٣.
(٥) سورة آل عمران: ١٣٤، ١٤٨.. وغيرهما.
(٦) تحف العقول: ٣٢.
(٧) غرر الحكم: ٢٨٥، عيون الحكم ٦: ٣٧٢.
(٨) غرر الحكم: ٢٧٩، عيون الحكم ٦: ٣٨٦.
(٩) غرر الحكم: ١٠٠، عيون الحكم ٦: ٣٧.
(١٠) عيون أخبار الرضا عليه السلام ٢: ٢٧٧ / ح ١.
(١١) الأنوار اللّامعة في شرح الزيارة الجامعة: ١٨٣.
(١٢) سورة العنكبوت: ٦٩.
(١٣) تفسير القمّيّ ٢: ١٥١، عنه: تفسير نور الثقلين ٤: ١٦٨ / ح ٩٢.
(١٤) الخصال: ٩٦ـ٩٧ / ح ٤٢ ـ باب الثلاثة، عنه: بحار الأنوار٧١: ٣٥٠ـ٣٥١ /ح٣.
(١٥) ثواب الأعمال وعقاب الأعمال للشيخ الصدوق: ٣٤٠ / ح ١ ـ الباب ١٣٣، عنه: بحار الأنوار ٧٦: ٣٦٧ / ح ٣٠.
(١٦) عيون أخبار الرضا عليه السلام ٢: ٢٧٧ / ح ١.
(١٧) الكافي ٢: ٢٢٨ / ح ١٠ ـ باب السعي في حاجة المؤمن، عنه: بحار الأنوار ٧٤: ٣٣٦ / ح ١١٤.
(١٨) ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من: تاريخ مدينة دمشق: ١٥١ / ح ٢٥٣.
(١٩) عيون أخبار الرضا عليه السلام ٢: ١٧٩ / ح ٢ ـ الباب ٤٤، عنه: بحار الأنوار ٧٤: ٢٨٦ / ح ٩.
(٢٠) بحار الأنوار ٧٨: ٢٠٧ / ح ٦٤ ـ عن: كشف الغمّة ٢: ٣٧٢.
(٢١) أي يُمهلني إلى وقت أكون فيه مُوسراً، والتعبير مستفادٌ من قوله تعالى: (وإنْ كانَ ذُو عُسْـرةٍ فنَظِرَةٌ إلى مَيسَرة) [سورة البقرة: ٢٨٠].
(٢٢) الصُّرّة: ما يُصَرّ فيها الدراهم والدنانير.
(٢٣) تحف العقول: ١٧٧ ـ ١٧٨.
(٢٤) الفضائل لابن شاذان: ٨٣ ـ ٨٥. والمفاخرة جَرَت في محضر النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.
(٢٥) ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من: تاريخ مدينة دمشق: ١٢١ـ ١٢٢ / ح ١٩٥. ورواه: الطبرانيّ في (المعجم الكبير / الحديث ١٥٣ ـ من ترجمة الإمام الحسن عليه السلام)، والهيثميّ الشافعيّ في (مجمع الزوائد ٩: ١٨٤).. وغيرهما. وما بين المعكوفين ما احتملناه قد سقط، فأوردناه هكذا.
(٢٦) سورة النور: ٣٦، ٣٧.
(٢٧) شواهد التنزيل لقواعد التفضيل للحسكانيّ الحنفيّ ١: ٤١٠.
(٢٨) تفسير نور الثقلين ٣: ٦٠٧ / ح ١٨١.
(٢٩) قيل في معناها: هي آداب نفسيّة تحمل مُراعاتُها الإنسانَ على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات والأفعال، أو هي كمال الرجوليّة والشهامة.
(٣٠) عُيِّنَت المناطق على طريق السفر بمنازل سُمِّيت.
(٣١) ما كسَه: طَلَب منه أن يُنقص الثَّمَن.
(٣٢) الكافي ١: ٥٢٦ / ح ٦ ـ باب مولد الحسن بن عليّ صلوات الله عليهما.
(٣٣) في: إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات ٢: ٥٥٦ / ح ٦.
(٣٤) في: كشف الغمّة في معرفة الأئمّة ـ عن: الكافي ٢: ٥٢٦ / ح ٦.
(٣٥) الخرائج والجرائح ١: ٢٣٩ ـ ٢٤٠ / ح ٤ ـ الباب الثالث في معجزات الإمام الحسن عليه السلام.
(٣٦) سورة هود عليه السلام: ٥٢.
(٣٧) سورة نوح عليه السلام: ١٢.
(٣٨) الكشّاف عن حقائق التنزيل ـ في ظلّ الآية ٥٢ من سورة هود عليه السلام.
(٣٩) فضائل الخمسة من الصحاح الستّة ٣: ٣١١.
(٤٠) سورة الأنعام: ١٢٤.
(٤١) القسم غير المطبوع من: الطبقات الكبرى: ٦٠ / ح ٨٦. قال محقّق هذا الكتاب ومهذّبه السيّد عبد العزيز الطباطبائيّ قدس سره معلِّقاً على الخبر: قاتَلَ اللهُ الدعاياتِ الأُمويّةَ الكافرة ضدَّ الإسلام ومبادئه، كيف قلبوا الحقائق وغيّروا المفاهيم، وبثّوا الدعاية ضدّ أميرالمؤمنين عليه السلام، وحاربوه إعلاميّاً كما قاتلوه بسيوفهم، فحاربوا الله ورسوله وخليفته، وأعلنوا سبَّه على المنابر، ولم تكن تلك المنابر لتقوم إلّا بجهوده وجهاده وتضحياته، فأظهروا له الأحقادَ البدريّة، وقَنتوا بلعنه وأمروا بسبّه، وسبابُ المسلم فِسقٌ وقتاله كفر، فضلاً عن سبّ صحابيٍّ خليفة. وكان من بنود معاهدة الإمام الحسن عليه السلام في الصلح أن ينتهوا عن سبّ أمير المؤمنين عليه السلام على منابر البلدان الإسلاميّة، لكنّ معاوية لم يَفِ بشيءٍ من بنود المعاهدة، بل جعلها تحت قَدَميه، ومِن علامات المنافق أنّه إذا وَعَد أخلف، وإذا عاهد نقض وغدر. وكان مِن جرّاء ذلك أن أصبح الشاميّون يَرَون أمير المؤمنين عليه السلام كافراً!! وهو ـ كما في كتبهم ـ أوّل مَن آمَنَ وصدّق، وأوّل مَن صلّى خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وتلك من بني أميّة أحقادٌ بدريّةٌ ضدَّ الإسلام ونبيِّه وآل نبيِّه، وضغائنُ أُمويّة جاهليّة ضدَّ بني هاشم، لم تسمح لهم الظروف أن يتجاهروا بسبّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فعمدوا إلى صِنْوه ووصيّه أمير المؤمنين عليه السلام، الذي هو نفس النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وسبُّه عليه السلام هو سبّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. قال أبو عبد الله الجدليّ: دخلتُ على أُمّ سلمة فقالت: أَيُسَبّ رسول الله فيكم؟! فقلت: مَعاذَ الله! ـ أو: سبحانَ الله! أو كلمة نحوها ـ، قالت: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (مَن سبَّ عليّاً فقد سبّني) (أخرجه أحمد ابن حنبل في: المسند ٦: ٣٢٣، والنَّسائيّ في: خصائص أمير المؤمنين عليه السلام: ٢٤، والحاكم في: المستدرك ٣: ١٢١، وغيرهم كالذهبيّ).
(٤٢) عيون أخبار الرضا عليه السلام ٢: ٢٧٧ / ح ١.
(٤٣) بحار الأنوار ٧٧: ١٧٣ / ح ٦ ـ عن: كنز الفوائد للكراجكيّ: ١٩٤.
(٤٤) غرر الحكم: ٢٩.
(٤٥) غرر الحكم: ٤٥، وفي بعض المصادر: (اجعَلْ جزاءَ النعمة عليك، العفوَ عمّن أساءَ إليك).
(٤٦) غرر الحكم: ٣٣٩، عيون الحكم ٦: ٤٨٢.
(٤٧) البداية والنهاية ٨: ٤٤ ـ ط مصر. والحِبّ هو الحبيب.
(٤٨) الكافي ١: ٥٢٥ / ح ٤ ـ باب مولد الحسن بن عليّ صلوات الله عليهما.
(٤٩) بحار الأنوار٧٠: ٢٤٩/ح٢٤ـ عن: مُنية المريد في آداب المفيد والمستفيد، للشهيد الثاني.
(٥٠) غرر الحكم: ٧، عيون الحكم ٥: ٢٦٢.
(٥١) عيون الحكم ٥: ٢٦٩.
(٥٢) غرر الحكم: ٢١، عيون الحكم ٥: ٢٦٨.
(٥٣) غرر الحكم: ١٧، عيون الحكم ٥: ٣٠٥.
(٥٤) تنبيه الخواطر: ٣٦٠.
(٥٥) بحار الأنوار ٩٤: ١٤٧ ـ المناجاة السابعة: مناجاة المطيعين لله. وفي نسخة: (ولا وسيلةَ لنا إليك إلّا أنت).
(٥٦) بحار الأنوار ٧٣: ١٧٥ ـ في ضمن بيان للمجلسيّ تحت الحديث ١٥.
(٥٧) كنز العمّال / خ ٥٢٦٨، الدر المنثور ٢: ٢٣٧.
(٥٨) تحف العقول: ١٦٠ ـ عنه: بحار الأنوار ٧٨: ١٦٤ / ح ١٥٦.
(٥٩) يبدو مِن خلال سيرته أنّه كان مضطرباً لم يستقرّ على عقيدةٍ ما، كما لم يكن على حالٍ مع أهل البيت عليهم السلام، إلّا أنّه كان يراجعهم في بعض المسائل الاعتقاديّة والفقهيّة؛ ليتعرّف على رأيهم. يراجع: بحار الأنوار ٤٢: ١٤١ ـ ١٤٤، وسفينة البحار ١: ٦٢٠ ـ ٦٢٣.
(٦٠) لعلّها القدرة على الفعل بعد الاختيار. يراجع: الكافي ١: ١٧٩ ـ ١٨١ / ح ١ ـ ٤، باب الاستطاعة.
(٦١) نقل ذلك الشيخ موسى محمّد علي في كتابه (حليم آل البيت الإمام الحسن بن عليّ: ١٣٤ ـ ١٣٥).
(٦٢) سورة آل عمران: ٣٤.
(٦٣) تحف العقول: ١٦٦.
(٦٤) هذه الكلمات والعبارات هي حججٌ على قائلها، تُلزمه الاتّباعَ والتسليم، لا المخالفةَ والانحراف عن أمير المؤمنين عليه السلام وعدمَ نصرة الإمام بقعوده في منزله وترؤّسِه للقَدَريّة، وإشغالِه الناس عن الطواف، والتخليط، ولقاءِ الناس بما يَهْوَون!
(٦٥) سورة البقرة: ٦١.
(٦٦) سورة يونس: ٣٥.
(٦٧) بحار الأنوار ١٠: ١٣٦ ـ ١٣٧ / ح ٣ ـ عن: العُدد القويّة، وذكره الكراجكيّ في (كنز الفوائد: ١٧٠). وأهل النقصان: فاقدوا العقل والإرادة، وأهل الزَّمانة: أصحاب الأمراض المزمنة التي تدوم زماناً طويلاً.
(٦٨) ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من: تاريخ مدينة دمشق: ١٥٥ / ح ٢٦٤ و٢٦٥.
(٦٩) يراجع: ما مِنّا إلّا مقتول أو مسموم: ٢٣ ـ ٤٤، فصل: شهادة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.
(٧٠) الخرائج والجرائح ١: ٢٤١ ـ ٢٤٢ / ح ٧، باب في معجزات الإمام الحسن عليه السلام ـ عنه: بحار الأنوار ٤٤: ١٥٣ / ح ٢٣. ورواه الحرّ العامليّ في (إثبات الهداة ٢: ٥٥٨ / ح ١٢).
(٧١) سيرة.. الحسن بن عليّ: ٢١٦.

المرفقات المرفقات:
التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 

التعليقات

 
COMMENTS_EMPTY

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
التحقق اليدوي: * إعادة التحميل