فهرس المكتبة الحسنية

   

البحث في المكتبة التخصصية

 
 

كتاب مختار:

   

المسار

  الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية » كتب المركز » الخصائص الحَسنيّة - الأخلاق الحَسنيّة (٣)  

كتب المركز

 

الكتب الخصائص الحَسنيّة - الأخلاق الحَسنيّة (٣)

القسم القسم: كتب المركز الشخص المؤلف: جعفر البياتي التاريخ التاريخ: ٢٠١٥/٠٨/٢٣ المشاهدات المشاهدات: ١٦٤٥ التعليقات التعليقات: ٠

الخصائص الحَسنيّة
سلسلة الأخلاق الحَسنيّة (٣)

تأليف: جعفر البياتي
الناشر: العتبة الحسينية المقدّسة
مركز الإمام الحسن عليه السلام للدراسات التخصّصيّة

سوف نتطرَّق في هذا البحث إلى ما أكّدته الوثائق التاريخيّة من بيانات ناطقة بجملة من الخصائص الذاتيّة للإمام الحسن عليه السلام.
ولأجل إلقاء مزيد من الضوء على هذه الخصائص نذكر منها ما يلي:
الخصيصة الأولى: شباهة الإمام الحسن والحسين عليهما السلام بالنبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، في أخلاقه وصفاته وشمائله الطيّبة الطاهرة، وهذا ما تأكد في أخبارٍ وفيرة:
ـ فعن ابن أبي مليكة قال: وكانت فاطمة عليها السلام تلعّب الحسنَ وتقول:

اِبني شَبيهٌ بالنبيّ * * * ليس شَبيهاً بِعليّ(١)

ـ وقال ابن عبّاس: إنّه كان يشبَهُه. وفي نقلٍ آخَر: إنّه كان يشبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(٢).
ـ وعن الزهريّ عن أنس بن مالك قال: كان أشبهَهم بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الحسنُ بن عليّ. وفي نقلٍ آخَر: كان الحسنُ بن عليّ أشبهَهُم بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم(٣).
ـ وفي رواية البخاريّ أنّ أنس بن مالك قال: لم يكن أحدٌ أشبهَ بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من الحسن بن عليّ(٤).
ـ وعن أبي هريرة قال: دخَلَ الحسن بن عليّ وهو مُعْتمّ، فظننتُ أنّ رسول الله قد بُعِث!(٥)
ـ وعن إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعتُ أبا جُحَيفة يقول: رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان الحسن بن عليٍّ يشبَهُه(٦). وفي نقلٍ آخر: حدّث إسماعيل بن أبي خالد قائلاً: قلت لأبي جُحَيفة: رأيتَ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: نعم، كان أشبهَ الناس به الحسنُ بن عليّ(٧).
ـ وعن البهيّ مولى الزبير قال: تَذاكرْنا مَن أشبَهَ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم مِن أهله، فدخل علينا عبد الله بن الزبير فقال: أنا أُحدِّثكم بأشبهِ أهله به وأحبِّهم إليه، الحسنُ بن عليّ..(٨).
ـ وروى المتّقي الهنديّ عن أمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام أنّه قال: (مَن سَرَّه أن ينظُر إلى أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما بينَ عنُقِه إلى وجهه، فَلْينظرْ إلى الحسن بن عليّ. ومَن سرّه أن ينظر إلى أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما بينَ عنُقِه إلى كعبه خَلْقاً ولوناً، فَلْينظُر إلى الحسين بن عليّ)(٩).
ـ ومن حديث ابن سيرين عن أنس بن مالك أنّه قال: كان الحسن والحسين أشبَهَهم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(١٠).
ـ ونقل الهيثميّ الشافعيّ عن محمّد بن الضحّاك بن عثمان الحِزاميّ قوله: كان جسد الحسين شِبْهَ جسد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(١١).
ـ أمّا البخاريّ فقد روى بسنده عن أنس قوله: أُتيَ عبيدُ الله بن زيادٍ برأس الحسين بن عليٍّ فجُعِل في طست، فجَعَل ينكته وقال في حُسْنه شيئاً! قال أنس: وكان (الحسين) أشبهَهُم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان مخضوباً بالوسمة(١٢).
ووردت بعض الأخبار تشير إلى شباهة الحسنَينِ عليهما أفضل الصلاة والسلام بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من حيث الشمائل البدنيّة، كخبر هاني بن هاني عن الإمام عليٍّ عليه السلام قوله: (الحسنُ أشبهُ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما بينَ الصدر إلى الرأس، والحسينُ أشبهُ بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ما كان أسفلَ مِن ذلك)(١٣).. فإنّ هذا يعني أموراً كثيرة، منها:
١. أنّ هنالك إرادةً إلهيّةً حكيمةً قاصدة، أن يكون خَلْقٌ شريف شبيهٌ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يأنس أهله والمؤمنون بالنظر إليه، ويذكرهم بالنبيّ في غيابه ورحيله وبعد وفاته، ويدعُوهم إلى مودّةِ قُرباه وحفاظِه في أهل بيته صلوات الله عليه وعليهم.
٢. أنّ سيماء رسول الله حين تتمثّل في رجلٍ كالحسن أو الحسين، فإنّها تجذب الناس إليهما؛ ليتعرّفوا منهما على بقيّة شمائل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ومعارفه وأخلاقه الكريمة.
٣. أنّ الشَّبَه البدنيّ لا يعني بالضرورة أبداً أن لا يكون هنالك شَبَهٌ آخَر، فقد نُقل عن أبي حامد الغزاليّ في (إحياء علوم الدين)، وعن المكيّ في (قوت القلوب) أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال للحسن المجتبى عليه السلام: (يا حَسَن.. أشبَهْتَ خَلْقي وخُلُقي)(١٤).
وأخلاق النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم معروفة وموصوفة، ذكرها الله تعالى في كتابه الحكيم فقال مخاطباً إيّاه: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)(١٥). قال المفسّر المعروف السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ: الخُلق هو المـَلَكة النفسيّة التي تصدر عنها الأفعال بسهولة. وينقسم الخُلق إلى: الفضيلة ـ وهي الممدوحة، كالعِفّة والشجاعة. والرذيلة ـ وهي المذمومة، كالشَّرَه والجبن. لكنّ الخُلق إذا أُطلق فُهِم منه الخُلق الحسَن. قال الراغب: خُصّ الخُلق بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة.
ثمّ قال السيّد الطباطبائيّ: والآية ـ وإن كانت في نفسها تمدح حُسْنَ خُلقِ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وتعظّمه ـ غيرَ أنّها بالنظر إلى خصوص السياق ناظرةٌ إلى أخلاقه الاجتماعيّة الجميلة المتعلّقة بالمعاشرة: كالثبات على الحقّ، والصبر على أذى الناس وجفاء أجلافهم، والعفو والصفح، وسعة البذل، والرفق والمداراة، والتواضع، وغيرِ ذلك(١٦).
فالإمامان الحسنان سلام الله عليهما يشبهانِ أشرفَ الخَلق وأفضله في جميع خصاله المقدّسة وشمائله الزاكية، وأخلاقه الطيّبة الحسنة، فَمَن أخذ عنهما فقد أخذ عنه صلى الله عليه وآله وسلم، ومَن اقتدى بهما كان قد اقتدى به صلى الله عليه وآله وسلم، كما أنّ مَن أحبّهما ووالاهما وتولّاهما كان قد أحبّه ووالاه وتولّاه صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد أشبهاه بدناً وروحاً ونوراً، حتّى قال الشاعر:

مِن صَفْوِ ماءِ الوحيِ وهْوَ مُجاجةٌ * * * مِن حوضِه الينبوعُ وهْوَ شِفٰاءُ
مِن أَيكةِ الفِردَوسِ حيثُ تَفَتَّقَتْ * * * ثَمراتُها وتفيّأَ الأفىاءُ
مِن شُعلةِ القَبَسِ التي عُرِضَت على * * * موسى وقد حارت بهِ الظَّلْمٰاءُ
مِن مَعدِنِ التقديسِ وَهْوَ سُلالةٌ * * * مِن جوهرِ الملكوتِ وَهْوَ ضىاءُ
هذا الذي عَطَفَت عليهِ مكةٌ * * * وشِعابُها والركنُ والبَطْحٰاءُ
فعليهِ مِن سِيما النبيِّ دِلالةٌ * * * وعليه من نورِ الإلهِ بهٰاءُ(١٧)

الخصيصة الثانية: هي الإمامة التي صرّح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بها في خليفته ووصيّه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبٍ عليه السلام في مواضع عديدة ومناسباتٍ متعدّدة، على مدى تبليغ الرسالة، وكان أوضح تصريح بعد يوم الدار، ويوم الإنذار، وأحاديث: (خليفتي) و(وصيّي) و(مُؤدّي دَيني).. هو ما أعلنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يومَ غدير خمّ وقد نزلت آية التبليغ (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ، وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)(١٨)، فكانت عناصر الخطاب الموجَّه إلى حبيب الله المصطفى هي: وجوب تبليغ وصايته وخلافته في الإمام عليٍّ عليه السلام، وضمان الله عصمةَ نبيّه من الناس، وإنذار وتهديد في جهتين: الأُولى ـ (وإنْ لَم تَفعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالتَه)!، والثانية ـ (إنّ اللهَ لايهدِي القَومَ الكافرين)! فلا تبليغَ لرسالة الله بدون تبليغ الولاية الإلهيّة بعد الرسول النبيّ في الإمام الوصيّ، ولا إيمانَ بالله وبدين الإسلام إذا رُفِضَت هذه الولاية المقدّسة التي عيّنها الله وبلّغها رسول الله.
وكان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطبةٌ غَرّاء تقرب من عشرين صفحةً على القراطيس، جاء فيها قوله:
ـ (فاعلَمُوا ـ معاشرَ الناس ـ أنّ اللهَ قد نَصَبه لكم وليّاً وإماماً مفترَضاً طاعتُه ...
ـ معاشرَ الناس، لا تَضِلُّوا عنه، ولا تَنفِروا منه، ولا تستكبروا [خ ل: ولا تستنكفُوا] مِن ولايته؛ فهو الذي يهدي إلى الحقِّ ويعملُ به، ويزهِق الباطلَ وينهى عنه ...
ـ معاشرَ الناس، فَضِّلُوه فَقَد فَضَّله الله، واقبلوه فقد نصَبَه الله.
ـ معاشرَ الناس، إنّه إمامٌ مِن الله، ولن يتوبَ اللهُ على أحدٍ أنكرَ ولايتَه ولن يغفر اللهُ له، حتماً على الله أن يفعلَ ذلك بِمَن خالَفَ أمرَه فيه، وأن يعذِّبَه عذاباً شديداً نُكراً، أبدَ الآبادِ ودهرَ الدهور، فاحذروا أن تُخالفوه فَتَصْلَوا ناراً وَقودُها الناسُ والحجارةُ أُعِدّت للكافرين ...
ـ معاشرَ الناس، إنّ عليّاً والطيّبين مِن وُلْدي همُ الثِّقلُ الأصغر، والقرآنُ الثِّقلُ الأكبر، فكلُّ واحدٍ مُنْبئٌ عن صاحبه وموافقٌ له، لن يفترِقا حتّى يرِدا عَلَيَّ الحوض، هم أُمناءُ الله في خَلقه، وحكماؤُه في أرضه. ألا وقد أدَّيتُ، ألا وقد بَلَّغْت، ألا وقد أسمَعْت، ألا وقد أوضَحْت، ألا وإنّ الله عزّ وجلّ قال وأنا قلتُ عن الله عزّ وجلّ: ألا إنّه ليس أمير المؤمنين غير أخي هذا، ولا تَحِلّ إمرةُ المؤمنين بعدي لأحدٍ غيرِه! ...
ـ نبيُّكم خيرُ نبيّ، ووصيُّكم خيرُ وصيّ، وبَنُوه خيرُ الأوصياء ...
ـ معاشرَ الناس، إنّه سيكون مِن بعدي أئمّةٌ يدْعون إلى النار، ويوم القيامة لا ينصَرون! معاشرَ الناس، إنّ اللهَ وأنا بريئانِ منهم ...
ـ معاشرَ الناس، إنيّ أدَعُها إمامةً ووراثةً في عَقِبي إلى يوم القيامة.
وقد بلّغتُ ما أُمِرتُ بتبليغه، حُجّةً على كلِّ حاضرٍ وغائب، وعلى كلِّ أحدٍ مِمّن شَهِد أو لم يشهَد، وُلدِ أو لم يولَد، فَلْيبلِّغِ الحاضرُ الغائبَ والوالدُ الولَدَ إلى يوم القيامة. وسيجعلونها مُلكاً واغتصاباً، ألا لَعَن اللهُ الغاصبين والمغتصِبين ...
ـ معاشرَ الناس، إنّكم أكثرُ مِن أن تُصافقوني بِكفٍّ واحدة، وقد أمرني الله عزّ وجلّ أن آخذَ مِن ألسنتِكمُ الإقرارَ بما عقدتُ لعليٍّ مِن إمرة المؤمنين، ومَن جاء بعده من الأئمّة مِنّي ومنه، على ما أعلمتُكم أنّ ذُرّيّتي مِن صُلبه، فقولوا بأجمعِكم: إناّ سامعون مطيعون، راضون منقادون لِما بلّغتَ عن ربِّنا وربِّك في أمر عليٍّ وأمرِ وُلدِه مِن صلبه من الأئمّة، نُبايعك على ذلك بقلوبنا وأنفُسِنا، وألسنتِنا وأيدينا، على ذلك نحيا ونموت ونُبعَث، لا نغيّر ولا نبدّل، ولا نَشكّ ولا نرتاب، ولا نَرجِع عن عهدٍ ولا ننقض الميثاق، نُطيع اللهَ ونُطيعك، وعليّاً أميرَ المؤمنين، ووُلدَه الأئمّةَ الذين ذكرتَهم مِن ذريّتك من صلبه بعد الحسن والحسين، اللَّذَينِ قد عرّفتُكم مكانَهما منّي ومحلَّهما عندي، ومنزلتَهما مِن ربّي عزّ وجلّ، فقد أدّيتُ ذلك إليكم، وأنّهما سيّدا شبابِ أهلِ الجنّة، وأنّهما الإمامانِ بعد أبيهما عليّ، وأنا أبوهُما قَبلَه.
وقولوا: أطَعْنا اللهَ بذلك وإيّاك وعليّاً والحسنَ والحسينَ والأئمّةَ الذين ذَكرْت، عهداً وميثاقاً مأخوذاً لأمير المؤمنين من قلوبِنا وأنفُسِنا وألسنتِنا، ومُصافَقةِ أيدينا، مَن أدركهُما بيده، وأقرّ بهما بلسانه، ولا نبغي بذلك بَدَلاً، ولا نرى من أنفسنا عنه حِوَلاً أبداً. أشهَدْنا اللهَ وكفى بالله شهيداً، وأنت علينا به شهيد، وكلُّ مَن أطاع مِمّن ظَهَر واستتر، وملائكةُ الله وجنوده وعبيده، واللهُ أكبرُ مِن كلِّ شهيد ...
ـ معاشرَ الناس، مَن يطعِ اللهَ ورسولَه، وعليّاً والأئمةَ الذين ذكرتُهم، فقد فاز فوزاً عظيماً ... اَللهمَّ اغفر للمؤمنين، واغضَبْ على الكافرين، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين)(١٩).
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أخذ بيد عليٍّ عليه السلام في ذلك المحضر الغفير فنادى بالناس: (مَن كنتُ مَولاه فعَليٌّ مولاه، اَللّهمَّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه)، فقام سلمان وقال: يا رسولَ الله، ولاءُ عليٍّ ماذا؟ فأجابه: (ولاؤُه كولائي، مَن كنتُ أَولى به مِن نفسه فعليٌّ أَولى به من نفسه). فنزلت الآية المباركة: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا)(٢٠)، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهُ أكبرُ بإكمال الدِّينِ وإتمامِ النعمة، ورِضاءِ ربّي برسالتي وولايةِ عليٍّ بعدي).
فقالوا: يا رسول الله، هذه الآياتُ في عليٍّ خاصّة؟
قال: (بلى، فيه وفي أوصيائي إلى يوم القيامة). قالوا: بيِّنْهم لنا، قال:
ـ (عليٌّ أخي ووارثي ووصيّي، ووليُّ كلِّ مؤمنٍ بعدي. ثمّ ٱبنيَ الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ التسعةُ مِن وُلد الحسين. القرآن معهم وهم مع القرآن، لا يفارِقونه ولا يفارِقُهم حتّى يرِدُوا علَيَّ الحوض)(٢١).
والآن.. ألا يحقّ لنا أن نتساءل:
ـ ما يضرّ المسلمين أن يكون الحسنُ والحسين إمامَينِ من أئمّة أهل البيت عليهم السلام، ووصيَّينِ لرسول الله عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام؟
ـ أليس هما مِن أهل بيت الوحي والرسالة، نَشَآ فيه، وعاشا في رعاية النبيّ، وسمعا الوحي والتنزيل، وواكبا وقائع الإسلام؟(٢٢)
ـ أليس هما ٱبنَي رسول الله ـ بنصّ القرآن الكريم ـ، ووَلَدَي عليٍّ وفاطمة عليهما السلام، فَهُما مِن أشرف سُلالةٍ ونَسَب، ومَحْتِدٍ طاهرٍ كريم؟(٢٣)
ـ أليس هما ربيبَيِ الرسالة والرسول، وهما سيِّدَي شباب أهل الجنّة، وريحانتَيِ المصطفى، وبهجةَ قلب عليٍّ وفاطمة الزهراء؟
ـ أليس هما أحقَّ الناس بعد النبيّ والوصيّ والصدّيقة فاطمة أن يفتَخَر بهما، وأن تُعلَن في الآفاق فضائلهما وأخلاقهما؟
ـ فما يضير بعضَهم أن يكون الحسنانِ الطيّبانِ الطاهران إمامَينِ هادِيينِ مُرشِدَينِ للناس إلى حيث العلم والعبادة والتقوى والفضيلة وكلِّ خيرٍ وحقٍّ وسعادة، والى حيث يرضى الله عنهم فيدخِلُهم في رحمته، ويشمِلُهم بمغفرته، ويكرمهم بأبديِّ نعيمه ووسيع جنّته؟
ـ وما الذي حيّر بعضَهم في إمامة الحسنَينِ وهذه النصوص جاءت وفيرةً متواترةً بتعيينهما مِن قِبل الله عزّ شأنه وتبليغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصيَّينِ بعد أبيهما الإمام المرتضى عليه السلام؟
وقد ذكر بعضَ هذه النصوص: الجوينيُّ الشافعيّ في (فرائد السمطين)، والخوارزميّ الحنفيّ في (المناقب)، وابن الصبّاغ المالكيّ في (الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة)، والگنجيّ الشافعيّ في (كفاية الطالب)، وسبط ابن الجوزيّ الحنبليّ ثمّ الحنفيّ في (تذكرة خواصّ الأمّة)، والشيخ سليمان القُندوزيّ الحنفيّ في (ينابيع المودّة) .. وغيرهم من علماء أهل السنّة. كما ذكرها جميع علماء الشيعة المتقدّمين منهم والمتأخّرين: كالشيخ الصدوق في (إكمال الدين وإتمام النعمة)، والشيخ الكلينيّ في (الكافي)، والخزّاز الرازيّ في (كفاية الأثر)، والحرّ العامليّ في (إثبات الهداة)، والشيخ الطبرسيّ في (إعلام الورى بأعلام الهدى).. وعشرات العلماء في عشرات المؤلّفات والمصنّفات.
ـ ولا ندري كيف يتحرّج بعضهم أن يقرّوا بإمامة الحسنَين سِبطَي رسول الله وريحانتَيه، وسيّدَي شباب أهل الجنّة، ولا يتحرّجون أن يقمّصوها مَن ليس له أدنى شباهةٍ بالنبيّ، وليس له أيّ شرطٍ من شروط الوصاية والخلافة والوصيّ، وليس له علمٌ بكتاب الله، ولا بسُنّة رسول الله، أو لم يكن له عهدٌ قريبٌ بالإسلام؟!
وإذا كان للإمامة مؤهِّلاتُها ولياقاتها وشروطها ومواهبها، فضلاً عن تعيّنها ونصوصها، فها هي متجسّدةٌ في أمير المؤمنين، والحسن والحسين، والتسعة المعصومين من أبناء الحسين صلوات الله عليهم أجمعين.. تُنبئ عن إمامتهم سيرتُهم الطاهرة. وقد اقتضى الأمر هنا ـ أيُّها الإخوة الأكارم ـ أن نبيّن ما هيَ الإمامةُ ـ يا تُرى ـ على وصفٍ دقيق، وفيمَن تتمثّل ومَن ينبغي أن يكون الإمامَ الحقّ على نحو التحقيق؟
* روى الكلينيّ عن أبي محمّدٍ القاسمِ بن العلاء رحمه الله رفعه، عن عبد العزيز بن مسلم قال: كنّا مع الرضا عليه السلام بمَرْو فاجتمَعْنا في الجامع يومَ الجمعةِ فِي بَدْءِ مَقدمِنا فَأداروا أمرَ الإمامةِ وذكروا كثرةَ اختلاف الناسِ فيها، فَدخلتُ على سَيِّدي عليه السلام فَأعلَمتُه خَوضَ الناسِ فيه، فتبسَّمَ عليه السلام ثمَّ قال: (يا عبدَ العزيز [بنَ مسلم]، جهِلَ القوم وخُدِعوا عن آرائهم، إنَّ الله عَزَّ وجلّ لَم يقبض نبيَّه صلى الله عليه وآله وسلم حتى أكمل لهُ الدِّينَ وأنزَلَ عليهِ القرآنَ فيهِ تِبيانُ كلِّ شيءٍ، بيّنَ فيه الحلالَ والحرام، والحدودَ والأحكام، وجميعَ ما يحتاج إلَيه النّاسُ كمُلاً، فقالَ عزَّ وجلَّ: (ما فَرَّطْنا فِي الْكتابِ مِنْ شَيْءٍ)(٢٤)، وأنزلَ في حَجَّةِ الوَداعِ وَهي آخِر عُمرِهِ صلى الله عليه وآله وسلم: (الْيوْمَ أَكمَلْتُ لَكمْ دِينَكمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيكمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكمُ الْإسْلامَ دِيناً)(٢٥)، وأمرُ الإمامةِ مِن تمامِ الدِّين. ولم يمضِ صلى الله عليه وآله وسلم حتى بيّنَ لأُمَّته معالمَ دينهم وأَوضح لهُم سبيلَهُم، وتركهُم على قصدِ سبيلِ الحقِّ، وأقامَ لَهم عليّاً عليه السلام عَلَماً وإماماً، وما تركَ [لَهُم] شيئاً يحتاجُ إليهِ الأُمَّةُ إلّا بيّنه، فَمَن زعمَ أنَّ الله عزَّ وجَلَّ لَم يكمِل دينَهُ فقد ردَّ كتابَ الله، وَمَن ردَّ كتابَ اللهِ فهوَ كافرٌ بهِ.
هَل يعرفون قَدْرَ الإمامة ومحلَّها مِنَ الأُمَّة فيجوزَ فِيهَا اختيارُهُم؟! إنَّ الإمامة أجلُّ قَدْراً وأعظَمُ شأناً وأعلى مكاناً وأمنعُ جانِباً وَأبعَدُ غَوراً من أَن يبلُغَها الناسُ بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم، أو يقِيموا إماماً باختيارهم. إنَّ الإمامة خصَّ اللهُ عزَّ وجلَّ بِها إبراهيمَ الخليلَ بعدَ النُّبوّة والخُلَّة مَرتَبةً ثالثة، وفضيلةً شرَّفَه بها وأشادَ بها ذكرَهُ فقال: (إنِّي جاعِلُكَ للناسِ إماماً)، فقال الخليلُ عليه السلام سرُوراً بها: (وَمِنْ ذُرِّيَّتي)؟ قالَ الله تَباركَ وَتَعالى: (لا ينالُ عَهْدِي الظّالِمـِينَ)(٢٦)، فأبطَلَت هذه الآيةُ إمامةَ كلِّ ظالم إلى يومِ القيامة، وصارَت في الصَّفوة، ثمَّ أَكرمه الله تعالى بأن جعلها في ذُرِّيَّتِه أهل الصَّفوة والطَّهارة فقال: (وَوَهَبنا لَهُ إسْحاقَ وَيعقُوبَ نافِلَةً وَكلّاً جَعَلْنا صالِحِينَ * وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَينا إلَيهِمْ فِعْلَ الْخَيراتِ وَإقامَ الصَّلاةِ وَإيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ)(٢٧). فَلَم تَزَل في ذرّيَّتهِ يرِثُها بعضٌ عن بعضٍ قَرْناً فقَرناً حتّى ورَّثها الله تعالى النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم فَقال جلَّ وتعالى: (إنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإبْراهيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبيُّ وَالَّذينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ المُؤْمِنِينَ)(٢٨)، فَكانت لهُ خاصَّةً فقلَّدَها صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً عليه السلام بِأمرِ الله تَعالى على رَسمِ ما فرضَ اللهُ، فصارتْ في ذرّيَّتِه الأَصفياءِ الَّذينَ آتاهُمُ الله العِلمَ والإيمان، بقَولهِ تعالى: (وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وَالإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كتابِ اللهِ إلى يوْمِ الْبَعْثِ)(٢٩)، فَهيَ في وُلدِ عليٍّ عليه السلام خاصَّةً إلى يومِ القيامة، إذْ لا نبيَّ بعدَ مُحمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، فَمِن أينَ يختارُ هٰؤلاءِ الجُهّال؟!
إنَّ الإمامة هيَ منزلةُ الأنبياء، وإرثُ الأوصياء، إنَّ الإمامة خِلافةُ اللهِ وخلافةُ الرَّسولِ صلى الله عليه وآله وسلم ومَقامُ أَمير المؤمنينَ عليه السلام وميراثُ الحسن والحسين عليهما السلام.
إنَّ الإمامة زِمامُ الدِّين، ونظامُ المسلمين، وصلاح الدُّنيا وعزُّ المؤمنين. إنَّ الإمامةَ أُسُّ الإسلامِ النامِي، وفرعُه السّامي، بِالإمامِ تَمامُ الصَّلاةِ والزَّكاةِ والصيِّامِ والحَجِّ والجهادِ، وتوفيرُ الفَيءِ والصَّدقاتِ، وإمضاءُ الحدودِ والأَحكامِ، ومنعُ الثُّغورِ والأَطراف.
الإمامُ يحِلُّ حلالَ الله، ويحرِّم حرامَ الله، ويقيمُ حدودَ الله، ويذُبُّ عَن دينِ الله، ويدعُو إلى سَبيلِ رَبِّه بِالحكمةِ والمَوعظَةِ الحسنَةِ والحجّةِ البالغة. الإمامُ كالشَّمسِ الطالِعةِ المجلِّلَةِ بِنُورها للعالَمِ وهيَ في الأُفقِ بحيث لا تنالُها الأيدي والأبصارُ. الإمام البَدرُ المُنيرُ، والسِّراجُ الزّاهرُ والنُّورُ الساطع، والنَّجمُ الهادي في غياهِبِ الدُّجى وأجوازِ البُلدانِ والقِفارِ، ولُججِ البحارِ. الإمامُ الماءُ العَذْبُ على الظَّمَأ، والدّالُّ على الهُدى، والمُنجي منَ الرَّدى. الإمامُ النارُ على اليفاعِ، الحارُّ لِمـَن اصطَلى بهِ، والدَّليلُ في المَهالك، مَن فارَقه فهالِك. الإمامُ السَّحابُ الماطِر، والغيثُ الهاطِل، والشَّمسُ المـُضِيئَة، والسَّماء الظَّليلَة، والأرضُ البَسِيطَة، والعينُ الغزِيرَة، والغدِيرُ والرَّوضَة.
الإمامُ الأَنِيسُ الرَّفيقُ، والوالدُ الشَّفيقُ، والأخُ الشقيقُ، والأُمُّ البَرَّةُ بِالوَلَدِ الصغيرِ، ومَفزَعُ العبادِ في الدّاهيةِ النَّآدِ. الإمامُ أمينُ اللهِ في خَلقهِ، وحجَّتُه على عبادهِ، وخليفَتُه في بلادهِ، والدّاعي إلى الله، والذّابُّ عَن حُرمِ الله.
الإمامُ المُطهَّرُ منَ الذُّنُوبِ، والمُبَرَّأُ عنِ العُيوبِ، المَخصوصُ بالعِلم، المَوسُومُ بالحِلم، نظامُ الدَّين، وَعِزُّ المُسلمين، وغَيظُ المنافقين، وبَوارُ الكافرين. الإمامُ واحدُ دَهره، لا يدانِيه أحد، ولا يعادلُه عالم، ولا يوجَدُ منهُ بدلٌ ولا لهُ مِثلٌ ولا نظير، مخصوصٌ بالفضلِ كلِّه من غير طلبٍ منه له ولا اكتساب، بلِ اختصاصٌ من المفضِّل الوهّاب.
فمَن ذا الَّذي يبلُغُ معرفَةَ الإمامِ أو يمكنُه اختيارُه؟! هيهاتَ هيهات، ضلَّتِ العقول وتاهت الحُلومُ وحارتِ الألبابُ وخَسِئتِ العيون، وتصاغرتِ العظماء، وتحيَّرتِ الحُكماء، وتقاصرَتِ الحُلَماء، وحَصِرتِ الخطباء، وجَهِلتِ الألِبّاء، وكلَّتِ الشُّعراء، وعجزتِ الأُدباء، وعَييتِ البُلَغاء، عن وصف شأنٍ من شأنهِ أو فضيلةٍ من فضائله، وأقرَّت بالعجز والتقصير، وكيفَ يوصَفُ بكلِّه أو ينعتُ بكنههِ أو يفهَم شيءٌ من أمرهِ أَو يوجَدُ من يقومُ مَقامَه ويغني غناه، لا، كيفَ وأَنّى؟! وهوَ بحيثُ النَّجمِ من يدِ المُتَناولين، ووصفِ الواصفين، فأينَ الاختيارُ من هذا، وأينَ العقولُ عن هذا، وأينَ يوجدُ مِثلُ هذا؟!
أتظُنُّونَ أنَّ ذلكَ يوجدُ في غيرِ آل الرَّسولِ مُحمّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم؟! كذَبَتْهُم واللهِ أنفسُهم، ومنَّتهمُ الأباطيلُ فارتَقَوا مُرتقى صعباً دَحْضاً تَزِلُّ عنهُ إلى الحضيضِ أقدامُهُم، رامُوا إقامةَ الإمامِ بعقولٍ حائرةٍ بائرةٍ ناقصة، وآراءٍ مُضلَّة، فلم يزدادوا منه إلّا بُعداً، (قاتَلَهُمُ اللهُ أَنّى يؤفَكونَ)(٣٠)، وَلقد رامُوا صعباً وقالُوا إفكاً، وضَلُّوا ضلالاً بعيداً، ووقعوا في الحيرةِ إذ تركوا الإمامَ عن بصيرةٍ (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطانُ أعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ)(٣١). رغبوا عنِ اختيارِ اللهِ واختيار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهلِ بيتهِ إلَى اختيارِهم والقرآنُ يناديهِم: (وَرَبُّكَ يخْلُقُ ما يشاءَ وَيخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيرَةُ سُبْحانَ اللهِ وَتَعالى عَمّا يشْرِكونَ)(٣٢)، وقال عزَّ وجلَّ: (وَما كانَ لِمـُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يكونَ لَهُمُ الْخِيرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)(٣٣) ـ الآية، وَقالَ: (ما لَكمْ كيفَ تَحْكمُونَ * أَمْ لَكمْ كتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إنَّ لَكمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ * أَمْ لَكمْ أَيمانٌ عَلَينا بالِغَةٌ إلى يوْمِ الْقِيامَةِ إنَّ لَكمْ لَما تَحْكمُونَ * سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذٰلِكَ زَعِيمٌ * أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ)(٣٤)، وَقالَ عزَّ وجلَّ: (أَفَلا يتَدَبَّرُونَ الْقرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقفالُها)(٣٥)، أَمْ طَبعَ اللهُ على قُلوبِهم فهُم لا يفقَهونَ، أَمْ (قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يسْمَعُونَ * إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكمُ الَّذينَ لا يعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ)(٣٦)، أَمْ (قالُوا سَمِعْنا وَعَصَينا)(٣٧)، بَلْ هُوَ (فَضْلُ اللهِ يؤْتِيهِ مَنْ يشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظيمِ)(٣٨).
فكيفَ لَهم بِاختيارِ الإمام؟! والإمامُ عالمٌ لا يجهل، وراعٍ لا ينكل، مَعدِنُ القُدسِ والطَّهارَة، والنُّسُكِ والزَّهادَةِ، والعِلمِ والعِبادَة، مخصوصٌ بدعوَة الرَّسُولِ صلى الله عليه وآله وسلم، ونسلُ المُطهَّرَةِ البَتُول، لا مَغمَزَ فيه في نسب، ولا يدانيهِ ذو حَسب، في البيتِ من قريش، والذِّروَةِ مِن هاشم، والعترةِ منَ الرَّسولِ صلى الله عليه وآله وسلم، والرِّضى منَ اللهِ عزَّ وجلَّ، شَرَفُ الأشرافِ، والفَرعُ من عبدِ مَناف، نامي العِلم، كامِلُ الحِلم، مُضطَلِعٌ بِالإمامةِ عالِمٌ بالسِّياسَة، مَفْروضُ الطّاعَة، قائمٌ بِأمرِ اللهِ عزَّ وجلَّ، ناصحٌ لعبادِ الله، حافظٌ لدِينِ الله. إنَّ الأنبياءَ والأئمَّةَ صلَواتُ اللهِ عليهم يوَفِّقُهُمُ اللهُ ويؤْتيهِمْ مِن مَخزونِ علمِهِ وحِكمِه ما لا يؤتيه غيرَهم، فيكونُ عِلمُهُمْ فوقَ علمِ أهلِ الزَّمانِ في قولِه تعالى: (أَفَمَنْ يهْدِي إلَى الْـحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يتَّبعَ أَمَّنْ لا يهِدِّي إلّا أَنْ يهْدى فَما لَكمْ كيفَ تَحْكمُونَ)(٣٩)، وقولِه تباركَ وتعالى: (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً)(٤٠)، وقوله في طالوتَ: (إِنَّ اللَهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(٤١). وقالَ لِنبيِّه صلى الله عليه وآله وسلم: (أنزلَ عليكَ الكتابَ والحكمةَ وعلَّمَكَ ما لم تكنْ تعلَمُ وكانَ فضلُ اللهِ عليك عظيماً)(٤٢)، وقال في الأئمَّةِ من أهل بيتِ نبيِّه وعترتهِ وذُرِّيّته صلواتُ اللهِ علَيهم: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا * فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا)(٤٣).
وإنَّ العبدَ إذا اختارهُ اللهُ عزَّ وجلَّ لأُمورِ عبادهِ شرحَ صدرَهُ لذلكَ وأودَعَ قلبَه ينابيعَ الحكمة، وألهمهُ العلمَ إلهاماً، فلم يعْيَ بعدَهُ بجواب، ولا يحيرُ فيه عنِ الصَّواب، فهُوَ معصومٌ مُؤَيَّد، موفقٌ مسدَّد، قد أَمِنَ من الخطايا والزَّللِ والعِثار، يخُصُّه الله بذلكَ ليكونَ حجَّتَه [البالِغَةَ] على عبادِه، وشاهدَهُ على خَلقهِ، و(ذٰلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)(٤٤).
فهل يقْدرونَ على مثلِ هذا فَيختارونَه؟ أو يكونُ مختارُهُم بهذِهِ الصِّفَةِ فيقدِّمُونه؟ تعدَّوا ـ وبيتِ اللهِ ـ الحقَّ ونبذُوا (كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ)(٤٥)، وفي كتابِ اللهِ الهدى والشِّفاء، فنبَذُوهُ واتَّبعوا أَهواءَهم، فذَمَّهمُ اللهُ ومقَّتَهم وأتعسَهم فقالَ جلَّ وتعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللهِ، إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)(٤٦)، وقالَ: (فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ)(٤٧)، وقالَ: (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا، كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ)(٤٨)، وصلّى الله على النبيِّ مُحمَّدٍ وَآلهِ وسلَّمَ تسليماً كثيراً)(٤٩).
* وروى الكلينيّ أيضاً عن أحمدَ بنِ محمّدٍ ومحمَّدِ بن يحيى، عن محمَّد بن الحسين، عن أحمدَ بن محمَّدٍ، عن أبي الحسن الكنانيّ، عن جعفر بن نجيحٍ الكنديّ، عن محمّد بن أحمد بن عبيد اللهِ العمريّ، عن أبيه، عن جدِّه، عن أبي عبد اللهِ (الصادق) عليه السلام قالَ: (إنَّ الله عزَّ وجلَّ أنزَلَ على نبيِّه صلى الله عليه وآله وسلم كتاباً قبلَ وفاته، فقالَ: يا محمَّد، هذهِ وصيَّتُك إلى النُّجَبةِ مِنْ أَهلِكَ، قالَ: وَما النُّجبة يا جبرَئيل؟ فقال: عليُّ بن أبي طالبٍ ووُلدُهُ عليهم السلام. وكانَ على الكتابِ خواتيمُ من ذهبٍ، فدفعَهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى أميرِ المُؤمنين عليه السلام وأمَرَه أن يَفُكَّ خاتَماً منه ويعملَ بما فيه، ففكّ أمير المؤمنين عليه السلام خاتَماً وعَمِل بما فيه، ثمَّ دفعَه إلى ابنهِ الحسنِ عليه السلام ففكَّ خاتَماً وعمِلَ بما فيه، ثمَّ دفعه إلى الحسينِ عليه السلام ففكَّ خاتماً فوجد فيه أنِ اخرُج بقومٍ إلى الشَّهادة، فلا شهادَةَ لَهُم إلّا معك، وٱشْرِ نفسكَ لله عزَّ وجلَّ، ففَعَل، ثمَّ دفعه إلى عليِّ بن الحسينِ عليه السلام ففكَّ خاتماً فوجدَ فيه أنِ أطرِقْ واصمُت والزَمْ منزِلَكَ واعبُد رَبَّك حتّى يأتِيك اليقين، ففَعَل، ثمَّ دفعَهُ إلى ابنِهِ محمَّد بن عليٍّ عليه السلام ففكَّ خاتماً فوجدَ فيه: حدِّثِ الناسَ وأفتِهِم، ولا تَخافنَّ إلّا اللهَ عزّ وجلّ، فإنّه لا سبيلَ لأحدٍ عليك، ففَعَل، ثمّ دفعه إلى ابنه جعفر عليه السلام ففكّ خاتَماً فوجد فيه: حدّثِ الناسَ وأفتِهِم، وانشرْ علومَ أهلِ بيتِك، وصدِّق آباءَكَ الصّالحين، ولا تخافَنَّ إلَّا اللهَ عزَّ وجلَّ، وأنتَ في حِرزٍ وأمان، ففعلَ، ثمَّ دفعَه إلى ابنهِ موسى عليه السلام، وكذٰلكَ يدفَعُه مُوسى إلى الَّذي بعدَهُ، ثُمَّ كذٰلكَ إلى قيامِ المهديِّ صلَّى الله عليه)(٥٠).
* كذلك روى الكلينيّ عن محمّد بن يحيى ومحمّد بن عبد الله، عن عبد الله بن جعفر، عن الحسن بن ظريف وعليّ بن محمّد، عن صالح بن أبي حمّاد، عن بكر بن صالح، عن عبد الرحمان بن سالم، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (الصادق) عليه السلام قال:
(قال أبي لجابر بن عبد الله الأنصاريّ: إنّ لي إليك حاجة، فمتى يخِفّ عليك أن أخلُوَ بك فأسألك عنها؟ قال له جابر: أيَّ الأوقاتِ أحبَبتَه. فَخلا بهِ في بعضِ الأيّامِ فقالَ له: يا جابر، أخبرْني عَنِ اللُّوحِ الَّذي رأيتَهُ في يدِ أُمّي فاطمَةَ عليها السلام بنتِ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما أخبَرتْكَ بهِ أُمِّي أنَّهُ في ذلِكَ اللُّوحِ مكتوب، فقالَ جابر: أشهدُ بِاللهِ أَنِّي دخلتُ على أُمّك فاطِمةَ عليها السلام في حَياة رسول اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَهَنَّيتُها بِوِلادَة الحُسَين، وَرَأيتُ في يدَيها لوحاً أخضَرَ ظَنَنتُ أنَّهُ من زُمُرّد، وَرَأيتُ فيه كتاباً أبيضَ شِبهَ لونِ الشَّمس، فقُلتُ لَها: بِأبي وأُمِّي يا بِنتَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ما هذا اللَّوح؟ فقالت: هذا لوحٌ أهداه الله إلى رسولهِ صلى الله عليه وآله وسلم، فيهِ اسمُ أبي وَاسمُ بَعْلي وَاسمُ الأوصياء مِن وُلدي، وأعطانيه أبي لِيبَشِّرَني بذلِك. قال جابر: فَأعطَتنِيهِ أُمُّكَ فاطمةُ عليها السلام، فَقَرَأتُهُ واستنسختُه. فقال لَهُ أبي: فَهَل لكَ يا جابِرُ أن تَعرِضَه علَيّ؟ قالَ: نعَم. فَمَشى مَعَهُ أبي إلى منزِلِ جابِرٍ فَأخرَجَ صحِيفةً مِن رَقّ، فقال: يا جابِر، اُنظر في كتابكَ لِأَقرَأَ [أَنا] عليك. فنظَرَ جابِرٌ في نُسخَتِه، فقَرَأَهُ أبي، فَما خالَفَ حرفٌ حرفاً، فقال جابر: فأشهَدُ باللهِ أَنِّي هٰكذا رَأيتُه في اللَّوحِ مكتوباً:
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
هذا كتابٌ منَ الله العزيزِ الحَكيم لِمُحمَّدٍ نَبيِّه ونُورِهِ وسَفيرهِ وحِجابِهِ وَدليلِهِ، نَزَلَ بهِ الرُّوحُ الأمين، مِن عِندِ ربِّ العالَمين: عَظِّمْ يا محمّدُ أسمائي، واشكر نعمائي، ولا تجحَد آلائي، إنِّي أنا اللهُ لا إلهَ إلّا أنا قاصِمُ الجبّارين، ومُديلُ المظلومين، ودَيّانُ الدِّين، إنّي أنا اللهُ لا إلهَ إلّا أنا، فَمَن رجا غيرَ فضلي، أو خافَ غيرَ عدلِي، عذَّبتُه عذاباً لا أعَذِّبُ بهِ أحَداً مِنَ العالَمين، فإيّايَ فاعبُدْ وعلَيَّ فَتوكلْ.
إنِّي لم أَبعث نبيّاً فأكمَلَتْ أيّامُه وانقَضَت مُدَّتُه إلّا جعلتُ له وصيّاً، وإنِّي فضَّلتُك على الأنبياء، وفضَّلتُ وصيَّك على الأوصياء، وأكرَمتُك بِشِبلَيك وسِبطَيكَ حسنٍ وحسين، فجعلتُ حسناً مَعدِنَ علمي بعدَ انقِضاءِ مدَّةِ أبيه، وجعلتُ حسيناً خازنَ وَحْيي، وأكرَمتُه بِالشَّهادَة، وختمتُ له بالسَّعادة، فهوَ أفضَلُ مَنِ استُشهِدَ وأرفعُ الشهداءِ درجةً، جعلتُ كلِمتيَ التامَّةَ معه، وحجَّتيَ البالغةَ عندَه، بعترَتِه أُثيبُ وأعاقبُ، أوَّلُهُم: عليٌّ سيِّدُ العابدين، وزينُ أوليائيَ الماضين، وابنُه شِبهُ جدِّهِ المحمود، محمَّدٌ الباقرُ علمي والمعدِنُ لحِكمتي. سيهلَكُ المرتابونَ في جعفر، الرّادُّ عليهِ كالرّادِّ علَيّ، حقَّ القولُ منِّي: لَأُكرِمَنَّ مثوى جعفرٍ ولأَسُرَّنَّه في أشياعِهِ وأنصارهِ وأوليائهِ، أُتِيحَت بعده موسى فتنَةٌ عمياءُ حِندسٌ، لِأنَّ خيطَ فرضي لا ينقَطِعُ وحجَّتِي لا تَخفى، وأنّ أوليائي يسقَونَ بالكأسِ الأوفى، مَن جَحدَ واحِداً منهُم فقدْ جحدَ نعمَتي، ومَن غيَّرَ آيةً مِن كتابي فقدِ افتَرى علَيّ. وَيلٌ للمُفتَرينَ الجاحدينَ عندَ انقِضاء مُدَّةِ مُوسى عبدي وحبيبي وخِيرَتي في عليٍّ وليِّي وناصري، ومن أضعُ عليهِ أعباءَ النُّبُوَّة، وأمتَحنُه بالاضطلاعِ بها، يقتُلُه عِفريتٌ مُستكبِرٌ، يدفَنُ في المدينةِ الَّتي بناها العبدُ الصالِحُ إلى جنبِ شرِّ خَلقي، حقَّ القولُ منِّي: لَأسرَّنَّهُ بمحمدٍ ابنهِ وخليفَتهِ من بعدِه ووارثِ عِلمه، فهوَ معدِنُ علمي وموضعُ سرِّي وحُجَّتي على خلقي، لا يؤمِنُ عبدٌ بهِ إلّا جعلتُ الجنَّة مَثواهُ، وشفَّعتُه في سبعينَ مِن أهلِ بيتِه كلُّهم قدِ استوجبُوا النّار، وأختِمُ بالسَّعادةِ لابنه عليٍّ وليِّي وناصري، والشّاهدِ في خلقي وأميني على وَحْيي، أُخرجُ منه الدّاعيَ إلى سبيلي، والخازِنَ لِعِلميَ الحسنَ، وأكمِّل ذٰلك بِابنِهِ (م ح م د) رحمَةً للعالَمين، عليهِ كمالُ موسى وبَهاءُ عيسى وَصبرُ أيُّوب، فَيذَلُّ أوليائي في زمانِهِ، وتُتَهادى رُؤُوسُهُم كما تُتَهادى رؤوسُ التُّرك والدَّيلَم، فيقتَلُونَ ويحرَقونَ، ويكونونَ خائفينَ مرعوبينَ وجِلِين، تُصبَغُ الأرضُ بِدِمائِهِم، ويفشُو الوَيلُ والرَّنَّة في نسائِهِم، أُولٰئكَ أوليائي حقّاً، بهِم أدفَعُ كلَّ فتنَةٍ عمياءَ حِندِس، وبهم أكشِفُ الزَّلازِلَ وأدفعُ الآصارَ والأغلال، (أُولئك عَلَيهِم صَلَواتٌ مِن رَبِّهِم ورحمةٌ وأُولئك همُ المُهتدُون))(٥١).
فالإمامة تعيينٌ إلهيّ، ونصٌّ صريحٌ نبويّ، والولاية تسليم إيمانيّ، وإقبالٌ ولائيّ.. فإذا عَلِمنا أنّ الإمامين الحسنين عليهما السلام هما إمامان بأمرٍ من الله جلّ وعلا، وبنصوصٍ متواترة من الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم صريحةً بيّنةً واضحة.. دخل على القلوب اطمئنانٌ وثيق أنّ أخلاقَهما سلام الله عليهما أخلاقٌ طاهرةٌ مَرْضيّة، منسجةٌ مع أخلاق الله سبحانه وتعالى غايةَ الانسجام، ومع أخلاق رسول الله، ومع كتاب الله وسُنّة نبيّ الله، ومع الشرع الشريف، والعقل السليم والفطرة السليمة، فتكون أخلاقهما بذلك أَولى بالأخذ بها، ويكونانِ هما سلام الله عليهما أَولى بالاقتداء بهما، وحينئذٍ نقولها بثقةٍ وارتياح: ـ
كم يكون المسلم مطمئنّاً، وعلى هدى وبصيرةٍ وبيّنةٍ من أمره، حين يكون له أئمّةٌ هُداةٌ كالحسن والحسين عليهما السلام، يسلِّم لهما، ويبذل خالصَ محبّته وطاعته لهما، ويهيّئ قلبَه لاتّباعهما وتولّيهما، فيرشِدانِه ويعلّمانه، ويأخذانِ بيده إلى النور والحقّ والصلاح والفضيلة، وإلى النجاة والفوز والكرامة، لأنه تمسّك بحُجْزةٍ مُنْجية، وما هي ـ يا تُرى ـ تلك الحُجْزة المنجية؟
* عن محمّد بن الحنفيّة قال: حدّثني أمير المؤمنين عليه السلام أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يومَ القيامة آخِذٌ بحُجْزة الله، ونحن آخِذون بحجزة نبيّنا، وشيعتُنا آخِذُون بحُجزتنا.
قال: قلت: يا أمير المؤمنين، وما الحُجْزة؟ قال: (اللهُ أعظمُ مِن أن يوصَفَ بالحجزة أو غيرِ ذلك، ولكنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آخِذٌ بأمر الله، ونحن ـ آلَ محمّدٍ ـ آخذون بأمر نبيِّنا، وشيعتُنا آخذون بأمرنا)(٥٢). وفي رواية الإمام الرضا عليه السلام قال: (والحُجْزةُ النور)(٥٣).
* وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: (يجيء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يومَ القيامة آخِذٌ بحجزة ربِّه، ونحن آخذون بحجزة نبيّنا، وشيعتُنا آخذون بحجزتنا، فنحن وشيعتُنا حزبُ الله، وحزبُ الله همُ الغالبون. واللهِ ما نَزْعَم أنّها حُجزة الإزار، ولكنّها أعظمُ من ذلك، يجيء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آخِذاً بِدِين الله، ونَجيء نحن آخِذين بِدِين نبيّنا، وتجيء شيعتنا آخذين بديننا)(٥٤).
ولا شكّ أنِّ دينَ الأئمّة عليهم السلام ـ ومنهم الحسنان ـ هو دين المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، ودِينه هو عينُ دِين الله جلّ وعلا، وهذا ما يضمن النجاة إذا كنّا متمسّكين بولاية الأئمّة الهداة، قال الإمام الصادق عليه السلام: (إذا كان يومُ القيامة جئنا آخِذين بحُجزةِ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وجئتُم آخذين بحجزتنا، فأين يذهَبُ بنا وبكم؟! إلى الجنّة والله)(٥٥).
ودعاؤنا في ندبتنا: (واجعَلْنا مِمَّن يأخذُ بِحُجْزتِهم، وَيمكثُ في ظِلِّهِم)(٥٦).
الخصيصة الثالثة: المواهب الرحمانيّة.. والملكات الذاتيّة والمـؤهّلات الأخـلاقيّة:
القدوة في الأخلاق الإسلاميّة، لابدّ أن تكون له حالاتٌ وصفاتٌ طيّبة من الأعماق، وثوابتُ مبدئيّةٌ إنسانيّةٌ راسخة، تزرع الثقة به في قلوب الآخرين، فلا يرَونه إلّا مؤمناً متوجِّهاً إلى الله تعالى، متّقياً حذِراً من معصية الله ومن وساوس الشيطان وأضاليله ومزالقه، صادقاً مخلصاً في نيّته، عاملاً لله عزّ وجلّ وفي الله تبار‏‏‏ك وتعالى، لا يريد ولا يتوقّع جزاءً من الناس أو شُكوراً، مضحّياً بما عنده من أجل إسعاد الآخرين وإنقاذهم وقضاء حوائجهم.
وهذا لا يتأتّى ـ لاسيّما للأسوة الحسنة ـ إلّا إذا حظيَ من الباري جلّ وعلا بمواهبَ رحمانيّة، وهباتٍ ربّانيّة، ومَلَكاتٍ سماويّة، تؤهّله لأن يكون القدوة في الأخلاق وفي غيرها. وفي سيرة أئمّة أهل البيت النبويّ الشريف، ومنهم الإمام الحسن الزكيّ المجتبى عليه السلام، كلُّ هذه المؤهّلات، نتشرّف ببيان بعضها:
١. عبٰادة الامام الحسن عليه أفضل الصلاة والسلام: إنّ العبادة حالةٌ إيمانيّة عُليا، فهي: تعلّقٌ بالله تعالى، وشوق إلى وصاله، وذِكرٌ لسانيّ وقلبيّ، وتوجّهٌ روحيّ، واستجابة عقليّة ونفسيّة، وطاعة وخضوع وخشية، واستعدادٌ للتلبية في ما يأمر الله تعالى وينهى، وفيما أوجب وحرّم، بل وفيما أحبّ وكرِه لعباده.
والأخلاق تندرج تحت هذه العناوين، وتنغمر في تلك الحالات؛ إذ هي مِن جملة العبادات؛ بعضها نُسكيّة كالصلاة، وبعضها امتناعيّة كالصوم، وبعضها ماليّة كالزكاة والخُمس، وبعضها لفظيّة قلبيّة كالدعاء، وبعضها بدنيّة كالحجّ، وبعضها أخلاقيّة: كالسخاء، وقضاء الحوائج، وصلة الأرحام والإخوان، والأدب وحسن المعاشرة، والحلم والصبر، والعفو والصفح..
وإذا كانت العبادات النسكيّة والروحيّة، أو الطاعات والحالات العباديّة تحظى بالثواب العظيم، فإنّها في الوقت ذاته ـ إذا كانت حقيقيّة ـ توفّق العبد وتُؤهّلُه إلى عباداتٍ أخرى كالعبادات الأخلاقيّة، فكلُّها طاعةٌ لله جلّ وعلا، وكلّها استجابة لأوامره ونواهيه وشرعه المبارك الشريف، وكلّها ينبغي أن تكون نابعةً عن الإيمان والتقوى، وطلب مرضاة الله تبارك وتعالى، والخشية من سخطه جلّ وعلا.
أجَل ـ أيُّها الإخوة الأحبّة ـ، ففي الإسلام هنالك تلازمٌ ضروريّ بين الأخلاق والإيمان، وبينهما وبين التقوى، فلابدّ للأخلاق أن تكون رشحةً من رشحات الإيمان بالله عزّ وجلّ، كما هي العبادة الحقّة رشحةٌ من رشحاته. كذلك لابدّ أن تكون الأخلاق نابعةً عن محبّة الله وطاعته، متلازمةً مع الخوف والرجاء، الخوف من غضب الله وسخطه، فضلاً عن عذابه، والرجاء في نوال رضاه ورحمته، فضلاً عن نعيمه وجنّته.. وسلام الله على أمير المؤمنين عليه السلام حيث يخاطب ربَّه عزّ وجلّ فيقول:
(يا إلهي وسيّدي وربّي، أتُراكَ مُعذِّبي بنارِكَ بعد توحيدِك، وبعدَما انطوى عليهِ قلبي مِن معرفتِك، ولَهِجَ بهِ لساني مِن ذِكرِك، واعتَقدَه ضميري مِن حُبِّك، وبعدَ صِدْقِ اعترافي ودُعائي خاضعاً لِربُوبيَّتِك؟!... ولَيتَ شِعري ـ يا سيّدي وإلهي ومَولاي ـ أتُسلِّطُ النارَ على وجوهٍ خَرّت لِعَظمتِك ساجدة، وعلى ألْسُنٍ نَطَقَت بِتوحيدِك صادقة، وبِشُكرِك مادحة، وعلى قلوبٍ اعتَرَفَت بإلهيَّتِكَ مُحَقِّقة، وعلى ضمائرَ حَوَت مِنَ العِلمِ بِكَ حتّى صارَتْ خاشِعة، وعلى جَوارِحَ سَعَت إلى أوطانِ تَعَبُّدِك طائعة، وأشارَتْ باستغفارِك مذعنة؟!... فَهَبْني ـ يا إلهي وسيّدي وربّي ـ صَبَرْتُ على عذابِك، فكيفَ أصبِرُ على فِراقِك، وهَبْني صبرتُ على حرِّ نارِك، فكيفَ أصبِرُ عَنِ النَّظَرِ إلى كرامتِك؟!)(٥٧).
وإذا ترشّحت الأخلاق عن الإيمان الصادق كانت مرتقيةً إلى نيّةٍ صالحةٍ سليمة، نزيهةٍ عن الرياء والخُداع والنفاق، وعن طلب المصالح الذاتيّة على حساب المصالح العامّة، ومُترفِّعةً عن قصد الإساءة للآخَرين.
مِن هنا، فإنّ الإسلام يرفض ـ بل ويقبِّح ـ الأخلاق التي لا يراد بها وجه الله تعالى ومرضاته، أو لا يقصَد بها الآخرة ونجاتها وفوزها على أقلّ الفروض، إنّما يراد بها المكيدةُ والإغواء والإيهام والاصطياد. كذلك يحذِّر الإسلام من الأخلاق المنافقة، والمظاهر الخادعة، والمواقف المتحايلة:
* روى الإمام الرؤوف والسيّد العطوف عليّ بن موسى الرضا صلَواتُ اللهِ عليه عن جدّه الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين عليهما السلام أنّه قال: (إذا رأيتُمُ الرجُلَ قد حَسُن سَمْتُه وهَدْيه(٥٨)، وتَماوَتَ في منطقِه(٥٩)، وتَخاضَعَ في حركاتِه، فَرُوَيداً لا يغرَّنَّكم؛ فما أكثرَ مَن يعجِزه تناولُ الدنيا وركوبُ الحرامِ منها، لضَعفِ نيّتِه، ومهانتِه، وجُبنِ قلبه، فنَصَب الدِّينَ فَخّاً لها(٦٠)، فهو لا يزال يختِلُ الناسَ بظاهره(٦١)، فإن تَمكن مِن حرامٍ اقتَحَمَه!
وإذا وَجَدتُّمُوه يعِفُّ عن المال الحرام، فَرُوَيداً لا يغُرَّنّكم؛ فإنّ شَهَواتِ الخَلْق مختلفة، فما أكثرَ مَن ينبو عن المال الحرام(٦٢) ـ وإن كثُر ـ، ويحمِل نفسَه على شَوهاءَ قبيحة(٦٣)، فيأتي منها محرَّماً، فإذا وجدتُّموه يعِفّ عن ذلك فَرُويداً لا يغُرّنّكم حتّى تنظروا ما عقدةُ عقلِه، فما أكثرَ مَن تَرَك ذلك أجمَعَ ثمّ لا يرجِع إلى عقلٍ متين، فيكون ما يفسِده بجهلِه أكثرَ مِمّا يصلِحه بعقلِه.
فإذا وَجَدتُّم عقلَه متيناً، فَرُويداً لا يغُرّنّكم حتّى تنظروا: أمَعَ هواه يكون على عقله، أو يكون مع عقله على هواه؟ فكيف محبّتُه للرياسات الباطلة وزهدُه فيها؟ فإنّ في الناس مَن خَسِر الدنيا والآخرة، يتركُ الدنيا للدنيا، ويرى أنّ لذّة الرياسة الباطلة أفضلَ مِن لذّة الأموال والنِّعَمِ المُباحةِ المُحلَّلة، فيترك ذلك أجْمَعَ طَلَباً للرياسة، حتّى إذا قِيلَ لَه اتَّقِ اللهَ أخَذَتْه العِزّةُ بالإثم، فحَسْبُه جَهنّمُ ولَبِئسَ المِهاد! فهو يخبِط خَبْطَ عَشْواء، يقودُه أوّلُ باطلٍ إلى أبعدِ غاياتِ الخسارة، ويمُدّه ربُّه بعدَ طلبهِ لِـما لا يقْدِر عليه في طُغيانِه، فهو يحِلُّ ما حَرَّم الله، ويحرِّم ما أحَلَّ الله، لا يبالي بِما فاتَ مِن دِينِه إذا سَلِمَت له رياستُه التي قد شَقِيَ مِن أجْلِها، فأُولئكَ الذينَ غَضِبَ اللهُ عَلَيهِم، ولَعَنَهم، وأعَدَّ لهم عذاباً مُهيناً.
ولكنّ الرجُلَ كلَّ الرجل، نِعْمَ الرجُل، الذي جَعَل هَواه تَبَعاً لأمرِ الله، وقُواهُ مَبذولةً في رضى الله، يرى الذُّلَّ مع الحقِّ أقربَ إلى عِزِّ الأبدِ مِن العِزِّ في الباطل، ويعلمُ أنّ قليلَ ما يحتمِلُه مِن ضَرّائِها يؤدّيه إلى دوام النعيم، في دارٍ لا تَبيد ولا تنفد، وأنّ كثيرَ ما يلحقُه مِن سَرّائها إنِ اتّبعَ هواه يؤدّيه إلى عذابٍ لَا ٱنقطاعَ له ولا يزول، فذٰلِكمُ الرجلُ نِعمَ الرجل، فَبهِ تمسَّكوا، وبِسُنّتِه فاقْتَدُوا، وإلى ربِّكم به فتَوَسَّلوا؛ فإنّه لا تُرَدّ له دعوة، ولا تُخَيَّب له طَلِبة)(٦٤).
فالأخلاق الإسلاميّة هي الأخلاق العباديّة التي يلاحَظ فيها الإيمان والتقوى، وتكون عملاً صالحاً مسبوقاً بنيّةٍ صالحة، نزيهةٍ عن كلّ الأغراض الخبيثة والمشؤومة. أمّا إذا لم تكن مُريبة، ولم تكن في الوقت ذاته متوجّهةً إلى الله تعالى ولا إلى الآخرة، فإنّها مقبولة ومشكورة على كلّ حال، ولكنّ ثوابها منحصر في الدنيا، وأجرها دنيويّ، كما هو قصدُها دنيويّ، قال تعالى:
ـ (فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ)(٦٥).
ـ (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ، وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ)(٦٦).
من هذا الأفق.. نرفع أعيننا إلى ما كان للإمام من ملكاتٍ وشؤونٍ ذاتيّةٍ شريفة، ترشّحت عنها أخلاقٌ طاهرةٌ مُنيفة. وفي عباداته المقدّسة قالوا الكثير، منه:
* ما رواه ابن عساكر الدمشقيّ الشافعيّ بسنده عن أبي سعيد، أنّ معاوية قال لرجلٍ من أهل المدينة من قريش: أخبِرْني عن الحسن بن عليّ، فأجابه يصفه له: إذا صلَّى الغَداةَ جلس في مُصلّاه حتّى تطلع الشمس، ثمّ يساند ظهره، فلا يبقى في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلٌ له شرف إلّا أتاه، فيتحدّثون، حتّى إذا ارتفع النهار صلّى ركعتينِ ثمّ نهض..(٦٧).
* وما رواه ابن كثير قائلاً: كان الحسن إذا صلّى الغداة [أي الفجر] في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يجلس في مُصلّاه يذكر اللهَ حتّى ترتفع الشمس(٦٨).
* وما نقله الزمخشريّ من أنّ الحسن عليه السلام كان إذا فَرَغ من الفجر لم يتكلّم حتّى تطلع الشمس، وإن زُحزِح(٦٩).
* وما رواه أبو نُعَيم بسنده عن محمّد بن عليّ (هكذا، ولعلّه يقصد الإمام محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام) أنّه قال: (قال الحسن عليه السلام: إنّي لَأستَحْيي مِن ربّي أن ألقاه ولم أمشِ إلى بيته. فمشى عشرين مرّةً من المدينة على رِجلَيه)(٧٠).
* وما رواه البيهقيّ الشافعيّ بسنده عن ابن عبّاس قولَه: ما نَدِمتُ على شيءٍ فاتَني في شبابي إلّا أنّي لم أحجَّ ماشياً. ولقد حجّ الحسن بن عليٍّ خمساً وعشرين حجّةً ماشياً، وإنّ النجائب لَتُقاد معه(٧١).
* وما رواه المحبّ الطبريّ الشافعيّ عن عليّ بن زيد بن جدعان أنّه قال: حجّ الحسن عليه السلام خمسَ عشرةَ مّرةً ماشياً(٧٢).
* وما رواه الحاكم النَّيسابوريّ الشافعيّ عن عبد الله بن عُبَيد بن عُمَير أنّه قال: لقد حجّ الحسن بن عليٍّ خمساً وعشرين حجّةً ماشياً، وإنّ النجائب لَتُقاد معه(٧٣). وعن عبد الله بن عمر بن الخطّاب أنّه قال: لقد حجّ الحسن خمساً وعشرين حجّةً ماشياً، وإنّ النجائب لَتُقاد بين يدَيه(٧٤).
* وما كتبه سبط ابن الجوزيّ الحنفيّ قائلاً: ذكر ابن سعدٍ في (الطبقات) أنّ الحسن حجّ خمسَ عشرةَ حجّةً ماشياً(٧٥).
* وما أسنده الشيخ المجلسيّ عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: (كان الحسن بن عليٍّ عليهما السلام يحجّ ماشياً وتُساق معه المحامل والرِّحال)(٧٦).
* وما أسنده ثقة الإسلام الكلينيّ إلى الإمام أبي جعفر محمّدٍ الباقر عليه السلام مِن أنّ الإمام الحسن عليه السلام لمـّا حضَرَته الوفاة بكى، فقيل له: يا ابنَ رسول الله، تبكي ومكانُك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي أنت به، وقد قال فيك ما قال؟! وقد حَجَجتَ عشرين حجّةً ماشياً، وقاسَمتَ مالك ثلاثَ مرّات؟! فقال: (إنّما أبكي لِخَصلتَين: لِهَول المـُطَّلَع، وفِراقِ الأحبّة)(٧٧).
* وما رواه الشيخ الصدوق عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قوله: حدّثني أبي (أي الباقر عليه السلام) عن أبيه (أي السجّاد عليّ بن الحسين عليهما السلام) أنّ الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام كان أعبدَ الناس في زمانه وأزهدَهم، وأفضلَهم، وكان إذا حجّ حجَّ ماشياً، وربّما مشى حافياً، وكان إذا ذكر الموتَ بكى، وإذا ذكر القبر بكى، وإذا ذكر البعث والنشور بكى، وإذا ذكر الممرَّ على الصراط بكى، وإذا ذَكرَ العَرضَ على الله تعالى ذِكرُه شَهِق شَهقةً يغشى عليه منها، وكان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصُه بين يدَي ربّه عزّ وجلّ، وكان إذا ذكر الجنّة والنار اضطرب اضطرابَ السليم (أي الملدوغ أو المجروح المشرف على الهلكة)، ويسأل اللهَ الجنّة، ويعوذ به من النار. وكان عليه السلام لا يقرأ من كتاب الله عزّ وجلّ (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) إلّا قال: لَبَّيكَ اللّهمَّ لَبَّيك. ولم يرَ في شيءٍ من أحواله إلّا ذاكراً لله سبحانه. وكان أصدقَ الناس لهجةً، وأفصحَهم منطقاً)(٧٨).
* وما ذكره ابن شهر آشوب السَّرَوي من قوله: وكان الحسن عليه السلام إذا تَوضَّأ ارتعَدَت مفاصله واصفَرّ لونه، فقيل له في ذلك (أي سُئل فيه)، فقال عليه السلام: (حقّ على كلِّ مَن وَقَف بين يدَي ربِّ العرش أن يصْفَرّ لونُه، وترتعدَ مفاصلُه!). وكان عليه السلام إذا بلغ المسجد يرفع رأسه ويقول: (إلهي ضيفُك ببابِك، يا مُحسِنُ قد أتاك المسيء، فَتَجاوزْ عن قبيح ما عندي بجميلِ ما عندك يا كريم)(٧٩).
* وفي رواية الزمخشريّ: كان الحسن بن عليٍّ إذا فَرَغ من وضوئه تغيّر لونه، فقيل له، فقال: (حقّ على مَن أراد أن يدخل على ذي العرش أن يتغيّر لونه)(٨٠).
* أمّا ما نقله الشيخ نصر بن محمّد السمرقنديّ الحنفيّ فهو: رُويَ أنّ الحسن بن عليّ رضيَ الله تعالى عنهما، كان إذا أراد أن يتوضّأ تغيّر لونه، فسُئل عن ذلك، فقال: (إنّي أريد القيام بينَ يدَي الملك الجبّار). وكان إذا أتى باب المسجد رفع رأسه وقال: (إلهي عبدُك ببابِك، يا محسنُ قد أتاك المـُسيء، وقد أمرتَ المحسنَ منّا أن يتجاوز عن المسيء، فأنت المحسن وأنا المسيء، فتجاوزْ عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك، يا كريم)، ثمّ يدخل المسجد(٨١).
* وكتب الذهبيّ: روى مُغيرة بن مُقسِم عن أمّ موسى: كان الحسن بن عليٍّ إذا أوى إلى فراشه قرأ سورة الكهف(٨٢).
وهنا أحببنا أن نطالع بعض ما كتبه الدكتور علي محمّد الصلّابيّ في مؤلّفه (سيرة أمير المؤمنين.. الحسن بن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما)(٨٣)، حيث كتب يقول:
كان الحسن بن عليّ رضي الله عنه من المجتهدين في العبادة، وكان مارس مفهوم العبادة الشامل في حياته، فقد رضع لبان العبادة مع ما رضعه من مَعدِن النبوّة وتربية الزهراء التي جاءت إلى أبيها عليه الصلاة والسلام لتطلب خادمة، فدَلَّها على ما هو أفضل من ذلك، وهو التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير.. فأطلّ على الحياة في بيت الزهد والعبادة، والورع والتُّقى، والحلم والصبر، وانغمس في هذه المفاهيم والمـُثل والمبادئ حتّى غدا مثالاً من مُثُلها، ومثالاً بها يضرَب، يشهد له بذلك معاصروه من الصحابة الأبرار، ومَن عاشَرَه من الأخيار.
فقد كان عابداً بمعرفة، مُقْبِلاً على الله بيقين، مُدبِراً عن الدنيا وشواغلها برضى واطمئنان، ولهذا كان إذا توضّأ وفَرَغ من الوضوء تغيّر لونه، فقيل له في ذلك، فقال: (حقّ على مَن أراد أن يدخل على ذي العرش أن يتغيّر لونه)(٨٤).. فكلّما اقترب العبد مِن مولاه، وتعرّف على أسمائه وصفاته ونعوت كماله، ازدادت هيبته وإجلاله وخوفه منه.. فاستشعار عظمة الله وجلاله، ومعرفة أسمائه وصفاته، تُولّد عند العبد خشيةً وخوفاً ومهابةً من هذا الإله العظيم..
وكان الحسن بن عليّ رضي الله عنه إذا صلّى الغداة في مسجد رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم، يجلس في مصلّاه يذكر اللهَ حتّى ترتفع الشمس، ويجلس إليه مَن يجلس من سادات الناس يتحدّثون عنده(٨٥).. إنّ من السعداء الذين تصلّي عليهم الملائكة أولئك الذين يجلسون بعد أداء الصلاة في مصلّاهم ... إنّ الحسن بن عليّ رضي الله عنه يعلّمنا أهميّة الذِّكر في البكور، ويرغّبنا في ترك النوم في ذلك الوقت من خلال سيرته الربّانيّة ...
وكان الحسن بن عليٍّ رضي الله عنه يقول إذا طلعت الشمس: (سَمِع سامعٌ بحمدِ اللهِ الأعظم، لا شريكَ له، له المُلكُ وله الحَمْدُ وهو على كلِّ شيءٍ قدير. سَمِع سامعٌ بحمدِ اللهِ الأمجد، لا شريك له، له الملكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قدير)(٨٦).
وقد لازم الحسن بن عليّ ما ثبت عن رسول الله مِن أورادٍ وأذكارٍ وأدعية، وكان يحثّ الناس على الصلوات في المساجد، وكان يقول: (مَن أدمن الاختلافَ إلى المساجد رزَقَه الله إحدى خصال: أخاً مستفاداً، أو رحمةً مستترةً له، أو علماً مستَطرَفاً، أو كلمةً تَدُلّ على هدى، أو يترك الذنوبَ خشيةً أو حياءً)(٨٧).
وكان رضي الله عنه من أهل القيام، فقد كان رضي الله عنه يأخذ نصيبه من القيام في الليل ...
وكان الحسن بن عليٍّ رضي الله عنه كثير الحجّ.. حيث لازمَ الحجّ ماشياً خمساً وعشرين حجّة. وهذا يدلّ على فضيلة المشي في الحجّ، كما يؤكد ذلك ندمُ ابن عبّاس على عدم قيامه بذلك أيـّامَ شبابه. ومداومةُ الحسن على ذلك على ما فيه مِن مشقّةٍ تَدُلّ على قوّةِ إيمانه، ورغبتهِ الصادقة في المزيد من الأعمال.. ومِن سيرة الحسن ابن عليٍّ رضي الله عنه نتعلّم أهميّة السياحة إلى البيت الحرام كلّما سمحت ظروفنا، وتَيسَّر حالنا..
وكان رضي الله عنه كثيرَ الصمت، متعبِّداً على منهج جدّه صلى الله عليه وآله وسلم(٨٨).
* والآن ـ أيّها الإخوة الأعزّة ـ مع الإمام الحسن المجتبى الزكيّ عليه السلام فيما نُسِب إليه وأنشده من الشِّعر الإيمانيّ العباديّ، نزداد به إيماناً وهداية، وشوقاً إلى الطاعات والعبادات، وخشيةً وتقرّباً إلى الله تعالى ومحبّة وتعلّقاً به عزّ وجلّ، واستعداداً للموت ولقاء الحقّ جلّ وعلا:
* قال عليه السلام:

قُلْ لِلمُقيمِ بغيرِ دارِ إقامةٍ: * * * حانَ الرحيلُ فَوَدِّعِ الأحبابا
إنّ الذينَ لَقِيتَهم وصَحِبتَهُم * * * صاروا جميعاً في القبور تُرابا(٨٩)

* وقال عليه السلام:

يا أهلَ لذّاتِ دُنياً لا بَقاءَ لها * * * إنّ المُقامَ بِظِلٍّ زائلٍ حُمْقُ(٩٠)

* وفي الرزق والتوكل قال عليه السلام:

اِغْنَ عنِ المخلوقِ بالخالقِ * * * تَغْنَ عن الكاذبِ والصادقِ
واسْتَرزِقِ الرحمانَ مِن فضلِهِ * * * فليس غيرَ اللهِ مِن رازقِ
مَن ظَنَّ أنّ الناسَ يغنونَهُ * * * فليسَ بالرحمانِ بالواثقِ
أو ظَنَّ أنّ الرزقَ مِن كسْبِهِ * * * زَلَّت به النَّعلانِ مِن حالقِ(٩١)

وقد ذكرت بعض كتب السيرة هكذا: إنّ الحسن بن عليٍّ رضي الله عنهما رَكبَه الدَّين، فاجتمع إليه بعضهم فقالوا له: لو كتبتَ إلى معاوية لَقضى دَينَك، فقال لهم: (لا ينبغي للعبد أن يسأل غيرَ الله). فألحُّوا عليه، فقال: (اكتبوا كتاباً فأْتُوني به بالغَداة). فلمّا أصبح بهم خرج إليهم وفي يده كتاب، فقال لهم: (إنّي لمـّا فارقتُكم دخلتُ خزائنَ أمير المؤمنين عليه السلام فوجدتُ هذه الرقعة، وما أرى ما فيها إلّا مِن قِبَلِه)، وإذا ما فيها بخطّه رضي الله عنهما وكرّم الله وجهَيهما.
* وكتب ابن عساكر الدمشقيّ الشافعيّ وابن كثير أنّ الإمام الحسن المجتبى عليه السلام كتب على خاتَمه:

قَدِّمْ لنفسِك ما استطعتَ مِن التُّقى * * * إنّ المَنيّةَ نازلٌ بكَ يا فتى
أصبحتَ ذا فَرَحٍ كأنّك لا تَرى * * * أحبابَ قلبِك في المقابرِ والبِلى(٩٢)

والخواتيم التي تختّم بها النبيّ المصطفى وآلُه الكرام صلوات الله وسلامه عليه وعليهم، حملت أذكاراً وحِكماً تندرج في جملة عباداتهم الروحيّة السامية، ومن طريف ما رواه ابن عساكر في (تاريخ مدينة دمشق) أن كتب:
أخبَرَنا أبو القاسم محمود بن أحمد بن الحسن التبريزيّ بها (أي بتبريز)، أنبأَنا أبو الفضائل محّمد بن أحمد بن عمر بن الحسن بن يونُس بأصبهان، أنبأَنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ، أنبأنا محمّد ابن محمّد بن عبد الله، أنبأنا عيسى بن سليمان الورّاق، أنبأنا داوود ابن عَمْرو الضَبّيّ، أنبأنا موسى بن محمّد بن جعفر الصادق، عن أبيه عن جدّه قال: قال الحسن بن عليّ بن أبي طالب: (رأيتُ عيسى ابن مريم عليه السلام في النوم فقلت: يا رُوحَ الله، إنّي أُريد أن أنقش على خاتمي، فما أنقش عليه؟ قال: اُنقشْ عليه: لا إلهَ إلَّا اللهُ الحقُّ المـُبين؛ فإنّه يذهِب الهمَّ والغمّ)(٩٣).
* وروى الكلينيّ عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال في ضمن حديث له: (وفي خاتَم الحسن والحسين عليهما السلام: حَسْبيَ الله)(٩٤).
* أمّا ما رواه الشيخ المجلسيّ فهو هكذا، عن الشيخ الصدوق قوله: أبي (أي عليّ بن الحسين بن بابوَيه القمّيّ، فقيه من أصحاب الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام ـ ت ٣٢٩ هـ)، عن سعد، عن البرقيّ، عن محمّد بن عليّ الكوفيّ، عن الحسن بن أبي العقبة، عن الحسين بن خالد، عن الإمام الرضا (عليّ بن موسى) عليه السلام قال: (كان نقش خاتَم الحسن عليه السلام: العزّةُ لله. وكان نقش خاتم الحسين عليه السلام: إنّ اللهَ بالغُ أمرِه)(٩٥).
* وهذا ما أكده الطبريّ الإماميّ قائلاً: وكان له خاتَمُ عقيقٍ أحمر، نقشُه: العِزّةُ لله، وخاتمٌ يحكي نقشه: الحسن بن عليّ. ورُويَ أنّ مَن نقش على فصّ خاتمه مِثلَه كان هَيوباً مصدَّقاً عظيماً، والصلاة فيه بسبعين(٩٦).
وهذه كلّها دلائل فاخرة على الإمامة، ومؤهِّلاتٌ مُطَمْئِنة تجعلنا نتوقّع من هذا السيّد والإمام أخلاقاً رفيعةً طاهرة، وننظر منه كلَّ خيرٍ ورحمةٍ وإحسانٍ وفضيلة، إذ هو عابدٌ.. بل أعبدُ الناس، وزاهدٌ.. بل أزهد الناس، ومؤمنٌ.. بل منقطعٌ بإيمانه إلى الله تبارك وتعالى، وهو إلى ذلك ذو علمٍ وهُدى وبصيرة، جعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أهل بيته عليهم السلام عِدْلَ القرآن كما في حديث الثقلين المتواتر المشهور عند جميع المذاهب الإسلاميّة، قول النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّي تاركٌ فيكمُ الثقلَين ما إن تمسّكتُم بهما لن تَضِلُّوا بعدي؛ أحدهما أعظمُ من الآخَر: كتابَ الله ممدودٌ من السماء إلى الأرض، وعترتي أهلَ بيتي، ولن يفترِقا حتّى يرِدا عَلَيّ الحوض، فانظروا كيف تُخْلِفوني فيهما)(٩٧).
قال السيّد شرف الدين الموسويّ: إنّ المفهوم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتُم به لن تضلّوا: كتابَ الله وعترتي) إنّما هو ضَلالُ مَن لم يتمسّك بهما ـ كما لا يخفى. ويؤيّد ذلك قولُه صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الثقلين عند الطبرانيّ: (فلا تَقَدَّموهُما فتَهلَكوا، ولا تقصّروا عنهم فتَهلَكوا، ولا تُعلِّموهم فإنّهم أعلمُ منكم). قال ابن حجر: وفي قوله صلى الله عليه وآله وسلم (فلا تَقَدّموهما فتهلكوا، ولا تُقصِّروا عنهم فتهلكوا، ولا تُعلّموهم فإنّهم أعلمُ منكم) دليلٌ على أنّ مَن تأهّل منهم (أي من عترة رسول الله) للمراتب العليّة، والوظائف الدينيّة، كان مقدَّماً على غيره(٩٨).. إلى آخر كلامه(٩٩).
فمِن العترة الطيّبة الطاهرة، أحدُهم الإمام الحسن المجتبى عليهم وعليه السلام، نتعلّم عقائدنا، وشرائع ديننا، وسيرة نبيّنا، وأخلاق إسلامنا.
٢. تقوى الإمام الحسن عليه السلام ووَرَعُه: التقوى من الإيمان، بل هي أصل فيه؛ لقول أمير المؤمنين عليه السلام: (التقوى سِنْخُ الإيمان)(١٠٠). وإذا كان الإيمان تصديقاً وعملاً، فإنّ إحدى ثماره: العبادة، وإحداها أيضاً التقوى، قال الإمام عليّ عليه السلام: (التقوى ثمرة الدِّين، وأمارة اليقين)(١٠١). ذلك لأنّ الإسلام تكاليف: بعضها واجباتٌ وأوامر، وبعضها محرّماتٌ ونَواهٍ.. والتقوى ضميرٌ دِينيّ وحِسٌّ إنسانيّ يدعو المؤمنَ لأداء وظائفه وتكاليفه، ويمنعه من ارتكاب الموبقات والمعاصي والآثام، فـ(التقوى اجتناب) كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام(١٠٢).
وفي مجال الأخلاق يكون المتّقي مبادراً إلى المحاسن، مُتنزِّها عن المساوئ، مؤدّياً للحقوق والواجبات طلباً لمرضاة الله تعالى، حَذِراً من التقصير خشيةً من سَخَط الله جلّ وعلا. ولا شكّ أنّ هذه التكاليف يكون بعضها أخلاقيّاً، سواءٌ الواجبُ أداؤه أو المحرَّمُ ارتكابه.. فإنّها على قسمين: تكليفٌ واجب الأداء، وتكليفٌ واجب الامتناع. مثال الأوّل ـ البرّ والصدق والتواضع والإحسان.. ومثال الثاني ـ الظلم والنميمة والبذاء.. والتقوى تبقى المـَلَكةَ المحفِّزةَ على التلبية لكلّ أوامر الباري تبارك وتعالى، والمانعةَ عن ارتكاب كلِّ نواهيه عزّ شأنه، وقد جاء عن الإمام عليٍّ عليه السلام قوله: (التقوى أقوى حِصْن، وأوقى حِرْز)(١٠٣).
وأمّا معنى التقوى، ففي اللغة هي مِن: وَقى يقِي وِقايةً: أي حَفِظَه وصانه، والاسم: التَّقْوى. وقيل: الوِقايةُ هي حِفظُ الشيء مِمّا يؤذيه ويضُرّه، والتقوى: جعلُ النفس في وقايةٍ ممّا يخاف عليها من سخط الله تعالى وعذابه. وفي الاصطلاح الأخلاقيّ هي مَلَكةٌ نفسيّة تصدّ المرء عن السقوط في الذنوب، أو حالةٌ تحجزه عن التقحّم في المعاصي والآثام. وفي بيانٍ مختصر عرّفها أمير المؤمنين سلام الله عليه بقوله: (التقوى أن يتّقيَ المرءُ كلَّ ما يؤثمُه)(١٠٤)، وفي جوابٍ على سؤال حول قول الله تبارك وتعالى: (اتَّقُوا اللهَ حقَّ تُقاتِه)(١٠٥) قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: (يطاعُ ولا يعصى، ويذكر ولا ينسى، ويشكر ولا يكفَر)(١٠٦). وحقيقة الذِّكر ليست مجردَ كلماتٍ أو عبارات تشتمل على التحميد والتهليل والتكبير.. إنّما حقيقته الموقف والعمل، والطاعة والتقوى:
* قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (مَن أطاعَ اللهَ فقد ذَكرَ اللهَ وإن قلّت صلاته وصيامه وتلاوته، ومَن عصَى اللهَ فقد نَسِيَ اللهَ وإن كثُرت صلاته وصيامه وتلاوته)(١٠٧).
* وعن الإمام عليّ عليه السلام رُويَ قوله: (الذِّكرُ ذِكران: ذِكرُ الله عزّ وجلّ عند المصيبة، وأفضلُ مِن ذلك ذِكرُ الله عند ما حَرّم اللهُ عليك، فيكون حاجزاً)(١٠٨).
* وجاء عن الإمام محمّد الباقر عليه السلام أنّه قال: (ثلاثٌ مِن أشدِّ ما عَمِل العباد: إنصافُ المؤمن مِن نفسه، ومواساة المرء أخاه، وذِكرُ الله على كلِّ حال، وهو أن يذكر اللهَ عزّ وجلّ عند المعصية، يهمّ بها فيَحُول ذِكرُ الله بينَه وبين تلك المعصية، وهو قول الله عزّ وجلّ (إنَّ الَّذينَ اتَّقَوا إذا مَسَّهُم طائفٌ مِن الشيطانِ تَذَكرُوا فإذا هُم مُبصِرون))(١٠٩).
فالتقوى بصيرة، والتقوى وعيٌ روحيّ وطهارةٌ قلبيّة وشعورٌ نزيه، وحالة من حالات جهاد النفس حتّى تُصبِح مَلَكةً واقية.. وكان أمير المؤمنين عليه السلام قد أوصى قائلاً: (عبادَ الله، أُوصيكم بتقوى الله؛ فإنّها حقُّ اللهِ عليكم، والُموجِبةُ على اللهِ حقَّكم ... فإنّ التقوى في اليومِ الحِرْزُ والجُنّة، وفي غَدٍ الطريقُ إلى الجَنّة ... أيقِظُوا بها نَومَكم، واقطعوا بها يومَكم، وأشْعِروها قلوبَكم، وارحَضُوا بها ذُنوبَكم، .. ألا فَصُونُوها وتَصَوَّنوا بها، وكونُوا عنِ الدنيا نُزّاهاً، وإلى الآخرةِ وُلّاهاً..)(١١٠).
وهنا نقول: إذا كان للإيمان درجاته، فمَن هو أعلى درجةً في إيمانه من أهل بيت الوحي والرسالة؟ وإذا كان للتقوى مراتبها، فمَن أسمى مَرتبةً في تقواه من آل الرسول المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم؟ وقد طَهَّرهم الله تعالى تطهيراً مطلقاً، من كلِّ إثمٍ ورجس، وفي جميع مراحل حياتهم الشريفة، وعند كلّ حالاتهم ومواقفهم، فلم يرشح عنهم إلّا إيمانٌ وهدى وعِلمٌ ونورٌ وتقوى، ووصايا صادقةٌ بالتقوى، ولم تُفارقهم التقوى، حتّى عُرِفَت بهم وفيهم ومنهم، وحتّى شَهِد لهم بها الفاسقون والمناوئون. ويكفي في تقوى الإمام الحسن الزكيّ عليه السلام ما كتبه ابن شهر آشوب، قال:
رُويَ أنّه دخَلَت عليه امرأةٌ جميلةٌ وهو في صلاته، فأوجَزَ في صلاته ثمّ قال لها:
ـ ألَكِ حاجة؟ قالت: نعم.
ـ وما هيَ؟ قالت: قُمْ فأصِبْ منّي؛ فإنّي وَفَدتُ ولا بَعْلَ لي.
ـ إليكِ عنّي لا تحرقيني بالنارِ ونَفْسَكِ!
فجعَلَت تُراوِده عن نفسه وهو يبكي ويقول لها: وَيحَكِ! إليكِ عنّي.
واشتدّ بكاؤه.. فلمّا رأت ذلك بَكت لبكائه. ودَخَل الحسين عليه السلام فرآهُما يبكيان، فجلس يبكي، وجعَلَ أصحابُه يأتون ويجلسون ويبكون، حتّى كثُر البكاء وعَلَتِ الأصوات، فخرجت الأعرابيّة، وقام القومُ وترحّلوا.
ولَبِث الحسين عليه السلام بعد ذلك دهراً لا يسأل أخاه عن ذلك إجلالاً له، فبينما الحسنُ ذاتَ ليلةٍ نائماً إذِ استيقظ وهو يبكي، فسأله الحسين عليه السلام:
ـ ما شأنك؟ قال: رؤيا رأيتُها الليلة.
ـ وما هي؟ قال: لا تُخبِرْ أحداً ما دمتُ حيّاً. قال: نعم.
قال: رأيتُ يوسُفَ فجئتُ أنظر إليه فيمَن نَظَر، فلمّا رأيتُ حُسنَه بَكيت، فنَظَر إليَّ في الناس فقال: ما يبكيك يا أخي بأبي أنت وأُمّي؟ فقلت: ذكرتُ يوسُفَ وامرأةَ العزيز، وما ابُتلِيتَ به مِن أمرها، وما لَقِيتَ من السجن وحرقةِ الشيخ يعقوب، فبكيتُ من ذلك، وكنتُ أتعجّب منه، فقال يوسف: فهلّا تعجّبتَ ممّا فيه المرأةُ البدويّة بالأبواء(١١١).
فرُوحٌ نيّرةٌ مشرقة بحبّ الله ومعرفتِه، كروح الإمام الحسن المجتبى، وقلبٌ طاهرٌ زاكٍ بتقوى الله وخشيتهِ، كقلب الإمام الحسن الزكيّ، وضميرٌ نزيهٌ متعفّف متنسّكٌ بذِكر الله وعبادتِه، كضمير الإمام الحسن السبط.. لا ينتظَر منه إلّا إفاضاتٌ أخلاقيّة شريفة، تجعلنا واثقين متثبّتين، وإلى الاقتداء والتأسّي مَدْعوّين، وإذا تأسّينا به سلام الله عليه أصبحنا مهتدينَ موفّقين.
٣. زُهد الإمام الحسن عليه السلام: قبل التعرّض لهذا الموضوع، يحسُن بنا أن نتعرّف على معنى الزهد، هل هو ترك الدنيا بمعنى التصوّف؟ هل هو إهمال الدنيا إلى حدّ الكسل والخمول؟ هل هو تشاؤم وهروب من المسؤوليّات؟
إنّ الزهد لا يعني أبداً بُغضَ الدنيا كدنيا، كما لا يعني تركها والانزواءَ عن الحياة تماماً، إنّما الزهد حالةٌ قلبيّة وروحيّة ترقى بالمرء عن التعلّق بالدنيا تعلّقاً يبلغ حدّ الذلّة وتهيُّجِ الأطماع واستطالة الآمال المـُلْهية عن حقوق الله وحقوق الناس وحقوق النفس، والمـُلْهية عن تذكر الموت والقيامة والحساب، والمـُحْبِطة للاستعداد لذلك. فالزهد هو قطع العلائق النفسيّة الحادّة بالدنيا، وقطع الوشائج الوهميّة التي تُلصق الإنسان بالتراب، وتسوقه ليلَ نهارَ نحو المادّيّات والشهوات التي لا حدَّ لها ولاضبطَ ولا حساب، فيقع في الغفلة والاستغراق، وتضعف أحاسيسه الإنسانيّة حتّى تكاد تموت، فيعيش مضطرباً قَلِقاً على ما لم يحصل عليه، بل وحريصاً وخائفاً على ما حصل إليه! ومن نتائج هذه الحالات: بروز الحسد والحقد والمنافسات الشرّيرة، وظهور الكراهيات والبغض والعداوة بين أحباب الدنيا وطُلّابها الجَشِعين!
بينما الزهدُ يهذّب النفس، ويطَمْئِنُ القلب، ويرقى بالروح نحو العبادة والقيم العليا، حيث الزاهد مشغولٌ في دواخله بإصلاح حاله، وأداء الواجبات، والتهيُّؤ لما بعد هذه الدنيا من حياةٍ حقيقيّةٍ دائمة، تبدأ بالموت والقبر والبرزخ، وتمضي إلى البعث والنشور، ثمّ الحساب الإلهيّ الحقّ، وبعد ذلك يراد بالعبد نعيمٌ أبديٌّ هانئ غير مُنَغَّصٍ ولا مُكدَّر، أو عذابٌ أبديٌّ لا يموت فيه ولا يحيا!
وقد وقف الإمام موسى الكاظم عليه السلام يوماً على شفير قبر فقال: (إنّ شيئاً هذا آخِرُه، لَحقيقٌ أن يُزهَد في أوّلِه. وإنّ شيئاً هذا أوّلُه، لَحقيقٌ أن يخافَ آخِرُه!)(١١٢).
فالزهد لا يعني أن لا نملكَ شيئاً من الدنيا، بل يعني أن لا يملُكنا شيءٌ من الدنيا بحيث نُصبح فيها أسرى الشهوات والنزوات، وغرقى المشكلات والغفلات، وقد سمع أمير المؤمنين عليٌّ عليه السلام يوماً رجلاً يذمّ الدنيا، فقال له: (أيُّها الذّامُّ للدنيا، المـُغْتَرُّ بِغُرورِها، المَخدوعُ بأباطيلها! أتغترُّ بالدنيا ثمّ تَذمُّها؟! أنت المتجرِّمُ عليها أم هي المـُتجرِّمةَُ عليك؟!... إنّ الدنيا دارُ صِدقٍ لمـَن صَدَقَها، ودارُ عافيةٍ لمـَن فَهِم عنها، ودارُ غِنى لمـَن تَزوّدَ منها، ودارُ موعظةٍ لمـَن اتّعَظَ بها. مسجدُ أحبّاءِ الله، ومُصلّى ملائكةِ الله، ومَهبِطُ وحيِ الله، ومَتْجَرُ أولياءِ الله، اكتسبوا فيها الرحمة، ورَبِحُوا فيها الجنّة..)(١١٣).
وهُوَ هُوَ أمير المؤمنين سلام الله عليه يخاطب الناس على مدى الأزمان والعصور: (أيُّها الناس، إيّاكم وحُبَّ الدنيا؛ فإنّها رأسُ كلِّ خطيئة، وبابُ كلِّ بَليّة، وقِرانُ كلِّ فتنة، وداعي كلِّ رزيّة)(١١٤)، وهُم هُمُ أهل البيت عليهم السلام قد تواتر عنهم قولُهم سلام الله عليهم حاثّين منبِّهين: (اِعمَلْ لِدُنياك كأنّك تعيش أبدا، واعمَلْ لآخرتِك كأنّك تموت غَدا)(١١٥).
فيكون الزهد ـ كما عرّفه الإمام الصادق عليه السلام ـ هكذا: (الزهدُ في الدنيا ليس بإضاعةِ المال، ولا تحريمِ الحلال، بل الزهدُ في الدنيا ألّا تكونَ بِما في يدِك أوثقَ بما في يد الله عزّ وجلّ)(١١٦). حينئدٍ يكون الزاهد متوكلاً على الله، غيرَ طامعٍ في ما عند عباد الله، وغيرَ متكالبٍ على جاهٍ أو رئاسةٍ أو مال، متنزِّهاً عن الظلم والأخذ بغير الحقّ، مترفّعاً عن الحِيل والابتزاز والمزاحمة الوضيعة. ويكون الزاهد بعد هذا أقربَ الناس إلى الله تعالى؛ إذ قلبُه غير متعلّقٍ بما يبعده عن الله، ويؤثمه في عباد الله.. ويكون أقربَ الناس إلى الناس، إذ لم يكن يطمع بما في أيديهم، ولم ينافسهم على دنياهم، ولم يمُدَّ عينَيه إلى ما أنعَمَ اللهُ به عليهم، حيث نَقّى قلبه من الطمع والجشع والشَّرَه والحسد والظلم والحرص، وحلّاه بالرضى بما قسم الله، وحُسن التوكل على الله، والخشية من سخط الله، وبالعفّة والقناعة.
ومن هنا يكون الزهد منسوباً إلى الإيمان والورع والأخلاق الطيّبة المحبوبة عند الناس:
* قال أمير المؤمنين عليه السلام: (إنّ من أعوان الأخلاق على الدِّين: الزهدَ في الدنيا)(١١٧)، وقال: (الزهدُ في الدنيا: قِصَرُ الأمل، وشكرُ كلِّ نعمة، والوَرَعُ عن كلِّ ما حَرّم الله عليك)(١١٨).
* وقد سُئل الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام عن الزهد، فقال: (الزهدُ عشرةُ أشياء، فأعلى درجات الزهد أدنى درجات الورع، وأعلى درجات الورع أدنى درجات اليقين، وأعلى درجات اليقين أدنى درجات الرضى. ألا وإنّ الزهد في آيةٍ من كتاب الله: (لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكم))(١١٩).
ويكفينا بعد ذلك قول أمير المؤمنين عليه السلام في (غرر حِكمه):
ـ (الزهد أصل الدِّين. الزهد أساس اليقين. أصلُ الزهد اليقين)(١٢٠).
فإذا كان الزاهد صاحبَ دِين، وذا يقين، كان ذا أخلاقٍ طيّبةٍ كريمة، وكان محبوباً مقتدى به كالإمام الحسن المجتبى صلوات الله عليه، حيث عُرِف بزهده بين الناس، بل عُرِف في زمانه أنّه أزهدُ الناس، وقد شَهِد لزهده: سخاؤه وعطاؤه، وصبره على ما صبّت عليه الدنيا من بلاء، وتنزّهُه عن أموال المتسلّطين، وشهدت له عفّتُه وعزّته أيضاً، وكذا ترفّعُه عن طلب الرئاسات على حساب مصالح الدِّين ودماء المسلمين.. وكان صادقُ زهده يفيض شرفاً ورفعة في مواقفه، وفي أحاديثه وكلماته. وفيما نُسِب إليه من الشعر قوله:

لَكسرةٌ مِن خَسيسِ الخُبزِ تُشبِعُني * * * وشَربةٌ مِن قَراحِ الماءِ تَكفِيني
وطَرّةٌ مِن رقيقِ الثَّوبِ تَستُرُني * * * حيّاً، وإن مُتُّ تَكفينـي لِـتَـكفِيني(١٢١)

* كذ‌لك رُوي عنه ـ صادقاً مصدَّقاً ـ قولُه:

لَئِن ساءَني دَهرٌ عَزَمتُ تَصَبُّراً * * * وكلُّ بلاءٍ لا يدومُ يسيرُ
وإن سَرَّني لم أبتهجْ بِسُـرورِهِ * * * وكلُّ سُرورٍ لا يدومُ حقيرُ(١٢٢)

وقد تضمّن هذان البيتان آيةً وحكمة: أمّا الآية فقوله تعالى: (لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكم)(١٢٣)، وأمّا الحكمة فقول أمير المؤمنين عليه السلام: (ما خَيرٌ بِخَيرٍ بَعدَه النار، وما شَرٌّ بِشَرٍّ بَعدَه الجنّة. وكلُّ نَعيمٍ دُونَ الجنّةِ فَهُوَ محقور، وكلُّ بلاءٍ دونَ النارِ عافية)(١٢٤).
ومِن هنا كان الإمام يعيش في دواخله الشريفة ارتياحٌ واطمئنان، ويعيش الناس معه في محبّةٍ وأمان، واثقين من إيمانه وأخلاقه الكريمة الحُسنى، فهو ـ بحقّ ـ كما وصفوه ومدحوه وأثنَوا عليه:
* قال الإمام زين العابدين عليه السلام: (إنّ الحسنَ بنَ عليِّ بنِ أبي طالبٍ عليهم السلام، كان: أعبدَ الناس في زمانه، وأزهدَهم، وأفضلَهم..)(١٢٥).
* وكتب عليّ بن عيسى الإربلّيّ: فضائلُ الحسن وفواضلُه، ومكارمُه ونوافلُه، وعبادتُه وزهادتُه، وسيرته التي جَرَت بها عادتُه، وسريرتُه التي عُرِفت بها قاعدته، مِن الأمور التي اشتهرت وظهرت، وكم رام الأعداء سَتْرَها فما استترت. وهل يخفى النهارُ لذي عينَين، ومَن يبلغ شَأْوَ الحسن والحسين؟! وكيف وقد خُصّا بالسيّدَينِ والريحانتين، فمناقبُهما صلّى الله عليهما تُملي وقلمُ القَدَر يكتب بالتصديق، ويسَجِّل لـِمُواليهما بِحُسنِ الاهتداء ومعاونة التوفيق.
ومن كلامه الدالِّ على عبادته ونزاهتِه، والشاهدِ بقوّة تمكنه وعلُوِّ مكانتِه، قولُه في بعض مواعظه: (يا ابنَ آدم، عِفَّ عن محارمِ اللهِ تكن عابداً، وارْضَ بما قَسَم اللهُ سبحانَه تكن غنيّاً، وأحسِنْ جِوارَ مَن جاوروك تكن مسلماً، وصاحِبِ الناسَ بِمِثْلِ ما تُحبّ أن يصاحبوك بمِثلِه تكن عدلاً. إنّه كان بين أيديكم أقوامٌ يجمعون كثيراً، ويبنون مَشِيدا، ويأملون بعيدا، أصبح جمعُهم بُورا، وعملُهم غُرورا، ومساكنُهم قبورا! يا ابنَ آدم، إنّك لم تَزَلْ في هَدْم عُمرِك منذُ سقطتَ مِن بطنِ أُمِّك، فَخُذْ مِمّا في يدَيك لِما بينَ يدَيك، فإنّ المؤمنَ يتزوّد، والكافر يتمتّع). وكان عليه السلام يتلو بعد هذه الموعظة قولَه تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)(١٢٦).
* وكتب حول سيرته ابن الصبّاغ، وهو مالكيّ المذهب، فقال: كان عليه السلام مِن أزهدِ الناس في الدنيا ولذّاتِها، عارفاً بغرورها وآفاتِها، وكثيراً ما كان عليه السلام يتمثّل بهذا البيت شِعراً:

يا أهلَ لذّاتِ دُنياً لا بقاءَ لها * * * إنّ اغتراراً بِظِلٍّ زائلٍ حُمْقُ(١٢٧)

* أمّا الصلّابيّ فقد دوّن خواطره حول زهد الإمام الحسن عليه السلام بما طالعه في الروايات السنّيّة، وبما يتصوّره في الرجال الصالحين، فقال: فَهِم الحسنُ رضي الله عنه ـ من خلال معايشته للقرآن الكريم، وملازمتهِ لوالده أمير المؤمنين عليٍّ رضي الله عنه، ومن خلال تفكره في هذه الدنيا ـ أنّ الدنيا دارُ ابتلاءٍ واختبار، فقد تربّى على كتاب الله، واستوعب الآياتِ التي تحدّثت حول الدنيا فأخبرَتْنا بخسّتها وقلّتها، وانقطاعها وسرعة فَنائها. وكان رضي الله عنه يقرأ كلَّ يومٍ سورة الكهف، ويمّر على قوله تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا * الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً)(١٢٨)...
ونبقى مع الصلّابيّ وهو يتابع حديثه قائلاً: وتربّى الحسنُ بن عليٍّ على منهج جَدّه صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان أعرفَ الخَلق بالدنيا ومقدارِها.. وقد تأثّر الحسن بن عليّ رضي الله عنه بالتربية القرآنيّة ـ النبويّة، فكان مِن أصدقِ النماذج الإسلاميّة في الزهد، فقد ضرب لنا أروع الأمثلة في الزهد، وإليك التفصيل..
ثمّ يبدأ الدكتور الصلّابيّ بذِكر بعض مواقف الإمام الحسن عليه السلام، وهي تدلّ على زهده ونزاهته، فيشير إلى أنّ طلب الشرف بالولاية والسلطان والمال أمرٌ خطيرٌ جداً، وهو يمنع خير الآخرة وشرفها وكرامتها وعزّتها، إذ قال تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)(١٢٩). ثمّ يبيّن الصلّابيّ كيف أنّ الإمام الحسن عليه السلام لم ينازع معاوية الحكم الذي اغتصبه، بل زهد فيه لأنّه ليس مِن حَبّابي الدنيا ولا من المتعلّقين بها، بحيث يطلب الرئاسات ـ حاشاه ـ ولو أُريقت لأجل ذلك دماء المسلمين.
ثمّ يختم عنوان (الزهد) في مبحثه الثاني (أهمّ صفات الإمام الحسن وحياته في المجتمع) قائلاً في تعليقةٍ حول موقف صُلح الإمام: وهذا الفقه العظيم، والفهم العميق، نتعلّمه من سيرة الحسن بن عليٍّ رضي الله عنه، فقد ترك الملك والسلطان رغبةً فيما عند الله وحَقْناً لدماء المسلمين، ترك ذلك وهو في قوّةٍ ومَنَعة، حيث قال: (كانت جماجم العرب بيدي، يسالمون مَن سالمت، ويحاربون مَن حاربت، فتركتُها ابتغاءَ وجه الله)(١٣٠)، وقال ـ كما في روايةٍ أخرى ـ: (ولكن خَشِيتُ أن يجيءَ يومَ القيامة سبعون ألفاً، أو ثمانون ألفاً، أو أكثرُ أو أقلّ، كلُّهم تَنضَحُ أوداجُهم دماً، كلُّهم يستعدي اللهَ فِيمَ هُرِيقَ دمُه!)(١٣١).. لقد زهد في الحكم فلم يرِده.. وقال: (ما أحببتُ أنّ لي مِن أُمّة محمّدٍ مثقالَ حبّةٍ مِن خَرْدَلٍ يهراق فيه محجمةٌ من دم، قد عَلِمتُ ما ينفعُني ممّا يضُرّني، فالْحقُوا بطيّتِكم)(١٣٢).
وإذا كان هنالك مَن هو مثالٌ للأخلاق، وقدوة لمحبّي الأخلاق، وأشبه الناس بالمصطفى سيّدِ الأخلاق، فهو الحسن المجتبى صلَواتُ الله عليه.. هو وأهلُ بيته وآل الله أئمّة الحقّ والهدى صلَواتُ الله عليهم.
٤. حياء الامام الحسن عليه السلام: والحياء موهبة تنمّ عن الطهارة والشعور الشريف المتنزِّه المتحاشي عن القبيح، ولكي يفرَّقَ بينه وبين الضَّعف والانهزام.. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الحياء حياءان: حياءُ عقل، وحياءُ حُمق. فحياءُ العقلِ هو العلم، وحياءُ الحُمقِ هو الجهل)(١٣٣).
قال العلّامة المجلسيّ في بيانٍ له حول هذا الحديث الشريف: يدلّ على انقسام الحياء إلى قسمين: ممدوح، ومذموم. فأمّا الممدوح فهو حياءٌ ناشئ عن العقل، بأن يكون حياؤه وانقباض نفسه عن أمرٍ يحكم العقل الصحيح أو الشرع بقُبحه، كالحياء عن المعاصي أو المكروهات. أمّا المذموم فهو الحياء الناشئ عن الحُمق، بأن يسْتَحْيي عن أمرٍ يستقبحه أهلُ العُرف من العَوامّ وليست له قباحةٌ واقعيّةٌ يحكم بها العقلُ الصحيح، أو الشرع الصريح..(١٣٤).
وفي حديث نبويٍّ شريف آخر، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (الحياءُ على وجهَين: فَمِنه الضَّعف، ومنه قوّةٌ وإسلامٌ وإيمان)(١٣٥).
ومن هنا نفهم أنّ للحياء عَلاقةً بالإيمان، بل علاقته وثيقةٌ ولازمة.. كيف؟
* قال النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: (الحياءُ والإيمان كلُّه في قَرنٍ واحد، فإذا سُلِب أحدُهما اتّبعَه الآخَر)(١٣٦). رواه الشيخ الصدوق ثمّ قال في بيانٍ له: يعني أنّ مَن لم يكفَّه الحياء عن القبيح فيما بينه وبين الناس، فهو لا يكفُّه عن القبيح فيما بينه وبين ربّه عزّ وجلّ، ومَن لم يسْتَحِ من الله عزّ وجلّ وجاهَرَه بالقبيح فلا دِينَ له(١٣٧).
* وكان الكلينيّ قد روى هكذا: عن أحدهما [أي الباقر أو الصادق سلام الله عليهما]: (الحياءُ والإيمانُ مَقرونانِ في قَرن، فإذا ذهب أحدُهما تَبِعه صاحبُه)(١٣٨)، كذلك روى عن الإمام الصادق عليه السلام قولَيه:
ـ (لا إيمانَ لِمـَن لا حياءَ له).
ـ (الحياء مِن الإيمان، والإيمانُ في الجنّة)(١٣٩).
نقل الشيخ المجلسيّ هاتين الروايتين الشريفتين، ثمّ كتب تبييناً جاء فيه: الحياءُ مَلَكةٌ للنفس تُوجِب انقباضَها عن القبيح، وانزجارَها عن خلاف الآداب خوفاً من اللَّوم(١٤٠).
وقد يتأتّى مِثلُ هذا الحياء عن منشأٍ سليم طاهر، ونشأةٍ سليمةٍ طاهرة، ونظافةٍ بيئيّة، ونزاهةٍ سلوكيّةٍ بعيدةٍ عن التلوّث بالموبقات.
* ويكفي في شرف الحياء قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّ اللهَ يحبّ الحَييَّ المتعفِّف، ويبغِض البذيَّ والسائلَ المُلحِف)(١٤١)، وقوله صلوات الله عليه وآله أيضاً: (الحياءُ خيرٌ كلُّه)(١٤٢)، قال الشيخ الصدوق: يعني أنّ الحياء يكفّ ذا الدِّين ومَن لا دِينَ له عن القبيح، فهو جماعُ كلِّ جميل(١٤٣).
وإذا كان لكلّ طبعٍ آثارُه، فإنّ للحياء آثاراً عجيبة، مهمّةٌ هي من جهة وكثيرةٌ هي من جهةٍ أخرى، لنتأمّل في كلام النبيّ المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال: (وأمّا الحياء فيتشعّب منه: اللِّين والرأفة، والمراقبةُ لله في السرّ والعلانية، والسلامةُ واجتناب الشرّ، والبشاشةُ والسماحة، والظَّفَرُ وحُسن الثناء على المرء في الناس. فهذا ما أصاب العاقلُ بالحياء..)(١٤٤).
وإذا كان يسمَح للطباع أن تتجسَّد في أشخاص، فإنّ الحياء تجسّد في رسول الله وآله الكرام عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام.. فقد سبّه اليهود في وقعة الخندق (الأحزاب) وشتموه، ونالوا من ابن عمّه عليٍّ عليه السلام، فأجابَهم صلى الله عليه وآله وسلم مُحِقّاً: (يا عُبّادَ الطاغوتِ اخسَؤُوا أخساكمُ الله!)، فصاحوا يميناً وشمالاً: يا أبا القاسم، ما كنتَ فحّاشاً، فما بدا لك؟!(١٤٥) قال الإمام الصادق عليه السلام: (فسَقَطتِ العَنَزةُ مِن يده(١٤٦)، وسقط رداؤه مِن خلفه، ورجع يمشي إلى ورائه حياءً مِمّا قال لهم صلى الله عليه وآله وسلم)(١٤٧).
* وعن الإمام الصادق عليه السلام قال في حديثٍ له: (وكان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إذا كلِّم اسْتَحْيى وعَرَق، وغَضَّ طَرْفَه عن الناس؛ حياءً حينَ كلّمُوه)(١٤٨).
وأمّا حياء الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، فهو حياء أهل البيت النبويّ عليهم السلام، سجيّةٌ طيّبة، بعيدةٌ كلَّ البعد عن التكلّف والتطبّع والتصنّع، بل الحياء مغروزٌ فيهم ومقرون بالبصيرة ومعرفة الله تعالى، وحبّ الله تعالى، والتوجّهِ إلى مرضاته تعالى. من هنا كان حياؤه عليه السلام ـ أصالةً ـ حياءً من الله تعالى.. والحياء من الله تعالى جاء على لسان الروايات الشريفة ممدوحاً ومُوصى به:
* قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (رَحِمَ اللهُ عبداً استحيى مِن ربِّه حقَّ الحياء، فحَفِظ الرأسَ وما حوى، والبطنَ وما وعى، وذَكر القبرَ والبِلى، وذكرَ أنّ له في الآخرة مَعاداً)(١٤٩).
* وقال يوماً لأصحابه: (اِسْتَحْيوا من الله حقَّ الحياء)، فقالوا: وما نفعل يا رسولَ الله؟ قال: (فإن كنتم فاعلين فلا يبيتَنّ أحدُكم إلّا وأجَلُه بينَ عينَيه، ولْيحفَظِ الرأسَ وما حَوى، والبطنَ وما وعى، ولْيذكرِ القبرَ والبلى، ومَن أراد الآخرة فَلْيدَعْ زينةَ الحياة الدنيا)(١٥٠).
* وقال أحدهم يوماً للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: أَوصِني، فأجابه: (اِسْتَحي مِن الله كما تَسْتَحْيي مِن الرجل الصالح مِن قومك)(١٥١).
أجَل.. فبعضُهم يسْتَحْيي من الناس أكثرَ مِمّا يستَحْيِي من الله عزّ وجلّ، والله تبارك وتعالى أولى بالحياء منه، فهو الخالق الرازق، وهو العالم المـُطّلِع، وهو الحاكم القاضي. ومع ذلك يُنبّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويرشد، ليرتفع إيمان المسلم، فيقول لأحدهم: (اِسْتَحي مِن الله استحياءَك من صالحي جيرانِك؛ فإنّ فيها زيادةَ اليقين)(١٥٢)، ويقول الإمام الكاظم عليه السلام أيضاً لأصحابه: (.. فاستَحْيوا من اللهِ في سرائرِكم، كما تَسْتَحْيون مِن الناس في علانيتِكم)(١٥٣).
نعم.. ذلك أَولى، وقد قال الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام مُوصياً ومعلِّلاً: (خَفِ اللهَ تعالى لقُدرتِه عليك، واسْتَحِي منه لقُربهِ منك)(١٥٤).
وإذا كان في كلّ فضيلة أفضل، فإنّ أمير المؤمنين عليه السلام يقول: (أفضلُ الحياء استحياؤُك مِن الله)(١٥٥). وإذا كان الحياء حالات، ورُتباً ودرجات، فقد جاء في بعض ما نُسِب إلى الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: (والحياءُ خمسة أنواع: حياءُ ذَنْب، وحياء تقصير، وحياء كرامة، وحياء حبّ، وحياء هيبة. ولكلِّ واحدٍ من ذلك أهل، ولأهلِه مرتبةٌ على حِدة)(١٥٦).
والآن ـ أيّها الإخوة الأفاضل ـ لِننظُرْ أيّ حياء ذلك الذي عُرِف به الإمام الحسن المجتبى صلوات الله عليه:
* روى ابن عساكر بسنده عن العبّاس بن الفضل، عن القاسم، عن محمّد بن عليٍّ قال: قال الحسن بن عليّ: (إنّي أسْتَحْيي مِن ربّي عزّ وجلّ أن ألقاه ولم أمشِ إلى بيتِه)(١٥٧).
* وروى أبو نُعَيم الأصفهانيّ بسنده عن القاسم بن عبد الرحمان، عن محمّد بن عليّ (ولعلّه الإمام الباقر عليه السلام) قال: قال الحسن عليه السلام: (إنّي لَأسْتَحْيي مِن ربّي أن ألقاه ولم أمشِ إلى بيته)، فمشى عشرين مرّةً من المدينة على رِجلَيه(١٥٨).
* وأخرج الحاكم النيسابوريّ الشافعيّ عن عبد الله بن عمر قوله: لقد حجّ الحسن خمساً وعشرين حجّةً ماشياً(١٥٩).
فأيُّ حياءٍ هذا أن يشدّ المؤمن بسببه رحاله إلى بيت الله الحرام، كلَّ عام، على مدى ذلك البُعد في قلب الصحراء مشياً على الأقدام! وأيُّ حياءٍ ذاك ولم يكن هنالك تكليف قاطع.. لا بأداء الحجّ، ولا بطريقة الرحلة إليه! لقد علّق على ذلك الدكتور الصلّابيّ فقال:
حَجَّ الحسن بن عليٍّ خمساً وعشرين حجّةً ماشياً، وإنّ النجائب لَتُقاد معه، وهذا مَثَلٌ مِن لزوم ما لا يلزم شرعاً يقوم به الحسن بن عليٍّ رضي الله عنهما، حيث لازَمَ الحجّ ماشياً خمساً وعشرين حجّة، وهذا يدُلّ على فضيلة المشي في الحجّ، كما يؤيّد ذلك ندمُ ابن عبّاس على عدم قيامه بذلك أيّامَ شبابه. ومداومةُ الحسن على ذلك على ما فيه من مشقّة ـ تَدلّ على قوّة إيمانه، وعلى رغبته الصادقة في المزيد من الأعمال الصالحة(١٦٠).
وكذا تدلّ على حيائه من الله تعالى وهو يعي نداءَه موجَّهاً إلى عباده ولا يلبّي بروحه وقلبه وبدنه.. وكان الله جَلّ وعلا قد خاطب حبيبَه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)(١٦١)، ومَن أَولى الرجال من آل الله يأتي ملبّياً بالحجّ، لا على الركبان والأباعر المهزولة، بل على الأرجل حافيةً منقولة.
وكذا كان الله تعالى قد دعا تكليفاً يراه بعضُهم مرّةً واحدة، وبعضُهم مشروطاً بالاستطاعة، فقال عزّ مِن قائل: (وَلِلهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)(١٦٢)، ولكنّ همّة الأولياء تخلق الاستطاعة ولو لأجل المستحبّ والمندوب غير الواجب، فـ(ما ضَعُف بَدَنٌ عمّا قَوِيت عليه الهِمّة) كما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام(١٦٣). وهمّة الإمام الحسن الزكيّ عليه السلام لا تُقاس بهمم الناس، كما لا يقاس أهل البيت بأحدٍ من الناس(١٦٤).
* وأمّا حياء الإمام الحسن المجتبى عليه السلام من أبيه أمير المؤمنين عليه السلام، فهو حياءٌ من الله تعالى أيضاً؛ إذ هو حياءٌ في الله جَلّ وعلا، فأبوه إمام أبو الأئمّة، ووصيّ لسيّد الأنبياء المرسلين، وهو سيّد الأوصياء جميعاً، كما هو سيّد الخلفاء جميعاً، فالحياء منه دالٌّ ـ فضلاً عن الأدب الأرفع ـ على المعرفة بهذا الإمام الهمام، الذي طبّقت خصائصه وفضائله ومناقبه الخافقَين.
وهذه صور من حياء الحسن الزكيّ، مِن أبيه المرتضى الوليّ:
* كتب ابن شهر آشوب المازندرانيّ السَّرَويّ: أبو السعادات في (الفضائل) أنّه أملأَ الشيخ أبو الفتوح في مدرسة الناجية: إنّ الحسن بن عليّ عليهما السلام كان يحضر مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو ابن سبع سنين، فيسمع الوحيَ فيحفَظه، فيأتي أُمَّه فيلقي إليها ما حَفِظه، وكلَّما دخل عليٌّ عليه السلام وَجَد عندها علماً بالتنزيل، فيسألها عن ذلك فتقول: مِن وَلدِك الحسن.
فتخفّى عليه السلام يوماً في الدار، حتّى دخل الحسن عليه السلام وكان قد سمع الوحي، فأراد أن يلقيه إليها فأُرتِج عليه(١٦٥)، فعَجِبت أمُّه من ذلك، فقال: لا تعجبي يا أُمّاه؛ فإنّ كبيراً يسمَعُني، واستماعه قد أوقَفَني. فخرج عليٌّ عليه السلام فقبّله.
وفي روايةٍ أخرى قال الحسن عليه السلام: يا أمّاه قَلَّ بياني، وكلَّ لساني، لَعلَّ سيّداً يرعاني!(١٦٦)
* وبسنده عن الفضل بن دكين، عن معمَّر بن يحيى بن سام قال: سمعتُ جعفراً قال: سمعتُ أبا جعفرٍ قال: قال عليٌّ للحسن: (قُمْ فاخطُبِ الناسَ يا حَسَن)، قال: (إني أهابُك أن أخطبَ وأنا أراك). فتغيّب [أمير المؤمنين عليه السلام] عنه حيث يسمع كلامَه ولا يراه، فقام الحسن فحَمِد الله وأثنى عليه، وتكلّم ثمّ نزل، فقال عليّ: (ذُرِّيَّةً بَعضُها مِن بَعضٍ، واللهُ سَميعٌ عَلِيم)(١٦٧).
* وروى ابن كثير هذا الخبر هكذا: وقد قال عليٌّ له يوماً: (يا بُنيَّ ألا تخطب حتّى أسمعَك)، فقال: (إنّي أستحي أن أخطب وأنا أراك). فذهب عليٌّ فجلس حيث لا يراه الحسن، ثمّ قام الحسن في الناس خطيباً وعليٌّ يسمع، فأدّى خُطبةً بليغةً فصيحة، فلمّا انصرف جعل عليٌّ يقول: (ذُرِّيَّةً بَعضُها مِن بَعضٍ، واللهُ سَميعٌ عَليم)(١٦٨).
ولم نَدْرِ ما كان من خطبة الإمام الحسن عليه السلام يومَها، كما لم نَدْرِ لِمَ لم ينقلها ابن عساكر ولا ابن كثير مِن بعده! ولكنّ المجلسيّ رضوان الله عليه نقلها في (بحاره) عن (تفسير فرات الكوفيّ) مع الخبر على هذا النحو:
* أبو جعفر الحسنيّ والحسن بن حُباش مُعَنْعناً عن جعفر بن محمّد (الصادق) عليهما السلام قال: (قال عليّ بن أبي طالبٍ عليه السلام للحسن: يا بُنَيّ قُمْ فاخطُبْ حتّى أسمعَ كلامَك، قال: يا أبتاه، كيف أخطب وأنا أنظر إلى وجهك.. أستَحْيي منك. قال: فجمع عليّ بن أبي طالبٍ عليه السلام أُمّهاتِ أولاده ثمّ تَوارى عنه حيثُ يسمع كلامه.
فقام الحسن عليه السلام فقال: (الحمدُ لله الواحدِ بغير تشبيه، الدائمِ بغيرِ تكوين، القائمِ بغيرِ كلفة، الخالقِ بغيرِ مَنْصَبة، الموصوفِ بغيرِ غاية، المعروفِ بغيرِ محدوديّة، العزيز، لم يزل قديماً في القِدَم، رُدِعتِ القلوبُ لهيبتِه، وذُهِلَت العقولُ لعزّتِه، وخضَعَت الرقابُ لقُدرتِه، فليس يخطُر على قلبِ بَشَرٍ مبلَغُ جبروتِه، ولا يبلغُ الناسُ كنْهَ جلالِه، ولا يفصحُ الواصفون مِنهم لِكنْهِ عظمتِه، ولا تَبلغُه العلماءُ بألبابِها، ولا أهلُ التفكرِ بتدبيرِ أُمورِها. أعلمُ خَلْقِه به الذي بالحدِّ لا يصِفُه، يدرِك الأبصارَ ولا تُدركه الأبصارُ وهو اللطيفُ الخبير.
أمّا بعد، فإنّ عليّاً باب، مَن دخَلَه كان مؤمناً، ومَن خَرَج منه كان كافراً. أقولُ قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم).
فقام عليُّ بن أبي طالبٍ عليه السلام وقَبَّل عينَيه ثمّ قال: (ذُرِّيَّةً بَعضُها مِن بَعضٍ، واللهُ سميعٌ عليم)(١٦٩).
فكان من الحسن الزكيّ المجتبى: بيان توحيديّ، وتعريف بالإمامة ولائيّ، وقبلَهما كان منه توقيرٌ لأبيه وإمامه وصيِّ رسول الله وخليفته صلّى الله عليهما وآلهما، جاء هذا التوقير عن أدبٍ أسمى من كلّ أدب، ومعرفةٍ أعلى بمقام الإمام ومنزلته.
* وبعد خطبةٍ لأمير المؤمنين عليه السلام تكرّر فيها دعوتُه الناس بقوله: (سَلُوني قبلَ أن تَفقِدوني)، أوردها الشيخ المفيد ثمّ ذكر أنّ الإمام عليه السلام قال لولده الحسن عليه السلام: (يا حسن، قُمْ فاصعدِ المِنبر فتكلّمْ بكلامٍ لا يجهلُك قريشٌ مِن بعدي فيقولون: إنّ الحسنَ لا يحسِن شيئاً!)، قال: (يا أبَه، كيف أصعدُ وأتكلّم وأنت في الناس تسمع وترى؟!)، فقال: (بأبي أنت وأُمّي، أُواري نَفْسي منك وأسمع وأرى ولا تراني).
فصَعِد الحسن عليه السلام المنبر، فحَمِد اللهَ بمحامدَ بليغةٍ شريفة، وصلّى على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم صلاةً موجَزة، ثمّ قال: (أيُّها الناس، سَمِعتُ جدّي رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: أنا مدينةُ العِلم وعليٌّ بابُها، وهل يدخَل المدينة إلّا مِن الباب؟!).
ثمّ نزل عليه السلام، فوثب عليٌّ عليه السلام فتحمّلَه وضمّه إلى صدره..(١٧٠).
* وكان هنالك دعوةٌ أخرى، دعا فيها الإمام عليٌّ ولدَه السبط الزكيَّ عليهما السلام إلى خطبةٍ للغرض نفسه، ولكن في موقفٍ غيره.. نقله العلّامة المجلسيّ طاب ثراه في (بحاره) عن (العُدد القويّة) هكذا:
قيل: طعَنَ أقوامٌ مِن أهل الكوفة في الحسن بن عليّ عليهما السلام فقالوا: إنّه عَيٌّ لا يقوم بحُجّة! فبلغ ذلك أميرَ المؤمنين عليه السلام، فدعا الحسنَ فقال له: (يا ابنَ رسول الله، إنّ أهل الكوفة قد قالوا فيك مَقالةً أكرهُها)، قال: (وما يقولون يا أمير المؤمنين؟)، قال: (يقولون: إنّ الحسنَ بن عليٍّ عَيُّ اللسان لا يقوم بحُجّة، وإنّ هذه الأعواد، فأخبِرِ الناس)، فقال: (يا أمير المؤمنين، لا أستطيع الكلامَ وأنا أنظر إليك)، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: (إنّي متخلِّفٌ عنك، فنادِ أنّ الصلاة جامعة).
فاجتمع المسلمون.. فصَعِد الحسن عليه السلام فخطب خُطبةً بليغةً وجيزة، فضجّ المسلمون بالبكاء، ثمّ قال: (أيُّها الناس، اِعقلوا عن ربّكم، إنّ الله عزّ وجلّ اصطفى آدمَ ونوحاً وآلَ إبراهيمَ وآلَ عِمرانَ على العالمين، ذُريّةً بعضُها مِن بعضٍ واللهُ سميعٌ عليم. فنحن الذرّيّةُ مِن آدم، والأُسرةُ مِن نوح، والصَّفوةُ مِن إبراهيم، والسلالةُ مِن إسماعيل، وآلٌ مِن محمّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم. نحن فيكم كالسماءِ المرفوعة، والأرضِ المَدْحُوّة، والشمسِ الضاحية، وكالشجرةِ الزيتونة، لا شرقيّةٍ ولا غربيّة، التي بُورِك زيتُها، النبيُّ أصلُها، وعليٌّ فرعُها، ونحنُ ـ واللهِ ـ ثمرةُ تلك الشجرة، فَمَن تعلّق بغصنٍ مِن أغصانِها نجا، ومَن تَخلَّف عنها فإلى النارِ هَوى!).
فقام أمير المؤمنين مِن أقصى الناس يسحَب رداءه مِن خلفه، حتّى علا المنبرَ مع الحسن عليه السلام، فقَبَّل بينَ عينَيه ثمّ قال له: (يا ابنَ رسول الله، أثْبَتَّ على القوم حُجّتَك، وأوجبتَ عليهم طاعتَك، فَوَيلٌ لِمَن خالَفَك!)(١٧١).
* وهنالك صورٌ وحالات للحياء الحسَنيّ الشريف، ذكرته الأخبار، ونذكره نحن بدورنا عنها، وهذا منها:
* قال عبد الرحمان بن أبي ليلى: دخَلَ الحسن بن عليٍّ الفرات في بُردةٍ كانت عليه(١٧٢)، فقلت له: لو نَزَعتَ ثوبَك، فقال لي: (يا أبا عبد الرحمان! إنّ للماءِ سُكاناً)(١٧٣)، أي ملائكة.
وذلك من خصال رسول الله وحالاته الطاهرة صلى الله عليه وآله وسلم، وهو القائل مُوصياً أبا ذرّ الغفاريّ رضوان الله عليه: (يا أبا ذَرّ، اِسْتَحي مِن الله؛ فإنّي ـ والذي نَفْسي بيده ـ لَأظَلُّ حينَ أذهب إلى الغائط مُتقنِّعاً بثوبي؛ أستحي مِن المـلَكينِ اللَّذَينِ معي)(١٧٤). وقد رُويَ عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنّه نظر إلى رجلٍ يغتسل بحيثُ يراه الناس، فقال: (أيُّها الناس، إنّ الله يحبّ مِن عباده الحياء والستر، فأيّكمُ اغتسَلَ فَلْيتَوارَ مِن الناس؛ فإنّ الحياء زينةُ الإسلام)(١٧٥).
* وللإمام الحسن المجتبى حياءٌ آخَر، ربّما استغربه بعضهم، وربّما فَهِمه آخرون أنّه درجة من درجات الرقّة والأدب والإيمان.. وعلى أيّة حال، فهذا ابن سعد الواقديّ يأتي بالخبر هكذا مع تعليقةٍ عليه، قائلاً: أخبَرَنا سفيان بن عُيينة، عن عمرو، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ (ولعلّه الإمام الباقر عليه السلام) قال: كان الحسن والحسين لا يرَيانِ أُمّهاتِ المؤمنين. فقال ابن عبّاس: إنّ رؤيتهنّ لهما حلال(١٧٦).
أمّا تعليقة الذهبيّ فهي: الحِلّ مُتيقَّن(١٧٧). وأمّا التعليقة الأهمّ، فقد أدلى بها الدكتور الصلّابيّ حيث قال: وهذا يدُلّ على شدّة حيائهما(١٧٨).
وهناك حياءٌ حَسَنيّ حُسْنيّ، وهو حياؤه سلام الله عليه من الفقراء والمـُعْوَزين والمحرومين وهو يَمدّ إليهم أيدي المعونة والعطاء والمحبّة والتكريم معاً، وقد روى بعضهم للإمام الحسين عليه السلام هذا الخبر، لكنّ آخَرين رَوَوه للإمام الحسن بن عليٍّ عليه السلام قائلين: كان الإمام الحسن عليه السلام واقفاً يصلّي، فخَفَّف من صلاته وخرج إلى أعرابيٍّ كان ينتظره، فرأى عليه أثرَ ضُرٍّ وفاقة، فرجع عليه السلام ونادى: (يا قنبر.. ما تبقّى معك مِن نفقتنا؟)، قال: مِئَتا درهمٍ أمرْتَني بتفريقها في أهل بيتك، فقال: (هاتِها؛ قد جاء مَن هو أحقُّ بها منهم). فأخذها، ثمّ نزع بُردَيه ولفّ الدراهم فيها، وأخرج يده المباركة من شقّ الباب حياءً من الأعرابيّ، وأنشأ عليه السلام يقول له:

خُذْها.. فإنّي إليك معتذرٌ * * * وٱعلَمْ بأنّي عليكَ ذُو شَفَقة
لو كان في سَيرِنا الغَداةَ عصاً * * * أمسَت سَمانا عليكَ مُنْدفِقة
لكنّ رَيبَ الزمانِ ذُو غِيرٍ * * * والكفُّ مِنّي قليلةُ النَّفَقة(١٧٩)

بعد هذا الحياء.. ماذا يتوقّع غير المكارم المُثلى والأخلاق الحسنى، والفضائل العليا؟! وأمير المؤمنين عليه السلام كان قد قالها مِن قبل في بليغ حِكمه: (إذا كان في رجلٍ خَلّةٌ رائقة، فانتظِروا أخَواتِها)(١٨٠). وإذا احتَجْنا إلى تعليلٍ لهذه الحكمة أسعَفَنا حفيده الإمام الصادق عليه السلام بقوله: (إنّ خصالَ المكارم، بعضُها مُقيَّدٌ ببعض ...: صِدقُ الحديث، وصدق البأس، وإعطاء السائل، والمكافأة بالصنايع، وأداء الأمانة، وصِلة الرَّحِم، والتودُّد إلى الجار والصاحب، وقِرَى الضيف، ورأسُهنّ الحياء)(١٨١).
٥. هيبة الإمام الحسن عليه السلام: إنّ الله تبارك وتعالى أضفى من نوره على أوليائه من النبيّين والمرسلين، والأوصياء والأئمّة الميامين صلوات الله عليهم أجمعين، فقد خلَقَهم على عينه، واستخلصهم لنفسه ودِينه، واختارهم سفراءَ إلى عباده، وقد عبّر عن هذه المعاني إمامنا المهديّ عليه السلام في دعائه المبارك المعروف بالندبة، قائلاً: (اَللّهمَّ لكَ الحمدُ على ما جَرى به قَضاؤُكَ في أوليائِك، الذين استخلَصْتَهم لنفسِكَ ودِينِك، إذِ اختَرتَ لَهُم جَزيلَ ما عندَكَ مِنَ النعيمِ المـُقيمِ الذي لا زَوالَ لَه ولَا اضْمِحلال، بعدَ أن شَرَطتَ عَلَيهمُ الزُّهدَ في درجاتِ هذهِ الدُّنيا الدَّنيّةِ وزُخْرُفِها وزِبْرِجِها، فَشَرَطوا لكَ ذلك، وعَلِمتَ مِنهمُ الوفاءَ به، فَقَبِلتَهم وقَرّبتَهم، وقَدَّمتَ لَهمُ الذِّكرَ العَلِيّ، والثَّناءَ الْجَليّ، وأهبَطْتَ عَلَيهِم ملائكتَك، وكرَّمْتَهم بِوَحيك، ورَفَدْتَهم بِعِلمِك، وجَعلْتَهمُ الذَّريعةَ (الذَّرائعَ: خ ل) إليك، والوسيلةَ إلى رِضوانِك..)(١٨٢).
فكانت عليهم صلوات الله عليهم مهابةٌ مُجلِّلة، وسيماء نورانيّ شعر به الناس، فبعضهم أحبّوهم وأُعجِبوا بهم، وبدا منهم إجلال واحترام وتوقير، وبعضُهم أعجِبُوا بهم وإن لم يؤمنوا بما جاؤوا به مِن عند الله تبارك وتعالى، وأمّا الخواصّ فهابوهم لمعرفتهم بشؤونهم ومنازلهم ومقاماتهم..
* رُوي أنّ الصدّيقة الكبرى فاطمةَ الزهراء عليها السلام قالت: (ما استطعتُ أن أكلِّمَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مِن هيبته!)(١٨٣)، قالت ذلك بعد أن كانت سلام الله عليها مُقبِلةً عليه في حاجة، وهي ابنتُه، بل هي بَضعتُه، وروحُه التي بين جَنبَيه.
* كما رُوي أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال: (دخلتُ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت له جلالةٌ وهيبة، فلمّا قعدتُ بين يدَيه أُفحِمتُ، فَوَاللهِ ما استطعتُ أن أتكلّم!)، هذا وعليٌّ أخوه وصِنْوه، وحبيبه، وأعزّ الناس عليه، وعليٌّ ذلك البطل الهمام، لكنّه انقطع عن الكلام وقد استشعر مهابةَ المصطفى وجلالَه وهيبته. حتّى إذا رآه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وهذه حاله، سأله: (ما جاء بك، ألكَ حاجة؟)، قال الإمام عليّ: (فَسَكتُّ..)(١٨٤).
* كذلك رُوي أنّ أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يهابونه أن يسألوه(١٨٥)، وكم أحجموا عن إخباره بأمور، أو عن سؤاله عن أمور، فكان من رحمته وخلُقه الكريم أن يسألهم ويستدرّ الكلام منهم.
وهذه الهيبة النبويّة الشريفة كانت نِحْلةً مباركة وهَبَها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لسبطه وريحانته الحسن المجتبى عليه السلام، كما تواتر ذلك في مصادر المسلمين:
أما من مصادر علماء أهل السنّة..
* فقد ذكر ابن عساكر في تاريخه، مسنداً خبره إلى إبراهيم بن عليّ الرافعيّ، عن أبيه عن جَدّته زينب بنت أبي رافع أنّها قالت: رأيتُ فاطمةَ بنتَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أَتَت بابنَيها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شكواه الذي تُوفّيَ فيه، فقالت: (يا رسول الله، هذانِ ابناكَ فَوَرِّثْهما)، فقال: (أمّا حَسَن.. فإنّ له هَيبتي وسُؤدَدي، وأمّا حسين.. فإنّ له جُرأتي وجُودي)(١٨٦).
* رواه أيضاً: ابن الأثير في (أُسد الغابة ٥: ٤٦٧)، وذكره ابن حجر العسقلانيّ الشافعيّ في (الإصابة ٨: ٩٥)، والمحبّ الطبريّ الشافعيّ في (ذخائر العقبى: ١٢٩)، والزرنديّ الحنفيّ في (نَظْم درر السمطين: ٢١٢)، والخوارزميّ الحنفيّ في (مقتل الحسين عليه السلام ١: ١٠٥)، والگنجيّ الشافعيّ في (كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب: ٤٢٤)، وغيرهم باختلافٍ يسير، وأخرجه ابن الضحّاك وابن مَنْدة والطبرانيّ.
* أمّا المتّقي الهنديّ فقد جاء بالخبر على هذه الصيغة: إنّ فاطمة أتت بابنَيها فقالت: (يا رسول الله، اِنْحَلْهُما)، فقال: (نعم، أمّا الحسنُ فقد نَحَلتُه حِلمي وهيبتي، وأمّا الحسين فقد نحلتُه نَجْدتي وجُودي)(١٨٧). وجاء برواية أخرى أسندها إلى جابر بن سَمُرة عن أمّ أيمن أنّها قالت: جاءت فاطمةُ بالحسن والحسين إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: (يا نبيَّ الله، اِنْحَلْهُما)، فقال: (نَحَلتُ هذا الكبيرَ المهابةَ والحِلم، ونحلتُ هذا الصغيرَ المحبّةَ والرِّضى)(١٨٨)، قال الهنديّ: أخرجه [أبو هلال] العسكريّ في (الأمثال).
وأمّا من طُرق علماء الشيعة..
* فقد روى الشيخ أبو العبّاس عبد الله بن جعفر الحِمْيريّ (من أعلام القرن الثالث الهجريّ)، قال: عن جعفر عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أمّا الحسنُ فأنحلُه الهيبةَ والحِلم، وأمّا الحسينُ فأنحله الجُودَ والرحمة)(١٨٩).
* فيما ذكر الشيخ الصدوق ثلاث روايات في ذلك، هكذا جاء فيها قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم:
ـ (أمّا الحسن، فإنّ له هيبتي وسُؤددي، وأمّا الحسين، فإنّ له جُرأتي وجُودي).
ـ (أمّا الحسنُ فنحَلتُه هيبتي وسُؤددي، وأمّا الحسينُ فنحلتُه سخائي وشَجاعتي).
ـ (أمّا الحسنُ فأنحلُه الهيبةَ والحِلم، وأمّا الحسينُ فأنحلُه الجودَ والرحمة)(١٩٠).
وروى قريباً من ذلك أو مِثلَه: الطبرسيّ في (إعلام الورى ١: ٤١٢)، وابن شهر آشوب في (مناقب آل أبي طالب ٣: ٣٩٦)، والطبريّ الإماميّ في (دلائل الإمامة: ٧)، وغيرهم.
فهذه الهيبة الموهوبة من الله تبارك وتعالى تَوريثٌ نبويٌّ مقدّسٌ شريف، شوهِدت في شخص الإمام الحسن وشمائله، حتّى قيل بأنّه سلام الله عليه كان يشبه رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحتّى تَهيّبه أبو هريرة يوم رفع عينَيه إليه ففَزِع، قال يوماً: دخَلَ الحسنُ بن عليّ ـ يوماً ـ وهو مُعْتَمّ (أي بعمامة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم)، فظننتُ أنّ رسول الله قد بُعِث! وحتّى قال واصلُ بن عطاء واصفاً مُحسِناً في وصفِه: كان الحسن بن عليٍّ عليه سِيماءُ الأنبياء وبهاءُ الملوك(١٩١).
* وحتّى أنّ عبد الله بن الزبير، الذي عُرِف ببغضه لآل البيت النبويّ، هابه هيبةً عظيمة، كما روى ابن عساكر الدمشقيّ، مُسنِداً خبر ذلك إلى عبد الله بن عروة، حيث قال: رأيتُ عبدَ الله بن الزبير قَعَد إلى الحسن بن عليٍّ في غَداةٍ من الشتاء باردة، فَوَاللهِ ما قام حتّى تَفَسّخَ جبينُه عَرَقاً! قال: فغاظني ذلك، فقمتُ إليه فقلت: يا عمّ! قال: ما تشاء؟! قلت: رأيتُك قعدتَ إلى الحسن بن عليٍّ فما قُمتَ مِن عنده حتّى تفسّخَ جبينُك عَرَقاً!! قال: يا ابنَ أخي، إنّه ابن فاطمة، لا واللهِ ما قامت النساءُ عن مِثلِه!!(١٩٢)
* وحتّى أنّ العامّة لم تستطع أن تتجاوز محلَّ حضوره وجلوسه، هكذا ذكر الشيخ ابن شهر آشوب المازندرانيّ قائلاً: محمّد بن إسحاق في كتابه قال: ما بلَغَ أحدٌ من الشرف بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما بلَغَ الحسنُ عليه السلام.. كان يبسَط له على باب داره، فإذا خرج وجلس انقطع الطريق، فما يمرّ أحدٌ مِن خَلْق الله إجلالاً له، فإذا عَلِم عليه السلام قام ودخل بيته، فمرّ الناس(١٩٣).
* وينقل هذا الخبرَ أيضاً عن ابن إسحاق صاحب (السيرة النبويّة): الشيخ أبو عليّ الفضل بن الحسن الطبرسيّ (من أعلام القرن السادس الهجريّ)، فيأتي بتتمّته، أنّ محمّد بن إسحاق أضاف قائلاً: ولقد رأيتُه في طريق مكة نزل عن راحلته فمشى، فما مِن خَلْق الله أحدٌ إلّا نزَلَ ومشى، حتّى رأيتُ سعدَ بنَ أبي وقّاصٍ قد نزل ومشى إلى جَنْبِه(١٩٤).
* ومن طريقٍ آخر وطريقةٍ أخرى رُوي هذا الخبر.. عن إبراهيم الرافعيّ، عن أبيه عن جدّه قال: رأيتُ الحسن والحسين يمشيانِ إلى الحجّ، فلم يمُرّا برجلٍ راكبٍ إلّا ونزل يمشي، فثَقُل ذلك على بعضهم، فقالوا لسعد بن أبي وقّاص: قد ثَقُل علينا المشي، ولا نستحسن أن نركب وهذانِ السيّدانِ يمشيان! فقال سعد للحسن: يا أبا محمّد، إنّ المشيَ قد ثقل على جماعةٍ مِمّن معك، والناس إذا رأَوكما تمشيانِ لم تَطِبْ أنفسُهم أن يركبوا، فلو ركبتُما. فقال الحسن عليه السلام: (لا نركب، قد جعَلْنا على أنفُسِنا المشيَ إلى بيت الله الحرام على أقدامنا، ولكنّنا نتنكب عن الطريق)، فأخذا جانباً من الناس(١٩٥).
وقد يتساءل أحدنا: ماذا تعني هذه المهابة التي هيمنت على نفوس الناس وقلوبهم تجاه الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، وتجاه أهل البيت جميعاً عليهم السلام؟ وكيف تأتّت لهم وهم لم يرهبوا الناس بسلطانٍ دنيويّ، ولم يرعبوهم بِسَوطٍ سُلطويّ، بل كانوا أهلَ رأفةٍ وعطفٍ ورحمةٍ وتواضع، فكيف كانت لهم تلك الهيبةُ مقرونةً بالمودّة والإعجاب؟
أجل.. كيف كان لهم كلُّ ذلك يا تُرى؟ إنّها العزّة الإلهيّة التي يهبُها الله تعالى لأوليائه.. تلك العزّة التي حسدهم عليها كثيرٌ من الناس فأصبح بها أئمّة البيت النبويّ محسودين، ثمّ كانوا بعد ذلك بسبب ذلك مسجونين مشرّدين مقتّلين..
* عن أبي الصبّاح قال: سألتُ أبا عبد الله (الصادق) عليه السلام عن قول الله عزّ وجلّ: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ)، فقال: (يا أبا الصبّاح، نحنُ ـ واللهِ ـ الناسُ المحسودون)(١٩٦).
* وفي حديث للإمام الباقر عليه السلام، جاء فيه قوله في ظلّ الآية المباركة: (نحنُ الناسُ المحسودونَ على ما آتانا اللهُ مِن الإمامة دونَ خَلقِ الله أجمعين)(١٩٧).
ومن هنا بدأت المصائب تترى وتتوالى على آل الله، يدفَعون عن مقاماتهم، ويزالون عن مراتبِهمُ التي رتّبهمُ اللهُ فيها، ويقتَّلون، بعد أن أصبحوا يشرّدون ويحجَرون، ويقصَون عن أوطانهم ويؤسَرون!! وذلكم وصف الإمام المهديّ المنتظر عجّل الله تعالى فرَجَه الشريف يصف حال آبائه وأجداده وأهل بيته صلوات الله عليهم، قائلاً في ندبته الحزينة الكئيبة:
(وكان [أي أمير المؤمنين عليٌّ عليه السلام] بَعدَه [أي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم] هُدى مِنَ الضَّلالِ ونُوراً مِنَ العَمى، وحبلَ اللهِ المتين، وصِراطَه المستقيم، لا يسبَقُ بِقَرابةٍ في رَحِم، ولا بسابقةٍ في دِين، ولا يلحَقُ في مَنقَبةٍ مِن مناقبِه، يحْذُو حَذْوَ الرسولِ صلّى الله عليهما وآلهما، ويقاتِلُ علَى التأويل، ولا تَأخذُه في اللهِ لَومةُ لائم، قد وَتَرَ فيهِ صناديدَ العرب، وقتَلَ أبطالَهم، وناوَشَ (وناهَشَ: خ ل) ذُؤبانَهم، فأودَعَ قُلوبَهم أحقاداً بَدْريّةً وخَيبريّةً وحُنَينيّةً وغيرَهُنّ، فأَضَبَّتْ على عَداوتِه، وأكبَّتْ على مُنابذتِه، حتّى قتَلَ الناكثينَ والقاسطينَ والمارقين، ولَمّا قضى نَحْبَه وقتَلَه أشقَى الآخِرين يتْبَعُ أشقَى الأوّلين، لَم يمتثَلْ أمرُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الهادِينَ بعدَ الهادين، والأُمّةُ مُصِرّةٌ على مَقْتِه، مُجتمِعةٌ على إقصاءِ وُلْدِه، إلَّا القليلَ مِمَّن وفى لرعايةِ الحقِّ فيهِم، فقُتِلَ مَن قُتِل، وسُبِيَ مَن سُبِي، وأُقصِيَ مَن أُقصِي، وجَرَى القضاءُ لَهُم بِما يرجى لَهُ حُسنُ المَثوبة..)(١٩٨).
تلك مشيئة الله تبارك وتعالى في امتحان هذه الأمّة في نبيّهم، واختبارهم في أهل بيته صلّى الله عليه وعليهم، وقد سبق القول من الله جلّ وعلا مخاطباً نبيَّه ورسولَه الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: (قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْـمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)(١٩٩)، ثمّ خيّر سبحانه وتعالى الناس، ورخّص لهم في فتنةٍ كبرى فضَحَت كلَّ الادّعاءات، حيث قال عزّ مِن قائل: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)(٢٠٠).. وها نحن نقرأ حين نزور بالزيارة الجامعة لأئمّة المؤمنين، فنقول:
(ورَخَّصَت [أي طغمةُ الحاسدين الغاصبين] لأهلِ الشُّبهةِ في قتلِ أهلِ بيتِ الصَّفْوة، وإبادةِ نَسْلِه [أي نسل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم]، وٱستيصالِ شأفتِه، وسَبْيِ حَرَمِه، وقتلِ أنصارِه، وكسرِ مِنبرِه، وقلبِ مَفْخَرِه، وإخفاءِ دِينِه، وقطعِ ذِكرِه). ثمّ نتوجّه بالخطاب إلى آل الله المحسودينَ المظلومين، قائلين:
(يا مَواليّ، فَلَو عاينَكمُ المصطفى وسِهامُ الأُمّةِ مُغْرَقةٌ في أكبادِكم، ورِماحُهُم مُشْرَعةٌ في نُحورِكم، وسُيوفُها مُولَغَةٌ (مُولَعَةٌ: خ ل) في دِمائِكم! يشْفي أبناءُ العواهرِ غَليلَ الفِسقِ مِن وَرَعِكم، وغَيظَ الكفرِ مِن إيمانِكم، وأنتم بينَ: صَريعٍ في المحرابِ قد فَلَق السيفُ هامتَه [المقصود به أمير المؤمنين عليه السلام]، وشهيدٍ فَوقَ الجَنازةِ قد شُكت أكفانُه بالسِّهام [المقصود به الإمام الحسن المجتبى عليه السلام]، وقتيلٍ بالعَراءِ قد رُفع فوقَ القَناةِ رأسُه [ذلكم سيّد الشهداء الحسين عليه السلام]، ومُكبَّلٍ في السِّجْنِ قد رُضَّتْ بالحديدِ أعضاؤه [هو الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام، أكثرُ مَن غيّبته مطامير السجون عن أهله ووطنه وأصحابه]، ومسمومٍ قد قُطِّعَت بِجُرَعِ السَّمِّ أمعاؤُه [هي تلك حال الأئمّة الهداة بعد الحسين عليه السلام، وقبلهم الإمام الحسن الزكيّ عليه السلام](٢٠١)، وشَملُكم عَباديد، تُفنيهِمُ العبيد.
فَهَلِ المِحَنُ ـ يا سادتي ـ إلَّا التي لَزِمَتْكم، والمصائبُ إلَّا التي عَمَّتْكم، والفجائعُ إلَّا التي خَصَّتْكم، والقَوارعُ إلَّا التي طَرَقَتْكم؟! صَلواتُ اللهِ عليكم، وعلى أرواحِكم وأجسادِكم، ورحمةُ اللهِ وبركاتُه)(٢٠٢).
كلُّ ذلك أجْرَوه عليهم أعداؤُهم اعتراضاً منهم على الله تعالى لأنّه تعالى وهَبَهم الشرفَ الأعلى والكرامةَ الأسمى، فحسدوهم وقد رأوهُم في جلالٍ ومهابة، فكان الإمام الحسن عليه السلام إذا ظهر بين الناس ظهر منهم ما لم يظهر لأحدٍ غيره من الطواغيت والسلاطين المتجبّرين، حتّى اعترضه يوماً أحد الواهمين الجاهلين، أو المغرضين الحاقدين الحاسدين، فقال له: إنّ فيك عظمة! فأجابه الحسن المجتبى: (بل فِيَّ عِزّة)، ثمّ تلا عليه قول الله تبارك وتعالى: (وَلِلهِ العِزّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلمُؤمنين)(٢٠٣). أجل، (ولٰكنَّ المـُنافقينَ لا يعلَمُون) هذه بقيّة الآية، بل هم يجهلون أنّ هيبة الأولياء هِبةٌ إلهيّةٌ خاصّة، فالله جلّ وعلا لا يضفي لباس المهابة والوقار الأكمل إلّا على أوليائه، وأولياؤه هم أهلُ السماحة والخُلق الرفيع الأرفع، وهُم أحبُّ الناس إلى الناس، بإيمانهم وتقواهم وصالح أعمالهم، وقد قال الله عزّ وجلّ في مُحكم تنزيله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا)(٢٠٤)، وقد تظافرت عشراتُ المصادر مُجْمِعةً على أنّ الآية نزلت في الإمام عليٍّ عليه السلام ـ كما في رواية ابن عبّاس ـ(٢٠٥). وتلك رتبةٌ من الله تعالى أخرى، و(كلُّ ذي رُتبةٍ سَنيّةٍ محسود) ـ كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام في غرر حِكمه ودُرر كلِمه(٢٠٦)، وكيف يطيق أعداؤه وهم يرَونه ويرَون أبناءَه على تلك المهابة بين الناس، وتلك الفضائل والكرامات يتناقلها الناس؟!
* وقد عقد الشيخ المجلسيّ فصلاً كاملاً في (بحاره) تحت عنوان: مهابة الإمام عليٍّ عليه السلام وشجاعته..(٢٠٧) ويكفينا قولُ عَدِيّ بن حاتِمِ الطائيّ وهو يصفه لمعاوية في بيانٍ مفصَّل بليغ، جاء فيه: (كان فينا كأحدِنا، يجيبُنا إذا سألناه، ويدْنينا إذا أَتَيناه، ونحنُ ـ مع تقريبهِ لنا وقُربهِ منّا ـ لا نُكلِّمُه لِهَيبتِه، ولا نَرفعُ أعينَنا إليه لعظمتِه!)(٢٠٨)، والحسن الزكيّ، من ذلك الإمام الوليّ.
* كما يكفينا قول الفرزدق في وصفه الإمامَ السجّاد عليَّ بن الحسين عليه السلام لهشام ابن الحَكم وقد أنكره، فقال له:

يا سائلي أين حَلَّ الجُودُ والكرَمُ * * * عندي بيانٌ إذا طُلّابُه قَدِمُوا
هذا الذي تَعرِفُ البطحاءُ وَطْأتَهُ * * * والبيتُ يعرِفُه والحِلُّ والحَرَمُ
هذا ابنُ خيرِ عبادِ اللهِ كلِّهِمُ * * * هذا التقيُّ النقيُّ الطاهرُ العَلَمُ
هذا عليٌّ، رسولُ اللهِ والدُهُ * * * أمسَتْ بِنُورِ هُداهُ تهتدي الأُمَمُ
هذا ابنُ سيّدةِ النِّسوانِ فاطمةٍ * * * وابنُ الوصيِّ الذي في سيفهِ نِقَمُ
إذا رأتْه قريشٌ قال قائلُها: * * * إلى مكارمِ هذا ينتهي الكرَمُ
يكادُ يمسِكه عِرفانَ راحتِهِ * * * ركنُ الحَطيمِ إذا ما جاء يستَلِمُ
يغضـي حياءً، ويغضى مِن مهابتِهِ * * * فلا يكلَّم إلّا حينَ يبتسمُ(٢٠٩)

وهكذا جميع أئمّة أهل البيت عليهم السلام(٢١٠)، وقد سُئل الإمام الباقر عليه السلام: ما حَدُّ الإمام؟ فقال: (حَدُّه عظيم ... وفيه خَصلة: إذا دخلتُم عليه، لم يقْدِرْ أحدٌ أن يملأَ عينَه منه؛ إجلالاً وهيبة، لأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كذلك كان، وكذلك يكون الإمام..)(٢١١).
٦. فضائل الإمام الحسن عليه السلام: حينما تشيع الفضائل والمَلَكات والمناقب يضُوع عِطرُها، وينتشر شَذاها، ويطغى نورها، فلا يملك الناسُ أحوالَهم ولا ألسنتَهم حتّى يبوحوا بالحقائق الطافحة من أنفسهم وقلوبهم، أو يقرّوا بالخصائص المنيفة، والكرامات الشريفة، والمزايا العجيبة.. تعاطفاً ومودّةً ومحبّة، أو إعجاباً وتَعجُّباً واعترافاً وإذعاناً للواقع، فيطلقون ألقاباً يرَونها الأنسب، أو أوصافاً يجِدونها الأصدق، واصطلاحاتٍ يعتبرونها هي الأَولى والأوفق.
وكانت للأئمّة عليهم السلام ـ ومنهم الإمام الحسن عليه السلام ـ ألقابٌ اشتهرت على ألسنة الناس، في حياتهم وبعد شهادتهم سلام الله عليهم. والحقيقة أنّ تلك الألقاب كانت ألقاباً سماويّة، أجرى الله تبارك وتعالى بعضَها في القرآن الكريم، حتّى حاول استقصاءَها السيّد هاشم البحرانيّ في كتابٍ سمّاه (اللَّوامع النُّورانيّة في أسماء عليٍّ وأهل بيته القرآنيّة)، وأجرى سبحانه بعضَها على لسان النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، فجاءت بها الأحاديث عابقةً حتّى اشتهرت وتَعَنْوَنت، والبعض الآخر أجراها الباري جَلّ وعلا على ألسنة الناس طافحةً عن إعجابهم بآل الله وإجلالهم لهم، وعن مودّتهم ومحبّتهم وولائهم لهم.
والطريف في الأمر، أنّ هذه الألقاب تَداولها المسلمون وتعاطَوها، ونقلوها ودوّنوها في كتبهم، على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم واتّجاهاتهم، وهذا من واضحات كرامات أهل البيت وحُججهم على العباد، إذ ألقابُهم هي أحد دلائل إمامتهم صلوات الله وسلامه عليهم، لأنّ هذه الألقاب كانت لهم دون غيرهم، كثرةً ومعنىً، وكانت من صميم واقعهم خلافَ غيرهم من المدّعين والغاصبين والمنافقين.
والآن ـ أيّها الإخوة الأعزّة ـ لنقرأ ما كتبه أوّلاً بعض علماء أهل السنّة:
* في (تذكرته) كتب سبط ابن الجوزيّ الحنفيّ: كنيةُ الحسن: أبو محمّد، ويلقَّب بـ: القائم، والتقيّ، والطيّب، والسيّد والسِّبط، والوليّ(٢١٢).
* وفي (نور الأبصار) كتب الشبلنجيّ الشافعيّ: كنيته أبو محمّد، وأمّا ألقابه فكثيرة، وهي: التقيّ، والزكيّ، والسيّد، والسبط، والوليّ. وأكثرها شهرةً التقيّ، وأعلاها رتبةً ما لقّبه به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ كما في الحديث الصحيح ـ: (إنّ ٱبني هذا سيّد)(٢١٣).
* وأمّا الشيخ موسى محمّد عليّ أحد شيوخ الأزهر، فقد ألّف كتاباً سمّاه بأحد ألقاب الإمام الحسن عليه السلام، سمّاه (حليم آل البيت.. الإمام الحسن بن عليّ رضي الله عنه وأرضاه)، جاء فيه قوله: كنيته رضي الله تعالى عنه: أبو محمّد، لا غير، كنّاه بها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. وأمّا ألقابه فكثيرة، وهي: التقيّ، والزكيّ، والطيّب، والسيّد، والسبط، والوفيّ، والوليّ، كلّ ذلك يقال له ويطلَق عليه.
وأعلاها رتبةً، وأَولاها به، ما لَقّبه به جدُّه سيّدنا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: السيّد، كما جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاريّ في (صحيحه) عن أبي بكر أنّه قال: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم على المِنبر والحسنُ بن عليٍّ إلى جَنْبه، وهو يقْبِل على الناس مرّةً وعلى الحسن أخرى ويقول: (إنّ ٱبني هذا سيّد..). ويعلّق ابن عبد البَرّ في (الاستيعاب) على هذا بكلامٍ نفيسٍ فيقول: تواترت الآثار الصحاح عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال للحسن بن عليّ: (إنّ ٱبني هذا سيّد)، ولا أَسْوَدَ (أي أكثر سيادةً) مِمّن سَمّاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيّداً(٢١٤).
وأمّا مصادر الشيعة، فهي الأخرى مُجمعةٌ على كثرة ألقاب الإمام الحسن عليه السلام وشرفها، وخصوصيّاتها وخصائصها، ومن هذه المصادر على سبيل المثال:
* كتاب (دلائل الإمامة) للطبريّ الإماميّ، حيث كتب فيه: الحسن، سمّاه الله عزّ وجلّ في التوراة شُبراً، وكناه: أبو محمّد وأبو القاسم، وألقابه: الزكيّ، والسِّبط الأوّل، وسيّد شباب أهل الجنّة، والأمين، والحُجّة، والتقيّ(٢١٥).
* وكتاب (كشف الغمّة في معرفة الأئمّة) للإربلّيّ، جاء فيه: كنيته أبو محمّد، لا غير، وأمّا ألقابه فكثيرة: التقيّ، والطيّب، والزكيّ، والسيّد، والسبط، والوليّ،.. وأكثر هذه الألقاب شُهرةً التقيّ، لكنّ أعلاها رتبةً وأولاها به ما لقّبه به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث وَصَفَه به وخصّه بأن جعَلَه نعتاً له، فإنّه صحّ النقل عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فيما أورده الأئمّة الأثبات، والرواة الثِّقات ـ أنّه قال: (ابني هذا سيّد)، فيكون أولى ألقابه: السيّد. وقال ابن الخشّاب: ألقابه: الوزير، والتقيّ، والقائم، والطيّب، والحجّة، والسيّد، والسبط، والوليّ(٢١٦).
* وكتاب (معالي السِّبطَين في أحوال الحسن والحسين) للشيخ محمّد مهدي الحائريّ، ورد فيه كلامه: ألقابه كثيرة: التقيّ، والطيّب، والمجتبى، والزكيّ، والسيّد، والسبط، والوليّ، والوزير، والقائم، والحجّة. ولكنّ أعلاها رتبةً ما لقّبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو: السيّد؛ لأنّه قال: (إنّ ٱبني هذا سيّد)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (مَن أراد أن ينظرَ إلى سيّد شباب أهل الجنّة، فَلْينظُرْ إلى الحسن بن عليّ)(٢١٧).
* وهنالك كتاب حاوٍ على ستّ رسائل شريفة في النبيّ وآله صلوات الله عليه وعليهم، جمعها المرحوم السيّد شهاب الدين المرعشيّ وسمّاها (مجموعة نفيسة)، وقد اشتملت على: (تاريخ الأئمّة) لابن أبي الثلج البغداديّ ـ ت ٣٢٥ هـ ـ، و(مَسارّ الشيعة) للشيخ المفيد ـ ت ٤١٣ هـ ـ، و(تاج المواليد ـ في مواليد الأئمّة ووفياتهم) للشيخ الطبرسيّ ـ ت ٥٤٨ ﻫ ـ، و(ألقاب الرسول وعترته) لبعض المحدّثين والمؤرّخين من قدمائنا ـ كما على ما في ظهر النسخة المخطوطة ـ، و(المستجاد من كتاب الإرشاد) للعلّامة الحليّ ـ ت ٧٢٦ ﻫ ـ، و(توضيح المقاصد) للشيخ البهائيّ ـ ت ١٠٣٠ ﻫ ـ . وهذه المجموعة الطيّبة ذكرت الكثير من ألقاب الأئمّة الهداة، ومنهم الإمام الحسن عليه السلام. وهي ألقاب ـ بلا شكّ ـ مستفادةٌ من منازلهم ومقاماتهم، ومن فضائلهم وخصائهم ومناقبهم، وكذا هي مستفادةٌ من أخلاقهم الطيّبة وسجاياهم النزيهة، وخصالهم الحميدة، وصفاتهم الزكيّة، ورُوحيّاتهم العليّة، وإفاضاتهم السَّنيّة، ومِن هنا نخاطبهم جميعاً في الزيارة الجامعة الكبيرة فنقول لهم: (كلامُكم نُور، وأمرُكم رُشْد، ووصيّتُكمُ التقوى، وفِعلُكمُ الخير، وعادتُكمُ الإحسان، وسَجيّتُكمُ الكرَم، وشأنُكمُ الحقّ، والصِّدقُ والرِّفْق، وقولُكم حُكمٌ وحَتْم، ورأيكم عِلمٌ وحِلمٌ وحَزْم. إنْ ذُكرَ الخيرُ كنتُم أوّلَه وأصلَه، وفرعَه ومَعْدِنَه، ومَأْواهُ ومُنْتَهاه)(٢١٨).
ورَحِم الله الشاعر الأديب حيث يقول في مدح النبيّ وآله:

لستُ أنسى له مَنازِلَ قُدسٍ * * * قد بَناها التُّقى فأعلى بِناها
ورجالاً أعزّةً في بُيوتٍ * * * أَذِنَ اللهُ أن يعَزَّ حِماها
سادةٌ لا تريدُ إلّا رِضَى اللهِ.. * * * كما لايريدُ إلّا رِضاها
خَصَّها مِن كما لِهِ بالمعاني * * * وبأعلى أسمائِه سَمّاها
لم يكونوا للعرشِ إلّا كنُوزاً * * * خافياتٍ.. سُبحانَ مَن أبداها!
كم لَهُم ألْسُنٌ عنِ اللهِ تُنْبي * * * هيَ أقلامُ حِكمةٍ قد بَراها
وهُمُ الأعينُ الصحيحاتُ تَهدي * * * كلَّ نَفْسٍ مكفوفةٍ عَيناها
علماءٌ، أئمّةٌ، حكماءٌ * * * يهتدي النجمُ باتّباعِ هُداها
قادةٌ .. عِلمُهم ورأيُ حِجاهُم * * * مَسْمَعا كلِّ حكمةٍ مَنظَراها
وَرِثوا مِن محمّدٍ سَبقَ أُولاها * * * وحازوا ما لَم تَحُزْ أُخراها(٢١٩)

كما رَحِم الله قول القائل:

سادةٌ نَسْلُ قادةٍ، علماءٌ * * * إنّما أفضلُ الورى عُلَماها
شرفاءٌ.. إن تَدَّعِ الفضلَ يوماً * * * شرفاءُ الورى فَهُم شُرَفاها
وهُداةٌ.. إن جَنَّ للغيِّ ليلٌ * * * فَبِهِم تُبصِـرُ الأنامُ هُداها
لا تَقِسْ فضلَ غيرِهِم بِعُلاهُم * * * ضَلّ مَن قاسَ بالثُّريّا ثَراها
مَن يضاهِيهِمُ فَخاراً ومَجْداً * * * لا يضاهي شمسَ النهارِ سِواها
مَن ترى مِنهمُ تَراهُ إماماً * * * بارِعَ الفضلِ ناسكاً أَوّاها
يا هُداةً تَقفُو البَرايا هُداهُم * * * في ٱهتداها إن جَنَّ ليلُ عَماها(٢٢٠)



 

 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلانيّ ٨: ٩٧.
(٢) ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من: تاريخ مدينة دمشق: ٣٤ / ح ٦٢، مسند أحمد بن حنبل ٢: ٣٤٢، مجمع الزوائد ٩: ١٧٦، التاريخ الكبير للبخاريّ ٢: ٣٨١، ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من القسم غير المطبوع من كتاب: الطبقات الكبرى لابن سعد، تهذيب وتحقيق: السيّد عبد العزيز الطباطبائيّ: ٣٨ / ح ٣٥.
(٣) ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من: تاريخ مدينة دمشق: ٢٧ / ح ٤٤ ـ ٤٦.
(٤) صحيح البخاريّ ـ كتاب بدء الخلق / باب مناقب الحسن والحسين عليهما السلام. ورواه: الترمذيّ في (صحيحه ٢: ٣٠٧)، والحاكم في (المستدرك ٣: ١٦٨)، وابن حنبل في (المسند ٣: ١٦٤)، وغيرهم.
(٥) الجامع الصغير ٥: ٦٥٨ / ح ٣٧٧٣، بحار الأنوار ٤٣: ٢٩٤ / ذيل خ ٥٤ ـ عن (محاضرات الأدباء) للراغب الأصبهانيّ، وفيه: دخل الحسين بن عليّ..
(٦) ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من: تاريخ مدينة دمشق: ٢٩ / ح ٥١، صحيح البخاريّ ـ كتاب بدء الخلق / باب صفة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، بطر يقين. ورواه: مسلم في (صحيحه ـ كتاب الفضائل، بطريقين)، والترمذيّ في (صحيحه ٢: ١٣٥، بطرقٍ عديدة، وص ٣٠٧)، والحاكم في (المستدرك ٣: ١٦٨) وقال: هذا حديثٌ صحيح على شرط الشيخين، وأحمد في (مسنده ٤: ٣٠٧).
(٧) ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من القسم غير المطبوع من: الطبقات الكبرى: ٣٦ / ح ٣١. وأخرجه النسائيّ في (السنن / خ ٨١٦٢)، والطبرانيّ في (المعجم الكبير ٣: ١٠ / الرقم ٢٥٤٣ ـ ٢٥٤٩)، وغيرهم.
(٨) ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من: تاريخ مدينة دمشق: ٢٣: ٢٥ / ح ٤٠ ـ ٤١، الإصابة ٢: ١١. ورواه: البلاذريّ في (أنساب الأشراف / الرقم ٢٢)، ومصعب الزبيريّ في (نسب قريش: ٢٣)، والمِزّيّ في (تهذيب الكمال ٦: ٢٢٥)، والسيوطيّ في (تاريخ الخلفاء: ٨٩)، وسبط ابن الجوزيّ في (تذكرة خواصّ الأمّة: ١٩٥)، وغيرهم.
(٩) كنز العمّال ٧: ١٠٦، وقال: أخرجه الطبرانيّ (في: المعجم)، وأبو نُعيم (في: الحِلية).
(١٠) الإصابة ٢: ١٥.
(١١) مجمع الزوائد ٩: ١٨٥، وقال: رواه الطبرانيّ، ورجالُه ثِقات.
(١٢) صحيح البخاريّ ـ كتاب بدء الخلق / باب مناقب الحسن والحسين عليهما السلام. ورواه الترمذيّ في (صحيحه ٢: ٣٠٧)، وأحمد في (مسنده ٣: ٢٦١)، والهنديّ في (كنز العمّال ٧: ١١٠) وقال: أخرجه أبو نُعيم في (الحلية). ويراجع: إحقاق الحقّ ١١: ٨٤ ـ ١٠٤.
(١٣) صحيح الترمذيّ ٢: ٣٠٧، مسند أحمد بن حنبل ١: ٩٩ و١٠٨، مسند أبي داود الطيالسيّ ١: ١٩، الاستيعاب ١: ١٣٩، ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبرى: ٣٧ / ح ٣٤، وصحيح ابن حِبّان: ٦٩٧٤، والذرّيّة الطاهرة للدولابيّ / الرقم ٢٠، وغيرها.
(١٤) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ٤: ٢٠ ـ عنه: بحار الأنوار ٤٣: ٢٩٤ / ذيل خ ٥٤، معالي السبطين في أحوال الحسن والحسين عليهما السلام، للشيخ محمّد مهدي الحائريّ ١: ٦.
(١٥) سورة القلم: ٤.
(١٦) الميزان في تفسير القرآن ١٩: ٣٦٩.
(١٧) معالي السبطين: ٥.
(١٨) سورة المائدة: ٦٧.
(١٩) يراجع: التمهيد للقاضي أبي بكر الباقلّانيّ البصريّ، المواقف للقاضي عبد الرحمان الإيجيّ الشافعيّ: ٤٠٥، شرح المقاصد للتفتازانيّ، موسوعة الغدير للعلّامة الشيخ عبد الحسين الأمينيّ ١: ٨، ٢١٥ ـ ٢١٦، روضة الواعظين: ٩١ ـ ١٠١، الاحتجاج: ٥٨ ـ ٦٦، التحصين للسيّد ابن طاووس: ٥٧٨ / الباب ٢٩، المعجم الكبير للطبرانيّ ـ بطريقين ٥: ١٦٦، البرهان في تفسير القرآن للسيّد هاشم البحرانيّ ١: ٤٣٦ / ح ٩، العُدد القويّة لعليّ بن يوسف الحلّيّ: ١٦٩، نهج الإيمان لابن جبر: ٩٢ ـ ١١٢، بحار الأنوار ٣٧: ٢٠٤ ـ ٢١٧ / ح ٨٦ ـ عن: الاحتجاج، نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار للسيّد عليّ الحسينيّ الميلانيّ ٦: ١٧ ـ ٢٨.
(٢٠) سورة المائدة: ٣.
(٢١) ينابيع المودّة ١: ٣٤٧ / ح ٣ ـ الباب ٣٨، عن: فرائد السمطين ١: ٣١٢ / ح ٢٥٠، من مناشدةٍ لأمير المؤمنين عليه السلام حول خلافته في عهد عثمان.
(٢٢) قال الإمام الحسين عليه السلام في طريقه إلى كربلاء، لرجلٍ من أهل الكوفة: (يا أخا أهلِ الكوفة، أمَا واللهِ لو لَقِيتُك بالمدينة لَأرَيتُك أثَرَ جَبرئيل مِن دارنا ونزوله على جَدّي بالوحي. يا أخا أهل الكوفة، مستقى العلم مِن عندِنا، أفَعَلِموا وجَهِلْنا؟! هذا ما لا يكون) (بصائر الدرجات، للصفّار القمّيّ: ١٢ / ح ١ ـ الباب ٧ من الفصل الأوّل).
(٢٣) روى ابن عساكر الدمشقيّ الشافعيّ، وغيره كثير، أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ برواية ابن عبّاس ـ قال: (أيُّها الناس، ألا أُخبِرُكم بخيرِ الناس جَدّاً وجَدّة؟ ألا أُخبركم بخير الناس عمّاً وعمّة؟ ألا أُخبركم بخير الناس خالاً وخالة؟ ألا أُخبِرُكم بخير الناس أباً وأُمّاً؟ هما الحسنُ والحسين، جَدُّهما رسول الله، وجَدّتهما خديجة بنت خُوَيلد، وأمُّهما فاطمة بنت رسول الله، وأبوهما عليّ بن أبي طالب، وعمُّهما جعفر ابن أبي طالب، وعمّتُهما أمّ هانئ بنت أبي طالب، وخالهما القاسم ابن رسول الله...) (ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من: تاريخ مدينة دمشق: ١٢١ / ح ١٩٥).
(٢٤) سورة الأنعام: ٣٨.
(٢٥) سورة المائدة: ٣.
(٢٦) سورة البقرة: ١٢٤.
(٢٧) سورة الأنبياء: ٧٢، ٧٣.
(٢٨) سورة آل عمران: ٦٨.
(٢٩) سورة الروم: ٥٦.
(٣٠) سورة التوبة: ٣٠.
(٣١) سورة العنكبوت: ٣٨.
(٣٢) سورة القصص: ٦٨.
(٣٣) سورة الأحزاب: ٣٦.
(٣٤) سورة القلم: ٣٦ ـ ٤١.
(٣٥) سورة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم: ٢٤.
(٣٦) سورة الأنفال: ٢١ ـ ٢٣.
(٣٧) سورة البقرة: ٩٣.
(٣٨) سورة الجمعة: ٤.
(٣٩) سورة يونس: ٣٥.
(٤٠) سورة البقرة: ٢٦٩.
(٤١) سورة البقرة: ٢٤٧.
(٤٢) سورة النساء: ١١٣.
(٤٣) سورة النساء: ٥٤، ٥٥.
(٤٤) سورة الجمعة: ٤.
(٤٥) سورة البقرة: ١٠١.
(٤٦) سورة القصص: ٥٠.
(٤٧) سورة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم: ٨.
(٤٨) سورة غافر: ٣٥.
(٤٩) الكافي: ١: ٢٢٢ ـ ٢٢٧ / ح ١ ـ باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته، أمالي الصدوق: ٥٣٧ / ح ١ ـ المجلس ٩٧، إكمال الدين: ٦٧٥ / ح ٣١ ـ الباب ٥٨، عيون أخبار الرضا عليه السلام ١: ٢١٦ / ح ١ ـ الباب ٢٠ و١: ٢٢٢ / ح ٢ ـ الباب ٢٠، معاني الأخبار: ٩٦ / ح ٢ ـ الباب ٣٥.
(٥٠) الكافي ١: ٣١٠ / ح ٢ ـ باب أنّ الأئمّة عليهم السلام لم يفعلوا شيئاً إلّا بعهدٍ من الله عزّ وجلّ، أمالي الصدوق: ٣٢٨ / ح ٢ ـ المجلس ٦٣.
(٥١) الكافي ١: ٦٠١ ـ ٦٠٤ / ح ٣ ـ باب ما جاء في الاثني عشر والنصّ عليهم عليهم السلام، إكمال الدين: ٣٠٨ / ح ١ ـ الباب ٢٨، عيون أخبار الرضا عليه السلام ١: ٤٢ / ح ٦ ـ الباب ٦. والآية في سورة البقرة: ١٥٧.
(٥٢) التوحيد للشيخ الصدوق: ١٦٥ / ح ١ ـ الباب ٢٣.
(٥٣) عيون أخبار الرضا عليه السلام للشيخ الصدوق ١: ١٢٦ / ح ٢٠ ـ الباب ١١.
(٥٤) التوحيد: ١٦٦ / ح ٣ ـ الباب ٢٣.
(٥٥) قرب الإسناد للحِمْيريّ: ٣٨ / ح ١٢١ ـ من الأحاديث المتفرّقة.
(٥٦) تحفة الزائر للمجلسيّ: ٣٤٢، مصباح الزائر للسيّد ابن طاووس: ٢٣٠.
(٥٧) إقبال الأعمال للسيّد ابن طاووس: ٢٢٣ ـ ٢٢٤ / أعمال ليلة النصف من شعبان، مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد للشيخ الطوسيّ: ٥٨٥ ـ ٥٨٦، البلد الأمين للكفعميّ: ٢٦٧ ـ ٢٦٨ / عمل ليلة النصف من شعبان.
(٥٨) أي سيرته وطريقته.
(٥٩) أي تظاهر بالموت في كلامه.
(٦٠) الفخّ: آلة الصيد، أو المصيدة.
(٦١) أي يخدع الناس بحركاته الظاهريّة.
(٦٢) أي يعرِض عنه.
(٦٣) هي العمل المنكر.
(٦٤) الاحتجاج: ٣٢٠ ـ ٣٢١، عنه: بحار الأنوار ٧٤: ١٨٤ ـ ١٨٥ / ح ١ـ باب مَن ينبغي مجالسته..، وسائل الشيعة للحرّ العامليّ ٨: ٣١٧ / ح ١٠٧٧٦ ـ طبعة مؤسّسة آل البيت عليهم السلام.
(٦٥) سورة البقرة: ٢٠٠ ـ ٢٠٢. مِن خَلاق: مِن نصيب.
(٦٦) سورة الشورى: ٢٠. والحَرْث: هو الزرع، وهنا يراد به نتيجة الأعمال التي يؤتاها الإنسان في الآخرة، على سبيل الاستعارة، كأنّ الأعمال الصالحة بذور، وما تنتجه في الآخرة حرث (الميزان ١٨: ٤٠).
(٦٧) ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من: تاريخ مدينة دمشق: ١٣٩ / ح ٢٣١.
(٦٨) البداية والنهاية ٨: ٣٧.
(٦٩) الفائق ١: ٥٢٤ ـ ط دار الكتب العربيّة في القاهرة.
(٧٠) حلية الأولياء ٢: ٣٧. وروى عن ابن نُجَيح أنّ الحسن عليه السلام حجّ ماشياً. ورواه الجوينيّ الشافعيّ في (فرائد السمطين٢: ١٢١ / ح ٤٢٢).
(٧١) السنن الكبرى ٤: ٣٣١. والنجائب: خيار الإبل، استغنى عليه السلام عنها ومضى لله تعالى متواضعاً خاشعاً ماشياً على قدميه.
(٧٢) ذخائر العقبى: ٣٧. قال: خرّجه صاحب (الصفوة) والبغويّ في (المعجم) عن عبيد الله بن عبيد، وزاد: ونجائبه تُقاد معه. كما رواه ابن سعد في القسم غير المطبوع من (الطبقات الكبرى: ٦٧ / ح ١٠٧) وفيه: وإنّ النجائب لَتُقاد معه.
(٧٣) المستدرك على الصحيحين ٣: ١٦٩.
(٧٤) عنه: ينابيع المودّة ٢: ٤٢٤ / ح ١٦٧ ـ الباب ٥٩. ورواه ابن حجر المكيّ الشافعيّ في (الصواعق المحرقة: ١٣٩ ـ الباب العاشر من الفصل الثالث تحت عنوان: في بعض مآثره عليه السلام)، والخوارزميّ الحنفيّ في (مقتل الحسين عليه السلام ١: ١٥٤ / ح ٤٢)، وكذا الإربلّيّ في (كشف الغمّة) ـ عنه: (بحار الأنوار ٤٣: ٣٤٧ / ح ٢٠).
(٧٥) تذكرة خواصّ الأمّة: ٢٥٦ ـ الباب الثامن: في ذِكر الحسن عليه السلام. ويراجع مصادر أخرى عشراتٍ وردت في (إحقاق الحقّ ١١: ١٢٣ ـ ١٣١).
(٧٦) بحار الأنوار ٤٣: ٣٥١/ ح ٢٧ ـ عن: الكافي ٤: ٤٥٦ / ح ١ ـ باب الحجّ ماشياً...
(٧٧) الكافي ١: ٥٢٤ / ح ١ ـ باب مولد الحسن بن عليّ صلوات الله عليهما. ورواه المجلـسيّ في (بحار الأنوار ٤٣: ٣٣٢ / ح ٢ ـ عن: أمالي الصدوق: ١٨٤ / ح ٩ ـ المجلس ٣٩).
(٧٨) أمالي الصدوق: ١٥٠ / ح ٨ ـ المجلس ٣٣، عنه: بحار الأنوار ٤٣: ٣٣١ / ح ١.
(٧٩) مناقب آل أبي طالب ٤: ٨ ـ عنه: بحار الأنوار ٤٣: ٣٣٨ / ح ١٣.
(٨٠) ربيع الأبرار ١: ١٥٥ ـ باب الدِّين وما يتعلّق به من.. .
(٨١) تنبيه الغافلين: ١٩٤ـ ط القاهرة.
(٨٢) سِير أعلام النبلاء ٣: ١٧٣ ـ ط مصر.
(٨٣) في رواياتنا لا يجوز التَّسَمّي بأمير المؤمنين، إذ هو اسمٌ سمّى الله تعالى به عليّاً عليه السلام. يراجع: بحار الأنوار ٢٤: ٢١١ / ح ١ـ عن: مناقب آل أبي طالب، وص ٣١٥ / ح ١٩ ـ عن: الكافي، وج ٣٧: ٣٣١ / ح ٧٠ ـ عن: تفسير العيّاشيّ، وج ٥٢: ٣٧٣ / ح ١٦٥ ـ عن: تفسير فرات الكوفيّ.
(٨٤) وَفَيات الأعيان لابن خَلِّكان ٢: ٦٩، تحقيق: إحسان عبّاس.
(٨٥) البداية والنهاية ١١: ١٩٣ ـ ١٩٤، ط دار الريّان سنة ١٤٠٨هـ / ١٩٨٨م.
(٨٦) الطبقات الكبرى ١: ٢٩١، تحقيق: السلميّ. قال ابن سعد: إسناده صحيح.
(٨٧) عيون الأخبار لابن قتيبة ٣: ٢٧ ـ فصل الحسن بن عليّ عليه السلام.
(٨٨) سيرة.. الحسن بن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما: شخصيّته وعصره: ١٩٩ ـ ٢٠٥.
(٨٩) مناقب آل أبي طالب ٣: ١٨١ ـ عنه: بحار الأنوار ٤٣: ٣٤٠ ـ ٣٤١.
(٩٠) بحار الأنوار ٤٣: ٣٤١. لكن في (مطالب السَّؤول لابن طلحة الشافعيّ: ١٧ـ الطبعة الحجريّة و: ٢٣٥ الطبعة الحديثة)، و(كشف الغمّة للإربلّيّ ٢: ١٨٣)، و(الفصول المهمّة لابن الصبّاغ المالكيّ: ١٤١) ورد: وكثيراً ما كان يتمثّل به عليه السلام: يا أهلَ لذّاتِ دُنيا.. . وفي (مناقب آل أبي طالب ٣: ٢٢٥) نُسِب هذا البيت إلى الإمام الحسين عليه السلام.
(٩١) نور الأبصار: ١٢٢، السيرة الحلبيّة ٣: ٣٢٥. وفي (البداية والنهاية ٨: ٢٠٩)، و(مقتل الحسين عليه السلام للخوارزميّ ١: ١٤٧) نُسِبت الأبيات إلى الإمام الحسين عليه السلام. أمّا في (تذكرة خواصّ الأمّة: ١٦٥)، و(أنوار العقول مِن أشعار وصيّ الرسول لقطب الدين البيهقيّ: ٢٩٤) فقد نُسِبت إلى أمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام.
(٩٢) تاريخ مدينة دمشق ١٣: ٢٦٠، البداية والنهاية ٨: ٤١.
(٩٣) ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من: تاريخ مدينة دمشق: ١١٣ / ح ١٨٥.
(٩٤) الكافي ٦: ٤٧٣ / ح ٢ ـ باب نقش الخواتيم.
(٩٥) بحار الأنوار ٤٣: ٢٤٢ / ح ١٣ ـ عن: عيون أخبار الرضا عليه السلام ٢: ٥٦ / ح ٢٠٦ ـ الباب ٣١، وج٤٣: ٢٥٨ / ح ٤٣ ـ عن: الكافي ٦: ٤٧٤ / ح ٨ ـ باب نقش الخواتيم.
(٩٦) دلائل الإمامة: ٦٢ ـ ٦٣.
(٩٧) يندر أن يكون هنالك كتاب حديثيّ، أو مجموعة حديثيّة، يخلوانِ من حديث الثقلين، فمصادره عشرات من كتب علماء السنّة ورواتهم ومحدّثيهم، فضلاً عن كتب الشيعة. يراجع: نفحات الأزهار ج ١ ـ ٣، والمراجعات للسيّد شرف الدين الموسوي: ٢٨ / المراجعة ٨ وص ٣٢٤ ـ ٣٢٩ من الهوامش التحقيقيّة.
(٩٨) الصواعق المحرقة: ١٣٦ ـ ط الميمنيّة و: ٢٢٧ ـ ط المحمّديّة، القاهرة.
(٩٩) المراجعات: ٢٨ / المراجعة ٨.
(١٠٠) مشكاة الأنوار لعليّ بن الحسن الطبرسيّ ١: ٩٥ / ح ١٩٥ ـ الفصل ١٢، تحف العقول عن آل الرسول لابن شعبة الحرّانيّ: ١٥٥.
(١٠١) غرر الحكم ودرر الكلِم للآمديّ: ٣٩.
(١٠٢) غرر الحكم: ١٤. أي بالتقوى يجتَنَب عن المعاصي.
(١٠٣) غرر الحكم: ٢٩.
(١٠٤) غرر الحكم: ٥٨، عيون الحِكم للواسطيّ ٥: ٣٣٣.
(١٠٥) سورة آل عمران: ١٠٢.
(١٠٦) المحاسن للبرقيّ ١: ٣٢٣ / ح ٦٤٨، معاني الأخبار: ٢٤٠ / ح ١، مشكاة الأنوار ١: ٩٥ / ح ١٩٤.
(١٠٧) معاني الأخبار: ٣٩٩ / ح ٥٦ ـ باب نوادر المعاني، عنه: بحار الأنوار ٩٣: ١٥٩ / ح ٢٢.
(١٠٨) مشكاة الأنوار ١: ١١٩ ـ ١٢٠ / ح ٢٦١.
(١٠٩) الخصال للشيخ الصدوق: ١٣١ / ح ١٣٨ـ باب الثلاثة، والآية في سورة الأعراف: ٢٠١.
(١١٠) نهج البلاغة: الخطبة ١٩١. والجُنّة: الواقية، وارحَضُوها: طهِّروها واغسلوها، وتَصَوَّنوا: تَحَفَّظوا.
(١١١) بحار الأنوار ٤٣: ٣٤٠ / ح ١٤ ـ عن: مناقب آل أبي طالب ٤: ١٦ ـ باب إمامة أبي محمّد الحسن بن عليّ عليهما السلام.
(١١٢) تحف العقول: ٣٠١.
(١١٣) نهج البلاغة: الحكمة ١٣١.
(١١٤) تحت العقول: ١٥٣.
(١١٥) يراجع مثلاً: مَن لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق ٣: ١٥٦ / ح ٣٥٦٩ ـ الباب ٥٨.
(١١٦) جامع السعادات للشيخ محمّد مهدي النراقيّ ٢: ٦٧.
(١١٧) مشكاة الأنوار ١: ٢٥٧ / ح ٥٥٨، الكافي ٢: ١٥٧ / ح ٣ ـ باب ذمّ الدنيا والزهد فيها، وفيه: (إنّ مِن أَعوَنِ الأخلاقِ على الدِّين: الزهدَ في الدنيا).
(١١٨) الخصال: ١٤ / ح ٥٠؛ مشكاة الأنوار ١: ٢٥٧ / ح ٥٥٩.
(١١٩) معاني الأخبار: ٢٥٢ / ح ٤، روضة الواعظين: ٤٣٢، مشكاة الأنوار ١: ٢٥٧ / ح ٥٦٠. والآية في سورة الحديد: ٢٣.
(١٢٠) غرر الحكم: ٣٢، ٩١.
(١٢١) مناقب آل أبي طالب ٣: ١٨١ ـ عنه: بحار الأنوار ٤٣: ٣٤١. الكسْرة: القطعة المكسورة من الشيء. الخسيس: القليل، أو غير المرغوب فيه. القَراح: الخالص، غير المخلوط بسُكرٍ مثلاً أو شيءٍ يحلّيه. الطَّرّة: عَلَمان يخاطانِ بجانبَي البُرد على حاشيته، وقيل: هي كفّة الثوب، وهي جانبه الذي لا هُدبَ له.
(١٢٢) مناقب آل أبي طالب ٣: ١٩٧، بحار الأنوار ٤: ٥٧ ـ ٥٨.
(١٢٣) سورة الحديد: ٢٣.
(١٢٤) نهج البلاغة: الحكمة ٣٨٧.
(١٢٥) أمالي الصدوق: ١٥٠ / ح ٨ ـ المجلس ٣٣.
(١٢٦) كشف الغمة في معرفة الأئمّة ١: ٥٥٥، والآية في سورة البقرة: ١٩٧.
(١٢٧) الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة: ١٣٨ ـ ط الغريّ.
(١٢٨) سورة الكهف: ٤٥، ٤٦.
(١٢٩) سورة القصص: ٨٣.
(١٣٠) البداية والنهاية ١١: ٢٠٦.
(١٣١) تاريخ مدينة دمشق ١٤: ١٠٤.
(١٣٢) تاريخ مدينة دمشق ١٤: ٨٩، وطيّة الشيء: جهته وناحيته. سيرة.. الحسن بن عليّ: ٢٠٥ ـ ٢٠٧. وليت الصلّابيّ وقد بيّن شيئاً من زهد الإمام الحسن عليه السلام، كان قد بيّن جشع معاوية في الحكم وطمعه الذي دفعه إلى غصب الخلافة النبويّة من أمير المؤمنين عليه السلام وأولاده الأئمّة الهداة المهديّين عليهم السلام، وقتَلَ مِن أجل ذلك ريحانة رسول الله الحسنَ بن عليّ صلوات الله عليه، ومن قَبلِه وبعدِه قتل: محمّدَ بن أبي بكر، ومالك الأشتر، وعمرَو بن الحَمِق، وحُجْرَ بن عَدِيّ، وعشرات الصحابة والتابعين والقرّاء والمخلصين، وخرج على أمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام ـ بعد غاراته وإغاراته على العراق ـ في صِفّين، وأقام المجازر والفتن، وولّى بعده يزيدَ المـُعلِنَ للفجور والفسوق استخلافاً وراثيّاً، وانتزاعاً إجباريّاً، فسلّطه على رقاب المسلمين، ليقتل ريحانة المصطفى وسيّد شباب أهل الجنّة أبا عبد الله الحسين والخيرةَ من أهله وأصحابه، وليهدمَ الكعبة المعظّمة مُحرِقَها بالمنجنيق، وليستبيح مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قتلاً للرجال وهتكاً لأعراض النساء، ونهباً للأموال ... يراجع كتاب (معاوية الثاني ـ للمؤلّف: ٤٠ ـ ١٦٦).
(١٣٣) الكافي ٢: ١٣٦ / ح ٦ ـ باب الحياء.
(١٣٤) بحار الأنوار ٧١: ٣٣١ ـ ٣٣٢.
(١٣٥) قرب الإسناد: ٤٦ / ح ١٥٠ ـ باب أحاديث متفرّقة.
(١٣٦) معاني الأخبار: ٤١٠ / ح ٩٣ ـ باب نوادر المعاني.
(١٣٧) معاني الأخبار: ٤١٠.
(١٣٨) الكافي ٢: ١٣٥ / ح ٤ ـ باب الحياء.
(١٣٩) الكافي ٢: ١٣٥ / ح ٥، ١.
(١٤٠) بحار الأنوار ٧١: ٣٢٩.
(١٤١) أمالي الطوسيّ: ٧٠ ـ ٧١ / ح ١٢ ـ الباب الثاني.
(١٤٢) معاني الأخبار: ٤٠٩ ـ باب نوادر المعاني.
(١٤٣) معاني الأخبار: ٤٠٩.
(١٤٤) تحف العقول: ٢٠.
(١٤٥) ينظر: الإرشاد للمفيد: ٥٨، السيرة النبويّة لابن هشام ٣: ٢٤٤، الطبقات الكبرى ٢: ٧٤، تاريخ الطبريّ ٢: ٥٨١، الكامل لابن الأثير ٢: ١٨٥.
(١٤٦) العَنَزة: أطول من العصا وأقصر من الرمح، يتوكأ عليها الشيخ الكبير.
(١٤٧) إعلام الورى ١: ١٩٥ ـ ١٩٦ / باب مغازي رسول الله بنفسه.. ورُوي أنّه صلى الله عليه وآله وسلم استحيى ورجع القهقرى قليلاً.
(١٤٨) الكافي ٥: ٥٦٥ / ح ٤١ ـ عنه: بحار الأنوار ٢٢: ٢٢٥ / ح ٦.
(١٤٩) الاختصاص للشيخ المفيد: ٢٢٩.
(١٥٠) أمالي الصدوق: ٤٩٣ / ح ٢ ـ المجلس ٩٠، الخصال: ٢٩٣ / ح ٥٨ ـ باب الخمسة، قرب الإسناد: ٢٣ / ح ٧٩ ـ باب أحاديث متفرّقة.
(١٥١) بحار الأنوار ٧١: ٣٣٦ / ح ٢٠ ـ عن: روضة الواعظين للفتّال النَّيسابوريّ.
(١٥٢) بحار الأنوار ٧٨: ٢٠٠ / ح ٢٨.
(١٥٣) بحار الأنوار ٧٨: ٣٠٩ / ح ١ ـ عن: تحف العقول: ٢٩٠.
(١٥٤) الدرّة الباهرة من الأصداف الطاهرة، للشهيد الأوّل: ٢٦.
(١٥٥) غرر الحكم: ٩١، عيون الحكم ٦: ١٥.
(١٥٦) مصباح الشريعة، المنسوب للإمام الصادق عليه السلام: ١٩٠ ـ عنه: بحار الأنوار ٧١: ٣٣٦ / ح ١٩ ـ باب الحياء من الله ومن الخَلق.
(١٥٧) ترجمة الإمام الحسن بن عليّ عليه السلام من: تاريخ مدينة دمشق: ١٤١ / ح ٢٣٤.
(١٥٨) حلية الأولياء ٢: ٣٧. وفي (الصواعق المحرقة: ١٣٩ / الباب العاشر): فمشى عشرين حجّة.
(١٥٩) عنه: الصواعق المحرقة: ١٣٩ ـ في فضائل الإمام الحسن عليه السلام / الفصل الثالث من الباب العاشر.
(١٦٠) سيرة.. الحسن بن عليّ: ٢٠٤.
(١٦١) سورة الحجّ: ٢٧.
(١٦٢) سورة آل عمران: ٩٧.
(١٦٣) أمالي الصدوق: ٢٧٠ / ح ٦ ـ المجلس ٥٣، من لا يحضره الفقيه ٤: ٤٠٠ / ح ٥٨٥٩ ـ الباب ١٧٥.
(١٦٤) قال أمير المؤمنين عليه السلام: (نحن ـ أهل البيت ـ لا يقاس بنا أحد) (عيون أخبار الرضا عليه السلام ٢: ٦٦ / ح ٢٩٧ ـ الباب ٣١)، ومثله عن الإمام الصادق عليه السلام رواه الصدوق أيضاً في (علل الشرائع: ١٧٧ / ح ٢ ـ الباب ١٤١).
(١٦٥) أي أُطبِق عليه فلم يستطع الكلام.
(١٦٦) مناقب آل أبي طالب ٤: ٨ ـ عنه: بحار الأنوار ٤٣: ٣٣٨ / ح ١١.
(١٦٧) ترجمة الإمام الحسن بن عليّ عليه السلام من: تاريخ مدينة دمشق: ١٤٤ / ح ٢٤٤، ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من القسم غير المطبوع من: الطبقات الكبرى لابن سعد: ٥٧ / ح ٧٤. والآية المباركة في سورة آل عمران: ٣٤.
(١٦٨) البداية والنهاية ٨: ٣٧.
(١٦٩) بحار الأنوار ٤٣: ٣٥٠ ـ ٣٥١ / ح ٢٤ ـ عن: تفسير فرات الكوفيّ: ٧٩ ـ ٨٠ / ح ٥٥ في ظلّ الآية المباركة: ٣٤ من سورة آل عمران.
(١٧٠) الاختصاص: ٢٣٨. وقبله كان الشيخ الصدوق قد روى هذا الخبر في (الأمالي: ٢٨٠ وما بعدها / ح ١ ـ المجلس ٥٥)، وفي (التوحيد: ٣٠٥ وما بعدها / ح ١ ـ الباب ٤٣) ـ عنهما: بحار الأنوار ١٠: ١٢٠ / ح ١.
(١٧١) بحار الأنوار ٤٣: ٣٥٨ / ح ٣٧.
(١٧٢) وهي كساءٌ يلتَحَف به.
(١٧٣) بحار الأنوار ٤٣: ٣٤٠ / ح ١٤ ـ عن: مناقب آل أبي طالب.
(١٧٤) بحار الأنوار ٧٧: ٨٥ / ح ٣ ـ عن: مكارم الأخلاق للحسن بن الفضل الطبرسيّ: ٤٦٥، وفيه: (يا أباذرّ، اِسْتحِ من الله، فإنيّ ـ والذي نفسي بيده ـ لا أزال حينَ أذهب إلى الغائط مُقنَّعاً بثوبي؛ أستحي مِن الملكينِ اللَّذَينِ معي).
(١٧٥) عن كتاب: الأخلاق، لأبي القاسم الكوفيّ ـ عنه: مستدرك الوسائل للميرزا النوريّ ٢: ٨٥ / ح ١٢.
(١٧٦) ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من القسم غير المطبوع من كتاب: الطبقات الكبرى لابن سعد: ٥٩ / ح ٧٩.
(١٧٧) سِير أعلام النبلاء ٣: ٢٦٥.
(١٧٨) سيرة.. الحسن بن عليّ: ٢١٨.
(١٧٩) مناقب آل أبي طالب ٤: ٦٦، تاريخ مدينة دمشق ٤: ٣٢٤ بتفاوت.
(١٨٠) نهج البلاغة: الحكمة ٤٤٥.
(١٨١) أمالي الطوسي: ٤٥٤ / ح ٤٣ ـ الباب الحادي عشر. وصدق البأس: الشجاعة، والصنايع: جمع صنيعة، وهي العطيّة والإكرام والإحسان.
(١٨٢) مصباح الزائر: ٤٤٦ / الزيارة السادسة، المزار الكبير للمشهديّ: ٥٧٤ / ح ٣ ـ الباب ٩، عنه: بحار الأنوار ١٠٢: ١٠٤، إقبال الأعمال للسيّد ابن طاووس: ٥٧٨ـ في ما يدعى في الأعياد الأربعة.
(١٨٣) بحار الأنوار ٤٣: ٨٥ / ح ٥ ـ عن: مناقب آل أبي طالب.
(١٨٤) بحار الأنوار ٤٣: ١٣٦ / ح ٣٣ ـ عن: كشف الغمّة.
(١٨٥) بحار الأنوار ٤٤: ١١٩ / ح ٢٨ ـ عن: كشف الغمّة.
(١٨٦) ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من: تاريخ مدينة دمشق: ١٢٣ / ح ١٩٧.
(١٨٧) كنز العمّال ٦: ٢٢١.
(١٨٨) كنز العمّال ٧: ١١٠.
(١٨٩) قرب الإسناد: ١١٣ / ح ٣٩٠ ـ باب أحاديث متفرّقة.
(١٩٠) الخصال: ٧٧ ـ ٧٨ / ح ١٢٢ ـ ١٢٤، باب الاثنين.
(١٩١) بحار الأنوار ٤٣: ٣٣٨ ـ ٣٣٩ / ح ١٢ ـ عن: مناقب آل أبي طالب.
(١٩٢) ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من: تاريخ مدينة دمشق: ١٣٧ ـ ١٣٨ / ح ٢٢٨.
(١٩٣) مناقب آل أبي طالب ٤: ٧ ـ عنه: بحار الأنوار ٤٣: ٣٣٨ / ح ١١.
(١٩٤) إعلام الورى بأعلام الهدى ١: ٤١٢ ـ ٤١٣.
(١٩٥) الإرشاد: ٢٥٠، مناقب آل أبي طالب ٣: ٣٣٩ ـ عنهما: بحار الأنوار ٤٣: ٢٧٦ / ح ٤٦، ومجمع البحرين في مناقب السبطين: ٢٦٠ / ح ١٩٩.
(١٩٦) الكافي ١: ٢٣١ / ح ٤، والآية المباركة في سورة النساء: ٥٤.
(١٩٧) الكافي ١: ٢٣٠ / ح ١.
(١٩٨) أوردنا مصادر هذه الندبة الشريفة قبل صفحاتٍ قلائل.
(١٩٩) سورة الشورى: ٢٣.
(٢٠٠) سورة العنكبوت: ٢، ٣.
(٢٠١) يراجع كتاب: ما مِنّا إلّا مقتولٌ أو مسموم، للمؤلّف.
(٢٠٢) مصباح الزائر: ٤٦٤ ـ ٤٦٥، المزار الكبير: ٢٩٩ / ح ١٤ ـ زيارة جامعة لسائر الأئمّة عليهم السلام، وبحار الأنوار ١٠٢: ١٦٦ ـ ١٦٧ / ح ٦ ـ الزيارة الخامسة، باب الزيارات الجامعة.
(٢٠٣) بحار الأنوار ٤٣: ٣٣٨ / ح ١٢ ـ عن: مناقب آل أبي طالب، والآية في سورة المنافقون: ٨.
(٢٠٤) سورة مريم: ٩٦.
(٢٠٥) يراجع على سبيل المثال: تفسير النَّيسابوريّ ـ في ظلّ الآية المباركة، والصواعق المحرقة: ١٧٠، وذخائر العقبى: ٨٩، وإسعاف الراغبين: ١٠٩، ورشفة الصادي من بحر فضائل بني النبيّ الهادي لأبي بكر بن شهاب الدين الشافعيّ: ٢٥، ونور الأبصار: ١١٢، والمناقب للخطيب الخوارزميّ الحنفيّ: ٢٧٨ ـ ٢٧٩ / ح ٢٦٨ و٢٦٩.
(٢٠٦) غرر الحِكم: ٢٣٧.
(٢٠٧) بحار الأنوار ٤١: ٥٩ ـ ١٠٢ / الباب ١٠٦.
(٢٠٨) المحاسن والمساوي للبيهقي: ٤٦ ـ ط بيروت.
(٢٠٩) بحار الأنوار ٤٦: ١٢٥ / ح ١٧ ـ عن: مناقب آل أبي طالب ٣: ٣٠٦. وقد روى ذلك ابن شهر آشوب عن: حلية الأولياء ٣: ١٣٩، والأغاني لأبي الفَرَج الأصفهانيّ ١٤: ٧٥ و١٩: ٤٠ ـ ط الساسيّ بمصر، وعن غيرهما، مثل: الاختصاص: ١٩١، وكشف الغمّة ٢: ٢٦٧، والخرائج والجرائح لقطب الدين الراونديّ ١: ٢٦٧ / ح ١٠، وصفة الصفوة لابن الجوزيّ ٢: ٥٤، وغيرها كثير.
(٢١٠) يراجع في تبيّن ذلك بشواهده: سفينة البحار ج ٤: ٨٦٥ ـ ٨٦٧ / باب هَيب.
(٢١١) الخرائج والجرائح٢: ٥٩٦ـ٥٩٧/ح٨ ـ عنه: بحار الأنوار٤٦: ٢٤٤/ح٣٢.
(٢١٢) تذكرة خواصّ الأُمّة: ٢٥٣ ـ باب في ذِكر الحسن عليه السلام.
(٢١٣) نور الأبصار: ٢٤٠ ـ باب صفة الحسن رضي الله عنه.
(٢١٤) حليم آل البيت: ٧٢ ـ ٧٣ / فصل كنيته وألقابه وصفته.
(٢١٥) دلائل الإمامة: ٦٢.
(٢١٦) كشف الغمّة ـ عنه: بحار الأنوار ٤٣: ٢٥٥ / ح ٣٣.
(٢١٧) معالي السبطين: ٨.
(٢١٨) عيون أخبار الرضا عليه السلام ٢: ٢٧٧ / ح ١، والزيارة الشريفة هذه مرويّة عن الإمام عليّ بن محمّد الهادي عليه السلام بسندٍ متين أورده الشيخ الصدوق في باب: زيارة لجميع الأئمّة عليهم السلام.
(٢١٩) تخميس الأُزريّة لناظمها الشيخ كاظم الأُزريّ، المخمِّس الشيخ جابر الكاظميّ: ١٢٥.
(٢٢٠) إحقاق الحقّ ١١: ٣.

المرفقات المرفقات:
التقييم التقييم:
  ٢ / ٥.٠
 

التعليقات

 
COMMENTS_EMPTY

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
التحقق اليدوي: * إعادة التحميل