فهرس المكتبة الحسنية

   

البحث في المكتبة التخصصية

 
 

كتاب مختار:

   

المسار

  الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية الحسنية » كتب أخرى » أعلام الهداية الإمام الحسن المجتبى  

كتب أخرى

 

الكتب أعلام الهداية الإمام الحسن المجتبى

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: المجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام التاريخ التاريخ: ٢٠١٥/٠٤/٣٠ المشاهدات المشاهدات: ٢١٦٧٦ التعليقات التعليقات: ٠

أعلام الهداية
الإمام الحسن المجتبى عليه السلام

تأليف: المجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام

الفهرس

المقدمة
الباب الأول
الفصل الأول: الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) في سطور
الفصل الثاني: انطباعات عن شخصيّة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)
١ ـ مكانة الإمام المجتبى في آيات الذكر الحكيم
٢ ـ مكانته (عليه السلام) لدى خاتم المرسلين (صلى الله عليه وآله)
٣ ـ مكانته (عليه السلام) لدى معاصريه
٤ ـ مكانته (عليه السلام) لدى العلماء والمؤرّخين
الفصل الثالث: من فضائل الإمام المجتبى (عليه السلام) ومظاهر شخصيّته
عبادته (عليه السلام)
حلمه وعفوه
كرمه وجوده
تواضعه وزهده
الباب الثاني
الفصل الأول: نشأة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)
تاريخ ولادته
كيفية ولادته
سنن الولادة
رضاعه
كنيته وألقابه
نقش خاتمه
حليته وشمائله
الفصل الثاني: مراحل حياة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)
الفصل الثالث: الإمام المجتبى (عليه السلام) في ظلّ جده وأبيه (عليهم السلام)
الإمام الحسن (عليه السلام) في عهد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)
يوم المباهلة ومداليله
شهادة الحسنين (عليهما السلام) على كتاب لثقيف
حضور الحسنين (عليهما السلام) بيعة الرضوان
الحسن والحسين إمامان
الإمام الحسن (عليه السلام) في عهد الخلفاء
في عهد أبي بكر وعمر
١ ـ الحسنان (عليهما السلام) وفدك
٢ ـ اعتراضه على أبي بكر
٣ ـ الإمام الحسن (عليه السلام) وأسئلة الأعرابي
٤ ـ الإمام الحسن (عليه السلام) في الشورى
في عهد عثمان
١ ـ الإمام الحسن (عليه السلام) في وداع أبي ذر
٢ ـ هل اشترك الإمام الحسن (عليه السلام) في الفتوح؟
٣ ـ الإمام الحسن (عليه السلام) وحصار عثمان
٤ ـ هل جرح الإمام الحسن (عليه السلام) أثناء دفاعه عن عثمان؟
٥ ـ هل كان الإمام الحسن (عليه السلام) عثمانياً؟
الإمام الحسن (عليه السلام) في عهد الدولة العلوية
١ ـ البيعة لأمير المؤمنين (عليه السلام) بالخلافة
٢ ـ استنجاد الإمام علي (عليه السلام) بالكوفة
٣ ـ إيفاد الإمام الحسن (عليه السلام)
٤ ـ التقاء الفريقين في البصرة وخطاب الإمام الحسن (عليه السلام)
٥ ـ الإمام علىّ (عليه السلام) في الكوفة بعد حرب الجمل
٦ ـ خطاب الإمام الحسن (عليه السلام)
٧ ـ تهيّؤ الإمام علىٍّ (عليه السلام) لجهاد معاوية
٨ ـ في معركة صفّين
٩ ـ إملكوا عنّي هذا الغلام
١٠ ـ الإمام الحسن (عليه السلام) والتحكيم
١١ ـ وصية الإمام أمير المؤمنين إلى ابنه الحسن
١٢ ـ النهروان ومؤامرة قتل أمير المؤمنين (عليه السلام)
١٣ ـ في ليلة استشهاد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)
١٤ ـ الإمام الحسن (عليه السلام) بجوار والده (عليه السلام) الجريح
١٥ ـ آخر وصايا أمير المؤمنين (عليه السلام)
١٦ ـ الإمام علي (عليه السلام) ينصّ على خلافة ابنه الحسن (عليه السلام)
١٧ ـ إلى الرفيق الأعلى
١٨ ـ تجهيزه ودفنه
الباب الثالث
الفصل الأول: عصر الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)
الفصل الثاني: مواقف الإمام (عليه السلام) وإنجازاته
البحث الأول: من البيعة إلى الصلح
١ ـ خطبة الإمام الحسن (عليه السلام) يوم شهادة أبيه (عليه السلام)
٢ ـ بيعة الإمام الحسن (عليه السلام)
٣ ـ الإمام الحسن (عليه السلام) يقتصّ من قاتل أمير المؤمنين (عليه السلام)
٤ ـ جهاد الإمام الحسن (عليه السلام)
٥ ـ تحرك معاوية نحو العراق وموقف الإمام (عليه السلام)
٦ ـ استنكار الموقف المتخاذل
٧ ـ الاتجاهات المتضادة في جيش الإمام (عليه السلام)
٨ ـ طلائع جيش الإمام الحسن (عليه السلام)
٩ ـ خيانة قائد الجيش
١٠ ـ توالي الخيانات في جيش الإمام (عليه السلام)
١١ ـ محاولات اغتيال الإمام (عليه السلام)
١٢ ـ موقف الإمام الحسن (عليه السلام)
البحث الثاني: في الصلح وأسبابه ونتائجه
إتمام الحجّة
القبول بالصلح
بنود معاهدة الصلح
أسباب الصلح كما تُصَورّها النصوص عن الإمام الحسن (عليه السلام)
تحليلان لأسباب الصلح
زبدة المخض
البحث الثالث: ما بعد الصلح حتى الشهادة
الاجتماع في الكوفة
المعارضون للصلح
أ ـ قيس بن سعد بن عبادة
ب ـ حجر بن عدي
ج ـ عدي بن حاتم
د ـ المُسيَّب بن نجبة وسليمان بن صُرد
إلى يثرب
مرجعية الإمام الحسن (عليه السلام) العلمية والدينيّة
مدرسة الإمام ونشاطه العلمي
مرجعيّته الاجتماعية
أ ـ عطفه على الفقراء
ب ـ الاستجارة به
مرجعيّته السياسيّة
رفض الإمام (عليه السلام) مصاهرة الاُمويّين
من مواقف الإمام الحسن (عليه السلام) مع معاوية وبطانته
أ ـ مع معاوية في المدينة
ب ـ في دمشق
البحث الرابع: مصير شروط الصلح وشهادة الإمام الحسن (عليه السلام)
إخلال معاوية بالشروط
تآمر معاوية على الإمام الحسن (عليه السلام)
كيف استشهد الإمام الحسن (عليه السلام)؟
وصاياه الأخيرة
إلى الرفيق الأعلى
تجهيز الإمام وتشييعه
دفن الإمام (عليه السلام) وفتنة عائشة
الفصل الثالث: تراث الإمام المجتبى (عليه السلام)
١ ـ نظرة عامة في تراث الإمام المجتبى (عليه السلام)
٢ ـ في رحاب العلم والعقل
٣ ـ في رحاب القرآن الكريم
٤ ـ في رحاب الحديث النبوي والسيرة الشريفة
٥ ـ في رحاب العقيدة
٦ ـ في رحاب ولاية أهل البيت (عليهم السلام)
٧ ـ البشارة بالإمام المهديّ المنتظر (عليه السلام)
٨ ـ في رحاب الأخلاق والتربية
٩ ـ في رحاب المواعظ الحكيمة
١٠ ـ في رحاب الفقه وأحكام الشريعة
١١ ـ في رحاب أدعية الإمام المجتبى (عليه السلام)
١٢ ـ في رحاب أدب الإمام المجتبى (عليه السلام)
من أدبه (عليه السلام) المنظوم

المقدمة

أهل البيت في القرآن الكريم
(إنّمـا يـريـد الله ليذهـب عـنكـم الرّجس أهـل البيت ويطهّـركـم تطهيـراً). الأحزاب: ٣٣ / ٣٣
أهل البيت في الُسنّة النبويّة
(إنّـي تـارك فيكـم الثقليـن كـتـاب الله وعتـرتـي أهـل بيتـي مـا إن تمسكتـم بهمـا لـن تـضـلّـوا بـعـدي أبـدا). (الصحاح والمسانيد)
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أعطى كلّ شيء خلقه ثم هدى، ثم الصلاة والسلام على من اختارهم هداةً لعباده، لا سيما خاتم الأنبياء وسيّد الرسل والأصفياء أبو القاسم المصطفى محمد (صلى الله عليه وآله) وعلى آله الميامين النجباء.
لقد خلق الله الإنسان وزوّده بعنصري العقل والإرادة، فبالعقل يبصر ويكتشف الحقّ ويميّزه عن الباطل، وبالإرادة يختار ما يراه صالحاً له ومحقّقاً لأغراضه وأهدافه.
وقد جعل الله العقل المميِّز حجةً له على خلقه، وأعانه بما أفاض على العقول من معين هدايته؛ فإنّه هو الذي علّم الإنسان ما لم يعلم، وأرشده إلى طريق كماله اللائق به، وعرّفه الغاية التي خلقه من أجلها، وجاء به إلى هذه الحياة الدنيا من أجل تحقيقها.
وأوضح القرآن الحكيم بنصوصه الصريحة معالم الهداية الربّانية وآفاقها ومستلزماتها وطرقها، كما بيّن لنا عللها وأسبابها من جهة، وأسفر عن ثمارها ونتائجها من جهة اُخرى.
قال تعالى:
(قُلْ إنّ هُدى الله هو الهُدى) (الانعام (٦): ٧١).
(والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) (البقرة (٢): ٢١٣).
(والله يقول الحقّ وهو يهدي السبيل) (الاحزاب (٣٣): ٤).
(ومن يعتصم بالله فقد هُدي إلى صراط مستقيم) (آل عمران (٣): ١٠١).
(قل الله يهدي للحقّ أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتَّبع أمّن لا يهدّي إلاّ أن يُهدى فمالكم كيف تحكمون)(يونس (١٠): ٣٥).
(ويرى الذين اُوتوا العلم الذي اُنزل إليك من ربّك هو الحقّ ويهدي إلى صراط العزيز الحميد) (سبأ (٣٤): ٦).
(ومن أضلّ ممن اتّبع هواه بغير هدىً من الله) (القصص (٢٨): ٥٠).
فالله تعالى هو مصدر الهداية. وهدايته هي الهداية الحقيقية، وهو الذي يأخذ بيد الإنسان إلى الصراط المستقيم وإلى الحقّ القويم.
وهذه الحقائق يؤيدها العلم ويدركها العلماء ويخضعون لها بملء وجودهم.
ولقد أودع الله في فطرة الإنسان النزوع إلى الكمال والجمال ثمّ مَنّ عليه بإرشاده إلى الكمال اللائق به، وأسبغ عليه نعمة التعرّف على طريق الكمال، ومن هنا قال تعالى: (وما خلقتُ الجنَّ والإنسَ إلاّ ليعبدونِ)(الذاريات (٥١): ٥٦). وحيث لا تتحقّق العبادة الحقيقية من دون المعرفة، كانت المعرفة والعبادة طريقاً منحصراً وهدفاً وغايةً موصلةً إلى قمّة الكمال.
وبعد أن زوّد الله الانسان بطاقتي الغضب والشهوة ليحقّق له وقود الحركة نحو الكمال؛ لم يؤمَن عليه من سيطرة الغضب والشهوة؛ والهوى الناشئ منهما، والملازم لهما فمن هنا احتاج الإنسان ـ بالإضافة إلى عقله وسائر أدوات المعرفة ـ ما يضمن له سلامة البصيرة والرؤية؛ كي تتمّ عليه الحجّة، وتكمل نعمة الهداية، وتتوفّر لديه كلّ الأسباب التي تجعله يختار طريق الخير والسعادة، أو طريق الشرّ والشقاء بملء إرادته.
ومن هنا اقتضت سُنّة الهداية الربّانية أن يُسند عقل الإنسان عن طريق الوحي الإلهي، ومن خلال الهداة الذين اختارهم الله لتولِّي مسؤولية هداية العباد وذلك عن طريق توفير تفاصيل المعرفة وإعطاء الارشادات اللازمة لكلّ مرافق الحياة.
وقد حمل الأنبياء وأوصياؤهم مشعل الهداية الربّانية منذ فجر التاريخ وعلى مدى العصور والقرون، ولم يترك الله عباده مهملين دون حجة هادية وعلم مرشد ونور مُضيء، كما أفصحت نصوص الوحي ـ مؤيّدةً لدلائل العقل ـ بأنّ الأرض لا تخلو من حجة لله على خلقه، لئلاّ يكون للناس على الله حجّة، فالحجّة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق، ولو لم يبق في الأرض إلاّ اثنان لكان أحدهما الحجّة، وصرّح القرآن ـ بشكل لا يقبل الريب ـ قائلاً: (إنّما أنت منذر ولكلّ قوم هاد)(الرعد (١٣): ٧).
ويتولّى أنبياء الله ورسله وأوصياؤهم الهداة المهديّون مهمّة الهداية بجميع مراتبها، والتي تتلخّص في:
١ ـ تلقِّي الوحي بشكل كامل واستيعاب الرسالة الإلهية بصورة دقيقة. وهذه المرحلة تتطلّب الاستعداد التام لتلقّي الرسالة، ومن هنا يكون الاصطفاء الإلهي لرسله شأناً من شؤونه، كما أفصح بذلك الذكر الحكيم قائلاً:
(الله أعلم حيث يجعل رسالته)(الانعام (٦): ١٢٤) و(الله يجتبي من رسله من يشاء) (آل عمران (٣): ١٧٩).
٢ ـ إبلاغ الرسالة الإلهية الى البشرية ولمن اُرسلوا إليه، ويتوّقف الإبلاغ على الكفاءة التامّة التي تتمثّل في (الاستيعاب والإحاطة اللازمة) بتفاصيل الرسالة وأهدافها ومتطلّباتها، و(العصمة) عن الخطأ والانحراف معاً، قال تعالى: (كان الناسُ اُمّةً واحدةً فبعث الله النبيِّين مبشّرين ومنذرين وأنزل معهم الكتابَ بالحقّ ليحكم بين الناس فيما اختفلوا فيه)(البقرة (٢): ٢١٣).
٣ ـ تكوين اُمة مؤمنة بالرسالة الإلهية، وإعدادها لدعم القيادة الهادية من أجل تحقيق أهدافها وتطبيق قوانينها في الحياة، وقد صرّحت آيات الذكر الحكيم بهذه المهمّة مستخدمةً عنواني التزكية والتعليم، قال تعالى: (يزكّيهم ويعلّمهم الكتابَ والحكمة) (الجمعة (٦٢): ٢) والتزكية هي التربية باتجاه الكمال اللائق بالإنسان. وتتطلّب التربية القدوة الصالحة التي تتمتّع بكلّ عناصر الكمال، كما قال تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله اُسوة حسنة)(الاحزاب (٣٣): ٢١).
٤ ـ صيانة الرسالة من الزيغ والتحريف والضياع في الفترة المقرّرة لها، وهذه المهمة أيضاً تتطلّب الكفاءة العلمية والنفسية، والتي تسمّى بالعصمة.
٥ ـ العمل لتحقيق أهداف الرسالة المعنوية وتثبيت القيم الأخلاقية في نفوس الأفراد وأركان المجتمعات البشرية وذلك بتنفيذ الاُطروحة الربّانية، وتطبيق قوانين الدين الحنيف على المجتمع البشري من خلال تأسيس كيان سياسيٍّ يتولّى إدارة شؤون الاُمة على أساس الرسالة الربّانية للبشرية، ويتطلّب التنفيذ قيادةً حكيمةً، وشجاعةً فائقةً، وصموداً كبيراً، ومعرفةً تامةً بالنفوس وبطبقات المجتمع والتيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية وقوانين الإدارة والتربية وسنن الحياة، ونلخّصها في الكفاءة العلمية لإدارة دولة عالمية دينية، هذا فضلاً عن العصمة التي تعبّر عن الكفاءة النفسية التي تصون القيادة الدينية من كلّ سلوك منحرف أو عمل خاطئ بإمكانه أن يؤثّر تأثيراً سلبيّاً على مسيرة القيادة وانقياد الاُمة لها بحيث يتنافى مع أهداف الرسالة وأغراضها.
وقد سلك الأنبياء السابقون وأوصياؤهم المصطفون طريق الهداية الدامي، واقتحموا سبيل التربية الشاقّ، وتحمّلوا في سبيل أداء المهامّ الرسالية كلّ صعب، وقدّموا في سبيل تحقيق أهداف الرسالات الإلهية كلّ ما يمكن أن يقدّمه الإنسان المتفاني في مبدئه وعقيدته، ولم يتراجعوا لحظة، ولم يتلكّأوا طرفة عين.
وقد توّج الله جهودهم وجهادهم المستمرّ على مدى العصور برسالة خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله) وحمّله الأمانة الكبرى ومسؤولية الهداية بجميع مراتبها، طالباً منه تحقيق أهدافها. وقد خطا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) في هذا الطريق الوعر خطوات مدهشة، وحقّق في أقصر فترة زمنية أكبر نتاج ممكن في حساب الدعوات التغييرية والرسالات الثورية، وكانت حصيلة جهاده وكدحه ليل نهار خلال عقدين من الزمن ما يلي:
١ ـ تقديم رسالة كاملة للبشرية تحتوي على عناصر الديمومة والبقاء.
٢ ـ تزويدها بعناصر تصونها من الزيغ والانحراف.
٣ ـ تكوين اُمة مسلمة تؤمن بالإسلام مبدأً، وبالرسول قائداً، وبالشريعة قانوناً للحياة.
٤ ـ تأسيس دولة إسلامية وكيان سياسيٍّ يحمل لواء الإسلام ويطبّق شريعة السماء.
٥ ـ تقديم الوجه المشرق للقيادة الربّانية الحكيمة المتمثّلة في قيادته (صلى الله عليه وآله).
ولتحقيق أهداف الرسالة بشكل كامل كان من الضروري:
أ ـ أن تستمرّ القيادة الكفوءة في تطبيق الرسالة وصيانتها من أيدي العابثين الذين يتربّصون بها الدوائر.
ب ـ أن تستمرّ عملية التربية الصحيحة باستمرار الأجيال؛ على يد مربٍّ كفوء علمياً ونفسياً حيث يكون قدوة حسنة في الخلق والسلوك كالرسول (صلى الله عليه وآله)، يستوعب الرسالة ويجسّدها في كل حركاته وسكناته.
ومن هنا كان التخطيط الإلهيّ يحتّم على الرسول (صلى الله عليه وآله) إعداد الصفوة من أهل بيته، والتصريح بأسمائهم وأدوارهم؛ لتسلّم مقاليد الحركة النبويّة العظيمة والهداية الربّانية الخالدة بأمر من الله سبحانه وصيانة للرسالة الإلهية التي كتب الله لها الخلود من تحريف الجاهلين وكيد الخائنين، وتربية للأجيال على قيم ومفاهيم الشريعة المباركة التي تولّوا تبيين معالمها وكشف أسرارها وذخائرها على مرّ العصور، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها.
وتجلّى هذا التخطيط الربّاني في ما نصّ عليه الرسول (صلى الله عليه وآله) بقوله: (إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا، كتاب الله وعترتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض).
وكان أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم خير من عرّفهم النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) بأمر من الله تعالى لقيادة الاُمّة من بعده.
إنّ سيرة الأئمّة الاثني عشر من أهل البيت (عليهم السلام) تمثّل المسيرة الواقعية للإسلام بعد عصر الرسول (صلى الله عليه وآله)، ودراسة حياتهم بشكل مستوعب تكشف لنا عن صورة مستوعبة لحركة الاسلام الأصيل الذي أخذ يشقّ طريقه إلى أعماق الاُمة بعد أن أخذت طاقتها الحرارية تتضاءل بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله)، فأخذ الأئمة المعصومون (عليهم السلام) يعملون على توعية الاُمة وتحريك طاقتها باتجاه إيجاد وتصعيد الوعي الرساليِّ للشريعة ولحركة الرسول (صلى الله عليه وآله) وثورته المباركة، غير خارجين عن مسار السنن الكونية التي تتحكّم في سلوك القيادة والاُمة جمعاء.
وتبلورت حياة الأئمّة الراشدين في استمرارهم على نهج الرسول العظيم وانفتاح الاُمة عليهم والتفاعل معهم كأعلام للهداية ومصابيح لإنارة الدرب للسالكين المؤمنين بقيادتهم، فكانوا هم الأدلاّء على الله وعلى مرضاته، والمستقرّين في أمر الله، والتامّين في محبّته، والذائبين في الشوق اليه، والسابقين إلى تسلّق قمم الكمال الإنسانيّ المنشود.
وقد حفلت حياتهم بأنواع الجهاد والصبر على طاعة الله وتحمّل جفاء أهل الجفاء حتّى ضربوا أعلى أمثلة الصمود لتنفيذ أحكام الله تعالى، ثم اختاروا الشهادة مع العزّ على الحياة مع الذلّ، حتى فازوا بلقاء الله سبحانه بعد كفاح عظيم وجهاد كبير.
ولا يستطيع المؤرّخون والكتّاب أن يلمّوا بجميع زوايا حياتهم العطرة ويدّعوا دراستها بشكل كامل، ومن هنا فإنّ محاولتنا هذه إنّما هي إعطاء قبسات من حياتهم، ولقطات من سيرتهم وسلوكهم ومواقفهم التي دوّنها المؤرّخون واستطعنا اكتشافها من خلال مصادر الدراسة والتحقيق، عسى الله أن ينفع بها إنّه وليّ التوفيق.
إنّ دراستنا لحركة أهل البيت (عليهم السلام) الرسالية تبدء برسول الإسلام وخاتم الأنبياء محمد بن عبدالله (صلى الله عليه وآله) وتنتهي بخاتم الأوصياء، محمد بن الحسن العسكري المهدي المنتظر عجّل الله تعالى فرجه وأنار الأرض بعدله.
ويختصّ هذا الكتاب بدراسة حياة الإمام الحسن بن علي المجتبى (عليه السلام) ثاني أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو المعصوم الرابع من أعلام الهداية، والذي تمثّلت في حياته كلّ جوانب الشريعة روحاً وعملاً وسلوكاً، إنه سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسيد شباب أهل الجنة وأَحد اثنين انحصرت بهما ذريّة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومن أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً. فكان مثلاً أعلى، ونبراساً مضيئاً، يشعُّ إيماناً وطهراً ونقاءً.
ولا بدَّ لنا من ذكر كلمة شكر لكلّ العاملين الذين بذلوا جهداً في إخراج هذا المشروع، لا سيما لجنة التأليف بإشراف سماحة السيد منذر الحكيم حفظه الله تعالى.
وأخيراً نسأل الله تعالى أن يوفّقنا لإتمام الكتب الاُخرى من هذه السلسلة، وهو حسبنا ونعم المولى ونعم النصير.

المجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام)
قم المقدسة

الباب الأول
الفصل الأول: الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) في سطور

* الإمام أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب المجتبى، ثاني أئمة أهل البيت بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وسيّد شباب أهل الجنة بإجماع المحدّثين، وأحد اثنين انحصرت بهما ذريّة رسول الله، وأحد الأربعة الذين باهى بهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) نصارى نجران، ومن المطهّرين الذين أذهب الله عنهم الرجس، ومن القربى الذين أمر الله بموّدتهم، وأحد الثقلين الذين من تمسّك بهما نجا ومن تخلّف عنهما ضلّ وغوى.
* نشأ في أحضان جدّه رسول الله (عليه السلام) وتغذّى من معين رسالته وأخلاقه ويسره وسماحته، وظلّ معه في رعايته حتى اختار الله لنبيه دار خلده، بعد أن ورّثه هديه وأدبه وهيبته وسؤدده، وأهّله للإمامة التي كانت تنتظره بعد أبيه، وقد صرّح بها جدّه في أكثر من مناسبة حينما قال: (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا، اللهمّ إنّي اُحبّهما فأحبّ من يحبّهما).
* لقد اجتمع في هذا الإمام العظيم شرف النبوّة والإمامة، بالإضافة الى شرف الحسب والنسب، ووجد المسلمون فيه ما وجدوه في جدّه وأبيه حتى كان يذكّرهم بهما، فأحبّوه وعظّموه، وكان مرجعهم الأوحد بعد أبيه، فيما كان يعترضهم من مشاكل الحياة وما كان يستصعبهم من اُمور الدين، لا سيما بعد أن دخلت الاُمّة الإسلامية حياة حافلة بالأحداث المريرة التي لم يعرفوا لها نظيراً من قبل.
* وكان الإمام الزكي المجتبى في جميع مواقفه ومراحل حياته مثالاً كريماً للخُلق الإسلامي النبوي الرفيع في تحمّل الأذى والمكروه في ذات الله، والتحلّي بالصبر الجميل والحلم الكبير، حتى اعترف له ألدّ أعدائه ـ مروان بن الحكم ـ بأنّ حلمه يوازي الجبال. كما اشتهر (عليه السلام) بالسماحة والكرم والجود والسخاء بنحو تميّز عن سائر الكرماء والأسخياء.
* وبقي الإمام المجتبى بعد جدّه في رعاية اُمّه الزهراء ـ الصدّيقة الطاهرة ـ وأبيه سيّد الوصيّين وإمام الغرّ المحجّلين، وهما في صراع دائم مع الذين صادروا خلافة جدّه (صلى الله عليه وآله) وما لبث أن طويت هذه الصفحة الثانية من حياته بوفاة اُمّه الزهراء (عليها السلام) وقد حفّت بأبيه علي بن أبي طالب (عليه السلام) النكبات، ولا زال يشاهد كلّ هذه المحن ويتجرّع مرارتها وهو في سن الطفولة، لكنّه كان يقوم بأكثر ممّا ينتظر من مثله، من حيث وعيه وإحساسه بالأوضاع العامة وتطوّراتها، ومن هنا كان يتمتّع بتقدير المسلمين واحترامهم له بعد ما شاهدوا مدى اهتمام نبيّهم به.
* وأشرف الإمام (عليه السلام) على الشباب في خلافة عمر، وانصرف مع أبيه الى تعليم الناس وحلّ مشاكلهم.
* لقد وقف الإمام الحسن الزكي الى جانب أبيه (عليه السلام) في عهد عثمان، وعمل مخلصاً لأجل الإسلام، واشترك مع أبيه في وضع حدٍّ للفساد الذي أخذ يستشري في جسم الاُمّة والدولة الإسلامية أيام عثمان، ولقد كان الإمام عليّ (عليه السلام) ـ كغيره من الصحابة ـ غير راض عن تصرفات عثمان وعمّاله، ولكنّه لم يكن راض بقتله، فوقف هو وابناه موقف المصلح الحكيم، ولكنّ بطانة عثمان أبت إلاّ التمادي في إفساد الأمر والتحريض غير المباشر على قتله، بينما بقي الإمام يعالج الموقف في حدود ما أنزل الله تعالى.
* لقد كان الحسن بن عليٍّ السبط الى جانب أبيه (عليهما السلام) في كلّ ما يقول ويفعل، واشترك معه في جميع حروبه، وكان يتمنّى على أبيه أن يسمح له بمواصلة القتال وخوض المعارك عندما يتأزّم الموقف، فيما كان أبوه شديد الحرص عليه وعلى أخيه الحسين (عليهما السلام) خشية أن ينقطع بقتلهما نسل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبقي الحسن (عليه السلام) الى جانب والده إلى آخر لحظة، وكان يعاني ما يعانيه أبوه من أهل العراق، ويتألّم لآلامه وهو يرى معاوية يبثّ دعاته ويغري القادة من جيش أبيه بالأموال والمناصب حتى فرّق أكثرهم، وأصبح الإمام عليّ (عليه السلام) يتمنّى فراقهم بالموت أو القتل، فاستُشهد (عليه السلام) وبقي الحسن ابن علي (عليهما السلام) بين تلك الأعاصير بين أهل الكوفة المتخاذلين وفلول الخوارج المارقين وتحدّيات أهل الشام القاسطين.
* وبعد أن نصّ أمير المؤمنين (عليه السلام) على خلافة ابنه الحسن الزكي وسلّمه مواريث النبوّة؛ اجتمع عليه أهل الكوفة وجماعة المهاجرين والأنصار، وبايعوه بالخلافة، بعد أن طهّره الله من كلّ نقص ورجس، بالإضافة الى توفّر جميع متطلّبات الخلافة فيه من العلم والتقوى والحزم والجدارة، وتسابق الناس الى بيعته في الكوفة والبصرة، كما بايعه أهل الحجاز واليمن وفارس وسائر المناطق التي كانت تدين بالولاء والبيعة لأبيه (عليه السلام) وحين بلغ نبأ البيعة معاوية وأتباعه بدأوا يعملون بكلِّ ما لديهم من مكر وخداع لإفساد أمره والتشويش عليه.
* واستلمَ الإمام الحسن السلطة بعد أبيه، وقام بأفضل ما يمكن القيام به في ذلك الجوّ المشحون بالفتن والمؤامرات، فأمّر الولاة على أعمالهم وأوصاهم بالعدل والإحسان ومحاربة البغي والعدوان، ومضى على نهج أبيه (عليه السلام) الذي كان امتداداً لسيرة جدّه المصطفى (صلى الله عليه وآله).
* وبالرغم ممّا كان يعلمه الإمام الحسن من معاوية ونفاقه ودجله وعدائه لرسالة جدّه وسعيه لإحياء مظاهر جاهليته... بالرغم من ذلك كلّه فقد أبى أن يعلن الحرب عليه إلاّ بعد أن كتب اليه المرّة بعد المرّة يدعوه الى جمع الكلمة وتوحيد أمر المسلمين، فلم يُبقِ له في ذلك عذراً أو حجةً.
لقد راسل الإمام الحسن معاوية وهو يعلم أنه لا يستجيب لطلبه، وأنّه سيقف منه موقفاً أكثر وقاحةً من مواقفه السابقة مع أبيه أمير المؤمنين، لا سيما وقد حصد نجاحاً مؤقّتاً في مؤامراته ضدّ أبيه. إنّ الإمام (عليه السلام) كان يعلم أنّ معاوية سيقف موقف القوة إن لم يجد للمكر سبيلاً، ولكنّ الإمام المجتبى كان عليه أن يُظهر للعالم الإسلامي كلّ ما يضمره هذا البيت الاُموي تجاه النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) من حقد وعداء وكيد للإسلام والمسلمين.
* واطمأنّ معاوية الى أنّ الاُمور ممهّدة له باعتبار علاقته المتينة مع أكثر قادة الإمام الحسن (عليه السلام)، كما حاول إغراء الإمام بالأموال والخلافة من بعده وتضليل الرأي العام، ولكنّ موقف الإمام لم يتغيّر لتهديده ووعوده، وأدرك معاوية صلابة الإمام (عليه السلام) على موقفه المبدئي، فأعدّ العدّة لمحاربته، واطمأنّ معاوية الى أنّ المعركة ستكون لصالحه، وسيكون الحسن (عليه السلام) والمخلصون له من جنده بين قتيل وأسير، ولكنّ هذا الاستيلاء سوف يفقد الصيغة الشرعية التي كان يحاول أن يتظاهر بها لعامة المسلمين، ولذلك حرص معاوية على أن لا يتورّط في الحرب مع الإمام الحسن (عليه السلام) معتمداً المكر والخداع والتمويه وشراء الضمائر وتفتيت جيش الإمام (عليه السلام)، ولم يكن للإمام بدّ من اختيار الصلح بعد أن تخاذل عامة جيشه وأكثر قادته، ولم يبقَ معه إلاّ فئة قليلة من أهل بيته والمخلصين من أصحابه، فتغاضى عن السلطة دفعاً للأفسد بالفاسد في ذلك الجوّ المحموم، فكان اختياره للصلح في منتهى الحكمة والحنكة السياسية الرشيدة تحقيقاً لمصالح الإسلام العليا وأهدافه المُثلى.
* وتعرّض الإمام الحسن السبط (عليه السلام) للنقد اللاذع من شيعته وأصحابه الذين لم يتّسع صبرهم لجور معاوية، مع أنّ أكثرهم كان يدرك الظروف القاسية التي اضطرّته الى تجنّب القتال واعتزال السلطة، كما أحسّ الكثير من أعيان المسلمين وقادتهم بصدمة عنيفة لهذا الحادث لِما تنطوي عليه نفوس الاُمويّين من حقد على الإسلام ودعاته الأوفياء، وحرص على إحياء ما أماته الإسلام من مظاهر الجاهلية بكلّ أشكالها.
* ولكنّ الإمام بصلحه المشروط فسح المجال لمعاوية ليكشف واقع اُطروحته الجاهلية، وليعرّف عامة المسلمين البسطاء مَن هو معاوية؟ ومن هنا كان الصلح نصراً ما دام قد حقّق فضيحة سياسة الخداع التي تترّس بها عدوّه.
ونجحت خطّة الإمام حينما بدأ معاوية يساهم في كشف واقعه المنحرف، وذلك في إعلانه الصريح بأنّه لم يقاتل من أجل الإسلام، وإنّما قاتل من أجل المُلك والسيطرة على رقاب المسلمين، وأنّه سوف لا يفي بأيّ شرط من شروط الصلح.
بهذا الإعلان وما تلاه من خطوات قام بها معاوية لضرب خط عليٍّ (عليه السلام) وبنيه الأبرار وقتل خيرة أصحابه ومحبّيه كشف النقاب عن الوجه الاُموي الكَريه، ومارس الإمام (عليه السلام) مسؤولية الحفاظ على سلامة الخط بالرغم من إقصائه عن الحكم، وأشرف على قاعدته الشعبية فقام بتحصينها من الأخطار التي كانت تهدّدها من خلال توعيتها وتعبئتها، فكان دوره فاعلاً إيجابياً للغاية، ممّا كلّفه الكثير من الرقابة والحصار، وكانت محاولات الاغتيال المتكرّرة تشير الى مخاوف معاوية من وجود الإمام (عليه السلام) كقوة معبّرة عن عواطف الاُمّة ووعيها المتنامي، ولربّما حملت معها خطر الثورة ضد ظلم بني اُمية، ومن هنا صحّ ما يقال من أنّ صلح الإمام الحسن (عليه السلام) كان تمهيداً واقعياً لثورة أخيه أبي عبدالله الحسين (عليه السلام).
وتوّج الإمام المجتبى (عليه السلام) جهاده العظيم هذا والذي فاق الجهاد بالسيف في تلك الظروف العصيبة، باستشهاده مسموماً على يد ألدّ أعدائه، فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يُبعث حيّاً.

* * *

الفصل الثاني: انطباعات عن شخصيّة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)

١ ـ مكانة الإمام المجتبى في آيات الذكر الحكيم:
لم تتّفق كلمة المسلمين في شيء كاتّفاقهم على فضل أهل البيت وعلوّ مقامهم العلمي والروحي وانطوائهم على مجموعة الكمالات التي أراد الله للإنسانية أن تتحلّى بها.
ويعود هذا الاتّفاق الى جملة من الاُصول، منها تصريح الذكر الحكيم بالموقع الخاص لأهل البيت (عليهم السلام) من خلال النصِّ على تطهيرهم من الرجس، وأنّهم القربى الذين تجب مودّتهم كأجر للرسالة التي أتحف الله بها الإنسانية جمعاء، وأنّهم الأبرار الذين أخلصوا الطاعة لله وخافوا عذاب الله وتحلّوا بخشية الله، فضمن لهم الجنّة والنجاة من عذابه.
والإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) هو أحد أهل البيت المطهّرين من الرجس بلا ريب، بل هو ابن رسول الله بنصِّ آية المباهلة التي جاءت في حادثة المباهلة مع نصارى نجران، وقد خلّد القرآن الكريم هذا الحدث في سورة آل عمران في الآية ٦١ قوله تعالى:
(فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثمّ نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين)(١).
وروى جمهور المحدِّثين بطرق مستفيضة أنّها نزلت في أهل البيت (عليهم السلام) وهم: رسول الله وعليّ وفاطمة والحسن والحسين، والأبناء هنا هما الحسنان بلا ريب.
وتضمّن هذا الحدث تصريحاً من الرسول (صلى الله عليه وآله) بأنّهم خير أهل الأرض وأكرمهم على الله، ولهذا فهو يباهل بهم، واعترف اُسقف نجران أيضاً قائلاً: (إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله)(٢).
وهكذا دلّت القصة كما دلّت الآية على عظيم منزلتهم وسموّ مكانتهم وأفضليتهم، وأنّهم أحبّ الخلق الى الله ورسوله، وأنّهم لا يدانيهم في فضلهم أحد من العالمين.
ولم ينصّ القرآن الكريم على عصمة أحد غير النبي (صلى الله عليه وآله) من المسلمين سوى أهل البيت (عليهم السلام) الذين أراد الله أن يطهّرهم من الرجس تطهيراً(٣)، ولئن اختلف المسلمون في دخول نساء النبيّ في مفهوم أهل البيت فإنهم لم يختلفوا في دخول عليٍّ والزهراء والحسنين في ما تقصده الآية المباركة(٤).
ومن هنا نستطيع أن نفهم السرَّ الكامن في وجوب مودّتهم والالتزام بخطّهم، وترجيح حبّهم على حبّ من سواهم بنص الكتاب العزيز(٥)، فإنّ عصمة أهل البيت (عليهم السلام) أدلّ دليل على أنّ النجاة في متابعتهم حينما تتشعّب الطرق وتختلف الأهواء، فمن عصمه الله من الرجس كان دالاً على النجاة وكان متّبعه ناجياً من الغرق.
ونصّ النبي (صلى الله عليه وآله) ـ كما عن ابن عباس ـ بأنّ آية المودّة في القربى حينما نزلت وسأله بعض المسلمين عن المقصود من القرابة التي أوجبت على المسلمين طاعتهم قائلاً: إنّهم عليّ وفاطمة وابناهما(٦).
ولا يتركنا القرآن الحكيم حتى يبيّن لنا أسباب هذا التفضيل في سورة الدهر التي نزلت لبيان عظمة الواقع النفسي الذي انطوى عليه أهل البيت والإخلاص الذي تقترن به طاعتهم وعباداتهم بقوله تعالى: (إنّما نُطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً * إنّا نخاف من ربّنا يوماً عبوساً قمطريراً * فوقاهم الله شرّ ذلك اليوم ولقّاهم نضرةً وسروراً * وجزاهم بما صبروا جنةً وحريراً)(٧).
لقد روى جمهور المفسّرين والمحدّثين أنّ هذه السورة المباركة نزلت في أهل البيت (عليهم السلام) بعدما مرض الحسنان، ونذر الإمام صيام ثلاثة أيام شكراً لله إن برئا، فوفوا بنذرهم أيّما وفاء، وفاءً فيه أروع أنواع الايثار، حتى نزل قوله تعالى: (إنّ الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً * عيناً يشرب بها عباد الله يفجّرونها تفجيراً * يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شرّه مستطيراً)(٨) فشكر الله سعيهم على هذا الإيثار والوفاء بما أورثهم في الآخرة، وبما حباهم من الإمامة للمسلمين في الدنيا حتى يرث الأرض ومن عليها.
٢ ـ مكانته (عليه السلام) لدى خاتم المرسلين (صلى الله عليه وآله):
لقد خصّ الرسول الأعظم حفيديه الحسن والحسين (عليهما السلام) بأوصاف تنبئ عن عظيم منزلتهما لديه، فهما:
أ ـ ريحانتاه من الدنيا وريحانتاه من هذه الاُمّة(٩).
ب ـ وهما خير أهل الأرض(١٠).
ج ـ وهما سيّدا شباب أهل الجنة(١١).
د ـ وهما إمامان قاما أو قعدا(١٢).
هـ ـ وهما من العترة (أهل البيت) التي لا تفترق عن القرآن الى يوم القيامة، ولن تضلّ اُمّةٌ تمسّكت بهما(١٣).
و ـ وهما من أهل البيت الذين يضمنون لراكبي سفينتهم النجاة من الغرق(١٤).
ز ـ وهما ممّن قال عنهم جدّهم: (النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض من الاختلاف)(١٥).
ح ـ وقد استفاض الحديث عن مجموعة من أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله) أنّهم قد سمعوا مقالته فيما يخصّ الحسنين: (اللهمّ إنّك تعلم أنّي أُحبُّهما فأحبَّهما(١٦)، وأحبّ من يحبّهما)(١٧).
وعن سلمان أنّه سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: (الحسن والحسين ابناي، من أحبّهما أحبّني، ومن أحبّني أحبّه الله، ومن أحبّه الله أدخله الجنّة، ومن أبغضهما أبغضني ومن أبغضني أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله النار)(١٨).
ط ـ وعن أنس: أنّ رسول الله سئِل أيّ أهل بيتك أحبّ اليك؟ قال: (الحسن والحسين) وكان يقول لفاطمة: (اُدعي لي ابنىَّ فيشمّهما ويضمّهما اليه)!(١٩).
ي ـ وروى أبو حازم عن أبي هريرة قوله: رأيت النبيّ (صلى الله عليه وآله) يمصّ لعاب الحسن والحسين كما يمصّ الرجل التمرة(٢٠).
٣ ـ مكانته (عليه السلام) لدى معاصريه:
أ ـ عن جابر عن النبي (صلى الله عليه وآله): (أنّ الله خلقني وخلق علياً نورين بين يدي العرش، نسبّح الله ونقدّسه قبل أن يخلق آدم بألفي عام، فلمّا خلق الله آدم أسكننا في صلبه، ثم نقلنا من صُلب طيّب وبطن طاهر حتى أسكننا في صلب إبراهيم، ثم نقلنا من صُلب إبراهيم الى صلب طيّب وبطن طاهر حتى أسكننا في صلب عبدالمطلّب، ثم افترق النور في عبدالمطّلب، فصار ثلثاه في عبدالله وثلثه في أبي طالب، ثم اجتمع النور منّي ومن عليّ في فاطمة، فالحسن والحسين نوران من نور ربّ العالمين)(٢١).
ب ـ وقد قال معاوية لِجلسائه: من أكرم الناس أباً واُمّاً وجدّاً وجدّةً وعمّاً وعمّةً وخالاً وخالةً؟ فقالوا: أمير المؤمنين أعلم، فأخذ بيد الحسن بن علي وقال: هذا أبوه علي بن أبي طالب، واُمّه فاطمة ابنة محمد، وجدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجدّته خديجة، وعمّه جعفر، وعمّته هالة بنت أبي طالب، وخاله القاسم بن محمّد (صلى الله عليه وآله) وخالته زينب بنت محمّد (صلى الله عليه وآله)(٢٢).
ج ـ ولمعاوية اعتراف آخر أمام عمرو بن العاص ومروان بن الحكم وزياد بن أبيه بعد أن أكثروا الفخر، وأراد أن يرغم اُنوفهم، فأحضر الإمام الحسن بن علي (عليه السلام)، ولمّا دحض مقالتهم التي أرادوا فيها تنقيص بني هاشم قال معاوية بعد أن خرج الإمام من عنده: أفاُفاخر رجلاً رسول الله (صلى الله عليه وآله) جدّه، وهو سيّد من مضى ومن بقي، واُمّه فاطمة سيّدة نساء العالمين؟ ثم قال لهم: والله لئن سمع أهل الشام ذلك أنّه للسوءة السوداء...(٢٣).
د ـ ووفد مقدام الى معاوية، فقال معاوية: أعلمت أنّ الحسن بن علي توفّي؟ فرجّع المقدام(٢٤)، فقال له معاوية: أتراها مصيبة؟ فقال: ولِمَ لا أراها مصيبة وقد وضعه رسول الله في حجره وقال: (هذا منِّي وحسين من عليّ رضي الله عنهما)(٢٥).
هـ ـ وقال عبدالله بن عمر: أهل العراق يسألون عن الذباب يقتله المحرم، وقد قتلوا ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال النبيّ (صلى الله عليه وآله): (هما ريحانتاي من الدنيا(٢٦) أو ريحانتاي من هذه الاُمّة)(٢٧).
و ـ وكان أبو هريرة يقول: ما رأيت الحسن إلاّ فاضت عيناي، وذلك أني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يدخل فمه في فمه ثم يقول: (اللهم إنّي اُحبّه فأحبّه وأحبّ من يحبّه) يقولها ثلاث مرّات(٢٨)، وقال: لا أزال اُحبّ هذا الرجل ـ يعني الحسن ـ بعد ما رأيت رسول الله يصنع به ما يصنع(٢٩).
ز ـ وحينما بادر ألدّ أعدائه ـ مروان بن الحكم ـ الى حمل جثمانه الطاهر واستغرب منه الحسين (عليه السلام) قائلاً له: أتحمل جثمانه وكنت تجرّعه الغصص؟! قال مروان: كنت أفعل ذلك بمن كان يوازي حلمه الجبال(٣٠).
ح ـ وقال عنه أبو الأسود الدؤلي: وإنّه لهو المهذّب، قد أصبح من صريح العرب في غرّ لبابها وكريم محتدها وطيب عنصرها(٣١).
ط ـ وقال عمرو بن اسحاق: ما تكلّم أحد أحبّ إليّ أن لا يسكت من الحسن بن علي وما سمعت منه كلمة فحش قطّ(٣٢).
ي ـ وقال عبدالله بن الزبير: والله ما قامت النساء عن مثل الحسن بن علي (عليه السلام) في هيبته وسموِّ منزلته(٣٣).
ك ـ وعندما وقف أخوه محمد بن الحنفية على قبره ليؤبّنه قال: لئن عزّت حياتك فقد هدّت وفاتك، ولنعم الروح روح تضمّنه كفنك، ولنعم الكفن كفن تضمّن بدنك، وكيف لا تكون هكذا وأنت عقبة الهدى وخلف أهل التقوى وخامس أصحاب الكساء؟! غذّتك بالتقوى أكفّ الحق، وأرضعتك ثدي الايمان، ورُبّيت في حجر الإسلام، فطبت حيّاً وميّتاً، وإن كانت أنفسنا غير سخيّة بفراقك، رحمك الله أبا محمد(٣٤).
ل ـ وأبّنه أبو عبدالله الحسين بن علي (عليه السلام) قائلاً: (رحمك الله يا أبا محمد، إن كنت لتباصر الحق مظانّه، وتؤثر الله عند التداحض في مواطن التقية بحسن الرويّة، وتستشفّ جليل معاظم الدنيا بعين لها حاقرة، وتفيض عليها يداً طاهرة الأطراف، نقيّة الأسرّة، وتردع بادرة غرب أعدائك بأيسر المؤونة عليك، ولا غَرْوَ فأنت ابن سلالة النبوّة، ورضيع لبان الحكمة، فإلى رَوْح وريحان وجنّةِ نعيم، أعظم الله لنا ولكم الأجر عليه، ووهب لنا ولكم حُسن الأسى عنه)(٣٥).
٤ ـ مكانته (عليه السلام) لدى العلماء والمؤرّخين:
أ ـ قال الحافظ أبو نعيم الإصبهاني ـ وهو من أعلام القرن الخامس ـ عن الإمام الحسن المجتبى: سيّد الشباب، والمصلح بين الأقارب والأحباب، شبه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحبيبه، سليل الهدى، وحليف أهل التقى، خامس أهل الكساء، وابن سيّدة النساء، الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما(٣٦).
ب ـ وقال ابن عبد البرّ عنه: لا أسود ممّن سمّاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) سيّداً، وكان رحمة الله عليه حليماً ورعاً فاضلاً، دعاه ورعه وفضله الى أن ترك الملك والدنيا رغبةً فيما عند الله، وقال: والله ما أحببت منذ علمت ما ينفعني وما يضرّني أن آلى أمر اُمّة محمد (صلى الله عليه وآله) على أن يهراق في ذلك محجمة دم(٣٧).
و ـ وقال الحافظ ابن كثير الدمشقي عنه: وقد كان الصدّيق يجلّه ويعظّمه ويكرمه ويحبّه ويتفدّاه وكذلك ابن الخطاب، وكان ابن عباس يأخذ الركاب للحسن والحسين إذا ركبا ويرى هذا من النعم عليه، وكانا إذا طافا بالبيت يكاد الناس يحطّمونها مما يزدحمون عليهما للسلام عليهما(٣٨).
د ـ وقال الحافظ ابن عساكر الشافعي عنه: هو سبط رسول الله وريحانته وأحد سيِّدَيْ شباب أهل الجنة...(٣٩).
هـ ـ وقال الحافظ السيوطي: سبط رسول الله وريحانته وآخر الخلفاء بنصّه... وهو خامس أهل الكساء...(٤٠).
و ـ وعن محمد بن اسحاق: أنه ما بلغ أحد من الشرف بعد رسول الله ما بلغ الحسن(٤١)، كان يبسط له على باب داره، فإذا خرج وجلس انقطع الطريق، فما يمرّ أحد من خلق الله إجلالاً له، فإذا علم قام ودخل بيته فمرّ الناس، ولقد رأيته في طريق مكة ماشياً فما من خلق الله أحد رآه إلاّ نزل ومشى، وحتى رأيت سعد بن أبي وقّاص يمشي(٤٢).
ز ـ وقال محمد بن طلحة الشافعي عنه: كان الله قد رزقه الفطرة الثاقبة في ايضاح مراشد ما يعانيه، ومنحه النظرة الصائبة لإصلاح قواعد الدين ومبانيه، وخصّه التي درّت لها أخلاق مادتها بصور العلم ومعانيه(٤٣).
ح ـ وقال سبط ابن الجوزي عنه: كان من كبار الأجواد، وله الخاطر الوقّاد، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحبّه حبّاً شديداً(٤٤).
ط ـ وقال عنه ابن الأثير: وهو سيّد شباب أهل الجنة، وريحانة النبيّ (صلى الله عليه وآله) وشبيهه، سمّاه النبيّ الحسن... وهو خامس أهل الكساء(٤٥).

الفصل الثالث: من فضائل الإمام المجتبى (عليه السلام) ومظاهر شخصيّته

عبادته (عليه السلام):
أ ـ روى المفضّل عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) عن أبيه عن جدّه: (أنّ الحسن بن علي بن أبي طالب كان أعبد الناس في زمانه، وأزهدهم وأفضلهم، وكان إذا حجّ حجّ ماشياً، وربّما مشى حافياً، وكان إذا ذكر الموت بكى، وإذا ذكر القبر بكى، وإذا ذكر البعث والنشور بكى، وإذا ذكر الممرّ على الصراط بكى، وإذا ذكر العرض على الله ـ تعالى ذكره ـ شهق شهقةً يغشى عليه منها.
وكان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي ربّه عزّ وجلّ، وكان إذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم(٤٦) وسأل الله الجنّة وتعوّذ به من النار، وكان لا يقرأ من كتاب الله عزّ وجلّ (يا أيّها الذين آمنوا) إلاّ قال: لبيّك اللهمّ لبيّك، ولم يُرَ في شيء من أحواله إلاّ ذاكراً لله سبحانه، وكان أصدق الناس لهجةً وأفصحهم منطقاً...)(٤٧).
ب ـ وكان (عليه السلام) إذا توضّأ؛ ارتعدت مفاصله واصفرّ لونه، فقيل له في ذلك فقال: (حقٌ على كلّ من وقف بين يدي ربّ العرش أن يصفرّ لونه وترتعد مفاصله).
ج ـ وكان إذا بلغ باب المسجد رفع رأسه ويقول: (ضيفك ببابك، يا محسن قد أتاك المسيء، فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك يا كريم)(٤٨).
د ـ وكان إذا فرغ من الفجر لم يتكلّم حتى تطلع الشمس وإن زحزح(٤٩).
هـ ـ وعن الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام): (أنّ الحسن (عليه السلام) قال: إنّي لأستحي من ربّي أن ألقاه ولم أمشِ الى بيته، فمشى عشرين مرّة من المدينة على رجليه)(٥٠).
و ـ وعن علي بن جذعان: أنّ الحسن بن علي (عليه السلام) خرج من ماله مرتين، وقاسم الله ماله ثلاث مرّات، حتى أن كان ليعطي نعلاً، ويمسك نعلاً ويعطي خفّاً ويمسك خفّاً(٥١).
وللإمام المجتبى (عليه السلام) أدعية شتّى رُويت عنه، وهي تتضمّن مجموعةً من المعارف والآداب، كما تحمل أدب التقديس لله تعالى والخضوع له والتذلّل بين يديه، ونشير الى نموذج منها:
قال (عليه السلام): (اللهمّ إنّك الخَلَفُ من جميع خَلقِك، وليس في خلقِكَ خَلَفٌ مثلُكَ، إلهِي من أحسنَ فبرحمتكَ، ومن أساء فبخطيئته، فلا الذي أحسنَ استغنى عن رَدفك ومعونتك، ولا الذي أساء استبدل بك وخرج من قدرتك، الهي بك عرفتك، وبك اهتديتُ الى أمرك، ولو لا أنتَ لم أدرِ ما أنتَ، فيا من هو هكذا ولا هكذا غيره صلّ على محمد وآل محمد، وارزقني الإخلاص في عملي والسعة في رزقي، اللهمّ اجعل خير عملي آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيّامي يوم ألقاك، إلهي أطعتك ولك المنّة عليَّ في أحبّ الأشياء اليك: الإيمان بك والتصديق برسولك، ولم أعصك في أبغض الأشياء اليك: الشرك بك والتكذيب برسولك، فاغفر لي ما بينهما يا أرحم الراحمين)(٥٢).
وعن ابن كثير: أنّ الحسن كان يقرأ كلّ ليلة سورة الكهف في لوح مكتوب، يدور معه حيث دار من بيوت أزواجه قبل أن ينام وهو في الفراش(٥٣).
لقد تغذّى الإمام الحسن (عليه السلام) بلباب المعرفة وبجوهر الإيمان وبواقع الدين، وانطبعت مُثُلُه في دخائل نفسه وأعماق ذاته، فكان من أشدّ الناس إيماناً، ومن أكثرهم إخلاصاً وطاعةً لله(٥٤).
حلمه وعفوه:
لقد عُرف الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) بعظيم حلمه، وأدلّ دليل على ذلك هو تحمّله لتوابع صلحه مع معاوية الذي نازع علياً حقّه وتسلّق من خلال ذلك الى منصب الحكم بالباطل، وتحمّل (عليه السلام) بعد الصلح أشد أنواع التأنيب من خيرة أصحابه، فكان يواجههم بعفوه وأناته، ويتحمّل منهم أنواع الجفاء في ذات الله صابراً محتسباً.
وروي أنّ مروان بن الحكم خطب يوماً فذكر علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فنال منه والحسن بن علي (عليهما السلام) جالس، فبلغ ذلك الحسين (عليه السلام) فجاء الى مروان فقال: يا ابن الزرقاء! أنت الواقع في عليّ؟!، ثم دخل على الحسن (عليه السلام) فقال: تسمع هذا يسبّ أباك ولا تقول له شيئاً؟!، فقال: وما عسيتُ أن أقول لرجل مسلّط يقول ما شاء ويفعل ما يشاء.
وذُكر أنّ مروان بن الحكم شتم الحسن بن علي (عليه السلام)، فلمّا فرغ قال الحسن: إنّي والله لا أمحو عنك شيئاً، ولكن مهّدك الله، فلئن كنت صادقاً فجزاك الله بصدقك، ولئن كنت كاذباً فجزاك الله بكذبك، والله أشدّ نقمةً منِّي.
وروي أنّ غلاماً له (عليه السلام) جنى جنايةً توجب العقاب، فأمر به أن يُضرب، فقال: يا مولاي (والعافين عن الناس)، قال: عفوت عنك، قال: يا مولاي (والله يحب المحسنين)، قال: أنت حرٌ لوجه الله ولك ضعف ما كنت أعطيك(٥٥).
وروى المبرّد وابن عائشة: أنّ شاميّاً رآه راكباً فجعل يلعنه والحسن لا يردّ، فلما فرغ أقبل الحسن (عليه السلام) فسلّم عليه وضحك، فقال: (أيها الشيخ! أظنّك غريباً؟ ولعلّك شبّهت، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا حملناك، وإن كنت جائعاً أشبعناك، وإن كنت عرياناً كسَوْناك، وإن كنت محتاجاً أغنيناك، وإن كنت طريداً آويناك، وإن كان لك حاجة قضيناها لك، فلو حرّكت رحلك إلينا وكنت ضيفنا الى وقت ارتحالك كان أعود عليك، لأنّ لنا موضعاً رحباً وجاهاً عريضاً ومالاً كثيراً).
فلمّا سمع الرجل كلامه بكى، ثم قال: أشهد أنّك خليفة الله في أرضه، والله أعلم حيث يجعل رسالته، وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إليّ، والآن أنت أحبّ خلق الله إليّ...(٥٦)
كرمه وجوده:
إنّ السخاء الحقيقي هو بذل الخير بداعي الخير، وبذل الإحسان بداعي الإحسان، وقد تجلّت هذه الصفة الرفيعة بأجلى مظاهرها وأسمى معانيها في الإمام أبي محمد الحسن المجتبى (عليه السلام) حتى لُقّب بكريم أهل البيت.
فقد كان لا يعرف للمال قيمةً سوى ما يردّ به جوع جائع، أو يكسو به عارياً، أو يغيث به ملهوفاً، أو يفي به دين غارم، وقد كانت له جفان واسعة أعدّها للضيوف، ويقال: إنّه ما قال لسائل (لا) قَطّ.
وقيل له: لأيّ شيء لا نراك تردّ سائلاً؟ فأجاب: (إنّي لله سائل وفيه راغب، وأنا أستحي أن أكون سائلاً وأردّ سائلاً، وإنّ الله عوّدني عادةً أن يفيض نعمه عليَّ، وعوّدته أن أفيض نعمه على الناس، فأخشى إن قطعت العادة أن يمنعني العادة)(٥٧).
واجتاز (عليه السلام) يوماً على غلام أسود بين يديه رغيف يأكل منه لقمة ويدفع لكلب كان عنده لقمة اُخرى، فقال له الإمام: ما حملك على ذلك؟ فقال الغلام: إنّي لأستحي أن آكل ولا اُطعمه.
وهنا رأى الإمام فيه خصلة حميدة، فأحبّ أن يجازيه على جميل صنعه، فقال له: لا تبرح من مكانك، ثم انطلق فاشتراه من مولاه، واشترى الحائط (البستان) الذي هو فيه، وأعتقه وملّكه إيّاه(٥٨).
وروي أنّ جارية حيّته بطاقة من ريحان، فقال (عليه السلام) لها: أنت حرّة لوجه الله، فلامه أنس على ذلك، فأجابه (عليه السلام): (أدّبنا الله فقال تعالى: (وإذا حُيّيتم بتحيّة فحيّوا بأحسن منها)(٥٩) وكان أحسن منها إعتاقها)(٦٠).
ومن مكارم أخلاقه أنّه ما اشترى من أحد حائطاً ثمّ افتقر البائع إلاّ ردّه عليه وأردفه بالثمن معه.
وجاءه فقير يشكو حاله ولم يكن عنده شيء في ذلك اليوم فعزّ عليه الأمر واستحى من ردّه، فقال (عليه السلام) له: إنّي أدلّك على شيء يحصل لك منه الخير، فقال الفقير يا ابن رسول الله ما هو؟ قال (عليه السلام): اذهب الى الخليفة، فإنّ ابنته قد توفيت وانقطع عليها، وما سمع من أحد تعزيةً بليغة، فعزّه بهذه الكلمات يحصل لك منه الخير، قال: يا ابن رسول الله حفّظني إيّاها، قال (عليه السلام): قل له: (الحمد لله الذي سترها بجلوسك على قبرها، ولم يهتكها بجلوسها على قبرك)، وحفظ الفقير هذه الكلمات وجاء الى الخليفة فعزّاه بها، فذهب عنه حزنه وأمر له بجائزة، ثم قال له: أكلامك هذا؟ فقال: لا، وإنّما هو كلام الإمام الحسن، قال الخليفة: صدقت فإنّه معدن الكلام الفصيح، وأمر له بجائزة اُخرى(٦١).
لقد كان (عليه السلام) يمنح الفقراء برّه قبل أن يبوحوا بحوائجهم ويذكروا مديحهم، لئلا يظهر عليهم ذلّ السؤال(٦٢).
تواضعه وزهده:
إنّ التواضع دليل على كمال النفس وسموّها وشرفها، والتواضع لا يزيد العبد إلاّ رفعةً وعظمةً، وقد حذا الإمام الحسن (عليه السلام) حذو جدّه وأبيه في أخلاقه الكريمة، وقد أثبت التاريخ بوادر كثيرة تشير الى سموّ الإمام في هذا الخلق الرفيع، نشير إلى شيء منها:
أ ـ اجتاز الإمام على جماعة من الفقراء قد وضعوا على الأرض كسيرات وهم قعود يلتقطونها ويأكلونها، فقالوا له: هلمّ يابن بنت رسول الله الى الغذاء، فنزل (عليه السلام) وقال: (إنّ الله لا يحبّ المستكبرين)، وجعل يأكل معهم حتى اكتفوا والزاد على حاله ببركته، ثم دعاهم الى ضيافته وأطعمهم وكساهم(٦٣).
ب ـ ومرّ (عليه السلام) على صبيان يتناولون الطعام، فدعوه لمشاركتهم فأجابهم الى ذلك، ثم حملهم الى منزله فمنحهم برّه ومعروفه، وقال: (اليد لهم لأنّهم لم يجدوا غير ما أطعموني، ونحن نجد ما أعطيناهم)(٦٤).
ورفض الإمام جميع ملاذّ الحياة ومباهجها متّجهاً الى الدار الآخرة التي أعدّها الله للمتّقين من عباده، فمن أهمّ مظاهر زهده: زهده في الملك طلباً لمرضاة الله، ويتجلّى ذلك إذا لاحظنا مدى حرص معاوية على الملك واستعماله لكلّ الأساليب اللا أخلاقية للوصول إلى السلطة، بينما نجد الإمام الحسن (عليه السلام) يتنازل عن الملك حينما لا يراه يحقّق شيئاً سوى إراقة دماء المسلمين.
ومن جملة مظاهر زهده أيضاً: ما حدّث به مدرك بن زياد أنّه قال: كنّا في حيطان ابن عباس، فجاء ابن عبّاس وحسن وحسين فطافوا في تلك البساتين ثم جلسوا على ضفاف بعض السواقي، فقال الحسن: يا مدرك! هل عندك غذاء؟ فقلت له: نعم، ثم انطلقت فجئته بخبز وشيء من الملح مع طاقتين من بقل، فأكل منه، وقال: يا مدرك! ما أطيب هذا؟، وجيء بعد ذلك بالطعام وكان في منتهى الحُسن، فالتفت (عليه السلام) الى مدرك وأمره بأن يجمع الغلمان ويقدّم لهم الطعام، فدعاهم مدرك فأكلوا منه ولم يأكل الإمام منه شيئاً، فقال له مدرك: لماذا لا تأكل منه؟ فقال (عليه السلام): (إنّ ذاك الطعام أحبّ عندي)(٦٥).

* * *
الباب الثاني
الفصل الأول: نشأة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)

تاريخ ولادته:
أصحّ ما قيل في ولادته أنّه ولد بالمدينة في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة، وكان والده (عليه السلام) قد بنى بالزهراء فاطمة (عليها السلام) وتزوّجها في ذي الحجة من السنة الثانية، وكان الحسن المجتبى (عليه السلام) أوّل أولادها(٦٦).
كيفية ولادته:
عن جابر: لمّا حملت فاطمة(عليها السلام) بالحسن فولدت كان النبي (صلى الله عليه وآله) قد أمرهم أن يلفّوه في خرقة بيضاء، فلفّوه في صفراء، وقالت فاطمة(عليها السلام): يا عليّ سمّه، فقال: ما كنت لأسبق بإسمه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فجاء النبيّ (صلى الله عليه وآله) فأخذه وقبّله، وأدخل لسانه في فمه، فجعل الحسن (عليه السلام) يمصّه، ثم قال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله): ألم أتقدّم اليكم أن لا تلفّوه في خرقة صفراء؟! فدعا (صلى الله عليه وآله) بخرقة بيضاء فلفّه فيها ورمى الصفراء، وأذّن في اُذنه اليمنى وأقام في اليسرى، ثم قال لعلىّ (عليه السلام): ما سمّيته؟ قال: ما كنت لأسبقك بإسمه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما كنت لأسبق ربّي بإسمه، قال: فأوحى الله عزّ ذكره إلى جبرئيل (عليه السلام) أنّه قد ولد لمحمد ابن، فاهبط اليه فاقرأه السلام وهنّئه منيّ ومنك، وقل له: إنّ عليّاً منك بمنزلة هارون من موسى فسمّه باسم ابن هارون، فهبط جبرئيل على النبي وهنّأه من الله عزّ وجلّ ومنه، ثم قال له: إنّ الله عزّ وجلّ يأمرك أن تسمّيه باسم ابن هارون، قال: وما كان اسمه؟ قال: شبّر، قال: لساني عربي، قال: سمّه الحسن، فسمّاه الحسن(٦٧).
وعن جابر عن النبي: أنّه سمّى الحسن حسناً لأنّ بإحسان الله قامت السماوات والأرضون(٦٨).
سنن الولادة:
وعقّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيده عن الحسن بكبش في اليوم السابع من ولادته، وقال: (بسم الله، عقيقة عن الحسن، اللهمّ عظمها بعظمه ولحمها بلحمه ودمها بدمه وشعرها بشعره، اللهمّ اجعلها وقاءً لمحمد وآله، وأعطى القابلة شيئاً، وقيل: رجل شاة، وأهدوا منها الى الجيران، وحلق رأسه ووزن شعره فتصدّق بوزنه فضة ورقاً(٦٩).
رضاعه:
وجاء عن اُمّ الفضل زوجة العباس ـ عمّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) ـ أنّها قالت: قلت: يا رسول الله! رأيت في المنام كأنَّ عضواً من أعضائك في حجري، فقال (صلى الله عليه وآله): خيراً رأيتِ، تلد فاطمة غلاماً فتكفلينه، فوضعت فاطمة الحسن (عليه السلام) فدفعه اليها النبيّ (صلى الله عليه وآله) فرضعته بلبن قُثَم بن العبّاس(٧٠).
كنيته وألقابه:
أما كنيته فهي: (أبو محمّد) لا غير.
وأما ألقابه فكثيرة، وهي: التقيّ والطيّب والزكيّ والسيّد والسبط والوليّ، كلّ ذلك كان يقال له ويطلق عليه، وأكثر هذه الألقاب شهرة (التقيّ) لكن أعلاها رتبة وأولاها به ما لقّبه به رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حيث وصفه به وخصّه بأن جعله نعتاً له، فإنّه صحّ النقل عن النبي (صلى الله عليه وآله) فيما أورده الأئمة الأثبات والرواة الثقات أنّه قال: (إبني هذا سيّد)، فيكون اُولى ألقابه (السيّد).
نقش خاتمه:
عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام): ثم كان في خاتم الحسن والحسين (عليهما السلام): (حسبي الله).
وعن الرضا (عليه السلام): كان نقش خاتم الحسن (عليه السلام) (العزّة لله)(٧١).
حليته وشمائله:
عن جحيفة أنّه قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان الحسن بن علي يشبهه.
وعن أنس أنّه قال: لم يكن أحد أشبه برسول الله (صلى الله عليه وآله) من الحسن بن علىّ (عليه السلام)(٧٢).
ومن هنا وُصِف الإمام الحسن بن علي بأنه كان أبيض مشرّباً حمرةً، أدعج العينين(٧٣)، سهل الخدّين، دقيق المسرُبَةِ(٧٤)، كثّ اللحية، ذا وفرة(٧٥) كأنّ عنقه إبريق فضّة، عظيم الكراديس(٧٦)، بعيد ما بين المنكبين، ربعة ليس بالطويل ولا القصير، مليحاً، من أحسن الناس وجهاً، وكان يخضب بالسواد، وكان جعد الشعر(٧٧)، حسن البدن(٧٨).
لقد كان الحسن بن عليّ (عليهما السلام) خير الناس أباً واُمّاً وجدّاً وجدّة وعمّاً وعمّة وخالاً وخالةً، وتوفّرت له جميع عناصر التربية المثلى، وانطبعت حياته منذ ولادته ببصمات الوحي الإلهي والإعداد الربّاني على يدي خاتم الأنبياء وسيّد الأوصياء وسيدة النساء.
فالحسن ابن رسول الله جسماً ومعنىً، وتلميذه الفذّ، وربيب مدرسة الوحي التي شعّت على الناس هدىً ورحمة.

* * *
الفصل الثاني: مراحل حياة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)

تولّى الإمام الحسن السبط (عليه السلام) منصب الإمامة والقيادة بعد استشهاد أبيه المرتضى (عليه السلام) في الواحد والعشرين من رمضان سنة ٤٠ هجرية وهو في السابعة والثلاثين من عمره المبارك. وقد عاش خلال هذه المرحلة مع جدّه الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ما يزيد على سبع سنوات ومع أبيه المرتضى (عليه السلام) فترة إمامته البالغة ثلاثين سنة تقريباً. وعاصر خلالها كلاًّ من الخلفاء الثلاثة وشارك بشكل فاعل في ادارة دولة أمير المؤمنين على بن أبي طالب (عليه السلام).
واستمر بعد أبيه يحمل مشعل القيادة الربّانية حتى الثامن والعشرين أو السابع من شهر صفر سنة ٥٠ هجرية، وله يومئذ ثمان وأربعون سنة(٧٩).
اذن تنقسم حياة هذا الإمام العظيم الى شطرين أساسيين:
الشطر الأول: حياته قبل إمامته (عليه السلام) وينقسم هذا الشطر الى ثلاث مراحل:
المرحلة الاُولى: حياته في عهد جدّه الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله).
المرحلة الثانية: حياته في عهد أبي بكر وعمر وعثمان.
المرحلة الثالثة: حياته في دولة أبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)
الشطر الثاني: حياته بعد استشهاد أبيه (عليه السلام) وهو عصر امامته (عليه السلام). وينقسم هذا الشطر الى مرحلتين متميزتين:
المرحلة الاُولى: وتبدأ من البيعة له بالخلافة حتى الصلح.
المرحلة الثانية: وهي مرحلة ما بعد الصلح حتى استشهاده (عليه السلام).
ونحن نبحث المراحل الثلاث الاُولى في الفصل الثاني من الباب الثاني، ونفرد البحث عن الشطر الثاني بباب مستقل، بعد أن نسلّط الأضواء الكافية على طبيعة عصر الإمام (عليه السلام) ومميزاته وخصائصه؛ لنخرج برؤي موضوعية ومنطقية عن سلامة مواقف الإمام (عليه السلام) سواء قبل الصلح وبعده، ولنري ما حقّقه هذا الإمام الهمام والشجاع الصابر، ونلاحظ كيف استطاع أن يؤدي دوره الكبير في أخطر مرحلة من مراحل تأريخنا الإسلامي بمواقفه الرسالية ومنطلقاته المبدئية، وكيف استطاع أن يصل الى الأهداف الرسالية التي جعلها الله تعالى على عاتقه كإمام معصوم يراد منه تحقيق أهداف الرسالة الإسلامية الكبرى.

الفصل الثالث: الإمام المجتبى (عليه السلام) في ظلّ جده وأبيه (عليهم السلام)

الإمام الحسن (عليه السلام) في عهد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)
ولد الإمام الحسن (عليه السلام) في حياة جدّه الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وعاش في كنفه سبع سنوات وستّة أشهر من عمره الشريف، وكانت تلك السنوات على قلّتها كافية لأن تجعل منه الصورة المصغّرة عن شخصية الرسول حتى ليصبح جديراً بذلك الوسام العظيم الذي حباه به جدّه، حينما قال له: (أشبهت خلقي وخلقي)(٨٠).
والرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) هو الذي تحمّل مسؤولية هداية ورعاية الاُمّة، ومسؤولية تبليغ الرسالة وتطبيقها وحماية مستقبلها وذلك بوضع الضمانات التي لا بدّ منها في هذا المجال، وهو المطّلع ـ عن طريق الوحي ـ على ما ينتظر هذا الوليد الجديد من دور قيادي هامّ، والمأمور بالإعداد لهذا الدور، وذلك ببناء شخصية هذا الوليد بناءً فذّاً يتناسب مع المهام الجسام التي تؤهله للاضطلاع بها على صعيد هداية الاُمّة وقيادتها.
إن كلمة الرسول (صلى الله عليه وآله) للإمام الحسن (عليه السلام): (أشبهت خَلقي وخُلقي) تعدّ وسام الجدارة والاستحقاق لذلك المنصب الإلهي الذي هو وراثة الرسالة وخلافة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد خلافة وصيه علي بن أبي طالب (عليه السلام).
وإنّ إحدى مهامّ الرسول (صلى الله عليه وآله) خلق المناخ الملائم لدى الاُمّة التي يفترض فيها أن لا تستسلم لمحاولات الابتزاز لحقّها المشروع في الاحتفاظ بقيادتها الإلهية، وأن لا تتأثر بعمليات التمويه والتشويه لطمس الركائز التي تقوم عليها رؤيتها العقائدية والسياسية التي حاول الإسلام تعميقها وترسيخها في ضمير الاُمّة.
ومن هنا نعرف الهدف الذي كان يرمي اليه النبيّ (صلى الله عليه وآله) في تأكيداته المتكررة على ذلك الدور الذي كان ينتظر الإمام الحسن وأخاه (عليهما السلام) منها قوله (صلى الله عليه وآله): (إنّهما إمامان قاما أو قعدا)(٨١) و(أنتما الإمامان، ولاُمّكما الشفاعة).(٨٢)
وقوله (صلى الله عليه وآله) للحسين (عليه السلام): (أنت سيّد، ابن سيّد، أخو سيّد، وأنت إمام، ابن إمام، أخو إمام، وأنت حجة، ابن حجة، أخو حجة، وأنت أبو حجج تسعة، تاسعهم قائمهم)(٨٣).
وقوله (صلى الله عليه وآله) في الإمام الحسن (عليه السلام): (هو سيّد شباب أهل الجنة، وحجة الله على الاُمّة، أمره أمري، وقوله قولي، من تبعه فإنّه منّي، ومن عصاه فإنّه ليس منّي...)(٨٤).
ونلاحظ حرصه على ربط قضاياهما بنفسه، إذ يقول: (أنا سِلمٌ لِمَن سالمتم، وحرب لِمَن حاربتم)(٨٥).
وجاء عن أنس بن مالك أنّه قال: دخل الحسن على النبي (صلى الله عليه وآله) فأردت أن اُميطه عنه، فقال: (ويحك يا أنس! دع ابني وثمرة فؤادي، فإنّ من آذى هذا آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله)(٨٦).
وكان الرسول (صلى الله عليه وآله) يُقَبّل الإمام الحسن (عليه السلام) في فمه ويُقَبّل الإمام الحسين (عليه السلام) في نحره، وكأنّه يريد إثارة قضية مهمة ترتبط بسبب استشهادهما (عليهما السلام) وإعلاماً منه عن تعاطفه معهما، وتأييده لهما في مواقفهما وقضاياهما.
لقد كان الإمام الحسن (عليه السلام) أحبّ الناس الى النبيّ (صلى الله عليه وآله)(٨٧)، بل لقد بلغ من حبّه له ولأخيه أنّه كان يقطع خطبته في المسجد وينزل عن المنبر ليحتضنهما.
والكلّ يعلم أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) لم ينطلق في مواقفه من منطلق الأهواء الشخصية، والنزعات والعواطف الذاتية، وإنّما كان ينبّه الاُمّة الى عظمة هذين الإمامين ومقامهما الرفيع.
وإنّ ما ذكر هو الذي يفسّر لنا السرّ في كثرة النصوص التي وردت عنه (صلى الله عليه وآله) حول الحسنين (عليهما السلام) مثل قوله (صلى الله عليه وآله) بالنسبة للإمام الحسن (عليه السلام): (اللّهمّ إنّ هذا ابني وأنا أُحبّه فأحبّه وأحبّ من يحبّه)(٨٨)، وقوله (صلى الله عليه وآله): (أحبّ أهل بيتي إليّ الحسن والحسين...)(٨٩).
يوم المباهلة ومداليله:
وفد بعض أساقفة نصارى نجران على النبيّ (صلى الله عليه وآله) وناظروه في عيسى، فأقام عليهم الحجة فلم يقبلوا، ثم اتفقوا على المباهلة(٩٠) أمام الله على أن يجعلوا لعنة الله الخالدة وعذابه المعجّل على الكاذبين.
ولقد سجّل القرآن الكريم هذا الحادث العظيم في تاريخ الرسالة الإسلامية بقوله تعالى:
(إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثمّ قال له كن فيكون * الحقّ من ربِّك فلا تكن من الممترين* فمن حاجَّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لّعنت الله على الكاذبين)(٩١).
فلمّا رجعوا الى منازلهم قال رؤساؤهم (السيّد والعاقب والأهتم): إن باهَلنا بقومه باهلناه، فإنه ليس نبيّاً، وإن باهَلنا بأهل بيته خاصة لم نباهله، فإنه لا يُقدِم الى أهل بيته إلاّ وهو صادق، فخرج اليهم (صلى الله عليه وآله) ومعه عليّ وفاطمة والحسنان (عليهم السلام) فسألوا عنهم، فقيل لهم: هذا ابن عمّه ووصيّه وختنه علي بن أبي طالب، وهذه ابنته فاطمة، وهذان ابناه الحسن والحسين، ففرقوا فقالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله): نعطيك الرضا فاعفنا من المباهلة، فصالحهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الجزية وانصرفوا(٩٢).
ولقد أجمع المفسّرون على أنّ المراد بأبنائنا: الحسن والحسين(٩٣).
وقال الزمخشري: وفيه دليل ـ لا شيء أقوى منه ـ على فضل أصحاب الكساء(٩٤).
ويمكننا استخلاص جملة من الاُمور من يوم المباهلة أهمها:
أوّلاً: الاُنموذج الحيّ:
إنّ إخراج الحسنين (عليهما السلام) في قضية المباهلة لم يكن أمراً عادياً، وإنّما كان مرتبطاً بمعاني ومداليل خطيرة، أهمها: أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) حينما يكون على استعداد للتضحية بنفسه وبهؤلاء الذين يعتبرهم القمّة في النضج الرسالي، بالإضافة الى أنّهم أقرب الناس اليه فإنّه لا يمكن أن يكون كاذباً ـ والعياذ بالله ـ في دعواه، كما لاحظه وأقرّه رؤساء النصارى الذين جاءوا ليباهلوه، وكذلك يدل على تفانيه في رسالته الإلهيّة وعلى ثقته بما يدعو اليه.
ثانياً: في خدمة الرسالة:
إنّ اعتبار الإمام الحسن وأخيه الحسين (عليهما السلام) في صباهما المثل الأعلى والاُنموذج المجسّد للإسلام وعي عقائدي سليم فرضته الأدلة والبراهين التي تؤكّد بشكل قاطع على أن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) كانوا في حال طفولتهم في المستوى الرفيع الذي يؤهّلهم لتحمّل الأمانة الإلهية وقيادة الاُمّة قيادة حكيمة وواعية، كما سَجَّل التاريخ ذلك بالنسبة لكل من الإمامين الجواد (عليه السلام) والمهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) حيث شاءت الإرادة الإلهية أن يتحمّلا مسؤولياتهما القيادية في السنين الاُولى من حياتهما، وهذا ليس بالغريب على من أرادهم الله حملة لدينه ورعاة لبريته، فهذا عيسى بن مريم يتحدّث عنه القرآن الكريم بقوله: (فأشارت إليه قالوا كيف نكلّم من كان في المهد صبيّاً * قال إنّي عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيّاً...)(٩٥).
وكذلك كان يحيى (عليه السلام) الذي قال الله سبحانه عنه: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيّا)(٩٦).
لقد كان الحسنان (عليهما السلام) في أيّام طفولتهما الاُولى أيضاً في مستوىً من النضج والكمال الإنساني بحيث كانا يملكان كافة المؤهّلات التي تجعلهما محلاً للعناية الإلهية، وأهلاً للأوسمة الكثيرة التي منحها إيّاهما الإسلام على لسان نبيّه العظيم (صلى الله عليه وآله) ممّا جعلهما قادرين على تحمّل المسؤوليات الجسام، وحيث إنّ الحاضرين للمباهلة شركاء في الدعوى، إذن فعليّ وفاطمة والحسنان (عليهم السلام) شركاء في الدعوى، وفي الدعوة الى المباهلة لإثباتها.
وهذا من أفضل المناقب التي خصّ الله بها أهل بيت نبيّه(٩٧).
وقد استنتج علماء المسلمين الفضل للحسن والحسين (عليهما السلام) من المباهلة، ومنهم ابن أبي علان ـ وهو أحد أئمة المعتزلة ـ حيث يقول: هذا يدل على أنّ الحسن والحسين كانا مكلّفين في تلك الحال؛ لأنّ المباهلة لا تجوز إلاّ مع البالغين(٩٨).
ويؤيّد ذلك أيضاً، اشراكهما (عليهما السلام) في بيعة الرضوان، ثم شهادتهما للزهراء(عليها السلام) في قضية نزاعها مع أبي بكر حول فدك، الى غير ذلك من أقوال ومواقف للنبيّ (صلى الله عليه وآله) فيهما في المناسبات المختلفة.
وهذا كلّه يصبّ في المنهج الذي أراده النبيّ (صلى الله عليه وآله) في إعداد الناس نفسيّاً، وإفهامهم بأنّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) يمكنهم أن يتحمّلوا مهمة رسالية في قطعة زمنية من أعمارهم.
ثالثاً: سياسات لابدّ من مواجهتها:
هنالك مجموعة من الغايات التربوية والسياسية التي كانت تكمن وراء إشراك النبي (صلى الله عليه وآله) أهل بيته في المباهلة، منها:
أ ـ إنّ إخراج العنصر النسوي ممثّلاً بفاطمة الزهراء ـ صلوات الله وسلامه عليها ـ والتي تعتبر الاُنموذج الأسمى للمرأة المسلمة في أمر ديني ومصيري كهذا كان من أجل محو ذلك المفهوم الجاهلي البغيض، الذي كان لا يرى للمرأة أيّةَ قيمة أو شأن يذكر، بل كانوا يرون فيها مصدر شقاء وبلاء ومجلبة للعار ومظنّة للخيانة(٩٩)، فلم يكن يتصوّر أحد منهم أن يرى المرأة تشارك في مسألة حساسة وفاصلة، بل ومقدّسة كهذه المسألة، فضلاً عن أن تعتبر شريكة في الدعوى، وفي الدعوة لإثباتها.
ب ـ إنّ إخراج الحسنين (عليهما السلام) الى المباهلة بعنوان أنهما أبناء الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) مع أنّهما ابنا ابنته الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء(عليها السلام) له دلالة هامة ومغزىً عميق، حيث إنّه (في الآية دلالة على أنّ الحسن والحسين ـ وهما ابنا البنت ـ يصح أن يقال: إنّهما ابنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأنّه وعد أن يدعو أبناءه، ثم جاء بهما)(١٠٠)، وبالإضافة الى ما اُشير اليه آنفاً كان يهدف الى إزالة المفهوم الجاهلي القائل بأنّ أبناء الأبناء هم الأبناء في الحقيقة دون أبناء البنات.
ومع كلّ ما قام به النبيّ (صلى الله عليه وآله) في يوم المباهلة لتصحيح هذا المفهوم الجاهلي تجد البعض يبقى متمسّكاً به، وقد ظهر هذا التمسّك في بعض الآراء الفقهية حول تفسير قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظّ الاُنثيين) حيث اعتبر الإرث مختصّاً بعقب الأبناء دون من عقبته البنات(١٠١).
وبالرغم من كون المنهج المناوئ لأهل البيت قد حظي بكثير من الدعم من قبل الحكام مجنِّدين كلّ الطاقات من أجل تأكيده وتثبيته، إلاّ أنّه كانت ثمة عقبة كَؤُود تواجههم وتعترض سبيل نجاحهم في تشويه الحقيقة وتزوير التأريخ، وهي وجود أهل البيت (عليهم السلام) الذين يملكون أقوى الحجج وأعظم الدلائل والشواهد من القرآن ومن الحديث المتواتر ومن المواقف النبويّة المتضافرة التي عرفها ورآها وسمعها عدد هائل من صحابة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ثم انتقلت منهم الى الاُمّة الإسلامية.
ولا بأس أن نذكر شيئاً من محاولات نفي بنوّة الحسنين (عليهما السلام) له (صلى الله عليه وآله):
١ ـ قال ذكوان مولى معاوية: قال معاوية: لا أعلمنّ أحداً سمّى هذين الغلامين ابني رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولكن قولوا: ابني علي (عليه السلام)، قال ذكوان: فلمّا كان بعد ذلك أمرني أن أكتب بنيه في الشرف، قال: فكتبت بنيه وبني بنيه وتركت بني بناته، ثم أتيته بالكتاب فنظر فيه، فقال: ويحك، لقد أغفلت كُبْر بنيّ! فقلت: من؟ فقال: أما بنو فلانة ـ لابنته ـ بَنيَّ؟ قال: قلت: الله!! أيكون بنو بناتك بنيك، ولا يكون بنو فاطمة بني رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟! قال: ما لك؟ قاتلك الله! لا يسمعنّ هذا أحد منك(١٠٢).
٢ ـ قال الإمام الحسن (عليه السلام) محتجّاً على معاوية: (... فأخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الأنفس معه أبي، ومن البنين أنا وأخي، ومن النساء فاطمة اُمي من الناس جميعاً، فنحن أهله ولحمه ودمه ونفسه، ونحن منه وهو منّا)(١٠٣).
٣ ـ وقال الرازي في تفسير قوله تعالى: (ومن ذرّيته داود وسليمان وأيوب ويوسف ـ الى قوله ـ وزكريا ويحيى وعيسى) بعد أن ذكر دلالة الآية على بنوّة الحسنين للنبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: (ويقال: إنّ أبا جعفر الباقر استدلّ بهذه الآية عند الحجّاج بن يوسف)(١٠٤).
٤ ـ وأرسل عمرو بن العاص الى أمير المؤمنين (عليه السلام) يعيبه بأشياء منها: أنّه يسمّي حسناً وحسيناً وَلَدَي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال لرسوله: (قل للشانئ ابن الشانئ: لو لم يكونا ولديه لكان أبتر، كما زعم أبوك)(١٠٥).
لقد صدع الإمام الحسن (عليه السلام) في أكثر من مناسبة وأكثر من موقف، ولم يكن يكتفي بإظهار وإثبات بنوّته لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فقط، وإنّما كان يؤكّد من خلالها أنّ حقّ الإمامة والخلافة له وحده، ولا يمكن أن يصل الى معاوية وأضرابه؛ لأنّ معاوية يفتقد المواصفات المؤهّلة للخلافة، بل يتّصف بما ينافيها.
ومن كلامه في جملة من المواقف وفي هذا الشأن بالخصوص:
١ ـ أنّه (عليه السلام) خطب فور وفاة أبيه (عليه السلام) فقال: (أيّها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي، وأنا ابن النبيّ، وأنا ابن الوصيّ)(١٠٦).
٢ ـ إنّ معاوية طلب منه (عليه السلام) أن يصعد المنبر ويخطب، فصعد المنبر وخطب وصار يقول: أنا ابن، أنا ابن... الى أن قال: (لو طلبتم إبناً لنبيّكم ما بين لابتيها لم تجدوا غيري وغير أخي)(١٠٧).
شهادة الحسنين (عليهما السلام) على كتاب لثقيف:
لقد أشهد النبي (صلى الله عليه وآله) الحسنين (عليهما السلام) حينما كتب كتاباً لثقيف، وأثبت فيه شهادة عليّ والحسنين صلوات الله وسلامه عليهم.
قال أبو عبيد: وفي هذا الحديث من الفقه إثباته شهادة الحسن والحسين، وقد كان يروي مثل هذا عن بعض التابعين: أنّ شهادة الصبيان تكتب ويستنسبون، فيستحسن ذلك، فهو الآن في سنّة النبيّ(١٠٨).
نقول: ألم يجد النبيّ أحداً من الصحابة يستشهده على ذلك الكتاب الخطير الذي كان يرتبط بمصير جماعة كبيرة سوى هذين الصبيّين؟! وهل كان وحيداً (صلى الله عليه وآله) حينما جاءه وفد ثقيف، وكتب لهم ذلك الكتاب حتى احتاج الى استشهاده ولَدَين صغيرين لم يبلغا الخمس سنوات؟.
إنّ أدنى مراجعة للنصوص التاريخية لتبعد هذا الاحتمال كلّ البعد، حيث إنّها صريحة في أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد ضرب لهم قبة في المسجد ليسمعوا القرآن، ويروا الناس إذا صلّوا، وكان خالد بن سعيد بن العاص حاضراً، وكان خالد بن الوليد هو الكاتب، ومع ذلك لم يشهدا على الكتاب(١٠٩).
إنّنا نعي من ذلك ما أراد أن يشير اليه النبيّ (صلى الله عليه وآله) من فضل الحسنين، وأنّهما مؤهّلان لأن يتحمّلا المسؤوليات الجسام حتى في المعاهدات السياسية الخطيرة كهذه المعاهدة بالذات، والتي كانت مع ثقيف المعروفة بعدائها الشديد للإسلام والمسلمين.
حضور الحسنين (عليهما السلام) بيعة الرضوان:
لقد حضر الحسنان (عليهما السلام) بيعة الرضوان، واشتركا في البيعة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعرف ذلك عند المؤرّخين.
قال الشيخ المفيد (رحمه الله): (وكان من برهان كمالهما (عليهما السلام) وحجة اختصاص الله تعالى لهما بيعة رسول الله لهما، ولم يبايع صبياً في ظاهر الحال غيرهما)(١١٠).
ومن المعلوم أنّ البيعة تتضمّن إعطاء التزام وتعهّد للطرف الآخر بتحمّل مسؤوليات معينة ترتبط بمستقبل الدعوة والمجتمع الإسلامي، وحمايتهما من كثير من الأخطار التي ربّما يتعرّضان لها، ومعنى ذلك أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قد رأى في الحسنين (عليهما السلام) ـ على صغر سنهما ـ أهلية وقابلية لتحمّل تلك المسؤوليات الجسام، والوفاء بالالتزامات التي أخذا على عاتقهما الوفاء بها.
الحسن والحسين إمامان:
روي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)(١١١). رغم أنّه لم يكن عمرهما حينئذ قد تجاوز الخمس سنوات، وبذا يكون للحديث أهميته وعمق دلالته في معناه، ونجد الإمام الحسن (عليه السلام) يستدلّ بهذا القول على من يعترض عليه في صلحه مع معاوية(١١٢).
الإمام الحسن (عليه السلام) في عهد الخلفاء
في عهد أبي بكر وعمر:
بوفاة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ينتهي عهد الرسالة ويبدأ عهد الإمامة، بدءً بإمامة علي بن أبي طالب (عليه السلام) والذي عيّنه الرسول الأمين ليتحمّل أعباء الثورة الإلهية المباركة والقيادة الربّانيّة للاُمّة الإسلامية، التي حباها الله بوافر لطفه، وأنقذها من براثن الجاهلية، لتنعم في ظلِّ الهداية الرشيدة إلى حيث الكمال والجلال.
لقد اجتاز الحسنان (عليهما السلام) مرحلة الصبا في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد عرفنا كيف أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) لم يعاملهما معاملة الصبيان، بل كان يتعامل معهما كشخصيّتين إسلاميتين تنتظرهما مسؤوليات رياديّة كبرى، كما أفصحت عن ذلك نصوص نبويّة وفيرة.
وبدأت مرحلة فتوّتهما في ظلّ إمامة أبيهما، وفي ظروف غير مستقرّة، لا للدولة الإسلامية ولا لأهل بيت النبوّة، حيث اُبعد عليّ (عليه السلام) عن القيادة السياسية، وتولّى الأمر رجال لم يجعل لهم نصيب في القيادة استئثاراً وحسداً، واستصغاراً لشأن عليّ (عليه السلام) وموقعه الرياديّ الإلهيّ.
ثم تعرّضت دار الزهراء (عليها السلام) للهجوم المباغت واقتيد عليّ (عليه السلام) ليبايع أبا بكر؛ كي تستقر الدولة المهدّدة بالأخطار.
وفي كلّ هذه الأحوال كان الحسنان يراقبان تطوّرات الأحداث، وكيف أصبحا بعد ذلك العزّ في عهد جدّهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) يُستذلاّن وتستذلّ العترة النبوية الطاهرة، وقد كانت للزهراء ولإبنيها مواقف شتى في هذه الفترة، وهي لا تخرج عن المخطّط الرسالي الذي خطّه لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيما يرتبط بالرسالة بعد وفاته. وسوف نشير باختصار إلى المواقف التي ترتبط بالإمام الحسن (عليه السلام) خاصّةً، أو به وبأخيه الحسين (عليه السلام).
١ ـ الحسنان (عليهما السلام) وفدك:
لقد توفّي الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله) وحدث بعده ما حدث من استئثار القوم بالأمر، وتنصيب أبي بكر خليفةً على المسلمين، وإقصاء علي ابن أبي طالب (عليه السلام) عن محلّه الطبيعي الذي أهّله الله سبحانه وتعالى له، وتعرض فاطمة الزهراء (عليها السلام) بنت النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) لاغتصاب إرثها من أبيها، ومصادرة ما كان النبيّ قد ملّكها في حال حياته، وما دار بينها وبين أبي بكر من مساجلات واحتجاجات حول هذا الموضوع، حتى طلب منها أن تأتي بالشهود لإثبات ما تدّعيه، فجاءت بأمير المؤمنين (عليه السلام) وبالحسنين (عليهما السلام) وباُم أيمن (رضي الله عنها)، ولكنّ أبا بكر ردّ الشهود، ورفض إرجاع حقّها إليها.
إنّ استشهاد الزهراء البتول ـ صلوات الله وسلامه عليها ـ بالحسنين (عليهما السلام) ـ وهي المرأة المعصومة بحكم آية التطهير ـ لم تكن لِتُصدِر ولا لِتورِدَ الاّ وفق أحكام الشرع الإسلامي الحنيف، وذلك بمرأىً وبمسمع من المسلمين، وبتأييد ورضىً من سيّد الوصيّين وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، كلّ ذلك كان له دلالة تامة على أهليتهما لأداء الشهادة في مناسبة كهذه، مع أنّهما كانا آنذاك لا يتجاوز عمرهما السبع السنوات.
إنّ إعطاءهما دوراً بارزاً في قضية كبيرة كهذه، لم يكن أمراً عفوياً، ولا منفصلاً عن الضوابط التي تنتظم مواقف أهل البيت (عليهم السلام)، وإنما كان امتداداً لمواقف النبي (صلى الله عليه وآله) منهما، في مجال إعدادهما، ووضعهما في مكانهما الطبيعي وعلى المستوى القيادي للاُمّة.
٢ ـ اعتراضه على أبي بكر:
وللحسن بن عليّ (عليهما السلام) موقف مع أبي بكر، حيث جاء إليه يوماً وهو يخطب على المنبر، فقال له: انزل عن منبر أبي، فأجابه أبو بكر: صدقت والله، إنّه لمنبر أبيك لا منبر أبي(١١٣).
٣ ـ الإمام الحسن (عليه السلام) وأسئلة الأعرابي:
تقوم الإمامة على ركنين رئيسين: أحدهما: الكفاءة التي تشمل العلم والعصمة وغيرهما، والآخر: النص، من هنا نجد الأئمة (عليهم السلام) كانوا يهتمّون بذكر هذه النصوص والتذكير بها والتركيز عليها باستمرار، وقد كان الإمام الحسن (عليه السلام) قد أولى إهتماماً خاصّاً ـ وفي كثير من أقواله ومواقفه ـ لذكر هذه النصوص، ومن ذلك قوله: إنّهم هم الذين افترض الله طاعتهم، وإنّهم أحد الثقلين(١١٤).
وكذلك الحال بالنسبة إلى العلم، فإنّهم (عليهم السلام) ما فتئوا يؤكدون على أنّهم هم ورثة علم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعندهم الجفر والجامعة وغير ذلك(١١٥).
وقد كان الإمام عليّ (عليه السلام) يهتم في إثبات صفة علم الإمامة للإمام الحسن (عليه السلام) منذ طفولته، لكي يطّلع المسلمون على مدى علمه، فيكون دليلاً قاطعاً على إمامته (عليه السلام)، وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يهتم في إظهار ذلك لاُولئك الذين استأثروا بالأمر وأقصوا أصحاب الحقّ الحقيقيين عن حقّهم، وقد اتّبع (عليه السلام) في لفت الأنظار إلى الحسن (عليه السلام) اُسلوباً من شأنه أن يتناقله الناس ويتندروا به في مجالسهم، إذ أنّ إجابة طفل لم يبلغ عمره العشر سنوات على أسئلة عويصة وغامضة لأمر يثير عجبهم ويستأثر باهتمامهم.
وذكر القاضي النعمان في شرح الأخبار بإسناده عن عبادة بن الصامت: أنّ أعرابياً سأل أبا بكر، فقال: إنّي أصبت بيض نعام فشويته، وأكلته وأنا محرم، فما يجب عليّ؟ فقال له: يا أعرابي، أشكلت عليّ في قضيّتك، فدلّه على عمر، ودلّه عمر على عبد الرحمن بن عوف، فلمّا عجزوا قالوا: عليك بالأصلع، فقال أمير المؤمنين: (سل أيّ الغلامين شئت)، فقال الحسن: (يا أعرابي، ألك إبل؟) قال: نعم، قال: (فاعمد إلى ما أكلت من البيض نوقاً، فاضربهن بالفحول، فما فصل منها فأهده إلى بيت الله العتيق الذي حججت إليه)، فقال أمير المؤمنين: (إنّ من النوق السلوب، ومنها ما يزلق)(١١٦)، فقال: إن يكن من النوق السلوب وما يزلق، فإنّ من البيض ما يمرق(١١٧)، قال: فسمع صوت (أيّها الناس، إنّ الذي فهّم هذا الغلام هو الذي فهّمهما سليمان بن داود)(١١٨).
٤ ـ الإمام الحسن (عليه السلام) في الشورى:
بعد أن طعن عمر بن الخطاب، ورتّب قضية الشورى على النحو المعروف قال للمرشحين: (وأحضروا معكم من شيوخ الأنصار وليس لهم من أمركم شيء، وأحضروا معكم الحسن بن علي وعبدالله بن عباس، فإنّ لهما قرابة، وأرجو لكم البركة في حضورهما، وليس لهما من أمركم شيء. ويحضر عبدالله مستشاراً، وليس له من الأمر شيء) فحضر هؤلاء(١١٩).
وقد قبل الإمام الحسن حضور جلسات الشورى، وكان حضوره يعني انتزاع الاعتراف من عمر بأنّه ممّن يحقّ له المشاركة السياسية، حتى في أعظم وأخطر قضية تواجهها الاُمّة، وكذلك كي يفهم الناس هذا الأمر ولكي يتمكّن في المستقبل من إظهار رأيه في القضايا المصيرية، ولو لم يُقبل منه.

* * *

في عهد عثمان:
١ ـ الإمام الحسن (عليه السلام) في وداع أبي ذر:
(يا عمّاه! لو لا أنّه لا ينبغي للمودّع أن يسكت وللمشيّع أن ينصرف؛ لقصر الكلام وإن طال الأسف، وقد أتى من القوم إليك ما ترى، فضع عنك الدنيا بتذكّر فراغها، وشدّة ما اشتد منها برجاء ما بعدها، واصبر حتى تلقى نبيّك (صلى الله عليه وآله) وهو عنك راض)(١٢٠).
تلك هي كلمات الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) وهو يودّع ـ مع أبيه وأخيه وعمّه عقيل وابن عمّه عبدالله بن جعفر وابن عبّاس ـ أبا ذرّ الصحابي الجليل الذي جاهد وناضل في سبيل الدين والحقّ وما لاقى من اضطهاد وإهانة وبلاء حتى قضى غريباً وحيداً في (الربذة) منفاه.
وهي كلمات ناطقة معبّرة عن موقف عميق تجاه تصرّفات وأعمال الخط الحاكم، وهو بكلماته هذه يساهم في تحقيق ما كان يرمي اليه أبو ذرّ من أهداف، حيث كان لا بدّ من إطلاق الصرخة لإيقاظ الاُمّة من سباتها وتوعيتها على حقيقة ما يجري وما يحدث، وإفهامها أنّ الحاكم لا يمكن أن يكون أبداً في منأىً عن المؤاخذة، ولا هو فوق القانون، وإنّما هو ذلك الحامي له والمدافع عنه، فإذا ما سوّلت له نفسه أن يرتكب أيّة مخالفة أو أن يستغلّ مركزه في خدمة أهوائه ومصالحه الشخصيّة؛ فبإمكان كلّ شخص من المسلمين بل من واجبه أن يعلن كلمة الحقّ، ويعمل على رفع الظلم والانحراف.
ومن جهة اُخرى فإنّه إذا كانت الظروف لا تسمح لأمير المؤمنين وسبطيه (عليهم السلام) وآخرين ممن ساروا على خطّهم لأن يقفوا موقف أبي ذرّ؛ فإنّ عليهم ـ على الأقل ـ أن يعلنوا رأيهم الذي هو رأي الإسلام فيه وفي مواقفه، فإنّ ذلك من شأنه أن يعطي موقفه العظيم ذلك بُعداً إعلاميّاً وعمقاً فكريّاً وسياسيّاً يحمي تلك المعطيات والنتائج التي ستنشأ عنه.
وإذا تأمّلنا في كلمات الإمام الحسن (عليه السلام) لأبي ذرّ في ذلك الموقف؛ فإنّنا نجدها تتضمّن عميق أسفه لما فعله القوم بأبي ذرّ، ثم تشجيعه وشدّ أزره في موقفه، ويعتبر أنّ فيه رضى النبيّ (صلى الله عليه وآله) ومن ثم رضى الله سبحانه وتعالى.
كما أنّه يحاول التخفيف عن أبي ذرّ، بعد إعطائه الرؤية الصحيحة التي من شأنها أن تخفّف من وَقْعِ المحنة عليه، وتسهّل عليه مواجهة البلايا التي تنتظره، وذلك حينما يأمره (عليه السلام) بأن يضع عنه الدنيا بتذكّر فراغها، وشدّة ما اشتدّ منها برجاء ما بعدها.
٢ ـ هل اشترك الإمام الحسن (عليه السلام) في الفتوح؟:
قال بعض المؤرّخين: وفي سنة ثلاثين غزا سعيد بن العاص (طبرستان)، وكان أهلها في خلافة عمر قد صالحوا سويد بن مقرن على مال بذلوه، ثم نقضوا فغزاهم سعيد بن العاص ومعه الحسن والحسين وابن عبّاس!.
ولمّا أراد المسلمون فتح أفريقية فإنّ عثمان جهّز العساكر من المدينة، وفيهم جماعة من الصحابة، منهم ابن عبّاس وابن عمر وابن عمرو بن العاص وابن جعفر والحسن والحسين وابن الزبير، وساروا مع عبدالله ابن أبي سرح سنة ستٍّ وعشرين(١٢١).
وقد نوقش هذا الزعم ـ وهو اشتراك الحسنين (عليهما السلام) في الفتوحات ـ بما يلي:
أ ـ إنّ تلك الفتوحات لم تكن عموماً من أجل مصالح الإسلام العليا، حيث إنّ الحكام كانوا يستفيدون من تلك الفتوحات في مجال إرضاء طموحاتهم وإشباع غرورهم، فقد أسالت الفتوحات لعابهم بما فيها من غنائم وبسط نفوذ، فصاروا يهتمّون بتقوية أمرهم وتثبيت سلطانهم، وهناك من الحكّام من كان الدين والإسلام بنظرهم مجرد شعار يخدم ملكهم ويقوّيه.
ونستطيع أن نورد كثيراً من الشواهد والأدلة على مدى اهتمام الحكام وأعوانهم وكلّ من ينتسب إليهم بجمع الأموال والحصول على الغنائم بحقّ أو بغير حقّ، ويكفي أن نذكر: أنّ زياداً بعث الحكم بن عمر الغفاري على خراسان، فأصابوا غنائم كثيرة فكتب اليه زياد: أما بعد، فإنّ أمير المؤمنين كتب أن يصطفي له البيضاء والصفراء، ولا يقسّم بين المسلمين ذهباً ولا فضّةً، فرفض الحكم ذلك، وقسّمه بين المسلمين، فوجّه إليه معاوية من قيّده وحبسه فمات في قيوده، ودفن فيها، وقال: إنّي مخاصم(١٢٢).
وقد بدأ التعذيب بالجزية في زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب(١٢٣)، بل لقد رأيناهم يوجبون الجزية حتى على من أسلم من أهل الذمة، وذلك بحجة أنّ الجزية بمنزلة الضريبة على العبد فلا يسقط إسلام العبد ضريبته، لكن عمر ابن عبد العزيز شذّ عن هذه السياسة وأسقطها عنهم، كما يذكرون(١٢٤).
كما أنّ عمر بن الخطاب حاول أخذ الجزية من رجل أسلم على اعتبار أنّه: إنّما أسلم متعوّذاً، فقال له ذلك الشخص: إنّ في الإسلام لمعاذاً، فقال عمر: صدقت، إنّ في الإسلام لمعاذاً(١٢٥).
وأمّا مضاعفته الجزية على نصارى تغلب فهي معروفة ومشهورة(١٢٦).
وقال خالد بن الوليد يخاطب جنوده ويرغِّبهم بأرض السواد: ألا ترون إلى الطعام كرفغ(١٢٧) التراب؟ وبالله لو لم يلزمنا الجهاد في الله، والدعاء الى الله عز وجل، ولم يكن إلاّ المعاش؛ لكان الرأي أن نقارع على هذا الريف، حتى نكون أولى به، ونولي الجوع والإقلال من تولّى، ممن اثّاقل عمّا أنتم عليه(١٢٨).
وفي فتح (شاهرتا) يعطي بعض عبيد المسلمين أماناً لأهل المدينة، فلا يرضى المسلمون، وينتهي بهم الأمر الى أن يرفعوا ذلك الى عمر بن الخطّاب، فكتب: (إنّ العبد المسلم من المسلمين أمانه أمانهم، قال: ففاتنا ما كنّا أشرفنا عليه من غنائمهم...)(١٢٩).
ولكن ما ذكره خالد بن الوليد آنفاً ليس هو كلّ الحقيقة، وذلك لأنّ ما كان يصل الطبقة المستضعفة من الجند لم يكن إلاّ أقلّ القليل، ممّا لا يكفي لسدّ خلّتهم ورفع خصاصتهم، بل كان محدوداً جداً، لا يلبث أن ينتهي ويتلاشى، مع أنّهم كانوا هم وقود تلك الحروب.
إذن فالحرب من أجل الغنائم والأموال كانت هي الصفة المميّزة لأكثر تلك الفتوحات.
ب ـ إنّ الحكام كانوا يستفيدون من تلك الفتوحات في مجال إرضاء طموحات الشباب وإشباع غرورهم، إذ كانوا بصدد تأهيلهم لمناصب عالية وإظهار شخصياتهم، فقد كان معاوية يجبر ولده يزيد على قيادة جيش غازياً لبعض المناطق(١٣٠).
ج ـ كان الحكام يستفيدون من الفتوحات في إبعاد المعترضين على سياساتهم، والناقمين على أعمالهم وتصرفاتهم، وكشاهد على ذلك نذكر: أنّه لمّا تفاقت النقمة على عثمان؛ استدعى بعض عماله ومستشاريه، وهم: معاوية وعمرو بن العاص وعبدالله بن عامر(١٣١).
واستشارهم فيما ينبغي له عمله لمواجهة نقمة الناس على سياساته ومطالبتهم له بعزل عمّاله(١٣٢)، واستبدالهم بمن هم خير منهم، فأشار عليه عبدالله بن عامر بقوله: (رأيي لك يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك، وأن تجمرهم في المغازي، حتى يذلّوا لك، فلا يكون همة أحدهم إلاّ نفسه، وما هو فيه منه دَبَرة دابته، وقَمَل فروه).
وأضاف في نصٍّ آخر قوله: (فردّ عثمان عمّاله على أعمالهم، وأمرهم بالتضييق على من قبلهم، وأمرهم بتجمير(١٣٣) الناس في البعوث، وعزم على تحريم اُعطياتهم، ليطيعوه ويحتاجوا إليه...)(١٣٤).
د ـ إنّ الجهاد الابتدائي يحتاج الى إذن الإمام العادل(١٣٥)، وإنّ أئمة الحقّ كانوا لا يرون في الاشتراك في هذه الحروب مصلحة، بل لا يرون تلك الحروب خيراً، فقد روي: أنّ أبا عبدالله الصادق (عليه السلام) قال لعبدالملك بن عمرو: يا عبدالملك! مالي لا أراك تخرج الى هذه المواضع التي يخرج اليها أهل بلادك؟ قال: قلت: وأين؟ قال: حدة، وعبادان، والمصيصة، وقزوين، فقلت: انتظاراً لأمركم، والاقتداء بكم؟ فقال: إي والله، لو كان خيراً ما سبقونا إليه(١٣٦).
وثمّة عدّة روايات تدلّ على أنّهم (عليهم السلام) كانوا لا يشجعون شيعتهم، بل ويمنعونهم من الاشتراك في تلك الحروب، ولا يوافقون حتى على المرابطة في الثغور أيضاً، ولا يقبلون منهم حتى ببذل المال في هذا السبيل حتى ولو نذروا ذلك(١٣٧).
أمّا لو دهم العدو أرض الإسلام فإنّ عليهم أن يقاتلوا دفاعاً عن بيضة الإسلام، لا عن اُولئك الحكّام(١٣٨).
بل نجد روايةً عن علىّ (عليه السلام) تقول: (لا يخرج المسلم في الجهاد مع من لا يؤمن على الحكم، ولا ينفذ في الفيء أمر الله عزّ وجلّ)(١٣٩).
ويؤيّد ذلك: أنّ عثمان جمع يوماً أكابر الصحابة ـ وكان بينهم الإمام علىّ (عليه السلام) ـ في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) واستشارهم في غزوة أفريقية، فرأوا في الأكثر أنّ المصلحة في أن لا تقع بأيدي أصحاب الأغراض والأهواء والمنحرفين(١٤٠).
فالأئمة (عليهم السلام) وإن كانوا ـ ولا شك ـ يرغبون في توسعة رقعة الإسلام ونشره ليشمل الدنيا بأسرها ولكنّ الطريقة والاُسلوب الذي كان يتم به الفتح كان خطأً ومضرّاً ولا يحقق الأهداف المطلوبة(١٤١).
وعلى كلّ حال فإنّ جميع ما تقدّم ليكفي في أن يلقي ظلالاً ثقيلةً من الشك والريب فيما ينسب الى الإمامين الهمامين الحسن والحسين (عليهما السلام) من الاشتراك في فتح جرجان أو في فتح أفريقية، مع أنّ عدداً من كتب التاريخ التي عدّدت أسماء كثيرة من الشخصيات المشتركة في فتح أفريقية لم تذكرهما، علماً بأنّهما من الشخصيات التي كان يهم السياسة الزمنية للخلفاء التأكيد على ذكرها في مقامات كهذه.
هـ ـ ويؤيّد ذلك أيضاً: أنّ الإمام عليّاً (عليه السلام) منع ولديه في صفين والجمل من الخوض في المعركة، وقال ـ وقد رأى الحسن يتسرّع الى الحرب ـ: (أملكوا عنّي هذا الغلام لا يهدّني، فإنّني أنفّس بهذين الغلامين ـ يعني الحسنين (عليهما السلام) ـ على الموت، لئلاّ ينقطع بهما نسل رسول الله (صلى الله عليه وآله))(١٤٢).
وقد كان هذا منه (عليه السلام) في وقت كان له كثير من الأولاد، فكيف يسمح بخروجهما مع أمير اُموي أو غير اُموي، ولم يكن قد ولد له غيرهما من الأولاد بعد، أو كان ولكنّهم قليلون؟!.
إنّ جميع ما تقدم يجعلنا نطمئنّ إلى عدم صحة ما ينسب الى الحسنين (عليهما السلام) من الاشتراك في الغزوات آنئذ.
٣ ـ الإمام الحسن (عليه السلام) وحصار عثمان:
نقل بعض المؤرّخين: أنّه حينما حاصر الثائرون عثمان؛ بعث الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بولديه الحسن والحسين (عليهما السلام) للدفاع عنه، بل قالوا: إنّ الإمام الحسن (عليه السلام) قد جرح وخضّب بالدماء على باب عثمان من جرّاء رمي الناس عثمان بالسهام، ثم تسوّر الثائرون الدار على عثمان وقتلوه، وجاء الإمام علي (عليه السلام) كالواله الحزين، فلطم الحسن وضرب صدر الحسين (عليه السلام) وشتم آخرين، منكراً عليهم أن يُقتل عثمان وهم على الباب(١٤٣).
وقد استبعد مؤرّخون آخرون ذلك؛ إستناداً الى أنّ سيرة عثمان تبعد كلّ البعد عمّا نسب الى عليّ وولديه (عليهم السلام)، كما ويبعد منهم أن يتّخذوا موقفاً يخالف موقف البقية الصالحة من الصحابة، وينفصلوا عنهم. ويضيف هؤلاء المؤرّخون بخصوص دفاع الحسن عن عثمان، ولو فرض صحة ذلك، فإنّه لم يكن إلاّ لتبرير موقفه وموقف أبيه من الاشتراك في دمه، وأن لا يتّهمه المغرضون بشيء(١٤٤).
ويشكّ السيّد الشريف المرتضى في إرسال أمير المؤمنين (عليه السلام) ولديه للدفاع عن عثمان، إذ يقول: (فإنّما أنفذهما ـ إن كان أنفذهما ـ ليمنعا من انتهاك حريمه وتعمّد قتله، ومنع حرمه ونسائه من الطعام والشراب، ولم ينفذهما ليمنعا من مطالبته بالخلع)(١٤٥).
وأما العلاّمة الحسني (رحمه الله) فيقول: (من المستبعد أن يزجّ بريحانتي رسول الله (صلى الله عليه وآله) في تلك المعركة للدفاع عن الظالمين، وهو الذي وهب نفسه وكلّ حياته للحقّ والعدالة وإنصاف المظلومين)(١٤٦).
في حين يرى باحث آخر: (أنّ الخليفة كان مستحقّاً للقتل بسوء فعله، كما أنّ قتلته أو الراضين بقتله هم جمهرة الصحابة الأخيار، ولا يعقل أن يقف الحسنان في وجه هؤلاء وصدهم)(١٤٧).
وهنا نقدّم جملة من الملاحظات:
أ ـ إنّ ما ذكره هؤلاء من أنّ الصحابة الأخيار كانوا هم قتلة عثمان أو أنّهم الراضون بقتله فهذا صحيح، ولكن ممّا لا شك فيه هو أنّه كان من بينهم أيضاً من ثأر على عثمان، من أمثال: عائشة والزبير وطلحة وغيرهم، لا لأجل الانتصار للحقّ وإنّما من أجل المكاسب الدنيوية، كما أثبتت ذلك مواقفهم من حكومة الإمام عليّ (عليه السلام) بعد أن بايعوه عقيب مقتل عثمان.
ب ـ وأمّا ما ذكر من أنّ عليّاً قد ضرب الحسن (عليه السلام) ودفع صدر الحسين فهذا ما لا اتّفاقَ عليه؛ لأنّ عليّاً (عليه السلام) قد كرّر وأكّد أنّ قتل عثمان لم يسره ولم يسؤه(١٤٨)، كما أنّه لم يكن ليتّهم الحسنين (عليهما السلام) بالتواني في تنفيذ الأوامر التي يصدرها إليهما، وهما من الذين نصّ الله سبحانه وتعالى على تطهيرهم، وأكّد النبيّ (صلى الله عليه وآله) على عظيم فضلهم وباسق مجدهم وعلى محبته العظيمة لهم.
ج ـ وأمّا بالنسبة للدفاع عن عثمان فإنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) وإن كان لا يرى خلافة عثمان شرعية من الأساس، وكان على اطّلاع تامّ بالنسبة لجميع المخالفات والانتهاكات التي كانت تصدر عن الهيئة الحاكمة باستمرار إلاّ أنّه (عليه السلام) لم يكن يرى أنّ علاج الأمر بهذا الاُسلوب الانفعالي هو الطريقة المثلى والفضلى، وقد نقل عنه (عليه السلام) قوله عن عثمان: (إنّه استأثر فأساء الإثرة، وجزعوا فأساءوا الجزع)(١٤٩).
وما ذلك إلاّ لأنّ هذا الاُسلوب بالذات وقتل عثمان في تلك الظروف وعلى النحو الذي كان لم يكن يخدم قضية الإسلام، بل كان من شأنه أن يلحق بها ضرراً فادحاً وجسيماً، إذ أنّه سوف يعطي الفرصة لاُولئك المتربّصين من أصحاب المطامع والأهواء لاستغلال جهل الناس ورفع شعار الأخذ بثارات عثمان.
وإذا كان علىّ (عليه السلام) لا يرغب في قتل عثمان بالصورة التي حدثت؛ فإنّه لم يكن يريد أن يكون الدفاع والذبّ عن عثمان موجباً لفهم خاطئ لحقيقة رأيه في عثمان وفي مخالفته، فكان يذكر تلك المخالفات تصريحاً تارةً وتلويحاً اُخرى، كما أنّه كان يجيب سائليه عن أمر عثمان بأجوبة صريحة أحياناً ومبهمة اُخرى، أو على الأقل بنحو لا تسمح بالتشبّث بها واستغلالها من قبل المغرضين والمستغلين(١٥٠).
ولم يكن الإمام علىّ (عليه السلام) ليسكت عن تلك المخالفات الشنيعة التي كانت تصدر عن عثمان وأعوانه، بل كان (عليه السلام) وباستمرار يجهر بالحقيقة مرّةً بعد اُخرى، وقد حاول إسداء النصيحة لعثمان في العديد من المناسبات حتى ضاق عثمان به ذرعاً، فأمره أن يخرج الى أرض ينبع(١٥١).
كما أنّ عثمان واجه الإمام الحسن (عليه السلام) وبصريح القول بأنّه لا يرغب بنصائح أبيه، وذلك لأنه (كان عليّ كلما اشتكى الناس إليه أمر عثمان؛ أرسل ابنه الحسن (عليه السلام) إليه، فلمّا أكثر عليه قال: إنّ أباك يرى أنّ أحداً لا يعلم ما يعلم؟ ونحن أعلم بما نفعل، فكفّ عنّا! فلم يبعث علي (عليه السلام) ابنه في شيء بعد ذلك...)(١٥٢).
وهكذا يتّضح أنّ نصرة الحسنين (عليهما السلام) لعثمان بأمر من أبيهما الإمام علي (عليه السلام) وقد كانت منسجمة كلّ الانسجام مع خطّهم (عليهم السلام) الذي هو خطّ الإسلام الصافي والصحيح، وهو يدخل في عداد تضحياتهما الجسام ـ وما أكثرها ـ في سبيل هذا الدين! كما أنّه دليل واضح على بُعد النظر والدقّة والعمق.
٤ ـ هل جرح الإمام الحسن (عليه السلام) أثناء دفاعه عن عثمان؟
ويبقى أن نشير الى أنّنا نشكّ في صحة ما ذكرته الرواية من أنّ الإمام الحسن (عليه السلام) قد جرح أثناء الدفاع عن عثمان؛ وذلك لأن الإمام عليّاً (عليه السلام) وإن كان يمكن أن يكون قد أرسل ابنيه ـ أو الإمام الحسن وحده ـ للدفاع عن عثمان، وقد جاءا إليه وعرضا له المهمّة التي أوكلها إليهما أبوهما إلاّ أنّه يبدو أنّ عثمان قد ردّهما ولم يقبل منهما ذلك، وثمّة نصوص عديدة(١٥٣) توضّح ذلك نشير الى أحدها:
(ثم دعا عليّ بابنه الحسن، فقال: انطلق يا بنيّ الى عثمان فقل له: يقول لك أبي: أفتحبّ أن أنصرك؟ فأقبل الحسن الى عثمان برسالة أبيه، فقال عثمان: لا، ما اُريد ذلك، لأنّي قد رأيت رسول الله ـ الى أن قال ـ: فسكت الحسن، وانصرف الى أبيه، فأخبره بذلك).(١٥٤)
نعم، ربّما يكون الإمام الحسن (عليه السلام) قد ساعد على نجاة البعض من دون اشتراك في القتال، بل بما يحظى من احترام خاص في النفوس، ففي محاورة جرت بينه وبين مروان بن الحـكم، قال (عليه السلام) لمروان: (أفلا أرقت دم من وثب على عثمان في الدار فذبحه كما يذبح الجمل، وأنت تثغو ثغاء النعجة، وتنادي بالويل والثبور، كالأمة اللكعاء؟ ألا دفعت عنه بيد أو ناضلت عنه بسهم؟ لقد ارتعدت فرائصك، وغشي بصرك، فاستغثت بي كما يستغيث العبد بربّه، فأنجيتك من القتل ووضعتك منه، ثم تحثّ معاوية على قتلي)(١٥٥).
٥ ـ هل كان الإمام الحسن (عليه السلام) عثمانياً؟
هنالك جملة من الافتراءات ألحقها بعض كتّاب التاريخ بالحسن (عليه السلام)، ومن هذه الافتراءات: دعوى أنّ الإمام الحسن (عليه السلام) (كان عثمانياً بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة)، قالوا: (وربما غلا في عثمانيّته، حتى قال لأبيه ذات يوم ما لا يحبّ، فقد روى الرواة: أنّ عليّاً مرّ بابنه الحسن وهو يتوضّأ، فقال له: أسبغ الوضوء يا حسن! فأجابه الحسن بهذه الكلمة المرة: (لقد قتلتم بالأمس رجلاً كان يسبغ الوضوء) فلم يزد على أن قال: لقد أطال الله حزنك على عثمان)، وفي نصٍّ آخر للبلاذري: (لقد قتلت رجلاً كان يسبغ الوضوء)(١٥٦).
وفي قصّة اُخرى يزعمون: (أنّ الحسن بن علي قال لعليّ: يا أمير المؤمنين! إنّي لا أستطيع أن اُكلّمك، وبكى، فقال عليّ: تكلّم، ولا تحنّ حنين المرأة، فقال: إنّ الناس حصروا عثمان، فأمرتك أن تعتزلهم وتلحق بمكة، حتى تؤوب الى العرب عوازب أحلامها، فأبيت، ثم قتله الناس، فأمرتك أن تعتزل الناس ـ الى أن قال ـ: ثم أمرتك اليوم أن لا تقدم العراق فإنّي أخاف عليك أن تقتل بمضيعة...)(١٥٧).
وثمة روايات اُخرى تفيد هذا المعنى(١٥٨)، ونرى بأنّ المتتبّع لهذه الروايات بعين الفحص والتمحيص يجد الارباك بادياً عليها فضلاً عن عدم جمعها لشرائط القبول والحجية فلا يمكن الاعتماد على مثل هذه النصوص، على أن بعض الباحثين قال: المشهور أن هذه المحاورة قد جرت بين أمير المؤمنين (عليه السلام) والحسن البصري حينما مرّ عليه بالبصرة وهو يتوضّأ(١٥٩).
ونحتمل قويّاً أنّ لأيدي الوضّاعين دوراً كبيراً في خلق مثل هذه الروايات، ومن الملاحظات عليها:
أوّلاً: كيف يمكن أن نجمع بين ما قيل هنا وبين قولهم الآنف الذكر: إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أرسل الإمام الحسن وأخاه (عليهما السلام) للدفاع عن عثمان، وإنّه لمّا علم بمصيره جاء كالواله الحزين، ولطم الحسن المخضّب بالدماء، ودفع في صدر الحسين (عليه السلام) بتخيّل أنّهما قد قصّرا في أداء مهمتهما...الخ؟!.
ثانياً: إن المتتبّع لجميع مواقف الإمام الحسن (عليه السلام) يجده باستمرار وبمزيد من الإصرار يشدّ أزر أبيه، ويدافع عن حقّه، ويهتمّ في دفع حجج خصومه، وقد خاض غمرات الحروب في الجمل وفي صفّين، معرّضاً نفسه للأخطار الجسام في سبيل الدفاع عنه (عليه السلام) وعن قضيّته، حتى لقد قال الإمام (عليه السلام): (أملكوا عني هذا الغلام لا يهدّني).
وبالنسبة لدفاعه عن قضية أهل البيت (عليهم السلام) وحقّهم في الخلافة فإنّنا لا نستطيع استقصاء جميع مواقفه وأقواله في هذا المجال، ونكتفي بذكر نماذج منها لأجل التدليل على دفاعه عن مواقف أبيه (عليه السلام):
أ ـ قد جاء عنه (عليه السلام) أنّه قال: (إنّ أبا بكر وعمر عمدا الى هذا الأمر، وهو لنا كلّه، فأخذاه دوننا، وجعلا لنا فيه سهماً كسهم الجدّة، أما والله لتهمّنهما أنفسهما يوم يطلب الناس فيه شفاعتنا)(١٦٠).
ب ـ ومن خطبة له (عليه السلام): (ولولا محمد (صلى الله عليه وآله) وأوصياؤه كنتم حيارى لا تعرفون فرضاً من الفرائض...الخ) قال هذا بعد أن عدّد الفرائض، وكان منها الولاية لأهل البيت (عليه السلام)(١٦١).
ج ـ وقال (عليه السلام): فإنّ طاعتنا مفروضة، إذ كانت بطاعة الله عزّ وجلّ ورسوله مقرونة، قال الله عزّ وجلّ: (يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردّوه الى الله والرسول...)(١٦٢).
ثالثاً: إنّ تطهير الله سبحانه وتعالى للإمام الحسن (عليه السلام) كما نصت على ذلك آية التطهير ونصوص النبيّ (صلى الله عليه وآله) في حقّه، ثم ما عرف عنه (عليه السلام) من أخلاق فاضلة وسجايا كريمة ليكذّب كلّ ما ينسب إليه (عليه السلام) من اُمور وكلمات تتنافى مع أبسط قواعد الأدب الإسلامي الرفيع والخلق الإنساني الفاضل، ولا سيّما مع أبيه الذي يعرف هو قبل غيره قول النبيّ (صلى الله عليه وآله) فيه:
(إنّه مع الحقّ، والحقّ معه، يدور معه حيث دار)(١٦٣)، فكيف إذا كان ذلك الذي ينسب إليه ممّا يأباه حتى الرعاع من الناس، فضلاً عن خامس أصحاب الكساء، وأشبه الناس برسول الله خَلقاً وخُلقاً وهدياً وسلوكاً ومنطقاً؟!.
رابعاً: هل يعقل أن يكون الإمام الحسن (عليه السلام) ـ الذي عاش في كنف جدّه النبيّ المصطفى (صلى الله عليه وآله) وأبيه عليّ المرتضى (عليه السلام)، والذي كان بحراً من العلم لا ينزف، وقد أجاب منذ طفولته على الأسئلة التي أحالها إليه جدّه، ثم أبوه بعد ذلك ـ أنّه لم يكن يحسن إسباغ الوضوء؟.
خامساً: إذا كان عثمانياً بالمعنى الدقيق للكلمة فمعنى ذلك قبوله لجميع تصرّفات عثمان وأعماله التي خالفت كتاب الله وسنّة نبيّه، وذلك ممّا لا يحتمل في حقّه (عليه السلام) وهو الذي يذكر في تعريفه للسياسة: (أنّ من جملة مراعاة حقوق الأحياء أن تخلص لولي الأمر ما أخلص لاُمّته، وأن ترفع عقيرتك في وجهه إذا حاد عن الطريق السويّ)، ومن الواضح أنّ عثمان وعمّاله قد كانوا من أجلى مصاديق كلمته هذه، كما قرّره اُولئك الذين زعموا أنّ الإمام الحسن (عليه السلام) كان عثمانياً.
سادساً: وأمّا بخصوص الرواية التي تدّعي بأنّه أشار على أبيه بترك المدينة فلم يكن ذلك بالرأي السديد إطلاقاً، فإنّ طلحة والزبير وغيرهما من الطامعين والمستأثرين كانوا ينتظرون فرصة كهذه، ثم إنّ الناس في تلك الظروف الحرجة لم يسمحوا لعليّ (عليه السلام) بترك المدينة، وهم الذين بقوا يلاحقونه أيّاماً من مكان لمكان حتى بايعوه.

* * *

الإمام الحسن (عليه السلام) في عهد الدولة العلوية
١ ـ البيعة لأمير المؤمنين (عليه السلام) بالخلافة:
لقد كان عامة المسلمين يتطلّعون بلهفة الى من سيخلف عثمان عندما تتمخّض الأحداث عن قتله أو اعتزاله، ولقد كان الطامعون فيها أكثر من واحد، ومن بين اُولئك من عمّق مجرى الأحداث ووسّع دائرتها وأمدّ النار المتأجّجة بالوقود كطلحة والزبير وعائشة، وكان من أكثر الناس لهفة عليها طلحة، وبلغ به الحال أن سبق نتائج تلك الأحداث، وأخذ لنفسه المكان الذي قدّر أنّ الأيّام ستضعه فيه، فاستولى على بيت المال، وأقام الصلاة بالناس وعثمان محصور في داره لا يزال على قيد الحياة.
وبلا شك فإنّ الأربعة الباقين من الستّة أصحاب الشورى كانوا أوفر من سائر الناس حظّاً، وكان نصيب علىّ (عليه السلام) أوفر من نصيب الجميع، واليه تتّجه الجماهير في المدينة وخارجها، وحتى الثوار لم يعدلوا به أحداً، لأنّهم يعلمون بأنّه سيحقّق لهم الأهداف التي ثاروا من أجلها، ويعلمون في الوقت ذاته أنّ طلحة والزبير لم يغضبا للحقّ ولله، وأنّهما لا يختلفان عن عثمان وبطانته، وتأكّد ذلك لهم من موقفهما من عثمان خلال الأيام التي سبقت قتله.
وحدّث البلاذري في أنساب الأشراف: أنّ عليّاً (عليه السلام) لزم منزله بعد أن يئس من إصلاح الأمر بين الفريقين، فلما قتل عثمان وفرغ الناس من أمره وأدركوا أنّه لا بدّ لهم من إمام يجتمعون عليه؛ جاء الناس كلّهم إلى عليّ يهرعون، وهم يقولون: إنّ أميرنا عليّ بن أبي طالب، حتى دخلوا عليه الدار، وقالوا: امدُد يدك حتى نبايعك، فقال: ليس ذلك إليكم، إنّما ذلك لأهل بدر، فمن رضي به البدريون فهو الخليفة، فلم يبق أحد من أهل بدر إلاّ أتى عليّاً فقالوا: ما نرى أحداً أحقّ بها منك يا أبا الحسن(١٦٤).
وقال الطبري في الجزء الثالث من تأريخه: إنّ أصحاب رسول الله جاؤوه بعد مقتل عثمان، فقالوا له: لا بد للناس من إمام، ولا نجد اليوم أحقّ بهذا الأمر منك، فقال: لا تفعلوا فإنّي أكون وزيراً خير من أن أكون أميراً، فقالوا: لا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك، وما زالوا به حتى قبل بيعتهم، ولكنه أبى إلاّ أن تكون في المسجد ويرضى جميع الناس(١٦٥).
وفي رواية ثالثة: أنّه أصرّ على رفض البيعة بالرغم من الإلحاح الشديد عليه، فتوسّلوا بالأشتر لإقناعه وكان على رأس وفد الكوفة، فقال له: أبسط يدك نبايعك، فرفضها، فألحّ عليه، وخوّفه الفتنة إن هو بقي على موقفه، وما زال به حتى أقنعه، فبايعه الوجوه، ثم انثال عليه الناس من كلّ جانب، وقام الزبير فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيّها الناس! إنّ الله قد رضي لكم حكم الشورى، فأذهب به الهوى، وقد تشاورنا فرضينا علياً فبايعوه(١٦٦).
وجاء في الإمامة والسياسة عن أبي ثور أنّه قال: لمّا كانت البيعة بعد مصرع عثمان؛ خرجت في أثر علىّ (عليه السلام) والناس حوله يبايعونه، فدخل حائطاً من حيطان بني مازن، فألجأوه إلى نخلة وحالوا بيني وبينه، فنظرت اليهم وقد أخذتْ أيدي الناس ذراعه تختلف أيديهم على يده، ثم أقبلوا به الى المسجد الشريف، فكان أول من صعد المنبر في المسجد طلحة وبايعه بيده، وكانت أصابعه شلاّء، فتطيّر منها بعض من حضر وقال: لا يتمّ والله هذا الأمر! ثم بايعه الزبير وأصحاب النبيّ وجميع من في المدينة من المسلمين(١٦٧).
وقد وصف هو ـ سلام الله عليه ـ موقف المسلمين منه وإصرارهم على بيعته في خطبته المعروفة بالشقشقية، حيث قال: (فما راعني إلاّ والناس كعرف الضبع ينثالون عليّ من كلّ جانب مجتمعين حولي كربيضة الغنم، حتى لقد وطئ الحسنان وشُقَّ عِطفاي، فلمّا قمت بالأمر نكثت طائفة ومرقت اُخرى وقسط آخرون، كأنّهم لم يسمعوا كلام الله حيث يقول: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين).
ومضى في خطبته هذه يصف موقفه من الخلافة فقال: أما والذي فلق الحبّة، وبرأ النسمة، لولا حـضور الحاضر، وقيام الحجّة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أوّلها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز).
لقد تمّت البيعة لعلىٍّ (عليه السلام) بعد ما رأى أن لا مفر له منها في ذلك الجوّ المشحون بالفتن والاختلافات؛ وذلك بعد وفاة عثمان بثلاثة أيّام أو خمسة، وبايعه جميع المهاجرين والأنصار وغيرهم ممن وفدوا على المدينة من الأمصار الثلاثة، ولم يتخلّف عن بيعته من القرشيّين سوى أفراد قلائل، كان من بينهم مروان بن الحكم وسعد بن أبي وقّاص وعبدالله بن عمر(١٦٨).
وليس بغريب على مروان بن الحكم والاُمويين إذا هم تخلّفوا عن بيعة عليّ أو كرهوها، كما يبدو للمتتبّع في تاريخ البيت الاُموي مع الهاشميّين وغيرهم من أصحاب الرسالات.
وأمّا سعد بن أبي وقّاص فلقد كان يتمنّاها لنفسه، ولو وسعه العمل من أجلها لم يقصر، ولعله قد بدأ يفكّر فيها، فقد جعله ابن الخطاب أحد من تدور الخلافة في فلكهم وأعطاه أكثر مما يستحق، ولا أظنّه قبل ذلك كان يفكّر فيها، أو يتصوّر أنّ المسلمين سيجعلونه الى جانب عليٍّ في يوم من الأيام، ولكنّه بعد أن رأى انصراف الناس حتى عن طلحة والزبير وهما أبرز منه، ولهما مكانتهما بين صحابة الرسول في المصرين الكوفة والبصرة لم يتعرّض لها، واكتفى أن يعتزل ولا يبايع عليّاً (عليه السلام) تضامناً مع الاُمويين الذين تربطه بهم القرابة من قبل اُمّه حمئة، وكان هواه معهم، ولم يقف منهم موقفاً معادياً حتى بعد أن عزله عثمان عن الكوفة وأعطاها لأخيه الوليد(١٦٩)، وأمير المؤمنين يعلم منه ذلك كما يعلم بموقف الاُمويين وبما سيؤول إليه أمر طلحة والزبير وأكثر القرشيّين، وقد وصف موقفهم منه بعد البيعة بقوله:
(اللهم إنّي أستعديك على قريش، فإنّهم قطعوا رحمي وأكفأوا إنائي، فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا ذابّ ولا ساعد إلا أهل بيتي).
وقال مرة اُخرى: (ما لي ولقريش؟ والله قاتلتهم كافرين ولاُقاتلنّهم مفتونين، وإنّي لصاحبهم بالأمس كما أنا صاحبهم اليوم)(١٧٠).
ومهما كان الحال فلمّا دعي سعد بن أبي وقّاص الى البيعة؛ تمنّع منها تضامناً مع الاُمويين، فتركه أمير المؤمنين ولم يسمح للثائرين أن يستعملوا معه العنف، ولمّا دعي اليها عبدالله بن عمر بن الخطاب وامتنع منها؛ طلب منه كفيلاً بأن لا يشترك مع أحد في عمل ضدّه، ولمّا امتنع عن تقديم الكفيل تركه وقال للناس: خلّوه فأنا كفيله، ثم التفت اليه وقال: (اذهب فإنّي ما علمتك إلا سيّئ الخلق صغيراً وكبيراً).
ولمّا تمّت البيعة؛ انصرف أمير المؤمنين (عليه السلام) منذ اليوم الأول يجنّد كلّ إمكانياته لإصلاح ما أفسدته بطانة عثمان في جميع شؤون الدولة، تلك البطانة التي تركت جميع الأجهزة تنخر بالفساد والانحلال، وكان يرى أنّ الواجب يدعوه لمعالجة الأهمّ فالأهمّ من المشاكل المستعجلة التي يتضجّر منها الناس، وتأتي في طليعتها مشكلة الولاة التي أثارت تلك الضجّة على الخليفة الراحل وأودت بحياته، حتى إذا فرغ منها اتّجه الى غيرها من المشاكل التي يراها أكثر إلحاحاً وأعمّ نفعاً، ولم يكن ذلك ليمنعه من أن يبسط للناس السياسة التي سينتهجها في عهده الجديد.
وبعد أيام قلائل من خلافته وقف على المنبر ليعلن على الملأ المحتشد من حوله إلغاء بعض الأنظمة التي اتّبعها أسلافه خلال عشرين عاماً أو تزيد، وكان على ثقة بأنّ عمر بن الخطاب حينما قسّم الفيء حسب أقدار الناس وقدمهم في الإسلام قد استجاب لمصالحه الذاتّية أكثر مما استجاب لمبادئ الإسلام، وأنّ عثمان بن عفان حينما ترك أهله يعبثون به ويفسدون في الأرض قد استجاب للعنصرية الجاهلية وللروح الاُموية الحاقدة على الإسلام الذي لا يعطي أحداً على حساب أحد من الناس(١٧١).
٢ ـ استنجاد الإمام علي (عليه السلام) بالكوفة:
بينما كان الإمام علىّ (عليه السلام) يتهيّأ لمواجهة معاوية لمّا أعلن التمرّد على حكومته ورفض بيعته، وبينما هو جادّ في تدبير الأمر إذ فاجأه الخبر عن هياج بعض أهل مكة للطلب بدم عثمان بتحريض من طلحة والزبير وعائشة وأتباعهم من الاُمويين، فأشفق من انشقاق الكلمة واختلاف شمل المسلمين، ورأى أنّ خطرهم أقوى من خطر معاوية، وشرّهم أقوى من شرّه، وإذا لم يبادر لإخماد هذه الفتنة فإنّها يوشك أن تتّسع ويكثر التمرّد والاختلاف، فتجهّز للتحرك نحوهم، وشمّرت لنصرته البقية الصالحة من المهاجرين والأنصار، وخرجوا مسرعين ليلحقوا بهم قبل أن يدخلوا مصراً من الأمصار فيفسدوه، فلمّا بلغوا الربذة علموا بسبقهم الى البصرة وبالحوادث التي جرت فيها، فأقام الإمام (عليه السلام) بالربذة أيّاماً يحكّم أمره، وأرسل الى جماهير أهل الكوفة يستنجد بهم ويدعوهم الى نصرته والقيام معه لإخماد نار الفتنة، وأوفد لِلقياهم محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر، وزوّدهما برسالة جاء فيها: (أنّي اخترتكم على الأمصار، وفزعت إليكم لما حدث، فكونا لدين الله أعواناً وأنصاراً، وأيّدونا وانهضوا إلينا، فالإصلاح ما نريد لتعود الاُمّة إخواناً، ومن أحبّ ذلك وآثره فقد أحبّ الحق، ومن أبغض ذلك فقد أبغض الحقّ وأغمضه)(١٧٢).
وعرض الرسولان رسالة الإمام علىّ (عليه السلام) على أبي موسى الأشعريّ والي الكوفة، إلاّ أنّهما لم يجدا منه أيّة استجابة، وإنّما وجداه يثبّط العزائم ويمنع الناس من الاستجابة لنداء الخليفة، وبرّر عناده قائلاً: (والله إنّ بيعة عثمان لفي عنقي وعنق صاحبكما، فإن لم يكن بدّ من القتال لا نقاتل أحداً حتى يفرغ من قتلة عثمان...)(١٧٣).
فأوفد الإمام علىّ (عليه السلام) لِلقيا الأشعري رسولاً ثالثاً هو هاشم المرقال، وزوّده برسالة جاء فيها: (أنّي وجّهت هاشماً لينهض بمن قبلك من المسلمين إليّ، فأشخص الناس، فإنّي لم اُولّك إلاّ لتكون من أعواني على الحقّ).
إلاّ أنّ الأشعري أصرّ على تمرّده، فأرسل هاشم الى الإمام رسالة يخبره فيها بفشله في مهمّته وإخفاقه في سفارته.
٣ ـ إيفاد الإمام الحسن (عليه السلام):
بعد أن عرف الإمام عليّ (عليه السلام) إصرار أبي موسى وعدم إفلاح الرسل معه؛ بعث إليه ولده الحسن ومعه عمار بن ياسر، وأرسل معه رسالة فيها عزل أبي موسى عن منصبه وتعيين قرضة بن كعب مكانه، وهذا نصّ رسالته: (أمّا بعد، فقد كنت أرى أن تعزب عن هذا الأمر الذي لم يجعل الله لك نصيباً منه، يمنعك عن ردّ أمري وقد بعثت الحسن بن عليّ وعمار بن ياسر يستفزّان الناس، وبعثت قرضة بن كعب والياً على المصر، فاعتزل عملنا مذموماً مدحوراً، فإن لم تفعل فإنّي قد أمرته أن ينابذك)(١٧٤).
ووصل الإمام الحسن (عليه السلام) الى الكوفة فالتأم الناس حوله زمراً، وهم يعربون له عن انقيادهم وطاعتهم، ويظهرون له الولاء والإخلاص، وأعلن الإمام (عليه السلام) عزل الوالي المتمرّد عن منصبه، وتعيين قرضة محلّه، ولكنّ أبا موسى بقي مصرّاً على موقفه، فأقبل على عمار بن ياسر يحدّثه في أمر عثمان علّه أن يجد في حديثه فرجة، فيتّهمه بدم عثمان ليتّخذ من ذلك وسيلة الى خذلان الناس عن الإمام فقال له:
(يا أبا اليقظان! أعدوت فيمن عدا على أمير المؤمنين فأحللت نفسك مع الفجار؟) فأجابه عمّار: (لم أفعل ولم تسؤني).
وعرف الإمام الحسن (عليه السلام) غايته، فقطع حبل الجدال، وقال له: (يا أبا موسى! لِمَ تثبّط عنّا الناس؟).
وأقبل الإمام يحدّثه برفق ولين لينزع روح الشرّ والعناد عن نفسه قائلاً: (يا أبا موسى! والله ما أردنا إلاّ الإصلاح، وليس مثل أمير المؤمنين يخاف على شيء).
فقال أبو موسى: صدقت بأبي أنت واُمي، ولكنّ المستشار مؤتمن.
فأجابه الإمام (عليه السلام): (نعم).
فقال أبو موسى: سمعت رسول الله يقول: إنّها ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الراكب، وقد جعلنا الله عزّ وجلّ إخواناً، وحرّم علينا أموالنا ودماءنا، فقال: (يا أيّها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاّ أن تكون تجارةً عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إنّ الله كان بكم رحيماً)(١٧٥)، وقال عزّ وجلّ: (ومن يقتل مؤمناً متعمِّداً فجزاؤه جهنّم)(١٧٦).
فردّ عليه عمّار قائلاً: (أنت سمعت هذا من رسول الله؟).
قال: أبو موسى: (نعم، وهذه يدي بما قلت).
فالتفت عمّار الى الناس قائلاً: (إنّما عنى رسول الله بذلك أبا موسى، فهو قاعد خير من قائم)(١٧٧).
وخطب الإمام الحسن (عليه السلام) في الناس قائلاً: (أيّها الناس! قد كان في مسير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ورؤوس العرب، وقد كان من طلحة والزبير بعد بيعتهما وخروجهما بعائشة ما قد بلغكم، وتعلمون أنّ وهن النساء وضعف رأيهنّ الى التلاشي، ومن أجل ذلك جعل الله الرجال قوّامين على النساء، وأيم الله لو لم ينصره منكم أحد لرجوت أن يكون فيمن أقبل معه من المهاجرين والأنصار كفاية، فانصروا الله ينصركم)(١٧٨).
وبقي أبو موسى مصرّاً على موقفه يثبّط العزائم، ويدعو الناس الى القعود وعدم نصرة الإمام، فعنّفه الإمام الحسن (عليه السلام) قائلاً: (اعتزل عملنا أيّها الرجل، وتنحّ عن منبرنا لا اُمّ لك). وقام الإمام (عليه السلام) خطيباً بالناس فقال لهم:
(أيّها الناس! أجيبوا دعوة أميركم، وسيروا الى إخوانكم، فإنه سيوجد الى هذا الأمر من ينفر إليه، والله لئن يليه اُولو النهى أمثل في العاجل والآجل وخير في العاقبة، فأجيبوا دعوتنا وأعينونا على ما ابتلينا به وابتليتم، وأنّ أمير المؤمنين يقول: قد خرجت مخرجي هذا ظالماً أو مظلوماً، وأنّي أذكر الله رجلاً رعى حقّ الله إلاّ نفر، فإن كنت مظلوماً أعانني، وإن كنت ظالماً أخذ، والله إنّ طلحة والزبير لأول من بايعني، وأوّل من غدرا، فهل استأثرت بمال أو بدّلت حكماً؟ فانفروا وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر)(١٧٩).
فأجابه الناس بالسمع والطاعة، ولكن مالك الأشتر رأى أنّ الأمر لا يتمّ إلاّ بإخراج أبي موسى مهان الجانب محطّم الكيان، فأقبل مع جماعة من قومه فأحاطوا بالقصر ثم أخرجوا الأشعري منه، وبعد أن استتبّ الأمر للإمام الحسن (عليه السلام)! أقبل يتحدّث الى الناس بالخروج للجهاد قائلاً: (أيّها الناس، إنّي غاد، فمن شاء منكم أن يخرج معي على الظهر (أي على الدوابّ) ومن شاء فليخرج في الماء)(١٨٠).
واستجابت الجماهير لدعوة الإمام، فلمّا رأى ذلك قيس بن سعد غمرته الأفراح، وأنشأ يقول:

وقالوا عليّ خير حاف وناعل * * * رضينا به من ناقضي العهد من بدل(١٨١)

وعجّت الكوفة بالنفير ونزحت منها آلاف كثيرة، وقد بدا عليهم الرضا والقبول، وساروا وهم تحت قيادة الإمام الحسن (عليه السلام)، فانتهوا الى ذي قار(١٨٢) وقد التقوا بالإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث كان مقيماً هناك، فسرّ بنجاح ولده، وشكر له جهوده ومساعيه.
٤ ـ التقاء الفريقين في البصرة وخطاب الإمام الحسن (عليه السلام):
وتحرّكت كتائب الإمام من ذي قار حتى انتهت الى الزاوية(١٨٣). وبعث (عليه السلام) الى عائشة يدعوها الى حقن الدماء وجمع كلمة المسلمين، كما بعث (عليه السلام) برسالة الى طلحة والزبير يدعوهما الى الوئام ونبذ الشقاق(١٨٤) إلاّ أنّهم جميعاً لم يستجيبوا لنداء الحقّ، وأصرّوا على مقاومة الإمام ومناجزته.
وكان عبدالله بن الزبير من أشدّ المحرّضين على الفتنة وإراقة الدماء، وقد أفسد جميع الوسائل التي صنعها أمير المؤمنين (عليه السلام) لتحقيق السلم، وقد خطب في جموع البصريين ودعاهم الى الحرب، وهذا نصّ خطابه: (أيّها الناس! إنّ علي بن أبي طالب قتل الخليفة بالحقّ عثمان، ثمّ جهّز الجيوش إليكم ليستولي عليكم، ويأخذ مدينتكم، فكونوا رجالاً تطلبون بثأر خليفتكم، واحفظوا حريمكم، وقاتلوا عن نسائكم وذراريكم وأحسابكم وأنسابكم، أترضون لأهل الكوفة أن يردوا بلادكم؟ إغضبوا فقد غوضبتم، وقاتلوا فقد قوتلتم، ألا وإنّ عليّاً لا يرى معه في هذا الأمر أحداً سواه، والله لئن ظفر بكم ليهلكنّ دينكم ودنياكم)(١٨٥).
وبلغ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) خطاب ابن الزبير، فأوعز الى ولده الإمام الحسن (عليه السلام) بالردّ عليه، فقام خطيباً، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: (قد بلغتنا مقالة ابن الزبير في أبي وقوله فيه: إنّه قتل عثمان، وأنتم يا معشر المهاجرين والأنصار وغيرهم من المسلمين، علمتم بقول الزبير في عثمان، وما كان اسمه عنده، وما كان يتجنّى عليه، وأنّ طلحة يومذاك ركز رايته على بيت ماله وهو حيّ، فأنّى لهم أن يرموا أبي بقتله وينطقوا بذمّه؟! ولو شئنا القول فيهم لقلنا.
وأمّا قوله: إنّ علياً ابتزّ الناس أمرهم، فإنّ أعظم حجّة لأبيه زعم أنّه بايعه بيده ولم يبايعه بقلبه، فقد أقرّ بالبيعة وادّعى الوليجة، فليأت على ما ادّعاه ببرهان وأنّى له ذلك؟ وأمّا تعجّبه من تورّد أهل الكوفة على أهل البصرة فما عجبه من أهل حقٍّ تورّدوا على أهل باطل! أمّا أنصار عثمان فليس لنا معهم حرب ولا قتال، ولكنّنا نحارب راكبة الجمل وأتباعها).
٥ ـ الإمام علىّ (عليه السلام) في الكوفة بعد حرب الجمل:
بعد أن وضعت حرب الجمل أوزارها توقَّف الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) شهراً في البصرة، ثم غادرها متوجّهاً الى الكوفة، مخلّفاً عبدالله بن عباس عليها، وقد مكث أمير المؤمنين (عليه السلام) عدّة أشهر في الكوفة قبل أن يتحرك نحو صفّين لقتال القاسطين (أي معاوية وأنصاره)، وقد قام خلال هذه الفترة بتعيين وظائف ولاته وتنظيم الاُمور، كما وتبادل الرسائل مع معاوية وغيره من المتمرّدين على خلافته (عليه السلام).
٦ ـ خطاب الإمام الحسن (عليه السلام):
نقل العلاّمة المجلسي ـ رضوان الله تعالى عليه، عن كتاب (العدد) ـ روايةً أشارت الى أنّ بعض أهل الكوفة اتّهموا الإمام الحسن (عليه السلام) بضعف الحجّة والعجز عن الخطابة، ولعلّ هذه الرواية متعلّقة بهذه الفترة(١٨٦).
وعندما سمع أمير المؤمنين (عليه السلام) بتلك الاتهامات دعا ولده الإمام الحسن (عليه السلام) ليلقي في أهل الكوفة خطاباً، يفنّد فيه تلك المزاعم، وقد استجاب (عليه السلام) لدعوة أبيه (عليه السلام)، وألقى في حشود من الكوفيين خطاباً بليغاً، جاء فيه: (أيّها الناس! اعقلوا عن ربّكم، إنّ الله عزّ وجلّ اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، ذرّيّةً بعضها من بعض والله سميع عليم، فنحن الذرّيّة من آدم والاُسرة من نوح، والصفوة من إبراهيم، والسلالة من إسماعيل، وآل من محمد (صلى الله عليه وآله) نحن فيكم كالسماء المرفوعة، والأرض المدحوّة، والشمس الضاحية، وكالشجرة الزيتونة، لا شرقية ولا غربية، التي بورك زيتها، النبيّ أصلها، وعليّ فرعها، ونحن والله ثمرة تلك الشجرة، فمن تعلّق بغصن من أغصانها نجا، ومن تخلّف عنها فإلى النار هوى...).
وبعد أن انتهى الحسن (عليه السلام) من خطبته صعد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) المنبر وقال: (يا بن رسول الله! أثبَتَّ على القوم حجّتَك، وأوجبْتَ عليهم طاعتك، فويلٌ لمن خالفك)(١٨٧).
٧ ـ تهيّؤ الإمام علىٍّ (عليه السلام) لجهاد معاوية:
لمّا أخفقت جميع الوسائل التي سلكها الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) من أجل السلم بعد إصرار معاوية على محاربة السلطة الشرعية والإطاحة بالخلافة الإسلامية وإعادة المثل الجاهلية وزحفه بجيشه الى صفين واحتلال الفرات، تهيّأ (عليه السلام) للحرب وقد استدعى المهاجرين والأنصار الذين خفّوا لنجدته، فقال لهم: (إنّكم ميامين الرأي، مراجيح الحلم، مقاويل بالحقّ، مباركو الفعل والأمر، وقد أردنا المسير الى عدوّنا فأشيروا علينا برأيكم).
فانطلق عدد من كبار الشخصيات الإسلامية من أمثال: عمّار بن ياسر وسهل بن حنيف ومالك الأشتر وقيس بن سعد وعدي بن حاتم وهاشم بن عتبة، ليعربوا عن دعمهم لقرار الإمام (عليه السلام) في السير الى العدوّ ومواجهته(١٨٨).
وكان قد خطب الإمام الحسن (عليه السلام) خطاباً هامّاً وقتذاك قال فيه: (الحمد لله لا إله غيره، وحده لا شريك له، واُثني عليه بما هو أهله، إنّ ممّا عظّم الله عليكم من حقّه وأسبغ عليكم من نعمه ما لا يحصى ذكره، ولا يؤدّى شكره، ولا يبلغه صفة ولا قول، ونحن إنّما غضبنا لله ولكم، فإنّه منّ علينا بما هو أهله أن نشكر فيه آلاءه وبلاءه ونعماءه قولاً يصعد الى الله فيه الرضا، وتنتشر فيه عارفة الصدق، يصدق الله فيه قولنا، ونستوجب فيه المزيد من ربّنا، قولاً يزيد ولا يبيد، فإنّه لم يجتمع قوم قطّ على أمر واحد إلاّ اشتد أمرهم، واستحكمت عقدتهم، فاحتشدوا في قتال عدوّكم معاوية وجنوده، فإنّه قد حضر، ولا تخاذلوا فإنّ الخذلان يقطع نياط القلب، وإنّ الإقدام على الأسنّة نجدة وعصمة لأنّه لم يمتنع(١٨٩) قوم قطّ إلاّ رفع الله عنهم العلّة، وكفاهم جوائح(١٩٠) الذلّة، وهداهم معالم الملّة.
ثم أنشد:

والصلح تأخذ منه ما رضيت به * * * والحرب يكفيك من أنفساها جرع(١٩١)

لقد حفل خطابه البليغ بالدعوة إلى الوحدة والتعاون لمحاربة الطغاة البغاة، واستجاب الناس لدعوته فاسرعوا لنصرة الحق والدفاع عن الدين الحنيف.
٨ ـ في معركة صفّين:
احتشد الجيشان في صفيّن، وبَذَلَ الإمام علي (عليه السلام) العديد من المساعي لتفادي وقوع الحرب مع معاوية، إلاّ أنّها لم تفلح، ممّا اضطرّ الإمام عليّاً (عليه السلام) لخوض غمار حرب استمرت عدة أشهر، وراح خلالها ـ ضحيةً لسلطوية معاوية ـ الآلاف من المسلمين والمؤمنين.
وكان للإمام الحسن (عليه السلام) دور بارز في حرب صفّين، فقد نقل المؤرّخون: أنّ الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) عندما نظّم صفوف جيشه جعل الميمنة بقيادة الإمام الحسن (عليه السلام) وأخيه الإمام الحسين (عليه السلام) وعبدالله بن جعفر ومسلم بن عقيل(١٩٢)، وفي هذه الأثناء أراد معاوية أن يجسّ نبض الإمام الحسن (عليه السلام) فبعث اليه عبيدالله بن عمر يمنّيه بالخلافة ويخدعه حتى يترك أباه (عليه السلام) فانطلق عبيدالله، فقال له: لي إليك حاجة.
فقال له (عليه السلام): نعم، ما تريد؟
فقال له عبيدالله: (إنّ أباك قد وتر قريشاً أولاً وآخراً، وقد شنؤوه فهل لك أن تخلفه ونولّيك هذا الأمر؟)(١٩٣).
فأجابه الإمام الحسن (عليه السلام) بكلّ حزم: (كلا والله لا يكون ذلك)(١٩٤)، ثم أردف قائلاً: (لكأنّي أنظر إليك مقتولاً في يومك أو غدك، أما إنّ الشيطان قد زيّن لك وخدعك حتى أخرجك مخلقاً بالخلوق(١٩٥) وترى نساء أهل الشام موقفك، وسيصرعك الله ويبطحك لوجهك قتيلاً)(١٩٦).
ورجع عبيدالله الى معاوية وهو خائب حسير قد أخفق في مهمته، وأخبره بحديث الإمام (عليه السلام) فقال معاوية: (إنّه ابن أبيه)(١٩٧).
وخرج عبيدالله في ذلك اليوم الى ساحة الحرب يقاتل مع معاوية، فلقي حتفه سريعاً على يد رجل من قبيلة همدان، واجتاز الإمام الحسن (عليه السلام) في ساحة المعركة، فرأى رجلاً قد توسّد رجلاً قتيلاً وقد ركز رمحه في عينه وربط فرسه في رجله، فقال الإمام (عليه السلام) لمن حوله: اُنظروا من هذا؟ فأخبروه أن الرجل من همدان وأنّ القتيل عبيدالله بن عمر(١٩٨).
ومن الواضح أنّ هذا الحادث من كرامات الإمام الحسن (عليه السلام) حيث أخبر عن مصير عبيدالله قبل وقوعه، وأنبأه بنهايته الذليلة، وقد تحقّق ذلك بهذه السرعة.
٩ ـ إملكوا عنّي هذا الغلام:
لم تكن المواجهة في صفّين على وتيرة واحدة، فكانت تارةً على شكل مناوشات بين الفريقين، وتارة اُخرى كانت بصورة التحام كامل بين الجيشين، وأول مواجهة حيث اتّخذت شكل الالتحام العام رأى الإمام علىّ (عليه السلام) ابنه الإمام الحسن (عليه السلام) يستعدّ ليحمل على صفوف أهل الشام، فقال لمن حوله: (إملكوا عنّي هذا الغلام لا يهدّني(١٩٩) فإنّني أنفس(٢٠٠) بهذين الغلامين ـ يعني الحسن والحسين ـ لئلاّ ينقطع بهما نسل رسول الله)(٢٠١).
١٠ ـ الإمام الحسن (عليه السلام) والتحكيم:
بعد أن مضت عدّة أشهر على المواجهة بين جيش الإمام علىّ (عليه السلام) وجيش معاوية، وبعد الخسائر الكبيرة التي لحقت بالجانبين، أوشك جيش الحقّ بقيادة أمير المؤمنين (عليه السلام) على تحقيق النصر ووضع حدٍّ لهذا النزف الذي أوجده معاوية في جسم الاُمّة الإسلامية، إلاّ أنّ عمرو بن العاص أنقذ جيش معاوية من الهزيمة المؤكدة، عندما دعا هذا الجيش الى رفع المصاحف على الرماح والمطالبة بتحكيم القرآن بين الجانبين.
واضطرّ الإمام علىّ (عليه السلام) لقبول التحكيم بعد أن مارس جمع من المقاتلة ضغوطاً كبيرة عليه، فقد انطلت عليهم خدعة ابن العاص بسبب جهلهم، كما وظّف المنافقون والانتهازيون القضية لتدعيم ضغوط الجهلة على الإمام المظلوم (عليه السلام).
وبعد أن انخدع أبو موسى الأشعري ـ ممثّل العراقيّين ـ بحيلة عمرو بن العاص ـ ممثّل الشاميين ـ في قضيّة التحكيم؛ التفت الذين فرضوا التحكيم على الإمام (عليه السلام) الى الخطأ الجسيم الذي وقعوا فيه، فتوجّهوا الى الإمام علي (عليه السلام) يطلبون منه أن ينقض تعهداته التي أمضاها استجابة لضغوطهم، وأن يستأنف الحرب مع معاوية، وفوق ذلك كلّه اعتبروا أنّ الإمام (عليه السلام) أخطأ بقبوله التحكيم، فرفعوا شعار (لا حكم إلاّ لله)، الأمر الذي بات ينذر باضطراب آخر وفاجعة جديدة في أوساط جيش الإمام علىّ (عليه السلام).
ومن هنا رأى الإمام (عليه السلام) ضرورة الحيلولة دون وقوع الفاجعة، وذلك بأن يدعو شخصاً يتمتّع بثقة الجميع واحترامهم ليلقي فيهم خطاباً يتضمّن إبطالاً لحكم أبي موسى الأشعري بالدليل والبرهان، ويبيّن لهم مشروعية القبول بأصل التحكيم، فاختار الإمام (عليه السلام) ابنه الإمام الحسن (عليه السلام) فقال له: قم يا بنيّ، فَقُل في هذين الرجلين عبدالله بن قيس (يعني: أبو موسى الأشعري) وعمرو بن العاص، فقام الإمام الحسن (عليه السلام) فاعتلى أعواد المنبر، وهو يقول: (أيّها الناس! قد أكثرتم في هذين الرجلين، وإنّما بعثا ليحكما بالكتاب على الهوى، فحكما بالهوى على الكتاب، ومن كان هكذا لم يسمّ حكماً ولكنّه محكوم عليه، وقد أخطأ عبدالله ابن قيس إذ جعلها لعبدالله بن عمر فأخطأ في ثلاث خصال: واحدة أنّه خالف أباه إذ لم يرضه لها ولا جعله من أهل الشورى، واُخرى أنّه لم يستأمره في نفسه(٢٠٢)، وثالثها أنّه لم يجتمع عليه المهاجرون والأنصار الذين يعقدون الإمارة ويحكمون بها على الناس.
وأمّا الحكومة فقد حكّم النبيّ (صلى الله عليه وآله) سعد بن معاذ في بني قريضة فحكم بما يرضى الله به، ولا شك لو خالف لم يرضه رسول الله (صلى الله عليه وآله))(٢٠٣).
لقد عرض الإمام الحسن (عليه السلام) في خطابه الرائع أهم النقاط الحسّاسة التي هي محور النزاع ومصدر الفتنة، فأبان (عليه السلام) أنّ المختار للتحكيم إنّما يتبع قوله، ويكون رأيه فيصلاً للخصومة فيما إذا حكم بالحقّ، ولم يخضع للنزعات والأهواء الفاسدة، وأبو موسى لم يكن في تحكيمه خاضعاً للحقّ، وإنّما اتّبع هواه فرشّح عبدالله بن عمر للخلافة، مع أنّ أباه كان لا يراه أهلاً لها، مضافاً الى أنّ الشرط الأساسي في الانتخاب اجتماع المهاجرين والأنصار على اختياره ولم يحصل ذلك له، كما أعرب (عليه السلام) في خطابه عن مشروعية التحكيم بالأمر الذي أنكرته الخوارج، مستدلاً عليه بتحكيم النبيّ (صلى الله عليه وآله) لسعد بن معاذ في بني قريضة.
١١ ـ وصية الإمام أمير المؤمنين إلى ابنه الحسن:
ووجّه الإمام لدى عودته من صفّين بمنطقة يقال لها: (حاضرين) وصيةً مهمّة إلى ابنه الحسن (عليه السلام) وقد تضمّنت دروساً بليغة:
(من الوالد الفان، المقرّ للزمان(٢٠٤)، المدبر العمر، المستسلم للدنيا، الساكن مساكن الموتى، والظاعن(٢٠٥) عنها غداً، الى المولود المؤمّل ما لا يُدرك، السالك سبيل من قد هلك، غرض الأسقام(٢٠٦)، ورهينة(٢٠٧) الأيام، ورميّة(٢٠٨) المصائب...
أمّا بعد: فإن فيما تبيّنت من إدبار الدنيا عنّي، وجموح الدهر(٢٠٩) عليّ، وإقبال الآخرة إليّ، ما يَزَعُني(٢١٠) عن ذكر مَن سواي، والإهتمام بما ورائي(٢١١)، غير أني حيث تفرّد بي دون هموم الناس همّ نفسي، فصدفني(٢١٢) رأيي، وصرفني عن هواي، وصرّح لي محض أمري(٢١٣)، فأفضى بي الى جِدّ لا يكون فيه لَعِب، وصِدق لا يشوبه كَذِب. ووجدتُك بعضي، بل وجدتك كلّي، حتى كأنَّ شيئاً لو أصابك أصابني، وكأنَّ الموت لو أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي، فكتبت إليك كتابي مستظهراً به(٢١٤) إن أنا بقيتُ لك أو فنيتُ.
فإني أوصيك بتقوى الله ـ أي بُني ـ ولزوم أمره، وعمارة قلبك بذكره، والاعتصام بحبله. وأيُّ سبب أوثق من سبب بينك وبين الله إن أنت أخذت به؟
أحي قلبك بالموعظة، وأمِته بالزهادة، وقوّه باليقين، ونوّره بالحكمة، وذلّله بذكر الموت، وقرّره بالفناء(٢١٥) وبصّره فجائع الدنيا وحذّره صولة الدهر وفحش تقلّب الليالي والأيام، وأعرض عليه أخبار الماضين، وذكّره بما أصاب مَن كان قبلك من الأوّلين، وسر في ديارهم وآثارهم، فانظر فيما فعلوا وعمّا انتقلوا، وأين حَلّوا ونزلوا، فإنّك تجدهم قد انتقلوا عن الأحبّة، وحلّوا ديار الغربة، وكأنّك عن قليل قد صرت كأحدهم. فأصِلحْ مثواك، ولا تبع آخرتك بدنياك، ودع القول فيما لا تعرف، والخطاب فيما لم تُكلّف.
وخُضِ الغمرات(٢١٦) للحقّ حيث كان، وتفقّه في الدّين، وعوّد نفسك التصبّر على المكروه، ونِعْمَ الخُلُق التصبر في الحق، وألجئ نفسك في أمورك كلّها الى إلهك، فإنّك تلجئها الى كهف(٢١٧) حريز(٢١٨)، ومانع عزيز.
فتفّهم يا بُنيّ وصيّتي، واعلم أنّ مالك الموت هو مالك الحياة، وأنّ الخالق هو المميت، وأنّ المفني هو المعيد، وأنّ المبتلي هو المُعافي، وأنّ الدنيا لم تكن لتستقرّ إلاّ على ما جعلها الله عليه من النعماء والابتلاء والجزاء في المعاد، أو ما شاء ممّا لا تعلم... فاعتصم بالذي خلقك ورزقك وسوّاك، وليكن له تعبّدك، وإليه رغبتك، ومنه شفقتك(٢١٩).
واعلم يا بُني أنّ أحداً لم ينبئ عن الله سبحانه كما أنبأ عنه الرسول (صلى الله عليه وآله) فارضَ به رائداً، والى النجاة قائداً، فإنّي لم آلُك(٢٢٠) نصيحة فإنّك لن تبلغ في النظر لنفسك ـ وإن اجتهدت ـ مبلغ نظري لك.
واعلم يا بني أنّه لو كان لربّك شريك لأَتَتْكَ رُسلُه، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه، ولعرفت أفعاله وصفاته، ولكنّه إله واحد كما وصف نفسه، لا يضادّه في ملكه أحد، ولا يزول أبداً ولم يزل. أوّلٌ قبل الأشياء بلا أوّليّة، وآخر بعد الأشياء بلا نهاية، عَظُمَ عن أن تثبت ربوبيّته بإحاطة قلب أو بصر، فإذا عرفت ذلك فافعل كما ينبغي لمثلك أن يفعله في صِغَر خَطَره(٢٢١) وقلّة مقدرته وكثرة عجزه، وعظيم حاجته الى ربّه، في طلب طاعته، والخشية من عقوبته، والشفقة من سخطه، فإنّه لم يأمرك إلاّ بحسن ولم ينهك إلاّ عن قبيح.
... يا بني اجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك، فأحبب لغيرك ما تحبّ لنفسك، واكره له ما تكره لها، ولا تَظلم كما لا تُحبّ أن تُظلم، وأحسن كما تحبّ أن يُحسن إليك، واستقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك، وارض من الناس بما ترضاه لهم من نفسك ولا تقل ما لا تعلم وإن قلّ ما تعلم، ولا تقل ما لا تحب أن يقال لك.
واعـلم أنّ الإعجـاب(٢٢٢) ضـد الصـواب، وآفـة الألبـاب(٢٢٣)، فاسـعَ فـي كـدحك(٢٢٤) ولا تكن خازناً لغيرك(٢٢٥)، وإذا أنت هديت لقصدك فكن أخشع ما تكون لربّك.
... واعلم أنّ الذي بيده خزائن السماوات والأرض قد أذن لك في الدعاء، وتكفّل لك بالإجابة، وأمرك أن تسأله ليعطيك، وتسترحمه ليرحمك، ولم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه.
... ثم جعل في يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك فيه من مسألته، فمتى استفتحت بالدعاء أبواب نعمته، واستمطرت شآبيب(٢٢٦) رحمته، فلا يُقنّطك(٢٢٧) إبطاء إجابته، فإنّ العطيّة على قدر النيّة، وربّما أُخّرت عنك الإجابة ليكون ذلك أعظم لأجر السائل، وأجزل لعطاء الآمل، وربّما سألت الشيء فلا تؤتاه، واُوتيت خيراً منه عاجلاً أو آجلاً، أو صُرف عنك لما هو خيرٌ لك، فلرُبّ أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو اُوتيته فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله، ويُنفى عنك وباله، فالمال لا يبقى لك ولا تبقى له.
... يا بُني! أكثِر من ذكر الموت، وذكر ما تهجُم عليه، وتُفضي بعد الموت إليه حتى يأتيك وقد أخذت منه حذرك(٢٢٨) وشددت له أزرك، ولا يأتيك بغتة فيبهرك(٢٢٩)، وإيّاك أن تغترّ بما ترى من إخلاد(٢٣٠) أهل الدنيا إليها، وتكالبهم(٢٣١) عليها، فقد نبأك الله عنها، ونَعَتْ(٢٣٢) هي لك عن نفسها، وتكشّفتْ لك عن مساويها، فإنّما أهلها كلاب عاوية، وسباع ضارية(٢٣٣)، يهرّ(٢٣٤) بعضها على بعض، ويأكل عزيزها ذليلها، ويقهر كبيرها صغيرها.
... واعلم يقيناً أنّك لن تبلغ أملك، ولن تعدو أجلك، وأنّك في سبيل من كان قبلك، فخفّض(٢٣٥) في الطلب، وأجمل(٢٣٦) في المكتسب، فإنّه رُبَّ طلب قد جرّ الى حَرَب(٢٣٧) فليس كل طالب بمرزوق، ولا كل مجمل بمحروم، واكرِم نفسك عن كل دنيّة(٢٣٨) وإن ساقتك الى الرغائب(٢٣٩)، فإنّك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضاً(٢٤٠).
ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً، وما خيرُ خير لا يُنال إلاّ بشرّ، ويسر(٢٤١) لا يُنال إلاّ بعسر(٢٤٢)؟.
وإيّاك أن تُوجف(٢٤٣) بك مطايا(٢٤٤) الطمع، فتوردك مناهل(٢٤٥) الهلكة(٢٤٦)، وإن استطعت ألاّ يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل، فإنّك مدركٌ قَسْمَكَ، وآخذ سهمك، وإنّ اليسير من الله سبحانه أعظم وأكرم من الكثير من خَلْقِه وإن كان كلّ منه.
... ولا يكن أهلك أشقى الخلق بك، ولا ترغبنّ فيمن زهد عنك، ولا يكوننّ أخوك أقوى على قطيعتك منك على صلته، ولا تكوننّ على الإساءة أقوى منك على الإحسان، ولا يَكبُرنَّ عليك ظلم من ظلمك، فإنّه يسعى في مضرته ونفعك، وليس جزاء من سرّك أن تسوءه.
واعلم يا بُنيّ! أنّ الرزق رزقان: رزق تطلبه ورزق يطلبك، فإنّ أنت لم تأته أتاك، ما أقبح الخضوع عند الحاجة، والجفاء عند الغنى! إنما لك من دنياك ما أصلحت به مثواك(٢٤٧) وإن كنت جازعاً على ما تفلّت(٢٤٨) من يديك، فاجزع على كلّ ما لم يصل إليك، استدل على ما لم يكن بما قد كان، فإنّ الاُمور أشباه، ولا تكوننّ ممن لا تنفعه العِظَة إلاّ إذا بالغت في إيلامه، فإنّ العاقل يتّعظ بالآداب، والبهائم لا تتّعظ الاّ بالضرب.
... استَودِعِ الله دينك ودُنياك، واسألهُ خير القضاء لكَ في العاجلة والآجلة والدنيا والآخرة، والسلام.
١٢ ـ النهروان ومؤامرة قتل أمير المؤمنين (عليه السلام):
أدّى نفاق وتمرّد بعض الجهلاء والمتظاهرين بالتديّن الى أن تتمرّد مجموعة كبيرة من جيش أمير المؤمنين (عليه السلام) فترفض الانصياع لأوامره، بل ذهب هؤلاء المارقون إلى أبعد من ذلك عندما أصدروا حكماً بتكفير الإمام (عليه السلام).
وبعد الجرائم التي ارتكبها المارقون في العراق؛ اتّخذوا (النهروان) قاعدة لتمرّدهم، فاضطرّ الإمام (عليه السلام) الى التوجه نحوهم، وبعد أن تفاوض معهم وأتمّ الحجة عليهم؛ أعلن الحرب على من أصرّ منهم على انحرافه وعناده وكفره، فقضى عليهم كافة باستثناء أشخاص معدودين، وكان بين الأشخاص المعدودين الذين فرّوا في واقعة النهروان عبدالرحمن بن ملجم المرادي الذي كان يختزن في قلبه حقداً أعمى على الإمام المظلوم، فخطّط سرّاً للتآمر على حياة أمير المؤمنين (عليه السلام) وفي نهاية المطاف وبعد أن نسّق عمله مع عدد من الخوارج والمنافقين من أهل الكوفة؛ استطاع في ليلة التاسع عشر من شهر رمضان المبارك في عام (٤٠) للهجرة أن يغتال الإمام عليّاً (عليه السلام) وهو في محراب العبادة وفي بيت الله ـ مسجد الكوفة ـ لينطلق في الآفاق نداؤه الخالد: (فزت وربِّ الكعبة).
١٣ ـ في ليلة استشهاد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام):
لما عزم الإمام علىّ (عليه السلام) على الخروج من بيته ـ قبل أن تشرق أنوار الفجر ـ إلى مناجاة الله وعبادته في مسجد الكوفة صاحت في وجهه وزّ كانت قد اُهدِيَتْ الى الحسن، فتنبّأ (عليه السلام) من صياحهنّ وقوع الحادث العظيم والرزء القاصم، قائلاً: (لا حول ولا قوّة الاّ بالله، صوائح تتبعها نوائح).
وأقبل الإمام على فتح الباب فعسر عليه فتحها وكانت من جذوع النخل فاقتلعها فانحلّ إزاره فشدّه وهو يقول:

ولا تجزع من الموت * * * إذا حلّ بواديكا

واضطرب الإمام الحسن (عليه السلام) من خروج أبيه في هذا الوقت الباكر فقال له: (ما أخرجك في هذا الوقت؟).
فأجابه (عليه السلام): (رؤيا رأيتها في هذه الليلة أهالتني).
فقال له الإمام الحسن (عليه السلام): (خيراً رأيت، وخيراً يكون، قصّها عليّ). فأجابه الإمام علي (عليه السلام): (رأيت جبرئيل قد نزل من السماء على جبل أبي قبيس، فتناول منه حجرين، ومضى بهما الى الكعبة، فضرب أحدهما بالآخر فصارا كالرميم، فما بقي بمكة ولا بالمدينة بيت الاّ ودخله من ذلك الرماد شيء).
فسأله (عليه السلام): (ما تأويل هذه الرؤيا؟).
فقال (عليه السلام): (إن صدقت رؤياي، فإن أباك مقتول، ولا يبقى بمكة ولا بالمدينة إلاّ دخله الهمّ والحزن من أجلي).
فالتاع الحسن وذهل وانبرى قائلاً بصوت خافت حزين النبرات: (متى يكون ذلك؟).
قال الإمام (عليه السلام): (إن الله تعالى يقول: (وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأيّ أرض تموت)(٢٤٩) (ولكن عهدهُ إليّ حبيبي رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه يكون في العشر الأواخر من شهر رمضان، يقتلني عبدالرحمن بن ملجم).
فقال الإمام الحسن (عليه السلام): (إذا علمت ذلك فاقتله).
فقال الإمام علي (عليه السلام): (لا يجوز القصاص قبل الجناية والجناية لم تحصل منه).
وأقسم الإمام على ولده الحسن أن يرجع الى فراشه، فلم يجد الحسن بدّاً من الامتثال(٢٥٠).
١٤ ـ الإمام الحسن (عليه السلام) بجوار والده (عليه السلام) الجريح:
وصل أمير المؤمنين (عليه السلام) مسجد الكوفة ووقعت تلك الفاجعة العظمى على يد أشقى الأشقياء، وسمع أهل الكوفة بالفاجعة، فهرعوا الى المسجد وخفّ أبناء الإمام (عليه السلام) مسرعين، وكان الإمام الحسن (عليه السلام) في مقدمة الذين وصلوا المسجد فوجد أباه (عليه السلام) صريعاً في محرابه وقد تخضّب وجهه ولحيته بدمه، وجماعة حافّين به يعالجونه للصلاة، ولمّا وقع نظره على ولده الحسن (عليه السلام)؛ أمره أن يصلّي بالناس، وصلّى الإمام وهو جالس والدم ينزف منه.
ولمّا فرغ الحسن (عليه السلام) من صلاته؛ أخذ رأس أبيه فوضعه في حجره، وسأله: من فعل بك هذا؟ فأجابه قائلاً: عبدالرحمن بن ملجم، فقال الإمام الحسن (عليه السلام): من أيّ طريق مضى؟ فقال الإمام عليّ (عليه السلام): لا يمض أحد في طلبه إنّه سيطلع عليكم من هذا الباب، وأشار الى باب كندة، وما هي إلاّ فترة قصيرة وإذا بالناس يدخلون ابن ملجم من الباب نفسها، وقد جيء به مكتوفاً مكشوف الرأس، فأوقف بين يدي الإمام الحسن (عليه السلام) فقال له: يا ملعون! قتلت أمير المؤمنين وإمام المسلمين؟ هذا جزاؤه حين آواك وقرّبك حتى تجازيه بهذا الجزاء؟
وفتح أمير المؤمنين (عليه السلام) عينيه وقال له بصوت خافت: (لقد جئت شيئاً إدّاً وأمراً عظيماً، ألم أشفق عليك واُقدمك على غيرك في العطاء؟ فلماذا تجازيني بهذا الجزاء؟).
وقال لولده الحسن (عليه السلام) يوصيه ببرّه والإحسان إليه: (يا بني! ارفق بأسيرك وارحمه وأشفق عليه).
فقال الإمام الحسن (عليه السلام): (يا أبتاه، قتلك هذا اللعين وفجعنا بك، وأنت تأمرنا بالرفق به).
فأجابه أمير المؤمنين: (يا بني نحن أهل بيت الرحمة والمغفرة، أطعمه مما تأكل، واسقه مما تشرب، فإن أنا متّ فاقتص منه بأن تقتله، ولا تمثّل بالرجل فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور، وإن أنا عشت فأنا أعلم ما أفعل به، وأنا أولى بالعفو، فنحن أهل البيت لا نزداد على المذنب إلينا إلاّ عفواً وكرماً)(٢٥١).
ونظر الحسن إلى أبيه وقد حرق الهمّ والجزع قلبه فقال له:
(يا ابة، من لنا بعدك؟ إنّ مصابنا بك مثل مصابنا برسول الله) فضمّه الإمام وقال: مهدّئاً روعه:
(يا بني! أسكن الله قلبك بالصبر، وعظّم أجرك، وأجر إخوتك بقدر مصابكم بي).
وجمع الحسن لجنة من الأطباء لمعالجته وكان أبصرهم بالطبّ أثير بن عمرو السكوني(٢٥٢) فاستدعى برئة شاة حارة فتتبع عِرقاً منها فاستخرجه فأدخله في جرح الإمام ثم نفخ العِرق فاستخرجه فإذا هو مكلّل ببياض الدماغ، لأنّ الضربة قد وصلت إلى دماغه الشريف فارتبك أثير والتفت إلى الإمام ـ واليأس في صوته ـ قائلاً:
(يا أمير المؤمنين! اعهد عهدك، فإنّك ميت)(٢٥٣).
فالتفت الحسن إلى أبيه ودموعه تتبلور على وجهه، وشظايا قلبه يلفظها بنبرات صوته قائلاً:
(أبة! كسرت ظهري، كيف أستطيع أن أراك بهذه الحالة؟) وبصر الإمام فرأى الأسى قد استوعب نفسه، فقال له برفق:
(يا بني! لا غمّ على أبيك بعد هذا اليوم ولا جزع، اليوم ألقى جدّك محمد المصطفى، وجدّتك خديجة الكبرى، واُمك الزهراء، وإنّ الحور العين ينتظرن أباك، ويترقّبن قدومه ساعةً بعد ساعة، فلا بأس عليك، يا بني لا تبك).
وتسمّم دم الإمام، ومال وجهه الشريف إلى الصفرة، وكان في تلك الحالة هادئ النفس قرير العين لا يفتر عن ذكر الله وتسبيحه وهو ينظر إلى آفاق السماء، ويبتهل إلى الله بالدعاء قائلاً:
(إلهي، أسألك مرافقة الأنبياء والأوصياء وأعلى درجات الجنة).
وغشي عليه فذاب قلب الحسن وجعل يبكي مهما ساعدته الجفون، فسقطت قطرات من دموعه على وجه الإمام (عليه السلام) فأفاق، فلما رآه قال له: مهدّئاً روعه:
(يا بني! ما هذا البكاء؟ لا خوف ولا جزع على أبيك بعد اليوم، يا بني! لا تبك، فأنت تقتل بالسم، ويقتل أخوك الحسين بالسيف).
١٥ ـ آخر وصايا أمير المؤمنين (عليه السلام):
وأخذ الإمام يوصي أولاده بمكارم الأخلاق، ويضع بين أيديهم المثل الرفيعة، ويلقي عليهم الدروس القيّمة، وقد وجه (عليه السلام) نصائحه الرفيعة أولاً لولديه الحسن والحسين، وثانياً لبقية أولاده وعموم المسلمين قائلاً:
(اُوصيكما بتقوى الله، وأن لا تبغيا الدنيا وإن بغتكما(٢٥٤) ولا تأسفا على شيء منها زوي عنكما، وقولا للحقّ واعملا للأجر، وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً، أوصيكما، وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ونظم أمركم وصلاح ذات بينكم، فإنّي سمعت جدكم (صلى الله عليه وآله) يقول: صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام، الله الله في الأيتام فلا تغبوا أفواههم(٢٥٥) ولا يضيعوا بحضرتكم، والله الله في جيرانكم فإنّهم وصيّة نبيّكم، ما زال يوصي بهم حتى ظننّا أنّه سيورثهم، والله الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غيركم، والله الله في الصلاة فإنّها عمود دينكم، والله الله في بيت ربّكم، لا تخلوه ما بقيتم، فإنّه إن ترك لم تناظروا(٢٥٦)، والله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله، وعليكم بالتواصل والتباذل(٢٥٧) وإيّاكم والتدابر والتقاطع، لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيتولَّ عليكم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم).
ثم قال (عليه السلام) مخاطباً لآله وذويه:
(يا بني عبد المطلب! لا ألفينكم(٢٥٨) تخوضون دماء المسلمين خوضاً تقولون: قتل أمير المؤمنين قتل أمير المؤمنين، ألا لاتقتلن بي إلاّ قاتلي، انظروا إذا أنا متّ من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة، ولا يمثّل بالرجل، فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور)(٢٥٩).
وأخذ (عليه السلام) يوصي ولده الحسن خاصة بمعالم الدين وإقامة شعائره قائلاً:
(اُوصيك، أي بني، بتقوى الله، وإقام الصلاة لوقتها، وإيتاء الزكاة عند محلّها، وحسن الوضوء، فإنّه لا صلاة إلاّ بطهور، واُوصيك بغفر الذنب، وكظم الغيظ، وصلة الرحم، والحلم عن الجاهل، والتفقّه في الدين، والتثبّت في الأمر، والتعاهد للقرآن، وحسن الجوار، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واجتناب الفواحش)(٢٦٠).
وفي اليوم العشرين من شهر رمضان ازدحمت الجماهير من الناس على بيت الإمام طالبين الأذن لعيادته، فأذن لهم إذناً عاماً، فلمّا استقر بهم المجلس إلتفت لهم قائلاً:
(سلوني قبل أن تفقدوني، وخففوا سؤالكم لمصيبة إمامكم).
فاشفق الناس أن يسألوه، نظراً لما ألمّ به من شدّة الألم والجرح(٢٦١).
١٦ ـ الإمام علي (عليه السلام) ينصّ على خلافة ابنه الحسن (عليه السلام):
ولمّا علم أمير المؤمنين أنّه مفارق لهذه الدنيا وأنّ لقاءه بربّه لقريب؛ عهد بالخلافة والإمامة لولده الحسن، فأقامه من بعده لترجع اليه الاُمّة في شؤونها كافة، ولم تختلف كلمة الشيعة في ذلك، فقد ذكر ثقة الإسلام الكليني أنّ أمير المؤمنين أوصى إلى الحسن، وأشهد على وصيته الحسين ومحمداً وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته، ثم دفع اليه الكتب والسلاح، وقال له: (يا بني! أمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن اُوصي اليك وأن أدفع اليك كتبي وسلاحي، كما أوصى إلي رسول الله ودفع إليّ كتبه وسلاحه، وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين).
وروى أيضاً أنّه قال له: (يا بني! أنت وليّ الدم فإن عفوت فلك وإن قتلت فضربة مكان ضربة)(٢٦٢).
١٧ ـ إلى الرفيق الأعلى:
ولمّا فرغ الإمام أمير المؤمنين من وصاياه أخذ يعاني آلام الموت وشدّته، وهو يتلو آي الذكر الحكيم ويكثر من الدعاء والاستغفار، ولمّا دنا منه الأجل المحتوم كان آخر ما نطق به قوله تعالى: (لمثل هذا فليعمل العاملون) ثم فاضت روحه الزكية إلى جنّة المأوى وسمت إلى الرفيق الأعلى، وارتفع ذلك اللطف الآلهي إلى مصدره، فهو النور الذي خلقه الله ليبدّد به غياهب الظلمات.
لقد مادت أركان العدل وانطمست معالم الدين، ومات عون الضعفاء وكهف الغرباء وأبو الأيتام.
١٨ ـ تجهيزه ودفنه:
وأخذ الحسن (عليه السلام) في تجهيز أبيه، فغسَّل الجسد الطاهر وطيَّبه بالحنوط، وأدرجه في أكفانه، ولمّا حل الهزيع الأخير من الليل خرج ومعه حفنة من آله وأصحابه يحملون الجثمان المقدّس إلى مقرّه الأخير فدفنه في النجف الأشرف حيث مقره الآن كعبة للوافدين ومقراً للمؤمنين والمتقين ومدرسة للمتعلمين، ورجع الإمام الحسن بعد أن وارى أباه إلى بيته وقد استولى عليه الأسى والذهول وأحاط به الحزن(٢٦٣).

* * *
الباب الثالث
الفصل الأول: عصر الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)

إنّ الخوارج حينما خرجوا على أمير المؤمنين (عليه السلام) وتمرّدوا عليه؛ لم يكن لحركتهم أيّة ميزة على غيرهم من المتمرّدين عليه كطلحة والزبير ومعاوية وغيرهم، ولم يكن لهم هدف خاص كما كان لمعاوية وطلحة والزبير، وما ينسبه لهم المؤرّخون من الجدل حول التحكيم مع أنّهم من أنصاره في بداية الأمر ـ ونتائجه لم يلتزم بها أمير المؤمنين (عليه السلام) إن صحّ ـ يدلّ على أنّهم كانوا في منتهى السذاجة والعفوية، وأنّهم كانوا ضحايا المتآمرين على أمير المؤمنين بقصد إثارة الفتن في جيشه وإلهائه عن معاوية والرجوع لحربه، وكان لمقتلهم آثاره السيئة في نفوس الكثيرين من أصحابه، لأنّ القتلى كان أكثرهم ينتمي إلى عشائر الكوفة والبصرة، فليس بغريب إذا ترك قتلهم في نفوس من ينتمون اليهم ما يجده كلّ قريب لفقد قريبه.
ولمّا انتهى أمير المؤمنين منهم دبّ الوهن والتخاذل والخلاف بين أصحابه، فجعل يستحثّهم على الخروج معه لحرب معاوية ويخطب فيهم المرّة تلو الاُخرى فلا يجد منهم إلاّ التخاذل والخلاف عليه، فيقولون: لقد نفدت نبالنا وكلّت أذرعنا ونصلت أسنّة رماحنا وتقطعت سيوفنا، فأمهلنا لنستعد فإنّ ذلك أقوى لنا على عدوّنا، واستمر على ذلك مدّة من الزمن كان يدعوهم بين الحين والآخر للخروج إلى معسكرهم في النخيلة، فلا يخرج إلاّ القليل الذي لا يغني شيئاً(٢٦٤).
هذا والأشعث بن قيس وشبث بن ربعي وأمثالهما لا همَّ لهم إلاّ التخريب وبثّ روح التخاذل في النفوس، وراح يضع في أذهان الجيش أنّ عليّاً كان عليه أن يصنع مع أهل النهروان كما صنع عثمان ويتغاضى عنهم وهم قلّة لا يشكّلون خطراً عليه، لقد قال الأشعث ذلك ليحدث تصدّعاً في صفوف الجيش وليشحن نفوس من تربطهم باُولئك القتلى أنساب وقرابات بالكراهية والعداء لعليّ (عليه السلام).
وسرت مقالة الأشعث بين الناس فزادتهم تخاذلاً وتصدعاً(٢٦٥)، وأُتيح لمعاوية أن يتّصل بسراتهم ورؤسائهم أكثر من قبل، تحمل كتبه لهم الوعود والأماني، ويقدّم بين يدي الوعود والأماني العطايا والصلات يعجّل لهم ما يرغبون في عاجله وما يغري قليله المعجّل بكثيره الموعود، حتى اشترى ضمائرهم وأفسدهم على إمامهم وجعلهم يعطونه الطاعة بأطراف ألسنتهم ويطوون قلوبهم على المعصية والخذلان.
لقد استطاع المتآمرون من أهل العراق أن يحقّقوا لمعاوية كلّ أطماعه وأن يشلّوا حركة الإمام (عليه السلام) ويخلقوا له من المصاعب والمشاكل ما يشغله عن لقاء أهل الشام مرّة ثانية، فلم تنته معركة النهروان حتى ظهرت فُلولُهم في أكثر من ناحية في العراق، وتركت معركة النهروان في أهاليهم وقبائلهم أوتاراً لم يكن من السهل نسيانها، لا سيما وأنّ أيدي المتآمرين ممن كانوا على صلة بمعاوية كانت تزوّدهم بالأموال والعتاد فيخرج الرجل ومعه المائة والمئتان، فيضطر أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى أن يرسل اليهم رجلاً من أصحابه ومعه طائفة من الجند فيقاتل المتمرّدين، حتى إذا قتلهم أو شرّدهم؛ عاد إلى الكوفة، وقبل أن يستقرّ يخرج آخر بجماعة من المتمرّدين.
وهكذا كانت الحالة بعد معركة النهروان حتى خرج الخريت بن راشد، وقد جاءه قبل خروجه، وقال له: والله إنّي لا اُطيعك ولا اُصلي خلفك لأنّك حكّمت الرجال وضعفت عن الحق، فقال له: إذن تعصي ربّك وتنكث عهدك ولا تضرّ إلاّ نفسك، ودعاه للمناظرة، فقال له: أعود اليك غداً، فقبل منه وأوصاه أن لا يؤذي أحداً من الناس ولا يعتدي على الدماء والأموال والأعراض فخرج ولم يعد، وكان مطاعاً في قومه بني ناجية وخرج معه جماعة في ظلمة الليل والتقى في طريقه برجلين وكان أحدهما يهودياً والآخر مسلماً، فقتلوا المسلم، وعاد اليهودي إلى عامل عليّ على السواد فأخبره بأمرهم فكتب العامل لأمير المؤمنين فأرسل اليهم جماعة من أصحابه وأمره بردّهم إلى الطاعة ومناجزتهم إن رفضوا ذلك، وحدثت بينه وبين الخريت وجماعته مناظرة لم تجد شيئاً، فطلب منهم أصحاب أمير المؤمنين أن يسلموهم قتلة المسلم فأبوا إلاّ الحرب، وكانت بين الطرفين معارك دامية، فأرسل اليهم أمير المؤمنين قوة اُخرى، وكتب إلى عبدالله بن العباس وكان أميراً على البصرة يأمره بملاحقتهم، والخريت مرّة يدّعي بأنّه يطلب بدم عثمان، واُخرى ينكر على عليّ (عليه السلام) التحكيم.
وأخيراً قتل الخريت وجماعة من أصحابه واُسر منهم خمسمائة قادوهم إلى الكوفة، فمرّ بهم الجيش على مصقلة بن هبيرة الشيباني وكان عاملاً لعلي (عليه السلام) على بعض المقاطعات فاستغاث به الأسرى فرقّ لحالهم كما تزعم بعض الروايات، واشتراهم من القائد على أن يسدّد أثمانهم أقساطاً وأعتقهم، وجعل يماطل في أداء ما عليه، ولمّا طالبه عبدالله بن عباس بأداء المبلغ أجابه: لو طلبت هذا المبلغ وأكثر منه من عثمان ما منعني إيّاه، ثم هرب إلى معاوية فاستقبله استقبال الفاتحين وأعطاه ما يريد.
وطمع مصقلة أن يستجلب أخاه نعيم بن هبيرة إلى جانب معاوية، فأرسل اليه رسالة مع رجل من نصارى تغلب كان يتجسّس لصالح معاوية، ولم يكد يبلغ الكوفة حتى ظهر أمره فأخذه أصحاب أمير المؤمنين وقطعوا يده.
إلى كثير من أمثال هذه الحوادث التي تدين المتمرّدين ومن كان يعاونهم بالتآمر وإشاعة الفوضى في جميع أطراف الدولة لاستنزاف قوة الإمام في الداخل وليكون في شغل عن معاوية وتصرفاته.
ومن غير البعيد أن يكون مصقلة الشيباني على صلة بالمتمرّدين وأنّ حرصه على تخليصهم من الأسر لقاء مبلغ من المال يعجز عن دفعه لم يكن بدافع إنساني كما يبدو ذلك لأول نظرة في حادثة من هذا النوع، بل كان بدافع الإحساس بمسؤوليته عن فئة كان يشترك معها في الهدف والغاية ويمنيها بالمساعدة عندما تدعو الحاجة، وقد لقي من معاوية هذا الترحيب لأنّه اشترك في الفساد والفوضى وساعد المخرّبين الذين جرّعوا عليّاً (عليه السلام) الغصص وأرهقوه من أمره عسراً وكانوا إلى ابن هند فرجاً ومخرجاً.
أمّا أمير المؤمنين (عليه السلام) فلم يزد حين بلغه فرار مصقلة إلى الشام على أن قال: ما له قاتله الله؟ فعل فعل الأحرار وفرّ فرار العبيد وأمر بداره فهدمت(٢٦٦).
وقد اُتيح لمعاوية في ذلك الجوّ الذي ساد العراق في الداخل أن يتحرك من ناحيته على القرى والمدن المتاخمة لحدود الشام فيقتل وينهب وينكّل بقوّات المخافر المرابطة على الحدود بدون رادع من أحد ووازع من دين، وأمير المؤمنين (عليه السلام) يدعو أهل العراق لنجدة إخوانهم وملاحقة المعتدين فلا يجد منهم ما يرضيه.
وأغارت قوات معاوية على الحجاز واليمن بقيادة بسر بن أرطاة وأوصاه باستعمال كلّ ما من شأنه إشاعة الفوضى وبثّ الخوف والرعب في تلك البلاد، فمضى ابن أرطاة ينفّذ أمر معاوية فأسرف في الاستخفاف بالدماء والحرمات والأعراض والأموال في طريقه إلى المدينة، ولمّا بلغ المدينة قابل أهلها بكلّ أنواع الإساءة والقسوة فقتل فيها عدداً كبيراً واضطرّهم إلى بيعة معاوية، وكانت أخباره قد انتهت إلى اليمن فانتشر فيها الخوف والرعب، وفرّ منها عامل أمير المؤمنين عبيد الله بن العباس، ولمّا دخلها أسرف في القتل والنهب والتخريب، ووجد طفلين صغيرين لعبيد الله ابن العباس، فذبحهما في حضن اُمهما، فأصابها خلل في عقلها وظلّت تندبهما وتبكيهما حتى ماتت غماً وكمداً(٢٦٧).
وجهّز جيشاً آخر لغزو مصر ليحقّق لابن العاص اُمنيته الغالية، وولاّه قيادة ذلك الجيش، ولمّا بلغ أمير المؤمنين؛ ذلك دعا أهل الكوفة لنجدة إخوانهم في مصر فلم يستجيبوا لطلبه، وبعد أن ألحّ عليهم أجابه جماعة منهم وما لبث أن جاءته الأنباء بأنّ ابن العاص قد تغلّب عليها وقتل واليها محمد بن أبي بكر ومَثَّلَ به ثم أحرقه، فانتدب مالك بن الحرث الأشتر وولاّه عليها لإنقاذها من أيدي الغزاة، وكان كما يصفه المؤرّخون حازماً قوياً مخلصاً لأمير المؤمنين كما كان أمير المؤمنين لرسول الله على حدّ وصف الإمام وغيره له.
ولمّا بلغ معاوية نبأ اختياره حاكماً في مصر اضطرب واشتدّ خوفه على أنصاره وقواته المرابطة فيها، واستطاع بعد تفكير طويل أن يجد المخرج من تلك الأزمة التي أحاطت به، فأغرى أحد أنصاره ممّن يسكنون الطريق التي لابدّ للأشتر من المرور عليها بالمال لقاء اغتياله، ولمّا بلغ الأشتر ذلك المكان ونزل فيه جاءه بعسل مسموم كان قد أعدّه له بناءً لتخطيط معاوية، فكانت به نهايته(٢٦٨)، وكان ناجحاً في التخلّص من خصومه بهذا الاُسلوب، فقد قتل ابن خاله محمد بن أبي حذيفة وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص والإمام أبا محمد الحسن (عليه السلام) بهذا الاُسلوب، وأحياناً كان يتباهى به ويقول: إنّ لله جنداً من العسل ينتقم به لأوليائه.
وتوالت الأحداث في داخل العراق والبلاد التي كانت تخضع لسلطة أمير المؤمنين، فلم يكن يفرغ من تمرّد حتى يفاجأ بآخر ولا يسدّ ثغرة إلاّ فتحت له اُخرى حتى طمع فيه معاوية إلى حدود الاستخفاف(٢٦٩)، هذا وأصحابه بالرغم مما يجري حولهم وعلى حدود بلادهم وفي خارجها من احتلال لبعض المقاطعات وقتل ونهب ممعنون في خلافه مفرقون فيما أحبّوا من طلب العاقبة، إذا استنفرهم لا ينفرون وإذا دعاهم لا يجيبون، يتعللون بالأعذار الواهية كحر الصيف وبرد الشتاء، ولا يغضبون لحقّ أو دين ولا للمشرّدين والمستضعفين حتى كان يتمنّى فراقهم بالموت أو القتل ويبكي أحياناً على من مضى من أنصاره ويقول: (متى يبعث أشقاها فيخضب هذه من هذا؟) مشيراً إلى رأسه الكريم ولحيته الشريفة، ويتمنّى لو أنّ معاوية صارفه فيهم صرف الدينار بالدرهم فأخذ منه عشرة وأعطاه واحداً من أهل الشام، ووطّن نفسه أخيراً أن يخرج لحرب معاوية بمن هم على رأيه من أهله وعشيرته وأنصاره، فيقتل بهم حتى يلقى الله في سبيل الحقّ والعدل، وتحدّث اليهم حديثاً لا لبس فيه، وحمّلهم تبعات ما سينجم عن تخاذلهم(٢٧٠).
وكان ـ على ما يبدو ـ لهذا الموقف الحازم منه أثره في نفوس القوم بعد أن أيقنوا بأنّه سيخرج بنفسه وأهله وخاصته إلى معاوية، وسيلحقهم بذلك الخزي والعار ويصبحون حديث الأجيال إذا هم تركوه يخرج على هذه الحال، فردّ عليه زعماؤهم ردّاً جميلاً، وجمع كلّ رئيس منهم قومه وتداعوا للجهاد من كلّ جانب وتعاقدوا على الموت معه، حتى أصبحت الحرب حديث الناس، وأرسل إلى عمّاله في مختلف المناطق يدعوهم للاشتراك معه بمن عندهم من الجيوش والمقاتلين.
وخرج الناس إلى معسكراتهم في النخيلة ينتظرون انسلاخ شهر رمضان من سنة أربعين لهجرة النبي (صلى الله عليه وآله)، وأرسل أمير المؤمنين (عليه السلام) زياد بن حفصة في جماعة من أصحابه طليعة بين يديه، وبقي هو مع الجيش ينتظر انسلاخ الشهر المبارك، وإذا بالقدر ينقضّ عليه وعلى أهل العراق فيكمن له أشقى الأولين والآخرين في فجر اليوم التاسع عشر من ذلك الشهر وهو في بيت الله فيضربه على رأسه الشريف وهو يصلّي لربّه، فيخرّ منها في محرابه وهو يقول: (فزت وربّ الكعبة)(٢٧١).

* * *
الفصل الثاني: مواقف الإمام (عليه السلام) وإنجازاته

البحث الأول: من البيعة إلى الصلح
١ ـ خطبة الإمام الحسن (عليه السلام) يوم شهادة أبيه (عليه السلام):
تحدّث أغلب المؤرّخين عن أنّ الإمام الحسن (عليه السلام) ألقى في صباح الليلة التي دَفَنَ فيها أباه (عليه السلام) خطبةً في الناس جاء فيها:
(أيّها الناس! في هذه الليلة نزل القرآن، وفي هذه الليلة رُفع عيسى بن مريم، وفي هذه الليلة قُتل يوشع بن نون، وفي هذه الليلة مات أبي أمير المؤمنين (عليه السلام)، والله لا يسبق أبي أحد كان قبله من الأوصياء إلى الجنّة، ولا مَن يكون بعده، وإن كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لَيبعثه في السرية فيقاتل جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره، وما ترك صفراء ولا بيضاء إلاّ سبعمائة درهم فضلت من عطائه كان يجمعها ليشتري بها خادماً لأهله)(٢٧٢).
ونقل الشيخ المفيد في (الإرشاد) الخطبة بهذه الصورة:
(وروى أبو مخنف لوط بن يحيى، قال: حدّثني أشعث بن سوار عن أبي إسحاق السبيعي وغيره، قالوا: خطب الحسن بن عليّ (عليه السلام) في صبيحة الليلة التي قُبض فيها أمير المؤمنين (عليه السلام) فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم قال: (لقد قُبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأوّلون بعمل ولا يدركه الآخرون بعمل، لقد كان يجاهد مع رسول الله فيقيه بنفسه، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوجّهه برايته فيكنفه جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن شماله، ولا يرجع حتى يفتح الله على يديه.
ولقد توفّي (عليه السلام) في الليلة التي عُرِج فيها بعيسى بن مريم، وفيها قبض يوشع بن نون وصيّ موسى (عليه السلام) وما خلّف صفراء ولا بيضاء إلاّ سبعمائة درهم، فَضُلت عن عطائه أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله).
ثم خنقته العَبرة فبكى وبكى الناس معه، ثم قال: (أنا ابن البشير أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى الله بإذنه، أنا ابن السراج المنير، أنا من أهل بيت أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، أنا من أهل بيت فرض الله مودّتهم في كتابه فقال تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى ومن يقترف حسنةً نزد له فيها حُسناً)(٢٧٣)، فالحسنة مودّتنا أهل البيت)(٢٧٤).
٢ ـ بيعة الإمام الحسن (عليه السلام):
ولمّا أنهى الإمام (عليه السلام) خطابه، انبرى عبيد الله بن العباس فحفّز المسلمين إلى المبادرة لمبايعته قائلاً:
(معاشر الناس، هذا ابن نبيّكم، ووصيّ إمامكم فبايعوه). واستجاب الناس لهذه الدعوة المباركة، فهتفوا بالطاعة، وأعلنوا الرضا والانقياد قائلين:
(ما أحبّه الينا وأوجب حقّه علينا وأحقّه بالخلافة)(٢٧٥).
وتمّت البيعة له في يوم الجمعة المصادف الحادي والعشرين من شهر رمضان في سنة (٤٠) للهجرة(٢٧٦).
وثم نزل الحسن عن المنبر فرتّب العمّال وأمّر الاُمراء ونظر في الاُمور، وأنفذ عبدالله بن العباس إلى البصرة(٢٧٧).
كان أوّل شيء أحدثه الحسن بن عليّ (عليه السلام) أنّه زاد المقاتلة مائة مائة، وقد كان أبوه فعل ذلك يوم الجمل، والحسن (عليه السلام) فعله على حال الاستخلاف فتبعه الخلفاء بعد ذلك(٢٧٨).
٣ ـ الإمام الحسن (عليه السلام) يقتصّ من قاتل أمير المؤمنين (عليه السلام):
وفي اليوم الذي بايع الناس الإمام الحسن (عليه السلام) وبعد إتمام البيعة أمر بإحضار عبد الرحمن بن ملجم فلمّا مثل بين يديه قال له ابن ملجم: ما الذي أمرك به أبوك؟ فأجابه الامام (عليه السلام):
(أمرني أن لا أقتل غير قاتله، وأن اُشبع بطنك واُنعم وطأك)(٢٧٩).
ثم ضرب عنقه، ولم يمثِّل به.
٤ ـ جهاد الإمام الحسن (عليه السلام):
يكشف النصّ التاريخي ـ الذي نقلناه سابقاً عن قيام الإمام (عليه السلام) بمضاعفة الاُجور التي كان يتقاضاها المقاتلة ـ عن موقف الإمام (عليه السلام) الجادِّ من الحرب وإصراره الأكيد في مجابهة معاوية كما يتّضح من عمله في إصلاح حال جيشه وبنائه له.
وقد أخذ الإمام (عليه السلام) جانب الحزم في موقفه من معاوية، حيث إنّ معاوية لمّا علم بوفاة أمير المؤمنين (عليه السلام) وبيعة الناس مع الإمام الحسن (عليه السلام) دسّ رجلاً من حمير إلى الكوفة ورجلاً من بني القين إلى البصرة ليكتبا إليه بالأخبار ويفسدا على الإمام (عليه السلام) الاُمور، فعرف ذلك الإمام فأمر باستخراج الحميري من عند لحّام بالكوفة، فاُخرج وأمر بضرب عنقه وكتب إلى البصرة باستخراج القيني من بني سليم فأُخرج وضربت عنقه(٢٨٠).
ثم كتب الإمام (عليه السلام) إلى معاوية: (أمّا بعد، فإنّك دسست إليّ الرجال كأنّك تحبّ اللقاء، لا أشك في ذلك، فتوقعه إن شاء الله، وبلغني عنك أنّك شمتّ بما لم يشمت به ذوو الحجى وأنّما مثلك في ذلك كما قال الأول:

فقل للذي يبقى خلاف الذي مضى * * * تجهّز لاُخرى مثلها فكأن قدِ)(٢٨١)

لقد كانت هذه الحادثة إنذاراً لمعاوية بالحرب وتهديداً له وقطعاً لآماله بالاستيلاء على الكوفة بسلام.
وفي كتاب آخر من الإمام (عليه السلام) لمعاوية جواباً على رسالته التي لمّح فيها للصلح وطلب فيها من الإمام (عليه السلام) أن يبايعه على أن يجعل له ولاية العهد، نلاحظ قوة موقف الإمام وعدم اهتمامه بمثل هذه العروض التي كان يحاول فيها معاوية استمالة جانب الإمام، يقول (عليه السلام):
(أمّا بعد، فقد وصل إليّ كتابك فتركت جوابك خشية البغي عليك، فاتبع الحقّ تعلم أنّي من أهله، والسلام)(٢٨٢).
ولم يتجاوز عدد الرسائل التي كانت بين الامام (عليه السلام) ومعاوية الخمس حسبما يذكر ذلك أبو الفرج وآخرون. والسبب في ذلك هو ما كان يحمله معاوية من نزعات جعلته من الذين لا يستجيبون للحقّ ولا يذعنون لأهله، بل إنّ تلك النزعات قد اشتدت بعد استشهاد أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث قويت مطامعه بالخلافة التي كان يفتقد لأبسط مقوماتها وشروطها من وجهة نظر إسلاميّة.
وبالرغم من ذلك فإنّ الإمام الحسن (عليه السلام) واصل نهج والده (عليه السلام) كما كان يقتضيه التكليف الإلهي بإتمام الحجّة على خصمه فأرسل اليه أكثر من رسالة في هذا الإطار، بالرغم ممّا كان يعرفه عنه من نزعات غير خيّرة، ننقل هنا أكثرها شمولية:
من الحسن بن عليّ أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان، سلام عليك، فإنّي أحمد اليك الله الذي لا إله إلاّ هو، أمّا بعد فإنّ الله جلّ جلاله بعث محمداً رحمةً للعالمين، ومنّةً للمؤمنين، وكافّةً للناس أجمعين، (لينذر من كان حيّاً ويحقّ القول على الكافرين)، فبلّغ رسالات الله، وقام بأمر الله حتى توفّاه الله غير مقصّر ولا وان، وبعد أن أظهر الله به الحقّ، ومحق به الشرك، وخصّ به قريشاً خاصة فقال له: (وإنّه لذكرٌ لك ولقومك)، فلمّا توفيّ تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش: نحن قبيلته واُسرته وأولياؤه، ولا يحلّ لكم أن تنازعونا سلطان محمد وحقّه، فرأت العرب أنّ القول ما قالت قريش، وأنّ الحجّة في ذلك لهم على من نازعهم أمر محمد، فأنعمت لهم وسلّمت اليهم، ثم حاججنا قريشاً بمثل ما حاججت به العرب، فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها، إنّهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالانتصاف والاحتجاج، فلمّا صرنا أهل بيت محمد وأولياءه إلى محاجّتهم، وطلب النَّصَف منهم؛ باعدونا واستولوا بالإجماع على ظُلمِنا ومَراغمتنا والعَنَت منهم لنا، فالموعد الله، وهو الولي النصير.
ولقد كنّا تعجبنا لتوثّب المتوثّبين علينا في حقّنا وسلطان نبيّنا، وإن كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الإسلام، وأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون والأحزاب في ذلك مغمزاً يثلمون به، أو يكون لهم بذلك سببٌ إلى ما أرادوا من إفساده، فاليوم فليتعجّب المتعجّب من توثّبك يا معاوية على أمر لست من أهله، لا بفضل في الدين معروف، ولا أثر في الإسلام محمود، وأنت ابن حزب من الأحزاب، وابن أعدى قريش لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ولكتابه، والله حسيبك، فستردُّ فتعلم لمن عقبى الدار، وبالله لتلقينَّ عن قليل ربّك، ثمّ ليجزينّك بما قدّمت يداك، وما الله بظلاّم للعبيد.
إنّ عليّاً لمّا مضى لسبيله ـ رحمة الله عليه ـ يوم قبض ويوم منّ الله عليه بالإسلام ويوم يبعث حيّاً ولاّني المسلمون الأمر بعده، فأسأل الله ألاّ يؤتينا في الدنيا الزائلة شيئاً ينقصنا به في الآخرة ممّا عنده من كرامة، وإنّما حملني على الكتاب اليك الإعذار فيما بيني وبين الله عزّ وجلّ في أمرك، ولك في ذلك إن فعلته الحظّ الجسيم، والصلاح للمسلمين، فدعِ التمادي في الباطل، وادخل فيما دخل فيه الناس مِن بيعتي، فإنّك تعلم أنّي أحقّ بهذا الأمر منك عند الله وعند كلّ أوّاب حفيظ، ومن له قلب منيب، واتّق الله ودعِ البغي واحقن دماء المسلمين، فوالله ما لك خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر ممّا أنت لاقيه به، وادخل في السلم والطاعة، ولا تنازع الأمر أهله ومَن هو أحقّ به منك ليطفئ الله النائرة بذلك، ويجمع الكلمة ويصلح ذات البين، وإن أنت أبيت إلاّ التمادي في غيّك سِرتُ اليك بالمسلمين فحاكمتك، حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين(٢٨٣).
وجاء في جواب معاوية على رسالة الإمام (عليه السلام) هذه:
(.. قد علمتَ أنّي أطول منك ولايةً، وأقدم منك بهذه الاُمّة تجربةً، وأكبر منك سنّاً، فأنت أحقّ أن تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني، فادخل في طاعتي، ولك الأمر من بعدي، ولك ما في بيت مال العراق من مال بالغاً ما بلغ، تحمله إلى حيث أحببت، ولك خراج أيّ كور في العراق شئت معونة لك على نفقتك يجبيها أمينك ويحملها لك في كلّ سنة، ولك أن لا يستولى عليك بالإساءة، ولا تقضى دونك الاُمور، ولا تعصى في أمر أردت به طاعة الله...)(٢٨٤).
تُصوّر هذه الرسالة بوضوح كيف أنّ مقام الخلافة الإلهية المقدّسة ليس عند معاوية إلاّ سلعةً تُشترى ويُدفع ثمنها من بيت مال المسلمين وليس من مال معاوية الخاص، وهي كذلك تؤكّد تعدّيه أمر الرسول (صلى الله عليه وآله) وهو أمر الله تعالى له في استخلاف أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ونصبهم للإمامة من بعده.
٥ ـ تحرك معاوية نحو العراق وموقف الإمام (عليه السلام):
وبدأ معاوية يعبّئ جيشه ويكتب لعمّاله بموافاته لغزو العراق، وفي بعض كتبه لعمّاله يذكر أنّ بعض أشراف الكوفة وقادتهم كتبوا اليه يلتمسون منه الأمان لأنفسهم وعشائرهم، وإن صح هذا فهو أول الخذلان الذي ارتكبه أهل الكوفة بحقّ الإمام الحسن (عليه السلام).
وجاء في مذكرة رفعها معاوية ذات مضمون واحد إلى جميع عمّاله وولاته: (.. أمّا بعد، فالحمد لله الذي كفاكم مؤونة عدوّكم وقتلة خليفتكم، إنّ الله بلطفه أتاح لعلي بن أبي طالب رجلاً من عباده فاغتاله فقتله فترك أصحابه متفرّقين مختلفين، وقد جاءتنا كتب أشرافهم وقادتهم يلتمسون الأمان لأنفسهم وعشائرهم، فأقبلوا إليّ حين يأتيكم كتابي هذا بجهدكم وجندكم وحسن عدتكم، فقد أصبتم بحمد الله الثأر، وبلغتم الأمل، وأهلك الله أهل البغي والعدوان..)(٢٨٥).
ولمّا وصلت هذه الرسالة إلى عمّاله وولاته قاموا بتحريض الناس وحثّهم على الخروج والاستعداد لحرب ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسبطه، وفي أقرب وقت التحقت به قوىً كبيرة لا ينقصها شيء من العدّة والعدد.
ولمّا توفرت لمعاوية تلك القوة من المضلَّلين وأصحاب المطامع؛ زحف بهم نحو العراق وتولّى بنفسه قيادة الجيش، وأناب عنه في عاصمته الضحاك بن قيس الفهري، وقد كان عدد الجيش الذي نزح معه ستين ألفاً، وقيل أكثر من ذلك، ومهما كان عدده فقد كان مطيعاً لقوله، ممتثلاً لأمره، منفّذاً لرغباته... وطوى معاوية البيداء بجيشه الجرّار، فلمّا انتهى إلى جسر منبج(٢٨٦) أقام فيه، وجعل يحكم أمره..(٢٨٧).
وبدأ الإمام (عليه السلام) من جانبه يستنهض الكوفة للجهاد والسير لقتال معاوية بعد أن بلغه توجّهه نحو العراق، فبعث حجر بن عدي يأمر العمّال والناس بالتهيّؤ للمسير ونادى المنادي الصلاة جامعة فأقبل الناس يتوثّبون ويجتمعون (فقال الإمام الحسن (عليه السلام) للمنادي: (إذا رضيتَ جماعة الناس فأعلمني) وجاء سعيد بن قيس الهمداني فقال: اخرج فخرج الإمام الحسن (عليه السلام) فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال(٢٨٨):
(... أمّا بعد، فإنّ الله كتب الجهاد على خلقه وسمّاه كرهاً، ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين: (اصبروا إن الله مع الصابرين) فلستم ـ أيها الناس ـ نائلين ما تحبّون إلاّ بالصبر على ما تكرهون، إنّه بلغني أنّ معاوية بلغه أنّا كنّا أزمعنا المسير اليه فتحرّك لذلك، فاخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنخيلة..) فسكتوا(٢٨٩).
٦ ـ استنكار الموقف المتخاذل:
وهكذا وقف أهل الكوفة هذا الموقف المتخاذل من قائدهم وإمامهم، إذ سكتوا حيث طلب منهم الإجابة على ندائه بالخروج إلى معسكرهم في النخيلة، فتحوّلت أعينهم وهلعت قلوبهم، فلمّا رأى ذلك عدي بن حاتم الطائي قام فقال:
(أنا ابن حاتم، سبحان الله! ما أقبح هذا المقام! ألا تجيبون إمامكم وابن بنت نبيّكم؟ أين خطباء المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة، فإذا جَدّ الجدّ فروّاغون كالثعالب؟ أما تخافون مقت الله، ولا عيبها وعارها).
ثم استقبل الإمام الحسن بوجهه، فقال:
(أصاب الله بك المراشد وجنّبك المكاره ووفّقك لما تحمد ورده وصدره، قد سمعنا مقالتك وانتهينا إلى أمرك وسمعنا لك وأطعنا فيما قلت ورأيت وهذا وجهي إلى معسكري، فمن أحبّ أن يوافيني فليواف) ثمّ مضى لوجهه، فخرج من المسجد ودابته بالباب فركبها ومضى إلى النخيلة وأمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه، وكان عدي بن حاتم أول الناس عسكراً(٢٩٠).
وقام قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري ومعقل بن قيس الرياحي وزياد ابن صعصعة التيمي فأنّبوا الناس ولاموهم وحرّضوهم وكلّموا الإمام الحسن بمثل كلام عدي بن حاتم في الإجابة والقبول، فقال لهم الإمام الحسن (عليه السلام): (صدقتم رحمكم الله ما زلت أعرفكم بصدق النيّة والوفاء والقبول والمودّة الصحيحة فجزاكم الله خيراً)(٢٩١)، ثم نزل وخرج الناس فعسكروا ونشطوا للخروج، وخرج الإمام الحسن (عليه السلام) إلى المعسكر واستخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وأمره باستحثاث الناس وإشخاصهم اليه، فجعل يستحثّهم ويخرجهم حتى يلتئم العسكر وسار الإمام (عليه السلام) في عسكر عظيم وعدّة حسنة حتى انتهى إلى النخيلة.
وهكذا بدأت المسيرة، ولكن دون أن يكون دافع الحركة اختيارياً بتثاقل وإكراه تفرضه طبيعة الموقف المتخاذل، ولولا الصفوة الخيّرة والثلّة المؤمنة؛ لانقلب ميزان الموقف وانتصرت عوامل الضعف عاجلاً، ولكن موقف هؤلاء المتصلّب المنطلق من إيمانهم الجاد بحكمة القائد ولزوم اتباعه وأحقّيته بالخلافة، كان من أقوى الأسباب التي حفظت للجيش تماسكه وانقياده وبعث النشاط والحماس فيه.
٧ ـ الاتجاهات المتضادة في جيش الإمام (عليه السلام):
كان جيش الإمام (عليه السلام) يتكوّن من خليط غريب، فقد تجمّعت فيه عدّة اتجاهات مختلفة وعناصر متضادة، ويمكن بالنظرة الاُولى تصنيفه إلى فئات:
أ ـ الخوارج: وهم الذين خرجوا عن طاعة الإمام عليّ (عليه السلام) وحاربوه وناوؤه ونصبوا له العداوة، فكانوا قد وجدوا من الإمام الحسن (عليه السلام) حلاًّ وسطاً، فانضموا اليه لمحاربة معاوية، وهؤلاء اُناس تستثيرهم أدنى شبهة عارضة فيتعجّلون الحكم عليها، وسنرى أنّهم كيف وثبوا على الإمام الحسن (عليه السلام) فيما بعد.
ب ـ الفئة الممالئة للحكم الاُموي، وهي على قسمين:
١ ـ وهم الذين لم يجدوا في حكومة الكوفة ما يشبع نهمهم ويروي من ظمئهم فيما يحلمون به من مطامع يطمحون اليها، فأضمروا ولاءهم للشام مترقّبين سنوح الفرصة للوثوب على الحكم وتسليم الأمر لمعاوية.
٢ ـ وهم الذين حقدوا على حكومة الكوفة لضغائن في نفوسهم أورثتها العهود السالفة أو حسابات شخصية.
وسنرى فيما بعد خيانة هؤلاء وكتابتهم لمعاوية تزلّفاً وطمعاً في الحظوة عنده.
ج ـ الفئة المتأرجحة، التي ليس لها مسلك معيّن أو جهة خاصة مستقلّة، وإنّما هدفها ضمان السلامة وبعض المطامع عند الجهة التي ينعقد لها النصر، فهي تترقّب عن كثب إلى أيّ جهة تنقلب الاُمور ليميلوا معها.
د ـ الفئة التي تثيرها بعض العصبيات القبلية أو الإقليمية.
هـ ـ الغوغاء، وهي الفئة التي لا تستند في موقفها إلى أساس متين.
و ـ الفئة المؤمنة المخلصة، وهي القلّة الخيّرة التي يذوب صوتها في زحام الأصوات الاُخرى المعاكسة لها والمتناحرة فيما بينها.
فجيش الإمام (عليه السلام) خليط لا يربط بين فئاته هدف واحد، وهو معرض للانقسام والتفكّك لدى أيّ بادرة للانقسام من شأنها أن تفسد أيّ خطة مهما كانت حنكة القائد الذي وضع تلك الخطة، وقد شعر الإمام (عليه السلام) بخطورة هذا الموقف بين هذا الخليط الذي يحمل عوامل الانقسام على نفسه.
وذكر السيد ابن طاووس ـ رضوان الله تعالى عليه ـ في (الملاحم والفتن) كلاماً يؤثر عنه (عليه السلام) يعبّر عن ضعف ثقته بجيشه، وكان من أبلغ ما أفضى به في هذا الصدد، وذلك في خطابه الذي خاطب به جيشه في المدائن قائلاً:
(.. وكنتم في مسيركم إلى صفّين، ودينكم أمام دنياكم، وأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم، وأنتم بين قتيلين: قتيل بصفّين تبكون عليه، وقتيل بالنهروان تطلبون منّا بثأره، وأمّا الباقي فخاذل، وأمّا الباكي فثائر)(٢٩٢).
وكان معاوية قد عرف نقاط الضعف التي ابتلي بها جيش الإمام (عليه السلام)، فرسم للموقف خطة حاسمة ابتكرتها له الظروف الموضوعية من شأنها أن تحسم الأمر بينه وبين الإمام، وذلك بدعوته للصلح والتظاهر بإعطائه الشروط التي يريد، فإن يقبل بذلك فإنّ أَحبولته التي حاكها حول قادة الإمام ورؤساء جيشه كافية لأن تمنع الالتحام بين المعسكرين، وتدفع بالإمام الحسن (عليه السلام) إلى الرضا بالأمر الواقع.
٨ ـ طلائع جيش الإمام الحسن (عليه السلام):
انتهى الإمام الحسن (عليه السلام) بجيشه إلى النخيلة، فأقام فيها ونظّم الجيش، ثمّ ارتحل عنها وسار حتى انتهى إلى (دير عبد الرحمن) فأقام به ثلاثة أيام ليلتحق به المتخلّفون من جنده، وأرسل مقدمة جيشه للاستطلاع على حال العدو وإيقافه في محلّه، واختار إلى مقدّمته خلّص أصحابه وخيرة عناصر جيشه، وكان عددهم اثني عشر ألفاً، وأعطى القيادة العامة إلى ابن عمّه عبيد الله بن العباس، وقد زوّده قبل تحرّكه بهذه الوصية القيّمة وهي:
(يابن العمّ! إنّي باعث معك اثني عشر ألفاً من فرسان العرب وقرّاء المصر، الرجل منهم يزيد الكتيبة، فسر بهم، وألِن لَهُم جانبك، وابسط لهم وجهك، وافرش لهم جناحك، وأدنهم من مجلسك، فإنّهم بقية ثقات أمير المؤمنين، وسر بهم على شطّ الفرات، ثمّ امضِ حتى تستقبل بهم معاوية، فإن أنت لقيته فاحتبسه حتى آتيك، فإنّي على أثرك وشيكاً، وليكن خبرك عندي كلّ يوم، وشاور هذين ـ قيس بن سعد وسعيد بن قيس ـ إذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك فإن فعل فقاتله، وإن اُصبت فقيس بن سعد على الناس، فإن أُصيب فسعيد بن قيس على الناس)(٢٩٣).
٩ ـ خيانة قائد الجيش:
وصل عبيد الله بن العباس إلى (مسكن)(٢٩٤) فعسكر فيها، وقابل العدوّ وجهاً لوجه، وعندها بدأت تظهر بوادر الفتنة بوضوح، وانطلقت دسائس معاوية تشقّ طريقها إلى المعسكر حيث تجد المجال الخصب بوجود المنافقين ومن يؤثرون العافية، وكانت الشائعة الكاذبة (أنّ الحسن يكاتب معاوية على الصلح فلِمَ تقتلون أنفسكم؟)(٢٩٥).
وارتبك الموقف أمام قائد الجيش وسرت همهمة في الجيش عن صدق الشائعة أو كذبها، فبين مصدّق لها وبين مكذّب، وبين من يحاول إثباتها على أيّ حال، ولم يحاول القائد عبيد الله أن يتأكّد من كذب هذه الشائعة وبُعدها عن الواقع، لأنّ الإمام الحسن (عليه السلام) كان مشغولاً في تلك الأثناء ببعث الرسل إلى الأطراف وتهيئة الكتائب اللاحقة بالطلائع ومكاتبة معاوية بالحرب وبعث الحماس بخطبه اللاهبة المحرضة على القتال، ولم يكتب في صلح ولم يكن من رأيه آنذاك أبداً.
فَسَرَتْ الحيرة في نفس قائد الجيش ممّا دفعه للانطواء، فأخذ يفكّر في مصيره، وكان قد بلغه تخاذل الكوفيين عن التحرّك نحو المعركة وتباطؤهم عن تلبية نداء الجهاد، فبدت في نفسه بعض التصورات من أنّه في موقف لا يغبط عليه، وأنّ هذه الطلائع من جيش الكوفة والتي تقف في مواجهة جيش الشام المكتظ لا يمكن أن تقاوم تلك الجموع الحاشدة أو تلتحم معها في معركة مع فقدان توازن القوى بينها.
وبينا هو يعيش هذه الحيرة وتلك الأوهام وصلته رسائل معاوية وهي تحمل في طيّاتها عوامل الإغراء التي تمسّ الوتر الحسّاس في نفس ابن عباس من حبّه للتعاظم وتطلّعه للسبق، وكان معاوية قد خبر نقاط الضعف التي يحملها عبيد الله هذا.

 

وكانت رسالة معاوية تحمل: (أنّ الحسن قد راسلني في الصلح، وهو مسلِّم الأمر إليّ، فإن دخلت في طاعتي كنت متبوعاً، وإلاّ دخلت وأنت تابع) وجعل له فيها ألف ألف درهم(٢٩٦).
وكان أسلوب معاوية في حربه مع أعدائه هو استغلال نقاط الضعف في خصومه، واستغلال كلّ ما من شأنه أن يوهن العزيمة ويشلّ القوى فيهم.
وهكذا انكفأ عبيد الله بن عباس على نفسه واستجاب لداعي الخيانة، ملتمساً لعدوّه الذي وتره بابنيه، مخلّفاً وراءه لعنة التاريخ، وقد شاء لنفسه أن ينحدر إلى هذا المستوى الساقط فيدخل حمى معاوية ليلاً دخول المهزوم المخذول، الذي يأباه كلّ حرٍّ ينبض عنده الضمير.
وينبلج الصبح عن افتقاد المعسكر قائده، فترقص قلوب المنافقين والمسالمين، وتدمى عيون المخلصين، هذا والحسن (عليه السلام) لا يزال في موقفه الصلب بضرورة مقاتلة معاوية.
ويكاد الأمر ينتقض على الإمام (عليه السلام) في مسكن، ولكنّ القائد الشرعي ـ وهو الرجل المؤمن الصامد قيس بن سعد بن عبادة الذي جعله الإمام (عليه السلام) خلفاً لعبيد الله بن العباس إذا غاب عن القيادة ـ حاول جاداً في أن يحافظ على البقية الباقية من معنويات الجيش المنهارة بانهزام القائد وإقرار التماسك بين فرقِهِ وأفراده، فقام فيهم خطيباً وقال:
(أيّها الناس! لا يهولنّكم ولا يعظمنّ عليكم ما صنع هذا الرجل المولَّه، إنّ هذا وأباه وأخاه لم يأتوا بيوم خير قطّ، إنّ أباه عمّ رسول الله خرج يقاتله ببدر، فأسره أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري، فأتى به رسول الله فأخذ فداءه فقسّمه بين المسلمين، وإنّ أخاه ولاّه على البصرة فسرق ماله ومال المسلمين، فاشترى به الجواري وزعم أنّ ذلك له حلال، وإنّ هذا ولاّه على اليمن فهرب من بسر بن أرطاة، وترك ولده حتى قتلوا، وصنع الآن هذا الذي صنع)(٢٩٧).
وهكذا اندفع قيس الصامد في موقفه، المؤمن بهدفه، يودّع سلفه بهذه الكلمات الساخرة اللاذعة التي تكشف عن الماضي الهزيل له، وعن نفسيته الساقطة التي دفعته للتردّي في هذا المنحدر السحيق.
وقد فعل قيس في نفوس سامعيه ما أراد، فانطلقت الحناجر بحماس وتوثّب تنادي: (الحمد لله الذي أخرجه من بيننا)(٢٩٨) فصنع قيس حالة من الشدّ والعزيمة في ذلك الموقف الذي كان للانهيار المؤلم الوشيك عرضة، وعاد النظام يسيطر على عناصر الجيش، واطمأنّ الناس لقائدهم الجديد.
١٠ ـ توالي الخيانات في جيش الإمام (عليه السلام):
وصلت أنباء استسلام عبيد الله لعدوّه إلى المدائن، وشاع جوّ من المحنة في النفوس، وشعر الإمام (عليه السلام) بالطعنة في الصميم تأتيه من أقرب الناس اليه وأخصّهم به، وتسرّبت اليه أنباء عن مكاتبة بعض رؤساء الأجناد والقوّاد لمعاوية وطلبهم الأمان لأنفسهم وعشائرهم، ومكاتبة معاوية لبعضهم بالأمان والمواعيد(٢٩٩).
وممّا يذكر: (أنّ معاوية دسّ إلى عمرو بن حريث والأشعث بن قيس وحجار بن أبجر وشبث بن ربعي دسيساً أفرد كلّ واحد منهم بعين من عيونه: أنّك إذا قتلت الحسن فلك مائة ألف درهم، وجندٌ من أجناد الشام، وبنتٌ من بناتي).
فبلغ الحسن (عليه السلام) ذلك فاستلأم ولبس درعاً وسترها، وكان يحترز ولا يتقدّم للصلاة إلاّ كذلك، فرماه أحدهم في الصلاة بسهم فلم يثبت فيه لما عليه من اللامة(٣٠٠).
وهكذا توالت الخيانات في جيش الإمام، ومن ذلك: (أنّ الحسن بعث إلى معاوية قائداً من كندة في أربعة آلاف، فلمّا نزل الأنبار بعث اليه معاوية بخمسمائة ألف درهم، ووعده بولاية بعض كور الشام والجزيرة، فصار اليه في مائتين من خاصّته، ثم بعث رجلاً من مراد ففعل كالأول بعدما حلف الأيمان التي لا تقوم لها الجبال أنّه لا يفعل، وأخبرهم الحسن أنّه سيفعل كصاحبه)(٣٠١).
ويقف الإمام الحسن (عليه السلام) أمام هذه النكبات والمحن المتتالية، متطامناً على نفسه ناظراً في أمره، وإلى أين ستنتهي به هذه المسيرة.
والذي يظهر لنا من بعض النصوص أنّ ابن عباس لم يفرَّ وحده، بل خرج معه عدد وفير من الزعماء والقوّاد والجند، وهو أمر يمكن أن يساعد عليه الجوّ المشحون بالتشاؤم واليأس من توقّع انتصار الإمام (عليه السلام) على عدوّه.
وهكذا أخذت الأنباء تتوارد على الإمام في المدائن بفرار الخاصة من القواد والزعماء، وقد تبع انهزام هؤلاء فرار كثير من الجند، حيث كان انهزامهم سبباً لحدوث تمرّد وفوضى شاملة في الجيش.
وقد ارتفعت أرقام الفارّين إلى معاوية بعد فرار عبيد الله وخاصّته إلى ثمانية آلاف، كما يذكر اليعقوبي في تاريخه فيقول: (إنّه ـ يعني معاوية ـ أرسل إلى عبيد الله بن عباس، وجعل له ألف ألف درهم، فصار اليه في ثمانية آلاف من أصحابه، وأقام قيس بن سعد على محاربته)(٣٠٢).
واذا أخذنا في اعتبارنا أنّ الجيش الذي كان في (مسكن) إثنا عشر ألفاً فستكون نسبة الفارّين منه إلى معاوية وهي ثلثا الجيش نسبة كبيرة، في حين كان الجيش الذي يقوده معاوية لمواجهة الحسن (عليه السلام) ستين ألفاً تضاف اليه آلاف الفارّين من جيش الحسن (عليه السلام).
وحقّاً أنّها لصدمة رهيبة ومحنة حادّة تتداعى أمامها القوى، وتنفرج بها أنياب الكارثة عن مأساة مرعبة يتحمّل جزءً كبيراً من مسؤوليّتها عبيد الله بن العباس أمام الله والتاريخ.
والشيء الذي يمكن فهمه من هذا الفرار الجماعي هو وجود تآمر على الخيانة في أوساط جملة من الزعماء والوجوه، وإلاّ فبأيّ قاعدة منطقية يمكن تفسير فرار ثمانية آلاف مقاتل من جيش يستعد للقتال في فترة قصيرة، وهل يكون ذلك إلاّ عن سابق تفكير وإحكام لخطة خائنة؟!.
ويقف الإمام (عليه السلام) باحثاً عن المخرج من هذا المأزق الذي تداعت به معنويات جيشه في (مسكن) وتزلزلت منه قوى جيشه في المدائن، خاصة إذا نظر بعين الموازنة بين جيشه وجيش عدوه من حيث العدد.
فكان جيشه يتألف من عشرين ألفاً فقط كما أجمعت عليه المصادر التاريخية(٣٠٣) بينما يتألف جيش عدّوه من ستين ألفاً، وبعد لحاظ الآلاف الثمانية التي التحقت بمعاوية في (مسكن) بعد خيانة عبيد الله يصبح جيش الحسن (عليه السلام) خمس جيش عدوه، وهذا انهيار كبير حسب الموازين والحسابات العسكرية، هذا فضلاً عمّا تقوله بعض المصادر بخصوص فرار بعض أفراد الجيش في المدائن ممّن استهوتهم المطامع بالاستيلاء على
المغانم وجاؤوا رغبة فيها إذا قدِّر الانتصار لجيش الإمام الحسن (عليه السلام)، فواكبوا مسيرة الجيش، ثم فرّوا بعد أن أحسّوا تفوّق الطرف الآخر عسكرياً في العدَّة والعدد.
وممّا زاد في انهيار الموقف حرب الإشاعات الكاذبة التي شنّها معاوية للقضاء على البقية الباقية من معنويات الجيش في مسكن والمدائن، ونذكر هنا بعض هذه الشائعات ومدى تأثيرها على المعنويات العامة في جيش الإمام الحسن (عليه السلام) بكلا شقّيه في المدائن ومسكن.
وقد عمل معاوية بكلّ ما أمكنه من خبث ومكر من أجل الوقيعة بالجيش الكوفي وتفتيت قواه، وكان اختياره للأكاذيب ينمّ عن خبرة دقيقة في حبكها وانتقائها، فأرسل من يدسّ في معسكر المدائن: (... بأنّ قيس ابن سعد وهو قائد مسكن بعد فرار ابن عباس قد صالح معاوية وصار معه...)(٣٠٤).
(ويوجّه إلى عسكر قيس في مسكن من يتحدّث أنّ الحسن قد صالح معاوية وأجابه...)(٣٠٥).
ثم ينشر في المدائن إشاعةً هي: (.. ألا إنّ قيس بن سعد قد قتل فانفروا، فنفروا بسرادق الحسن فنهبوا متاعه فنازعوه بساطاً تحته، فازداد لهم بغضاً ومنهم ذعراً، ودخل المقصورة البيضاء في المدائن...)(٣٠٦).
وهكذا طوّقت موجة الشائعات المتدفّقة بمكر معاوية وخبثة جناحي الجيش في المدائن ومسكن، وفَصَمَتْ ما تبقّى فيه من تماسك، وكانت سبباً في زلزلة فئات كثيرة من غوغاء الناس المتأرجحين بين الطاعة والعصيان ومحبّي الفتن والاضطرابات.
وما الذي ينتظر أن تفعله الشائعات في جيش كجيش المدائن الذي سبق وأنّه علم بخيانة قائد (مسكن) الذي لم يكن قيس بمنزلته في نظره، فلِمَ لا يصدق خيانة قائدها الثاني أو خبر قتله؟ وليس جيش مسكن بأقلّ حظّـاً من تأثّره بهذه الشائعات، وقد سبق وأنّه اُصيب بخيانة قائده من قبل.
وفي غمرة هذه الأحداث جاء وفد يمثّل أهل الشام مؤلّف من المغيرة ابن شعبة وعبدالله بن كريز وعبد الرحمن بن الحكم وهو يحمل كتب أهل العراق ليُطلع الإمام الحسن (عليه السلام) عليها وما تكنّه ضمائر بعض أصحابه من السوء، وأنّهم تطوّعوا في صفوف جيشه لإذكاء نار الفتنة عندما يحين موعدها المرتقب، وتُنشر الكتب بين يدي الإمام (عليه السلام) ولم تكن لتزيده يقيناً على ما يعرف من أصحابها من دخيلة السوء وحبّ الفتنة، وكانت خطوطهم وتواقيعهم واضحة لديه وصريحة.
وعُرض الصلح على الإمام بالشروط التي يراها مناسبة، ولكنّ الإمام لم يشأ أن يعطيهم من نفسه ما يرضي به طموح معاوية، وكان دقيقاً في جوابه، بحيث لم يشعرهم فيه بقبول الصلح أو ما يشير إلى ذلك، بل اندفع يعظهم ويدعوهم إلى الله عزّ وجلّ وما فيه نصح لهم وللاُمّة ويذكّرهم بما هم مسؤولون به أمام الله ورسوله في حقّه.
وحين رأى المغيرة ورفاقه أنّ الدور الأول من الرواية التي حاولها مكر معاوية قد فشلت في إقناع الإمام (عليه السلام) بالصلح بل بقي موقفه صامداً أمام هذه المؤثرات القوية انتقلوا لتنفيذ حلقة ثانية من سلسلة المحاولات المعدّة من قبل معاوية وإن آتت اُكلها لاحقاً، فلا أقل من أنّها ستترك أثراً سيّئاً يزيد موقف الإمام حراجةً وإن لم يتحقّق منها إقناع الإمام بالصُلح.
وغادر الوفد مقصورة الإمام مستعرضاً مضارب الجيش الذي كان يترقّب نتائج المفاوضات، فرفع أحد أفراد الوفد صوته ليسمعه الناس: (إنّ الله قد حقن بابن رسول الله الدماء وسكّن الفتنة وأجاب إلى الصلح...)(٣٠٧).
وهكذا مثّلوا دورهم أروع تمثيل، وخلقوا جوّاً لاهباً من المأساة تدهور على أثرها الموقف، وتفجّرت كوامن الفتنة واضطرب تماسك الجيش ولاحت في الاُفق بوادر المحنة، فأيّ غائلة هذه التي ألهب نارها المغيرة ورفاقه؟.
١١ ـ محاولات اغتيال الإمام (عليه السلام):
ولم تقف محنة الإمام (عليه السلام) في جيشه إلى هذا الحدّ، فقد أقدم المرتشون والخوارج على قتله، وجرت ثلاث محاولات لاغتياله (عليه السلام) وسلم منها، وهي كما يلي:
١ ـ إنّه (عليه السلام) كان يصلّي فرماه شخص بسهم فلم يؤثّر شيئاً فيه(٣٠٨).
٢ ـ طعنه الجرّاح بن سنان في فخذه، وقال الشيخ المفيد: (إنّ الحسن أراد أن يمتحن أصحابه ليرى طاعتهم له وليكون على بصيرة من أمره، فأمر أن ينادى بالصلاة جامعة، فلمّا اجتمع الناس قام خطيباً فقال:
(... أمّا بعد، فإنّي والله لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنّه وأنا أنصح خلق الله لخلقه، وما أصبحت محتملاً على مسلم ضغينة، ولا مريداً له بسوء ولا غائلة، وأنّ ما تكرهون في الجماعة خير لكم ممّا تحبّون في الفرقة، وأنّي ناظر لكم خير من نظركم لأنفسكم فلا تخالفوا أمري، ولا تردّوا عليّ رأيي، غفر الله لي ولكم، وأرشدني وإيّاكم لما فيه المحبّة والرضا).
ونظر الناس بعضهم إلى بعض وهم يقولون ما ترونه يريد؟ واندفع بعضهم يقول: والله يريد أن يصالح معاوية ويسلم الأمر إليه، فقالوا: كفر والله الرجل.
ثم شدّوا على فسطاطه وانتهبوه حتى أخذوا مصلاّه من تحته، ثم شدَّ عليه عبد الرحمن بن عبدالله بن جعال الأزدي فنزع مطرفه عن عاتقه فبقي جالساً متقلّداً السيف بغير رداء، ثم دعا بفرسه فركبه وأحدق به طوائف من خاصّته وشيعته ومنعوا منه من أراده، فقال: ادعوا إليّ ربيعة وهمدان، فدعوا فأطافوا به ودفعوا الناس عنه (عليه السلام) وسار ومعه شعوب من غيرهم، فلمّا مرّ في مظالم ساباط بَدَرَ اليه رجل من بني أسد يقال له (الجراح بن سنان) فأخذ بلجام بغلته وبيده مغول وقال: الله أكبر أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل، ثم طعنه في فخذه فشقّه حتّى بلغ العظم، ثم اعتنقه الحسن (عليه السلام) وخرّا جميعاً إلى الأرض، فوثب اليه رجل من شيعة الحسن (عليه السلام) يقال له (عبدالله ابن خطل الطائي) فانتزع المغول من يده وخضخض به جوفه فأكبّ عليه آخر يقال له (ظبيان بن عمارة) فقطع أنفه فهلك من ذلك، واُخذ آخر كان معه فقتل وحمل الحسن (عليه السلام) على سرير إلى المدائن...)(٣٠٩).
٣ ـ طعنه بخنجر في أثناء الصلاة(٣١٠).
١٢ ـ موقف الإمام الحسن (عليه السلام):
قال الشيخ المفيد: (.. ونظر (الإمام الحسن (عليه السلام)) في اُمورهم (أي في اُمور الناس) فازدادت بصيرة الحسن (عليه السلام) بخذلان القوم له وفساد نيّات المحكِّمة فيه بما أظهروه له من السبّ والتكفير له واستحلال دمه ونهب أمواله، ولم يبق معه من يأمن غوايله إلاّ خاصّته من شيعة أبيه وشيعته وهم جماعة لا تقوم لأجناد الشام، فكتب اليه معاوية في الهدنة والصلح، وأنفذ اليه بكتب أصحابه الذين ضمنوا له فيها الفتك به وتسليمه اليه، فاشترط له على نفسه في إجابته إلى صلحه شروطاً كثيرة، وعقد له عقوداً كان في الوفاء بها مصالح شاملة، فلم يثق به الحسن (عليه السلام) وعلم باحتياله بذلك واغتياله، غير أنّه لم يجد بدّاً من إجابته إلى ما التمس من ترك الحرب وإنفاذ الهدنة لما كان عليه أصحابه ممّا وصفناه من ضعف البصائر في حقّه والفساد عليه والخلف منهم له وما انطوى عليه كثير منهم في استحلال دمه وتسليمه إلى خصمه وما كان من خذلان ابن عمّه له ومصيره إلى عدوّه وميل الجمهور منهم إلى العاجلة وزهدهم في الآجلة...)(٣١١).

 

* * *

 

البحث الثاني: في الصلح وأسبابه ونتائجه
تعتبر المرحلة التي صالح فيها الإمام الحسن (عليه السلام) معاوية بن أبي سفيان من أصعب مراحل حياته (عليه السلام) وأكثرها تعقيداً وحسّاسية وأشدها إيلاماً، بل إنّها كذلك وعلى مدى حياة أهل بيت رسول الله (عليه السلام)، وقد أصبح صلح الإمام (عليه السلام) من أهم الأحداث في التاريخ الإسلامي بما تستبطنه من موقف بطولي للإمام المعصوم (عليه السلام)، وبما أدّى اليه من تطورات واعتراضات وتفسيرات مختلفة طوال القرون السالفة وحتى عصرنا الحاضر، وألّف الباحثون المسلمون في توضيح وتحليل الصلح كتباً عديدة، وأصدر الأعداء والأصدقاء أحكامهم بشأنه.
وقد انبرى باحثون معاصرون من الطراز الممتاز مثل المرحوم الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء والشيخ راضي آل ياسين والشيخ باقر شريف القرشي للكتابة عن الإمام (عليه السلام) وصلحه الذي قام به من أجل الإسلام.
وسنبدأ بالحديث عمّا ورد عن هذا الصلح تأريخياً، ثم ننقل كلمات الإمام (عليه السلام) في الأسباب الكامنة وراء قبوله بالصلح، وبعد ذلك نقوم بالتحليل.
إتمام الحجّة:
ذكر المؤرّخون: أنّ الإمام الحسن (عليه السلام) بعد أن رأى خيانات جيشه والمحيطين به ونفاقهم، مع أنّه لم يبق له ثمّة أمل في ثباتهم وصمودهم في مواجهة العدو، ومع انكشاف ما تنطوي عليه تلك الضمائر من رغبات، لكنّه (عليه السلام) ولكي يتمّ الحجة ألقى فيهم الخطاب الآتي:
(ويلكم! والله إنّ معاوية لا يفي لأحد منكم بما ضمنه في قتلي، وإنّي أظنّ إن وضعتُ يدي في يده فأسلمه لم يتركني أدين بدين جَدّي، وإنّي اَقدِرُ أن أعبدَ الله عزّ وجلّ وحدي، ولكن كأنّي أنظر إلى أبنائكم واقفين على أبواب أبنائهم يستسقونهم ويطعمونهم بما جعل الله لهم فلا يسقون ولا يطعمون، فبُعداً وسحقاً لما كسبته أيديهم، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون)(٣١٢).
ومرّةً اُخرى، وقبل أن يقبل باقتراح معاوية للصلح قام الإمام (عليه السلام) بإتمام الحجّة، من خلال خطاب يتضمّن استطلاعاً لآراء أصحابه، واستخباراً لنيّاتهم، فقد قال (عليه السلام) بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه:
(أما والله ما ثنانا عن قتال أهل الشام ذلّة ولا قلّة، ولكن كنّا نقاتلهم بالسلامة والصبر، فَشيب السلام بالعداوة، والصبر بالجزع، وكنتم تتوجَّهون معنا ودينُكم أمام دنياكم، وقد أصبحتم الآن ودنياكم أمام دينكم، وكنّا لكم وكنتم لنا، وقد صرتم اليوم علينا، ثمّ أصبحتم تصدّون قتيلَين: قتيلاً بصفّين تبكون عليهم، وقتيلاً بالنهروان تطلبون بثأرهم، فأمّا الباكي فخاذل، وأمّا الطالب فثائر)(٣١٣).
وبعد ذلك عرض عليهم اقتراح معاوية الصلح، فقال (عليه السلام):
(وإنّ معاوية قد دعا إلى أمر ليس فيه عزٌّ ولا نَصَفَةٌ، فإن أردتم الحياة قبلناه منه، وأغضضنا على القذى، وإن أردتم الموت بذلناه في ذات الله، وحاكمناه إلى الله؟)(٣١٤).
وأضاف الراوي: (فنادى القوم بأجمعهم: بل البقيةُ والحياة)(٣١٥).
القبول بالصلح:
لم يبق أمام الإمام الحسن (عليه السلام) سبيلٌ غير القبول بالصلح، وترك أمر الحكم لمعاوية فترةً من الزمن، ويتبيّن من خلال التمعّن في بنود معاهدة الصلح أنّ الإمام (عليه السلام) لم يقدّم أيّ امتياز لمعاوية، وأنّه (عليه السلام) لم يعترف به رسمياً باعتباره خليفةً وحاكماً للمسلمين، بل إنّما اعتبر الحكم القيادة حقّه الشرعي، مثبتاً بطلان ادعاءات معاوية بهذا الصدد.
بنود معاهدة الصلح:
لم تذكر المصادر التأريخية نصّاً صريحاً لكتاب الصلح، الذي يعتبر الوثيقة التأريخية لنهاية مرحلة من أهم مراحل التأريخ الإسلامي، وبخاصة في عصوره الاُوَل، ولا نعرف سبباً وجيهاً لهذا الإهمال.
وقد اشتملت المصادر المختلفة على ذكر بعض النصوص مع إهمال البعض الآخر، ويمكن أن تؤلف من مجموعها صورة الشروط التي أخذها الإمام (عليه السلام) على معاوية في الصلح، وقد نسّقها بعض الباحثين وأوردها على صورة مواد خمس، ونحن نوردها هنا كما جاءت، ونهمل ذكر المصادر التي ذكرها في الهامش اعتماداً عليه(٣١٦).
وهي كما يلي:
١ ـ تسليم الأمر إلى معاوية على أن يعمل بكتاب الله وبسنّة رسوله (صلى الله عليه وآله) وبسيرة الخلفاء الصالحين.
٢ ـ أن يكون الأمر للحسن من بعده، فإن حدث به حدث فلأخيه الحسين، وليس لمعاوية أن يعهد إلى أحد.
٣ ـ أن يترك سبّ أمير المؤمنين والقنوت عليه بالصلاة، وأن لا يذكر عليّاً إلاّ بخير.
٤ ـ استثناء ما في بيت مال الكوفة وهو خمسة آلاف ألف، فلا يشمله تسليم الأمر، وعلى معاوية أن يحمل إلى الحسن ألفي ألف درهم، وأن يُفضّل بني هاشم في العطاء والصِلات على بني عبد شمس، وأن يفرِّق في أولاد من قتل مع أمير المؤمنين يوم الجمل، وأولاد من قتل معه بصفّين ألف ألف درهم، وأن يجعل ذلك من خراج دار أبجر.
٥ ـ على أنّ الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم، وأن يؤمن الأسود والأحمر، وأن يحتمل معاوية ما يكون من هفواتهم، وأن لا يتبع أحداً بما مضى، ولا يأخذ أهل العراق بإحنة.
وعلى أمان أصحاب عليّ حيث كانوا، وأن لا ينال أحداً من شيعة عليّ بمكروه، وأنّ أصحاب عليّ وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم، وأن لا يتعقّب عليهم شيئاً ولا يتعرّض لأحد منهم بسوء، ويوصل إلى كلّ ذي حقّ حقّه، وعلى ما أصاب أصحاب عليّ حيث كانوا.
وعلى أن لا يبغي للحسن بن عليّ ولا لأخيه الحسين ولا لأحد من أهل بيت رسول الله غائلة، سرّاً ولا جهراً، ولا يخيف أحداً منهم في اُفق من الآفاق.
وقد اعتبر بعض الباحثين المادة الرابعة من موضوعات الاُمويين أو العباسيين لتشويه صورة أهل البيت (عليهم السلام) وبخاصة الإمام الحسن (عليه السلام)، باعتبار أنّ هذه المادة لا تتناسب وشأن الإمام الحسن (عليه السلام) ومقامه(٣١٧). والله أعلم.
هذه إذن هي المواد الخمس التي أوصلها لنا التاريخ كاُسس للصلح بين الحسن ومعاوية، أو على الأقلّ أنّها تمثل طبيعة الشروط التي أملاها الإمام (عليه السلام) على معاوية.
أسباب الصلح كما تُصَورّها النصوص عن الإمام الحسن (عليه السلام):
١ ـ روى الشيخ الصدوق في (علل الشرايع) بسنده عن أبي سعيد عقيصا الذي سأل الإمام الحسن (عليه السلام) عن السبب الذي دفعه إلى الصلح مع معاوية من أنّه (عليه السلام) يعلم أنّه على الحقّ وأنّ معاوية ضالّ وظالم، فأجابه الإمام (عليه السلام): (يا أبا سعيد، ألستُ حجّة الله تعالى ذكره على خلقه، وإماماً عليهم بعد أبي (عليه السلام)؟ قلتُ: بلى، قال: ألستُ الذي قال رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) لي ولأخي: الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا؟ قلتُ: بلى، قال: فأنا إذن إمام لو قمتُ، وأنا إمام إذا قعدتُ، يا أبا سعيد عِلّةُ مصالحتي لمعاوية علّة مصالحة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لبني ضُمْرة وبني أشجع، ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية، اُولئك كفّار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفّار بالتأويل، يا أبا سعيد إذا كنتُ إماماً من قبل الله تعالى ذكره لم يجب أن يُسَفَّه رأيي فيما أتيته من مهادنة أو محاربة، وإن كان وجه الحكمة فيما أتيته مُلتبساً، ألا ترى الخضر (عليه السلام) لمَّا خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار سخط موسى (عليه السلام) فعله؟ لاشتباه وجه الحكمة عليه حتى أخبره فرضي. هكذا أنا، سخطتم عليّ بجهلكم بوجه الحكمة فيه، ولو لا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحدٌ إلاّ قُتِل)(٣١٨).
ونقل الطبرسي في (الاحتجاج)(٣١٩) شبيه هذا السبب عن الإمام الحسن (عليه السلام).
٢ ـ ذكر زيد بن وهب الجهني أنّه بعد أن جُرح الإمام (عليه السلام) في المدائن، سألته عن موقفه الذي سيتّخذه في هذه الظروف، فأجاب (عليه السلام): (أرى والله معاوية خيراً لي من هؤلاء، يزعمون أنّهم لي شيعة، ابتغوا قتلي وانتهبوا ثقلي، وأخذوا مالي، والله لأن آخذ من معاوية عهداً أحقن به دمي وآمَن به في أهلي خيرٌ من أن يقتلوني فيضيع أهل بيتي وأهلي، والله لو قاتلتُ معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني اليه سِلْماً، فو الله لإن اُسالمه وأنا عزيز خيرٌ من أن يقتلني وأنا أسيره أو يَمُنّ عليّ فتكون سُبّةً على بني هاشم إلى آخر الدّهر، ومعاوية لا يزال يَمُنُّ بها وعقبه على الحيّ منّا والميت...)(٣٢٠).
٣ ـ وذكر سليم بن قيس الهلالي أنه عندما جاء معاوية إلى الكوفة؛ صعد الإمام الحسن (عليه السلام) المنبر بحضوره، وبعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه، قال: (أيّها الناس إنّ معاوية زعم أنّي رأيته للخلافة أهلاً، ولم أر نفسي لها أهلاً، وكذب معاوية، أنا أولى الناس بالناس في كتاب الله وعلى لسان نبيّ الله، فاُقسم بالله لو أنّ الناس بايعوني وأطاعوني ونصروني لأعطتهم السماء قَطْرَها، والأرضُ بركتها، ولما طمعتَ فيها يا معاوية، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما ولّت اُمّة أمرها رجلاً قطّ وفيهم من هو أعلم منه إلاّ لم يزل أمرُهم يذهب سِفالاً، حتى يرجعوا إلى ملّة عبدةِ العجل...)(٣٢١).
٤ ـ وعن سبب الصلح روى العلاّمة القندوزي في (ينابيع المودة) أنّ الإمام الحسن (عليه السلام) ألقى في الناس خطاباً جاء فيه: (أيّها الناس قد علمتم أنّ الله ـ جلّ ذكره وعزّ اسمه ـ هداكم بجدَّي وأنقذكم من الضلالة، وخلّصكم من الجهالة، وأعزّكم به بعد الذلّة، وكثّركم به بعد القلّة، وأنّ معاوية نازعني حقّاً هو لي دونه، فنظرت لصلاح الاُمّة وقطع الفتنة، وقد كنتم بايعتموني على أن تُسالموا من سالمني وتحاربوا مَن حاربني، فرأيتُ أن اُسالم معاوية وأضعَ الحرب بيني وبينه، وقد صالحته ورأيتُ أنّ حقن الدماء خيرٌ من سفكها، ولم أرد بذلك إلاّ صلاحكم وبقاءكم (وإن أدري لعلّه فتنة لكم ومتاع إلى حين))(٣٢٢).
٥ ـ في رواية نقلها السيد المرتضى ـ رحمة الله عليه ـ أنّ حجر بن عدي اعترض على الإمام (عليه السلام) بعد موافقته على الصلح وقال له: (سوّدت وجوه المؤمنين) فأجابه الإمام (عليه السلام): (ما كلُّ أحد يحبُّ ما تحبّ ولا رأيه كرأيك، وإنّما فعلتُ ما فعلتُ إبقاءً عليكم).
وبعد ذلك أشار إلى أنّ شيعة الإمام (عليه السلام) اعترضوا على الصلح وأعربوا عن تأسّفهم لقرار الإمام (عليه السلام)، ومن بينهم سليمان بن صرد الخزاعي الذي قال للإمام: (ما ينقضي تعجّبنا من بيعتك معاوية، ومعك أربعون ألف مقاتل من أهل الكوفة، كلّهم يأخذ العطاء، وهم على أبواب منازلهم، ومعهم مثلهم من أبنائهم وأتباعهم، سوى شيعتك من أهل البصرة والحجاز، ثم لم تأخذ لنفسك ثقة في العقد، ولا حظّـاً من العطيّة، فلو كنت إذ فعلتَ ما فعلتَ أشهدت على معاوية وجوه أهل المشرق والمغرب، وكتبت عليه كتاباً بأنّ الأمر لك بعده، كان الأمر علينا أيسر، ولكنّه أعطاك شيئاً بينك وبينه لم يفِ به، ثم لم يلبث أن قال على رؤوس الأشهاد: (إنّي كنتُ شرطتُ شروطاً ووعدتُ عداة إرادة لإطفاء نار الحرب، ومداراةً لقطع الفتنة، فلمّا أن جمع الله لنا الكَلِم والألفة فإنّ ذلك تحت قدمي) والله ما عنى بذلك غيرك، وما أراد إلاّ ما كان بينك وبينه، وقد نقض، فإذا شئت فأعِد، الحرب خدعة، وائذن لي في تقدّمك الى الكوفة، فاُخرج عنها عاملَه واُظهر خلعه وتنبذ اليه على سواء، إنّ الله لا يحبّ الخائنين، وتكلّم الباقون بمثل كلام سليمان.
فأجابه الإمام (عليه السلام): (أنتم شيعتنا وأهل مودّتنا، فلو كنتُ بالحزم في أمر الدنيا أعمل، ولسلطانها أركض وأنصب، ما كان معاوية بأبأس منّي بأساً، ولا أشدّ شكيمة ولا أمضى عزيمةً، ولكنّي أرى غير ما رأيتم، وما أردت بما فعلتُ إلاّ حقن الدماء فارضوا بقضاء الله، وسلّموا لأمره والزموا بيوتكم وأمسكوا)(٣٢٣).
تحليلان لأسباب الصلح:
التحليل الأوّل:
لقد حاول معاوية أن يظهر نفسه بأنّه رجل مسالم يدعو إلى السلام والصلح، وذلك عبر رسائله إلى الإمام الحسن (عليه السلام) التي يدعوه فيها إلى الصلح مهما كانت شروط الإمام (عليه السلام)، وقد اعتبر الباحثون أنّ الخطاب السلمي لمعاوية كان أخطر حيلة فتّت عضد الإمام (عليه السلام)، الأمر الذي أزّم ظروفه (عليه السلام) ولم يكن للإمام خيار غير القبول بالصلح.
وفي هذا الصدد يقول الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء: (... فوجد ـ أي الإمام الحسن (عليه السلام) ـ أنّه لو رفض الصلح وأصرّ على الحرب فلا يخلو:
إمّا أن يكون هو الغالب ومعاوية المغلوب، وهذا وإن كانت تلك الأوضاع والظروف تجعله شبه المستحيل، ولكن فليكن بالفرض هو الواقع، ولكن هل مغبة ذلك إلاّ تظلّم الناس لبني اُمية؟ وظهورهم بأوجع مظاهر المظلومية؟ فماذا يكون موقف الحسن إذاً لو افترضناه هو الغالب؟
أمّا لو كان هو المغلوب فأول كلمة تقال من كلّ متكلم: إنّ الحسن هو الذي ألقى بنفسه إلى التهلكة، فإنّ معاوية طلب منه الصلح الذي فيه حقن الدماء فأبى وبغى، وعلى الباغي تدور الدوائر، وحينئذ يتمّ لمعاوية وأبي سفيان ما أرادا من الكيد للإسلام وإرجاع الناس إلى جاهليتهم الاُولى وعبادة اللاّت والعزى، ولا يُبقي معاوية من أهل البيت نافخ ضرمة، بل كان نظر الإمام الحسن (عليه السلام) في قبول الصلح أدقّ من هذا وذاك، أراد أن يفتك به ويظهر خبيئة حاله، وما ستره في قرارة نفسه قبل أن يكون غالباً أو مغلوباً، وبدون أن يزجّ الناس في حرب، ويحملهم على ما يكرهون من إراقة الدماء).
إنّ معاوية المسلم ظاهراً العدّو للإسلام حقيقة وواقعاً، كان يخدع الناس بغشاء رقيق من الدين خوفاً من رغبة الناس إلى الحسن وأبيه من قبل، فأراد الحسن أن يخلّي له الميدان، حتى يُظهِر ما يُبطِن، وهكذا فعل.
وفور إبرام الصلح؛ صعد المنبر في جمع غفير من المسلمين، وقال: (إنّي ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلّوا...)!!.
اُنظر ما صنع الإمام الحسن بمعاوية في صلحه، وكيف هدّ جميع مساعيه وهدم كلّ مبانيه حتى ظهر الحقّ وزهق الباطل، وخسر هنالك المبطلون، فكان الصلح في تلك الظروف هو الواجب المتعيّن على الحسن، كما أنّ الثورة على (يزيد) في تلك الظروف كان هو الواجب المتعيّن على أخيه الإمام الحسين، كلّ ذلك للتفاوت بين الزمانين، والاختلاف بين الرجلين (أي: معاوية وابنه).
ولو لا صلح الإمام الحسن ـ الذي فضح معاوية وشهادة الإمام الحسين (عليه السلام) التي قضت على يزيد وانقرضت بها الدولة السفيانية بأسرع وقت ـ لذهبت جهود جدّهما بطرفة عين، ولصار الدين دين آل أبي سفيان، دين الغدر والفسق والفجور، دين إبادة الصالحين واستبقاء الفجرة الفاسقين.
ولو قيل: لماذا لم ينتهج الإمام الحسن (عليه السلام) سبيل الشهادة كما فعل الإمام الحسين (عليه السلام)، فإنَّ الحسين (عليه السلام) أيضاً كان يعلم أنّه لن يستطيع تحقيق النصر العسكري على يزيد؟
فالجواب:
١ ـ إنّ معاوية كان يُظهر الإسلام، ويزيد كان يتجاهر بالفسق والفجور، فضلاً عن دهاء الأب وبلادة الابن.
٢ ـ مثّلت خيانة الكوفيين بالنسبة إلى الحسين (عليه السلام) خطوته الموفّقة في التمهيد لنجاحه المطّرد في التاريخ، ولكنّها كانت بالنسبة إلى أخيه الحسن (عليه السلام) (يوم مسكن والمدائن) عقبته الكؤود عن تطبيق عملية الجهاد، فإنّ حوادث نقض بيعة الحسين كانت قد سبقت تعبئته للحرب، فجاء جيشه الصغير يوم وقف به للقتال، منخولاً من كلّ شائبة تضيره كجيش إمام له أهدافه المثلى(٣٢٤).
التحليل الثاني:
إن معاوية كان قد نشط في عهد الخليفتين الثاني والثالث بإمارته على الشام عشرين سنة، تمكّن بها في أجهزة الدولة، وصانع الناس فيها وأطمعهم به فكانت الخاصة في الشام كلّها من أعوانه، وعظم خطره في الإسلام، وعرف في سائر الأقطار بكونه من قريش اُسرة النبي (صلى الله عليه وآله) وأنّه من أصحابه، حتى كان في هذه أشهر من كثير من السابقين الأولين الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، كأبي ذرّ وعمّار والمقداد وأضرابهم.
هكذا نشأت (الاُموية) مرّةً اُخرى، تغالب الهاشمية باسم الهاشمية في علنها، وتكيد لها كيدها في سرّها، فتندفع مع انطلاق الزمن تخدع العامة بدهائها، وتشتري الخاصة بما تغدقه عليهم من أموال الاُمّة، وبما تؤثرهم به من الوظائف التي ما جعلها الله للخونة من أمثالهم، تستغل مظاهر الفتح وإحراز الرضا من الخلفاء، حتى إذا استتبّ أمر (الاُموية) بدهاء معاوية؛ انسلّت إلى أحكام الدين انسلال الشياطين، تدسّ فيها دسّها، وتفسد إفسادها، راجعة بالحياة إلى جاهلية تبعث الاستهتار والزندقة وفق نهج جاهلي وخطة نفعية ترجوها (الاُموية) لاستيفاء منافعها، وتسخّرها لحفظ امتيازاتها(٣٢٥).
والناس عامة لا يفطنون لشيء من هذا، فإنّ القاعدة المعمول بها في الإسلام ـ أعني قولهم: الإسلام يجبّ ما قبله ـ ألقت على فظائع (الاُموية) ستراً حجبها، ولا سيما بعد أن عفا عنها رسول الله وتألّفها، وبعد أن قرّبها الخلفاء منهم، واصطفوها بالولايات على المسلمين، وأعطوها من الصلاحيات ما لم يعطوا غيرها من ولاتهم، فسارت في الشام سيرتها عشرين عاماً لا يتناهون عن منكر فعلوه ولا ينهون.
وقد كان الخليفة الثاني عظيم المراقبة لبعض عمّاله دقيق المحاسبة لهم دون بعض، لا يأخذه في ذلك مانع من الموانع أصلاً، تَعْتَعَ بخالد بن الوليد عامله على (قنسرين) إذ بلغه أنّه أعطى الأشعث عشرة آلاف، فأمر به فعقله (بلال الحبشي) بعمامته، وأوقفه بين يديه على رِجل واحدة مكشوف الرأس على رؤوس الأشهاد من رجال الدولة ووجوه الشعب في المسجد الجامع بحمص، يسأله عن العشرة آلاف أهي من ماله أم من مال الاُمّة؟ فإن كانت من ماله فهو الإسراف والله لا يحبّ المسرفين، وإن كانت من مال الاُمّة فهي الخيانة والله لا يحب الخائنين، ثم عزله فلم يولّه بعد حتى مات.
وكم لعمر مع بعض عمّاله من أمثال ما فعله بخالد وأبي هريرة يعرفها المتتبّعون! لكنّ معاوية كان أثيره وخلّصه، على ما كان من التناقض في سيرتيهما، ما كفّ يده عن شيء ولا ناقشه الحساب في شيء، وربّما قال له: (لا آمرك ولا أنهاك)، يفوّض له العمل برأيه، فشدّة مراقبة الخليفة الثاني ودقّة محاسبته كانت من نصيب بعض عمّاله، ولم تشمل الجميع على حدّ سواء، إذ أنّ معاوية ـ وهو عامله على الشام ـ كان طليق اليدين يفعل ما تشاء أهواؤه وما تبغيه شهواته.
وهذا ما أطغى معاوية، وأرهف عزمه على تنفيذ خططه (الاُموية) وقد وقف الحسن والحسين من دهائه ومكره إزاء خطر فظيع، يهدّد الإسلام باسم الإسلام، ويطغى على نور الحقّ باسم الحقّ، فكانا في دفع هذا الخطر أمام أمرين لا ثالث لهما: إمّا المقاومة وإمّا المسالمة، وقد رأيا أنّ المقاومة في دور الحسن تؤدي لا محالة إلى فناء هذا الصفّ المدافع عن الدين وأهله، والهادي إلى الله عزّ وجلّ وإلى صراطه المستقيم.
ومن هنا رأى الحسن (عليه السلام) أن يترك معاوية لطغيانه، ويمتحنه بما يصبو اليه من الملك، لكن أخذ عليه في عقد الصلح أن لا يعدو الكتاب والسنّة في شيء من سيرته وسيرة أعوانه، وأن لا يطلب أحداً من الشيعة بذنب أذنبه مع الاُموية، وأن يكون لهم من الكرامة وسائر الحقوق ما لغيرهم من المسلمين، وأن، وأن، وأن، إلى غير ذلك من الشروط التي كان الإمام الحسن عالماً بأنّ معاوية لا يفي له بشيء منها وأنّه سيقوم بنقائضها.
هذا ما أعدَّه (عليه السلام) لرفع الغطاء عن الوجه (الاُموي) المموّه، ولصهر الطلاء عن مظاهر معاوية الزائغة، ليبرز حينئذ هو وسائر أبطال (الاُموية) كما هم جاهليّون لم تخفق صدورهم بروح الإسلام لحظة، ثأريّون لم تنسهم مواهب الإسلام ومراحمه شيئاً من أحقاد بدر واُحد والأحزاب.
وبالجملة: فإنّ هذه الخطّة ثورة عاصفة في سلم لم يكن منه بدّ، أملاه ظرف الإمام الحسن (عليه السلام)، إذ التبس الحقّ بالباطل، وتسنّى للطغيان فيه سيطرة مسلّحة ضارية، ما كان الحسن (عليه السلام) ببادئ هذه الخطة ولا بخاتمها، بل أخذها فيما أخذه من إرثه، وتركها مع ما تركه من ميراثه، فهو كغيره من أئمة هذا البيت (عليهم السلام) يسترشد الرسالة في إقدامه وإحجامه، امتحن بهذه الخطّة فرضخ لها صابراً محتسباً وخرج منها ظافراً طاهراً.
تهيّأ للحسن (عليه السلام) بهذا الصلح أن يفرش في طريق معاوية كميناً من نفسه يثور عليه من حيث لا يشعر فيرديه، وتسنّى له أن يلغم نصر الاُموية ببارود الاُموية نفسها، فيجعل نصرها جفاءً وريحَها هباءً.
لم يطل الوقت حتى انفجرت اُولى القنابل المغروسة في شروط الصلح، انفجرت من نفس معاوية يوم نشوته بنصره، إذ انضمّ جيش العراق إلى لوائه في النخيلة، فقال ـ وقد قام خطيباً فيهم ـ: (يا أهل العراق! إنّي والله لم اُقاتلكم لتصلّوا ولا لتصوموا ولا لتزكّوا، ولا لتحجّوا، وإنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون، ألا وأنّ كلّ شيء أعطيته للحسن ابن علي جعلته تحت قدميّ هاتين)(٣٢٦).
ثمّ تتابعت سياسة معاوية، تتفجر بكلّ ما يخالف الكتاب والسنّة من كلّ منكر في الإسلام، قتلاً للأبرار وهتكاً للأعراض وسلباً للأموال وسجناً للأحرار، ختم معاوية منكراته هذه بحمل خليعه المهتوك على رقاب المسلمين، يعيث في دينهم ودنياهم، فكان من خليعه ما كان يوم الطفّ، ويوم الحرّة، ويوم مكة إذ نصب عليهم العرّادات والمجانيق.
ومهما يكن من أمر فالمهمّ أنّ الحوادث جاءت تفسّر خطّة الإمام الحسن وتجلوها، وكان أهمّ ما يرمي اليه سلام الله عليه أن يرفع اللثام عن هؤلاء الطغاة، ليحول بينهم وبين ما يبيّتون لرسالة جدّه من الكيد، وقد تمّ له كلّ ما أراد، حتى برح الخفاء وآذن أمر الاُموية بالجلاء، والحمد لله رب العالمين.
وبهذا استتبّ لصنوه سيد الشهداء أن يثور ثورته التي أوضح الله بها الكتاب، وجعله فيها عبرة لاُولي الألباب.
وقد كانا (عليهما السلام) وجهين لرسالة واحدة، كلّ وجه منهما في موضعه منها، وفي زمانه من مراحلها، يكافئ الآخر في النهوض بأعبائها ويوازنه بالتضحية في سبيلها، فالحسن (عليه السلام) لم يبخل بنفسه، ولم يكن الحسين (عليه السلام) أسخى منه بها في سبيل الله، وإنّما صان نفسه يجنّدها في جهاد صامت، فلمّا حان الوقت كانت شهادة كربلاء شهادة حسنيّة قبل أن تكون حسينيّة. وكان يوم ساباط أعرق بمعاني التضحية من يوم الطفّ لدى اُولي الألباب ممّن تعمّق، لأنّ الإمام الحسن (عليه السلام) اُعطي من البطولة دور الصابر على احتمال المكاره في صورة مستكين قاعد، وكانت شهادة الطفِّ حسنيّة أولاً وحسينيّة ثانياً؛ لأنّ الحسن أنضج نتائجها ومهّد أسبابها.
وقد وقف الناس ـ بعد حادثتي ساباط والطفّ ـ يمعنون في الأحداث؛ فيرون في هؤلاء الاُمويين عصبة جاهلية منكرة، بحيث لو مثلت العصبيات الجلفة النذلة الظلوم لم تكن غيرهم، بل تكون دونهم في الخطر على الإسلام وأهله...(٣٢٧).
زبدة المخض:
إذن تتلخّص أسباب الصلح فيما يلي:
١ ـ ضعف أنصار الإمام وتخاذلهم وعدم انصياعهم لأوامره بعد تأثير دسائس معاوية فيهم، وبهذا سوف لا تجدي المقاومة بل سوف تتحتّم الانتكاسة للخط الرسالي أمام مكر معاوية، وعلى الإمام أن يحافظ على بقاء هذا الخط وتناميه في مجتمع يسوده مكر معاوية وخدائعه.
٢ ـ ويترتّب على انتكاسة جيش الإمام الحسن (عليه السلام) استشهاده مع الخلَّص من أهل بيته وأصحابه أو أسرهم وبقاؤهم أحياءً في سجن معاوية أو إطلاق سراحهم مع بقائهم في موقع الضعف بعد الامتنان عليهم بالحرّية، وكل هذه النتائج غير محمودة.
فإنّ الاستشهاد إذا لم يترتّب عليه أثر مشروع عاجل أو آجل فلا مبرّر له، ولا سيما إذا اقترن بتصفية الخط الإمامي وإبادته الشاملة.
٣ ـ صيانة الثلّة المؤمنة بحقّانية أهل البيت (عليهم السلام) وحفظهم من التصفية والإبادة الاُموية الشاملة بعد إحراز بقاء الحقد الاُموي لبني هاشم ومن يحذو حذوهم، كما أثبتته حوادث التاريخ الإسلامي الدامي.
٤ ـ حقن دماء المسلمين حيث لا تجدي الحرب مع الفئة الباغية.
٥ ـ كشف واقع المخطّط الاُموي الجاهلي وتحصين الاُمّة الإسلامية ضدّه بعد أن مهّدت الخلافة لسيطرة صبيان بني اُمية على زمام قيادة الاُمّة المسلمة والتلاعب بمصير الكيان الإسلامي ومصادرة الثورة النبويّة المباركة.
٦ ـ ضرورة تهيئة الظروف الملائمة لمقارعة الكفر والنفاق المستتر من موقع القوّة.
لقد خفيت الأسباب الحقيقية التي كانت تكمن وراء الموقف الإلهي الذي اتّخذّه الإمام المعصوم على كثير من الناس المعاصرين للحدث وعلى بعض اللاحقين من أصحاب الرؤى السطحية أو المُضَلَّلين الذين وقعوا تحت تأثير التزييف للحقائق، لكن الأحداث التي أعقبت الصلح والسياسات العدوانية التي انتهجها معاوية وبقية الحكام الاُمويين والتي ألحقت أضراراً جسيمة بالإسلام والمسلمين كشفت عن بعض أسرار موقف الإمام الحسن (عليه السلام).

 

* * *

 

البحث الثالث: ما بعد الصلح حتى الشهادة
الاجتماع في الكوفة:
بعد توقيع الصلح بين الإمام الحسن (عليه السلام) ومعاوية اتّفقا على مكان يلتقيان به، ليكون هذا اللقاء تطبيقاً عملياً للصلح، وليعترف كلّ منهما على سمع من الناس بما أعطى صاحبه من نفسه وبما يلتزم له من الوفاء بعهوده، فاختارا الكوفة فقصدا اليها، وقصدت معهما سيول من الناس غصّت بهم العاصمة الكبرى، وكان أكثر الحاضرين جند الفريقين، تركوا معسكريهما وحفّوا لليوم التاريخي الذي كتب على طالع الكوفة النحس أن تشهده راغمة أو راغبة.
ونودي في الناس إلى المسجد الجامع، ليستمعوا هناك إلى الخطيبين الموقِّعَيْنِ على معاهدة الصلح، وكان لا بدّ لمعاوية أن يستبق إلى المنبر، فسبق اليه وجلس عليه(٣٢٨)، وخطب في الناس خطبته الطويلة التي لم ترو المصادر منها إلاّ فقراتها البارزة فقط.
منها: (أمّا بعد، ذلكم فإنّه لم تختلف اُمّة بعد نبيّها إلاّ غلب باطلها حقّها!!). قال الراوي: وانتبه معاوية لما وقع فيه، فقال: إلاّ ما كان من هذه الاُمّة، فإنّ حقّها غلب باطلها(٣٢٩).
ومنها: (يا أهل الكوفة! أترونني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج وقد علمت أنّكم تصلّون وتزكّون وتحجّون؟ ولكنّي قاتلتكم لأتأمّر عليكم وألي رقابكم، وقد آتاني الله ذلك وأنتم كارهون! ألا إنّ كلّ دم اُصيب في هذه الفتنة مطلول، وكلّ شرط شرطته فتحت قدميّ هاتين!!...)(٣٣٠).
وروى أبو الفرج الأصفهاني عن حبيب ابن أبي ثابت مسنداً: أنه ذكر في هذه الخطبة عليّاً فنال منه، ثمّ نال من الحسن(٣٣١).
ثمّ قام الإمام الحسن (عليه السلام) فخطب في هذا الموقف الدقيق خطبته البليغة الطويلة التي جاءت من أروع الوثائق عن الوضع القائم بين الناس وبين أهل البيت (عليهم السلام) بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ووعظ ونصح ودعا المسلمين ـ في أوّلها ـ إلى المحبّة والرضا والاجتماع، وذكّرهم ـ في أواسطها ـ مواقف أهله بل مواقف الأنبياء، ثم ردّ على معاوية ـ في آخرها ـ دون أن يناله بسبٍّ أو شتم، ولكنّه كان باُسلوبه البليغ أوجع شاتم وسابٍّ.
وكان ممّا قاله (عليه السلام)(٣٣٢): (أيّها الذاكر عليّاً! أنا الحسن وأبي عليّ، وأنت معاوية وأبوك صخر، واُمي فاطمة واُمك هند، وجدّي رسول الله وجدّك عتبة بن ربيعة، وجدّتي خديجة، وجدّتك فُتَيْلَة، فلعن الله أخملنا ذكراً، وألأمنا حسباً، وشرنا قديماً وحديثاً، وأقدمنا كفراً ونفاقاً).
المعارضون للصلح:
أ ـ قيس بن سعد بن عبادة:
اشتهر قيس بموالاة أهل البيت (عليهم السلام) وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) قد عيّنه والياً على مصر في أوائل خلافته وعندما سمع قيس بن سعد نبأ التوقيع على الصلح بين الإمام (عليه السلام) ومعاوية غشيته سحب من الأحزان، واستولت عليه موجة من الهموم، لكنّه عاد إلى الكوفة في نهاية المطاف.
وكان معاوية بعد أن خدع عبيد الله بن العباس؛ قد بعث رسالة إلى قيس يمنّيه ويتوعّده، فأجابه قيس: (لا والله لا تلقاني إلاّ بيني وبينك السيف أو الرمح...)(٣٣٣)، فغضب معاوية لهذا الجواب القاطع فأرسل اليه رسالة يشتمه فيها ويتوعّده وجاء فيها: (أمّا بعد، فإنّك يهودي تشقى نفسك، وتقتلها فيما ليس لك، فإن ظهر أحبّ الفريقين اليك نبذك وغدرك، وإن ظهر أبغضهم اليك نكّل بك وقتلك، وقد كان أبوك أوتر غير قوسه، ورمى غير غرضه، فأكثر الجذ، وأخطأ المفصل، فخذله قومه، وأدركه يومه، فمات بحوران غريباً، والسلام)(٣٣٤).
فأجابه قيس: (أمّا بعد، فإنّما أنت وثن ابن وثن، دخلت في الإسلام كرهاً، وأقمت فيه خرقاً، وخرجت منه طوعاً، ولم يجعل الله لك فيه نصيباً، لم يقدم إسلامك، ولم يحدث نفاقك، لم تزل حرباً لله ولرسوله، وحزباً من أحزاب المشركين، وعدوّاً لله ولنبيّه وللمؤمنين من عباده، وذكرت أبي فلعمري ما أوتر إلاّ قوسه، ولا رمى إلاّ غرضه، فشغب عليه من لا تشقّ غباره، ولا تبلغ كعبه، وزعمت أنّي يهوديّ ابن يهودي وقد علمت وعلم الناس أنّي وأبي أعداء الدين الذي خرجت منه ـ يعني الشرك ـ وأنصار الدين الذي دخلت فيه وصرت اليه، والسلام)(٣٣٥).
ولمّا علم معاوية بعودة قيس إلى الكوفة دعاه الى الحضور لمبايعته، لكن قيس رفض لأنّه كان قد عاهد الله أن لا يجتمع معه إلاّ وبينهما السيف أو الرمح، فأمر معاوية بإحضار سيف ورمح ليجعل بينهما حتى يبرّ قيس بيمينه ولا يحنث، ووقتذاك حضر قيس الاجتماع وبايع معاوية(٣٣٦).
ب ـ حجر بن عدي:
وهو من كبار صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام)، ومن أبدال عصره، وحسب ابن الأثير الجزري في (اُسد الغابة) وغيره، أنّه وصل مقاماً في القرب إلى الله تعالى بحيث أصبح مستجاب الدعوة، وقد قتل شهيداً في (مرج عذراء) وهي إحدى قرى الشام، بأمر معاوية وبواسطة أزلامه، وقد اندلعت إثر شهادته موجة من الاحتجاجات على سياسات معاوية وحتى ندّدت عائشة وآخرون بالجريمة(٣٣٧).
وبالرغم من الحبّ والولاء اللذين يكنهما (حجر) للإمام الحسن وأبيه (عليهما السلام)، إلاّ أنّ الانفعالات دفعت به إلى ظلمات اليأس والقنوط في اللحظات التي تمّ فيها قرار الصلح، من هنا خاطب الإمام (عليه السلام) وفي حضور معاوية بقوله: (أما والله لوددت أنّك متّ في ذلك اليوم ومتنا معك، ولم نر هذا اليوم، فإنّا رجعنا راغمين بما كرهنا، ورجعوا مسرورين بما أحبّوا).
وحسب المدائني أنّ كلام (حجر) ترك في نفس الإمام بالغ الأسى والحزن، فانبرى (عليه السلام) وبعد أن فرغ المسجد مبيّناً له العلّة التي صالح من أجلها قائلاً: (يا حجر! قد سمعت كلامك في مجلس معاوية، وليس كلّ إنسان يحبّ ما تحبّ ولا رأيه كرأيك، وإنّي لم أفعل ما فعلتُ إلاّ إبقاءً عليكم، والله تعالى كلّ يوم هو في شأن)(٣٣٨).
ج ـ عدي بن حاتم:
وعدي من الشجعان والمخلصين لأهل البيت (عليهم السلام)، وقد نقل أنّه قال للإمام وقد ذابت حشاه من الحزن والمصاب: (يابن رسول الله! لوددت أنّي متّ قبل ما رأيت، أخرجتنا من العدل إلى الجور، فتركنا الحقّ الذي كنّا عليه، ودخلنا في الباطل الذي كنّا نهرب منه، وأعطينا الدنيّة من أنفسنا، وقبلنا الخسيس التي لم تلق بنا)، فأجابه الإمام (عليه السلام): (يا عدي! إنّي رأيت هوى معظم الناس في الصلح وكرهوا الحرب، فلم اُحبّ أن أحملهم على ما يكرهون، فرأيتُ دفع هذه الحروب إلى يوم ما، فإنّ الله كلّ يوم هو في شأن)(٣٣٩).
د ـ المُسيَّب بن نجبة وسليمان بن صُرد:
وعرفا بالولاء والإخلاص لأهل البيت (عليهم السلام)، وقد تألّما من الصلح فأقبلا إلى الإمام وهما محزونا النفس فقالا: ما ينقضي تعجّبنا منك! بايعت معاوية ومعك أربعون ألف مقاتل من الكوفة سوى أهل البصرة والحجاز)، فقال الإمام للمسيّب: (ما ترى؟) قال: والله أرى أن ترجع لأنّه نقض العهد، فأجابه الإمام: (إنّ الغدر لا خير فيه ولو أردت لما فعلت...)(٣٤٠).
وجاء في رواية اُخرى أنّ الإمام (عليه السلام) أجابه: (يا مسيّب! إنّي لو أردت ـ بما فعلت ـ الدنيا لم يكن معاوية بأصبر عند اللقاء ولا أثبت عند الحرب منّي، ولكن أردت صلاحكم وكفّ بعضكم عن بعض)(٣٤١).
إلى يثرب:
بقي الإمام الحسن (عليه السلام) في الكوفة أياماً، ثمّ عزم على مغادرة العراق، والشخوص إلى مدينة جدّه، وقد أظهر عزمه ونيّته إلى أصحابه، ولمّا اُذيع ذلك دخل عليه المسيّب بن نجبة الفزاري وظبيان بن عمارة التميمي ليودّعاه، فالتفت لهما قائلاً: (الحمد لله الغالب على أمره، لو أجمع الخلق جميعاً على أن لا يكون ما هو كائن ما استطاعوا.. إنّه والله ما يكبر علينا هذا الأمر إلاّ أن تضاموا وتنتقصوا، فأمّا نحن فإنّهم سيطلبون مودّتنا بكلّ ما قدروا عليه).
وطلب منه المسيّب وظبيان المكث في الكوفة فامتنع (عليه السلام) من إجابتهم قائلاً: (ليس إلى ذلك من سبيل)(٣٤٢).
ولدى توجّهه (عليه السلام) وأهل بيته إلى عاصمة جدّه (صلى الله عليه وآله)؛ خرج أهل الكوفة بجميع طبقاتهم إلى توديعه وهم ما بين باك وآسف(٣٤٣).
وسار موكب الإمام ولكنّه لم يبعد كثيراً عن الكوفة حتى أدركه رسول معاوية يريد أن يردّه إلى الكوفة ليقاتل طائفة من الخوارج قد خرجت عليه، فأبى (عليه السلام) أن يعود وكتب إلى معاوية: (ولو آثرت أن اُقاتل أحداً من أهل القبلة لبدأت بقتالك، فإنّي تركتك لصلاح الاُمّة وحقن دمائها)(٣٤٤).
وانتهت قافلة الإمام إلى يثرب، فلمّا علم أهلها بتشريفه (عليه السلام) خفّوا جميعاً لاستقباله، فقد أقبل اليهم الخير وحلّت في ديارهم السعادة والرحمة، وعاودهم الخير الذي انقطع عنهم منذ أن نزح أمير المؤمنين (عليه السلام) عنهم.
جاء الحسن (عليه السلام) مع إخوته وأهل بيته إلى يثرب، فاستقام فيها عشر سنين، فملأ رباعها بعطفه المستفيض ورقيق حنانه وحلمه، ونقدّم عرضاً موجزاً لبعض أعماله وشؤونه فيها.
مرجعية الإمام الحسن (عليه السلام) العلمية والدينيّة:
وتمثّلت في تربيته لكوكبة من طلاّب المعرفة، وتصدّيه للانحرافات الدينية التي كانت تؤدي إلى مسخ الشريعة، كما تصدّى لمؤامرة مسخ السنّة النبويّة الشريفة التي كان يخطّط لها معاوية بن أبي سفيان من خلال تنشيط وضع الأحاديث والمنع من تدوين الحديث النبويّ.
مدرسة الإمام ونشاطه العلمي:
أنشأ الإمام مدرسته الكبرى في يثرب، وراح يعمل مجدّاً في نشر الثقافة الإسلامية في المجتمع الإسلامي، وقد انتمى لمدرسته كبار العلماء وعظماء المحدّثين والرواة، ووجد بهم خير عون لأداء رسالته الإصلاحية الخالدة التي بلورت عقلية المجتمع. وأيقظته بعد الغفلة والجمود، وقد ذكر المؤرّخون بعض أعلام تلامذته ورواة حديثه وهم:
ابنه الحسن المثنى، والمسيّب بن نجبة، وسويد بن غفلة، والعلا بن عبد الرحمن، والشعبي، ومبيرة بن بركم، والأصبغ بن نباتة، وجابر بن خلد، وأبو الجوزا، وعيسى بن مأمون بن زرارة، ونفالة بن المأموم، وأبو يحيى عمير ابن سعيد النخعي، وأبو مريم قيس الثقفي، وطحرب العجلي، واسحاق بن يسار والد محمد بن اسحاق، وعبد الرحمن بن عوف، وسفين بن الليل، وعمرو بن قيس الكوفيون(٣٤٥)، وقد ازدهرت يثرب بهذه الكوكبة من العلماء والرواة فكانت من أخصب البلاد الاسلامية علماً وأدباً وثقافة.
وكما كان يتولّى نشر العلم في يثرب كان يدعو الناس إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال والتأدّب بسنّة النبي (صلى الله عليه وآله)، وقد رفع (عليه السلام) منار الأخلاق التي جاء بها جدّه الرسول لإصلاح المجتمع وتهذيبهم، فمن سموّ أخلاقه أنّه كان يصنع المعروف والإحسان حتى مع أعدائه ومناوئيه، وقد بلغه أنّ الوليد بن عقبة قد ألمّ به السقم فمضى لعيادته مع ما عُرف به الوليد من البغض والعداء لآل البيت، فلمّا استقرّ المجلس بالإمام انبرى اليه الوليد قائلاً: (إنّي أتوب إلى الله تعالى ممّا كان بيني وبين جميع الناس إلاّ ما كان بيني وبين أبيك فإنّي لا أتوب منه)(٣٤٦).
وأعرض الإمام عنه ولم يقابله بالمثل، ولعلّه أوصله ببعض ألطافه وهداياه(٣٤٧).
مرجعيّته الاجتماعية:
والتي تمثّلت في عطفه على الفقراء وإحسانه وبذله المعروف، وتجلّت في استجارة المستجيرين به للتخلّص من ظلم الاُمويين وأذاهم.
أ ـ عطفه على الفقراء:
وأخذ (عليه السلام) يفيض الخير والبرّ على الفقراء والبائسين، ينفق جميع ما عنده عليهم، وقد ملأ قلوبهم سروراً بإحسانه ومعروفه، ومن كرمه أنّه جاءه رجل في حاجة فقال له: (اُكتب حاجتك في رقعة وادفعها الينا)، فكتبها ذلك الشخص ورفعها اليه، فأمر (عليه السلام) بضعفها له، قال بعض الحاضرين: ما كان أعظم بركة هذه الرقعة عليه يابن رسول الله؟!، فأجابه (عليه السلام): (بركتها علينا أعظم، حين جعلنا للمعروف أهلاً، أما علمت أنّ المعروف ما كان ابتداءً من غير مسألة، فأمّا من أعطيته بعد مسألة فإنّما أعطيته بما بذل لك من وجهه، وعسى أن يكون بات ليلته متململاً أرقاً يميل بين اليأس والرجاء، لا يعلم بما يرجع من حاجته، أبكآبة أم بسرور النجح، فيأتيك وفرائصه ترعد، وقلبه خائف يخفق، فإن قضيت له حاجته فيما بذلك من وجهه فإنّ ذلك أعظم ممّا نال من معروفك).
لقد كان موئلاً للفقراء والمحرومين، وملجأً للأرامل والأيتام، وقد تقدّمت بعض بوادر جوده ومعروفه التي كان بها مضرب المثل للكرم والسخاء.
ب ـ الاستجارة به:
كان (عليه السلام) في عاصمة جدّه (صلى الله عليه وآله) كهفاً منيعاً لمن يلجأ اليه، وملاذاً حصيناً لمن يلوذ به، قد كرّس أوقاته في قضاء حوائج الناس، ودفع الضيم والظلم عنهم، وقد استجار به سعيد بن أبي سرح من زياد فأجاره، فقد ذكر الرواة أنّه كان معروفاً بالولاء لأهل البيت (عليهم السلام) فطلبه زياد من أجل ذلك فهرب إلى يثرب مستجيراً بالإمام، ولمّا علم زياد ذلك عمد إلى أخيه وولده وزوجه فحبسهم، ونقض داره، وصادر أمواله، وحينما علم الإمام الحسن ذلك شقّ عليه الأمر، فكتب رسالة إلى زياد يأمره فيها بأن يعطيه الأمان، ويخلّي سبيل عياله وأطفاله، ويشيّد داره، ويردّ عليه أمواله(٣٤٨).
مرجعيّته السياسيّة:
لقد صالح الإمام الحسن (عليه السلام) معاوية من موقع القوّة، كما نصّت المعاهدة على أن يكون الأمر من بعده للحسن ولا يبغي له الغوائل والمكائد.
إذن من الطبيعي أن يكون الإمام محور المعارضة والشوكة التي تنغّص على بني اُمية ومعاوية ملكهم وتكدّر صفوهم، ونجد في أدعية الإمام ولقاءاته بالحاكمين وبطانتهم ورسائله وخطبه نشاطاً سياسياً واضحاً تمثّل في:
أ ـ مراقبته للأحداث ومتابعتها ومراقبة سلوك الحاكمين وعمّالهم، وأمرهم بالمعروف وردعهم عن المنكر، كما لاحظنا في مراسلته لزياد لرفع الضغط عن سعيد بن أبي سرح، ولومه لحبيب بن مسلمة وهو في الطواف على إطاعته لمعاوية(٣٤٩).
ب ـ النشاط السياسي المنظَّم والذي كان يتمثّل في استقباله لوفود المعارضة، وتوجيههم ودعوتهم إلى الصبر، وأخذ الحزم وانتظار أوامر الإمام التي ستصدر في الفرصة المناسبة، كما تمثّل في تأكيده المستمرّ على الدور القيادي لأهل البيت (عليهم السلام) واستحقاقه للخلافة والإمامة.
ويرى الدكتور طه حسين أنّ الإمام قد شكّل حزباً سياسياً حين مكثه في المدينة، وتولّى هو رئاسته وتوجيهه الوجهة المناسبة لتلك الظروف.
ج ـ عدم تعاطفه مع أركان النظام الحاكم بالرغم من محاولاتهم لكسب عطف الإمام أو تغطية نشاطاته أو إدانتها، وقد تمثّل هذا الجانب في رفضه لمصاهرة الاُمويين وفضحه لخططهم وكشفه لواقعهم المنحرف وعدم استحقاق معاوية للخلافة، وتجلّى بوضوح في مناظراته مع معاوية وبطانته في المدينة ودمشق على حدّ سواء، ونكتفي بالإشارة إلى بعض مواقفه.
رفض الإمام (عليه السلام) مصاهرة الاُمويّين:
ورام معاوية أن يصاهر بني هاشم ليحوز بذلك الشرف والمجد، فكتب إلى عامله على المدينة مروان بن الحكم أن يخطب ليزيد زينب بنت عبدالله ابن جعفر على حكم أبيها في الصداق، وقضاء دينه بالغاً ما بلغ، وعلى صلح الحيّين بني هاشم وبني اُمية، فبعث مروان خلف عبدالله، فلمّا حضر عنده فاوضه في أمر كريمته، فأجابه عبدالله: إنّ أمر نسائنا بيد الحسن بن علي فاخطب منه، فأقبل مروان إلى الإمام فخطب منه ابنة عبدالله، فقال (عليه السلام): (اجمع مَن أردت) فانطلق مروان فجمع الهاشميّين والاُمويّين في صعيد واحد وقام فيهم خطيباً، وبيّن أمر معاوية له.
فردّ الإمام (عليه السلام) عليه، فقال بعد حمد الله والثناء عليه: (أمّا ما ذكرت من حكم أبيها في الصداق فإنّا لم نكن لنرغب عن سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أهله وبناته(٣٥٠)، وأمّا قضاء دين أبيها فمتى قضت نساؤنا ديون آبائهن؟ وأمّا صلح الحيّين فإنّا عاديناكم لله وفي الله فلا نصالحكم للدنيا...).
وفي ختام كلمته قال الإمام (عليه السلام): (وقد رأينا أن نزّوجها (يعني زينب) من ابن عمّها القاسم بن محمد بن جعفر، وقد زوّجتها منه، وجعلت مهرها ضيعتي التي لي بالمدينة، وقد أعطاني معاوية بها عشرة آلاف دينار).
ورفع مروان رسالة إلى معاوية أخبره بما حصل، فلمّا وصلت اليه قال: (خطبنا اليهم فلم يفعلوا، ولو خطبوا إلينا لما رددناهم)(٣٥١).
من مواقف الإمام الحسن (عليه السلام) مع معاوية وبطانته:
أ ـ مع معاوية في المدينة:
روى الخوارزمي أنّ معاوية سافر إلى يثرب فرأى تكريم الناس وحفاوتهم بالإمام وإكبارهم له ممّا ساءه ذلك، فاستدعى أبا الأسود الدؤلي والضحّاك بن قيس الفهري، فاستشارهم في أمر الحسن وأنّه بماذا يوصمه ليتّخذ من ذلك وسيلة للحطّ من شأنه والتقليل من أهميّته أمام الجماهير، فأشار عليه أبو الأسود بالترك قائلاً:
(رأي أمير المؤمنين أفضل، وأرى ألاّ يفعل فإنّ أمير المؤمنين لن يقول فيه قولاً إلاّ أنزله سامعوه منه به حسداً، ورفعوا به صعداً، والحسن يا أمير المؤمنين معتدل شبابه، أحضر ما هو كائن جوابه، فأخاف أن يرد عليك كلامك بنوافذ تردع سهامك، فيقرع بذلك ظنوبك(٣٥٢)، ويبدي به عيوبك، فإنّ كلامك فيه صار له فضلاً، وعليك كلاً، إلاّ أن تكون تعرف له عيباً في أدب، أو وقيعة في حسب، وإنّه لهو المهذّب، قد أصبح من صريح العرب في عزّ لُبابها، وكريم محتدها، وطيب عنصرها، فلا تفعل يا أمير المؤمنين).
وقد أشار عليه أبو الأسود بالصواب، ومنحه النصيحة، فأيّ نقص أو عيب في الإمام حتى يوصمه به، وهو المطهّر من كلّ رجس ونقص كما نطق بذلك الذكر الحكيم؟ ولكنّ الضحّاك بن قيس قد أشار على معاوية بعكس ذلك فحبّذ له أن ينال من الإمام ويتطاول عليه قائلاً:
(امضِ يا أمير المؤمنين فيه برأيك ولا تنصرف عنه بدائك، فإنّك لو رميته بقوارص كلامك ومحكم جوابك لذلّ لك كما يذلّ البعير الشارف(٣٥٣) من الإبل).
واستجاب معاوية لرأي الضحّاك، فلمّا كان يوم الجمعة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على نبيّه، ثم ذكر أمير المؤمنين وسيّد المسلمين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فانتقصه، ثم قال:
(أيّها الناس! إنّ صبية من قريش ذوي سفه وطيش وتكدّر من عيش أتعبتهم المقادير، فاتّخذ الشيطان رؤوسهم مقاعد، وألسنتهم مبارد، فأباض وفرخ في صدورهم، ودرج في نحورهم، فركب بهم الزلل، وزيّن لهم الخطل، وأعمى عليهم السُبل، وأرشدهم إلى البغي والعدوان والزور والبهتان، فهم له شركاء وهو لهم قرين (ومن يكن الشيطان له قريناً فساء قريناً) وكفى لهم مؤدّباً، والمستعان الله).
فوثب اليه الإمام الحسن مندفعاً كالسيل رادّاً عليه افتراءه وأباطيله قائلاً:
(أيّها الناس! من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي بن أبي طالب، أنا ابن نبيّ الله، أنا ابن من جعلت له الأرضُ مسجداً وطهوراً، أنا ابن السراج المنير، أنا ابن البشير النذير، أنا ابن خاتم النبيّين، وسيّد المرسلين، وإمام المتّقين، ورسول ربّ العالمين، أنا ابن من بعث إلى الجنّ والإنس، أنا ابن من بعث رحمةً للعالمين).
وشقّ على معاوية كلام الإمام فبادر إلى قطعه قائلاً: (يا حسن! عليك بصفة الرطب)، فقال (عليه السلام): (الريح تلقحه والحرّ ينضجه، والليل يبرده ويطيبه، على رغم أنفك يا معاوية) ثم استرسل (عليه السلام) في تعريف نفسه قائلاً:
(أنا ابن مستجاب الدعوة، أنا ابن الشفيع المطاع، أنا ابن أول من ينفض رأسه من التراب، ويقرع باب الجنّة، أنا ابن من قاتلت الملائكة معه ولم تقاتل مع نبيّ قبله، أنا ابن من نصر على الأحزاب، أنا ابن من ذلّت له قريش رَغماً).
وغضب معاوية واندفع يصيح: (أما أنّك تحدّث نفسك بالخلافة).
فأجابه الإمام (عليه السلام) عمّن هو أهل للخلافة قائلاً: (أمّا الخلافة فلمن عمل بكتاب الله وسنَّة نبيّه، وليست الخلافة لمن خالف كتاب الله وعطّل السنّة، إنّما مثل ذلك مثل رجل أصاب ملكاً فتمتّع به، وكأنّه انقطع عنه وبقيت تبعاته عليه).
وراوغ معاوية، وانحط كبرياؤه فقال: (ما في قريش رجل إلاّ ولنا عنده نِعَم جزيلة ويد جميلة).
فردّ (عليه السلام) قائلاً: (بلى، من تعزّزت به بعد الذلّة، وتكثّرت به بعد القلّة).
فقال معاوية: (من اُولئك يا حسن؟)، فأجابه الإمام (عليه السلام): (من يلهيك عن معرفتهم).
ثم استمر (عليه السلام) في تعريف نفسه إلى المجتمع فقال:
(أنا ابن من ساد قريشاً شاباً وكهلاً، أنا ابن من ساد الورى كرماً ونبلاً، أنا ابن من ساد أهل الدنيا بالجود الصادق، والفرع الباسق، والفضل السابق، أنا ابن من رضاه رضى الله، وسخطه سخطه، فهل لك أن تساميه يا معاوية؟)، فقال معاوية: أقول لا تصديقاً لقولك، فقال الحسن: (الحق أبلج، والباطل لجلج، ولم يندم من ركب الحقّ، وقد خاب من ركب الباطل (والحقّ يعرفه ذوو الألباب)) فقال معاوية على عادته من المراوغة: لا مرحباً بمن ساءك(٣٥٤).
ب ـ في دمشق:
اتفق جمهور المؤرّخين على أنّ الإمام الحسن (عليه السلام) قد وفد على معاوية في دمشق، واختلفوا في أنّ وفادته كانت مرةً واحدةً أو أكثر، وإطالة الكلام في تحقيق هذه الجهة لا تغنينا شيئاً، وإنّما المهم البحث عن سرّ سفره، فالذي نذهب اليه أنّ المقصود منه ليس إلاّ نشر مبدأ أهل البيت (عليهم السلام) وإبراز الواقع الاُموي أمام ذلك المجتمع الذي ضلّله معاوية وحرّفه عن الطريق القويم، أمّا الاستدلال عليه فإنّه يظهر من مواقفه ومناظراته مع معاوية، فإنّه قد هتك بها حجابه.
أمّا الذاهبون إلى أنّ سفره كان لأخذ العطاء فقد استندوا إلى احدى الروايات الموضوعة فيما نحسب، وهذه الرواية لا يمكن الاعتماد عليها؛ لأنّ الإمام قد عرف بالعزّة والإباء والشمم، على أنّه كان في غنىً عن صلات معاوية؛ لأنّ له ضياعاً كبيرة في يثرب كانت تدرّ عليه بالأموال الطائلة، مضافاً إلى ما كان يصله من الحقوق التي كان يدفعها خيار المسلمين وصلحاؤهم.
على أنّ الأموال التي كان يصله بها معاوية على القول بذلك لم يكن ينفقها على نفسه وعياله، فقد ورد أنّه لم يكن يأخذ منها مقدار ما تحمله الدابة بفيها(٣٥٥).
وروى الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام): (أنّ الحسن والحسين كانا لا يقبلان جوائز معاوية بن أبي سفيان)(٣٥٦).
وضاق معاوية ذرعاً بالإمام الحسن (عليه السلام) حينما كان في دمشق بعد الذي رآه من إقبال الناس واحتفائهم به، فعقد مجالس حشدها بالقوى المنحرفة عن أهل البيت (عليهم السلام) والمعادية لهم مثل: ابن العاص والمغيرة بن شعبة ومروان بن الحكم والوليد بن عقبة وزياد بن أبيه وعبدالله بن الزبير، وأوعز لهم بالتطاول على ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) والنيل منه، ليزهد الناس فيه، ويشفي نفسه من ابن فاتح مكة ومحطّم أوثان قريش، وقد قابله هؤلاء الأوغاد بمرارة القول وبذاءة الكلام، وكان (عليه السلام) يسدِّد لهم سهاماً من منطقه الفيّاض فيسكتهم.
ولقد كان الإمام في جميع تلك المناظرات هو الظافر المنتصر، وخصومه الضعفاء قد اعترتهم الاستكانة والهزيمة والذهول.
المناظرة الاُولى:
أقبل معاوية على الإمام (عليه السلام) فقال له: (يا حسن أنا خير منك!) فقال له الإمام (عليه السلام): (وكيف ذاك يا بن هند؟)، فقال معاوية: لأنّ الناس قد أجمعوا عليّ، ولم يجمعوا عليك.
فقال له الإمام (عليه السلام): (هيهات، لشرّ ما علوت يا بن آكلة الأكباد، المجتمعون عليك رجلان: بين مطيع ومكره، فالطائع لك عاص لله، والمكره معذور بكتاب الله، وحاشا لله أن أقول أنا خير منك لأنّك لا خير فيك، فإنّ الله قد برّأني من الرذائل كما برأك من الفضائل)(٣٥٧).
المناظرة الثانية:
وهناك موقف آخر، ولعلّه من أروع ما نقله التأريخ من مواقف الإمام (عليه السلام)، فقد اجتمع لدى معاوية أربعة من أعمدة حكمه ومروّجي جاهليّته، وهم: عمرو بن العاص والوليد بن عقبة بن أبي معيط وعتبة بن أبي سفيان والمغيرة بن شعبة، وطلبوا منه إحضار الإمام (عليه السلام) لكي يعيبوه وينالوا منه، بعدما ساءهم إلتفاف الناس حوله يلتمسون منه عطاء العلم والدين.
ويقال: إنّ معاوية رفض أن يرسل اليه، وقال: (لا تفعلوا، فوالله ما رأيته قطّ جالساً عندي إلاّ خفت مقامه وعيبه لي، وقال: إنّه ألسن بني هاشم) فعزموا عليه بأن يرسل اليه.
فقال: إن بعثت اليه لأنصفنّه منكم، فقال ابن العاص: أتخشى أن يأتي باطله على حقّنا؟! قال معاوية: أما إنّي إن بعثت اليه لآمرنه أن يتكلّم بلسانه كلّه، واعلموا أنّهم أهل بيت، لا يعيبهم العائب، ولا يلصق بهم العار، ولكن اقذفوه بحجره، تقولون له: إنّ أباك قتل عثمان، وكره خلافة الخلفاء قبله.
ثم أرسل إلى الامام من يدعوه، فحضر فأكرمه معاوية وأعظمه، وقال له: إنّي كرهت أن أدعوك، ولكن هؤلاء حملوني على ذلك، وإنّ لك منهم النصف ومنّي، وإنّا دعوناك لنقرّرك أنّ عثمان قتل مظلوماً، وأنّ أباك قتله، فأجبهم، ولا تمنعك وحدتك واجتماعهم أن تتكلّم بكلّ لسانك.
فتكلّم عمرو بن العاص، فذكر عليّاً، وتجاوز في سبّه وشتمه، ثم ثنّى بالحسن وعابه وأغرق في الخدشة، وممّا قاله:
(... يا حسن، تحدّث نفسك أنّ الخلافة صائرة اليك، وليس عندك عقل ذلك ولا لبّه وإنّما دعوناك لنسبّك أنت وأباك...).
ثم تكلّم الوليد بن عقبة فشنّع وأبان عن عنصريته، ونال من بني هاشم.
ثم تكلّم عتبة بن أبي سفيان، فأفصح عن حقده ولؤمه، وممّا قال:
(... يا حسن، كان أبوك شرّ قريش لقريش، أسفكه لدمائها، وأقطعه لأرحامها، طويل السيف واللسان، يقتل الحيّ ويصيب الميّت، وأمّا رجاؤك الخلافة فلست في زندها قادماً، ولا في ميزانها راجحاً).
ثم تكلّم المغيرة بن شعبة، فشتم عليّاً وقال: (والله ما أعيبه في قضية بخون، ولا في حكم بميل، ولكنّه قتل عثمان.
ثم سكتوا، فتكلّم الإمام (عليه السلام)، وممّا قال:
(أمّا بعد يا معاوية، فما هؤلاء شتموني، ولكنّك شتمتني، فحشاً ألفته، وسوء رأي عرفت به، وخُلقاً سيئاً ثبتّ عليه، وبغياً علينا عداوة لمحمد وآله، ولكن اسمع يا معاوية واسمعوا فلأقولنّ فيك وفيهم ما هو دون ما فيكم).
ثم أخذ في المقارنة بين مواقف أبيه ومواقف معاوية وأبيه، فقال:
(اُنشدكم الله، هل تعلمون أنّه أول الناس إيماناً، وأنّك يا معاوية وأباك من المؤلّفة قلوبهم، تسرّون الكفر، وتظهرون الإسلام، وتستمالون بالأموال.
وإنّه كان صاحب راية رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم بدر، وإنّ راية المشركين كانت مع معاوية ومع أبيه، ثم لقيكم يوم اُحد ويوم الأحزاب، ومعه راية رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومعك ومع أبيك راية الشرك، وفي كلّ ذلك يفتح الله له، ويفلج حجّته، وينصر دعوته، ويصدق حديثه، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) في تلك المواطن كلّها عنه راض، وعليك وعلى أبيك ساخط).
وأخذ (عليه السلام) في تعداد فضائل أبيه وما ورد فيه من الأحاديث على لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومواقفه العظيمة التي نصر بها الدين وأذلّ بها المشركين، ثم قال: (وجاء أبوك على جمل أحمر يوم الأحزاب يحرّض الناس وأنت تسوقه وأخوك عتبة هذا يقوده، فرآكم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلعن الراكب والقائد والسائق، وأنت يا معاوية، دعا عليك رسول الله لمّا أراد أن يكتب كتاباً إلى بني خزيمة فبعث اليك، فنهمك إلى يوم القيامة فقال: اللّهمّ لا تشبعه).
ثم أخذ في بيان بعض مواقف أبيه مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) والمواطن السبعة التي لعن فيها النبيّ (صلى الله عليه وآله) أبا سفيان، وبعد أن أنهى خطابه لمعاوية، التفت إلى عمرو بن العاص فقال:
وأمّا انت يا بن النابغة، فادّعاك خمسة من قريش، غلب عليك الأمهم حسباً وأخبثهم منصباً، وولدت على فراش مشترك، ثم قام أبوك فقال: أنا شانئ محمد الأبتر، فأنزل الله فيه (إنّ شانئك هو الأبتر) وقاتلت رسول الله في جميع المشاهد وهجوته، وآذيته في مكة وكدته، وكنت من أشدّ الناس له تكذيباً وعداوة.
ثمّ خرجت تريد النجاشي، لتأتي بجعفر وأصحابه، فلمّا أخطأك ما رجوت ورجعك الله خائباً، وأكذبك واشياً، جعلت حدّك على صاحبك عمارة بن الوليد، فوشيت به إلى النجاشي، ففضحك الله، وفضح صاحبك، فأنت عدو بني هاشم في الجاهلية والإسلام.
وهجوت رسول الله (صلى الله عليه وآله) بسبعين بيتاً من الشعر، فقال: اللهمّ إنّي لا أقول الشعر ولا ينبغي لي، اللّهمّ العنه بكلّ حرف ألف لعنة.
وأمّا ما ذكرت من أمر عثمان، فأنت سعّرت عليه الدنيا ناراً، ثم لحقت بفلسطين، فلمّا أتاك قتله، قلت: أنا أبو عبدالله إذا نكأت قرحة أدميتها، ثم حبست نفسك إلى معاوية وبعت دينك بدنياه، فلسنا نلومك على بغض، ولا نعاتبك على ودّ، وبالله ما نصرت عثمان حباً، ولا غضبت له مقتولاً...).
والتفت (عليه السلام) إلى الوليد فقال له:
(فوالله ما ألومك على بغض عليٍّ وقد قتل أباك بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) صبراً، وجلدك ثمانين في الخمر لمّا صليت بالمسلمين سكران، وسمّاك الله في كتابه فاسقاً، وسمّي أمير المؤمنين مؤمناً، حيث تفاخرتما...).
ثم التفت إلى عتبة بن أبي سفيان، وقال له:
(وأمّا أنت يا عتبة، فوالله ما أنت بحصيف فاُجيبك، ولا عاقل فاُحاورك واُعاتبك، وما عندك خير يرجى، ولا شرّ يتقى، وما عقلك وعقل أمتك إلاّ سواء، وما يضرّ عليّاً لو سببته على رؤوس الأشهاد، وأمّا وعيدك إيّاي بالقتل فهلا قتلت اللحياني إذ وجدته على فراشك... وكيف ألومك على بغض عليّ؟ وقد قتل خالك الوليد مبارزة يوم بدر، وشرك حمزة في قتل جدّك عتبة، وأوحدك من أخيك حنظلة في مقام واحد).
ثم التفت إلى المغيرة بن شعبة، وقال له:
(وأمّا أنت يا مغيرة، فلم تكن بخليق أن تقع في هذا وشبهه.. والله... لا يشقّ علينا كلامك وإنَّ حدَّ الله عليك في الزنا لثابت، ولقد درأ عمر عنك حقاً، الله سائله عنه، ولقد سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) هل ينظر الرجل إلى المرأة يريد أن يتزوّجها، فقال: لا بأس بذلك يا مغيرة، ما لم ينو الزنا، لعلمه بأنّك زان.
وأمّا فخركم علينا بالإمارة، فإنّ الله تعالى يقول: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مُتْرَفيها ففسقوا فيها فحقّ عليها القول فدمّرناها تدميراً))(٣٥٨).
ثمّ قام الحسن (عليه السلام) فنفض ثوبه وانصرف، فتعلّق عمرو بثوبه وقال: يا أمير المؤمنين، قد شهدت قوله فيّ، وأنا مطالب له بحدّ القذف، فقال معاوية: خلّ عنه، لا جزاك الله خيراً... فتركه.
فقال معاوية: قد أنبأتكم أنّه ممّن لا تطاق عارضته، ونهيتكم أن تسبّوه فعصيتموني، والله ما قام حتى أظلم عليَّ البيت قوموا عنّي، فلقد فضحكم الله، وأخزاكم بترككم الحزم، وعدولكم عن رأي الناصح المشفق(٣٥٩).
وينتهي هنا الحوار الفريد الذي ذكرناه بطوله رغم اختصارنا له، واحتفاظنا بالنقاط الأساسية التي يهمّنا أن نضعها بين يدي القارئ، ليتعرّف على الملامح الواقعية لتلك الزمرة المتسلّطة التي تنكّرت لكلّ القيم الأخلاقية، وسلكت طريق الشيطان.
وبهذا الحوار أعطى الإمام (عليه السلام) للمعارضة زخماً جديداً وفاعليةً كبيرةً، حيث كشف للاُمّة عن الواقع المرير الذي اكتنف الحكم الإسلامي بتسلّط هذه النماذج المنحرفة في اُصولها، والمنفعلة برواسبها الجاهلية، والتي لا يمثّل عندها الإسلام إلاّ الوسيلة الفريدة للتسلّط على رقاب الناس، وتلافي النقائص الذاتية التي قدّر لهم أن يرزحوا تحت عبئها البغيض.
وأثبت الإمام (عليه السلام) أنّه ما يزال يقف في موقفه الصامد الذي انطلق منه في صراعه مع الجاهليّة الاُموية. وإن ألجأته ظروف المحنة إلى وضع السيف في غمده وتخطّي مرحلة الحرب؛ فإنّ كلمة الحقّ الصارخة التي تصمّ آذان الباطل لا يمكن أن يدعها تموت في زحام أراجيف الضلال.
وهكذا ينطلق الإمام في خطاه الرسالية ـ التي هي امتداد لخطى جدّه الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ـ وعليه تقع مسؤولية حفظ المبادئ الأصيلة التي جاءت من أجلها الرسالة؛ لترتفع كلمة الله في الأرض.

 

* * *

 

البحث الرابع: مصير شروط الصلح وشهادة الإمام الحسن (عليه السلام)
إخلال معاوية بالشروط:
كان الشرط الأول ـ وكما مرّ علينا ـ هو أن يسلّم الإمام الأمر لمعاوية على أن يعمل بكتاب الله وسنّة نبيّه وسيرة الخلفاء الصالحين.
وقد وقف الإمام الحسن (عليه السلام) عند عهده رغم الضغوط الكثيرة من أصحابه ومخلصيه، مع أنّ الإمام كان في حلّ من شرطه لو أراد؛ لأنّ التسليم كان مشروطاً، ولم يف معاوية بأيّ واحد من الشروط التي أخذت عليه.
أمّا معاوية فلم يلتزم بالشرط الأول، وأمّا عن الشرط الثاني ـ وهو أن يكون الأمر من بعده للحسن ثم للحسين وأن لا يعهد إلى أحد من بعده ـ فقد أجمع المؤرّخون على أنّ معاوية لم يف بشرطه هذا، بل نقضه بجعل الولاية لابنه يزيد من بعده(٣٦٠).
وفيما يتعلّق بالشرط الثالث ـ وهو رفع السبّ عن الإمام عليّ (عليه السلام) مطلقاً أو في حضور الإمام الحسن خاصة ـ فقد عزّ على معاوية الوفاء به، لأنّ سبّ عليّ يمثّل لديه الأساس القوي الذي يعتمده في إبعاد الناس عن بني هاشم، وقد ركّز معاوية بعناد وقوة على لزوم اتّباع طريقته في سبّ أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصاياه وكتبه لعمّاله(٣٦١).
وبخصوص الشرط الرابع فقد قيل: إنّ أهل البصرة حالوا بين الإمام الحسن وبين خراج أبجر، وقالوا: فيئنا(٣٦٢)، وكان منعهم بأمر من معاوية لهم(٣٦٣).
وأما الشرط الخامس ـ وهو العهد بالأمان العام، والأمان لشيعة عليّ على الخصوص، وأن لا يبغي للحسنين (عليهما السلام) وأهل بيتهما غائلة سرّاً ولا جهراً ـ وللمؤرّخين فيما يرجع إلى موضوع هذا الشرط نصوص كثيرة، بعضها وصف للكوارث الداجية التي جوبه بها الشيعة من الحكّام الاُمويين في عهد معاوية، وبعضها قضايا فردية فيما نكب به معاوية الشخصيات الممتازة من أصحاب أمير المؤمنين، وبعضها خيانته تجاه الحسن والحسين خاصة(٣٦٤).
وأكّد جميع المؤرخين أنّ الصلح بشروطه الخمسة لم يلق من معاوية أيّة رعاية تناسب تلك العهود والمواثيق والأَيْمان التي قطعها على نفسه، ولكنّه طالع المسلمين بشكل عام بالأوليات البكر والأفاعيل النكراء من بوائقه، وشيعة أهل البيت (عليهم السلام) بشكل خاص، فكان أول رأس يُطاف به في الإسلام منهم ـ أي من الشيعة ـ وبأمره يُطاف به، وكان أول إنسان يدفن حيّاً في الإسلام منهم، وبأمره يفعل به ذلك.
وكانت أول امرأة تسجن في الإسلام منهم، وهو الآمر بسجنها، وكانت أول مجموعة من الشهداء يقتلون صبراً في الإسلام منهم، وهو الذي قتلهم، واستقصى معاوية بنود المعاهدة كلّها بالخلف، فاستقصى أيْمانه المغلّظة بالحنث، ومواثيقه المؤكّدة التي واثق الله تعالى عليها بالنقض، فأين هي الخلافة الدينية يا ترى؟!(٣٦٥).
وبقي آخر شقٍّ من الشروط وهو الأدقّ والأكثر حساسيةً، وكان عليه إذا أساء الصنيع بهذا الشقّ أن يتحدّى القرآن صراحة ورسول الله (صلى الله عليه وآله) مباشرة، فصبر عليه ثماني سنين، ثم ضاق به ذرعاً، وثارت به اُمويّته التي جعلته ابن أبي سفيان حقاً بما جاء به من فعلته التي أنست الناس الرزايا قبلها.
وهي أول ذلٍّ دخل على العرب، وكانت بطبيعتها أبعد مواد الصلح عن الخيانة، كما كانت بظروفها وملابساتها أجدرها بالرعاية، وكانت بعد نزع السلاح والالتزام من الخصم بالوفاء، أفظع جريمة في تاريخ معاوية الحافل بالجرائم.
تآمر معاوية على الإمام الحسن (عليه السلام):
لقد حاول معاوية أن يجعل الخلافة ملكاً عضوضاً وراثة في أبنائه، وقد بذل جميع جهوده وصرف الأموال الطائلة لذلك، فوجد أنّه لا يظفر بما يريد والحسن بن عليّ (عليه السلام) حيّ ينتظر المسلمون حكمه العادل وخيره العميم، ومن هنا قرّر اغتيال الإمام المجتبى (صلى الله عليه وآله) بما اغتال به من قبل مالك الأشتر وسعد بن أبي وقاص وغيرهما.
فأرسل الى الإمام غير مرّة سمّاً فاتكاً حين كان في دمشق فلم ينجح حتى راسل ملك الروم وطلب منه بإصرار أن يرسل له سمّاً فاتكاً، وحصل عليه بعد امتناعه حين أفهمه أنّه يريد قتل ابن من خرج بأرض تهامة لتحطيم عروش الشرك والكفر والجاهلية وهدّد سلطان أهل الكتاب.
إنّ بائقة الأب هذه كانت هي السبب الذي بعث روح القدوة في طموح الابن ليشتركا ـ متضامنين ـ في إنجاز أعظم جريمة في تاريخ الإسلام، تلك هي قتل سيّدي شباب أهل الجنة اللذين لا ثالث لهما، وليتعاونا معاً على قطع (الواسطة الوحيدة) التي انحصر بها نسل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والجريمة ـ بهذا المعنى ـ قتل مباشر لحياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بامتدادها التأريخي.
نعم، والقاتلان ـ مع ذلك ـ هما الخليفتان في الإسلام!!!
فواضَيْعَةَ الإسلام إن كان خلفاؤه من هذه النماذج!!!
وكان الدهاء المزعوم لمعاوية هو الذي زيّن له اُسلوباً من القتل قصّر عنه ابنه يزيد، فكان هذا (الشابّ المغرور) وكان ذاك (الداهية المحنّك في تصريف الاُمور)!!! ولو تنفس العمر بأبي سفيان إلى عهد ولديه هذين لأيقن أنّهما قد أجادا اللعبة التي كان يتمناها لبني اُمية.
كيف استشهد الإمام الحسن (عليه السلام)؟
لقد دعا معاوية مروان بن الحكم إلى إقناع جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي ـ وكانت من زوجات الإمام الحسن (عليه السلام) ـ بأن تسقي الحسن السمّ وكان شربة من العسل بماء رومة(٣٦٦)، فإن هو قضى نحبه زوّجها بيزيد، وأعطاها مائة ألف درهم.
وكانت جعدة هذه بحكم بنوّتها للأشعث بن قيس ـ المنافق المعروف الذي أسلم مرتين بينهما ردّة منكرة ـ أقرب الناس روحاً إلى قبول هذه المعاملة النكراء.
قال الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): (إنّ الأشعث شرك في دم أمير المؤمنين (عليه السلام)، وابنته جعدة سمّت الحسن، وابنه محمّد شرك في دم الحسين (عليه السلام))(٣٦٧).
وهكذا تمّ لمعاوية ما أراد، وكانت شهادته (عليه السلام) بالمدينة يوم الخميس لليلتين بقيتا من صفر سنة خمسين من الهجرة أو تسع وأربعين.
وحكم معاوية بفعلته هذه على مصير اُمة بكاملها، فأغرقها بالنكبات وأغرق نفسه وبنيه بالذحول والحروب والانقلابات، وتمّ له بذلك نقض المعاهدة إلى آخر سطر فيها.
وقال الإمام الحسن (عليه السلام) وقد حضرته الوفاة: (لقد حاقت شربته، وبلغ اُمنيته، والله ما وفى بما وعد، ولا صدق فيما قال)(٣٦٨).
وورد بريد مروان إلى معاوية بتنفيذ الخطّة المسمومة فلم يملك نفسه من إظهار السرور بموت الإمام الحسن (عليه السلام)، (وكان بالخضراء فكبّر وكبّر معه أهل الخضراء، ثم كبّر أهل المسجد بتكبير أهل الخضراء، فخرجت فاختة بنت قرظة بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف (زوج معاوية) من خوخة(٣٦٩) لها، فقالت: سرّك الله يا أمير المؤمنين، ما هذا الذي بلغك فسررت به؟ قال: موت الحسن بن عليّ، فقالت: إنّا لله وإنّا اليه راجعون، ثم بكت وقالت: مات سيّد المسلمين وابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله))(٣٧٠).
والنصوص على اغتيال معاوية للإمام الحسن (عليه السلام) بالسمّ متضافرة كأوضح قضية في التاريخ(٣٧١).
وصاياه الأخيرة:
أ ـ وصيّته لجنادة:
دخل جنادة بن أبي أُميّة ـ الصحابيّ الجليل ـ على الإمام عائداً له، فالتفت إلى الإمام قائلاً: عظني يابن رسول الله.
فأجاب (عليه السلام) طلبته وهو في أشدّ الأحوال حراجةً، وأقساها ألماً ومحنةً، فأتحفه بهذه الكلمات الذهبية التي هي أغلى وأثمن من الجوهر وقد كشفت عن اسرار إمامته، قائلاً:
(يا جنادة! استعد لسفرك، وحصّل زادك قبل حلول أجلك، واعلم أنّك تطلب الدنيا والموت يطلبك، ولا تحمل همَّ يومك الذي لم يأت على يومك الّذي أنت فيه، واعلم أنّك لا تكسب من المال شيئاً فوق قوتك إلاّ كنت فيه خازناً لغيرك، واعلم أنّ الدنيا في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، وفي الشبهات عتاب، فأنزل الدنيا بمنزلة الميتة، خذ منها ما يكفيك، فإن كان حلالاً كنت قد زهدت فيه، وإن كان حراماً لم يكن فيه وزر فأخذت منه كما أخذت من الميتة، وإن كان العقاب فالعقاب يسير، واعمل لدنياك كأنّك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنّك تموت غداً، وإذا أردت عزّاً بلا عشيرة وهيبة بلا سلطان فاخرج من ذلّ معصية الله إلى عزّ طاعة الله عزّ وجلّ، وإذا نازعتك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا صحبته زانك، وإذا أخذت منه صانك، وإذا أردت منه معونة أعانك وإن قُلتَ صَدَّق قولك، وإن صُلتَ شَدَّ صولَتَك، وإن مددت يدك بفضل مدّها، وإن بدت منك ثلمة سدّها، وإن رأى منك حسنة عدّها، وإن سألت أعطاك، وإن سكت عنه إبتدأك، وإن نزلت بك إحدى الملمّات واساك من لا تأتيك منه البوائق، ولا تختلف عليك منه الطرائق، ولا يخذلك عند الحقائق، وإن تنازعتما منقسماً آثرك)(٣٧٢).
ويشتدّ الوجع بالإمام (عليه السلام) ويسعر عليه الألم فيجزع، فيلتفت اليه بعض عوّاده قائلاً له: يابن رسول الله، لِمَ هذا الجزع؟ أليس الجدّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأب علي والاُمّ فاطمة، وأنت سيّد شباب أهل الجنة؟!.
فأجابه بصوت خافت: (أبكي لخصلتين: هول المطلع، وفراق الأحبّة)(٣٧٣).
ب ـ وصيّته للإمام الحسين (عليه السلام):
ولمّا ازداد ألمه وثقل حاله استدعى أخاه سيّد الشهداء فأوصاه بوصيّته وعهد اليه بعهده، وهذا نصّه:
(هذا ما أوصى به الحسن بن عليّ إلى أخيه الحسين، أوصى أنّه يشهد أن لا إله إلاّ الله، وحده لا شريك له، وأنّه يعبده حقّ عبادته، لا شريك له في الملك، ولا وليّ له من الذلّ، وأنّه خلق كلّ شيء فقدّره تقديراً، وأنّه أولى من عبده، وأحقّ من حمد، من أطاعه رشد، ومن عصاه غوى، ومن تاب اليه اهتدى، فإنّي اُوصيك يا حسين بمن خلفت من أهلي وولدي وأهل بيتك، أن تصفح عن مسيئهم، وتقبل من محسنهم، وتكون لهم خلفاً ووالداً، وأن تدفنني مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإنّي أحقّ به وببيته، فإن أبوا عليك فأُنشدك الله وبالقرابة التي قرّب الله منك والرحم الماسّة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن لا يهراق من أمري محجمة من دم حتى تلقى رسول الله فتخصمهم وتخبره بما كان من أمر الناس إلينا)(٣٧٤).
ج ـ وصيّته لمحمد بن الحنفية:
وأمر الإمام (عليه السلام) قنبراً أن يحضر أخاه محمد بن الحنفية، فمضى اليه مسرعاً فلمّا رآه محمد ذُعر فقال: هل حدث إلاّ خير؟، فأجابه بصوت خافت: (أجب أبا محمد).
فذهل محمّد واندهش وخرج يعدو حتى أنّه لم يسوِّ شسع نعله من كثرة ذهوله، فدخل على أخيه وهو مصفرّ الوجه قد مشت الرعدة بأوصاله فالتفت (عليه السلام) له:
(إجلس يا محمد، فليس يغيب مثلك عن سماع كلام تحيى به الأموات وتموت به الأحياء. كونوا أوعية العلم ومصابيح الدجى؛ فإنّ ضوء النهار بعضه أضوء من بعض، أما علمت أنّ الله عزّ وجلّ جعل ولد إبراهيم أئمة، وفضّل بعضهم على بعض، وآتى داود زبوراً؟ وقد علمت بما استأثر الله به محمداً (صلى الله عليه وآله)، يا محمد بن علي إنّي لا أخاف عليك الحسد، وإنمّا وصف الله به الكافرين، فقال تعالى: (كفّاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق)، ولم يجعل الله للشيطان عليك سلطاناً. يا محمد بن علي! ألا اُخبرك بما سمعت من أبيك فيك؟).
قال محمد: بلى، فأجابه الامام (عليه السلام): (سمعت أباك يقول يوم البصرة: من أحبّ أن يبرّني في الدنيا والآخرة فليبرّ محمداً. يا محمد بن علي! لو شئت أن اُخبرك وأنت نطفة في ظهر أبيك لأخبرتك. يا محمد بن علي! أما علمت أن الحسين بن علي بعد وفاة نفسي ومفارقة روحي جسدي إمام بعدي، وعند الله في الكتاب الماضي وراثة النبيّ (صلى الله عليه وآله) أصابها في وراثة أبيه واُمه؟ علم الله أنّكم خير خلقه فاصطفى منكم محمداً، واختار محمد علياً، واختارني عليّ للإمامة، واخترت أنا الحسين).
فانبرى اليه محمّد مظهراً له الطاعة والانقياد(٣٧٥).
إلى الرفيق الأعلى:
وثقل حال الإمام (عليه السلام) واشتدّ به الوجع فأخذ يعاني آلام الاحتضار، فعلم أنّه لم يبق من حياته الغالية إلاّ بضع دقائق فالتفت إلى أهله قائلاً:
(أخرجوني إلى صحن الدار أنظر في ملكوت السماء).
فحملوه إلى صحن الدار، فلمّا استقرّ به رفع رأسه إلى السماء وأخذ يناجي ربّة ويتضرع اليه قائلاً:
(اللّهم إنّي احتسب عندك نفسي، فإنّها أعزّ الأنفس عليَّ لم أصب بمثلها، اللّهم آنس صرعتي، وآنس في القبر وحدتي).
ثم حضر في ذهنه غدر معاوية به، ونكثه للعهود، واغتياله إيّاه فقال:
(لقد حاقت شربته، والله ما وفى بما وعد، ولا صدق فيما قال)(٣٧٦).
وأخذ يتلو آي الذكر الحكيم ويبتهل إلى الله ويناجيه حتى فاضت نفسه الزكية إلى جنّة المأوى، وسمت إلى الرفيق الأعلى، تلك النفس الكريمة التي لم يخلق لها نظير فيما مضى من سالف الزمن وما هو آت حلماً وسخاءً وعلماً وعطفاً وحناناً وبرّاً على الناس جميعاً.
لقد مات حليم المسلمين، وسيّد شباب أهل الجنّة، وريحانة الرسول وقرّة عينه، فأظلمت الدنيا لفقده، وأشرقت الآخرة بقدومه(٣٧٧).
وارتفعت الصيحة من بيوت الهاشميّين، وعلا الصراخ والعويل من بيوت يثرب، وهرع أبو هريرة وهو باكي العين مذهول اللبّ إلى مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو ينادي بأعلى صوته:
(يا أيّها الناس! مات اليوم حبّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) فابكوا)(٣٧٨).
وصدعت كلماته القلوب، وتركت الأسى يحزّ في النفوس، وهرع من في يثرب نحو ثوي الإمام وهم ما بين واجم وصائح ومشدوه ونائح قد نخب الحزن قلوبهم على فقد الراحل العظيم الذي كان ملاذاً لهم وملجأً ومفزعاً إن نزلت بهم كارثة أو حلّت بهم مصيبة.
تجهيز الإمام وتشييعه:
وأخذ سيد الشهداء في تجهيز أخيه، وقد أعانه على ذلك عبدالله بن عباس وعبد الرحمن بن جعفر وعلي بن عبدالله بن عباس وأخواه محمد بن الحنفية وأبو الفضل العباس، فغسّله وكفّنه وحنّطه وهو يذرف من الدموع مهما ساعدته الجفون، وبعد الفراغ من تجهيزه؛ أمر (عليه السلام) بحمل الجثمان المقدّس إلى مسجد الرسول لأجل الصلاة عليه(٣٧٩).
وكان تشييع الإمام تشييعاً حافلاً لم تشهد نظيره عاصمة الرسول، فقد بعث الهاشميّون إلى العوالي والقرى المحيطة بيثرب من يعلمهم بموت الإمام، فنزحوا جميعاً إلى يثرب ليفوزوا بتشييع الجثمان العظيم(٣٨٠) وقد حدّث ثعلبة ابن مالك عن كثرة المشيعين فقال:
(شهدت الحسن يوم مات، ودفن في البقيع، ولو طرحت فيه إبرة لما وقعت إلاّ على رأس إنسان)(٣٨١).
وقد بلغ من ضخامة التشييع أنّ البقيع ما كان يسع أحداً من كثرة الناس.
دفن الإمام (عليه السلام) وفتنة عائشة:
ولم يشكَّ مروان ومن معه من بني اُمية أنّهم سَيَدْفُنونَه عند رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فتجمَّعوا لذلك ولبسوا السلاح، فلمّا توجّه به الحسين (عليه السلام) إلى قبر جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليجدّد به عهداً؛ أقبلوا اليهم في جمعهم، ولحقتهم عائشة على بغل وهي تقول: ما لي ولكم تريدون أن تدخلوا بيتي من لا اُحبّ، وجعل مروان يقول: يا رُبَّ هيجا هي خير مِن دَعَة، اَيُدْفَنُ عثمانُ في أقصى المدينة ويدفن الحسن مع النبيّ؟! لا يكون ذلك أبداً وأنا أحمل السيف.
وكادت الفتنة أن تقع بين بني هاشم وبني اُمية فبادر ابن عباس إلى مروان فقال له: ارجع يا مروان من حيث جئت فإنّا ما نريد دفن صاحبنا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) لكنّا نريد أن نجدّد به عهداً بزيارته ثم نردّه إلى جدّته فاطمة بنت أسد فندفنه عندها بوصيته بذلك، ولو كان أوصى بدفنه مع النبي (صلى الله عليه وآله) لعلمت أنّك أقصر باعاً من ردّنا عن ذلك، لكنّه (عليه السلام) كان أعلم بالله وبرسوله وبحرمة قبره من أن يطرق عليه هدماً، كما طرق ذلك غيره ودخل بيته بغير إذنه.
ثم أقبل على عائشة وقال لها: وا سوأتاه! يوماً على بغل ويوماً على جمل، تريدين أن تطفِئي نور الله وتقاتلي أولياء الله، ارجعي فقد كُفيت الذي تخافين وبلغت ما تحبين والله منتصر لأهل البيت ولو بعد حين.
وقال الحسين (عليه السلام): (والله لو لا عهد الحسن بحقن الدماء وأن لا اُهريق في أمره محجمة دم لعلمتم كيف تأخذ سيوف الله منكم مأخذها وقد نقضتم العهد بيننا وبينكم وأبطلتم ما اشترطنا عليكم لأنفسنا).
ومضوا بالحسن فدفنوه بالبقيع عند جدّته فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف رضي الله عنها(٣٨٢).
ووقف الإمام الحسين (عليه السلام) على حافة القبر، وأخذ يؤبّن أخاه قائلاً: (رحمك الله يا أبا محمد، إن كنت لتباصر الحقّ مظانّه، وتؤثر الله عند التداحض في مواطن التقية بحسن الروية، وتستشف جليل معاظم الدنيا بعين لها حاقرة، وتفيض عليها يداً طاهرة الأطراف، نقية الأسرة، وتردع بادرة غرب أعدائك بأيسر المؤونة عليك، ولا غرو فأنت ابن سلالة النبوّة ورضيع لبان الحكمة، فإلى رَوْح ورَيْحان، وجنّة ونعيم، أعظم الله لنا ولكم الأجر عليه، ووهب لنا ولكم حسن الأسى عنه)(٣٨٣).

 

* * *
الفصل الثالث: تراث الإمام المجتبى (عليه السلام)

 

١ ـ نظرة عامة في تراث الإمام المجتبى (عليه السلام):
الإمام المجتبى (عليه السلام) كأبيه المرتضى وجدّه المصطفى قائد مبدئي تتلخّص مهمّاته القيادية في كلمة موجزة ذات معنىً واسع وأبعاد شتى هي: (الهداية بأمر الله تعالى) انطلاقاً من قوله تعالى: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وايتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين)(٣٨٤).
والهداية بأمر الله سبحانه تتجلّى في تبيان الشريعة وتقديم تفاصيل الأحكام العامة أو المطلقة التي نصّ عليها القرآن الكريم والرسول العظيم، كما تتجلّى في تفسير القرآن الحكيم وايضاح مقاصد الرسول الكريم.
وتتجلّى الهداية في تطبيق أحكام الله تعالى على الاُمّة المسلمة وصيانة الشريعة والنصوص الإلهية من أيّ تحريف أو تحوير يتصدّى له الضالّون المضلّون.
والثورة التي فجّرها الإسلام العظيم هي ثورة ثقافية قبل أن تكون ثورة اجتماعية أو اقتصادية، فلا غرو أن تجد الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) يفرّغون أنفسهم لتربية الاُمّة وتثقيفها على مفاهيم الرسالة وقيمها، وهم يرون أنّ مهمّتهم الاُولى هي التربية والتثقيف انطلاقاً من النصّ القرآني الصريح في بيان أهداف الرسالة والرسول الذي يرى الإمام نفسه استمراراً له وقيّماً على ما أثمرته جهود الرسول (صلى الله عليه وآله) من (رسالة) و(اُمّة) و(دولة)، قال تعالى مفصِّلاً لأهداف الرسالة ومهمّات الرسول: (يتلوا عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة)(٣٨٥).
ولئن غضّ الإمام المجتبى الطرف عن الخلافة لأسباب دينية ومبدئية؛ فهو لم يترك الساحة ومواريث الرسول (صلى الله عليه وآله) لتنهب بأيدي الجاهلييّن، بل نجده قد تصدّى لتربية القاعدة التي على أساسها تقوم الدولة وعليها تطبّق أحكام الشريعة.
وقد خلّف الإمام المجتبى تراثاً فكرياً وعلمياً ثرّاً من خلال ما قدّمه من نصوص للاُمّة الإسلامية على شكل خطب أو وصايا أو احتجاجات أو رسائل أو أحاديث وصلتنا في فروع المعرفة المختلفة، ممّا يكشف عن تنوّع اهتمامات الإمام الحسن وسعة علمه وإحاطته بمتطلّبات المرحلة التي كانت تعيشها الاُمّة المسلمة في عصره المحفوف بالفتن والدواهي التي قلّ فيها من كان يعي طبيعة المرحلة ومتطلباتها إلاّ أن يكون محفوفاً برعاية الله وتسديده.
ونستعرض صوراً من اهتمامات الإمام العلمية، ونلتقط شيئاً من المفاهيم والقيم المُثلى التي ظهرت على لسانه وعبّر عنها ببليغ بيانه، أو تجلّت في تربيته لتلامذته وأصحابه.
٢ ـ في رحاب العلم والعقل:
أ ـ قال (عليه السلام) في الحثّ على طلب العلم وكيفية طلبه واُسلوب تنميته:
١ ـ (تعلّموا العلم، فإنّكم صغار في القوم، وكبارهم غداً، ومن لم يحفظ منكم فليكتب)(٣٨٦).
٢ ـ (حُسن السؤال نصف العلم)(٣٨٧).
٣ ـ (علّم الناس، وتعلَّم عِلمَ غيرك، فتكون قد أتقنت علمك وعلمتَ ما لمَ تَعلم)(٣٨٨).
٤ ـ (قَطعَ العلم عُذر المتعلّمين).
٥ ـ (اليقين معاذ السلامة).
٦ ـ (أوصيكم بتقوى الله وإدامة التفكّر، فإنّ التفكّر أبو كلّ خير واُمّه)(٣٨٩).
ب ـ إنّ العقل أساس العلم، ومن هنا فقد عرّف العقل من خلال لوازمه وآثاره العلمية ومدى أهميته ودوره في كمال الإنسان بقوله:
١ ـ (العقل حفظ القلب كلّ ما استرعيته)(٣٩٠).
٢ ـ (لا أدب لمن لا عقل له، ولا مودّة لمن لا همّة له، ولا حياء لمن لا دين له، ورأس العقل معاشرة الناس بالجميل، وبالعقل تدرك سعادة الدارين، ومن حرم العقل حرمهما جميعاً).
٣ ـ (لا يغشّ العقل من استنصحه).
٣ ـ في رحاب القرآن الكريم:
أ ـ قال (عليه السلام) في بيان حقيقة القرآن ورسالته وأهدافه وفضله وكيفية الارتواء من معينه الثرّ:
١ ـ (إنّ هذا القرآن فيه مصابيح النور، وشفاء الصدور، فليُجل جال بضوئه وليُلجم الصفة قلبَه؛ فإنّ التفكير حياة قلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور)(٣٩١).
٢ ـ (ما بقي من هذه الدنيا بقية غير هذا القرآن فاتّخذوه إماماً، وإنّ أحقّ الناس بالقرآن من عمل به وإن لم يحفظه، وأبعدهم عنه مَن لم يعمل به وإن كان يقرؤه)(٣٩٢).
٣ ـ (.. واعلموا علماً يقيناً أنّكم لن تعرفوا التقى حتى تعرفوا صفة الهدى، ولن تمسكوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نبذه، ولن تتلوا الكتاب حقّ تلاوته حتى تعرفوا الذي حرّفه، فإذا عرفتم ذلك؛ عرفتم البدع والتكلّف ورأيتم الفرية على الله ورأيتم كيف يهوي من يهوي، ولا يجهلنّكم الذين لا يعلمون، والتمسوا ذلك عند أهله فإنّهم خاصّة نور يستضاء بهم وأئمة يقتدى بهم، بهم عيش العلم وموت الجهل)(٣٩٣).
٤ ـ (.. كتاب الله فيه تفصيل كلّ شيء، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والمعوَّل عليه في كلّ شيء، لا يخطئنا تأويله، بل نتيقنّ حقائقه، فأطيعونا فإطاعتنا مفروضة إذ كانت بطاعة الله والرسول واُولي الأمر مقرونة..).
ب ـ وروى المؤرّخون نماذج من تفسير الإمام المجتبى للقرآن الكريم، وإليك نموذجاً واحداً منها:
(جاء رجل إلى مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) ليسأل عن تفسير قوله تعالى: (وشاهد ومشهود) فرأى ثلاثة أشخاص قد احتفّ بكلّ واحد منهم جمع من الناس يحدّثهم عمّا سمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فسأل أحدهم عن الشاهد والمشهود فقال: الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة، ثم سأل الآخر فقال له: الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم النحر، ثم سأل الثالث فأجابه: الشاهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) والمشهود يوم القيامة لقوله تعالى: (يا أيّها النبيّ إنّا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً)، وقوله تعالى عن يوم القيامة: (ذلك يوم مشهود)، فسأل عن الأول فقيل له: عبدالله بن عباس، وسأل عن الثاني فقيل له: عبدالله بن عمر، وسأل عن الثالث فقيل له: الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السلام)(٣٩٤).
إنّ المتتبّع لخُطب الإمام ومواعظه يلمس فيها الاستدلال والاستشهاد الدقيق بآيات الذكر الحكيم، ممّا يفيدنا مدى إحاطته صلوات الله عليه بمقاصد القرآن وأسراره وبواطن آياته، وسوف تلاحظ نماذج من ذلك فيما سيأتي من كلامه.
٤ ـ في رحاب الحديث النبوي والسيرة الشريفة:
لقد اهتمّ الإمام الحسن المجتبى بنشر حديث النبيّ (صلى الله عليه وآله) وسيرته ومكارم أخلاقه، ونختار من الأحاديث التي رواها عن جدّه (صلى الله عليه وآله) ما يلي:
١ ـ (إنّ من واجب المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم..).
٢ ـ (يا مسلم! اضمن لي ثلاثاً أضمن لك الجنّة: إن أنت عملت بما افترض عليك في القرآن فأنت أعبد الناس، وإن قنعت بما رُزِقت فأنت أغنى الناس، وإن اجتنبت ما حرّم الله فأنت أورع الناس...).
٣ ـ (من صلّى الفجر فجلس في مصلاّه إلى طلوع الشمس ستره الله من النار).
٤ ـ (حيثما كنتم فصلّوا عليَّ، فإنّ صلاتكم تبلغني).
٥ ـ (جاءت امرأة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) ومعها ابناها فسألته فأعطاها ثلاث تمرات، فأعطت كلّ واحد منهما تمرةً فأكلاها، ثم نظرا إلى اُمّهما فشقّت التمرة اثنتين فأعطت كلّ واحدة منهما شقّ تمرة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): رحمها الله برحمتها ابنيها).
٦ ـ (ودعا (صلى الله عليه وآله) بهذا الدعاء: اللهم أقلني عثرتي، وآمن روعتي، واكفني من بغى عليّ، وانصرني على من ظلمني، وأرني ثأري منه...).
وأمّا ما يخصّ سيرة النبيّ (صلى الله عليه وآله) ومكارم أخلاقه فقد اهتمّ السبط المجتبى بنشرها تارةً عن خاله هند بن أبي هالة التميمي ربيبِ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأخِ الزهراء من اُمّها؛ إذ كان دقيقاً في وصفه لحلية النبيّ (صلى الله عليه وآله) ومكارم أخلاقه، وممّا جاء في وصفه لمنطق الرسول (صلى الله عليه وآله) قوله:
(كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، لا يتكلّم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتح الكلام ويختمه بأشداق(٣٩٥)، ويتكلّم بجوامع الكلم، فصل لا فضول ولا تقصير، دمثاً ليس بالجافي ولا المهين، يعظم المنّة وإن دقّت، لا يذمّ منها شيئاً، ولا يذّم ذوّاقاً ولا يمدحه، ولا تغضبه الدنيا وما كان لها، فإذا تعوطي الحقّ لم يعرفه أحد، ولم يستقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، إذا أشار بكفّه أشار بكفه كلّها، وإذا تعجّب قلبها، وإذا تحدّث اتّصل بها فضرب براحته اليمنى باطن ابهامه اليُسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غضّ طرفه، جلّ ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حبّ الغمام...).
واعتنى الإمام المجتبى بهذه السيرة المباركة أيّما اعتناء، فسأل أباه المرتضى الذي كان ربيب الرسول وتلميذه وصهره وأخاه وشريكه في حمل أعباء الرسالة، وهو الذي لازمه من قبل بعثته حتى رحلته، وطلب منه أن يصف له سيرة رسول الله فأجابه أمير المؤمنين إجابةً تتضمن منهاجاً كاملاً للإنسان المسلم الذي يريد الاقتداء بسيرته (صلى الله عليه وآله).
قال الإمام عليّ صلوات الله عليه: (كان النبيّ (صلى الله عليه وآله) إذا أوى إلى منزله جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزء لله جل ثناؤه، وجزء لأهله، وجزء لنفسه، ثمّ جزّأ جزأه بينه وبين الناس، فيرد ذلك على العامة بالخاصة ولا يدّخر عنهم شيئاً، وكان من سيرته في جزء الاُمّة إيثار أهل الفضل بإذنه، وقسّمه على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما أصلحهم والاُمّة من مسألتهم وأخبارهم بالذي ينبغي لهم، ويقول: ليبلغ الشاهد الغائب، وابلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغ حاجته، فإنّ من أبلغ سلطاناً حاجة من لا يستطيع إبلاغها إيّاه ثبّت الله قدميه يوم القيامة، لا يذكر عنده إلاّ ذلك، ولا يقبل من أحد غيره، يدخلون رواداً ولا يفترقون إلاّ عن ذواق، ويخرجون أدلة..).
قال الإمام الحسن (عليه السلام): (فسألته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه؟) فقال:
(كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخزن لسانه إلاّ ممّا يعينهم، ويؤلّفهم ولا يفرّقهم، أو قال: ينفرهم، ويكرم كريم كلّ قوم، ويوليه عليهم ويحذّر الناس، ويحترس منهم، من غير أن يطوى عن أحد بشره ولا خلقه، يتفقّد أصحابه، ويسأل عمّا في الناس، فيحسن الحسن ويقوّيه، ويقبّح القبيح ويوهنه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا لكلّ حال عنده عتاب، لا يقصّر عن الحقّ ولا يجوزه، الذين يلونه من الناس خيارهم، أفضلهم عنده أعمّهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة..).
قال الإمام الحسن (عليه السلام): (فسألته عن مجلسه، فقال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يجلس ولا يقوم إلاّ على ذكر الله ولا يوطن الأماكن، وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك ويعطي كلاًّ من جلسائه نصيبه، فلا يحسب جليسه أنّ أحداً أكرم عليه منه، من جالسه أو قارنه في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف، ومن سأله حاجة لم يرده إلاّ بها أو بميسور من القول، وقد وسع الناس منه بسطه وخلقه فصار لهم أباً، وصاروا عنده في الحقّ سواء، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع عنده الأصوات، ولا تؤبّن فيه الحرم، ولا تُثنى فلتاته، ترى جلاّسه متعادلين، يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين يوقرون الكبير، ويرحمون الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب..).
قال الإمام الحسن (عليه السلام): (قلت له: كيف سيرته في جلسائه؟ قال (عليه السلام): كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) دائم السرور، سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظّ ولا غليظ ولا صخّاب ولا فحّاش ولا عيّاب ولا مدّاح، يتغافل عمّا لا يشتهي، ولا يؤيس منه، ولا يجيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء والإكثار وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذمّ أحداً، ولا يعيّره ولا يطلب عثرته، ولا يتكلم إلاّ فيما رجا ثوابه، وإذا تكلّم أطرق جلساؤه كأنّما على رؤوسهم الطير، وإذا سكت تكلّموا، ولا يتنازعون عنده، من تكلّم أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم عنده حديث أولهم، يضحك ممّا يضحكون منه، ويتعجّب ممّا يتعجّبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، حتى أن كان أصحابه ليستجلبوا منهم ويقول: إذا رأيتم طالب الحاجة يطلبها فارفدوه، ولا يقبل الثناء إلاّ من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوّزه فيقطعه بنهي أو قيام..).
قال الإمام الحسن (عليه السلام): (كيف كان سكوته؟ قال (عليه السلام): كان سكوت رسول الله (صلى الله عليه وآله) على أربع: الحكم، والحذر، والتقدير، والتفكير.
فأمّا تقديره ففي تسويته للنظر بين الناس واستماعه منهم.
وأمّا تفكيره ففيما يبقى ويفنى.
وجمع له الحلم في الصبر، فكان لا يعصيه شيء ولا يستقرّه.
وجمع له الحذر في أربع: أخذه بالحسن ليقتدى به، وتركه القبيح لينتهى عنه، واجتهاده الرأي فيما أصلح اُمّته، والقيام فيما جمع لهم الدنيا والآخرة...)(٣٩٦).
٥ ـ في رحاب العقيدة:
١ ـ التوحيد: أمر الإمام عليّ المرتضى (عليه السلام) نجله المجتبى (عليه السلام) ليخطب الناس في مسجد الكوفة، فصعد المنبر، وقال:
(الحمد لله الواحد بغير تشبيه، والدائم بغير تكوين، القائم بغير كلفة، الخالق بغير منصبة، والموصوف بغير غاية، المعروف بغير محدود، العزيز، لم يزل قديماً في القدم، ردعت القلوب لهيبته، وذهلت العقول لعزّته، وخضعت الرقاب لقدرته، فليس يخطر على قلب بشر مبلغ جبروته، ولا يبلغ الناس كنه جلاله، ولا يفصح الواصفون منهم لكُنه عظمته، ولا تبلغه العلماء بألبابها، ولا أهل التفكر بتدابير اُمورها، أعلم خلقه به الذي بالحدّ لا يصفه، يُدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير...)(٣٩٧).
وجاء اليه رجل فقال له: يا بن رسول الله! صف لي ربّك كأنّي اُنظر اليه، فأطرق الحسن مليّاً ثم رفع رأسه فأجابه: (الحمد لله الذي لم يكن له أوّل معلوم ولا آخر متناه، ولا قبل مدرك ولا بعد محدود ولا أمد بحتّى، ولا شخص فيتجزّأ، ولا اختلاف صفة فيتناهى، فلا تدرك العقول وأوهامها، ولا الفكر وخطراتها، ولا الألباب وأذهانها، صفته فيقول: متى، ولا بدئ ممّا، ولا ظاهر على ما، ولا باطن فيما، ولا تارك فهلاّ، خلق الخلق فكان بديئاً بديعاً، ابتدأ ما ابتدع، وابتدع ما ابتدأ، وفعل ما أراد، وأراد ما استزاد، ذلك الله ربّ العالمين)(٣٩٨).
٢ ـ إبطال الجبر: رفع أهالي البصرة اليه (عليه السلام) رسالةً يطالبون منه رأيه في مسألة الجبر فأجابهم (عليه السلام): (من لم يؤمن بالله وقضائه وقدره فقد كفر، ومن حمل ذنبه على ربّه فقد فجر، إنّ الله لا يُطاع استكراهاً ولا يُعصى لغلبة؛ لأنّه المليك لما ملّكهم، والقادر على ما أقدرهم، فإن عملوا بالطاعة لم يحل بينهم وبين ما فعلوا، فليس هو الذي أجبرهم على ذلك، فلو أجبر الله الخلق على الطاعة لأسقط عنهم الثواب، ولو أجبرهم على المعاصي لأسقط عنهم العقاب، ولو أهملهم لكان عجزاً في القدرة، ولكن فيهم المشيئة التي غيّبها عنهم، فإن عملوا بالطاعات كانت له المنّة عليهم، وإن عملوا بالمعصية كانت الحجّة عليهم)(٣٩٩).
٣ ـ تفسير صفاته تعالى: وسأله رجل عن معنى الجواد فقال: (... وإن كنت تسأل عن الخالق فهو الجواد إن أعطى، وهو الجواد إن منع، لأنّه إن أعطى عبداً أعطاه ما ليس له، وإن منع منع ما ليس له)(٤٠٠).
٦ ـ في رحاب ولاية أهل البيت (عليهم السلام):
١ ـ قال (عليه السلام) مبيّناً لحقيقة الثقلين وموقع كلّ منهما من الآخر:
(... واعلموا علماً يقيناً أنّكم لن تعرفوا التقى حتى تعرفوا صفة الهدى، ولن تمسكوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نبذه، ولن تتلوا الكتاب حقّ تلاوته حتى تعرفوا الذي حرّفه، فإذا عرفتم ذلك عرفتم البدع والتكلّف، ورأيتم الفرية على الله، ورأيتم كيف يهوى من يهوى، ولا يجهلنّكم الذين لا يعلمون، والتمسوا ذلك عند أهله فإنّهم خاصة نور يستضاء بهم وأئمة يقتدى بهم، بهم عيش العلم وموت الجهل، وهم الذين أخبركم حلمهم عن علمهم، وحكم منطقهم عن صمتهم، وظاهرهم عن باطنهم، لا يخالفون الحقّ ولا يختلفون فيه، وقد خلت لهم من الله سابقة، ومضى فيهم من الله حكم: (إنّ في ذلك لذكرى للذاكرين))(٤٠١).
٢ ـ (أيّها الناس، اعقلوا عن ربّكم، إنّ الله عزّ وجلّ اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، ذرّيةً بعضها من بعض والله سميع عليم، فنحن الذرّيّة من آدم والاُسرة من نوح والصفوة من إبراهيم والسلالة من اسماعيل وآل محمد (صلى الله عليه وآله)، نحن فيكم كالسماء المرفوعة والأرض المدحوّة والشمس الضاحية، وكالشجرة الزيتونة لا شرقية ولا غربية التي بورك زيتها، النبيّ أصلها وعليّ فرعها، ونحن والله ثمر تلك الشجرة، فمن تعلّق بغصن من أغصانها نجا، ومن تخلّف عنها فإلى النار هوى...)(٤٠٢).
٣ ـ وخطب قائلاً بعد حمد الله والثناء عليه: (إنّ الله لم يبعث نبيّاً إلاّ اختار له نفساً ورهطاً وبيتاً، فوالذي بعث محمّداً بالحقّ لا ينتقص من حقّنا أهل البيت أحد إلاّ نقصه الله من عمله مثله، ولا يكون علينا دولة إلاّ وتكون لنا العاقبة، (ولتعلمنّ نبأه بعد حين))(٤٠٣).
٤ ـ وقال (عليه السلام): (نحن حزب الله المفلحون، وعترة رسول الله (صلى الله عليه وآله) الأقربون، وأهل بيته الطاهرون الطيّبون، وأحد الثقلين اللذين خلّفهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) والثاني كتاب الله... فأطيعونا فإطاعتنا مفروضة، إذ كانت بطاعة الله والرسول واُولي الأمر مقرونة...)(٤٠٤).
٥ ـ وخطب (عليه السلام) فتحدّث عن فلسفة التشريع وعن ارتباط الأحكام بولاية أهل البيت، ثمّ قال: (ولو لا محمد (صلى الله عليه وآله) وأوصياؤه كنتم حيارى، لا تعرفون فرضاً من الفرائض، وهل تدخلون داراً إلاّ من بابها).
وبعد أن استدلّ (عليه السلام) على كمال الدين وإتمام النعمة وأشار إلى حقوق أولياء الله ودور أداء هذه الحقوق في سلامة الحياة ونمائها وأنّ البخيل هو من يبخل بالمودة بالقربى... قال: (سمعت جدّي (صلى الله عليه وآله) يقول: خلقتُ أنا من نور الله، وخُلق أهل بيتي من نوري، وخلق محبّوهم من نورهم، وسائر الناس من الناس)(٤٠٥).
٧ ـ البشارة بالإمام المهديّ المنتظر (عليه السلام):
١ ـ قال (عليه السلام) بعد أن صالح معاوية ودخل عليه الناس ولامه بعضهم على بيعته: (.... أما عَلِمتم أنّه ما مِّنا من أحد إلاّ ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه، إلاّ القائم الذي يصلّي روح الله عيسى بن مريم خلفه، فإنّ الله يخفي ولادته ويُغيِّب شخصه، لئلاّ يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج، ذلك التاسع من وُلد أخي الحسين، ابن سيّدة الإماء، يطيلُ الله عُمَره في غيبته ثم يُظهره بقدرته في صورة شاب دون أربعين سنة...)(٤٠٦).
٢ ـ وروى (عليه السلام) حديثاً عن أبيه (عليه السلام) أخبره فيه عن ولاية بني اُمية وبِدَعِهِم وفتكهم بأعدائهم حتى قال: (... حتى يبعث الله رجلاً في آخر الزمان وكَلَب من الدهر وجَهل من الناس، يؤيّده الله بملائكته، ويَعصِم أنصاره وينصُرُه بآياته، ويُظهره على أهل الأرض حتى يَدينوا طوعاً وكرهاً، يملؤها قسطاً وعدلاً ونوراً وبرهاناً، يدين له عَرض البلاد وطولها، لا يبقى كافرٌ إلاّ آمن به، ولا طالح إلاّ صلح، وتصطلح في ملكه السباع، وتُخرِج الأرض نبتها، وتُنزل السماءُ بركتها، وتظهر له الكنوز، يملك ما بين الخافقين أربعين عاماً، فطوبى لمن أدرك أيّامه وسمع كلامه)(٤٠٧).
٨ ـ في رحاب الأخلاق والتربية:
عن جابر (رضي الله عنه) قال: سمعت الحسن (عليه السلام) يقول: (مكارم الأخلاق عشرة: صدق اللسان، وصدق البأس، وإعطاء السائل، وحسن الخلق، والمكافأة بالصنائع، وصلة الرحم، والتذمّم على الجار(٤٠٨)، ومعرفة الحقّ للصاحب، وقري الضيف، ورأسهنّ الحياء)(٤٠٩).
وعرّف الإمام المجتبى (عليه السلام) مجموعة من (مكارم الأخلاق) في إجابته على أسئلة أبيه المرتضى (عليه السلام) نختار منها ما يلي:
١ ـ السداد: دفع المنكر بالمعروف.
٢ ـ الشرف: اصطناع العشيرة وحمل الجريرة (موافقة الإخوان)(٤١٠).
٣ ـ المروءة: العفاف وإصلاح المرء ماله (إصلاح الرجل أمر دينه، وحسن قيامه على ماله، وإفشاء السلام والتحبّب إلى الناس)(٤١١).
٤ ـ السماحة: البذل في العسر واليسر.
٥ ـ الإخاء: الوفاء في الشدّة والرخاء.
٦ ـ الغنيمة: الرغبة في التقوى والزهادة في الدنيا.
٧ ـ الحلم: كظم الغيظ وملك النفس.
٨ ـ الغنى: رضى النفس بما قسم الله وإن قلّ، فإنّما الغنى غنى النفس.
٩ ـ المنعة: شدّة البأس ومقارعة أشد الناس.
١٠ ـ الصمت: ستر العيب وزين العرض، وفاعله في راحة، وجليسه آمن(٤١٢).
١١ ـ المجد: أن تعطي في الغرم، وأن تعفو عن الجرم.
١٢ ـ العقل: حفظ القلب كلّ ما استرعيته (استوعيته) أو حفظ القلب لكلّ ما استتر فيه(٤١٣).
١٣ ـ الثناء: إتيان الجميل وترك القبيح.
١٤ ـ الحزم: طول الأناة والرفق بالولاة والاحتراس من الناس بسوء الناس.
١٥ ـ الكرم: العطيّة قبل السؤال والتبرع بالمعروف والإطعام في المحلّ(٤١٤).
١٦ ـ النجدة: الذبّ عن الجار والمحاماة في الكريهة والصبر عند الشدائد(٤١٥).
وأجاب الإمام بكل استرسال وعدم تكلّف على مجموعة اُخرى من أسئلة أبيه فيما يخصّ (مساوئ الأخلاق) ونختار منها ما يلي:
١ ـ الدنيئة: النظر في اليسير ومنع الحقير.
٢ ـ اللؤم: احتراز المرء نفسه (ماله) وبذله عرسه (عرضه)(٤١٦).
٣ ـ الشحّ: أن ترى ما في يديك شرفاً وما أنفقته تلفاً.
٤ ـ الجبن: الجرأة على الصديق والنكول عن العدوّ.
٥ ـ الفقر: شره النفس في كلّ شيء.
٦ ـ الجرأة: موافقة الأقران.
٧ ـ الكلفة: كلامك فيما لا يعنيك.
٨ ـ الخُرْق: معاداتك إمامك ورفعك عليه كلامك.
٩ ـ السفه: اتباع الدناة ومصاحبة الغواة.
١٠ ـ الغفلة: تركك المسجد وطاعتك المُفسِد.
١١ ـ الحرمان: تركك حظّك وقد عرض عليك(٤١٧).
١٢ ـ شرّ الناس: من لا يعيش في عيشه أحد(٤١٨).
وتحدّث الإمام عن اُصول الجرائم الأخلاقية واُمّهات الرذائل قائلاً: هلاك الناس في ثلاث: الكبر، الحرص، الحسد.
الكبر: به هلاك الدين وبه لُعِن ابليس.
الحرص: عدو النفس وبه اُخرج آدم من الجنّة.
الحسد: رائد السوء وبه قتل هابيل قابيل(٤١٩).
٩ ـ في رحاب المواعظ الحكيمة:
١ ـ قال (عليه السلام) في تعريف التقوى والحثّ عليها: (إنّ الله لم يخلقكم عبثاً، وليس بتارككم سدىً، كتب آجالكم، وقسم بينكم معائشكم ليعرف كلُّ ذي منزلة منزلته، وإنّ ما قدّر له أصابه، وما صُرف عنه فلن يصيبه، قد كفاكم مؤونة الدنيا، وفرّغكم لعبادته، وحثّكم على الشكر، وافترض عليكم الذكر، وأوصاكم بالتقوى، وجعل التقوى منتهى رضاه، والتقوى بابُ كلِّ توبة ورأسُ كلِّ حكمة وشرفُ كلِّ عمل، بالتقوى فاز من فاز من المتقين، قال الله تبارك وتعالى: (إنّ للمتقين مفازاً) وقال: (وينجّي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسّهم السوء ولا هم يحزنون)، فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أنّ من يتّقِ الله يجعل له مخرجاً من الفتن، ويسدّده في أمره، ويُهيّئ له رشده، ويُفلجه بحجّته، ويُبيّض وجهه، ويُعطهِ رغبته مع الذين أنعم الله عليهم من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسن اُولئك رفيقاً)(٤٢٠).
٢ ـ وجاءه رجل من الأثرياء فقال له: يا بن رسول الله! إنّي أخاف من الموت، فقال له (عليه السلام): (ذاك لأنّك أخّرت مالك، ولو قدّمته لسرّك أن تلحق به)(٤٢١).
٣ ـ وقال (عليه السلام) عن طلب الرزق: (لا تجاهد الطلب جهاد الغالب، ولا تشكل على القدر إشكال المستسلم؛ فإنّ ابتغاء الفضل من السُنّة، والإجمال في الطلب من العفة، وليست العفة بدافعة رزقاً، ولا الحرص بجالب فضلاً، فإنّ الرزق مقسوم، واستعمال الحرص استعمال المآثم)(٤٢٢).
٤ ـ وقال في الحثّ على الالتزام بالمساجد: (من أدام الاختلاف إلى المسجد أصاب ثمان خصال: آيةً محكمةً، وأخاً مستفاداً، وعلماً مستطرفاً، ورحمةً منتظرةً، وكلمةً تدل على هدىً، أو تردعه عن ردىً، وترك الذنوب حياءً، أو خشيةً)(٤٢٣).
٥ ـ وحدّد السياسة تحديداً جامعاً ودقيقاً بقوله (عليه السلام): (هي أن ترعى حقوق الله وحقوق الأحياء وحقوق الأموات.
فأمّا حقوق الله: فأداء ما طلب والاجتناب عمّا نهى.
وأمّا حقوق الأحياء: فهي أن تقوم بواجبك نحو إخوانك، ولا تتأخّر عن خدمة اُمتك، وأن تخلص لوليّ الأمر ما أخلص لاُمّته، وأن ترفع عقيرتك في وجهه إذا حاد عن الطريق السوي.
وأمّا حقوق الأموات: فهي أن تذكر خيراتهم، وتتغاضى عن مساوئهم، فإنّ لهم ربّاً يحاسبهم)(٤٢٤).
ومن قصار كلماته الحكيمة وغرر حكمه الثمينة:
١ ـ إنّ من طلب العبادة تزكّى لها.
٢ ـ المصائب مفاتيح الأجر.
٣ ـ النعمة محنة فإن شكرت كانت كنزاً وإن كفرت كانت نقمة.
٤ ـ أشدّ من المصيبة سوء الخُلق.
٥ ـ من تذكّر بُعد السفر اعتدّ.
٦ ـ العار أهون من النار.
٧ ـ خير المال ما وُقِيَ به العرض.
٨ ـ الفرصة سريعة الفوت بطيئة العود.
٩ ـ المسؤول حرٌّ حتى يعد ومسترقٌّ بالوعد حتى ينجز.
١٠ ـ فضح الموتُ الدنيا، اجعل ما طلبت من الدنيا فلم تظفر به بمنزلة ما لم يخطر ببالك.
١١ ـ فوت الحاجة خير من طلبها إلى غير أهلها.
١٠ ـ في رحاب الفقه وأحكام الشريعة:
١ ـ عن عاصم بن ضمرة قال: كنت أسير مع الحسن بن عليّ على شاطئ الفرات وذلك بعد العصر ونحن صيام وماء الفرات يجري على رضراض(٤٢٥) والماء صاف ونحن عطاش، فقال الحسن بن علي (عليهما السلام): (لو كان معي مئزر لدخلت الماء) قلت: إزاري اُعطيكه، قال: (فما تلبس أنت؟) قلت: أدخل كما أنا، قال: (فذاك الذي أكره، إنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إنّ للماء عوامر من الملائكة كعوامر البيوت استحيوهم وهابوهم وأكرموهم إذا دخلتم عليهم الماء فلا تدخلوا إلاّ بمئزر)(٤٢٦).
٢ ـ وقال: (أمرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) في العيدين أن نلبس أجود ما نجد وأن نتطيّب بأجود ما نجد، وأن نضحّي بأسمن ما نجد، البقرة عن سبعة والجزور عن عشرة، وأن نظهر التكبير وعلينا السكينة والوقار)(٤٢٧).
٣ ـ وقال: (علّمني رسول الله (صلى الله عليه وآله) قنوت الوتر: ربّ اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولّني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شرّ ما قضيت، إنّك تقضي ولا يُقضى عليك، إنّه لا يذل من واليت (تباركت ربّنا وتعاليت))(٤٢٨).
٤ ـ وقال (عليه السلام): (إذا أضرّت النوافل بالفريضة فاتركوها)(٤٢٩).
٥ ـ وقال (عليه السلام): (لا طلاق إلاّ من بعد نكاح)(٤٣٠).
١١ ـ في رحاب أدعية الإمام المجتبى (عليه السلام):
وللإمام الحسن بن عليّ (عليهما السلام) أنواع من الأدعية والابتهالات تدلّ على مدى اتّصاله بالله ومدى تعلّقه به وانقطاعه اليه، واليك بعض نماذجها:
١ ـ كان (عليه السلام) يدعو بهذا الدعاء الشريف في قنوته، وكان يبدو عليه الخضوع والخشوع أمام الله، وهذا نصه:
(يا من بسلطانه ينتصر المظلوم، وبعونه يعتصم المكلوم، سبقت مشيئتك، وتمّت كلمتك، وأنت على كلّ شيء قدير، وبما تمضيه خبير، يا حاضر كلّ غيب وعالم كلّ سر وملجأ كلّ مضطرّ، ضلّت فيك الفهوم، وتقطّعت دونك العلوم، أنت الله الحيّ القيوم، الدائم الديّوم، قد ترى ما أنت به عليم، وفيه حكيم، وعنه حليم، وأنت القادر على كشفه، والعون على كفّه غير ضائق، وإليك مرجع كلّ أمر، كما عن مشيئتك مصدره، وقد أبنت عن عقود كلّ قوم، وأخفيت سرائر آخرين، وأمضيت ما قضيت، وأخّرت ما لا فوت عليك فيه، وحملت العقول ما تحملت في غيبك، ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة، وإنّك أنت السميع العليم، الأحد البصير، وأنت الله المستعان، وعليك التوكّل، وأنت ولىّ من تولّيت، لك الأمر كلّه، تشهد الانفعال، وتعلم الاختلال، وترى تخاذل أهل الخبال، وجنوحهم إلى ما جنحوا إليه من عاجل فان، وحطام عقباه حميم آن، وقعود من قعد، وارتداد من ارتد.. وخلوي من النصار وانفرادي عن الظهار، وبك اعتصم، وبحبلك استمسك، وعليك أتوكّل.
اللهمّ فقد تعلم أنّي ما ذخرت جهدي، ولا منعت وجدي، حتى انفلّ حدّي، وبقيت وحدي، فاتبعت طريق من تقدّمني في كفّ العادية وتسكين الطاغية عن دماء أهل المشايعة، وحرست ما حرسه أوليائي من أمر آخرتي ودنياي، فكنت ككظمهم أكظم، وبنظامهم أنتظم، ولطريقتهم أتسنّم، وبميسهم أتّسم حتى يأتي نصرك، وأنت ناصر الحقّ وعونه، وإن بعد المدى عن المرتاد، ونأى الوقت عن إفناء الأضداد، اللهمّ صلِ على محمّد وآل محمّد، وامزجهم مع النصاب في سرمد العذاب، وأعم عن الرشد أبصارهم، وسكعهم في غمرات لذاتهم حتى تأخذهم البغتة وهم غافلون، وسحرة وهم نائمون، بالحقّ الذي تظهره، واليد (التي) تبطش بها، والعلم الذي تبديه، إنّك كريم عليم...)(٤٣١).
ويلمس في الفقرات الأخيرة من دعائه الآلام المرهقة التي كان يعانيها من الحكم الاُموي، وقد دعا الله أن يأخذ الاُمويين أخذ عزيز مقتدر على انتهاكهم لحرمته وحرمات رسوله.
٢ ـ وكان يدعو بهذا الدعاء على الظالمين له والمعتدين عليه، ويطلب من الله أن يكفيه شرّهم ويعلوه عليهم:
(اللهمّ يا من جعل بين البحرين حاجزاً وبرزخاً، وحجراً محجوراً، يا ذا القوة والسلطان، يا عليّ المكان، كيف أخاف وأنت أملي، وكيف أضام وعليك متكلي، فغطّني من أعدائك بسترك، وأظهرني على أعدائي بأمرك، وأيّدني بنصرك، إليك ألجأ ونحوك الملتجأ، فاجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً، يا كافي أهل الحرم من أصحاب الفيل، والمرسِل عليهم طيراً أبابيل، ترميهم بحجارة من سجّيل، إرمِ من عاداني بالتنكيل.
اللهمّ إنّي أسألك الشفاء من كلّ داء، والنصر على الأعداء، والتوفيق لما تحبّ وترضى، يا إله السماء والأرض وما بينهما وما تحت الثرى، بك استشفي، وبك استعفي، وعليك أتوكّل فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم)(٤٣٢).
١٢ ـ في رحاب أدب الإمام المجتبى (عليه السلام):
كتب الحسن البصري ـ وهو من أبرز الشخصيات المعاصرة للإمام ـ معرّفاً بأدب الإمام (عليه السلام) وثقافته:
(أمّا بعد، فإنّكم معشر بني هاشم الفلك الجارية في اللّجج الغامرة والأعلام النيّرة الشاهرة أو كسفينة نوح (عليه السلام) التي نزلها المؤمنون ونجا فيها المسلمون، كتبتُ اليك يا بن رسول الله عند اختلافنا في القدر وحيرتنا في الاستطاعة فأخبرنا بالذي عليه رأيك ورأي آبائك، فإنّ مِن علم الله علمَكم وأنتم شهداء على الناس والله الشاهد عليكم (ذرّيّةً بعضها من بعض والله سميع عليم)(٤٣٣).
كما تتجلّى لنا مقدرة الإمام الفنّيّة والبلاغيّة من خلال محاولة معاوية لأن يقاطع ذات يوم خطاب الإمام (عليه السلام) حتى لا يفتتن الجمهور ببلاغته بعد أن اقترح ابن العاص على معاوية أن يخطب الحسن (عليه السلام) ليظهر عدم مقدرته(٤٣٤).
وقد أسهم الإمام الحسن (عليه السلام) في صياغة الخطب العسكرية في عهد أبيه وبعده، كما مرّ علينا، وقد لاحظنا إحكام البناء والتطعيم بالعنصر الإيقاعي والصوري بشكل واضح.
وتميّزت رسائل الإمام ومكاتباته بالاقتصاد اللغوي وبتكثيف عنصر (الإشارة الدالّة) أي العبارة المنطوية على شفرات دلالية، وهذا ما نجده مثلاً في رسالته إلى معاوية ورسالته إلى زياد بن أبيه، حيث لم تتجاوز كلٌّ منهما السطرين، فالأوّل ـ وهو معاوية ـ بعث رجلين يتجسّسان، فكتب (عليه السلام):
(أمّا بعد، فإنّك دسست الرجال كأنّك تحبّ اللقاء، لا أشكّ في ذلك، فتوقّعه إن شاء الله، وبلغني أنّك شَمَتَّ بما لم تشمت به ذوو الحجى)(٤٣٥).
وأمّا الرسالة الاُخرى فقد بعثها إلى زياد حيث نكّل بأحد المؤمنين، فطالبه (عليه السلام) بالكفّ عن ذلك، فردّ زياد برسالة إلى الحسن (عليه السلام) جاء فيها:
(من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن بن فاطمة: أمّا بعد، فقد أتاني كتابك تبدأ فيه بنفسك قبلي، وأنت طالب حاجة وأنا سلطان)(٤٣٦).
واضح أنّ هذه الرسالة من زياد تعبير عن إحساسه المَرَضيّ بعقدة الحقارة والنقص، فهو ينسب نفسه إلى أبي سفيان، وينسب الحسن (عليه السلام) إلى فاطمة (عليها السلام)، إلاّ أنّ الحسن (عليه السلام) أجابه بسطرين، نحسب أنّهما مزّقاه كلّ التمزيق، حيث كتب (عليه السلام):
(من الحسن بن فاطمة إلى زياد بن سميّة، أمّا بعد، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: الولد للفراش، وللعاهر الحجر)(٤٣٧).
من أدبه (عليه السلام) المنظوم:
١ ـ قال (عليه السلام) في التذكير بالموت:

 

قل للمقيم بغير دار إقامةٍ  * * *  حان الرحيل فودع الأحبابا
إنّ الذين لقيتهم وصحبتهم  * * *  صاروا جميعاً في القبور ترابا

 

٢ ـ وقال (عليه السلام) في الزهد في الدنيا:

 

لكسرة من خسيس الخبز تشبعني  * * *  وشربة من قراح الماء تكفيني
وطمرة من رقيق الثوب تسترني  * * *  حياً وإن متّ تكفيني لتكفيني(٤٣٨)

 

٣ ـ وله (عليه السلام) في السخاء:

 

إنّ السخاء على العباد فريضة  * * *  لله يقرأ في كتاب محكم
وعد العباد الأسخياء جنانه  * * *  وأعدّ للبخلاء نار جهنّمِ
من كان لا تندى يداه بنائلٍ  * * *  للراغبين فليس ذاك بمسلم(٤٣٩)

 

٤ ـ وبلغه (عليه السلام) سبّ ابن العاص له في مجلس معاوية، فقال (عليه السلام):

 

أتأمر يا معاويَ عبد سهم  * * *  بشتمي والملا منّا شهودُ؟
إذا أخذت مجالسها قريش  * * *  فقد علمت قريش ما تريدُ
أأنت تظل تشتمني سفاهاً  * * *  لضغنٍ ما يزول وما يبيدُ؟
فهل لك من أب كأبي تسامى  * * *  به من قد تسامى أو تكيدُ؟
ولا جدٌّ كجدي يا ابن حربٍ  * * *  رسول الله إن ذُكر الجدودُ
ولا اُمّ كاُمّي في قريش  * * *  إذا ما حصّل الحسب التليدُ
فما مثلي تهكّم يا ابن حرب  * * *  ولا مثلي ينهنهه الوعيدُ
فمهلاً لا تهيّج بنا اُمورا  * * *  يشيب لهولها الطفل الوليدُ(٤٤٠)
٥ ـ وله (عليه السلام) في الاستغناء عن الناس:
أغنَ عن المخلوق بالخالقِ  * * *  تغنَ عن الكاذب والصادق
واسترزقِ الرحمن من فضله  * * *  فليس غير الله بالرازقِ
من ظنّ أن الناس يغنونه  * * *  فليس بالرحمن بالواثق
من ظنّ أنّ الرزق من كسبه  * * *  زلّت به النعلان من حالقِ(٤٤١)

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الهوامش:

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

(١) آل عمران (٣): ٦١.
(٢) نور الأبصار: ١٢٢ ـ ١٢٣ وراجع تفاسير الجلالين وروح البيان والكشّاف والبيضاوي والرازي، وصحيح الترمذي: ٢ / ١٦٦، وسنن البيهقي: ٧ / ٦٣، وصحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة، ومسند أحمد: ١ / ٨٥، ومصابيح السنة: ٢ / ٢٠١.
(٣) الأحزاب (٣٣): ٣٣.
(٤) راجع التفسير الكبير للفخر الرازي، وتفسير النيسابوري، وصحيح مسلم: ٢ / ٣٣، وخصائص النسائي: ٤، ومسند أحمد: ٤ / ١٠٧، وسنن البيهقي: ٢ / ١٥٠، ومشكل الآثار: ١ / ٣٣٤، ومستدرك الحاكم: ٢ / ٤١٦، واُسد الغابة: ٥ / ٥٢١.
(٥) قال تعالى في سورة الشورى الآية ٢٣ مخاطباً رسوله الكريم: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى). وقال في سورة سبأ الآية ٤٧: (ما سألتكم من أجر فهو لكم).
(٦) راجع التفسير الكبير والطبري والدرّ المنثور في تفسير آية المودّة.
(٧) الإنسان (٧٦): ٩ ـ ١٢.
(٨) الإنسان (٧٦): ٥ ـ ٧.
(٩) صحيح البخاري: ٢ / ١٨٨، وسنن الترمذي: ٥٣٩.
(١٠) عيون أخبار الرضا: ١ / ٦٧.
(١١) سنن ابن ماجة: ١ / ٥٦، والترمذي: ٥٣٩.
(١٢) المناقب لابن شهر آشوب: ٣ / ١٦٣ نقلاً عن مسند أحمد وجامع الترمذي وسنن ابن ماجة وغيرهم.
(١٣) جامع الترمذي: ٥٤١، ومستدرك الحاكم: ٣ / ١٠٩.
(١٤) حلية الأولياء: ٤ / ٣٠٦.
(١٥) مستدرك الحاكم: ٣ / ١٤٩.
(١٦) خصائص النسائي: ٢٦.
(١٧) سنن الترمذي: ٥٣٩.
(١٨) مستدرك الحاكم: ٣ / ١٦٦.
(١٩) سنن الترمذي: ٥٤٠.
(٢٠) المناقب لابن شهر آشوب ٣: ١٥٦.
(٢١) نزهة المجالس: ٢ / ٢٠٦.
(٢٢) العقد الفريد: ٣ / ٢٨٣.
(٢٣) المحاسن والأضداد: ٩٠، طبعة مصر ١٣٢٤ هـ.
(٢٤) أي قال: إنا لله وإنا إليه راجعون.
(٢٥) مسند أحمد: ٤ / ١٣٢، طبعة مصر ١٣١٣ هـ.
(٢٦) صحيح البخاري: ٢ / ١٨٨.
(٢٧) سنن الترمذي: ٥٣٩.
(٢٨) مختصر تأريخ دمشق لابن عساكر: ٧ / ١٠، طبعة دار الفكر ١٤٠٥ هـ.
(٢٩) نور الأبصار: ١٧١.
(٣٠) تهذيب التهذيب: ٢ / ٢٩٨.
(٣١) حياة الإمام الحسن: ٢ / ٢٤٧.
(٣٢) بحار الأنوار: ٤٣ / ٣٥٨.
(٣٣) البداية والنهاية: ٨ / ٣٧.
(٣٤) مروج الذهب: ٣ / ٧.
(٣٥) حياة الإمام الحسن: ٢ / ٤٤٠.
(٣٦) أخبار إصبهان: ١ / ٤٤، طبعة ليدن سنة ١٩٣١.
(٣٧) الاستيعاب: ١ / ٣٨٥، طبعة مصر ١٣٨٠.
إنّ الملك والحكم إذا كان لإقامة حكم الله في الأرض فلا يكون تركه زهداً وورعاً، وإنما تنازل الإمام عن الملك لأنّ مسؤولية الإمام الشرعية كانت تتطلب ذلك في تلك الظروف.
(٣٨) البداية والنهاية: ٨ / ٣٧ طبعة مصر ـ ١٣٥.
(٣٩) مختصر تاريخ دمشق: ٧ / ٥.
(٤٠) تاريخ الخلفاء: ٧٣.
(٤١) راجع المناقب لابن شهرآشوب: ٢ / ١٤٨.
(٤٢) الحسن المجتبى: ١٣٩ نقلاً عن المناقب: ٢ / ١٤٨.
(٤٣) مطالب السؤول: ٦٥.
(٤٤) تذكرة الخواص: ١١١.
(٤٥) أسد الغابة: ٢ / ٩.
(٤٦) اضطراب السليم من لسعة العقرب.
(٤٧) راجع الأمالي للصدوق: ١٥٠، وبحار الأنوار: ٤٣ / ٣٣١.
(٤٨) المناقب: ٣ / ١٨٠، والبحار: ٤٣ / ٣٣٩.
(٤٩) بحار الأنوار: ٤٣ / ٣٣٩، وأخبار إصبهان: ١ / ٤٤.
(٥٠) المناقب: ٣ / ١٨٠، وبحار الأنوار: ٤٣ / ٣٣٩.
(٥١) المصدر السابق.
(٥٢) مهج الدعوات: ١٤٤.
(٥٣) راجع البداية والنهاية: ٨ / ٤٢، طبعة دار إحياء التراث العربي ١٤٠٨ هـ.
(٥٤) حياة الإمام الحسن: ١ / ٣٢٦.
(٥٥) بحار الأنوار: ٤٣ / ٣٥٢.
(٥٦) العوالم (الإمام الحسن): ١٢١ نقلاً عن المناقب: ٣ / ١٨٤.
(٥٧) حياة الإمام الحسن: ١ / ٣١٦ ـ ٣١٧ عن أنساب الأشراف: ١ / ٣١٩، والطبقات الكبرى: ١ / ٢٣.
(٥٨) راجع البداية والنهاية: ٨ / ٣٨.
(٥٩) النساء (٤): ٨٦.
(٦٠) المناقب لابن شهر آشوب: ٢ / ٢٣، وحياة الإمام الحسن: ١ / ٣٢٢ عن الخوارزمي.
(٦١) نور الأبصار: ١٣٥ ـ ١٣٦.
(٦٢) المصدر السابق: ٣٢٥، وحياة الإمام الحسن: ١ / ٣٢٥.
(٦٣) عوالم العلوم (الإمام الحسن): ١٢٣ عن المناقب: ٣ / ١٨٧.
(٦٤) حياة الإمام الحسن: ١ / ٣١٣ عن الصبان على هامش نور الأبصار: ١٩٦.
(٦٥) مختصر تاريخ دمشق: ٧ / ٢١، طبعة دار الفكر.
(٦٦) راجع كشف الغمة: ١ / ٥١٤، والبحار: ٤٤ / ١٣٦، والعوالم (الإمام الحسن): ١٣.
(٦٧) راجع معاني الأخبار: ٥٧ وعلل الشرائع: ١٣٨ وبحار الأنوار: ٤٣ / ٢٤٠ الحديث ٨.
(٦٨) المناقب: ٣ / ١٦٦.
(٦٩) العوالم: ٢٠ ـ ٢٢ نقلاً عن الكافي: ٦ / ٣٣ وعن عيون أخبار الرضا: ٢ / ٤٥ أنّ الزهراء أعطت القابلة رِجل شاة وديناراً.
(٧٠) العوالم: ٢٣ عن البحار: ٤٣ / ٢٤٢ و٢٥٥، والعدد القوية (مخطوط): ٥، وكشف الغمّة: ١ / ٥٢٣.
(٧١) راجع الكافي: ٦ / ٤٧٣ و٤٧٤، والبحار: ٤٣ / ٢٥٨، والعوالم: ٢٩.
(٧٢) راجع كشف الغمة: ١ / ٥٢٢، والمناقب: ٣ / ١٦٥ نقلاً عن صحيح الترمذي.
(٧٣) شديدتي السواد مع سعتهما.
(٧٤) الشعر وسط الصدر الى البطن.
(٧٥) الشعر الى شحمة الاذن.
(٧٦) رؤوس المفاصل.
(٧٧) ضد السبط والاسترسال.
(٧٨) راجع كشف الغمة: ١ / ٥٢٥ والعوالم: ٣٠.
(٧٩) الإرشاد: ١ / ١٥.
(٨٠) حياة الإمام الحسن: ١ / ٦٧، وسيرة الأئمة الإثني عشر للحسني: ١ / ٥١٣، وصلح الإمام الحسن لفضل الله ـ ١٥ عن الغزالي في إحياء العلوم. وحول شبهه (عليه السلام) بجدّه راجع: تاريخ اليعقوبي: ٢ / ٢٢٦ ط. صادر، والبحار ج١٠، وأعيان الشيعة ج٤، وذكر ذلك العلاّمة المحقّق الأحمدي عن كشف الغمة: ١٥٤، والفصول المهمة للمالكي، والإصابة: ١ / ٣٢٨، وكفاية الطالب ٢٦٧، وتهذيب تاريخ ابن عساكر: ٤ / ٢٠٢، وينابيع المودة: ١٣٧، وتاريخ الخلفاء: ١٢٦ ـ ١٢٧، والتنبيه والاشراف: ٢٦١.
(٨١) راجع كتاب أهل البيت تأليف توفيق أبو علم: ٣٠٧، والارشاد للمفيد ٢٢٠، وكشف الغمة للأربلي:
٢ / ١٥٩، وعلل الشرائع: ١ / ٢١١، والمناقب لابن شهر آشوب: ٣ / ٣٦٧ وعبر عنه بالخبر المشهور.
(٨٢) اثبات الهداة: ٥ / ٥٢، والإتحاف بحب الأشراف: ١٢٩.
(٨٣) ينابيع المودة: ١٦٨، وإثبات الهداة: ٥ / ١٢٩.
(٨٤) فرائد السمطين: ٢ / ٣٥، وأمالي الصدوق: ١٠١. وحول ما يثبت إمامة الإمام الحسن (عليه السلام) راجع: ينابيع المودة: ص٤٤١ و٤٤٢ و٤٤٣ و٤٨٧ عن المناقب، وفرائد السمطين: ٢ / ١٤٠ ـ ١٣٤ ـ١٥٣ ـ ٢٥٩ وفي هوامشه عن المصادر التالية: غاية المرام: ٣٩، وكفاية الأثر المطبوع في آخر الخرائج والجرائح: ٢٨٩، وعيون أخبار الرضا: باب ٦ ص٣٢، وبحار الأنوار: ٣ / ٣٠٣ و٣٦ / ٢٨٣ و٤٣ / ٢٤٨.
(٨٥) راجع سنن الترمذي: ٥ / ٦٩٩، وسنن ابن ماجة: ١ / ٥٢، وينابيع المودة: ١٦٥ و٢٣٠ و٢٦١ و٣٧٠ عن جامع الاصول وغيره.
(٨٦) أهل البيت تأليف توفيق أبو علم: ٢٧٤، وراجع سنن ابن ماجة: ١ / ٥١.
(٨٧) نسب قريش لمصعب الزبيري: ص٢٣ ـ ٢٥.
(٨٨) تهذيب تاريخ ابن عساكر: ٤ / ٢٠٥ و٢٠٦ و٢٠٧، والغدير: ٧ / ١٢٤.
(٨٩) راجع الكثير من هذه النصوص في المصدرين السابقين، وسيرتنا وسنتنا: ١١ ـ ١٥، وفضائل الخمسة من الصحاح الستة، وفرائد السمطين، وترجمة الحسن وترجمة الحسين من تاريخ ابن عساكر بتحقيق المحمودي، والفصول المهمة للمالكي، وترجمة الإمام الحسن من أنساب الأشراف، ونور الأبصار.
(٩٠) من البهلة: وهي اللعنة، ثم كثر استعمال الابتهال في المسألة والدعاء إذا كان بإلحاح.
(٩١) آل عمران (٣): ٥٩ ـ ٦١.
(٩٢) راجع تفسير القمي: ١ / ١٠٤، والقرشي: ١ / ٨٨ ـ ٩١. وقد روى قضية المباهلة بأهل الكساء ـ بالاختصار تارة وبالتفصيل اُخرى ـ جم غفير من الحفاظ والمفسّرين، راجع الحياة السياسية للإمام الحسن: ص١٨ ـ ١٩، وراجع الميزان في تفسير القرآن: ٣ / ٣٦٨ طبعة الأعلمي.
(٩٣) مجمع البيان: ٢ / ٤٥٢، وراجع التبيان: ٢ / ٤٨٥، وتفسير الرازي: ٨ / ٨٠، وحقائق التأويل ١١٤ وفيه: أجمع العلماء... الخ.
(٩٤) الكشاف: ١ / ٣٧٠، وراجع الصواعق المحرقة: ص١٥٣ عنه، وراجع الإرشاد للمفيد: ص٩٩، وتفسير الميزان: ٣ / ٢٣٨.
(٩٥) مريم (١٩): ٢٩ ـ ٣٠.
(٩٦) مريم (١٩): ١٢.
(٩٧) راجع تفسير الميزان: ٣ / ٢٢٤، ودلائل الصدق: ٣ / قسم١ ص٨٤.
(٩٨) نقله عنه أبو حيّان في (البحر المحيط) في تفسير آية المباهلة.
(٩٩) راجع: الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله): ١ / ٤٥ ـ ٤٧.
(١٠٠) تفسير الرازي: ٨ / ٨١، وفتح القدير: ١ / ٣٤٧، وتفسير النيسابوري بهامش تفسير الطبري: ٣ / ٢١٤، والتبيان: ٢ / ٤٨٥ عن أبي بكر الرازي (وهو غير الفخر الرازي)، ومجمع البيان: ٢ / ٤٥٢، والغدير: ٧ / ١٢٢ عنه وعن تفسير القرطبي: ٤ / ١٠٤.
(١٠١) راجع: الحياة السياسية للإمام الحسن: ٢٧ ـ ٢٨.
(١٠٢) كشف الغمة للاربلي: ٢ / ١٧٣، ط دار الأضواء.
(١٠٣) ينابيع المودة: ٤٧٩ عن الزرندي المدني وص٤٨٢ و٥٢، وتفسير البرهان: ١ / ٢٨٦.
(١٠٤) تفسير الرازي: ١٣ / ٦٦، وفضائل الخمسة من الصحاح الستة: ١ / ٢٤٧ عنه.
(١٠٥) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٢٠ / ٣٣٤.
(١٠٦) مستدرك الحاكم: ٣ / ١٧٢، وذخائر العقبى ١٣٨ عن الدولابي.
(١٠٧) المناقب لابن شهر آشوب: ٤ / ١٢ عن العقد الفريد والمدائني.
(١٠٨) الأموال: ص٢٧٩ ـ ٢٨٠، وراجع التراتيب الادارية: ١ / ٢٧٤.
(١٠٩) الحياة السياسية للإمام الحسن، للعاملي: ٤٤.
(١١٠) الإرشاد: ٢١٩، وفدك للقزويني هامش: ١٦ عنه.
(١١١) راجع علل الشرائع: ١ / ٢١١.
(١١٢) راجع علل الشرائع: ١ / ٢١١.
(١١٣) تاريخ الخلفاء للسيوطي: ٨٠، الصواعق المحرقة: ١٧٥.
(١١٤) الغدير: ١ / ١٩٨.
(١١٥) راجع مكاتيب الرسول (صلى الله عليه وآله): ١ / ٥٩ ـ ٨٩.
(١١٦) الناقة السلوب: التي مات ولدها، أو ألقته لغير تمام.
(١١٧) مرقت البيضة: فسدت.
(١١٨) المناقب لابن شهر آشوب: ٤ / ١٠.
(١١٩) الإمامة والسياسة: ١ / ٢٨.
(١٢٠) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٨ / ٢٥٣، والغدير: ٨ / ٣٠١، وروضة الكافي: ٨ / ٢٠٧.
(١٢١) العبر (تاريخ ابن خلدون): ١ / ١٢٨.
(١٢٢) مستدرك الحاكم: ٣ / ٤٤٢ ـ ٤٤٣.
(١٢٣) المصنف لعبد الرزاق: ١١ / ٢٤٥ فما بعدها.
(١٢٤) تاريخ الدولة العربية: ٢٣٥، وتاريخ التمدن الإسلامي: ١ / ٢٧٣ ـ ٢٧٤.
(١٢٥) المصنف: ٦ / ٩٤.
(١٢٦) سنن البيهقي: ٩ / ٢١٦.
(١٢٧) الرفغ: الأرض الكثيرة التراب.
(١٢٨) العراق في العصر الاُموي ١١ عن الطبري: ٤ / ٩.
(١٢٩) المصنف: ٥ / ٢٢٢ و٢٢٣.
(١٣٠) المحاسن والمساوي: ٢ / ٢٢٢.
(١٣١) يلاحظ أنّ هؤلاء قد كانوا عمّاله باستثناء عمرو بن العاص، فإنّه كان معزولاً آنئذ.
(١٣٢) من الطريف أن يستشير عثمان نفس اُولئك الذين يطالب الناس بعزلهم في أمر الغزو.
(١٣٣) التجمير: حبس الجيش في أرض العدو.
(١٣٤) تاريخ الطبري: ٣ / ٣٧٣ ـ ٣٧٤.
(١٣٥) الوسائل ١١: ٣٢ فصاعداً، والكافي: ٥ / ٢٠.
(١٣٦) التهذيب: ٦ / ١٢٧، والكافي: ٥ / ١٩، والوسائل: ١١ / ٣٢.
(١٣٧) الوسائل: ١١ / ٢١ ـ ٢٢ عن قرب الاسناد ص١٥٠، والتهذيب: ٦ / ١٣٤، والكافي: ٥ / ٢١.
(١٣٨) الوسائل: ١١ / ٢٢، والكافي: ٥ / ٢١، والتهذيب: ٦ / ١٢٥.
(١٣٩) الوسائل: ١١ / ٣٤.
(١٤٠) الفتوح لابن أعثم، الترجمة الفارسية: ١٢٦.
(١٤١) والبحث يحتاج الى تحقيق أعمق وأوسع لا يتناسب مع هذا الكتاب.
(١٤٢) نهج البلاغة بشرح محمد عبده: ٢ / ٢١٢، وتاريخ الطبري: حوادث سنة ٣٧: ٤ / ٤٤.
(١٤٣) راجع الصواعق المحرقة: ١١٥ ـ ١١٦، ومروج الذهب: ٢ / ٣٤٤ ـ ٣٤٥، والإمامة والسياسة: ١ / ٤٤ و٤٢ و٤٣، وأنساب الأشراف: ٥ / ٦٩ و٧٠ و٧٤ و٩٣ و٩٥، والبدء والتاريخ: ٥ / ٢٠٦، وتاريخ مختصر الدول ١٠٥.
(١٤٤) راجع: حياة الإمام الحسن (عليه السلام) للقرشي: ١ / ١١٥ ـ ١١٦.
(١٤٥) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٣ / ٨.
(١٤٦) سيرة الأئمة الإثني عشر: ١ / ٤٢٨.
(١٤٧) صلح الإمام الحسن لآل ياسين: ٥٠ ـ ٥١.
(١٤٨) الغدير: ٩ / ٦٩ ـ ٧٧ عن مصادر كثيرة.
(١٤٩) نهج البلاغة: ١ / ٧٢ بشرح عبده، الخطبة رقم ٢٩.
(١٥٠) راجع هذه الأجوبة في كتاب الغدير: ٩ / ٧٠.
(١٥١) نهج البلاغة بشرح عبده: ٢ / ٢٦١، والغدير: ٩ / ٦٠.
(١٥٢) نهج البلاغة بشرح عبده: ٢ / ٢٦١، والغدير: ٩ / ٦٠.
(١٥٣) الحياة السياسية للإمام الحسن: ١٥٠ ـ ١٥١.
(١٥٤) الفتوح لابن أعثم: ٢ / ٢٢٨.
(١٥٥) المحاسن والمساوي: ١ / ١٣٥.
(١٥٦) الفتنة الكبرى قسم: علي وبنوه ١٧٦، وأنساب الأشراف: ٣ / ١٢ بتحقيق المحمودي.
(١٥٧) أنساب الأشراف: ٢ / ٢١٦ ـ ٢١٧، وتاريخ الطبري: ٣ / ٤٧٤.
(١٥٨) راجع سيرة الأئمة الاثني عشر: ١ / ٥٤٢ ـ ٥٤٤ وغير ذلك.
(١٥٩) أنساب الاشراف، بتحقيق المحمودي ترجمة الإمام الحسن: ١٢ الطبعة الاُولى، دار التعارف ـ بيروت.
(١٦٠) أمالي المفيد: ٤٩.
(١٦١) ينابيع المودة: ٤٨ وعن الأمالي للطوسي: ٥٦.
(١٦٢) ينابيع المودة: ٢١.
(١٦٣) كشف الغمة للاربلي: ١ / ١٤٣ ـ ١٤٨.
(١٦٤) أنساب الأشراف: بيعة الإمام عليّ بن أبي طالب: ٢٠٥ ـ ٢١٩، تحقيق المحمودي.
(١٦٥) تأريخ الطبري: ٣ / ٤٥٠، مؤسسة الأعلمي ـ بيروت.
(١٦٦) اليعقوبي: ٢ / ٧٥.
(١٦٧) الفتوح: ١ ـ ٢ / ٤٣٦، الاُمم والملوك: ٣ / ٤٥٦.
(١٦٨) راجع الكامل: ٣ / ٩٨ ـ ٩٩، واليعقوبي: ٢ / ٧٥، الفتوح: ١ ـ ٢ / ٤٣٦.
(١٦٩) حياة الإمام الحسن: ١ / ٣٨٤ عن الفتوح: ٢ / ٢٥٨ ـ ٢٥٩.
(١٧٠) نهج البلاغة: ٣٣٦، طبعة صبحي الصالح، رقم ٢١٧، الخطبة ٣٣.
(١٧١) راجع سيرة الأئمة الاثني عشر للسيد هاشم معروف الحسني: ١ / ٣٩٠ ـ ٣٩٣.
(١٧٢) الطبري: ٣ / ٣٩٣ و٣٩٤.
(١٧٣) الطبري: ٣ / ٣٩٣ و٣٩٤.
(١٧٤) حياة الإمام الحسن للقرشي: ١ / ٤٣٤.
(١٧٥) النساء (٤): ٢٩.
(١٧٦) النساء (٤): ٩٣.
(١٧٧) حياة الإمام الحسن للقرشي: ١ / ٤٣٤ ـ ٤٣٥.
(١٧٨) حياة الإمام الحسن: ١ / ٤٣٦.
(١٧٩) حياة الإمام الحسن: ١ / ٤٣٧.
(١٨٠) حياة الإمام الحسن: ١ / ٤٣٨.
(١٨١) الغدير: ٢ / ٧٦.
(١٨٢) ذي قار: ماء لبكر بن وائل قريب من الكوفة يقع بينها وبين واسط. معجم البلدان: ٧ / ٨.
(١٨٣) الزاوية: موضع قريب من البصرة. معجم البلدان: ٤ / ٣٧.
(١٨٤) حياة الإمام الحسن للقرشي: ١ / ٤٤٢ ـ ٤٤٣.
(١٨٥) حياة الإمام الحسن: ١ / ٤٤٤.
(١٨٦) زندگانى إمام حسن مجتبى، للسيد هاشم رسولي: ١٣٨.
(١٨٧) بحار الأنوار: ٤٣ / ٣٥٨.
(١٨٨) زندگانى أمير المؤمنين: ٢ / ٥٢ ـ ٥٧ فقد نقل كلمات التأييد التي اُلقيت آنذاك.
(١٨٩) الامتناع: العزّة والقوة.
(١٩٠) الجوائح: جمع، مفردها جائحة وهي الدواهي والشدائد.
(١٩١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ١ / ٢٨٣.
(١٩٢) مناقب ابن شهرآشوب: ٣ / ١٦٨.
(١٩٣) حياة الإمام الحسن: ١ / ٤٩٢.
(١٩٤) المصدر السابق: ٤٩٢ ـ ٤٩٣.
(١٩٥) الخلوق: الطيب.
(١٩٦) حياة الإمام الحسن: ٤٩٢ ـ ٤٩٣.
(١٩٧) حياة الإمام الحسن: ٤٩٢ ـ ٤٩٣.
(١٩٨) حياة الإمام الحسن: ٤٩٢ ـ ٤٩٣.
(١٩٩) يهدّني: أي يهلكني.
(٢٠٠) أنفس: أبخل.
(٢٠١) حياة الإمام الحسن: ١ / ٤٩٧.
(٢٠٢) وفي رواية ابن قتيبة في الإمامة والسياسة: ١ / ١٤٤ (أنه لم يستأمر الرجل في نفسه ولا علم ما عنده من رد أو قبول).
(٢٠٣) حياة الإمام الحسن: ١ / ٥٣٠ ـ ٥٣٢.
(٢٠٤) المقر للزمان: المعترف له بالشدة.
(٢٠٥) الراحل.
(٢٠٦) غرض الأسقام: هدف الأمراض ترمي إليه سهامها.
(٢٠٧) الرهينة: المرهونة.
(٢٠٨) ما أصاب السهم.
(٢٠٩) جموح الدهر: استقصاؤه وتغلّبه.
(٢١٠) يزعني: يكفّني ويصدني.
(٢١١) ما ورائي: كناية عن أمر الآخرة.
(٢١٢) صدفه: صرفه.
(٢١٣) محض الأمر: خالصه.
(٢١٤) مستظهراً به: مستعيناً به.
(٢١٥) قرره بالفناء: اطلب منه بالإقرار بالفناء.
(٢١٦) الغمرات: الشدائد.
(٢١٧) الكهف: الملجأ.
(٢١٨) حريز: الحافظ.
(٢١٩) شفقتك: خوفك.
(٢٢٠) لم آلك النصيحة: أي لم أقصّر في نصيحتك.
(٢٢١) خطره: أي قدره.
(٢٢٢) استحسان ما يصدر عن النفس مطلقاً.
(٢٢٣) آفة: علّة.
(٢٢٤) الكدح: أشد السعي.
(٢٢٥) خازناً لغيرك: تجمع المال ليأخذه الوارثون بعدك.
(٢٢٦) شآبيب: جمع الشؤبوب ـ بالضم ـ وهو الدفعة من المطر، وما أشبه رحمة الله بالمطر ينزل على الأرض الموات فيحييها.
(٢٢٧) القنوط: اليأس.
(٢٢٨) الحِذر ـ بالكسر ـ: الاحتراز والاحتراس.
(٢٢٩) بهر ـ كمنع ـ: غلب، أي يغلبك على أمرك.
(٢٣٠) إخلاد أهل الدنيا: سكونهم اليها.
(٢٣١) التكالب: التواثب.
(٢٣٢) نعاه: أخبر بموته. والدنيا بحالها عن فنائها.
(٢٣٣) ضارية: مولعة بالافتراس.
(٢٣٤) يهرّ ـ بكسر الهاء ـ: يعوي وينبح وأصلها هرير الكلب وهو صوته دون حاجة من قلة صبره على البرد فقد شبه الإمام أهل الدنيا بالكلاب العاوية.
(٢٣٥) خفّض: أمر من خفّض ـ بالتشديد ـ: أي ارفق.
(٢٣٦) أجمل في كسبه: أي سعى سعياً جميلاً لا يحرص فيمنع الحق ولا يطمع فيتناول ما ليس بحق.
(٢٣٧) حَرَب ـ بالتحريك ـ: سلب المال.
(٢٣٨) الدنيّة: الشيء الحقير المبتذل.
(٢٣٩) الرغائب: جمع رغيبة، وهي ما يرغب في اقتنائه من مال وغيره.
(٢٤٠) عِوضاً: بدلاً.
(٢٤١) اليُسر: السهولة، والمراد سعة العيش.
(٢٤٢) العُسر: الصعوبة، والمراد ضيق العيش.
(٢٤٣) توجف: تسرع.
(٢٤٤) المطايا: جمع مطية، وهي ما يركب ويمتطى من الدواب ونحوها.
(٢٤٥) المناهل: ما ترده الإبل ونحوها للشرب.
(٢٤٦) الهلكة: الهلاك والموت.
(٢٤٧) مثواك: مُقامك، من ثوى يثوي: أقام يقيم، والمراد هنا منزلتك من الكرامة.
(٢٤٨) تفلّت ـ بتشديد اللام ـ: أي تملّص من اليد فلم تحفظه.
(٢٤٩) لقمان (٣١): ٣٤.
(٢٥٠) حياة الإمام الحسن: ١ / ٥٥٧ ـ ٥٥٨.
(٢٥١) جميع النصوص التي وردت تحت عنوان (بجوار والده (عليه السلام) الجريح) نقلت عن: زندگانى امام حسن مجتبى (عليه السلام) ١٥٣ ـ ١٥٤.
(٢٥٢) أثير بن عمرو السكوني، كان أحد الأطباء الماهرين يعالج الجراحات الصعبة، وكان صاحب كرسي، وله تنسب صحراء أثير.
(٢٥٣) الاستيعاب: ٢ / ٦٢.
(٢٥٤) المعنى: لا تطلبا الدنيا، وإن طلبتكما.
(٢٥٥) لا تغبوا أفواههم: أي لا تقطعوا صلتكم عنهم وصلوا أفواههم بالطعام دوماً.
(٢٥٦) لم تناظروا، مبني للمجهول: أي يتعجّل الانتقام منكم. شرح نهج البلاغة ابن أبى الحديد: ١٧ / ١١.
(٢٥٧) التباذل: العطاء.
(٢٥٨) لا ألفينكم: أي لأجدنكم تخوضون دماء المسلمين بالسفك انتقاماً منهم بقتلي.
(٢٥٩) شرح نهج البلاغة محمد عبده: ٣ / ٨٥.
(٢٦٠) تاريخ ابن الأثير: ٣ / ١٧٠.
(٢٦١) حياة الإمام الحسن: ١ / ٥٦٣ ـ ٥٦٦.
(٢٦٢) اُصول الكافي: ١ / ٢٩٧ ـ ٢٩٨.
(٢٦٣) حياة الإمام الحسن: ١ / ٥٦٨ ـ ٥٦٩.
(٢٦٤) راجع أعيان الشيعة: ١ / ٥٢٤ طبعة دار التعارف سيرة المؤمنين (مبحث الخوارج) عن ابن الأثير.
(٢٦٥) راجع أعيان الشيعة: ١ / ٥٢٤ طبعة دار التعارف سيرة المؤمنين (مبحث الخوارج) عن ابن الأثير.
(٢٦٦) راجع أعيان الشيعة: ١ / ٥٢٥ ـ ٥٢٦.
(٢٦٧) تأريخ اليعقوبي: ٢ / ١٩٥ ـ ١٩٩.
(٢٦٨) تأريخ اليعقوبي: ٢ / ١٩٣ ـ ١٩٤.
(٢٦٩) راجع اعيان الشيعة: ١ / ٥٢٨ ـ ٥٣٠، وتاريخ اليعقوبي: ٢ / ١٩٥ ـ ٢٠٠.
(٢٧٠) نهج البلاغة الخطبة ١٧٧، طبعة محمد عبده.
(٢٧١) راجع سيرة الأئمة الاثني عشر: ١ / ٤٤٦ ـ ٤٥١.
(٢٧٢) الأمالي: ١٩٢.
(٢٧٣) الشورى (٢٣): ٣٣.
(٢٧٤) علاوة على الإرشاد، نُقلت الرواية في أمالي الطوسي وتفسير فرات، كما أنّ الكثير من كتب أهل السنة نقلت ما يماثل الروايتين، راجع (ملحقات إحقاق الحق): ١١ / ١٨٢ ـ ١٩٣.
(٢٧٥) مقاتل الطالبيين: ٣٤.
(٢٧٦) الإرشاد: ٤ / ١٥.
(٢٧٧) أعيان الشيعة: ٤ / ١٤.
(٢٧٨) مقاتل الطالبيين: ٣٥ طبعة المكتبة الحيدرية ـ النجف ١٣٨٥.
(٢٧٩) تاريخ اليعقوبي: ٢ / ١٩١، وتاريخ الطبري: ٦ / ٨٦، ومقاتل الطالبيين: ١٦، وتاريخ ابن الاثير: ٣ / ١٧٠.
(٢٨٠) مقاتل الطالبيين: ٣٣.
(٢٨١) مقاتل الطالبيين: ٣٣.
(٢٨٢) مقاتل الطالبيين: ٣٨.
(٢٨٣) مقاتل الطالبيين: ٥٦ ـ ٥٥.
(٢٨٤) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٤ / ١٣.
(٢٨٥) مقاتل الطالبيين: ٣٨ ـ ٣٩.
(٢٨٦) جسر منبج: بلد قديم، المسافة بينه وبين حلب يومان.
(٢٨٧) حياة الإمام الحسن: ٢ / ٧١.
(٢٨٨) صلح الإمام الحسن: ٦٥، دار الغدير للطباعة والنشر ـ بيروت ـ ط. ١٩٧٣.
(٢٨٩) أعيان الشيعة: ٤ / ١٩.
(٢٩٠) أعيان الشيعة: ٤ / ١٩ ـ ٢٠.
(٢٩١) المصدر السابق.
(٢٩٢) صلح الإمام الحسن: ٧٠.
(٢٩٣) حياة الإمام الحسن: ٢ / ٧٦.
(٢٩٤) موضع قريب من (أوانا) على نهر الدجيل، وبها كانت الواقعة بين عبد الملك بن مروان ومصعب بن الزبير سنة / ٧٢ هـ.
(٢٩٥) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ١٦ / ٤٢.
(٢٩٦) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ١٦ / ٤٢.
(٢٩٧) مقاتل الطالبيين: ٣٥.
(٢٩٨) مقاتل الطالبيين: ٣٥.
(٢٩٩) أعيان الشيعة: ٤ / ٢٢.
(٣٠٠) أعيان الشيعة: ٤ / ٢٢.
(٣٠١) المصدر السابق.
(٣٠٢) صلح الإمام الحسن (عليه السلام): ٨٠.
(٣٠٣) صلح الإمام الحسن (عليه السلام): ٨١.
(٣٠٤) تأريخ اليعقوبي: ٢ / ١٩١.
(٣٠٥) تأريخ اليعقوبي: ٢ / ١٩١.
(٣٠٦) تأريخ ابن الأثير: ٣ / ٢٠٣.
(٣٠٧) تأريخ اليعقوبي: ٢ / ١٩١.
(٣٠٨) حياة الإمام الحسن: ٢ / ١٠٦.
(٣٠٩) الإرشاد: ١٩٠.
(٣١٠) ينابيع المودة: ٢٩٢.
(٣١١) الإرشاد: ١٩٠ ـ ١٩١.
(٣١٢) تاريخ الطبري: ٤ / ١٢٢، وتذكرة الخواص لابن الجوزي: ١١٢.
(٣١٣) بحار الأنوار: ٤٤ / ٢١.
(٣١٤) بحار الأنوار: ٤٤ / ٢١.
(٣١٥) بحار الأنوار: ٤٤ / ٢١.
(٣١٦) يراجع صلح الحسن، لآل ياسين: ص٢٥٩، وقد اعتمد في نقله على اُمهات الكتب والمصادر التاريخية كالطبري وابن الاثير وابن قتيبة والمقاتل وغيرها.
(٣١٧) زندگانى امام حسن: ٢٢٣.
(٣١٨) علل الشرايع: ٢٠٠.
(٣١٩) بحار الأنوار: ٤٤ / ١٩.
(٣٢٠) الاحتجاج للطبرسي: ١٤٨.
(٣٢١) بحار الأنوار: ٤٤ / ٢٢.
(٣٢٢) ينابيع المودة: ٢٩٣.
(٣٢٣) بحار الأنوار: ٤٤ / ٢١ ـ ٢٨.
(٣٢٤) صلح الحسن للشيخ راضي آل ياسين: ٣٧١ ـ ٣٧٢.
(٣٢٥) للتعرّف على عداء معاوية وموبقاته التي تمثّلت في تعطيله الحدود الإلهية وتحريف الأحكام الشرعية وشرائه لأديان الناس وضمائرهم وخلاعته ومجونه وافتعاله للحديث وغيرها من المنكرات الفظيعة، راجع حياة الإمام الحسن: ٢ / ١٤٥ ـ ٢١٠.
(٣٢٦) صلح الإمام الحسن: ٢٨٥ عن المدائني، وراجع أيضاً شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٤ / ١٦، وتأريخ اليعقوبي: ٢ / ١٩٢.
(٣٢٧) راجع مقدمة صلح الإمام الحسن للشيخ راضي آل ياسين.
(٣٢٨) قال جابر بن سمرة: (ما رأيت رسول الله يخطب إلاّ وهو قائم، فمن حدّثك أنّه خطب وهو جالس فكذّبه) رواه الجزائري في آيات الأحكام: ٧٥، والظاهر أن معاوية أول من خطب وهو جالس.
(٣٢٩) تاريخ اليعقوبي: ٢ / ١٩٢.
(٣٣٠) صلح الإمام الحسن: ٢٨٥ عن المدائني.
(٣٣١) شرح نهج البلاغة: ٤ / ١٦.
(٣٣٢) نقل نص الخطاب الشيخ آل ياسين في (صلح الإمام الحسن): ٢٨٦ ـ ٢٨٩.
(٣٣٣) حياة الإمام الحسن: ٢ / ٢٦٧.
(٣٣٤) نفس المصدر: ٢ / ٢٦٧ ـ ٢٦٨.
(٣٣٥) نفس المصدر: ٢٦٨.
(٣٣٦) راجع لمزيد من التفصيل مقاتل الطالبيين. وحياة الإمام الحسن.
(٣٣٧) اُسد الغابة: ١ / ٣٨٦.
(٣٣٨) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ١٦ / ١٥.
(٣٣٩) حياة الإمام الحسن: ٢ / ٢٧٤.
(٣٤٠) مناقب ابن شهر آشوب: ٤ / ٣٥، طبعة قم.
(٣٤١) حياة الإمام الحسن: ٢ / ٢٧٧.
(٣٤٢) حياة الإمام الحسن: ٢ / ٢٨٥ ـ ٢٨٦.
(٣٤٣) تحفة الأنام للفاخوري: ٦٧.
(٣٤٤) حياة الإمام الحسن: ٢ / ٢٨٧.
(٣٤٥) تاريخ ابن عساكر: ج١٢، صورة فوتوغرافية في مكتبة الإمام أمير المؤمنين.
(٣٤٦) شرح ابن أبي الحديد: ١ / ٣٦٤.
(٣٤٧) حياة الإمام الحسن: ٢ / ٢٨٨ ـ ٢٨٩.
(٣٤٨) حياة الإمام الحسن: ٢ / ٢٨٩ ـ ٢٩٠.
(٣٤٩) راجع حياة الإمام الحسن: ٢ / ٢٩٣.
(٣٥٠) كانت سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مهر أزواجه وبناته أربعمائة درهم.
(٣٥١) مقتل الحسين للخوارزمي: ١ / ١٢٤.
(٣٥٢) الظنوب: العظم اليابس من الساق.
(٣٥٣) البعير الشارف: المسنّ الهرم.
(٣٥٤) راجع حياة الإمام الحسن: ٢ / ٢٩٧ ـ ٢٩٩ عن الخوارزمي.
(٣٥٥) جامع أسرار العلماء، مخطوط بمكتبة كاشف الغطاء العامة.
(٣٥٦) حياة الإمام الحسن: ٢ / ٣٠٣ ـ ٣٠٤.
(٣٥٧) حياة الإمام الحسن: ٢ / ٣٠٦، عن روضة الواعظين للنيسابوري.
(٣٥٨) الإسراء (١٧): ١٦.
(٣٥٩) أعيان الشيعة: ٤ / ٣٥، وراجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد أيضاً: ٢ / ١٠١.
(٣٦٠) صلح الإمام الحسن: ١٤٢.
(٣٦١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٣ / ١٥.
(٣٦٢) صلح الإمام الحسن: ١٥٤.
(٣٦٣) الكامل في التاريخ لابن الأثير: ٣ / ١٦٢.
(٣٦٤) راجع: صلح الإمام الحسن: ٣١٧، في فصل الوفاء بالشروط، وحياة الإمام الحسن: ٢ / ٣٥٦ ـ ٤٢٣.
(٣٦٥) صلح الإمام الحسن: ٣٦٢.
(٣٦٦) صلح الإمام الحسن: ٣٦٥. وقد اشتهرت كلمة معاوية: (إنّ لله جنوداً من عسل).
(٣٦٧) صلح الإمام الحسن: ٣٦٥.
(٣٦٨) المسعودي، بهامش ابن الأثير: ٦ / ٥٥.
(٣٦٩) هي الكوة التي تؤدي الضوء إلى البيت، والباب الصغير في الباب الكبير.
(٣٧٠) صلح الإمام الحسن: ٣٦٥ ـ ٣٦٦.
(٣٧١) راجع طبقات ابن سعد ومقاتل الطالبيين ومستدرك الحاكم وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٤ / ١٧، وتذكرة الخواص: ٢٢٢، والاستيعاب: ١ / ٣٧٤، وكلّها مصادر غير إمامية.
(٣٧٢) أعيان الشيعة: ٤ / ٨٥.
(٣٧٣) أمالي الصدوق: ١٣٣.
(٣٧٤) أعيان الشيعة: ٤ / ٧٩.
(٣٧٥) حياة الإمام الحسن: ٢ / ٤٨٧ ـ ٤٨٩.
(٣٧٦) تذكرة الخواص: ٢٣، وتاريخ ابن عساكر: ٤ / ٢٢٦، وحلية الأولياء: ٢ / ٣٨، وصفوة الصفوة: ١ / ٣٢٠.
(٣٧٧) اختلف المؤرّخون في السنة التي توفّي فيها الإمام فقيل: سنة ٤٩ هـ، ذهب إلى ذلك ابن الأثير وابن حجر في تهذيب التهذيب، وقيل: سنة ٥١ هـ، ذهب إلى ذلك الخطيب البغدادي في تاريخه وابن قتيبة في الإمامة والسياسة، وقيل غير ذلك، وأمّا الشهر الذي استشهد فيه فقد اختلف فيه أيضاً، فقيل: في ربيع الأول لخمس بقين منه، وقيل: في صفر لليلتين بقيتا منه، وقيل: يوم العاشر من المحرم يوم الأحد سنة ٤٥ من الهجرة كما في المسامرات (ص٢٦)، وثمّة قول آخر: إنّه استشهد (عليه السلام) في السابع من صفر.
(٣٧٨) تهذيب التهذيب: ٢ / ٣٠١، وتاريخ ابن عساكر: ٤ / ٢٢٧.
(٣٧٩) أعيان الشيعة: ٤ / ٨٠.
(٣٨٠) تاريخ ابن عساكر: ٨ / ٢٢٨.
(٣٨١) الإصابة: ١ / ٣٣٠.
(٣٨٢) حياة الإمام الحسن: ٢ / ٤٩٩ عن كفاية الطالب: ٢٦٨.
(٣٨٣) حياة الإمام الحسن: ٢ / ٥٠٠.
(٣٨٤) الأنبياء (٢١): ٧٣.
(٣٨٥) الجمعة (٦٢): ٢.
(٣٨٦) عن الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي: ١٤٢.
(٣٨٧) نور الأبصار: ١١٠.
(٣٨٨) الأئمة الاثنا عشر: ٣٧.
(٣٨٩) حياة الإمام الحسن: ١ / ٣٤٣، ٣٤٦.
(٣٩٠) حياة الإمام الحسن: ١ / ٣٥٧.
(٣٩١) حياة الإمام الحسن دراسة وتحليل: ١ / ٣٤٦ ـ ٣٤٧ عن كشف الغمة وإرشاد القلوب.
(٣٩٢) حياة الإمام الحسن دراسة وتحليل: ١ / ٣٤٦ ـ ٣٤٧ عن كشف الغمة وإرشاد القلوب.
(٣٩٣) المصدر السابق: ١ / ٣٦٠ عن تحف العقول.
(٣٩٤) حياة الإمام الحسن: ١ / ٣٦٢ عن الفصول المهمة لابن الصبّاغ المالكي: ١٦٠.
(٣٩٥) الأشدق: البليغ المفوّه.
(٣٩٦) راجع الموفقيات: ٣٥٤ ـ ٣٥٩، أنساب الأشراف: ١ / ٣٩٠ والمختصر في الشمائل المحمدية للترمذي: ٣٩.
(٣٩٧) بحار الأنوار: ٤٣ / ٣٥١.
(٣٩٨) حياة الإمام الحسن: ١ / ٣٣٥ ـ ٣٤٠ عن توحيد الصدوق.
(٣٩٩) رسائل جمهرة العرب: ٢ / ٢٥.
(٤٠٠) مجمع البحرين: (مادة جود).
(٤٠١) حياة الإمام الحسن: ١ / ٣٦٠، عن تحف العقول.
(٤٠٢) جلاء العيون: ١ / ٣٢٨.
(٤٠٣) مروج الذهب: ٢ / ٣٠٦.
(٤٠٤) حياة الإمام الحسن: ١ / ٣٦٣.
(٤٠٥) حياة الإمام الحسن: ١ / ٣٦٥، نقلاً عن ينابيع المودّة: ٣ / ١٥١.
(٤٠٦) راجع معجم أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام): ٣ / ١٦٥ لتقف على مصادر هذا الحديث.
(٤٠٧) معجم أحاديث الإمام المهدي: ٣ / ١٦٧.
(٤٠٨) أي: أخذه تحت حمايته.
(٤٠٩) راجع تاريخ اليعقوبي: ٢ / ٢٠٦.
(٤١٠) حياة الإمام الحسن: ١ / ٣٤٣.
(٤١١) الجواب الثاني كان على سؤال معاوية، راجع تاريخ اليعقوبي: ٢٠٢.
(٤١٢) الإمام المجتبى (حسن المصطفوي): ٢٤٥ عن مطالب السؤول.
(٤١٣) راجع حياة الإمام الحسن: ١ / ٣٤٣.
(٤١٤) المصدر السابق: ١ / ٣٤٤ ـ ٣٤٥.
(٤١٥) المصدر السابق: ١ / ٣٤٤ ـ ٣٤٥.
(٤١٦) المصدر السابق: ١ / ٣٤١ وأجاب في نص آخر عن الذلّ واللؤم قائلاً: (من لا يغضب من الحقوة ولا يشكر على النعمة).
(٤١٧) حياة الإمام الحسن: ١ / ٣٤١ ـ ٣٤٤، عن تاريخ ابن كثير: ٨ / ٣٩.
(٤١٨) تاريخ اليعقوبي: ٢ / ٢٠٢.
(٤١٩) حياة الإمام الحسن: ١ / ٣٤٥، عن نور الأبصار: ١١٠.
(٤٢٠) تحف العقول: ٥٥.
(٤٢١) تاريخ اليعقوبي: ٢ / ٢٠٢.
(٤٢٢) تحف العقول: ٥٥.
(٤٢٣) عيون الاخبار لابن قتيبة: ٣ / ٣.
(٤٢٤) حياة الإمام الحسن: ١ / ٣٥١.
(٤٢٥) رضراض: ما صغر من الحصى.
(٤٢٦) رجال إصبهان: ١ / ٣٣١.
(٤٢٧) مستدرك الحاكم: ٤ / ٢٣٠.
(٤٢٨) التهذيب لابن عساكر: ٤ / ١٩٩.
(٤٢٩) حياة الإمام الحسن: ١ / ٣٦٨.
(٤٣٠) سنن البيهقي: ٧ / ٣٢٠.
(٤٣١) مهج الدعوات: ٤٧.
(٤٣٢) مهج الدعوات: ٢٩٧.
(٤٣٣) تحف العقول: ٢٣١.
(٤٣٤) راجع حياة الإمام الحسن: ٢ / ٢٩٨ ـ ٣٠٠.
(٤٣٥) الإرشاد للمفيد: ١٨٩.
(٤٣٦) جمهرة الرسائل: ٢ / ٣.
(٤٣٧) المصدر نفسه: ٣٧.
(٤٣٨) أعيان الشيعة: ٤ ق ١.
(٤٣٩) بحار الأنوار: ١٠ / ٩٥.
(٤٤٠) حياة الإمام الحسن: ٢ / ٢٦٠.
(٤٤١) نور الأبصار: ١٧٥.

التقييم التقييم:
  ٨ / ١.٥
 

التعليقات

 
COMMENTS_EMPTY

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
التحقق اليدوي: * إعادة التحميل