الصفحة الرئيسية » البحوث والمقالات » (٤٧) الإمام الحسن ومنطق الإمام علي عليهما السلام

البحوث والمقالات

 

المقالات (٤٧) الإمام الحسن ومنطق الإمام علي عليهما السلام

القسم القسم: البحوث والمقالات الشخص الكاتب: سلمان عبد الأعلى التاريخ التاريخ: ٢٠١٥/١٠/٠٣ المشاهدات المشاهدات: ٢٦٧٩ التعليقات التعليقات: ٠

الإمام الحسن ومنطق الإمام علي عليهما السلام

الكاتب: سلمان عبد الأعلى

يتصور الكثير من الناس بأن الإمام الحسن بن علي (ع) يختلف عن أبيه الإمام علي بن أبي طالب (ع)، وعندما أقول يختلف عنه لا أقصد بأنه يختلف عنه من ناحية الطبيعة الإيمانية، كأن يكون أحدهما مؤمن وملتزم والآخر ليس كذلك. كلا ولا ومعاذ الله، فذاك أمر لا أعتقد بأن أحداً -ممن أعنيهم بكلامي هذا- يعتقده أو يتصوره، وإنما أقصد بالاختلاف هنا؛ الاختلاف الحاصل بينهما –كما يتصوره البعض طبعاً- في الخصائص والصفات الذاتية والشخصية.
فمثلاً يتصور البعض بأن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (ع) هو ذلك البطل الصنديد، صاحب الإرادة القوية، النافذة، الصلبة، وصاحب المنطق القويم، وصاحب الفصاحة والبلاغة والحكمة المعروفة، في حين أنهم يتصورون ابنه الإمام الحسن (ع) بصورة مختلفة عنه، وذلك لأنهم يتصورونه بأنه ذلك الشخص الهادئ، الضعيف، المهزوم، الخاضع، المستسلم أو المسالم كما يعبر البعض، والذي لا يملك إرادةً ولا عزيمةً ولا منطقاً ولا شخصيةً كالتي عند والده الإمام علي (ع). بالطبع، بأنه ليس كل من يتصور هذا التصور يصرح به ويعلنه، بل ربما نجد بعض هؤلاء يصرحون بخلافه، غير أن تصورهم هذا مغروس في ذاكرتهم، ويظهر أحياناً على فلتات ألسنتهم من حيث يشعرون ولا يشعرون.
ولهذا قلما نجد هؤلاء يقارنون بين شخصية ومواقف الإمام الحسن (ع) وشخصية ومواقف أبيه الإمام علي (ع)، لاعتقادهم بأن المقارنة بينهما لا تصح، وذلك للاختلاف الشاسع بينهما في الشخصية والمواقف، وبدلاً من ذلك كثيراً ما يلجئون للمقارنة بينه (ع) وبين جده الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، لأنهم يعتقدون بأن طبيعة الرسول الأكرم هي أقرب من ناحية صحة المقارنة مع طبيعة الإمام الحسن (ع)، فكثيراً ما يذكرون بأنه كان يشبهه خلقاً وخُلقاً، ويستشهدون كذلك بالحديث المروي عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الذي يقول فيه: (الحسن مني والحسين من علي).
ولكنني أرى بأنه يمكننا أيضاً أن نوجد المقارنة بين الإمام الحسن (ع) وأبيه الإمام علي (ع)، لاعتقادي بأن شخصيته لا تبتعد عن شخصيته، ومنطقه لا يختلف عن منطقه، كما أن أهدافه لا تختلف عن هدفه، ولكن الاختلاف بينهما هو في الظروف والإمكانات التي سببت بعض هذا التمايز الظاهر.
المقارنة بين الإمام الحسن (ع) والإمام علي (ع):
إنني في هذه الفقرة سوف أنقل بعض كلمات الإمام الحسن (ع) التي أرى بأنها تمثل نفس منطق الإمام علي (ع) وأسلوبه، ولن أذكر ما يشابهها من كلمات الإمام علي (ع) إلا فيما يخص الخطابات والرسائل التي وجهها إلى معاوية، وذلك لكي لا نطيل، وعلى المهتم بهذا الأمر مراجعة كلمات الإمام علي (ع) في نفس المواضيع التي سوف ننقلها فيما سيأتي:
• الإمام الحسن ومنطق الإمام علي (ع) في السعي لمصلحة المسلمين:
لو أردنا المقارنة بين الإمام علي (ع) وابنه الإمام الحسن (ع)، فإننا سنرى تقارباً كبيراً فيما بينهما من ناحية الأهداف والمواقف والمنطق (الشخصية)، فإذا كان الإمام الحسن (ع) قد اتخذ المنهج السلمي مع مناوئيه عندما ألجأته الظروف لذلك، فلقد اتخذ أبيه الإمام علي (ع) نفس الموقف في فترة من الفترات، ألم يقل علي (ع): (لأسالمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن جور إلا علي خاصة)؟! كذلك نجد الإمام الحسن (ع) يتخذ موقفاً مشابهاً لهذا الموقف عندما كان هذا الأمر خياراً من ضمن الخيارات التي كان أحلاها مر (وهو الصلح مع معاوية)، إذ أن الإمام الحسن (ع) ليس كما يتصوره البعض منا بأنه تنازل عن الخلافة والحكم والأمور كلها بيده، وذلك نتيجة لعزيمته الضعيفة ولإرادته المنهارة أو لأي سبب من الأسباب المشابهة. كلا ولا، وحاشا لمثله أن يكون كذلك، وإنما كان هذا هو أفضل الخيارات التي أمامه لضعف الإمكانات والقدرات التي تحت يديه، وليس لأنه يعيش الضعف في نفسه.. وهذا الأمر يبحث في محله.
• الإمام الحسن ومنطق الإمام علي (ع) مع معاوية بن أبي سفيان:
إن من يقرأ رسائل الإمام الحسن (ع) وكتبه إلى معاوية بن أبي سفيان، يتذكر رسائل وكلمات والده أمير المؤمنين (ع) مع معاوية، إذ أن المنطق الموجود في هذه الرسائل هو نفسه على الرغم من اختلاف الشخصية، وعلى الرغم من تغير الكثير من الظروف والأحداث، وسوف نذكر رسالة واحدة فقط مراعاةً للاختصار، وسوف نقارنها مع بعض كلمات الإمام علي (ع).
فقال له: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ)، فلما توفّي، تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش: نحن قبيلته وأسرته وأولياؤه، ولا يحلّ لكم أن تنازعونا سلطان محمّدٍ وحقّه، فرأت العرب أنّ القول ما قالت قريش، وأنّ الحجّة في ذلك لهم، على من نازعهم أمر محمّدٍ، فأنعمت لهم، وسلّمت إليهم. ثمّ حاججنا نحن قريشاً، بمثل ما حاججت به العرب، فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها، إنّهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالإنصاف والاحتجاج، فلمّا سرنا - أهل بيت محمّدٍ وأولياؤه - إلى محاججتهم، وطلب النصف منهم، باعدونا واستولوا بالاجتماع على ظلمنا، ومراغمتنا وللعنت منهم لنا، فالموعد الله، وهو الوليّ النصير.
ولقد كنّا تعجّبنا لتوثّب المتوثبين علينا في حقّنا، وسلطان بيتنا وإذ كانوا ذوي فضيلة وسابقةٍ في الإسلام، أمسكنا عن منازعتهم، مخافةً على الدين أن يجد المنافقون، والأحزاب في ذلك مغمراً يثلمون به، أو يكون لهم بذلك سبب إلى ما أرادوا من افساده. فاليوم فليتعجّب المتعجّب، من توثّبك يا معاوية، على أمرٍ لست من أهله، لا بفضلٍ في الدين معروفٍ، ولا أثرٍ في الإسلام محمودٍ، وأنت ابن حزبٍ من الأحزاب، وابن أعدى قريشٍ لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ولكتابه. والله حسيبك فسترد عليه، وتعلم لمن عقبى الدار، وبالله لتلقينّ عن قليلٍ ربّك، ثمّ ليجزينّك بما قدّمت يداك، وما الله بظلاّمٍ للعبيد.
إنّ علياً لمّا مضى لسبيله رحمة الله عليه يوم قبض، ويوم منّ الله عليه بالإسلام، ويوم يبعث حيّاً، ولاّني المسلمون الأمر من بعده، فاسأل الله أن لا يؤتينا في الدنّيا الزائلة شيئاً، ينقصنا به في الآخرة، ممّا عنده من كرامةٍ. وإنّما حملني على الكتابة إليك، الأعذار فيما بيني وبين الله عزّ وجلّ في أمرك، ولك في ذلك إن فعلته الحظّ الجسيم، والصلاح للمسلمين.
فدع التمادي في الباطل، وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي، فإنّك تعلم: أنّي أحقّ بهذا الأمر منك عند الله، وعند كلّ أوابٍ حفيظٍ، ومن له قلب منيب، واتّق الله، ودع البغي، واحقن دماء المسلمين، فو الله ما لك خير في أن تلقى الله من دمائهم، بأكثر ممّا أنت لاقيه به. وادخل في السلم والطاعة، ولا تنازع الأمر أهله، ومن هو أحقّ به منك، ليطفئ الله النائرة بذلك، ويجمع الكلمة ويصلح ذات البين، وإن أنت أبيت إلاّ التمادي في غيّك، سرت إليك المسلمين، فحاكمتك حتّى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين).
إننا لو قارنا هذا الكلام للإمام الحسن (ع) مع كلام الإمام علي (ع) لمعاوية لما رأينا فيه ذلك الاختلاف الذي يذكر، مما يدلل على أن الإمام الحسن كان يعيش نفسية أبيه الإمام علي وروحه ومنطقه ومواقفه، فمن كلام الإمام علي (ع) لمعاوية: (أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ آنَ لَكَ أَنْ تَنْتَفِعَ بِالَّلمْحِ الْبَاصِرِ مِنْ عِيَانِ الاْمُورِ، فَقَدْ سَلَكْتَ مَدَارِجَ أَسْلاَفِكَ بِادِّعَائِكَ الاْباطِيلَ، وَإقْحَامِكَ غُرُورَ الْمَيْنِ وَالاْكَاذِيبِ، وَبِانْتِحَالِكَ مَا قَدْ عَلاَ عَنْكَ، وَابْتِزَازِكَ لِمَا قَدِ اخْتُزِنَ دُونَكَ، فِرَاراً مِنَ الْحَقِّ، وَجُحُوداً لِمَا هُوَ أَلْزَمُ لَكَ مِنْ لَحْمِكَ وَدَمِكَ، مِمَّا قَدْ وَعَاهُ سَمْعُكَ، وَمُلِئَ بِهِ صَدْرُكَ، فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ، وَبَعْدَ الْبَيَانِ إِلاَّ الَّلبْسُ؟)
وجاء كذلك في كتاب للإمام علي (ع) كتبه إلى معاوية جواباً لكتاب بعثه الأخير له: (أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّا كُنَّا نَحْنُ وَأَنْتُمْ عَلَى مَا ذَكَرْتَ مِنَ الاْلْفَةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَفَرَّقَ بيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَمْسِ أَنَّا آمَنَّا وَكَفَرْتُمْ، وَالْيَوْمَ أَنَّا اسْتَقَمْنَا وَفُتِنْتُمْ، وَمَا أَسْلَمَ مُسْلِمُكُمْ إِلاَّ كَرْهاً، وَبَعْدَ أَنْ كَانَ أَنْفُ الاْسْلاَمِ كُلُّهُ لِرَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله) حرباً).
وكذلك نجد الإمام علي (ع) يكتب لمعاوية جواباً له على كتاب منه قائلاً: (والاولى أن يقال لك: إنك رقيت سلماً أطلعك مطلع سوء عليك لا لك، لانك نشدت غير ضالتك، ورعيت غير سائمتك، وطلبت أمراً لست من أهله ولا في معدنه، فما أبعد قولك من فعلك!! وقريب ما أشبهت من أعمام وأخوال! حملتهم الشقاوة، وتمني الباطل، على الجحود بمحمد (صلى الله عليه وآله) فصرعوا مصارعهم حيث علمت، لم يدفعوا عظيماً، ولم يمنعوا حريماً، بوقع سيوف ما خلا منها الوغى، ولم تماشها الهوبنى).
ألا يشبه هذا الكلام وهذا المنطق منطق الإمام الحسن (ع) وكلامه لمعاوية عندما قال: (فاليوم فليتعجّب المتعجّب، من توثّبك يا معاوية، على أمرٍ لست من أهله، لا بفضلٍ في الدين معروفٍ، ولا أثرٍ في الإسلام محمودٍ، وأنت ابن حزبٍ من الأحزاب، وابن أعدى قريشٍ لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ولكتابه).
وجاء كذلك في كتاب للإمام علي (ع) إلى معاوية : (فنفسك نفسك! فقد بين الله لك سبيلك، وحيث تناهت بك أمورك، فقد أجريت إلى غاية خسر، ومحلة كفر، وإن نفسك قد أوحلتك شراً وأقحمتك غياً، وأوردتك المهالك، وأوعرت عليك المسالك). وفي كتاب آخر يقول لمعاوية: (أما بعد، فقد أتتني منك موعظة موصلة، ورسالة محبرة، نمقتها بضلالك، وأمضيتها بسوء رأيك، وكتاب امرئ ليس له بصر يهديه، ولا قائد يرشده، قد دعاه الهوى فأجابه، وقاده الضلال فأتبعه، فهجر لاغطاً، وضل خابطاً).
ألا تشبه هذه الكلمات من الإمام علي (ع) هذه الكلمات للإمام الحسن (ع): (فدع التمادي في الباطل، وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي، فإنّك تعلم: أنّي أحقّ بهذا الأمر منك عند الله، وعند كلّ أوابٍ حفيظٍ، ومن له قلب منيب، واتّق الله، ودع البغي، واحقن دماء المسلمين، فو الله ما لك خير في أن تلقى الله من دمائهم، بأكثر ممّا أنت لاقيه به. وادخل في السلم والطاعة، ولا تنازع الأمر أهله، ومن هو أحقّ به منك، ليطفئ الله النائرة بذلك، ويجمع الكلمة ويصلح ذات البين، وإن أنت أبيت إلاّ التمادي في غيّك، سرت إليك المسلمين، فحاكمتك حتّى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين).
• الإمام الحسن ومنطق الإمام علي (ع) في بلاغته وفصاحته وحكمته:
عن جنادة بن أبي أميّة قال: دخلت على الحسن (ع) في مرضه الذي توفّي فيه، فقلت له: عظني يا بن رسول الله؟ قال (ع): (نعم يا جنادة استعدَّ لسفرك، وحصّل زادك قبل حلول أجلك واعلم أنّك تطلب الدنيا والموت يطلبك، ولا تحمل همّ يومك الذي لم يأتِ على يومك الذي أنت فيه، واعلم أنّك لا تكسب من المال شيئاً فوق قوّتك إلاّ كنت فيه خازناً لغيرك.
واعلم أنّ الدنيا في حلالها حساب وفي حرامها عقاب، وفي الشبهات عتاب، فَأَنزِلِ الدنيا بمنزلة الميتة خذ منها ما يكفيك، فإن كان حلالاً كنت قد زهدت فيه، وإن كان حراماً لم يكن فيه وزر، فأخذت منه كما أخذت من الميتة، وإن كان العقاب فالعقاب يسير.
واعمل لدنياك كأنّك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنّك تموت غداً، وإذا أردت عزّاً بلا عشيرة ، وهيبة بلا سلطان، فاخرج من ذل معصية الله إلى عزّ طاعة الله عزَّ وجلَّ.
وإذا نازعتك إلى صحبة الرجال حاجة، فاصحب مَن إذا صحبته زانك، وإذا أخذت منه صانك، وإذا أردت منه معونة أعانك، وإن قلت صدَّقك، وإن صلت شدّ صولتك، وإن مددت يدك بفضل مدّها، وإن بدت منك ثلمة سدّها، وإن رأى منك حسنة عدّها، وإن سألته أعطاك، وإن سكتَ عنه ابتداك، وإن نزلت بك إحدى الملمّات واساك، مَن لا تأتيك منه البوائق، ولا تختلف عليك منه الطرائق، ولا يخذلك عند الحقائق ، وإن تنازعتما منقسماً آثرك).
• الإمام الحسن ومنطق الإمام علي (ع) في توحيد الله وبيان صفاته:
يذكر أن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (ع) أمر ولده الإمام الحسن (ع) ليخطب الناس في مسجد الكوفة، فصعد المنبر، وقال: (الحمد لله الواحد بغير تشبيه، والدائم بغير تكوين، القائم بغير كلفة، الخالق بغير منصبة، والموصوف بغير غاية، المعروف بغير محدود، العزيز، لم يزل قديماً في القدم، ردعت القلوب لهيبته، وذهلت العقول لعزّته، وخضعت الرقاب لقدرته، فليس يخطر على قلب بشر مبلغ جبروته، ولا يبلغ الناس كنه جلاله، ولا يفصح الواصفون منهم لكُنه عظمته، ولا تبلغه العلماء بألبابها، ولا أهل التفكّر بتدابير أُمورها، أعلم خلقه به الذي بالحدّ لا يصفه، يُدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير...).
ويروى أنه جاء اليه رجل فقال له: يا بن رسول الله! صف لي ربّك كأنّي أنظر إليه؟ فأطرق الإمام الحسن (ع) مليّاً، ثمّ رفع رأسه فأجابه: (الحمد لله الذي لم يكن له أوّل معلوم، ولا آخر متناه، ولا قبل مدرك، ولا بعد محدود، ولا أمد بحتّى، ولا شخص فيتجزّأ، ولا اختلاف صفة فيتناهى، فلا تدرك العقول وأوهامها، ولا الفكر وخطراتها، ولا الألباب وأذهانها صفته، فيقول: متى، ولا بدئ ممّا، ولا ظاهر على ما، ولا باطن فيما، ولا تارك فهلاّ، خلق الخلق فكان بديئاً بديعاً، ابتدأ ما ابتدع، وابتدع ما ابتدأ، وفعل ما أراد، وأراد ما استزاد، ذلكم الله رب العالمين).
• الإمام الحسن ومنطق الإمام علي (ع) في النهي عن حب الدنيا:
ومما يروى في ذلك قوله (ع): (مَنْ أحبِّ الدنيا ذهبِ خوف الآخرة من قلبه، ومن ازداد حِرصاً على الدنيا، لم يزدَدْ منها إلا بعداً، وازداد هو من الله بغضاً. والحريص الجاهد، والزاهد القانع، كلاهما مستوفٍ أكله، غير منقوصٍ من رِزقِه شيئاً، فعلام التهافت في النار؟!، والخير كُلّه في صَبر ساعةٍ واحدةٍ، تُورِثٍ راحةً طويلةً، وسعادةً كثيرةً. والناس طالبان، طَالبٌ يطلب الدنيا حتى إذا أدركها هَلَك، وطَالِبٌ يطلب الآخرة حتى إذا أدركها فهو ناجٍ فائز. واعلم أيها الرجل، أنه لا يضرُّك ما فاتك من الدنيا، وأصابك من شدائدها إذا ظفرت بالآخرة، وما ينفعك ما أصبت من الدنيا، إذا حُرِمت الآخرة. الناس في دار سهوٍ وغفلة، يعملون ولا يعلمون، فإذا صاروا إلى دار يقينٍ، يعلمون ولا يعملون).
ومما يروى عنه كذلك قوله (ع): (من طلب الدنيا قعدت به، ومن زهد فيها لم يبال من أكلها، الراغب فيها عبد لمن يملكها أدنى ما فيها يكفي، وكلها لا تغني، من اعتدل يومه فيها فهو مغرور، ومن كان يومه خيرا من غده فهو مغبون، ومن لم يتفقد النقصان عن نفسه فانه في نقصان، ومن كان في نقصان فالموت خير له).
• الإمام الحسن ومنطق الإمام علي (ع) في المواعظ والحكم:
موعظة له (ع) في مُهلِكات المرء:
مما يروى عن الإمام الحسن (ع) قوله في مهلكات المرء: (هَلاكُ المَرءِ في ثلاث: الكِبَر، والحِرْص، والحَسَد، فالكِبَر هلاك الدين، وبه لُعِن إبليس، والحِرْص عَدوُّ النفس، وبه أُخرِجَ آدم من الجنة، والحَسَد رائد السوء، ومِنهُ قَتَلَ قَابيل هَابيلَ).
موعظة له (ع) في الأخلاق:
ويروى عنه قوله: (لا أدَبَ لِمن لا عقل له، ولا مُرُوءة لِمَنْ لا هِمَّة له، ولا حَياءَ لِمَن لا دين له، ورأسُ العقل مُعَاشَرَة الناس بالجميل، وبالعقل تُدرَكُ الداران جميعاً، وَمَنْ حُرِم العقلُ حُرِمَهُمَا جَميعاً).
موعظة له (ع) في جوامع الموعظة:
وكذلك روي عنه قوله (ع): (يا ابن آدم، عفَّ عن محارم الله تَكُنْ عابداً، وارضَ بما قسم الله تكن غَنيّاً، وأحسن جوار من جاورك تكن مسلماً، وصاحب الناس بمثل ما تحبَّ أن يصاحبوك به تكن عادلاً. إنه كان بين يديكم أقوام يجمعون كثيراً، ويبنون مشيداً، ويأملون بعيداً، أصبح جمعهم بوراً، وعَملهُم غُروراً، ومَسَاكنهم قُبوراً. يا ابن آدم، لم تَزَلْ في هَدم عمرك منذ سقطتَ من بَطنِ أمِّك، فَخُذ مما في يديك لما بين يديك، فإنَّ المؤمنَ يتزوَّد، والكافرَ يتمتَّع).
موعظة له (ع) في التقوى:
ومما يروى عنه قوله في التقوى (ع): (إعلَموا أنَّ الله لم يخلقكم عَبَثاً، وليس بتاركِكُم سُدىً، كَتَب آجالُكم، وقسَّم بينكم معائشكم، لِيَعرف كل ذي لُبٍّ منزلته. وأنَّ ما قُدِّر له أصابَه، وما صُرِف عنه فلن يُصيبُه، قَد كفاكم مَؤُونة الدنيا، وفرَّغكم لعبادته، وحثَّكم على الشكر، وافترض عليكم الذِّكر، وأوصاكم بالتقوى، منتهى رضاه، والتقوى باب كلِّ توبة، ورأس كلِّ حكمة. وشَرَفُ كلِّ عملٍ بالتقوى، فاز من فاز من المتِّقين. قال الله تبارك وتعالى: (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا)٧ النبأ: ٣١. وقال: (وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) الزمر: ٦١. فاتَّقوا الله عباد الله، واعلموا أنه من يَتَّقِ اللهَ يجعل له مخرجاً من الفتن، ويسدِّدُه في أمره، ويهيِّئ له رشده، ويفلحه بحجته، ويبيض وجهه، ويعطه رغبته، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدِّيقين، والشهداء والصالحين، وحَسُنَ أولئك رَفيقاً).
• الإمام الحسن (ع) ومنطق الإمام علي (ع) في قصار الحكم:
روي عن الإمام الحسن (ع) الكثير من قصار الحكم، كأبيه الإمام علي (ع) منها:
قوله (ع): (عليكم بالفِكر، فإنَّه حياة قلب البصير، و مَفاتِيحُ أبواب الحكمة).
قوله (ع): (المِزَاح يأكلُ الهيبة، وقَدْ أكثرَ مِن الهَيبةِ الصَّامت).
قوله (ع) ) :رَأسُ العقل مُعَاشَرة الناس بالجميل).
قوله (ع): (الفُرصَة سريعة الفوت، بَطيئَةُ العَود).
قوله (ع): (ما تَشَاوَرَ قومٌ إلاَّ هُدُوا إلى رُشدِهم).
قوله (ع): (تُجهَل النِّعَم ما أقامت، فإذا وَلَّت عُرِفَت).
قوله (ع): (عَجِبتُ لِمَن يفكِّر في مَأكوله، كيف لا يُفكِّر في مَعقوله).
قوله (ع): (صَاحِب الناس بِمِثل ما تحب أن يُصَاحبوك به).
قوله (ع): (خَيرُ الغِنَى القُنُوع، وشَرُّ الفَقرِ الخُضُوع).
قوله (ع): (تَعلَّموا العِلمَ فإنْ لم تستطيعوا حفظه فاكتبوه وضعوا في بيوتكم).
قوله (ع): (تَعلَّموا فإنَّكم صغار قوم اليوم، وتَكونوا كِبارهم غداً).
قوله (ع): (عَلِّم الناس عِلمَك، وتَعلَّم عِلم غَيرِك، فتكون قد أنفَقْتَ عِلمَك، وعَلِمت مَا لَمْ تَعلَم).
عنه (ع): (حُسْنُ السؤال نِصف العِلم).
بعد كل ما نقلناه من كلمات للإمام الحسن (ع) نرى التشابه الكبير بينها وبين كلمات الإمام علي (ع)، فلو راجعنا كلمات الإمام علي (ع) في كل موضوع مما ذكرناه سابقاً لرأينا التشابه الكبير بينهما، بل لرأينا المنطق نفسه موجود ومتكرر لدى الإمام الحسن المجتبى (ع)، ويمكنكم الرجوع لكتاب نهج البلاغة ومراجعة كلام الإمام علي (ع) في نفس المواضيع التي نقلناها عن الإمام الحسن (ع) لترون ذلك بأنفسكم.

التقييم التقييم:
  ١ / ٣.٠
 

التعليقات

 
COMMENTS_EMPTY

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
التحقق اليدوي: * إعادة التحميل