فهرس المكتبة الحسنية

   

البحث في المكتبة التخصصية

 
 

كتاب مختار:

   

المسار

  الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية » كتب أخرى » سيرة الإمام الحسن عليه السلام  

كتب أخرى

 

الكتب سيرة الإمام الحسن عليه السلام

القسم القسم: كتب أخرى التاريخ التاريخ: ٢٠١٦/٠٩/٢٩ المشاهدات المشاهدات: ١١٩٦٥ التعليقات التعليقات: ٠

سيرة الإمام الحسن عليه السلام

تأليف: الحاج حسين الشاكري

المقدمة
سيد شباب أهل الجنة في سطور
الفصل الأول... ولادته عليه السلام:
الفصل الثاني... ما جاء في حقه في القرآن والسنة
أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في ولديه الحسن والحسين عليهما السلام
الفصل الثالث...فضائله، ومناقبه، ومحاسن أخلاقه، ومعجزاته عليه السلام
فصاحته وبلاغته عليه السلام:
 بعض ما ورد من حلمه في سيرته عليه السلام:
جوده وكرمه عليه السلام:
قضاؤه عليه السلام:
إخباره المغيبات
ومن حكمه عليه السلام:
تقريض العظماء والعلماء
دور الإمام في الحياة العامة:
الفصل الرابع... الكوفة
المجتمع الكوفي
التباين المذهبي
الفصل الخامس... الإمام الحسن بن علي عليه السلام والخلافة
قيادة جيش الإمام عليه السلام وبداية الفتنة:
تأثير الرشوة:
محنة الإمام عليه السلام:
الفصل السادس... خلاصة الأحداث
خطبة الإمام الحسن عليه السلام:
الشخوص إلى المدينة:
بعد نظر الإمام عليه السلام ونتائج الهدنة والصلح
الفصل السابع... الشيعة الذين نكل بهم معاوية
شهادته عليه السلام:
خاتمة المطاف

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

 الإمام أبو محمد الحسن الزكي، سبط الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم أول مولود ولد في الإسلام لأهل البيت عليهم السلام، جده رسول الله، وأبوه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأمه فاطمة الزهراء، صلوات الله عليهم أجمعين، وهو أول فرع للدوحة الهاشمية النبوية، والشجرة العلوية. ولد في النصف من شهر رمضان المبارك من السنة الثالثة للهجرة النبوية قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه وفي أخيه أحاديث كثيرة منها.
١- الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.
٢- من أحب الحسن والحسين فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني.
٣- إبناي هذان إمامان قاما أو قعدا.
٤- الحسن والحسين ريحانتاي في الدنيا وفي الآخرة.
إلى غير ذلك من الأحاديث النبوية الشريفة، المتواترة التي نقلها حملة الأحاديث من جهابذة العلماء وأكابر الحفاظ في سننهم وصحاحهم ومسانيدهم مسندة ومرسلة إرسال المسلمات. ويكفيهما فخرا أنهما طاهران مطهران بحكم آية التطهير التي نزلت في جدهما رسول الله، وأبيهما أمير المؤمنين، وأمهما فاطمة الزهراء، وفيهما، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. يمتاز الإمام الحسن عليه السلام: بمناقب، وفضائل، وصفات، ومزايا انحصرت فيه، وما اجتمعت في غيره إلا في أخيه الإمام الحسين وأهل بيته، وخص به من المآثر والمكارم التي فاق بها على الأوائل والأواخر، لا يقوم بوصفها البنان، ولا ينهض بذكرها اللسان، لأنه أرفع مكانا ومحلا، وأوفى شرفا ونبلا، وأزكى فرعا، وأعلى أصلا. عرف الإمام الحسن عليه السلام بجوده وكرمه، وسماحته وسخائه، كما اشتهر بحلمه وصبره، وكذلك بفصاحته وبلاغته، ظاهر ذلك في محاوراته مع أعدائه، وكذلك بزهده، وورعه، وعبادته. لكن الإمام الحسن عليه السلام ابتلي بأدهى طغاة زمانه معاوية، الذي تجسد فيه عداء بني أمية السافر وحقدهم الدفين على بني هاشم، الممتد والمتأصل منذ القدم على هاشم وعبد المطلب من عبد شمس، وأمية، وصخر، ولم يترك معاوية وسيلة من وسائله الخبيثة إلا استعملها ضد بني هاشم وضد الإمام الحسن وأبيه من قبل عليهم السلام، وآزر معاوية وسار في ركابه قرناء السوء الذين باعوا دينهم بدنياهم، والأدهى من ذلك بدنيا معاوية وبني أمية، ومهدوا لهم الطريق وعبدوها، مع علمهم ودرايتهم بأحقية أهل البيت وعصمتهم عليهم السلام. لكن الإمام الحسن عليه السلام ما كان غافلا عن خطط بني أمية الجهنمية وأهدافهم الخبيثة التي ترمي إلى قلع جذور الإسلام من أساسه عن طريق محاربة أهل البيت وإزاحتهم، لا سيما أئمة الهدى عليهم السلام ليخلو لهم الجو في العبث بمقدرات شريعة السماء، عن طريق رواة السوء في بث الأحاديث الكاذبة كما أسلفت، حتى وصل الاعتقاد بالمسلمين حينذاك، لا سيما جديدي العهد بالإسلام إلى أن الإسلام متمثل ببني أمية وخلافة معاوية، لأنهم يعتبرونه خال المؤمنين وكاتب الوحي، استنادا إلى أجهزتهم الإعلامية الكاذبة المنحرفة. فقد استهدف الإمام عليه السلام من قبول الهدنة هدفين -حسبما توصلت إليه-.

الهدف الأول: الإبقاء على البقية الباقية من أهل بيته وأصحاب أبيه المخلصين الذين يمثلون بيضة الإسلام.
الهدف الثاني: كشف معاوية وبني أمية على حقيقتهم، وواقعهم المزيف وبعدهم عن الإسلام، وإنما كانوا يتظاهرون به كذبا وزورا لتمرير سياستهم وخططهم في البقاء على دولتهم وكيانهم، وخداع المسلمين. ولما شاهد انهيار معنويات أصحابه، وجنده، وقواد جيشه، ورؤساء قبائلهم، وتخاذلهم أمام إغراءات معاوية ومواعيده المعسولة بالمال، المناصب، والمصاهرة منه، ومن جهة أخرى اتخاذ سياسة الشدة والبطش، والتعذيب من سمل العيون، وقطع الأيدي والأرجل والإبادة لمن لا يستجيب له من شيعة علي عليه السلام، والواعين من المسلمين المخلصين حتى وصل الأمر إلى خيانة قائد جيش الإمام الحسن عليه السلام وابن عمه عبيد الله بن العباس، الذي أمره على رأس جيش جرار، ليكون الطليعة لمواجهة معاوية وجيش أهل الشام، لكن بإغراء معاوية له بالمال ترك قيادة جيش الإمام، وانحاز سرا ليلا إلى معاوية في نفر من أصحابه وخاصته. كما إن بعض قواد الإمام الحسن عليه السلام وبعض رؤساء القبائل كاتبوا معاوية سرا مبدين استعدادهم لتسليم الإمام الحسن عليه السلام له حيا إن شاء أو مقتولا عند اقتراب الجيشين، ومن دهاء معاوية وخبثه أن بعث بجميع تلك الرسائل إلى الإمام الحسن عليه السلام ليطلعه على جلية الأمر وخبث سريرة أصحابه. عند ذلك رجع الإمام عليه السلام إلى نفسه مفكرا بأي جيش يا ترى وبأي قوة يواجه معاوية وجيشه الجرار ويحاربه؟ أبهذا الجيش أم بأولئك الأصحاب؟ لذلك قرر قبول الهدنة التي عرضها عليه معاوية، لتنفيذ خطته التي كان يرمي بها إلى كشف معاوية وبني أمية، وإلى حفظ بيضة الإسلام ومبادئه حتى ولو تجرع الغصص، والعتاب من بعض خلص أصحابه الذين لا يدركون عمق خطته ومدى بعد هدفه. ومأثورة الإمام الحسين عليه السلام وتضحياته الهائلة في التصميم على الوقوف بوجه الظلم والظالمين وتقديم أعز أولاده، وفلذات كبده، وأهل بيته، وأصحابه، وما يملك حتى نفسه الزكية، قرابين على مذبح الشهادة والدين، والحرية، والإباء إلا امتدادا وإتماما لخطة أخيه الإمام الحسن عليهما السلام لكشف ظلم بني أمية وجورهم، وإظهار حقيقة كفرهم. وكسر الطوق واختراق الستار الحديدي الذي ضربه معاوية خلال عشرين عاما من حكمه على عقول المسلمين وغسل أدمغتهم عامة، وأهل الشام خاصة، الذين هم حديثي عهد بالإسلام، ولولا ثورة الحسين عليه السلام لكانت شريعة الإسلام أموية جاهلية. وقد أعقبت ثورة الإمام الحسين عليه السلام ثورات متتالية أهمها ثورة المدينة، وثورة التوابين، وثورة المختار بن عبيدة الثقفي، وتبعتها ثورات أخرى، الواحدة تلو الأخرى، من هنا وهناك حتى قضت على عرش بني أمية وأدت إلى انهيار دولتهم إلى هاوية سحيقة من البغض والنسيان، وستجد تفصيل ذلك ضمن البحث. وقد ركزت في هذا البحث على ثلاث نقاط مهمة:
النقطة الأولى: دراسة وتحليل المجتمع الكوفي وعناصره.
النقطة الثانية: بيان عدد زوجاته وعدد أولاده، وتكذيب الشائعات والتهم التي روجها الأعداء بكثرة زوجاته، وكثرة مطلقاته بأدلة وأسانيد لا تقبل المناقشة والكلام.
النقطة الثالثة: موقف الإمام السياسي السليم تجاه مؤامرات معاوية، وخذلان أصحابه وتفكك جيشه. سيد شباب أهل الجنة في سطور راجيا منه تعالى أن يتقبل مني هذا القليل ويعفو عني الكثير، فإنه أرحم الراحمين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد خلقه محمد وآله الطاهرين.

حسين الشاكري

سيد شباب أهل الجنة في سطور:
اسمه: الحسن سماه به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

أبوه: علي أمير المؤمنين عليه السلام.

أمه: فاطمة الزهراء عليها السلام.

جده لأمه: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

جده لأبيه: أبو طالب بن عبد المطلب.

جدته لأمه: خديجة بنت خويلد.

جدته لأبيه: فاطمة بنت أسد بن هاشم.

أخوته لأمه وأبيه: الإمام الحسين -ومحسن الذي سقط يوم الدار- عليهم السلام.

أخواته لأمه وأبيه: زينب، أم كلثوم عليهما السلام.
ولادته: ولد بالمدينة يوم الثلاثة ليلة النصف من شهر رمضان سنة ثلاث للهجرة، فجئ به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: اللهم إني أعيذه بك وولده من الشيطان الرجيم، وأذن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، وسماه حسنا، وعق عنه كبشا.

صفته: كان عليه السلام أبيض، مشربا بحمرة، أدعج العينين، سهل الخدين، رقيق المشربة، كث اللحية، ذا وفرة، وكأن عنقه إبريق فضة، عظيم الكراديس، بعيد ما بين المنكبين، ربعة، ليس بالطويل ولا بالقصير، مليحا، من أحسن الناس وجها، وكان يخضب بالسواد، وكان جعد الشعر، حسن البدن.

حياته مع أبيه: لازم أباه أمير المؤمنين عليه السلام طيلة حياته، وشهد معه حروبه الثلاث: الجمل، صفين، النهروان.

كنيته: أبو محمد كناه بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأبو القاسم. ألقابه: التقي، والزكي، والسبط، والسيد، والأمين، والحجة، والأثير، والمجتبى، والزاهد، والبر. نقش خاتمه: العزة لله وحده. أشهر زوجاته: خولة بنت منظور الفزارية، أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التميمي، أم بشر بنت أبي مسعود الأنصاري، جعدة بنت الأشعث، هند بنت عبد الرحمن بن أبي بكر.

أولادهُ: زيد، الحسن، عمرو، القاسم، عبد الله، عبد الرحمن، الحسين، طلحة. بناته: أم الحسن، أم الحسين، فاطمة، أم عبد الله، أم سلمة، رقية. بيعته: بويع بالخلافة في الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة ٤٠ للهجرة. وسيأتي تفصيل ذلك فيما بعد.
خُلّص أصحابه: سفيان بن أبي ليلى الجهداني، حذيفة بن أسيد الغفاري، أبو زرين الأسدي. بوابه: سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. كاتبه: عبد الله بن أبي رافع. صلحه: هادن معاوية في النصف من جادي الأولى سنة ٤١ للهجرة بعد ما تبين الوهن في أصحابه، عاش مظلوما، ومات مسموما، وقبض بالمدينة بعد مضي عشر سنين من ملك معاوية.
وفاته: توفي عليه السلام في يوم الخميس السابع من شهر صفر سنة ٥٠ للهجرة وله من العمر سبع وأربعون سنة.

قبره: دفنه الحسين عليه السلام في البقيع عند جدته فاطمة بنت أسد بوصية منه.
مدة إمامته: كانت مدة إمامته عليه السلام ١٠ سنين.

هدم قبره: هدم الوهابيون قبره وقبور بقية الأئمة عليهم السلام في الثامن من شوال سنة ١٣٤٤ ه‍. ولادته
الفصل الأول .. ولادته عليه السلام:
إقترن الإمام أمير المؤمنين، بفاطمة الزهراء عليهما السلام، في شهر ذي الحجة من السنة الثانية للهجرة، بعد رجوعه من واقعة بدر منتصرا بالإسلام، وثمرة زواجهم الأول مرج البحرين المولود البكر، أبو محمد الحسن بن علي عليهما السلام، وذلك في منتصف شهر رمضان المبارك من السنة التالية الثالثة للهجرة في المدينة المنورة. قال الإربلي في كشف الغمة ج ٢ / ١٤٠: ولد الإمام الحسن بن علي عليهما السلام، بالمدينة المنورة ليلة النصف من شهر رمضان المبارك من السنة الثالثة للهجرة، وهو أول غرس للشجرة العلوية الفاطمية، والدوحة الهاشمية.
ولما حضرت السيدة فاطمة الولادة، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأم سلمة، وأم أيمن (بركة) وفي رواية لأسماء أحضراها (أي فاطمة) فإذا وقع ولدها واستهل صارخا فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وجاء (وقال: ناولوني ابني) فأخذه فأذن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، فسره(١) ولثاه بريقه، وهو أول طعام يدخل جوفه، وقال: اللهم إني أعيذه بك (وذريته) وولده من الشيطان الرجيم(٢).
وبلفظ آخر: وفي رواية:(٣) عندما جاء صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيت علي وفاطمة عليهما السلام قال: ناولوني إبني، فأخذه وضمه إلى صدره، وألعقه من ريقه فهو أول طعام يدخل جوف الطفل، وبعد أن أذن وأقام، قال لعلي عليه السلام: ما سميته؟ قال: ما كنت لأسبقك بتسميته يا رسول الله، فسكت هنيئة، وفي رواية، قال: ما كنت لأسبق ربي حتى هبط الأمين جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد العلي الأعلى يقرئك السلام، ويقول سمه باسم ابن هارون، لأن عليا منك بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدك. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: وما اسمه؟ قال: شبر. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: لساني عربي. فقال عليه السلام: إن الله يقول: سمه حسن، إشتققته من إسمي، فأنا المحسن وهذا حسن، فسماه صلى الله عليه وآله وسلم بالحسن، وكناه بأبي محمد، ولقبه بالسيد، وختنه في اليوم السابع، وعق عنه بكبش، وأمر بحلق رأسه والتصدق بوزن شعره فضة، وأعطى للقابلة فخذا من العقيقة ودينارا، فكان وزن شعر رأسه بعد الحلق ورقا (فضة) درهما وشيئا فتصدق به، فصارت هذه سنة تجري على كل مولود إلى يومنا هذ(٤).
نسبه: أما نسبه: ففي ذلك غنى عن التعريف، وهو امتداد لجده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ولله در القائل:

نسب كأن عليه من شمس الضحى * نورا ومن فلق الصباح عمودا

زوجاته صفاته: وعن المفيد في الإرشاد: كان الحسن، أشبه الناس برسول الله خلقا، وهيأة، وهديا، وسؤددا.
وفي أسد الغابة، بسنده إلى أنس بن مالك: لم يكن أحد أشبه برسول الله من الحسن بن علي. قال المدائني: كان الحسن بن علي عليه السلام أكبر ولد علي، وكان سيدا سخيا حليما، وكان رسول الله يحبه. وعن واصل بن عطاء: كان الحسن بن علي، عليه سيماء الأنبياء، وهيبة الملوك.
زوجاته:
١- تزوج الإمام الحسن عليه السلام جعدة بنت الأشعث في عهد أبيه أمير المؤمنين عليه السلام، والظاهر أنها أول زوجة تزوجها وكانت عنده إلى أن (سمته) وتوفي، ولم يذكر لها ولد، ويحتمل أن يكون هذا هو الباعث -أو أحد البواعث- لتزويج نساء أخر، كما إن هذا المعنى، بأنها لم تلد، وتزوج الإمام بعدها هو الموجب لحدوث البغضاء وانتفاء المحبة منها والوفاء.
٢- لا يخفى إن تعدد الزوجات في ذلك الوقت كان متعارفا، يتزوج الرجل ويطلق بأي سبب كان أو بأي وسيلة، وكان مرسوما وشائعا في ذلك الزمان، وما من رجل إلا وله زوجات متعددة، وهذا واضح لمن راجع كتب الرجال والتواريخ، ميلا في سنن البيهقي ج٣ ص٨٥ قال: المغيرة بن شعبة: فنظرت إليها ثم تزوجتها، فما وقعت عندي امرأة بمنزلتها، ولقد تزوجت بسبعين امرأة. وأمثال المغيرة من رجال ذلك العصر كثيرون. وفي المعارف ص٢٣٠ ولد لطلحة عشرة بنين وأربع بنات لأمهات شتى، وقد تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أربع عشرة زوجة، وتوفي عن تسع.
٣- يظهر من القرائن أن بعضا من رؤساء القبائل أو الأشراف يعرضون بناتهم على الإمام للزواج منهن ليحصلوا على الشرف والفخر والفضل والانتساب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو لا يقبل التزويج إلا نادرا، ويدل على ذلك قلة الأولاد.
٤- يظهر من الروايات أن الإمام عليه السلام كان يمسك بالمعروف أو يسرح بالإحسان، وعلى أي حال فأزواجه كن راضيات، وهن كما قال تعالى: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف) وهذا هو المناط في المزاوجة، بأن يكون كل من الزوجين راضيين وموافقين على ذلك من الزواج أو الفراق. ذكر البيهقي في سننه ج٧ ص٤٤ عن ابن سيرين: أن الحسن بن علي (رضي الله عنه) عليه السلام طلق امرأة له، فمتعها بعشرة آلاف درهم، فقالت: متاع قليل لحبيب مفارق. فبلغه ذلك فراجعها. فالمسلم به والمقطوع: إنه عليه السلام تزوج بكرا واحدة، وخمس زوجات ثيبات أو سبعا، في بعض الروايات، وتملكه خمس أمهات أولاد، وما زاد على ذلك فهو من نسج وعاظ السلاطين: فلا سند له في كتب الحديث والتاريخ والأنساب. والله العالم بحقائق الأمور. وأشهر زوجاته: خولة بنت منظور الفزارية، وأم إسحاق بن عبيد الله التميمي، وأم بشير بنت أبي مسعود الأنصاري، وجعدة بنت الأشعث، وهند بنت عبد الرحمن بن أبي بكر. وأما الطلاق.. فلم يحدثنا التاريخ إلا عن اثنتين، طلقهما الإمام عليه السلام لداع اقتضى ذلك: الأولى: حفصة أو هند بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، التي كان يهواها المنذر، فوشى بها للإمام بشيء لم يذكره التاريخ والظاهر أنه أمر لا يناسب الإمام معه أن يبقيها في عصمته، بل يكفي في ذلك نفس الوشاية، التي قد تصبح بعد ذلك وسيلة للتشهير. والثانية: امرأة من بني شيبان من آل همام بن مرة، وكان طلاقه لها بعد أن علم أنها ترى رأي الخوارج، حيث هنأته بالخلافة بعد شهادة أبيه وهي فرحة مسرورة وقد اعتذر الإمام عن طلاقها، بأنه يكره أن يضم إلى نحره جمرة من جمر جهنم، هكذا في بعض الروايات، أنقلها أمانة. ولم يحدثنا التاريخ عن ثالثة طلقها الإمام عليه السلام فيمن طلق، وحتى لو كانت لربما يكون للإمام عذر في ذلك. إذن.. أين يكون موقع الاتهام، بأن الإمام كان مزواجا مطلاقا..؟ وأين هن زوجاته السبعون؟ وأين هن مطلقاته الكثيرات؟ أعوذ بالله من البهت وخطل الرأي.
 أولاده عليه السلام: في الإرشاد للشيخ المفيد وفي بحار الأنوار ج٤٤ ص١٦٣-١٦٨ أولاد الحسن بن علي عليهما السلام خمسة عشر ولدا ذكرا وأنثى: زيد بن الحسن، وأختاه أم الحسن وأم الحسين، أمهم أم بشير بنت أبي مسعود بن عقبة بن عمر بن ثعلبة الخزرجية، والحسن بن الحسن أمه خوله بنت منظور الفزارية وعمرو بن الحسن، وأخواه القاسم وعبد الله ابنا الحسن أمهم أم ولد، وعبد الرحمن بن الحسن أمه أم ولد، والحسين بن الحسن الملقب بالأثرم، وأخوه طلحة بن الحسن وأختهما فاطمة بنت الحسن أمهم أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التميمي وأم عبد الله، وفاطمة، وأم سلمة، ورقية بنات الحسن عليه السلام لأمهات شتى(٥) وفي إعلام الورى: له من الأولاد ستة عشر، وزاد فيهم أبا بكر وقالت: قتل عبد الله مع الحسين عليه السلام. عمدة الطالب (ص٤٧) وأولد أبو محمد الحسن في رواية شيخ الشرف العبيدلي: ستة عشر ولدا منهم خمس بنات وأحد عشر ذكرا، هم زيد، والحسن المثنى، والحسن، وطلحة، وإسماعيل، وعبد الله، وحمزة، ويعقوب، وعبد الرحمن، وأبو بكر، وعمر، وقال الموضح النسابة: عبد الله هو أبو بكر، وزاد القاسم، وهي زيادة صحيحة. وأما البنات فهن أم الحسين رملة، وأم الحسن، وفاطمة، وأم سلمة، وأم عبد الله، وزاد الموضح: رقية. فهن في روايته ست بنات، وجملة أولاده في روايته سبعة عشر. وقال أبو نصر البخاري: أولد الحسن بن علي ثلاثة عشر ذكرا وست بنات. أعقب من ولد الحسن أربعة: زيد والحسن والحسين الأثرم وعمر، إلا أن الحسين الأثرم وعمر انقرضا سريعا، وبقي عقب الحسن من رجلين لا غير: زيد والحسن المثنى. فالمشهور إذن أن أولاده عليه السلام: زيد، والحسن المثنى، وعمرو، والقاسم، وعبد الله، وعبد الرحمن، والحسين، طلحة. وأما بناته فهن: أم الحسن، وأم الحسين، وفاطمة، وأم عبد الله، وأم سلمة، ورقية. فالمجموع الكلي خمسة عشر، ثمانية ذكور، وستة إناث كما ذكرنا أعلاه. وقد اشترك الحسن بن الحسن المثنى، مع عمه الحسين عليه السلام في معركة الطف، وقاتل قتال الأبطال، وظل يقاتل حتى سقط إلى الأرض لكثرة ما أصابه من الجراح، وظنه الناس مع القتلى، وحينما أرادوا قطع رأسه تبين لهم أنه لا يزال حيا، فتشفع به أسماء بن خارجة الفزاري، ويعتبر من أخواله لأن أمه كانت فزارية وعالجه من ستة أشهر حتى برئ من جراحه، وتزوج من فاطمة بنت الحسين عليه السلام، وأكثر الحسنيين الذين ثاروا على الظلم والطغيان في العصر العباسي وغيره من نسله وأحفاده. وإليه، وإلى أخيه زيد بن الحسن ينتسب السادة الحسنيون الذين لا يزالون حتى عصرنا هذا يفخرون ويتباهون بنسبهم كغيرهم ممن يدعون الانتساب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
الفصل الثاني .. ما جاء في حقه في القرآن والسنة
النص القرآني:
ما أكثر الآيات الواردة في أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، لا سيما الخمسة أصحاب الكساء، وكيف لا يكونون كذلك وقد قرنهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن، وجعلهم عدلا له؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تظلوا بعدي أبدا. وهذه أربع آيات مما وردت فيه وفي أخيه عليهما السلام:

١ - قوله تعالى: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين)(٦).
٢- قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)(٧).

قال واثلة بن الأسقع لقد رأيتني ذات يوم وقد جئت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بيت أم سلمة فجاء الحسن فأجلسه على فخذه اليمنى وقبله، ثم جاء الحسين فأجلسه على فخذه اليسرى وقبله، ثم جاءت فاطمة فأجلسها بين يديه، ثم دعا بعلي ثم قال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)(٨).
٣- قوله تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى)(٩).

قال ابن عباس: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من هؤلاء الذين يجب علينا حبهم؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: علي وفاطمة وابناهما -ثلاث مرات-(١٠).
٤- قوله تعالى: (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان)(١١).
قال الإمام الصادق عليه السلام في قوله تعالى: (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) الحسن والحسين عليهما السلام(١٢).
أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في ولديه الحسن والحسين عليهما السلام
إن كتب الصحاح، ومسانيد الحديث، مستفيضة بالأحاديث النبوية الواردة في أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، وقد جمع كثير من العلماء بعض هذه الأحاديث في مصنفات خاصة، كما أفرد لها غيرهم فصولا مستقلة في كتبهم، ومن بين هذه الأحاديث ما هو خاص في الإمام الحسن عليه السلام رابع أهل الكساء، وسيد شباب أهل الجنة، نذكر منها ومن غيرها: في البخاري: عن أبي بكر: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر والحسن بن علي معه، وهو يقبل على الناس مرة، وعليه مرة ويقول: إن ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين فئتين من المسلمين(١٣).
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حسن سبط من الأسباط(١٤).
روى الحمويني بسنده عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخذ بيد الحسن والحسين رضي الله عنهما: قال من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة(١٥).
أسد الغابة لابن الأثير ج٥ ص٤٦٧ قال: روى إبراهيم بن علي الرافعي، عن جدته زينب بنت أبي رافع، قالت: رأيت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتت بابنيهما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شكواه الذي توفي فيه فقالت: يا رسول الله هذان ابناك فورثهما. فقال: أما حسن فإن له هيبتي وسؤددي، وأما حسين فإن له جرأتي وجودي. وروي عن الترمذي مرفوعا إلى ابن عباس (رضي الله عنه) أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حامل الحسن بن علي عليهما السلام فقال رجل: نعم المركب ركبت يا غلام، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ونعم الراكب هو. وروي عن الحافظ أبي نعيم فيما أورده في حليته عن أبي بكر قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي بنا فيجئ الحسن عليه السلام وهو ساجد وهو إذ ذاك صغير فيجلس على ظهره ومرة على رقبته فيرفعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم رفعا رفيقا، فلما فرغ من الصلاة قالوا: يا رسول الله إنك تصنع بهذا الصبي شيئا لا تصنعه بأحد! فقال صلى الله عليه وآله وسلم: إن هذا ريحانتي، وإن ابني هذا سيد، وعسى أن يصلح الله تعالى به بين فئتين من المسلمين. روي عن الأصمعي قال: بعث الحجاج إلى يحيى بن يعمر، فقال له: أنت الذي تقول: إن الحسن بن علي ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ والله لتأتيني بالمخرج أو لأضربن عنقك، فقال له: إن أتيتك بالمخرج فأنا آمن؟ قال: نعم. قال له: أقرء: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه.. إلى قوله... ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى)(١٦) فمن أقرب، عيسى إلى إبراهيم، وإنما هو ابن ابنته أو الحسن إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال الحجاج: فوالله لكأني ما قرأت هذه الآية قط.(١٧) ومما جاء في كرم أخلاق الحسن والحسين عليهما السلام أنهما مرا على شيخ يتوضأ ولا يحسن الوضوء فأظهرا تنازعا يقول كل منهما للآخر: أنت لا تحسن الوضوء، وقالا: أيها الشيخ كن حكما بيننا فتوضئا وقالا: أينا يحسن الوضوء؟ فقال الشيخ: يا سيدي كلاكما تحسنان الوضوء، ولكن هذا الشيخ الجاهل هو الذي لم يكن يحسن الوضوء وقد تعلم الآن منكما وتاب على يديكما ببركتكما وشفقتكما على أمة جدكما.(١٨)
عن جابر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الجنة تشتاق إلى أربعة من أهلي وقد أحبهم الله وأمرني بحبهم: علي بن أبي طالب، والحسن والحسين، والمهدي صلى الله عليهم، الذي يصلي خلفه عيسى بن مريم عليه السلام.
ذكر العلامة القندوزي الحنفي، في ينابيع المودة(١٩) في فضائل الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام انقل محل الحاجة منها، ولعلها مكررة بطرق وأسانيد ومصادر مختلفة. في سنن الترمذي، حدثنا نصر بن علي الجهضمي، قال: حدثنا علي بن جعفر بن محمد، قال: أخبرني أخي (الإمام) موسى بن جعفر، عن أبيه، عن جده محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده علي بن أبي طالب قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بيد الحسن والحسين عليهما السلام وقال: من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة، وفي رواية أنا سلم لمن سالمكم وحرب لمن حاربكم. من تاريخ دمشق للحافظ ابن عساكر في ترجمة الإمام الحسن بن علي عليهما السلام ومناقبه (تحقيق الشيخ المحمودي، الطبعة الأولى في مؤسسة المحمودي للطباعة والنشر بيروت، لبنان سنة (١٤٠٠ ه =١٩٨٠م) خلال أحاديث الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بشأن سبطه الإمام الحسن عليه السلام انقل لك مخلصا هذه الأحاديث: من أحبهما فقد أحبني نقل هذا الحديث ابن عساكر بعدة طرق، منها:

أ- ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: أخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيد الحسن والحسين عليهما السلام فقال: من أحبني وهذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة. أقول: اللهم ارزقني حبهم.

ب- وفي رواية أم المؤمنين عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يأخذ الحسن فيضمه إليه فيقول: اللهم إن هذا ابني أحبه فأحبه وأحب من يحبه.
أقول: فلماذا منعت عائشة دفنه عند جده وقالت: لا تدخلوا بيتي من لا أحب؟! نعم الجمل جملكما..
أ- عن جابر بن عبد الله قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو حامل الحسن والحسين على ظهره وهو يمشي بهما، فقلت: نعم الجمل جملكما، ونعم العدلان أنتما، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ونعم الراكبان هما.
ب- عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن أبيه قال: صَلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه، فلما سجد وثبت الحسن على ظهره، فلم يزل حتى نزل، فلما فرغ من صلاته قيل: يا رسول الله طولت بنا! قال: إن ابني هذا ارتحلني، وإني كرهت أن أنزله حتى يقضي حاجته. شفقة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بهما عن زيد بن أرقم قال: خرج الحسن بن علي عليهما السلام وعليه بردة، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطب، فعثر الحسن وسقط، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المنبر وابتدره الناس فحملوه، وتلقاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحمله ووضعه في حجره، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: إن الولد لفتنة، ولقد نزلت إليه وما أدري أين هو، وقال: صدق الله ورسوله: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة).
دعاء في قنوت الوتر الذي علمه صلى الله عليه وآله وسلم للحسن عليه السلام اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت. النص عليه بالخلافة: نص الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم والإمام أمير المؤمنين عليه السلام على(٢٠) الإمامين الحسن والحسين وعلى الأئمة الاثني عشر عليهم السلام بالخلافة والوصاية من بعدهم.
كما إن هناك أحاديث في النص على الحسنين عليهما السلام خاصة، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ابناي هذان إمامان قاما أو قعد(٢١). ومضافا لنصوص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الصريحة على إمامة الأئمة عليهم السلام، كان بعضهم ينص على البعض، وفي هذه الصفحات بعض نصوص الإمام أمير المؤمنين عليه السلام على الحسن عليه السلام: عن سليم بن قيس قال: شهدت أمير المؤمنين عليه السلام حين أوصى إلى ابنه الحسن، وأشهد على وصيته الحسين ومحمدا وجميع ولده، ورؤساء شيعته وأهل بيته، ثم دفع إليه الكتاب والسلاح وقال: يا بني أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أوصي إليك، وأدفع إليك كتبي وسلاحي كما أوصى إلي ودفع إلي كتبه وسلاحه، وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين.
ثم أقبل على ابنه الحسين فقال: وأمرك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تدفعها إلى ابنك هذا، ثم أخذ بيد علي بن الحسين (وهو طفل حدث) وقال: وأمرك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تدفعها إلى ابنك محمد بن علي، فاقرأه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومني السلام(٢٢).

وقال الأصبغ بن نباتة: إن عليا لما ضربه الملعون ابن ملجم دعا بالحسن والحسين فقال: إني مقبوض في ليلتي هذه، فاسمعا قولي، وأنت يا حسن والقائم بالأمر بعدي، وأنت يا حسين شريكه في الوصية، فاصمت وكن لأمره تابعا ما بقي، فإذا خرج من الدنيا فأنت الناطق من بعده، والقائم بالأمر عنه، وكتب له بالوصية عهدا منشورا نقله جمهور العلماء(٢٣).
وقال ابن أبي الحديد: عهد بها -الخلافة- إلى الحسن عليه السلام عند موته(٢٤).
كما ذكر في إعلام الورى عن الكليني عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن أمير المؤمنين عليه السلام لما حضرته الوفاة قال لابنه الحسن: ادن مني حتى أسر إليك ما أسر إلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأئتمنك على ما ائتمنتني عليه، ففعل(٢٥).
وذكر العلامة ابن شهرآشوب في مناقبه، قال الله تعالى كتابه في المجيد: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان)(٢٦). ولا اتباع أحسن من اتباع الحسن والحسين عليهما السلام. وقال تعالى: (ألحقنا بهم ذريتهم) فقد ألحق الله بهما ذريتهما برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وشهد بذلك كتابه، فوجب لهم الطاعة لحق الإمامة، مثل ما وجب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لحق النبوة. إلى هنا أكتفي. وحين حضرت أمير المؤمنين عليه السلام الوفاة عين ولده الأكبر، الإمام الحسن بن علي عليه السلام وصيا له وخليفة من بعده، وذلك بوصية مسبقة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأشهد بذلك أهل بيته وسائر أبنائه، وكبار أصحابه من شيعته. ولما قبض أمير المؤمنين عليه السلام خطب الإمام الحسن عليه السلام خطبة ذكر فيها فضل أبيه وفضله وفضل أهل بيته، ثم جلس، فقام عبد الله بن العباس بين يديه فقال: معاشر الناس، هذا ابن نبيكم ووصي إمامكم فبايعوه. فقالوا: ما أحبه إلينا وأوجب حقه علينا. وبادروا إلى البيعة له بالخلافة وذلك يوم الجمعة الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة، فرتب العمال وأمر الأمراء وأنفذ عبد الله بن العباس إلى البصرة ونظر في الأمور. قتل ابن ملجم قتل ابن ملجم: أدخل ابن ملجم على أمير المؤمنين عليه السلام وهو مسجى، فقال له: أي عدو الله، ألم أحسن إليك؟ قال: بلى.
قال: فما حملك على هذا؟ فسكت فلم يجب، ثم التفت إلى أولاده خاصة الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام وقال: النفس بالنفس، إن أنا مت فاقتلوه كما قتلني، وإن سلمت فأنا ولي دمي، رأيت فيه رأيي، وأوصى به وقال أطعموا م أسيرك من طعامكم، فأخذوه إلى الحبس، وأحدق به الناس يحاولون أن ينهشوا لحمه بأسنانهم. فلما فرغ الإمام من دفن أبيه بعث إلى ابن ملجم فأحضره، فقال للإمام عليه السلام هل لك في خصلة إني أعطيك عهد الله فإن شئت خليت بيني وبين معاوية حتى أقتله، فإن لم أقتله وبقيت، أن آتيك حتى أضع يدي في يدك. فقال الإمام عليه السلام: لا والله حتى تعاين النار، ثم قدمه وضرب عنه. وأخذ الناس جيفته فأدرجوه في بواري وأحرقوه بالنار. وقال المفيد (قدس سره) في الإرشاد: استوهبت أم الهيثم بنت الأسود النخعية جيفته من الإمام عليه السلام لتولى إحراقها فوهبها لها فأحرقتها بالنار. وروى الحاكم في المستدرك بسنده عن أبي إسحاق الهمداني: رأيت ابن ملجم قاتل علي بن أبي طالب عليه السلام يحرق بالنار في أصحاب الرماح.
الفصل الثالث: فضائله، ومناقبه، ومحاسن أخلاقه، ومعجزاته عليه السلام
شذرات من فضائله عليه السلام:
روى مرفوعا إلى أم الفضل قالت: قلت يا رسول الله، رأيت (في المنام) عضوا من أعضائك في بيتي. قال صلى الله عليه وآله وسلم: خيرا رأيت، تلد ابنتي فاطمة غلاما. وترضعيه بلبن قثم، فولدت فاطمة الحسن عليه السلام، بلبن فأرضعته قثم. وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من أحب الحسن والحسين فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني. الحديث. ذكر في أخبار أصفهان ج ١ ص ٤٤، ما معناه: الحسن ابن علي بن أبي طالب: سيد شباب أهل الجنة، والمصلح بين المسلمين، شبيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحبيبه، سليل الهدى، وحليف أهل التقى، ورابع(٢٧) أهل الكساء وابن سيدة النساء. وفي ج ٢ ص ٢٤٢، عن حذيفة، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ألا إن الحسن بن علي قد أعطي من الفضل ما لم يعط أحد من ولد آدم ما خلا يوسف بن يعقوب. وفي تهذيب ابن عساكر ج٤ ص ١٩٩ و٢١١ نظير ذلك.
وفي الإستيعاب ج١ ص٣٨٥ لا أسود ممن سماه رسول الله سيدا. وكان رحمة الله عليه حليما، ورعا فاضلا. كما ذكر قبل ذلك في تاريخ الخلفاء ص ٧٢، وفي طبقات الشعراني، وفي البداية ج ٨ ص ٣٧ وغيرهم.
وقد أطبق الجميع على حلمه، وفضائله، ومواقفه الحكيمة، وشجاعته الفذة، وزهده، وورعه، وكلما يقال في شأنه فهو دون مقامه، كيف لا؟ فهو عين قريش وأوسطهم، وسيد بني هاشم بعد جده وأبيه، ومن أهل بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا بنص الكتاب، وسيد شباب أهل الجنة، ومن يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وريحانته، وأفضل الناس علما، وحلما، وورعا، وكرما بعد جده وأبيه، فلا يقاس به من الناس أحد. عبادته: أمالي الصدوق: قال الإمام الصادق عليه السلام: حدثني أبي، عن أبيه عليهما السلام أن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام كان أعبد الناس في زمانه، وأزهدهم وأفضلهم، وكان إذا حج حج ماشيا، وربما مشى حافيا، وكان إذا ذكر الموت بكى، وإذا ذكر القبر بكى، وإذا ذكر البعث والنشور بكى، وإذا ذكر الممر على الصراط بكى، وإذا ذكر العرض على الله تعالى شهق شهقة يغشى عليه منها، وكان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي ربه عز وجل وكان إذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم، ويسأل الله الجنة، ويعوذ به من النار، وكان عليه السلام لا يقرأ من كتاب الله عز وجل (يا أيها الذين آمنوا) إلا قال: لبيك اللهم لبيك، ولم ير في شيء من أحواله إلا ذاكرا لله سبحانه: وكان أصدق الناس لهجة، وأفصحهم منطقا.(٢٨) حج عليه السلام خمسا وعشرين حجة ماشيا وإن النجايب لتقاد معه.(٢٩) كان إذا توضأ ارتعدت مفاصله، واصفر لونه، فقيل له في ذلك، فقال: حق على كل من وقف بين يدي رب العرش أن يصفر لونه، وترتعد مفاصله. يا بن آدم عف عن محارم الله تكن عابدا، وارض بما قسم الله تكن غنيا، وأحسن جوار من جاورك تكن مسلما، وصاحب الناس بمثل ما تحب أن يصاحبوك بمثله تكن عدلا، إنه كان بين أيديكم قوم يجمعون كثيرا ويبنون مشيدا ويأملون بعيدا، أصبح جمعهم بورا، وعملهم غرورا، ومساكنهم قبورا، يا ابن آدم، إنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك، فجد بما في يده لما بين يديك، وإن المؤمن يتزود والكافر يتمتع.
فصاحته وبلاغته عليه السلام:
في كتاب العدد: قيل طعن أقوام من أهل الكوفة في الحسن بن علي عليهما السلام فقالوا: إنه عي لا يقوم بحجة، فبلغ ذلك ر أمي المؤمنين عليه السلام فدعا الحسن وقال: يا ابن رسول الله، قم فاخطب الناس. فصعد عليه السلام المنبر فخطب خطبة بليغة وجيزة، فضج الناس، فقال منها: أيها الناس اعقلوا عن ربكم (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين * ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم)(٣٠) فنحن الذرية من آدم، والأسرة من نوح، والصفوة من إبراهيم، والسلالة من إسماعيل، وآل من محمد صلى الله عليه وآله وسلم، نحن فيكم كالسماء المرفوعة، والأرض المدحوة، والشمس الضاحية، وكالشجرة الزيتونة، لا شرقية ولا غربية التي بورك زيتها، النبي أصلها، وعلي فرعها، ونحن والله ثمرة تلك الشجرة، فمن تعلق بغصن من أغصانها نجى، ومن تخلف عنها فإلى النار هوى. فقام أمير المؤمنين عليه السلام فصعد المنبر مع الحسن فقبل ما بين عينيه، ثم قال: يا ابن رسول، أثبت على القوم حجتك، وأوجبت عليهم طاعتك، فويل لمن خالفك.(٣١) حلمه عليه السلام: كانت سيرته عليه السلام سيرة جده وأبيه عليهما السلام في الصفح عن المسئ، والعفو عند المقدرة، والتواضع، إلى غير ذلك من المزايا الحميدة، والصفات الكريمة. وما أحوج الأمة إلى تبني هذه السيرة والسير في هذا الطريق، ليعود لها ماضيها المجيد، وعزها التليد.
 نذكر في هذا الفصل

بعض ما ورد من حلمه في سيرته عليه السلام:
 ١ - عن المبرد وابن عائشة قالا: إن شاميا رآه راكبا فجعل يلعنه والحسن لا يرد، فلما فرغ، أقبل الحسن عليه وتبسم، وقال: أيها الشيخ أظنك غريبا ولعلك شبهت، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا حملناك، وإن كنت محتاجا أغنيناك، وإن كنت طريدا آويناك، وإن كانت لك حاجة قضيناها لك، فلو حركت رحلك إلينا وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك، كان أعود عليك، لأن لنا موضعا رحبا، وجاهلا عريضا، ومالا كبيرا. فلما سمع الرجل كلامه بكى ثم قال: أشهد أنك خليفة الله في أرضه، الله أعلم حيث يجعل رسالته، وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إلي، والآن أنت أحب خلق الله إلي، وحول رحله إليه، وكان ضيفه إلى أن ارتحل، وصار معتقدا لمحبتهم.
جوده وكرمه عليه السلام:
 ولعل أبرز صفات الإمام السبط عليه السلام وفضائله جلاء من بين أخلاقه الفاضلة السامية: السخاء، فهو معروف بكريم أهل البيت. الكرم والجود من الغرائز الثابتة في شخصية الإمام عليه السلام واستمرار صلاته للمحتاجين والوافدين طفحت على كل فضائله وحسن صفاته، بنهج رائد لا زال يقتفي أثره الكرماء ولم يلحقوا به، وكل جواد وكريم من ذلك الحين إلى يومنا هذا فهو عيال عليه، ومنه آخذ وبه اقتدى.
فمما رواه الخطيب البغدادي في تاريخه ج٦ ص٣٤ إنه قال: روي عن الإمام الحسن بن علي عليه السلام أنه كان مارا في حيطان(٣٢) المدينة فرأى عبدا اسودا بيده رغيف خبز يأكل ويطعم كلبه لقمة إلى أن شاطره طعامه في الرغيف، فقال له الإمام الحسن عليه السلام ما حملك على ما عملت وشاطرته ولم تعافيه فيه شيء؟ فقال الغلام: استحت عيناي من عينه. فقال له الإمام: غلام من أنت؟ فقال: غلام أبان بن عثمان، فقال: والحائط؟ قال: لأبان بن عثمان. فقال له الإمام الحسن أقسمت عليك لا برحت حتى أعود إليك. فمر على صاحب الحائط فاشترى الحائط والغلام معا، وجاء إلى الغلام فقال: يا غلام قد اشتريتك، فقام الغلام قائما وقال: السمع والطاعة لله ولرسوله ولك يا مولاي.
قال: واقد اشتريت الحائط، وأنت حر لوجه الله، والحائط هبة مني إليك. فقال الغلام: يا مولاي قد وهبت الحائط للذي وهبتني له. وجاء أعرابي سائلا، فقال: أعطوه ما في الخزانة، وكان فيها عشرون ألفا فدفعوها إليه، فقال الأعرابي يا مولاي ألا تركتني أبوح بحاجتي وأنشر مدحتي، فقال الإمام عليه السلام:

نحن أناس نوالنا خضل * * * يرتع فيه الرجاء والأمل
تجود قبل السؤال أنفسنا * * * خوفا على ماء وجه من يسل
لو علم البحر فضل نائلنا * * * لفاخر من بعد فيضه حمل

ومنها: سمع عليه السلام رجلا إلى جنبه في المسجد الحرام يسأل الله تعالى أن يرزقه عشرة آلاف درهم، فانصرف إلى منزله وبعث إليه بعشرة آلاف درهم. ويروي المؤرخون عن سخائه أيضا أن جماعة من الأنصار كانوا يملكون بستانا يعتاشون منه فاحتاجوا لبيعه، فاشتراه منهم بأربعمائة ألف درهم، ثم أصابتهم ضائقة بعد ذلك اضطرتهم لسؤال ما في أيدي الناس، فرد عليهم البستان حتى لا يسألوا أحدا شيئا. وحيت جارية الحسن عليه السلام بطاقة ريحان، فقال لها: أنت حرة لوجه الله فقيل له في ذلك، فقال: أدبنا الله تعالى فقال: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها)(٣٣) وكان أحسن منها إعتاقها(٣٤).
وقد قسم كل ما يملكه نصفين، ثلاث مرات في حياته، وحتى نعله، ثم وزعه في سبيل الله كما يقول عنه الراوي مخاطبا إياه: وقد قاسمت ربك مالك ثلاث مرات حتى النعل والنعل.(٣٥) جاء أعرابي وطرق الباب، وأنشد الأبيات التالية:

لم يبق لي شيء يباع بدرهم * * * يكفيك منظر حالتي عن مخبري
إلا بقايا ماء وجه صنته * * * ألا يباع وقد وجدتك مشتري

فأمر الإمام خازنه بإحضار ما في الخزانة، فكانت اثني عشر ألف درهم، وقال: هذه بقية النفقة، فقال الإمام: أعطه وأحسن ظنك بالله، فأنشد:

عاجلتنا فأتاك وابل برنا * * * طلا ولو أمهلتنا لم تمطر
فخذ القليل وكن كأنك لم تبع * * * ما صنته وكأننا لم نشتر

روى المؤرخون صورا كثيرة من ألوان جوده وكرمه ومعروفه، التي كان يغدق بها على السائلين والفقراء والمحرومين لإنقاذهم مما كانوا يعانون من آلام الحاجة والبؤس والشقاء ابتغاء لوجه الله وثوابه، لا للجاه والدنيا وتدعيم ملك وسلطان ولا لمكافأة على المدح والثناء كما كان يصنع ابن هند وغيره من حكام الأمويين والعباسيين. ومن ذلك ما رواه أبو الحسن المدائني قال: خرج الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر عليهم السلام حجاجا فلما كانوا في بعض الطريق جاعوا وعطشوا وقد فاتتهم أثقالهم فنظروا إلى خباء فقصدوه فإذا فيه عجوز فقالوا: هل من شراب؟ فقالت: نعم، فأناخوا بها وليس عندها إلا شويهة في كسر الخباء فقالت: احتلبوها فتذوقوا لبنها، ففعلوا ذلك وقال لها: هل من طعام؟ فقالت: هذه الشويهة ما عندي غيرها أقسم عليكم بالله إلا ما ذبحها أحدكم بينما أهئ لكم حطبا واشووها وكلوها، ففعلوا وأقاموا حتى بردوا، فلما ارتحلوا قالوا لها: نحن نفر من قريش نريد هذا الوجه فإذا رجعنا سالمين فألمي بنا فإنا صانعون إليك خيرا، ثم ارتحلوا. فأقبل زوجها فأخبرته خبر القوم والشاة فغضب وقال: ويحك تذبحين شاة لأقوام لا تعرفيهم ثم تقولين: نفر من قريش. ثم بعد وقت طويل ألجأتهم الحاجة واضطرتهم السنة إلى دخول المدينة فدخلاها يلتقطان البعر فمرت العجوز في بعض السكك تلتقط البعر فبصر بها الحسن عليه السلام فعرفها فناداها وقال لها يا أمة الله تعرفيني؟
فقالت: لا. فقال عليه السلام: أنا أحد ضيوفك في المنزل الفلاني ضيفك يوم كذا سنة كذا. فقالت: بأبي أنت وأمي لست أعرفك. قال عليه السلام: فإن لم تعرفين فأنا أعرفك، فأمر غلامه فاشترى لها من غنم الصدقة ألف شاة وأعطاها ألف دينار، وبعث بها مع غلامه إلى أخيه الحسين فعرفها وقال: بكم وصلك أخي الحسن؟ فأخبرته، فأمر لها مثل ذلك، ثم بعث معها غلامه إلى عبد الله بن جعفر (رضي الله عنه) فقال: بكم وصلك الحسن وأخوه؟ فقالت: وصلني كل واحد منهما بألف شاة وألف دينار، فأمر لها بألف شاة وألف دينار وقال: والله لو بدأت بي، ثم رجعت إلى زوجها وهي من أغنى الناس. مر عليه السلام على فقراء قد وضعوا على وجه الأرض كسيرات من الخبز كانوا قد التقطوها وهم يأكلون منها، فدعوه إلى مشاركتهم، فأجابهم إلى ذلك وهو يقول: إن الله لا يحب المتكبرين، ولما فرغوا من الطعام دعاهم إلى ضيافته، فأطعهم وكساهم.(٣٦) قيل للحسن (رضي الله عنه) لأي شيء نراك لا ترد سائلا، وإن كنت على فاقة؟ فقال: إني لله سائل، وفيه راغب، وأنا استحي أن أكون سائلا وأرد سائلا، وإن الله تعالى عودني عادة أن يفيض نعمه علي، وعودته أن أفيض نعمه على الناس، فأخشى إن قطعت العادة أن يمنعني العادة، وأنشد يقول:

إذا ما أتاني سائل قلت مرحبا * * * بمن فضله فرض علي معجل
ومن فضله فضل على كل فاضل * * * وأفضل أيام الفتى حين يسئل(٣٧)

إن رجلا جاء إليه وسأله حاجة فقال له: يا هذا حق سؤالك إياي يعظم لدي، ومعرفتي بما يجب تكبر علي، ويدي تعجز عن نيلك بما أنت أهله، والكثير في ذات الله عز وجل قليل، وما في ملكي وفاء بشكرك، فإن قبلت مني الميسور، ورفعت عني مؤنة الاحتيال والاهتمام لما أتكلفه من واجبك فعلت. فقال: يا ابن رسول الله اقبل القليل، واشكر العطية، واعذر على المنع. فدعا الحسن عليه السلام بوكيله، وجعل يحاسبه على نفقاته حتى استقصاها فقال: هات الفاضل من الثلاثمائة ألف درهم، فاحضر خمسين ألفا، قال: فما فعل بالخمسمائة دينار؟ قال: هي عندي، قال: أحضرها، فأحضرها، فدفعها له. ومن كرمه وجوده: أنبأنا أبو هارون، قال: انطلقنا حجاجا فدخلنا المدينة فقلنا: لو دخلنا على ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحسن ابن علي وسلمنا عليه، فدخلنا عليه فحدثناه بمسيرنا وحالنا، فلما خرجنا من عنده بعث إلى كل رجل منا أربعمائة أربعمائة، فقلنا للرسول: إنا أغنياء وليس بنا حاجة، فقال الرسول: لا تردوا عليه معروفه. فرجعنا إليه فأخبرناه بيسارنا وحالنا، فقال: لا تردوا علي معروفي، فلو كنت على غير هذه الحال كان لكم يسير(٣٨) أما إني مزودكم: إن الله (تبارك وتعالى) يباهي ملائكته بعباده يوم عرفة فيقول: عبادي جاؤوني شعثا يتعرضون لرحمتي فأشهدكم أني قد غفرت لمحسنهم وشفعت محسنهم في مسيئهم. وإذا كان يوم الجمعة فمثل ذلك.
قضاء الحاجة: ذكر ابن عساكر في تاريخ دمشق، في ترجمة الإمام الحسن عليه السلام(٣٩) حديث ٢٥٣، بعد حذف السند: عن أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: خرج الإمام الحسن عليه السلام يطوف بالكعبة، فقام إليه رجل:فقال يا أبا محمد اذهب معي في حاجتي إلى فلان، فترك الطواف وذهب معه، فلما اعترضه رجل حاسد للرجل الذي ذهب معه، فقال: يا أبا محمد تركت الطواف وذهبت مع فلان إلى حاجته؟ تواضعه قال: فقال له الحسن عليه السلام: كيف لا أذهب معه؟ ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من ذهب في حاجة أخيه المسلم فقضيت حاجته كتبت له حجة وعمرة، وإن لم تقض له كتبت له عمرة، فقد اكتسبت حجة وعمرة ورجعت إلى طوافي. متى ذل الناس؟ في شرح الأخبار ج٣ ص١٣١.
عن عمرو بن بشير(٤٠)، قال: قلت لأبي إسحاق: متى ذل الناس؟ قال: لما مات الحسن بن علي عليه السلام، وقتل حجر بن عدي، وأدعى معاوية زياد(٤١).

تواضعه: وورد أنه كان جالسا في مكان، وعندما عزم على الانصراف دخل رجل فقير الحال، فحياه الإمام السبط عليه السلام ولاطفه، ثم قال له: إنك جلست على حين قيام منا، أفتأذن لي بالانصراف؟ فأجابه الرجل: نعم يا ابن رسول الله. وهذا الحديث يكشف عن حسن معاشرته بالإضافة إلى تواضعه. معجزاته عليه السلام: معاجزه روى ابن شهر آشوب في مناقبه، عن أبي حمزة الثمالي، عن الإمام زين العابدين عليه السلام قال: كان الحسن ابن علي جالسا فأتاه آت فقال: يا ابن رسول الله قد احترقت دارك؟ قال: لا، ما احترقت. إذ أتاه آت، فقال: يا ابن رسول الله، قد وقعت النار في دار إلى جنب دارك حتى ما شككنا أنها ستحرق دارك ثم إن الله صرفها عنها. واستغاث الناس من زياد (ابن أبيه) إلى الحسن بن علي عليهما السلام فرفع يده وقال: اللهم خذ لنا ولشيعتنا من زياد ابن أبيه(٤٢) وأرنا فيه نكالا عاجلا إنك على كل شيء قدير. قال فخر: خراج في إبهام يمينه يقال له: السلعة(٤٣) وورم إلى عنقه، فمات.
ادعى رجل على الحسن بن علي عليهما السلام ألف دينار كذبا ولم يكن له عليه، فذهبا إلى شريح (القاضي) فقال للحسن عليه السلام: أتحلف؟ قال: إن حلف خصمي أعطيه. فقال شريح للرجل: قل: بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة. فقال الحسن: لا أريد مثل هذا لكن قل: بالله إن لك علي هذا، وخذ الألف. فقال الرجل ذلك وأخذ الدنانير، فلما قام خر إلى الأرض ومات، فسئل الحسن عليه السلام عن ذلك، فقال: خشيت أنه لو تكلم بالتوحيد يغفر له يمينه ببركة التوحيد، ويحجب عنه عقوبة يمينه(٤٤).
قضاؤه عليه السلام:
في الكافي، بعد حذف السند، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر الباقر، وأبا عبد الله الصادق عليهما السلام يقولان: بينا الحسن بن علي عليهما السلام في مجلس أمير المؤمنين عليه السلام إذ أقبل قوم فقالوا: يا أبا محمد أردنا أمير المؤمنين عليه السلام. قال: ما حاجتكم؟ قالوا: أردنا أن نسأله عن مسألة، وهي: أن امرأة جامعها زوجها فلما قام عنها قامت بحموتها فوقعت على جارية بكر فساحقتها فألقت النطفة فيها فحملت، فما تقول في هذا؟ فقال الحسن عليه السلام: معضلة وأبو الحسن لها وأقول: يعمد إلى المرأة فيؤخذ منها مهر الجارية البكر في أول وهلة لأن الولد لا يخرج منها حتى يشق فتذهب عذرتها، ثم ترجم المرأة لأنها محصنة، وينتظر بالجارية حتى تضع ما في بطنها، ويرد إلى أبيه صاحب النطفة، ثم تجلد الجارية الحد. قال: فانصرف القوم من عند الحسن، فدخلوا على أمير المؤمنين عليه السلام فقال: ما قلتم لأبي محمد وما قال لكم؟ فأخبروه، فقال: لو إنني المسؤول ما كان عندي أكثر مما قال ابني.(٤٥) في مناقب ابن شهرآشوب: عن القاضي النعمان في شرح الأخبار بالإسناد، عن عبادة بن الصامت أن أعرابيا سأل أبا بكر فقال، إني أصبت بيض نعام فشويته وأكلته وأنا محرم فما يجب علي؟ فقال أبو بكر: يا أعرابي، أشكلت علي في قضيتك، فدله على عمر، ودله عمر على عبد الرحمن، فلما عجزوا قالوا: عليك بالأصلع، أمير المؤمنين علي عليه السلام فقال: سل أي الغلامين شئت، فقال الحسن: يا أعرابي ألك إبل؟ قال: نعم، قال: فاعمد إلى عدد ما أكلت من البيض، نوقا فاضربهن بالفحول، فما فضل منها فاهده إلى بيت الله (الحرام) العتيق، الذي حججت إليه، فقال أمير المؤمنين عليه السلام إن من النوق السلوب، ومنها ما يزلق: فقال: إن يكن من النوق السلوب(٤٦) وما يزلق فإن من البيض ما يمرق، قال: فسمع صوت معاشر الناس: إن الذي فهم هذا الغلام هو الذي فهمها سليمان بن داود عليه السلام (٤٧).
نقل السيد جعفر مرتضى العاملي في كتابه الإمام الحسن عليه السلام ص ١٠٢ إلى ١٠٦ ما لخصه: وثم قصة أخرى، وهي قضية الذي أقر على نفسه بالقتل، حينما رأى أن بريئا سيقتل بسببه، فحكم عليه أمير المؤمنين عليه السلام بعدم وجوب القود، فإنه إن كان قد قتل فعلا، فقد أحيا نفسا، ومن أحيا نفسا، فلا قود عليه. قال ابن شهرآشوب: في الكافي والتهذيب: عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام أن أمير المؤمنين عليه السلام سأل فتوى ذلك الحسن عليه السلام فقال يطلق كلاهما، والدية من بيت المال، قال: ولم؟ قال: لقوله تعالى: (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا)(٤٨).
وأيضا... فهناك أسئلة أخرى من ذلك الرجل عن الناس، وأشباه الناس، وعن النسناس، فأحاله الإمام علي عليه السلام على ولده الحسن عليه السلام فأجابه عنها(٤٩).
إخباره المغيبات
عن أبي أسامة زيد الشحام، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خرج الحسن بن علي عليهما السلام إلى مكة ماشيا سنة من السنين، فورمت قدماه، فقال بعض مواليه: لو ركبت لسكن عنك بعض هذا الورم الذي برجلك. قال: كلا، إذا أتينا المنزل فإنه سيستقبلك عبد أسود، معه دهن لهذا الورم، فاشتر منه ولا تماكسه. فقال مولاه: بأبي وأمي، ليس أمامنا منزل فيه أحد يبيع هذا الدواء! قال: بلى، إنه أمامك دون المنزل.
فسارا أميالا، فإذا الأسود يستقبله، فقال الحسن عليه السلام: دونك الرجل فخذ من الدهن واعطه ثمنه. فقال له الأسود: ويحك يا غلام، لمن أردت هذا الدهن؟ قال: للحسن بن علي عليهما السلام قال: انطلق بي إليه. فأخذ بيده حتى أدخله عليه، فقال: بأبي أنت وأمي، لم أعلم أنك تحتاج إليه، ولا أنه يراد ذلك، ولست آخذ له ثمنا، إنما أنا مولاك، ولكن ادعو الله أن يرزقني ذكرا سويا، يحبكم أهل البيت، فإني خلفت امرأتي وقد أخذها الطلق. فقال له الحسن عليه السلام: انطلق إلى منزلك، فإن الله تبارك وتعالى وهب لك ذكرا سويا، وهو لنا شيعة. فرجع الأسود من فوره، فإذا بأهله قد وضعت غلاما سويا، فرجع إلى الحسن عليه السلام فأخبره بذلك، ودعا له خيرا، ومسح الحسن عليه السلام بذلك الدهن رجليه فما برح من مجلسه حتى سكن ورمه، ومشى على قدميه.
وروي أن أمير المؤمنين عليه السلام كان في الرحبة، فقام إليه رجل، وقال: أنا من رعيتك وأهل بلادك. فقال عليه السلام: لست من رعيتي ولا من أهل بلادي، وإن ابن الأصفر(٥٠) بعث إلى معاوية بمسائل أقلقته، فأرسلك إلي بها. قال: صدقت يا أمير المؤمنين، كان في خفية وأنت قد اطلعت عليها، ولم يعلم غير الله.
قال: سل أحد ابني هذين: قال: أسأل ذا الوفرة(٥١) -يعني الحسن عليه السلام- فأتاه فقال: جئت لتسأل(٥٢): كم بين الحق والباطل؟ وكم بين السماء والأرض؟ وكم بين المشرق والمغرب؟ وما قوس قزح؟ وما المؤنث؟ وما عشرة أشياء بعضها أشد من بعض؟ (قال: نعم). قال الحسن عليه السلام: بين الحق والباطل أربعة أصابع، فما رأيته بعينك فهو الحق وما سمعته(٥٣) بأذنيك باطل كثير، وبين السماء والأرض دعوة المظلوم مد البصر، وبين المشرق والمغرب مسيرة يوم للشمس، وقزح اسم للشيطان، لا تقل قوس قزح، هو قوس الله، وعلامة الخصب، وأمان لأهل الأرض من الغرق. وأما المؤنث فهو من لا يدري أذكر هو أم أنثى، فإنه ينتظر فيه، فإن كان ذكرا احتلم، وإن كانت أنثى حاضت وبدا ثدياها، وإلا قيل له: بل، فإن أصاب بوله الحائط فهو ذكر، وإن انتكص بوله على رجليه كما ينتكص بول البعير فهو امرأة. وأما عشرة أشياء بعضها أشد من بعض، فأشد شي خلقه الله الحجر، وأشد منه الحديد، يقطع به الحجر، وأشد من الحديد النار، تذيب الحديد، وأشد من النار الماء، يطفئ النار، وأشد من الماء السحاب، يحمل الماء، وأشد من السحاب الريح، تحمل السحاب، وأشد من الريح الملك الذي يردها، وأشد من الملك ملك الموت الذي يميت الملك، وأشد من ملك الموت الموت الذي يميت ملك الموت، وأشد من الموت أمر الله تعالى (الذي) يدفع الموت.
حكمته وعلمه عليه السلام: ذكر ابن عساكر في تاريخه -تاريخ دمشق- في ترجمة الإمام الحسن عليه السلام (٥٤)، بعد حذف السند، عن الهمداني إسحاق عن الحارث الأعور (قال..) إن عليا عليه السلام سأل ابنه الإمام الحسن عليه السلام وهو لا يتجاوز العشر سنوات عن أشياء من أمر المروءة.
قال: بابني ما السداد؟.
قال: يا أبت، السداد دفع المنكر بالمعروف.
قال: فما المروءة؟ قال: العفاف، وإصلاح المرء ماله.
قال: فما السماحة؟. قال: البذل في العسر واليسر.
قال: فما الشح؟. قال: إن ترى ما في يديك شرفا، وما أنفقته تلفا.
قال: فما الإخاء؟. قال: الوفاء في الشدة والرخاء. قال: فما الحلم؟.
قال: كظم الغيظ، وملك النفس.
قال: فما الغنى؟.
قال: رضى النفس بما قسم الله لها وإن قل، فإنما الغنى غنى النفس.
قال: فما الفقر؟.
قال: شره النفس في كل شيء.
قال: فما المجد؟.
قال: إن تعطي في الغرم، وإن تعفو عند الجرم.
قال: فما العقل؟.
قال: حفظ القلب كلما استرعيته.
قال: فما الخرق؟.
قال: معاداتك أمامك، ورفعك عليه كلامك.
قال: فما الثناء؟.
قال: إتيان الجميل، وترك القبيح.
قال: فما الشرف؟(٥٥).
قال: موافقة الإخوان، وحفظ الجيران.
قال: فما السفه؟.
قال: اتباع الدناة، ومصاحبة الغواة.
قال: فما الغفلة؟.
قال: تركك المسجد وطاعتك المفسد.
قال: فما الحرمان؟.
قال: تركك حظك وقد عرض عليك(٥٦).
ومن حكمه عليه السلام:
حياة أئمة أهل البيت عليهم السلام حافلة بتوجيه المسلمين إلى الله تعالى، والترغيب إليه، والحث على طاعته، فهم يتوسلون لذلك بكل السبل، وشتى الوسائل، ولم يقتصر برنامجهم التثقيفي على القاء الدروس فقط، بل تضمن السلوك العملي بالإضافة إلى الخطب، والوصايا، والكتب، كما حفظ لهم التاريخ بعض كلماتهم القصار، وهي لا تساويها مطولات غيرهم، لما اشتملت عليه من كنوز المعرفة، وعلاج الكثير من أمراضنا الاجتماعية، والدعوة إلى الحق والفضيلة. نقدم في الفصل بعض ما ورد من كلماته: قال عليه السلام: لا تعاجل الذنب بالعقوبة واجعل بينهما للاعتذار طريقا. وقال عليه السلام: المزاح يأكل الهيبة، وقد أكثر من الهيبة الصامت. وقال عليه السلام: الفرصة سريعة الفوت، بطيئة العود. وقال عليه السلام: تجهل النعم ما أقامت، فإذا ولت عرفت. وقال عليه السلام: ما تشاور قوم إلا هدوا إلى رشدهم. وقال عليه السلام: اللؤم أن لا تشكر النعمة. وقال عليه السلام: الخير الذي لا شر فيه: الشكر مع النعمة، والصبر على النازلة. وقال عليه السلام: العار أهون من النار. وقال عليه السلام: هلاك المرء في ثلاث الكبر والحرص والحسد، فالكبر هلاك الدين، وبه لعن إبليس، والحرص عدو النفس، وبه أخرج آدم من الجنة، والحسد رائد السوء، ومنه قتل قابيل هابيل. وقال عليه السلام: لا أدب لمن لا عقل له، ولا مروءة لمن لا همة له، ولا حياء لمن لا دين له، ورأس العقل معاشرة الناس بالجميل، وبالعقل تدرك الداران جميعا، ومن حرم العقل حرمهما جميع(٥٧).
وقال عليه السلام: مكارم الأخلاق عشر: صدق اللسان، وصدق البأس، وإعطاء السائل، وحسن الخلق، والمكافأة بالصنائع، وصلة الرحم، والترحم على الجار، ومعرفة الحق للصاحب، وقري الضعيف، ورأسهن الحياء.
وقال عليه السلام: فوت الحاجة خير من طلبها إلى غير أهله(٥٨).
وقال عليه السلام: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحاسد(٥٩).
وقال عليه السلام: علم الناس علمك، وتعلم علم غيرك، فتكون قد أتقنت علمك، وعلمت ما لم تعلم(٦٠).
وقال عليه السلام لرجل أبل من علة: إن الله قد ذكرك فاذكره، وأقالك فاشكره.
وقال عليه السلام: إذا أضرت النوافل بالفريضة فارفضوها.
وقال عليه السلام: من تذكر بعد السفر اعتد.
وقال عليه السلام: بينكم وبين الموعظة حجاب العزة.
وقال عليه السلام: إن من طلب العبادة تزكى لها.
وقال عليه السلام: قطع العلم عذر المتعلمين(٦١).
وقال عليه السلام: أحسن الحسن الخلق الحسن(٦٢).
وقال عليه السلام: يا ابن آدم عف عن محارم الله تكن عابدا، وارض بما قسم الله تكن غنيا، وأحسن جوار من جاورك تكون مسلما، وصاحب الناس بمثل ما تحب أن يصاحبوك به تكن عدلا. يا ابن آدم إنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك فخذ مما في يديك لما بين يديك.
وقال عليه السلام: ما فتح الله عز وجل لأحد باب مسألة فخزن عنه باب الإجابة، ولا فتح لعبد باب شكر فخزن عنه باب المزيد، ولا فتح على رجل باب عمل فخزن عنه باب القبول.
وقال عليه السلام: المعروف ما لم يتقدمه مطل، ولا يتبعه من، والاعطاء، قبل السؤال من أكبر السؤدد، المسؤول حر حتى يعد ومسترق حتى ينجز، الفرصة سريعة الفوت.
وقال عليه السلام: وسئل عن البخل، فقال: هو أن يرى الرجل ما أنفقه تلفا، وما أمسكه شرفا.
وقال عليه السلام: لا تأت رجلا إلا أن ترجو نواله(٦٣)، وتخاف يده، أو تستفيد من علمه، أو ترجو بركة دعاءه، أو تصل رحما بينك وبينه.
وقال عليه السلام: من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه.
وقال عليه السلام: حسن السؤال نصف العلم.
وقال عليه السلام: إذا نازعتك إلى صحبة الرجال حاجة فأصحب من إذا صحبته زانك، وإذا خدمته صانك، وإذا أردت منه معرفة أعانك، وإن قلت صدق قولك، وإن صلت شد صولتك(٦٤).
وقال عليه السلام: المصائب مفاتيح الأجر.
وقال عليه السلام: النعمة محنة فإن شكرت كانت كنزا، وإنه كفرت كانت نقمة.
وقال عليه السلام: من عدد نعمه محق كرمه.
وقال عليه السلام: الوحشة من الناس على مقدار الفطنة بهم.
عن الإمام الحسن عليه السلام: - إنه خطب الناس فقال: إنا أهل البيت الذين افترض الله مودتهم على كل مسلم فقال سبحانه: (قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى، ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا) فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت(٦٥).
وقال عليه السلام: المعروف ما كان ابتداء من غير مسألة، فأما من أعطيته بعد المسألة فإنما أعطيته بما بذل لك من ماء وجهه.
ومن مواعظه لجنادة بن أمية قال الإمام أبي محمد الحسن عليه السلام: لما قال له جنادة عظني يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: استعد لسفرك، وحصل زادك قبل حلول أجلك، واعلم أنك تطلب الدنيا والموت يطلبك. واعلم أن الدنيا في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، وفي الشبهات عتاب(٦٦).
وقال عليه السلام: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا. وقال عليه السلام: من أراد عزا بلا عشيرة، وهيبة بلا سلطان، فليخرج من ذل معصية الرحمن إلى عز طاعته. من كلام لعلي عليه السلام إلى ولده الإمام الحسن عليه السلام يا بني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا فقر أشد من الجهل، ولا مال أعود من العقل، ولا وحدة أوحش من العجب، ولا مظاهرة أوثق من المشاورة، ولا عقل كالتدبير، ولا حسب كحسن الخلق، ولا ورع كالكف، ولا عبادة كالتفكر، ولا إيمان كالحياء والصبر وآفة الحديث الكذب، وآفة العلم النسيان، وآفة الحلم السفه، وآفة العبادة الفترة، وآفة الظرف الصلف(٦٧) وآفة الشجاعة البغي، وآفة السماحة المن، وآفة الجمال الخيلاء، وآفة الحسب الفخر. يا بني لا تستخفن برجل تراه أبدا فإن كان أكبر منك فعد أنه أبوك، وإن كان مثلك فهو أخوك، وإن كان أصغر منك فاحسبه أنه ابنك. ثم النجدة: الذب عن الجار، والمحاماة في الكريمة، والصبر عند الشدائد(٦٨).
سئل الإمام الحسن عليه السلام عن الصمت فقال: هو ستر العي، وزين العرض، وفاعله في راحة، وجليسه آمن(٦٩).
كان الإمام الحسن يجلس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويجتمع الناس حوله، فجاء رجل فوجد شخصا يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والناس حوله مجتمعون، فجاء إليه الرجل فقال: أخبرني عن شاهد ومشهود؟.
فقال: نعم، أما الشاهد فيوم الجمعة، وأما المشهود فيوم عرفة. فتجاوزه إلى آخر يحدث في المسجد فسأله عن شاهد ومشهود كذلك.
فقال: أما الشاهد فيوم الجمعة وأما المشهود فيوم النحر.
ثم تجاوزهما إلى ثالث فسأله عن شاهد ومشهود أيضا فقال: الشاهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمشهود يوم القيامة، أما سمعته عز وجل يقول: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا) وقال تعالى: (ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود) فسأل عن الأول فقالوا ابن عباس، وسأل عن الثاني فقالوا: ابن عمر، وسأل عن الثالث فقالوا: الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم(٧٠).
كان عليه السلام يطوف في بيت الله الحرام فسأله رجل عن معنى الجواد.
فقال له: إن لكلامك وجهين: إن كنت تسأل عن المخلوق فإن الجواد الذي يؤدي ما افترض عليه، والبخيل الذي يبخل بما اقترض عليه، وإن كنت تسأل عن الخالق: فهو الجواد إن أعطى وإن منع، لأنه إن أعطى عبدا أعطاه ما ليس له، وإن منع منع ما ليس له(٧١).
شعره:
وقال عليه السلام في التذكير بالموت:

قل للمقيم بغير دار إقامة * * * حان الرحيل فودع الأحبابا
إن الذين لقيتهم وصحبتهم * * * صاروا جميعا في القبور ترابا

وقال عليه السلام في التذكير:

يا أهل لذات دنيا لا بقاء لها * * * إن المقام بظل زائل حمق(٧٢)

وقال عليه السلام في الزهد في الدنيا:

لكسرة من خسيس الخبز تشبعني * * * وشربة من قراح الماء تكفيني
وطمرة من رقيق الثوب تسترني * * * حيا وإن مت تكفيني لتكفيني(٧٣)

وله عليه السلام في السخاء:

إن السخاء على العباد فريضة * * * لله يقرأ في كتاب محكم
وعد العباد الأسخياء جنانه * * * وأعد للبخلاء نار جهنم
من كان لا تندى يداه بنائل * * * للراغبين فليس ذاك بمسلم(٧٤)

تقريض العظماء والعلماء:

كلمات العلماء والعظماء فيه عليه السلام: قال عبد الله بن الزبير لمن كان يتحدث عن أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنا أحدثكم بأشبه أهله به وأحبهم إليه، الحسن بن علي، رأيته يجئ وهو ساجد فيركب رقبته، فما ينزله حتى يكون هو الذي ينزل...(٧٥).
وقال: والله ما قامت النساء عن مثل الحسن بن علي.(٧٦) كتب إليه الحسن البصري: أما بعد: فإنكم معشر بني هاشم الفلك الجارية، واللجج الغامرة، والأعلام النيرة الشاهرة، أو كسفينة نوح عليه السلام، التي نزلها المؤمنون، ونجا فيها المسلمون...(٧٧).
قال واصل بن عطاء: كان الحسن بن علي عليه السلام عليه سيماء الأنبياء، وبهاء الملوك.(٧٨) قال محمد بن طلحة الشافعي (في الإمام الحسن بن علي عليه السلام ): كان الله عز وجل قد رزقه الفطرة الثاقبة في إيضاح مراشد ما يعانيه، ومنحه النظرة الصائبة لإصلاح قواعد الدين ومبانيه، وخصه بالجلبة التي درت لها أخلاق مادتها بصور العلم ومعانيه.(٧٩)
قال شمس الدين يوسف بن قزاغلي الحنفي -سبط ابن الجوزي- في الإمام الحسن عليه السلام: كان من كبار الأجواد، وله الخاطر الوقاد، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحبه حبا شديدا.(٨٠)
قال شيخ الإسلام شهاب الدين بن حجر: الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي، سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وريحانة أمير المؤمنين، أبو محمد، ولد في نصف شهر رمضان....(٨١)
قال شمس الدين محمد بن طولون: وثانيهم: وهو الحسن بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي المدني، أبو محمد سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وريحانته، وابن فاطمة بنت رسول الله سيدة نساء العالمين رضي الله عنها.
وقال: وكان الحسن (رضي الله عنه) شبيها بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم سماه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعق عنه يوم سابعه، وحلق شعره وأمر أن يتصدق بزنة شعره فضة، وهو (رابع) خامس أهل الكساء.(٨٢)
وقال: ابن الأثير مثله.
قال خير الدين الزركلي: كان عاقلا حليما محبا للخير فصيحا، من أحسن الناس منطقا وبديهة، كان معاوية يوصي أصحابه باجتناب محاورة رجلين: هما الحسن بن علي، وعبد الله بن عباس، لقوة بداهتهما. بايعه أهل العراق بالخلافة بعد مقتل أبيه سنة ٤٠...(٨٣).
قال محمد رضا المصري: هو سيد شباب أهل الجنة، وريحانة النبي وشبيهه...(٨٤).

دور الإمام في الحياة العام

قال عبد القادر أحمد اليوسف: ولتكن للقارئ فكرة مبدئية على أن الحسن بن علي وابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما تلاه من الأئمة المعصومين، يعتبرون أنفسهم أحق من غيرهم، لا بل هم المكلفون بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بنشر الإسلام والمحافظة على السنن والشرائع المحمدية، لما لهم من وشائج القربى، ونقاوة النفس وتفهم التنزيل.(٨٥)
دور الإمام في الحياة العامة:
فقد قام الإمام الحسن عليه السلام بتحمل عب ء الإمامة وقيادة الأمة منذ اللحظة التي رجع فيها من دفن أبيه أمير المؤمنين عليه السلام بكل قدرة وكفاءة، وحكمة وبصيرة، قل نظيرها وعز مثيلها، والمتتبع لسيرة الإمام السبط عليه السلام يدرك ذلك جيدا ويقدر الظروف التي واجهته. ويهمني في هذا المقام أن أستعرض بعض جوانب ممارساته الجهادية، على مرحلتين في حياة أبيه وبعده عليه السلام.
أولا: لقد تميز دور الإمام السبط عليه السلام في عهد أبيه عليه السلام، وفي أيام خلافته على وجه التحقيق، بالخضوع التام لأوامر أبيه وقدوة وإماما، وقد كان يتلقى أوامره لا كابن بار فحسب، وإنما كجندي فدائي مطيع، بكل ما في كلمة الجندي من مضامين الطاعة والانضباط، الواعية المدركة لمسؤولياتها.
مناظراته عليه السلام مع معاوية وأصحابه:-
قال ابن أبي الحديد: روى الزبير بن بكار في كتاب المفاخرات قال: اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص، والوليد بن عقبة بن أبي معيط، وعتبة بن أبي سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة، وقد كان بلغهم عن الحسن بن علي عليه السلام قوارص، وبلغه عنهم مثل ذلك، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن الحسن قد أحيا أباه وذكره، وقال فصدق، وأمر فأطيع، وخفقت له النعال، وإن ذلك لرافعه إلى ما هو من أعظم منه، ولا يزال يبلغنا عنه ما يسوؤنا.
قال معاوية: فما تريدون؟ مناظراته مع معاوية وحزبه قالوا: إبعث عليه فليحضر لنسبه، ونسب أباه ونعيره ونوبخه، ونخبره أن أباه قتل عثمان ونقرره بذلك، ولا يستطيع أن يغير علينا شيئا من ذلك.
قال معاوية: إني لا أرى ذلك ولا أفعله.
قالوا: عزمنا عليك يا أمير المؤمنين لتفعلن.
فقال: ويحكم لا تفعلوا، فوالله ما رأيته قط جالسا عندي إلا خفت مقامه، وعيبه لي.
قالوا: ابعث إليه على كل حال. قال: إن بعثت إليه لا نصفنه منكم.
فقال عمرو بن العاص: أتخشى أن يأتي باطله على حقنا، أو يربو قوله على قولنا؟!.
قال معاوية: أما إني إن أبعث إليه لآمرنه أن يتكلم بلسانه كله. قالوا: مره بذلك.
قال: أما إذا عصيتموني وبعثتم إليه، وأبيتم إلا ذلك، فلا تمرضوا له في القول، واعلموا أنهم أهل بيت لا يعيبهم العائب، ولا يلصق بهم العار، ولكن اقذفوه بحجره، تقولون له: إن أباك قتل عثمان، وكره خلافة الخلفاء من قبله.
فبعث إليه معاوية فجاءه رسوله فقال: إن أمير المؤمنين يدعوك.
قال: من عنده؟ فسماهم.
فقال الحسن عليه السلام: ما لهم خر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون، ثم قال: يا جارية ابغيني ثيابي، اللهم إني أعوذ بك من شرورهم، وأدرأ بك في نحورهم، وأستعين بك عليهم، فاكفنيهم كيف شئت، وأنى شئت بحول منك وقوة يا أرحم الراحمين.
ثم قام فدخل على معاوية فأعظمه وأكرمه، وأجلسه إلى جانبه، وقد ارتاد القوم وخطروا خطران الفحول، بغيا في أنفسهم وعلوا، ثم قال: يا أبا محمد إن هؤلاء بعثوا إليك وعصوني.
فقال الحسن عليه السلام: سبحان الله الدار دارك، والإذن فيها إليك، والله إن كنت أجبتهم إلى ما أرادوا وما في أنفسهم إني لأستحي لك من الفحش، وإن كانوا غلبوك على رأيك إني لأستحي لك من الضعف، فأيهما تقر، وأيهما تنكر، أما إني لو علمت بمكانهم جئت معي بمثلهم من بني عبد المطلب(٨٦) وما لي أن أكون مستوحشا منك ولا منهم إن وليي الله وهو يتولى الصالحين. فقال معاوية: يا هذا إني كرهت أن أدعوك، ولكن هؤلاء حملوني على ذلك من كراهتي له، وإن لك منهم النصف، ومني وإنما دعوناك لنقررك أن عثمان قتل مظلوما، وأن أباك قتله، فاستمع منهم، ثم أجبهم، ولا تمنعك وحدتك واجتماعهم أن تتكلم بكل لسانك. فتكلم عمرو بن العاص: فحمد الله، وصلى على رسوله، ثم ذكر عليا عليه السلام، فلم يترك شيئا يعيبه به إلا قاله، وقال: إنه شتم أبا بكر وكره خلافته، وامتنع من بيعته، ثم بايعه مكرها، وشرك في دم عمر، وقتل عثمان ظلما، وادعى من الخلافة ما ليس له، ثم ذكر الفتنة يعيره بها، وأضاف إليه مساوئ وقال: إنكم يا بني عبد المطلب لم يكن لله ليعطيكم الملك على قتالكم الخلفاء، واستحلالكم ما حرم الله من الدماء، وحرصكم على الملك، وإتيانكم ما لا يحل، ثم إنك يا حسن تحدث نفسك أن الخلافة صائرة إليك، وليس عندك عقل ذلك ولا لبه، كيف ترى الله سبحانه سلبك عقلك، وتركك أحمق قريش، يسخر منك ويهزأ بك، وذلك لسوء عمل أبيك، وإنما دعوناك لنسبك وأباك، فأما أبوك فقد تفرد الله به، وكفانا أمره، وأما أنت فإنك في أيدينا نختار فيك الخصال، ولو قتلناك ما كان علينا إثم من الله، ولا عيب من الناس، فهل تستطيع أن ترد علينا وتكذبنا؟ فإن كنت ترى أنا كذبنا في شيء فأردده علينا فيما قلنا، وإلا فاعلم أنك وأباك ظالمان.
ثم تكلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط فقال: يا بني هاشم إنكم كنتم أخوال عثمان فنعم الولد كان لكم، فعرف حقكم، وكنتم أصهاره فنعم الصهر كان لكم يكرمكم، فكنتم أول من حسده، فقتله أبوك ظلما، لا عذر له ولا حجة، فكيف ترون الله طلب بدمه، وأنزلكم منزلتكم، والله إن بني أمية خير لبني هاشم من بني هاشم لبني أمية، وإن معاوية خير لك من نفسك. ثم تكلم عتبة بن أبي سفيان فقال: يا حسن كان أبوك شر قريش لسفكه لدمائها، وقطعه لأرحامها، طويل السيف واللسان، يقتل الحي، ويعيب الميت، وإنك ممن قتل عثمان ونحن قاتلوك به، وأما رجاؤك الخلافة فلست في زندها قادحا، ولا في ميراثها راجحا، وإنكم يا بني هاشم قتلتم عثمان، وإن من الحق أن نقتلك وأخاك به، فأما أبوك فقد كفانا الله أمره، وأقاد منه، وأما أنت فوالله ما علينا لو قتلناك بعثمان إثم ولا عدوان.
ثم تكلم المغيرة بن شعبة فشتم عليا وقال: ما أعيبه في قضية يخون، ولا في حكم يميل ولكنه قتل عثمان. ثم سكتوا، فتكلم الحسن بن علي عليه السلام: فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله وآله، ثم قال: أما بعد يا معاوية فما هؤلاء شتموني ولكنك شتمتني، فحشا ألفته، وسوء رأي عرفت به، وخلقا سيئا ثبت عليه، وبغيا علينا، وعداوة منك لمحمد وأهله، ولكن اسمع يا معاوية واسمعوا، فلأقولن فيك وفيهم ما هو دون ما فيكم: أنشدكم الله أيها الرهط أتعلمون أن الذي شتمتموه منذ اليوم صلى القبلتين كليهما وأنت يا معاوية بهما كافر تراها ضلالة، وتعبد اللات والعزى غواية. وأنشدكم الله هل تعلمون أنه بايع البيعتين كليهما: بيعة الفتح، وبيعة الرضوان، وأنت يا معاوية بأحدهما كافر، وبالأخرى ناكث، وأنشدكم الله هل تعلمون أنه أول الناس إيمانا، وأنك يا معاوية وأباك من المؤلفة قلوبهم: تسرون الكفر، وتظهرون الإسلام، وتستمالون بالأموال. وأنشدكم الله ألستم تعلمون أنه كان صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر، وأن راية المشركين كانت مع معاوية ومع أبيه، ثم لقيكم يوم أحد ويوم الأحزاب ومعه راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومعك ومع أبيك راية الشرك، وفي كل ذلك يفتح الله له، ويفلج حجته، وينصر دعوته، ويصدق حديثه، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تلك المواطن كلها عنه راض، وعليك وعلى أبيك ساخط. وأنشدك الله يا معاوية أتذكر يوم جاء أبوك على جمل أحمر وأنت تسوقه، وأخوك عتبة هذا يقوده، فرآكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: اللهم العن الراكب والقائد والسائق. أتنسى يا معاوية الشعر الذي كتبته إلى أبيك لما هم أن يسلم، تنهاه عن ذلك:

يا صخر لا تسلمن يوما فتفضحنا * * * بعد الذين ببدر أصبحوا مزقا
خالي وعمي وعم الأم ثالثهم * * * وحنظل الخير قد أهدى لنا الأرقا
لا تركنن إلى أمر تكلفنا * * * والراقصات به في مكة الخرقا
فالموت أهون من قول العداة لقد * * * حاد ابن حرب عن العزى إذا فرقا

والله لما أخفيت من أمرك أكبر مما أبديت، وأنشدكم الله أيها الرهط أتعلمون أن عليا حرم الشهوات على نفسه بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل فيه: (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث أكابر أصحابه إلى بني قريظة فنزلوا من حصنهم فهزموا، فبعث عليا بالراية فاستنزلهم على حكم الله وحكم رسوله، وفعل في خيبر مثلها.
ثم قال: يا معاوية أظنك لا تعلم أني أعلم ما دعا به عليك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أراد أن يكتب كتابا إلى بني خزيمة، فبعث إليك ونهمك إلى أن تموت. وأنتم أيها الرهط نشدتكم الله ألا تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعن أبا سفيان في سبعة مواطن لا تستطيعون ردها:
أولها: يوم لقي رسول صلى الله عليه وآله وسلم خارجا من مكة إلى الطائف يدعو ثقيفا إلى الدين، فوقع به، وسبه وسفهه وشتمه وكذبه وتوعده، وهم أن يبطش به، فلعنه الله ورسوله وصرف عنه.
والثانية: يوم العير إذ عرض لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي راجعة من الشام، فطردها أبو سفيان وساحل بها، فلم يظفر المسلمون بها، ولعنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودعا عليه، فكانت وقعة بدر لأجلها.
والثالثة: يوم أحد حيث وقف تحت الجبل، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أعلاه، وهو ينادي: أعل هبل، مرارا، فلعنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشر مرات، ولعنه المسلمون.
والرابعة: يوم جاء بالأحزاب وغطفان واليهود، فلعنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابتهل.
والخامسة: يوم جاء أبو سفيان في قريش فصدوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله، وذلك يوم الحديبية، فلعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا سفيان، ولعن القادة والأتباع وقال: ملعونون كلهم، وليس فيهم من يؤمن. فقيل: يا رسول الله، أفما يرجى الإسلام لأحد منهم فكيف باللعنة؟ فقال: لا تصيب اللعنة أحدا من الأتباع، وأما القادة فلا يفلح منهم أحد.
والسادسة: يوم الجمل الأحمر.
والسابعة: يوم وقفوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في العقبة ليستنفروا ناقته، وكانوا اثني عشر رجلا، منهم أبو سفيان، فهذا لك يا معاوية. وأما أنت يا ابن العاص فإن أمرك مشترك، وضعتك أمك مجهولا من عهر وسفاح، فتحاكم فيك أربعة من قريش، فغلب عليك جزارها، ألأمهم حسبا، وأخبثهم منصبا، ثم قام أبوك فقال: أنا شاني محمد الأبتر، فأنزل الله فيه ما أنزل (إن شانئك هو الأبتر)، قاتلت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جميع المشاهد، وهجوته وآذيته بمكة، وكدته كيدك كله وكنت من أشد الناس له تكذيبا وعداوة، ثم خرجت تريد النجاشي مع أصحاب السفينة لتأتي بجعفر وأصحابه إلى أهل مكة، فلما أخطاك ما رجوت، ورجعك الله خائبا، وأكذبك واشيا، جعلت حدك على صاحبك عمارة ابن الوليد، فوشيت به إلى النجاشي حسدا لما ارتكب من حليلتك، ففضحك الله وفضح صاحبك، فأنت عدو بني هاشم في الجاهلية والإسلام ثم إنك تعلم وكل هذا الرهط يعلمون، أنك هجوت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسبعين بيتا من الشعر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم إني لا أقول الشعر، ولا ينبغي لي، اللهم العنه بكل حرف ألف لعنة، فعليك إذا من الله ما لا يحصى من اللعن. وأما ما ذكرت من أمر عثمان، فأنت سعرت عليه الدنيا نارا، ثم لحقت بفلسطين، فلما أتاك قتله قلت: أنا أبو عبد الله إذا نكأت قرحة أدميتها، ثم حبست نفسك إلى معاوية وبعت دينك بدنياه، فلسنا نلومك على بغض ولا نعاتبك على ود، وبالله ما نصرت عثمان حيا ولا غضبت له مقتولا. ويحك يا ابن العاص، ألست القائل في بني هاشم لما خرجت من مكة إلى النجاشي:

تقول ابنتي أين هذا الرحيل * * * وما السير مني بمستنكر
فقلت ذريني فإني امرؤ * * * أريد النجاشي في جعفر
لأكويه عنده كية * * * أقيم بها نخوة الأصعر
وشاني أحمد من بينهم * * * وأقولهم فيه بالمنكر
وأجري إلى عتبة جاهدا * * * ولو كان كالذهب الأحمر
ولا أنثني عن بني هاشم * * * وما استطعت في الغيب والمحضر
فإن قيل العتب مني له * * * وإلا لويت له مشفري

فهذا جوابك هل سمعته؟ وأما أنت يا وليد فوالله ما ألومك على بغض علي وقد جلدك ثمانين في الخمر، وقتل أباك بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صبرا، وأنت الذي سماه الله الفاسق، وسمى عليا المؤمن حيث تفاخرتما فقلت له: اسكت يا علي فأنا أشجع منك جنانا، وأطول منك لسانا، فقال لك علي: اسكت يا وليد فأنا مؤمن وأنت فاسق، فأنزل الله في موافقة قوله (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون) ثم أنزل فيك على موافقة قوله أيضا: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) ويحك يا وليد مهما نسيت فلا تنس قول الشاعر فيك وفيه:

أنزل الله والكتاب عزيز * * * في علي وفي الوليد قرانا
فتبوأ الوليد إذ ذاك فسقا * * * وعلي مبوأ إيمانا
ليس من كان مؤمنا -عمرك الله- * * * كمن كان فاسقا خوانا
سوف يدعي الوليد بعد قليل * * * وعلي إلى الحساب عيانا
فعلي يجزي بذاك جنانا * * * ووليد يجري بذاك هوانا
رب لعقبة جد بن أبان * * * لابس في بلادنا تبانا

وما أنت بقريش، إنما أنت علج من أهل صفورية، وأقسم بالله لأنت أكبر في الميلاد، وأسن مما تدعي إليه عقبة بن أبي معيط. وأما أنت يا عتبة فوالله ما أنت بحصيف فأجيبك، ولا عاقل فأحاورك وأعاتبك، وما عندك خير يرجى، ولا شر يتقى، وما عقلك وعقل أمتك إلا سواء، وما يضر عليا لو سببته على رؤوس الأشهاد، وأما وعيدك إياي بالقتل فهلا قتلت اللحياني إذ وجدته على فراشك، أما تستحي من قول نصر بن حجاج فيك:

يا للرجال وحادث الأزمان * * * ولسبة تخزي أبا سفيان
نبئت عتبة خانه في عرسه * * * جنس لئيم الأصل من لحيان

وبعد هذا ما أربأ بنفسي عن ذكره لفحشة، فكيف يخاف أحد سيفك ولم تقتل فاضحك؟ وكيف ألومك على بغض علي وقد قتل خالك الوليد مبارزة يوم بدر، وشرك حمزة في قتل جدك عتبة، وأوحدك من أخيك حنظلة في مقام واحد؟ وأما أنت يا مغيرة فلم تكن بخليق أن تقع في هذا وشبهه، وإنما مثلك مثل البعوضة إذ قالت للنخلة: استمسكي فإني طائرة عنك، فقالت النخلة: وهل علمت بك واقعة علي فأعلم بك طائرة عني، والله ما نشعر بعداوتك إيانا، ولا اغتممنا إذ علمنا بها، ولا يشق علينا كلامك، وإن حد الله في الزنا لثابت عليك، ولقد درأ عمر عنك حقا الله سائله عنه، ولقد سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هل ينظر الرجل إلى المرأة يريد أن يتزوجها؟ فقال: لا بأس بذلك يا مغيرة ما لم ينو الزنا، لعلمه بأنك زان.
وأما فخركم علينا بالإمارة فإن الله تعالى يقول: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا). ثم قام الحسن فنفض ثوبه فانصرف، فتعلق عمرو بن العاص بثوبه وقال: يا أمير المؤمنين قد شهدت قوله وقذفه أمي بالزنا، وأنا مطالب له بحد القذف. فقال معاوية: خل عنه لا جزاك الله خيرا، فتركه، فقال معاوية: قد أنبأتكم أنه ممن لا تطلق عارضته، ونهيتكم أن تسبوه فعصيتموني، والله ما قام حتى أظلم علي البيت، قوموا عني فلقد فضحكم الله وأخزاكم بترككم الحزم وعدولكم عن رأي الناصح المشفق، والله المستعان(٨٧).
روي في المحاسن والأضداد ص ٩٠ أذكرها بصيغة ملخصا أخرى: كان معاوية، وعمر بن العاص، ومروان بن الحكم، وزياد بن أبيه الذي ادعاه معاوية إلى أبي سفيان، زورا وبهتانا، كانوا يتحاورون في قديم مجدهم، إذ قال معاوية: قد أكثرتم الفخر، ولو حضركم الحسن بن علي، وعبد الله بن العباس لقصروا من أعنتكم، فقال زياد وقال مروان اعتراضا على معاوية. فدخل الإمام الحسن عليه السلام وقد سبقه إلى المجلس عبد الله بن العباس فلما استقر الإمام في مجلسه بدأ معاوية وقال: إني أجلكما وأرفع قدركما لا سيما أنت يا أبا محمد فإنك ابن رسول الله وسيد شباب أهل الجنة.
وعلم عمرو بن العاص أن الحوار إذا بدأ فستقع الحدة به، فقال في نفسه لا بد أن أتكلم فإن قهرت فسبيل ذلك وإن قهرت أكون قد ابتدأت، فقال: يا حسن إنا قد تفاوضنا فقلنا: إن رجال بني أمية أصبر على اللقاء، وأمضى في الوغاء، وأوفى عهدا وأكرم ضيما وأمنع لما وراء ظهورهم من بني عبد المطلب. ثم تكلم مروان بن الحكم فقال: كيف لا يكون ذلك؟ وقد قارعناهم فغلبناهم، وحاربناهم فملكناهم فإن شئنا عفونا وإن شئنا بطشنا. ثم تكلم زياد فقال ما ينبغين لهم أن ينكروا الفضل لأهله، ويجحدوا الخير في مظانه، نحن الحملة في الحروب، ولنا الفضل على سائر الناس قديما وحديثا. فتكلم الإمام الحسن (رضي الله عنه) فقال: ليس من الحزم -أي الجزع- أن يصمت الرجل عند إيراد الحجة، ولكن من الإفك أن ينطق الرجل بالخنا، ويصور الكذب في صورة الحق. يا عمرو افتخارا بالكذب وجرأة على الإفك؟ ما زلت أعرف مقالبك الخبيثة أبديها مرة بعد مرة -أبديها مرة وأمسك عنها أخرى- أتذكر مصابيح الدجى، وأعلام الهدى، وفرسان الطراد، وحتوف الأقران، وأبناء الطعان، وربيع الضيفان، ومعدن العلم، ومهبط الوحي والنبوة. وزعمتم أنكم أحمى لما وراء ظهوركم وقد تبين ذلك يوم بدر حين نكصت الأبطال:... ثم قال: أما أنت يا مروان، فما أنت والإكثار في قريش وأنت ابن طليق وأبوك طريد تنقلب في خزاية إلى سوءة، وقد أتي بك إلى أمير المؤمنين يوم الجمل فلما رأيت الضرغام قد رميت براثنه واشتبكت أنيابه كنت كما قال الأول: (بصبصن ثم رمين بالأبصار) فلما من عليك بالعفو...
ثم التفت إلى زياد وقال: وما أنت يا زياد وقريش ما أعرف لك فيها أديما صحيحا ولا فرعا ثابتا ولا منبتا كريما، كانت أمك بغيا يتداولها رجالات قريش وفجار العرب. فلما ولدت لم تعرف لك العرب والدا فادعاك هذا يعني معاوية، فمالك والافتخار تكفيك سمية، ويكفينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأبي سيد المؤمنين الذي لم يرتد على عقبيه وأعمامي حمزة سيد الشهداء، وجعفر الطيار في الجنة. ثم التفت إلى ابن عباس فقال: إنما هي بغاث الطير انقض عليها البازي، فأراد ابن عباس أن يتكلم فأقسم عليه معاوية أن يكف، فكف ثم خرجا. فقال معاوية: أجاد عمرو الكلام لولا أن حجته دحضت، وقد تكلم مروان لولا أنه نكص، ثم التفت إلى زياد فقال ما دعاك إلى هذه المحاورة ماكن إلا كالحجل في كف عقاب.
فقال عمرو: أفلا رميت من ورائنا؟ قال معاوية: إذا كنت شريككم في الجهل أفأفاخر رجلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جده، وسيد من مضى ومن بقي، وأمه فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، ثم قال لهم: والله لئن سمع أهل الشام ذلك أنه للسوءة السواء،... فخلا ابن عباس بالحسن عليه السلام فقبل بين عينيه، وقال: أفديك يا ابن عمي، والله ما زال بحرك يزخر وأنت تصول حتى شفيتني من أولاد البغايا. الكوفة
الفصل الرابع .. الكوفة
تأسست الكوفة في سنة ١٧سبعة عشر هجرية أيام الفتح الإسلامي في زمن عمر بن الخطاب، لتكون معسكرا ثابتا للجيش الإسلامي، فكان المقاتلون يفدون إليها من أرجاء الجزيرة العربية، فيقيمون في المعسكرات كجنود مدربين على القتال وعلى أهبة الاستعداد، لخوض المعارك عندما يداهم البلاد الإسلامية عدو، فكانت تضم أكبر عدد وأقوى جند للحرب، وهم ينتظرون صدور الأوامر بالخروج لخوض المعارك أو إمداد الجيوش الإسلامية في مختلف الأرجاء. قبل أن أدخل في صلب هذا البحث عن خلافة الإمام الحسن عليه السلام ومحنته مع معاوية وأخيرا اضطراره لعقد الهدنة والصلح حقنا للدماء، وحفاظا على أرواح البقية الباقية من إخوانه وأهل بيته وأصحابه الأوفياء المخلصين، لا بد لي أن أمهد مقدمة للبحث وبيان التركيبة المعقدة لمجتمع الكوفة.
التنوع القبلي :
إمتازت الكوفة في أول تخطيطها بتقسيم خاص، فاستوطنت القبائل -بشكل مقصود- وفق تقسيم سباعي، يضم كل سبع قبيلة -أو أكثر- مع حلفائها وذلك لحشر مقاتلة القبائل وفقا للقيادات وللتعبئة عند النفير والخروج للجهاد، ولم يكن التقسيم بحسب المحلات من الكوفة، بل قطعات قبلية بالنسبة إلى النسب أو الحلف، وهي كالتالي:
١- قبيلة كنانة وحلفاؤها من الأحابيش وغيرهم، كانوا يوالون السلطة.
٢- قضاعة وغسان، وبجيلة وخثعم، وكندة وحضرموت والأزد.
٣- مذحج، وحمير، وهمدان وحلفاؤهم، وهم يعارضون السلطة.
٤- تميم، والرباب وحلفاؤهم.
٥- أسد، غطفان، ضبيعة، تغلب، النمر ومحارب.
٦- أياد، عبد شمس، وعك، أهل هجر والحمراء.
٧- طي اليمانية، اتخذت لنفسها الرقعة السابعة من التقسيم... إن لهذا التركيب القبلي أثر ملموس في موازين العمل السياسي، سيما أن القبائل متباينة الميول حيال الحكومة المحلية والسلطة المركزية، علما أن نفوذ الوالي على أغلب زعماء القبائل ملحوظ، كما أن تزلف بعض الزعماء لخدمة الولاة على حساب الدين والمسلمين توفيرا لضروريات الدنيا الزائلة شهد به التأريخ. كان هذا التقسيم أيام الفتح. التفاوت الطبقي نشير فيما يلي إلى أهم طبقات المجتمع الكوفي التي ساهمت في التأثير عليه عبر التاريخ، أكثر مما لوحظ في طبقات الأقاليم والأمصار الأخرى:
١- طبقة الأشراف والأعيان والوجهاء، وهم -عدا القليل- متواطئون مع الوالي، أو مع القوة التي يحتمل أن تمسك بزمام الأمور في الكوفة، كابن الأشعث ورفاقه الذين راسلوا الإمام الحسين عليه السلام لظنهم بحتمية التغيير المرتقب، وسنذكرهم لاحقا... أكثرهم رؤساء عشائر وزعماء قبائل، يتحكمون بقوى قبائلهم.

:التفاوت الطبقي
٢- طبقة الموظفين التابعين مباشرة لقصر الأمير، كالشرطة والجلاوزة، والمناكب والنقباء والعرفاء، ممن بيدهم إحصائيات الناس حسب محلات سكناهم، وقوائم أسمائهم، يراقبونهم أو يلقون القبض عليهم، وهي طبقة مسخرة للسهر على أمن السلطة والسلطان، تحصي أنفاس الناس وحركات الإنسان.
٣- طبقة الكادحين والكسبة من ذوي الأعمال الحرة والمهن المستقلة، وأصحاب الدكاكين في الأسواق، الذين طالما يسوء حالهم لفساد الموظف الرسمي الخاص بالسوق، فيرشحون أحدهم ليشكوا حالهم أمام الوالي، وسبق للمجاهد العظيم الشهيد ميثم التمار أن مثلهم لهذا الغرض.
٤- العبيد والموالي، الطبقة المسحوقة الواقعة تحت طائلة التحقير والاستغلال، كما قضت بذلك الشريعة الأموية على سنة معاوية.
٥- المرتزقة، طبقة جمهور الجند الذين تصرف لهم العطاءات من بيت المال لانصرافهم إلى الغزو والقتال، طبق أوامر الولاة والحكام بلا معارضة أو نقاش حتى لو أمروهم بقتال المسلمين واستباحة المحرمات أو قتال الرسول في ولده، تحت طائلة التجويع والإعدام مع استباحة عائلة المرتزق. وهناك القضاة، رجال الدين الأثرياء، كطبقة مترفة - إن صح اعتبارهم طبقة، لقلة عددهم - أبرزهم شريح القاضي ممن كانوا يبيعون الفتوى بثمن بخس دراهم معدودة، تسويغا شرعيا لبشاعة جرائم آل أبي سفيان في أوامرهم التي يبرأ منها الإسلام.
المجتمع الكوفي
 عندما تولى الإمام علي عليه السلام مسؤولية الحكم في الدولة الإسلامية، وجد نفسه مسؤولا بشكل مباشر عن إزاحة آثار الانحراف، وتصفية التبعات التي خلفتها العهود الغابرة، والانشقاقات التي تبرعمت بعدها. وقد استطاع الإمام عليه السلام تصفية التمرد الأول الذي قام به أصحاب الجمل، بزعامة عائشة، وطلحة، والزبير وبني أمية، ثم اتجه لتصفية التمرد الذي قام به وأوجده خط بني أمية بقيادة معاوية بن أبي سفيان، وتولوا السلطة من الذين تنطبق عليهم صفة الطلقاء وأبنائهم، وممن وقفوا من الإسلام موقف خصومة وعداء، من أول يوم قام به الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في تبليغ رسالته حتى اضطروا إلى إعلان إسلامهم تقية ونفاقا، بعد فتح مكة(٨٨)، واستطاع يزيد بن أبي سفيان ومن بعده أخوه معاوية تسخير الشاميين والسيطرة عليهم في محاربة الإمام علي ومن بعده ولديه الحسن والحسين عليهم السلام باسم الإسلام. إن تاريخ الإمام الحسن عليه السلام ومواقفه الإيجابية تدين كل من يتهمه بالضعف والتنازل عن حقه راضيا، أو أنه سلم الحكم إلى معاوية دون أن يتصدى لتصفيته ومحاربته. ونحن نؤكد موقف الإمام عليه السلام الايجابي متحديا الانحراف واستعداده لمحاربة معاوية عندما قال عليه السلام: بلغني أن معاوية بلغه أن كنا أزمعنا على المسير إليه. فتحرك لذلك، أخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنخيلة حتى ننظر وتنظرون ونرى وترون. وفي مجال آخر يشير الإمام عليه السلام إلى استحالة خوض معركة منتصرة، في هذا الجو من الشك وقلة الأعوان المخلصين، والله إني ما سلمت الأمر إلا لأني لم أجد أنصارا، ولو وجدت أنصارا لقاتلته ليلي ونهاري حتى يحكم الله بيني وبينه. ومن هنا جاءت قرارات الإمام عليه السلام الصائبة، بأن يهادن مؤقتا ويقبل الصلح، ويفسح المجال لمعاوية لكي يكشف واقعه المزيف وواقع أطروحته الجاهلية ولكي يعرف هؤلاء المسلمين البسطاء، والذين لم يكونوا يعرفون إلا ما يرون بأعينهم وحواسهم، من هو معاوية وما هو واقعه وواقع حكمه، ومن كان علي بن أبي طالب وماذا كانت أطروحته. ونجحت خطوة الإمام الحسن عليه السلام وبدأ معاوية يساهم إلى درجة كبيرة بكشف نفسه وواقعه المنحرف، ولم ينتظر الوقائع والظروف لتساهم في كشف حقيقته، بل أعلن منذ اليوم الأول عن مضمون أطروحته، وأخذ يواصل الإعلان عنها، وفي مختلف المجالات السياسية والله إني ما قاتلتكم لتصلوا ولتصوموا ولتحجوا ولا لتزكوا، ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم لها كارهون، ألا وإني كنت منيت الحسن بن علي وأعطيته أشياء وجميعها تحت قدمي لا أفي بشيء منها.
وبهذا الإعلان، أخذ المسلمون يشعرون شعورا واضحا بأن أطروحة معاوية ما هي إلا امتداد للجاهلية، التي تريد هدم الإسلام، وإن الإمام علي عليه السلام هو الممثل الحقيقي لأطروحة الإسلام حتى إن تجربته القصيرة في الحكم بقيت أملا وحلما في نظر الجماهير الإسلامية وهم في خضم بؤسهم الذي كانوا يعيشون فيه. هذه الأعوام العشرون التي حكمها معاوية قد تكون من أخزى وأحرج الفترات التأريخية التي مرت على الأمة الإسلامية، أصبح خلالها الإنسان المسلم يحس إحساسا مدمرا بأنه مظلوم وأمته أصبحت مهددة بخطر الفناء، وأن أحكام الشريعة يتلاعب بها، وأصبح الفيء والسواد بستانا لقريش والخلافة كرة يتلاعب بها صبيان بني أمية كما أطلق هذا الشعار أبو سفيان لما صارت الخلافة أموية وانتخب عثمان بن عفان بأمر دبر بليل وبتخطيط مسبق ومبرم. ويستدل من كثير من الأعمال الدبلوماسية التي قام بها معاوية في عهده الطويل الأمد، أنه كان قد قرر على شن حملة واسعة النطاق لتحطيم المبادئ العلوية، أو قل لتحطيم جوهرية الإسلام متمثلة في دعوة علي وأولاده المطهرين عليهم السلام. ويظهر أنه كان ثمة أربعة أهداف تكمن وراء هذه الحملة:
١- شل الكتلة الشيعية -وهي الكتلة الحرة- والقضاء تدريجيا على كل منتم إلى التشيع وتمزيق جامعتهم.
٢- خلق الاضطرابات المقصودة في المناطق المنتمية لأهل البيت والمعروفة بتشيعها لهم، ثم التنكيل بهؤلاء الآمنين بحجة تسبيب الشغب.
٣- عزل أهل البيت عن العالم الإسلامي، وفرض نسيانهم على المسلمين إلا بالذكر السيئ، والحؤول -بكل الوسائل- دون تيسر النفوذ لهم، ثم العمل على إبادتهم عن طريق الغيلة.
٤- تشديد حرب الأعصاب. وإن من شذوذ أحوال المجتمع، أنه سريع التأثر بالدعاوات الجارفة القوية -مهما كان لونها- ولا سيما إذا كانت مشفوعة بالدليلين من مطامع المال ومطامع الجاه. وما يدرينا بم رضي الناس من معاوية، فلعنوا معه عليا وحسنا وحسينا عليهم السلام؟ وما يدرينا بماذا نقم الناس على أهل البيت فنالوا منهم كما شاء معاوية أن ينالوا؟! حتى أصبح سب علي وأولاده سنة معاوية هي الأصل التاريخي لتكوين هذه الكلمة تكوينا اصطلاحيا آخر، تناسل مع الأجيال، وتنوسيت معه مناسباته السياسية الأولى. التركيبة الدينية التركيب الديني إستوطنت الطوائف الدينية المتعددة في الكوفة بشكل واسع، وقد اختلفت طرق وصولهم وكيفية مجيئهم، منهم من جاء بمحض اختيارهم... ومنهم من وصل بصفة أسرى حرب... ومنهم من جاءت بهم التجارة... ومنهم من أجلاهم عمر بن الخطاب من المدينة والحجاز. ومن عناصر هذا التركيب:
 ١- اليهود: سيما يهود المدينة والحجاز الذين أجلاهم عمر بن الخطاب، علما بأن تخطيط الكوفة وتمصيرها كان في عهده، وبانتقال اليهود إلى الكوفة نقلوا معهم موروثات نفوسهم الخبيثة طبعا، ولم يعظهم الجلاء.
 ٢- النصارى: يقسمون إلى طائفتين: النساطرة، واليعاقبة، لكل منهما أسقف خاص بالكوفة، وهم نصارى تغلب الذين استوطنوا أثناء تخطيط الكوفة، ونصارى نجران، استقاموا بمحلة سميت باسمهم محلة النجرانية... ولهم آثار سيئة في أيام الولاة المنحرفين، كالوليد بن عقبة المعروف ب‍ الفاسق بنص القرآن الكريم والي عثمان على الكوفة الذي كان يشرب الخمر ويسقها للنصارى(٨٩) ويوفر لهم الخنزير، وقد اتخذ أحد النصارى موظفا لإدارة شؤون مسجد الكوفة!! وجعل نصرانيا آخر مديرا للسجن! حتى إن أبا موسى الأشعري -الذي جاء بعد الوليد- اتخذ له كاتبا نصرانيا! دون وازع شرعي أو أدنى شعور ديني يوحي بضرورة إسلام النصراني قبل توظيفه، وقد نهى عن ذلك حتى عمر(٩٠).
 ٣- الصابئة: وقد سكنوا الكوفة وكان لهم وجود فيها.
 ٤- المجوس: وبعض الديانات القادمة مع أسرى.
الحروب: كالزرادشتية والمانوية والمزدكية التي كان يعتقد بها البعض أو يعتنقها ولها أنصارها ومؤيدوها، ولا ريب أن وجود هؤلاء في مجتمع مسلم يؤثر على جميع شؤونه سيما إذا كان المجتمع بحاجة إلى تركيز فكر دينه وأصول عقيدته، فكيف -والحالة هذه- أن التحقيقات والدراسات التاريخية تكشف لنا عن كون الولاة -عمال الخليفة عثمان- هم بأنفسهم يشجعون وجودهم ويطلقون لهم عنان الأعمال المتعددة، ابتداء من عمال عثمان.
التباين المذهبي

نظرا لعدم التزام الموازين المبدئية، وتجاوزا لامتداد النبوة، وخرقا لآل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد تشتت الأمة ومجتمع الكوفة بتأثير التفرقة المذهبية التابعة من التباين المفاهيمي والتحزب السياسي الذي أقلق الواقع العام للمجتمع المسلم فضلا عن واقع التركيب الديني في مردوده السلبي داخل الكوفة... وأبرز هذه الاتجاهات هي:
 ١- الخوارج: الذين تنامى عددهم -بعد النهروان- واتخذوا الكوفة قاعدة لهم، سيما أنهم انبثقوا منها، وهم مستعدون -إذا ما رجحت كفة الأمويين- أن يعاضدوا الباطل، ليناهضوا الحق بمحاربة آل الرسول وأشياعهم، فالخوارج كانوا أشد على الرحمن عتيا.
 ٢- النواصب: الذين كانوا ينصبون العداء للإمام علي عليه السلام وآل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
 ٣- الأمويون: التكتل الذي زاد ثقله أيام معاوية، وباشر نشاطه في عهد عثمان بن عفان، وهو تكتل يكرس السلطة والحكم للأمويين وحدهم.
 ٤- الشيعة: الذين تعاظم شأنهم بعد اختيار الإمام أمير المؤمنين الكوفة عاصمة له، إذ لمس الناس منه العدالة واللطف والمساواة، فتزايد عددهم كثيرا قياسا للاتجاهات المذهبية الأخرى في نفس المدينة، التي أصبحت شيعية الطابع والعاطفة... الأمر الذي جعل معاوية -فيما بعد- يفكر في تصفية هذا الاتجاه بشتى الأشكال الانتقامية، كالاعتقالات الواسعة والقتل الذريع الفردي والجماعي، والقمع بالغارات العسكرية المباغتة على السكان الآمنين... كما قام بتبعيد أكثر من خمسين ألف من شيعة الكوفة إلى خراسان(٩١) في أوسع محاولة لتفريغ الإقليم من خصوم الأمويين وكسر شوكة أتباع آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
 ٥- وتوجد اتجاهات أخرى محدودة النطاق ذات التأثير الملحوظ في المجتمع، كالجبرية والقدرية والمرجئة والمفوضة، فضلا عن الغلاة الذين غالوا بالإمام علي حتى قطع دابرهم بيده بعد ما أبوا الخضوع للموعظة... فالميول السائدة في الكوفة -رغم اختلافها كما ونوعا- قد أفقدت المجتمع وحدة الرأي وقوة الموقف. الاختلاف القومي وأما الحمراء فكانوا حلفاء عبد القيس وهم أربعة آلاف جندي من أصل فارسي يرأسهم رجل منهم يسمى ديلم، ولهذا عرفوا بحمر الديلم، وهم الذين التجاؤا إلى سعد بن أبي وقاص بعد معركة القادسية من بقية جيش الفرس، وتحالفهم مع عبد القيس بعد المعركة، ولقد لعب هذا الفيلق دورا رئيسيا، وكان هو الجيش المقدم في عهد زياد وابنه عبيد الله(٩٢).
أضيف إليهم أولاد سبايا القادسية من جنود سعد بن أبي وقاص. الاختلاف القومي وبناء على الموقع العسكري للكوفة، فقد كانت محطة للجيوش ومنطلقا لها، وبالتالي فهي مأوى جميع الأسرى، فتكاثر عدد غير العرب بتكرار المعارك والحروب، فامتلأت بهم أسواق النخاسة، كما لم يعاملوا المعاملة الإسلامية المقررة في الشريعة السمحاء، إذ أن من يسلم منهم يبقى إنسانا أدنى من العربي الذي يسلم، يشهد بذلك عصر معاوية الذي بلغ ذروة التعامل التعسفي معهم، مما أثار النعرات القومية لتكون معول هدم للإسلام الحنيف، إذ فرض معاوية الجزية على كل من يسلم، فأصبح بهذه السياسة وأمثالها يستحق عنوان الدهاء من قبل محبيه. وأبرز القوميات المتواجدة هي:
١- الأتراك: وكان لهم وجود في الكوفة.
٢- الأكراد: وكانوا من ضمن المجتمع الكوفي.
٣ - الفرس: وهم أعلى نسبة بين القوميات، ورد عنهم: أنهم كانوا أكثر من نصف السكان، مما دفع بزياد ابن أبيه أن يوزع منهم في البصرة والشام.
٤ - الروم: ويشكلون النسبة العددية الثانية بعد الفرس.
٥ - السريانيون: جاؤوا من نصيبين وجنديسابور وحران، وذلك قبل الفتح الإسلامي للعراق. وسكن الكوفة الأشوريون والأرمن، وأقليات قومية أخرى ممن لها صفات خلقية خاصة بها، جاءت معها عاداتها وتقاليدها ومعتقداتها ومجمل مردوداتها النفسية والسلوكية. ومن الجدير ذكره أن أقف هنا وقفة متأمل وباحث عن طبيعة الصراع الدائر والظروف التي أولدتها المحنة إليك ملخصها.
١- المجتمع الكوفي المعقد - المتكون من:
 أ- التركيبة القبلية - والانقياد الأعمى إلى زعمائها.
ب- التباين المذهبي - والعقائدي.
ج- أصحاب الأطماع السياسية.
د- التفاوت الطبقي - والاختلاف القومي.
ه‍- بقايا حرب القادسية - وأولادهم - جيش الحمر.
ز- بقايا الخوارج وأولادهم - والمنتمين إليهم.
٢- طغيان معاوية - واستبداده.
 أ- دسائسه ومؤامراته.
ب- دهائه وعدم تورعه.
ج- وعود معاوية رؤساء القبائل وزعمائهم بالأموال والمناصب إن هم قتلوا الإمام الحسن عليه السلام.
٣- تخاذل جيش الإمام - وتفكك قياداته.
أ- الأشعث بن قيس رأس التمرد في صفين - والقبائل المنقادة له.
ب- شبث بن ربعي وحجار بن أبجر، وعمرو بن حريث.
ج- خيانة ابن عمه عبيد الله بن العباس والتحاقه بمعاوية. كل هذه وغيرها مجتمعة أدت إلى قبول الإمام الحسن عليه السلام الهدنة على أن يعمل معاوية بالشروط التي أمليت عليه التي سبق ذكرها... وإليك تفصيله في الفصل الخامس... تولي الإمام عليه السلام الخلافة
الفصل الخامس .. الإمام الحسن بن علي عليه السلام والخلافة
تولى الإمام الحسن عليه السلام مسؤولية الخلافة في مناخ قلق غير مستقر وفي ظروف التعقيد والصراع، والتي برزت وتأزمت في أواخر حياة أبيه الإمام علي عليه السلام. ومن هذه الظروف المعقدة القاسية نذكر ما يلي:
١- بدأ الإمام الحسن عليه السلام حكمه، مع جماهير لا تؤمن إيمانا واضحا كاملا برسالية المعركة وبأهدافها، ولا تتجاوب دينيا وإسلاميا مع متطلبات هذه المعركة، وكانت قد توزعت في تلك الفترة على أحزاب أربعة هي:
 أ- الحزب الأموي: ويضم عناصر قوية تتمتع بنفوذ وكثرة في الأتباع وهؤلاء عملوا على نصرة معاوية في أوساط شيعة الحسن عليه السلام وكانوا بمثابة جواسيس وعيون على تحرك الإمام عليه السلام.
ب- الخوارج: وكانوا أكثر أهل الكوفة لجاجة على الحرب حتى أنهم اشترطوا على الحسن عليه السلام عند بيعتهم له حرب الحالين الضالين فرفض، فأتوا إلى الحسين مبايعين فقال لهم: معاذ الله أن أبايعكم ما دام الحسن حيا عندئذ لم يجدوا بدا من مبايعة الحسن عليه السلام وهؤلاء تعاونوا مع الحزب الأموي على حياكة المؤامرات الخطيرة والمناهضة لخطة الإمام الحسن عليه السلام.
 ج- الشكاكون: وهم المتأثرون بدعوة الخوارج من دون أن يكونوا منهم، فهم المذبذبون لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. ويغلب على طبعهم الانهزام. وهم ينعقون مع كل ناعق بما تدر عليهم مصالحهم.
د- الحمراء: وهم شرطة زياد طابعهم العام أنهم جنود المنتصر وسيوف المتغلب، بلغ من استفحال أمرهم آنذاك أن نسبوا الكوفة إليهم فقالوا كوفة الحمراء.
وبمواجهة هؤلاء جميعا كان أتباع الحسن عليه السلام الذين هرعوا إلى مبايعته بعد وفاة أبيه علي عليه السلام، وكانوا هم الأكثر عددا في الكوفة ولكن دسائس الآخرين وفتنتهم كانت تعمل دائما لإحباط أي تحرك صادر عنهم.
٢- الفارق- التاريخي بين شخصية الإمام الحسن عليه السلام وشخصية أبيه الإمام علي عليه السلام ونعني بالفارق التاريخي: رصيد كل واحد منهما في أذهان الناس، إذ ليس هناك فارق بينهما في حساب الله عز وجل فإن كل واحد منهما أمام معصوم، ولكن المقصود هو أن المسلمين آنذاك لم يكونوا يؤمنون بفكرة النص على إمامة الإمام سوى القلة القليلة منهم، ولذلك لم يعاملوا الإمام الحسن عليه السلام كإمام مفترض الطاعة، منصوص عليه، وإنما عاملوه على أن إمامته إمامة عامة وامتداد لخط السقيفة ومفهومها للخلافة. والذي يؤكده هنا أن رصيد الإمام علي عليه السلام التأريخي في نفوس الناس لم يمتلك نظيره الإمام الحسن عليه السلام.
٣ - تسلم الإمام الحسن عليه السلام الحكم بعد استشهاد أبيه مباشرة مما قوى موجة الشك في رسالية المعركة التي يخوضها الإمام الحسن عليه السلام حتى أن الإيحاء كان لديهم قويا بأن المعركة هي معركة بيت مع بيت، أمويين مع هاشميين، وهي بالتالي ليست معركة رسالية. كل هذه الأسباب والملابسات، عقدت موقف الإمام عليه السلام من مسألة الحكم وبات الإمام أمام خيارات أربع لا خامس لها:
الخيار الأول: وهو إغراء الزعامات وأصحاب النفوذ بإعطائهم الأموال ووعدهم بمناصب، لاستمالتهم إلى جانبه، وهذا الخيار اقترحه البعض على الإمام الحسن لكنه رفضه بقوله أتريدون أن أطلب النصر بالجور فوالله ما كان ذلك أبدا.
الخيار الثاني: وهو أن يتجه الإمام إلى الصلح من أول الأمر ما دامت الأمة قد أنست بحياة الدعة وما دامت زعاماتها قد بدأت تتصل بمعاوية. استبعد الإمام الحسن عليه السلام العمل بأحد هذين الخيارين نهائيا لعدم جدواهما.
الخيار الثالث: أن يخوض معركة يائسة يستشهد فيها هو وجماعته.
الخيار الرابع: أن يصالح بعد أن يستنفذ أطول وقت ممكن ليسجل المواقف وليبين للناس من يثبت ممن ينحرف وهانحن نسأل بدورنا: هل خوض معركة يائسة كانت تؤدي إلى مفعول أو إلى تغيير الواقع الإسلامي آنذاك؟
والإجابة: كلا، لم تكن تلك المعركة اليائسة لتؤدي إلى أي مفعول، ما دامت سوف تتم في ظل شك الجماهير بهذه المعركة. ومن هنا جاء لوم كثير من المؤرخين للإمام الحسن عليه السلام منددين بتكاسله وضعفه وتنازله عن حقه، حسما للفتنة وقبوله لحياة الدعة والراحة. وجوابا على هذا الافتراء يمكن القول: أن خوض الإمام عليه السلام ودخوله في معركة يائسة سلفا يجعل معركته في نظر كثير من المسلمين بمستوى المعركة التي خاضها عبد الله بن الزبير، حتى قتل وقتل معه كل أصحابه الخواص. ونسأل، هل فكر أحد من المسلمين بابن الزبير؟ وهل أن معركته التي خاضها حققت مكسبا حقيقيا للإسلام أو قدمت زخما جديدا للعمل؟ فالجواب، كلا، لم يفكر فيه أحد، لأن الناس كانوا يعيشون مفهوما واضحا تجاه عبد الله بن الزبير، فهو في نظرهم، خاض المعركة لزعامته الشخصية ضد عبد الملك بن مروان، ولم تكن من أجل إنقاذ الرسالة أو حماية الإسلام أو تعديل الحكم المنحرف. فنفس هذا الشك، بل بدرجة أقوى قد وجد عند الجماهير التي عاشت مع الإمام الحسن عليه السلام. وهناك أرقام تأريخية كثيرة، تؤكد لنا أن الإمام عليه السلام كان مدركا لموقفه وعارفا أن معركته مع معاوية مستحيلة الانتصار مع وجود ظاهرة الشك في الجماهير. والإمام عليه السلام ببياناته التأريخية، يرسم لنا أبعاد سياسته بوضوح في معالجته الواعية لأزمة الوضع مع أصحابه، وفي مقارعته لأعدائه، في بيان سياسي مؤثر، نلحظ فيه عمق المرارة وبليغ الرفض، ليؤكد من خلال كل كلمة من كلماته الحق الذي اطمأن إليه. ونحن نعطي دور الإيضاح والبيان للإمام عليه السلام ليكلمنا بكل شيء عن مجتمعه وموقفه من مشاكل زمانه، وعن الحلول التي خرج بها لحسم المشكلة، قال عليه السلام: عرفت أهل الكوفة وبلوتهم، ولا يصلح لي منهم ما كان فاسدا، إنهم لا وفاء لهم ولا ذمة في قول ولا فعل إنهم لمختلفون ويقولون إن قلوبهم معنا وإن سيوفهم لمشهورة علينا. غررتموني، كما غررتم من كان قبلي مع أي إمام تقاتلون بعدي؟ مع الكافر الظالم الذي لا يؤمن بالله ولا برسوله قط. أما والله ما ثنانا عن قتال أهل الشام ذلة ولا قلة، ولكن نقاتلهم بالسلامة والصبر، نشيب السلامة بالعداوة والصبر والجزع، وكنتم تتوجهون معنا. ودينكم أمام دنياكم، وقد أصبحتم الآن، ودنياكم أمام دينكم وكنتم لنا، وقد صرتم علينا. ثم خنقته العبرة، فبكى وبكى الناس معه.
ومن أجل أن لا تنحرف الإمامة عن مسارها الصحيح الأصيل، أضاف بعد ذلك: أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى الله بإذنه أنا ابن السراج المنير، أنا من أهل بيت أذهب الله عنهم الرجز وطهرهم تطهيرا، أنا من أهل بيت فرض الله مودتهم في كتابه فقال تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا)(٩٣)، فالحسنة مودتنا أهل البيت. فلما بلغ معاوية بن أبي سفيان شهادة أمير المؤمنين عليه السلام وبيعة الناس ابنه الحسن عليه السلام دس رجلا من حمير إلى الكوفة ورجلا من بني القين إلى البصرة، ليكتبا إليه بالأخبار، ويفسدا على الحسن عليه السلام الأمور. فعرف ذلك الحسن عليه السلام فأمر باستخراج الحميري من عند لحام بالكوفة فأخرج وأمر بضرب عنقه، وكتب إلى البصرة باستخراج القيني من بني سليم فأخرج وضربت عنقه، وكتب الحسن عليه السلام إلى معاوية: أما بعد: فإنك دسست الرجال للاحتيال والاغتيال وأرصدت العيون كأنك تحب اللقاء، وما أوشك ذلك، فتوقعه، إن شاء الله تعالى. فاجتمعت العساكر إلى معاوية وسار قاصدا إلى العراق، وقد عبأ هؤلاء، استعدادا لمحاربة الإمام الحسن عليه السلام. وبدأ الإمام الحسن عليه السلام يستنهض أهل الكوفة للجهاد، وأمر حجر بن عدي الكندي، أن يهيئ القادة والناس لمواجهة معاوية بعد أن بلغه توجه معاوية بجيشه نحو العراق. أخذ المنادي يدور في أزقة الكوفة يهتف الصلاة جماعة، فاندفع الناس إلى المسجد، ثم ارتقى الإمام عليه السلام المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن الله كتب الجهاد على خلقه وسماه كرها، ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين (واصبروا إن الله مع الصابرين) فلستم أيها الناس نائلين ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون، إنه بلغني أن معاوية بلغه إنا كنا أزمعنا على المسير إليه فتحرك لذلك، أخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنخيلة... فسكت الجميع. ونهض عدي بن حاتم الطائي حين رأى سكوت الناس فقال: أنا ابن حاتم، سبحان الله، ما أقبح هذا المقام، ألا تجيبون إمامكم وابن بنت نبيكم... أما تخافون مقت الله ولا عيبها ولا عارها. ثم استقبل الإمام الحسن فقال: أصاب الله بك المراشد، وجنبك المكاره، ووفقك لما تحمد ورده وصدره، وقد سمعنا مقالتك، وانتهينا إلى أمرك، وسمعنا لك وأطعناك فيما قلت ورأيت.
ثم قال: وهذا وجهي إلى معسكرنا، فمن أحب أن يوافي فليواف. ثم خرج من المسجد، ودابته بالباب، فركبها ومضى إلى النخيلة، وأمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه. وكان المثل الأول للمجاهد المطيع، وهو إذ ذاك أول الناس عسكر(٩٤). وفي طئ ألف مقاتل لا يعصون لعدي أمر(٩٥). وقام قيس بن سعد بن معاذ، ومعقل بن قيس، وزيادة ابن صعصعة، فأنبوا الناس ولاموهم وحرضوهم، وخرج الناس فعسكروا ونشطوا للخروج(٩٦). وصف الجيش ونزعاته ونشط -بعدهم- خطباء آخرون، فكلموا الحسن بمثل كلام عدي ابن حاتم، فقال لهم الحسن عليه السلام: رحمكم الله ما زلت أعرفكم بصدق النية، والوفاء، والمودة، فجزاكم الله خيرا. وصف الجيش: لا أن شك الجيش هو العماد الذي يقوم عليه عرش الدولة، ويبنى عليه كيانها، وهو السياج الواقعي للحكومة والشعب من الاعتداء، وعليه المعول في حفظ النظام وسيادة الأمن، -كما وصفه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في عهده إلى مالك الأشتر لما ولاه مصر- في الجيش فيما إذا كان مخلصا في دفاعه ومؤمنا بحكومته. وكان الجيش الذي زحف مع الإمام لمحاربة معاوية قد ركس في الفتنة وماج في الشقاء فكان خطره على الدولة أعظم من خطر معاوية. وما أحسن ما وصفه الشيخ المفيد (قدس سره)، حيث قسمه إلى عدة عناصر وقد أجاد في وصفه وأبدع في تقسيمه، وأستنصر الناس للجهاد فتثاقلوا عنه، ثم خفوا وخف معه أخلاط من الناس بعضهم شيعة له ولأبيه، وبعضهم محكمة يؤثرون قتال معاوية بكل حيلة (ووسيلة)، وبعضهم أصحاب عصبية اتبعوا رؤساء قبائلهم لا يرجعون إلى دين.(٩٧) وأعرب الشيخ المفيد (طيب الله مثواه) في كلامه
-أولاً- عن كراهة الجيش لحرب وإيثاره العافية ورغبته في السلم، وأفاد

-ثانياً- في تقسيمه أن الجيش ينقسم إلى عناصر متباينة في أفكارها، مختلفة في عقائدها واتجاهاتها، وهي كما يلي:
أ- الشيعة: والشيعة فيما يظهر كان عددهم أقل من الغوغائية والمنافقين وأصحاب المطامع في الجيش، ولو كان عددهم أكثر والغلبة لهم، لما استطاع الأشعث بن قيس، ومن ورائه أصحاب الجباه السود الخوارج من إجبار أمير المؤمنين عليه السلام على التحكيم في واقعة صفين، ولا اضطر الإمام الحسن عليه السلام إلى مصالحة معاوية بعد أن شاهد الدسائس والمؤامرات والتخاذل في صفوف جيشه. وهذا العنصر من الشيعة يخالف بقية العناصر في تفكيره وشعوره وإيمانه فهو يرى أن الخلافة من حق أهل البيت وأنهم أوصياء النبي وحضنة الإسلام وحماته، وطاعتهم مفروضة على جميع المسلمين.
ب- المحكمة: وهم الخوارج الذين ضمهم جيش الإمام وهم أساس الفتنة والانقلاب وفشل جيش الإمام في صفين ومن ثم مع الإمام الحسن عليه السلام وكانوا يرون قتال معاوية بكل حيلة ووسيلة لا إيمانا منهم بقضية الحسن وباطل معاوية، بل كانوا يرون الحسن ومعاوية في صعيد واحد.
ج - أصحاب المطامع: وهم فصيلة من الجند لا تؤمن بالقيم الروحية ولا تقدس العدل ولا تفقه الحق، وإنما كانت تنشد مصالحها وأطماعها، وكانت ترقب عن كثب أي الجهتين قد كتب لها النصر والظفر حتى تلتحق بها -كما حدث-.
د- الشكاكون: وأكبر الظن أن الشكاكين هم الذين أثرت عليهم دعوة الخوارج ودعاية الأمويين حتى شككوا في مبدأ أهل البيت عليهم السلام وفي رسالتهم الإصلاحية وهؤلاء لو اندلعت نيران الحرب لما ساعدوا الإمام بشيء، لأنهم لم يكونوا مدفوعين بدافع عقائدي في نصرة أهل البيت عليهم السلام.
ه‍- أتباع الرؤساء: وهم أكثر العناصر عددا، وأعظمهم خطرا فهم يتبعون زعماءهم ورؤساءهم اتباعا أعمى، لا إرادة لهم ولا تفكير ولا شعور بالواجب، وهم المعبر عنهم بالهمج الرعاع، وكان أغلب سواد العراق ممن ينتمي إلى أحد الزعماء وأكثر زعماء هذه العشائر كانوا ممن كاتب معاوية بالطاعة والانقياد، كقيس بن الأشعث، وعمرو ابن الحجاج الزبيدي، وحجار بن أبجر، وشبث بن ربعي، وأضرابهم من الخوارج والمنافقين والانتهازيين الذين اشتركوا في أعظم مأساة سجلها التاريخ وهي قتل سيد شباب أهل الجنة الحسين بن علي عليهما السلام في كربلاء يوم عاشوراء بعد أن كاتبوه وبذلوا له نصرتهم. هذه العناصر التي تكون منها جيش الإمام، بل جميع أبناء الشعب العراقي من نفر منهم إلى الحرب ومن لم ينفر، كان ينضم إلى أحد هذه الطوائف التي ذكرها الشيخ المفيد (رحمه الله) في كلامه القيم، وأكثر هؤلاء كانوا لا يؤمن من شرهم في السلم فضلا عن الحرب. واستخلف الإمام الحسن عليه السلام على الكوفة -ابن عمه- المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وأمره باستحثاث الناس للشخوص إليه في النخيلة. وخرج هو بمن معه، وكان خروجه لأول يوم من إعلانه الجهاد أبلغ حجة على الناس في سبيل استنفارهم. وانتظمت كتائب النخيلة خيار الأصحاب من شيعته وشيعة أبيه وآخرين من غيرهم. ونشط المغيرة بن نوفل لاستحثاث الناس إلى الجهاد وكان المنتظر للعهد الجديد، أن لا يتأخر أحد بالكوفة عن النشاط المتحمس لإجابة دعوة الإمام. ولكن شيئا من ذلك لم يقع!. وحتى السرايا الجاهزة التي كان أمير المؤمنين عليه السلام قد أعدها للكرة على جنود الشام قبيل شهادته -وكانت تعد أربعين ألف مقاتل- قد انفرط عقدها وتمرد أكثرها، وتثاقل معها أكثر حملة السلاح في الكوفة عن الانصياع للأمر. وكان المذبذبون من رؤساء الكوفة، أشدهم تثاقلا في اللحظة الدقيقة التي أزفت فيها ساعة الجد. قالت النصوص التاريخية فيما ترفعه إلى الحارث الهمداني كشاهد عيان: وركب معه -أي مع الحسن- من أراد الخروج وتخلف عنه خلق كثير لم يفوا بما قالوا وبما وعدوا، وغروه كما غروا أمير المؤمنين من قبله.. وعسكر في النخيلة عشرة أيام فلم يحضره إلا أربعة آلاف. فرجع إلى الكوفة، ليستنفر الناس، وخطب خطبته التي يقول فيها: غررتموني، كما غررتم من كان قبلي، مع أي إمام تقاتلون بعدي؟ مع الكافر الظالم الذي لا يؤمن بالله ولا برسوله قط.
أما والله ما ثنانا عن قتال أهل الشام ذلة ولا قلة، ولكن نقاتلهم بالسلامة والصبر، نشيب السلامة بالعداوة والصبر والجزع، وكنتم تتوجهون معنا. ودينكم أمام دنياكم، وقد أصبحتم الآن، ودنياكم أمام دينكم وكنتم لنا، وقد صرتم علينا.
أقول: ثم لا ندري على التحقيق عدد من انضوى إليه -بعد ذلك- ولكنا علمنا أنه سار من الكوفة في عسكر عظيم على حد تعبير ابن أبي الحديد في شرح النهج. وغادر النخيلة وبلغ دير عبد الرحمن فأقام ثلاثا، والتحق به عند هذا الموضع مجاهدون آخرون لا نعلم عددهم. وكان دير عبد الرحمن هذا مفرق الطريق بين معسكري الإمام في المدائن. ومسكن. كما ذكرنا أن جيش الإمام الحسن عليه السلام تألف من زهاء عشرين ألفا، أو يزيد قليلا، ولكنا لم نعلم بالتفصيل الطريقة التي اتخذت لتأليف هذا الجيش، وهي الطريقة التي لا تشترط لقبول الجندي أو لقبول المجاهد أي قابليات شخصية، أو عمرا معينا، ولا تنزع في مناهج تجنيدها إلى الإجبار بمعناه المعروف اليوم. وللمسلم القادر على حمل السلاح وازعه الديني حين يسمع داعي الله بالجهاد فإما أن يبعث فيه هذا الوازع، الشعور بالواجب فيتطوع بدمه في سبيل الله، وإما أن يكون المغلوب على أمره بدوافع الدنيا والغنائم. ونجحت دعوة اتباع أهل البيت إلى حد ما، في اكتساب العدد الأكبر من المتحمسين للحرب، رغم المواقف اللئيمة التي وقفها يومئذ المعارضون الذين سبق ذكرهم في الكوفة، ونشط الناس للخروج إلى معسكرهم(٩٨).
قيادة جيش الإمام عليه السلام وبداية الفتنة:
قيادة الجيش وبداية الفتنة روى الشيخ المجلسي في البحار: في بادئ الأمر أرسل الإمام الحسن عليه السلام قائدا في أربعة آلاف، وكان من كنده، وأمره أن يعسكر بالأنبار(٩٩)، ولا يحدث شيئا حتى يأتيه أمره. فلما توجه إلى الأنبار، ونزل بها، وعلم معاوية بذلك، بعث إليه رسلا، وكتب إليه معهم: إنك إن أقبلت إلي، أولك بعض كور الشام والجزيرة، غير منفس عليك.
وأرسل إليه بخمسمائة ألف درهم. فقبض الكندي المال، وغدر بالإمام الحسن عليه السلام وصار إلى معاوية في مائتي رجل من خاصته وأهل بيته. فبلغ ذلك الإمام الحسن عليه السلام فقام خطيبا وقال: هذا الكندي توجه إلى معاوية، وغدر بي وبكم، وقد أخبرتكم مرة بعد مرة، أنه لا وفاء لكم، أنتم عبيد الدنيا، وأنا موجه رجلا آخر مكانه، وإني أعلم أنه سيفعل بي وبكم ما فعل صاحبكم، ولا يراقب الله في ولا فيكم. فبعث إليه رجلا من مراد في أربعة آلاف، وتقدم إليه بمشهد من الناس وتوكد عليه، وأخبره أنه سيغدر كما غدر الكندي. فحلف له بالأيمان التي لا تقوم لها الجبال أنه لا يفعل. فقال الإمام الحسن عليه السلام: أنه سيغدر. فلما توجه إلى الأنبار، أرسل إليه معاوية رسلا وكتب إليه بمثل ما كتب إلى صاحبه وبعث إليه بخمسة آلاف (ولعله يريد خمسمائة ألف) درهم، ومناه أي ولاية أحب من كور الشام والجزيرة، ففعل كصاحبه، وأخذ طريقه إلى معاوية، ولم يحفظ ما أخذ عليه من عهود.... ثم ذكر بعد هذا العرض، اتخاذ الحسن النخيلة معسكرا له، ثم خروجه إليها. نظر الإمام الحسن عليه السلام عن يمينه وعن شماله، وتصفح -مليا- الوجوه التي كانت تدور حوله من زعماء شيعته ومن سراة أهل بيته، ليختار منهم قائد مقدمته التي صمم على إرسالها إلى مسكن، فلم ير في بقية السيوف من كرام العشيرة وخلاصة الأنصار، أكثر اندفاعا للنصرة ولا أشد تظاهرا بالإخلاص للموقف من ابن عمه (عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب)(١٠٠) و(قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري) و(سعيد بن قيس الهمداني) - رئيس اليمانية في الكوفة - فعهد إلى هؤلاء الثلاثة بالقيادة مرتين.
وكان عبيد الله بن عباس أحد سراة الهاشميين، ومثكول بقتل ولديه في اليمن من قبل الجيش الأموي بأمر قائده بسر بن أرطاة، وقديما قيل... ليست الثكلى كالمستأجرة ثم هو كان أسبق الناس دعوة إلى بيعة الإمام الحسن عليه السلام يوم بايعه الناس بعد أبيه. وكان المفروض أن يكون حريا بهذه الثقة الغالية التي وضعها الإمام عليه السلام في ابن عمه. ودعاه، فعهد إليه عهده الذي لم يرو لنا بتمامه، وإنما حملت بعض المصادر صورة مختزلة منه. قال فيه: يا ابن عم! إني باعث معك اثني عشر ألفا من فرسان العرب وقراء المصر، الرجل منهم يزيد الكتيبة، فسر بهم، وألن لهم جانبك، وابسط لهم وجهك، وافرش لهم جناحك، وأدنهم من مجلسك، فإنهم بقية ثقات أمير المؤمنين وسر بهم على شط الفرات، ثم امض، حتى تستقبل بهم معاوية، فإن أنت لقيته، فاحتبسه حتى آتيك، فإني على أثرك وشيكا. وليكن خبرك عندي كل يوم، وشاور هذين - يعني قيس بن سعد، وسعيد بن قيس -. وإذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك، فإن فعل، فقاتله. وأن أصبت، فقيس بن سعد على الناس، فإن أصيب فسعيد بن قيس على الناس. وتوالت الأحداث والدعايات المغرضة الهادفة من العدو لزعزعة معنويات جيش الإمام، خاصة المرتزقة منهم. وحدثته نفسه أن يرجع إلى المدائن، ويستقيل من منصبه كقائد لقوات الإمام عليه السلام لكنه تذكر الأيادي البيضاء التي أسبغها عليه ابن عمه الطاهرين، والاعتراف الصريح بالعجز وهو القائد الملهم. أما أن يتنازل من شموخه كقائد في معسكر إمام، فيساوم رسل معاوية على أجر الهزيمة، فلا ولا كرامة!!!؟
وكانت رسالة معاوية إليه، تضرب على وتر الحساس من ناحية حبه للتعاظم وتطلعه إلى السبق، فيقول له فيها: إن الحسن سيضطر(١٠١) إلى الصلح، وخير لك أن تكون متبوعا ولا تكون تابع(١٠٢).... وجعل له فيها ألف ألف درهم(١٠٣)، وكان معاوية أقدر من غيره على استغلال مأزق أعدائه، وهكذا صرع الشعور بالخيبة، والاستسلام للطمع، الفتى الأصيل. فإذا هو أبشع صور الخيانة المفضوحة والضعف المخذول. فلا الدين، ولا الوتر، ولا العنعنات القبلية، ولا الرحم الماسة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن قائده الأعلى، ولا الميثاق الذي واثق الله عليه في البيعة منذ كان أول من دعا الناس إلى بيعة الحسن في مسجد الكوفة، ولا الخوف من حديث الناس ونقمة التاريخ بالذي منعه عن الانحدار إلى هذا المنحدر السحيق. ودخل حمى معاوية ليلا، دخول المنهزم المخذول الذي يعلم في نفسه أي أثم عظيم أتاه. ثم شاح عنه التاريخ بوجهه، فلم يذكره إلا في قائمته السوداء. وكان ذلك جزاء الخائنين، الذين يحفرون أجداثهم بأيديهم، ثم يموتون عامدين، قبل أن يموتوا مرغمين. وخلقت هزيمة عبيد الله بن عباس في مسكن جوا من التشاؤم الذريع، لم يقتصر أثره على مسكن، ولكنه تجاوزها إلى المدائن أيضا. فكانت النكبة الفاقرة بكل معانيها، وللمسؤوليات الهائلة التي تدرج إليها الموقف بعد هذه النكبة، ما يحمله عبيد الله أمام الله وأمام التاريخ. وتسلم قيادة المقدمة بعد فرار قائدها الأول، صاحبها الشرعي الذي سبق للإمام تعيينه للقيادة بعد عبيد الله، وهو (قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري) العقيدة المصهورة، والدهاء المعترف به في تاريخ العرب، والشخصية الممتازة من بقايا أصحاب الإمام علي عليه السلام، شب مع الجهاد، واستمر على الدرب اللاحب. وأنكر على الآخرين ضعفهم حين ضعفوا، ونقم عليهم استجابتهم للمغريات وعزوفهم عن الواجب. وما أن دان له المعسكر في مسكن حتى وقف بين صفوفه المتباقية فصلى بهم قيس بن سعد بن عبادة وتولى القيادة بعد أن قام فيهم خطيبا بتلك الخطبة الحماسية الملهبة، محاولا الحفاظ على البقية الباقية من جيشه والمعنويات المنهارة فقال: أيها الناس: لا يهولنكم ولا يعظمن عليكم ما صنع هذا الرجل الموله، إن هذا وأباه وأخاه لم يأتوا بيوم خيرا قط، إن أباه العباس عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج يقاتله ببدر فأسره أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري، فأتى به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخذ فداءه فقسمه بين المسلمين. وإن أخاه ولاه على البصرة فسرق ماله ومال المسلمين فاشترى به الجواري وزعم أن ذلك له حلال، وإن هذا ولاه على اليمن فهرب من بسر بن أرطاة وترك ولديه حتى قتلا، وصنع الآن الذي صنع. وهكذا اندفع القائد الجديد الصامد قيس في موقفه المؤمن بهدفه، يودع سلفه بهذه الكلمات الساخرة اللاذعة التي تكشف عن ماض هزيل ونفسية ساقطة. ثم أرسل إلى الإمام عليه السلام بكتاب ينبئه بما حدث، وتصل أنباء استسلام عبيد الله ومن معه لعدوه معاوية، ويشيع جو من المحنة والحيرة في النفوس، ويشعر
الإمام بالطعنة في الصميم تأتيه من أقرب الناس إليه وأخصهم به، وتتسرب الأنباء عن مكاتبة بعض رؤساء الأجناد والقواد لمعاوية، وطلبهم الأمان لأنفسهم وعشائرهم، ومكاتبة معاوية لبعضهم بالأمان والموادعة(١٠٤). ومن جهة أخرى دس معاوية إلى عمرو بن حريث، والأشعث بن قيس، وحجار بن أبجر وشبث بن ربعي(١٠٥)، وغيرهم من الزعماء ورؤساء القبائل في الكوفة، دسيسا أفرد كل واحد منهم بعين من عيونه، إنك إذا قتلت الحسن فلك مائة ألف درهم وجند من أجناد الشام وأزوجك بنتا من بناتي. فبلغ ذلك الإمام الحسن عليه السلام فأخذ الحيطة والحذر، ممن؟ من قواد جيشه ورؤساء أنصاره!! ولبس اللامة والدرع تحت ثيابه، وكان يحترز ولا يتقدم للصلاة إلا دارعا، فرماه أحدهم بسهم وهو في صلاته فلم ينبت فيه لما عليه من اللامة والدرع.(١٠٦) ثم وجه معاوية إلى قيس بن سعد بن عبادة بألف ألف درهم على أن يصير معه أو ينصرف عنه. فأرجع إليه المال، وقال تخدعني عن ديني(١٠٧). وحين فشلت أساليب معاوية الخادعة وإغراءاته في قيس بن سعد الأنصاري في مسكن أرسل معاوية جواسيس ليندسوا في صفوف جيش الإمام الذي في المدائن ليشيعوا كذبا وزورا، نبأ مصالحة قيس مع معاوية، وجماعة أخرى من الجواسيس اندسوا في صفوف جيش الإمام بمسكن الذي هو بقيادة قيس بن سعد، بأن الإمام الحسن عليه السلام صالح معاوية، وبهذه الطريقة، إنطلت الخدعة على الخوارج ومن يرى رأيهم وفعلت فعلها كما سنبين ذلك لاحقا.
تأثير الرشوة:
 واستجابت النفوس المريضة التي لم يهذبها الدين إلى دعوى معاوية، وانجرفت بدنياه الحلوة، وانخدعت بوعوده المعسولة، فأخذت تتهاوى على أعتابه بتلبية طلباته، وممتثلة لأمره، فراسله جمع من الأشراف والوجوه البارزين من جيش الإمام برسائل متعددة أعربوا فيها عن استعدادهم إلى الفتك بالإمام متى ما طلب منهم ذلك وأراد، وهي ذات مضمونين: موقف الإمام الحرج
١ - تسليم الحسن له سرا أو جهرا.
٢ - إغتياله وقتله متى ما أراد ذلك.
وقد بعث معاوية برسائلهم إلى الإمام ليطلع فيها على خيانة جيشه ورؤساء أجناده، وعندما عرضت عليه تلك الرسائل وعرف تواقيعهم أيقن بفسادهم، وتخاذلهم وسوء نياتهم(١٠٨).
 عودة إلى موقف الإمام: وهكذا: أخذت الأنباء تتوارد على الإمام في المدائن بفرار الخاصة من قواده، والزعماء، وأهل الشرف، والبيوتات من أصحابه، كما تسميها بعض المصادر، وقد تبع انهزام هؤلاء فرار كثير من الجند، حيث كان انهزامهم سببا لحدوث تمرد شامل في الجيش. وقد ارتفعت أرقام الفارين إلى معاوية بعد فرار عبيد الله بن العباس وخاصته إلى ثمانية آلاف، كما يذكر اليعقوبي في تاريخه يقول: وحقا إنها صدمة رهيبة، ومحنة شاقة وحادة تتداعى أمامها القوى وينهار بها ميزان الموقف. وتكشرت بها أنياب الكارثة عن مأساة مرعبة يتحمل ثقلها ومسؤولياتها، عبيد الله بن العباس أمام الله والتاريخ. ويقف الإمام موقف المتحير يبحث عن مخرج لهذا المأزق الحرج، الذي تداعت به معنويات جيشه في مسكن وتزلزلت منه قوى جيشه في المدائن. ووازن بين جيشه وجيش عدوه.. كان جيشه يتألف من عشرين ألفا فقط، كما أجمعت عليه المصادر التاريخية في مقابل ستين ألفا يتألف منها جيش معاوية، وبعد إسقاط الثمانية آلاف التي فرت من مسكن بعد فرار القائد عبيد الله، تكون نسبة جيش الإمام إلى جيش معاوية نسبة الخمس. وينهار الميزان بينهما في الحسابات العسكرية..
ومما زاد في تهالك الموقف حرب الإشاعات الكاذبة التي ابتدعها معاوية كسلاح ينفذ منه للقضاء على البقية الباقية من معنويات الجيش في مسكن والمدائن، وسنذكر هنا لقطات من تلك الشائعات ومدى تأثيرها على المعنويات العامة في جيش الإمام الحسن عليه السلام بشقيه في المدائن ومسكن. وقد قذف معاوية كل ما في دخيلته من خبث ومكر وتلون في نسج خدعة وأباطيله وقد ضمن له كل ما أراد من الوقيعة بالجيش الكوفي وتفتيت قواه. وكان اختياره للأكاذيب يتم عن خبرة دقيقة في حبكها وانتقائها فأرسل من يدس في معسكر المدائن:... بأن قيس بن سعد وهو قائد مسكن بعد فرار ابن عباس قد صالح معاوية وصار معه..(١٠٩)
ويوجه إلى عسكر قيس في مسكن من يتحدث أن الحسن قد صالح معاوية وأجابه..(١١٠) فلما أصبح أراد أن يمتحن أصحابه ويستبرئ أحوالهم في الطاعة، ليتميز بذلك أولياؤه من أعدائه، ويكون على بصيرة من لقاء معاوية وأهل الشام، فأمر أن ينادى الصلاة جامعة، فاجتمعوا، فصعد المنبر فخطبهم فقال: الحمد لله كلما حمد حامد، وأشهد أن لا إله إلا الله كلما شهد له شاهد، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق وائتمنه على الوحي صلى الله عليه وآله وسلم، أما بعد، فإني والله لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنه وأنا أنصح خلق الله لخلقه، وما أصبحت محتملا على مسلم ضغينة، ولا مريدا له بسوء ولا غائلة، ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة، ألا وإني ناظر لكم خير من نظركم لأنفسكم، فلا تخالفوا أمري ولا تردوا علي رأيي، غفر الله لي ولكم وأرشدني وإياكم لما فيه المحبة والرضا. فنظر الناس (من الخوارج المحكمة) بعضهم إلى بعض وقالوا: ما ترونه يريد بما قال؟ قالوا: نظنه والله يريد أن يصالح معاوية ويسلم الأمر إليه. فقالوا: كفر والله الرجل، ثم شدوا على فسطاطه وانتهبوه حتى أخذوا مصلاه من تحته، ثم شد عليه عبد الرحمن بن عبد الله بن جعال الأزدي فنزع مطرفه عن عاتقه فبقي جالسا متقلدا السيف بغير رداء، ثم دعا بفرسه فركبه، وأحدق به طوائف من خاصته وشيعته، ومنعوا منه من أراده فقال: ادعوا لي ربيعة وهمدان، فدعوا فأحاطوا به ودفعوا الناس عنه، وسار ومعه شوب من غيرهم، فلما مر في مظلم ساباط بدر إليه الجراح بن سنان الأسدي، فأخذ بلجام بغلته وبيده مغول وهو سيف دقيق يكون غمده كالسوط، وقال: الله أكبر، أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل، ثم طعنه في فخذه فشقه حتى بلغ العظم، وضربه الحسن عليه السلام واعتنقه وخرا جميعا إلى الأرض، فوثب إليه رجل من شيعة الحسن عليه السلام يقال له عبد الله بن خطل الطائي فنزع المغول من يده وخضخض به جوفه، وأكب عليه آخر يقال له ظبيان بن عمارة فقطع أنفه فهلك من ذلك، وأخذ آخر كان معه فشدخوا وجهه ورأسه حتى قتلوه. وحمل الحسن عليه السلام على سرير إلى المدائن فأنزل بها على سعد بن مسعود الثقفي، وكان عامل أمير المؤمنين عليه السلام بها فأقره الحسن عليه السلام، واشتغل الحسن عليه السلام بنفسه يعالج جرحه وجاءه سعد بن مسعود بطبيب فقام عليه حتى برئ. هكذا ذكر المفيد وأبو الفرج، والذي ذكره الطبري وابن الأثير وسبط ابن الجوزي ناقلا له عن الشعبي، أنه لما نزل الحسن عليه السلام المدائن نادى مناد في العسكر: ألا إن قيس بن سعد قد قتل فانفروا، فنفروا إلى سرادق الحسن عليه السلام فنهبوا متاعه حتى نازعوه بساطا كان تحته، فازداد لهم بغضا ومنهم ذعرا. قال المفيد: وكتب جماعة من رؤساء القبائل إلى معاوية بالسمع والطاعة في السر، واستحثوه على المسير نحوهم، وضمنوا له تسليم الحسن إليه عند دنوهم من عسكره أو الفتك به. وجاء الوفد الشامي المؤلف من المغيرة بن شعبة، وعبد الله بن كريز، وعبد الرحمن بن الحكم وهو يحمل كتب أهل العراق ليطلع الإمام الحسن عليها وليعرف ما انطوت عليه دخيلة أصحابه ممن أضمروا السوء وتطوعوا في صفوف جيشه لإذكاء نار الفتنة عندما يحين موعدها المرتقب. وتنشر الكتب بين يدي الإمام الحسن ولم تكن لتزيده يقينا على ما يعرف من أصحابه من دخيلة السوء وحب الفتنة وكانت خطوطهم وتواقيعهم واضحة وصريحة لدى الإمام عليه السلام. وعرض الصلح على الإمام بالشروط التي يراها مناسبة ولكن الإمام لم يشأ أن يعطيهم من نفسه ما يرضي به طموح معاوية وكان دقيقا في جوابه، بحيث لم يشعرهم فيه بقبول الصلح أو ما يشير إلى ذلك، بل اندفع يعظهم ويدعوهم إلى الله عز وجل وما فيه نصح لهم وللأمة ويذكرهم بما هم مسؤولون به أمام الله ورسوله في حقه. ولكن المغيرة ورفاقه ممن طبع الشيطان على قلوبهم وعلى أبصارهم غشاوة أنى تنفع معهم العظة أو يعيدهم عن غيهم تذكير أو ترهيب، ولقد كان معاوية دقيقا في اختياره لهم لينفذوا له هذا الجانب من الخطة البارعة وليحبكوا له هذه الخدعة الرهيبة في سلسلة خدعه والتي كانت بداية النهاية لفصول المأساة التي انتهت بتوقيع عقد الهدنة بينه وبين الإمام. وحين رأى المغيرة ورفاقه أن الدور الأول من التمثيلية دبجها خبث معاوية معهم ومكره قد فشلت في إقناع الإمام بالصلح بل بقي في موقفه صامدا أمام هذه المؤثرات القوية الصاعقة انتقلوا لتمثيل الدور الثاني الذي إن لم يكن مضمون النتائج فورا.. فلا أقل من أنه سيترك أثرا سيئا يزيد موقف الإمام حراجة وضعفا. وغادر الوفد مقصورة الإمام مستعرضا مضارب الجيش الذي كان يترقب نتائج مفاوضات الوفد وما توصل إليه من اتفاق على الصلح أو المضي على درب المعركة.. وتشوف الجيش إلى الوفد وهو يغادر الإمام وباهتمام بالغ لعله يسمع منه كلمة تدل على نتائج المفاوضات ويرفع أحد أفراده صوته ليسمع الناس: إن الله قد حقن بابن رسول الله الدماء وسكن الفتنة وأجاب الصلح...(١١١) وهكذا: مثلوا دورهم هنا أخبث تمثيل، وخلقوا جوا لاهبا من المأساة تدهور على أثرها الموقف. وتفجرت كوامن الفتنة واضطراب تماسك الجيش ولاحت في الأفق بوادر المحنة، فأي غائلة هذه التي ألهب نارها المغيرة ورفاقه؟ وثارت المحكمة أي الخوارج ومن يرى رأيهم.. حيث مست كلمة الثالوث الشامي الخبيث الوتر الحساس فيها، فقد كانت هذه الفئة تطالب بالحرب بإصرار، فهي ما انضوت تحت لواء الإمام الحسن إلا لتحارب معاوية ولتقضي عليه، وفي تصورها الساذج أن انضمام جيش المدائن إلى من تبقى في مسكن من الجيش يكفي لمواجهة العدو، غير آخذة في اعتبارها التفوق العددي له مقرونة بالمكر والخداع.. ولعل الموقف الطبيعي في المرحلة الدقيقة من المحنة، إلتزم جانب الحكمة، والتفكير طويلا قبل اتخاذ أي موقف نهائي لحسم المشكلة، فهناك في الجيش من يرى الحرب هو الحل الحاسم، الذي لا يمكن تخطيه لأي سبب كان.. وهناك من يرى السلم والموادعة، إيثارا لعافية، وهروبا من حرج القتال. وإذا أخذنا باعتبارنا ما خلفته الشائعات الشامية بين عناصر الجيش من الاضطراب والتفكك، وانهيار المعنويات العسكرية، التي هي قوام الحركة للجيش عند الالتحام مع قطعات العدو أثناء القتال. وإذا أخذنا باعتبارنا أيضا، إنفصال جناحي الجيش الكوفي في مسكن والمدائن بمسافات كبيرة، بحيث يكون اتخاذ الموقف المتسرع من جانب الإمام بالحرب، وإعلام عدوه بذلك، مدعاة لحسم الموقف لصالح معاوية إذ لم يتبق في مسكن من أفراد الجيش إلا أربعة آلاف، بعد فرار ثمانية آلاف منه، وفيهم الوجوه والزعماء، وأصحاب البيوتات كما ذكرنا آنفا.. وهنا يسهل على معاوية ضرب جناح مسكن، وتصفيته قبل أن يصله أي مدد من المدائن، وكيف يمكن توفر الصمود لأربعة آلاف في مواجهة ستين ألفا مهما فرض لهم من القوة والصمود.. لو رجعنا للحسابات العسكرية. وتبقى المدائن وأمرها سهل، فلا تزال جيوب الخيانة معشعشة في أطرافها، وهي لن تعاني كثيرا في سبيل إنهاء الوضع لصالح معاوية بأساليبها الرهيبة، مع ما عليه الجيش من انهيار وارتباك. إذا أخذنا في اعتبارنا كل هذا، فليس من اللباقة العسكرية والحكمة القتالية، إعتماد موقف الحرب، والدخول في معركة خاسرة مع الخصم، فإن النهاية ستكون لصالحه لا محالة، ولا أقل على الأكثر، بنحو تكون نسبة النصر في جانب الإمام ضئيلة جدا. ولكن الإمام لم يتخذ أي موقف في هذه اللحظات من المحنة، ولم يشأ أن يتخذ موقفا منفصلا عن رأي عامة الجيش، ولذا نرى أن جوابه للوفد الشامي كان بدعوته إلى الله سبحانه، ونصرة الحق، مهملا الإجابة على رسالته الأساسية، وهي الدعوة للصلح بنفي أو إثبات. وخرج الوفد.. ليمزق ما كان قد تبقى من تماسك ووحدة بين عناصر جيش الإمام، بتلك الكلمات الخبيثة الكاذبة، وكانت عملية اختبار ناجحة، لخطة مرعبة، نفذها معاوية بلؤمه ومكره. إلى هنا لم يتخذ الإمام الحسن عليه السلام موقفا جديدا بعد، فهو لا يزال يتمسك بموقف استمرارا لموقفه السابق، ولم تظهر منه أي بادرة تشير إلى التراجع عنه.
ولكن الإمام وهو البصير بالمرحلة، لا بد وأنه استعرض بنفسه تطورات الوضع، من حين خروجه من الكوفة إلى اللحظات الدقيقة التي يعيشها في المدائن، ولا بد أنه لاحظ ما آل إليه أمر الجيش من التمزق وانهيار المعنويات العسكرية، خصوصا بعد خروج الوفد من عنده. إذن.. ما هو الموقف الذي يفترض أن يتخذه الإمام عليه السلام في هذه المرحلة الخانقة من الصراع..؟ الحرب..؟ الهدنة..؟ أو أي شيء آخر؟ ولكن الإمام لم يحدد لنفسه موقفا معينا قبل أن يختبر جنده ليتأكد له إلى أي مدى سيصمد معه جيشه في لحظات العنف، ولينكشف له صريحا واقع جيشه المكفهر الغامض.
فخرج وخطب الناس خطبة قال فيها: بعد الحمد لله والثناء عليه، والصلاة على رسوله وآله، إنا والله ما ثنانا عن أهل الشام شك ولا ندم، وإنما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر، فشيبت السلامة بالعداوة، والصبر بالجزع، وكنتم في مسيركم إلى صفين ودينكم أمام دنياكم، وأصبحتم اليوم دنياكم أما دينكم، إلا وقد أصبحتم بين قتيلين: قتيل بصفين تبكون له، وقتيل بالنهروان تطلبون بثأره، أما الباقي فخاذل، وأما الباكي فثائر. ألا وإن معاوية دعانا لأمر ليس فيه عز ولا نصفة، فإن أردتم الموت رددناه عليه، وحاكمناه إلى الله عز وجل بظبا السيوف، وإن أردتم الحياة قبلنا، وأخذنا لكن الرضا.. فناداه الناس من كل جانب: البقية البقية، وأمض الصلح..(١١٢)
وهنا انكشف للإمام واقع النهاية، فالجيش مجتمعا، أو الأكثر منه تواق للسلامة ومؤثر للعافية، فهو يطلب البقيا وإمضاء الصلح. وتنطفئ آخر ومضة من الأمل في نفس الإمام (عليه السلام)، الجيش قد أمضى الصلح بهذه السرعة الهائلة، ولم يذكر المؤرخون أي معارضة قد تكون صدرت من بعض الفئات المفروض فيها ذلك، كالمحكمة مثلا.. ولعلها وجدت أن المرحلة لا تحتمل الدخول في معركة خاسرة حتما مع الخصم، وأدركت سر الموقف المتدهور آنذاك، وأيا كان فلم يبق أمام الإمام الحسن عليه السلام خيار غير الهدنة ولننقل حديثنا إلى مسكن، وقائدها قيس بن عبادة المؤمن الصامد، فقد بلغت أنباء الهدنة مسكن في رسالة أرسلها الإمام الحسن لقيس، يطلب فيها منه الدخول في الجماعة، وموافاته بمن معه من الجيش. لم يتحمل قيس هذه النهاية، فأراد اختبار أصحابه والتعرف على دخائل نفوسهم، إزاء هذا الموقف المأساوي، فقام خطيبا فيهم وقال:.. أيها الناس: اختاروا الدخول في طاعة إمام ضلالة - أي معاوية -، أو القتال من غير إمام هدى.. فقال بعضهم: بل نختار الدخول في طاعة إمام ضلالة، فبايعوا معاوية، وانصرف قيس فيمن تبعه(١١٣)
محنة الإمام عليه السلام:
لم يعن مؤرخو حياة الإمام الحسن عليه السلام بأكثر من الإشارة إلى الظروف المتأزمة التي كان من طبيعتها أن تشفع لدى الإمام الحسن عليه السلام بقبول الهدنة أو تضطره إليه، فمن مذعن ساكت لا يبدي رأيا، ومن مصوب عاذر يتزيد الحجج ويعدد المعاذير، ومن ناقد جاهل خفي عليه سر الموقف فراح يكشف عن سر نفسه من التعصب الوقح والتحامل المرير. فيرى أحدهم أن الذي طلب الهدنة هو الإمام الحسن عليه السلام ويرى الآخر أنه معاوية، ويرى بعضهم أن سبب طلبه الصلح أو قبوله إياه هو فتن الشام في المعسكرين (مسكن والمدائن)، ثم يختلفون في نوع الفتنة. بينما يرى البعض الآخر أن سبب قبول الصلح من جانب الإمام الحسن عليه السلام هو تفرق الناس عنه بعد إصابته ومرضه. ويرى ثالث منهم أن السبب هو نكول الناس عن القتال معه كما يدل عليه جوابهم على خطبته بالبقية البقية وقولهم له صريحا وأمض الصلح. ويرى الرابع، إن فرار قائده وخيانة أصحابه واستحلال بعضهم دمه وعدم كفاية الباقين للقتل، هو السبب لقبوله الهدنة. ولم يكن فيما دار عليه كل من الأصدقاء والناقمين في استعراضهم التاريخي للمآزق التي تعرض لها الإمام الحسن عليه السلام، ما يحول بنسقه دون النقد الجارح (أو قل) ما يجيب بأسلوبه على السؤال المتأدب، في عزوف الإمام الحسن عليه السلام عن (الشهادة) التي كانت ولا شك أفضل النهايتين، وأجدرهما بالإمام الخالد. إذا، فلماذا لم يفعل الحسن أولا، ما فعله الحسين أخيرا؟ ألجبن -وأستغفر الله- وما كان الحسين بأشجع من الحسن جنانا، ولا أمضى منه سيفا، ولا أكثر منه تعرضا لمهاب الأهوال. وهما الشقيقان بكل مزاياهما العظيمة، خلقا، ودينا، وتضحية في الدين، وشجاعة في الميادين، وابنا أشجع العرب، فأين مكان الجبن منه يا ترى؟ أم لطمع بالحياة، وحاشا الإمام الروحي المعطر التاريخ، أن يؤثر الحياة الدنيا، على ما ادخره الله له من الكرامة والملك العظيم، في الجنان التي هو سيد شبابها الكريم، والطليعة من ملوكها المتوجين، وما قيمة الحياة حتى تكون مطمعا للنفوس العظيمة التي شبت مع الجهاد، وترعرعت على التضحيات؟ أم لأنه رضي معاوية لرياسة الإسلام، فسالمه وسلم له، وليس مثل الحسن بالذي يرضى مثل معاوية، وهذه كلماته التي أثرت عنه في شأن معاوية، وكلها صريحة في نسبة البغي إليه وفي وجوب قتاله، وفي عدم الشك في أمره، وفي كفره أخيرا. فيقول فيما كتبه إليه أيام البيعة في الكوفة: ودع البغي واحقن دماء المسلمين، فوالله مالك خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه به(١١٤).
ويقول وهو يجيب أحد أصحابه العاتبين عليه بالصلح: (والله لو وجدت أنصارا لقاتلت معاوية ليلي ونهاري)(١١٥). ويقول في خطابه التاريخي في المدائن إنا والله ما يثنينا عن أهل الشام شك ولا ندم.... ويقول لأبي سعيد: علة مصالحتي لمعاوية علة مصالحة رسول الله لبني ضمرة وبني أشجع ولأهل مكة، حين انصرف من الحديبية، أولئك كفار بالتنزيل، ومعاوية وأصحابه كفار بالتأويل. إذا، فما سالم معاوية رضا به، ولا ترك القتال جبنا عن القتال، ولا تجافي عن الشهادة طمعا بالحياة، ولكنه صالح حين لم يبق في ظرفه احتمال لغير الصلح، وبذلك ينفرد الحسن عن الحسين، وما كان الإمام الحسن عليه السلام
في عظمته بذلك الرجل الذي تستثار حوله الشبه، ولا بالزعيم الذي يسهل على ناقده أن يجد المنفذ إلى نقده والمأخذ عليه سبيل. سئل(١١٦) الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر (قدس سره) لماذا صالح الإمام الحسن عليه السلام معاوية بن أبي سفيان بينما ثار أخوه الإمام الحسين عليه السلام على يزيد بن معاوية؟ فأجابه السيد الشهيد (قدس سره): تصاب المجتمعات بعدة أمراض كما يصاب الأفراد، ومن الأمراض التي أصيب بها المجتمع الإسلامي أبان إمامة الإمام الحسن عليه السلام هو مرض الشك في القيادة، وهذا الداء ظهر في أواخر حياة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، حيث واجه أيام خلافته عدة حروب ذهب ضحيتها عشرات الآلاف من أبناء الأمة، فأخذ الناس يشكون هل أن المعارك تخاض التي معارك رسالية أم أنها معارك قبلية أو شخصية؟ وقد عبر أمير المؤمنين عليه السلام عن ظهور هذا الداء الاجتماعي في عدة مرات منها في خطبته المعروفة بخطبة الجهاد التي ألقاها على جنوده المنهزمين في مدينة الأنبار حيث قال لهم والألم يعصر قلبه:.. ألا وأني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا ونهارا، وسرا وإعلانا، وقلت لكم اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا، فتواكلتم وتخاذلتم حتى شنت الغارات عليكم، وملكت عليكم الأوطان.... إن هذا الداء داء التواكل والتخاذل والتقاعس عن نصرة الحق وإيثار العافية والسلامة أو داء الشك في القيادة الذي ظهر في أواخر حياة الإمام علي عليه السلام استفحل واشتد في حياة الإمام الحسن عليه السلام: فلم يكن باستطاعته في مثل هذه الظروف والمجتمع المصاب بهذا الداء أن يخوض معركة مصيرية تنتهي بالنصر على خصمه المتربص به، فإذا أضفنا إلى هذا شخصية الخصم معاوية الذي كان بإمكانه أن يبدو أمام الناس بمظهر الحاكم الملتزم بالدين، وكذلك تعدد انتماءات المقاتلين مع الإمام الحسن عليه السلام حتى أبدى بعضهم استعداده لمعاوية أن يسلم له الإمام عليه السلام حيا، وطعنه بعضهم طعنة غادرة إذا جمعنا هذا وغيره من الظروف عرفنا لماذا صالح الإمام الحسن عليه السلام معاوية السبب باختصار هو الشك في قيادته وعدم وجود الأنصار المخلصين... أما في عهد إمامة الإمام الحسين عليه السلام فإن الأمة قد شفيت من مرض الشك بعد الممارسات الإجرامية الوحشية التي ارتكبها معاوية بحق الخصوص والعموم من الناس على مستوى الأموال والنفوس والأضاليل، وتيقنت الأمة الفارق بين القيادتين قيادة أهل البيت عليهم السلام وقيادة خصومهم، إلا أنها أصيبت بمرض آخر هو (مرض فقدان الإرادة) المرض الذي عبر عنه الشاعر الفرزدق أصدق تعبير حينما التقاه الإمام الحسين عليه السلام في الطريق وهو عائد من العراق، حيث سأله الإمام الحسين عليه السلام كيف وجدت الناس؟ أجاب الفرزدق: قلوبهم معك وسيوفهم عليك إنهم يحبون الحسين قلبيا، ولكن لم تكن عندهم الإرادة الكافية لتجسيد هذا الحب تضحية على الأرض تقف إلى جنب الحسين عليه السلام لسياسة الترهيب والترغيب التي استخدمها الحاكم معهم، إضافة إلى مطالبة الناس للإمام بالثورة بعد أن اتضحت لهم تماما حقائق الأوضاع، وشخصية يزيد تختلف عن شخصية أبيه فهو مفضوح بأعماله وممارساته أللا أخلاقية، ومن هنا كان قرار الثورة مستخلصا من مجموع الظروف النفسية والاجتماعية لإعادة الإرادة إلى الأمة لإيجاد الانسجام والتناغم بين القلوب والسيوف فلا تكون القلوب إلى جهة والسيوف إلى جهة مضادة... لقد كان العلاج لداء فقدان الإرادة، هو الشهادة والتضحية، وهذا ما أشار إليه أبو عبد الله عليه السلام حينما قال: إن كان دين محمد لم يستقم * إلا بقتلي فيا سيوف خذيني أتسائل متعجبا!! من هم الذين هجموا على الإمام عليه السلام وطعنوه ومن هم الذين احترز منهم ولبس لامة حربه ودرعه تحت ثيابه حذرا من غدرهم؟؟!!. أليس هم أصحابه، وجنده الذين خرج بهم ليدافع بهم عن شريعة السماء وليقاتلوا بين يديه أعداء الله من الجيش الأموي؟ إذا كان جيشه الذي يحارب بهم والقوة التي يضرب بها واليد التي يبطش بها شلاء، فكيف يستطيع أن يقف أمام ذلك الجيش العاتي والقوة الغاشمة من جيش معاوية من أهل الشام؟ أليس هذا كله دليلا قاطعا، وبرهانا ساطعا ومبررا على قبوله عليه السلام المهادنة والمصالحة؟ والذي أصبح به مهددا على حياته وحياة أهل بيته وأصحابه المخلصين من جيشه وحماته فضلا عن جيش عدوه وغدره. وأعجب من ذلك أولئك المتفلسفين الذين يعيشون في عافية، وفي وضع مستقر آمن وهادئ يلقون باللائمة على الإمام الحسن عليه السلام لماذا هادن أو صالح ولم يتصوروا الموقف الحرج الذي امتحن به الإمام، وهذا لا يصدر إلا عن حالتين إما عن جهل مطبق أو حقد أسود أعمى، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ثم حمل الإمام الحسن عليه السلام (١١٧) بعد طعنه إلى المدائن وقد أخذ النزف منه مأخذا شديدا واشتدت به العلة، فأنزل في دار سعد بن مسعود الثقفي، وكان عامله وعامل أبيه أمير المؤمنين عليه السلام من قبل على المدائن وبقي في دار الثقفي مدة للمعالجة، وفي خلال ذلك علم الإمام بأن بعض رؤساء القبائل وقواد جيشه الذين لا يملكون الورع والوازع الديني ولا الأخلاقي، كاتبوا معاوية سرا، وأبدوا استعدادهم لتنفيذ رغبته إن شاء قتلوه، أو شاء أسلموه مكتوفا إذا اقترب الجيشان(١١٨)، وقد بعث معاوية من خبثه ودهائه بتلك الرسائل نفسها إلى الإمام ليطلعه على دخيلة نفسيات بعض قواده ورؤساء العشائر من أصحابه، وطلب منه الصلح وعرضها عليه وتعهد له قبول كل شرط يشترطه الإمام عليه. وكان الإمام يعاني من شدة الطعنة وقد تفرق معظم أصحابه وجيشه عنه كل إلى جهة، وذلك لعدم توحد جنوده وقواده في الهدف والمبدأ كما أسلفنا، وكل واحد منهم كان يسلك طريقا خاصا به ليضمن مصالحه لا سيما المرتزقة والغوغائية منهم. عند ذلك رأى الإمام الحسن عليه السلام بثاقب رأيه وتسديد السماء له، إن الوقوف بوجه جيش الشام لم يكن من صالح الإسلام ولا من صالحه أو صالح أهل بيته ويعته ش، وإن الخوض معارك خاسرة واضحة المعالم مسبقا، ضرب من عدم حنكة القيادة وعدم التدبير، ولئن انتصر معاوية في حربه هذه رسميا، لاستطاع أن يزيل الإسلام من أساسه ويقضي على الدين وعلى جميع المؤمنين الحقيقين من شيعة علي عليه السلام تماما، واستأصالهم من الوجود، ولم يبق من الإسلام إلا إسمه، ولا من القرآن إلا رسمه.
الفصل السادس .. خلاصة الأحداث
 ومجمل ما تقدم من الفتن السوداء، والخيانة المفضوحة التي منيت بها المقدمة التي تعتبر أقوى فصائل الجيش أمور: خلاصة الأحداث
١ - تسلل ذوي الوجاهة والنفوذ من ذوي البيوتات الشريفة والأسر البارزة إلى معاوية.
٢ - غدر القائد العام عبيد الله بن العباس وخيانته لسبط النبي وريحانته ولابن عمه. ومن قبله غدر قائدان، الكندي، والمرادي.
٣ - خيانة ثمانية آلاف من الجيش، والتحاقهم بمعسكر معاوية، وناهيك بالضعف والاحتلال الذي منيت به المقدمة بعد انسحاب هذا العدد الخطير من الجيش.
٤ - إضطراب الجيش على الإطلاق سواء كان في مسكن أو في المدائن، بسبب الإشاعات الكاذبة التي أذاعها أتباع معاوية من أن الحسن قد صالح معاوية، وأن قيسا قد قتل. هذه خلاصة الأخطار الفظيعة التي أصيبت بها المقدمة فأوجبت انهيارها وإماتة نشاطها، وأصبحت لا قدرة لها على مواجهة الأحداث، ولا قابلية لها على الدفاع ورد العدو الغادر الذي يتمتع بأتم القابليات العسكرية وأضخم الطاقات الهجومية، وبعد هذه الكوارث التي فتكت بالمقدمة هل يصح أن يقال: أنها جبهة قوية لها القدرة على مناجزة العدو معاوية؟!! وهل يمكن للإمام الحسن عليه السلام المجازفة بالبقية الباقية من أهل بيته والعناصر الخيرة من أصحابه وأصحاب أبيه المخلصين الثابتين وتقديمهم طعاما لنار الحرب والسيوف والأسنة، وما اعتقد أن أي إنسان له ذرة من العقل والتدبير يقدم على ذلك فكيف بإمام معصوم مسدد من السماء(١١٩).
وثيقة الهدنة: بعث معاوية بالسجل المختوم للإمام الحسن عليه السلام، ليشترط فيه ما يشاء لنفسه وأهل بيته وشيعته، وكتب الإمام الشروط وأخذ من معاوية العهد والميثاق على الوفاء، وأعطاه معاوية ما أراد، وهي: وثيقة الهدنة
١- تسليم الأمر إلى معاوية على أن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وبسيرة الخلفاء الصالحين.
٢- أن يكون الأمر للحسن من بعده، فإن حدث به حدث فلأخيه الحسين، وليس لمعاوية أن يعهد إلى أحد.
٣ - أن يترك سب أمير المؤمنين والقنوت عليه بالصلاة، وأن لا يذكر عليا إلا بخير.
 ٤ - استثناء ما في بيت مال الكوفة، وهو خمسة آلاف ألف، فلا يشمله تسليم الأمر، وعلى معاوية أن يحمل إلى الحسن ألفي ألف درهم، وأن يفضل بني هاشم في العطاء والصلات على بني عبد شمس، وأن يفرق في أولاد من قتل مع أمير المؤمنين يوم الجمل، وأولاد من قتل معه بصفين ألف ألف درهم، وأن يجعل ذلك من خراج دار أبجرد(١٢٠).
 ٥ - على أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله، في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم، وأن يؤمن الأسود والأحمر، وأن يحتمل معاوية ما يكون من هفواتهم، وأن لا يتبع أحدا بما مضى، ولا يأخذ أهل العراق باحنة، وعلى أمان أصحاب علي حيث كانوا، وأن لا ينال أحدا من شيعة علي بمكروه، وأن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم، وأن لا يتعقب عليهم شيئا ولا يتعرض لأحد منهم بسوء، ويوصل إلى كل ذي حق حقه، وعلى ما أصاب أصحاب علي حيث كانوا. وعلى أن لا يبغي للحسن بن علي ولا لأخيه الحسين ولا لأحد من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غائلة، سرا ولا جهرا، ولا يخيف أحدا منهم في أفق من الآفاق. مكان الاجتماع هذه هي المواد الخمس، التي يمكن الظن قويا أن تكون من أهم بنود الهدنة التي تم عليها الاتفاق بين الطرفين، ولا أقل من أنها تمثل لنا طبيعة الشروط التي أملاها الإمام الحسن عليه السلام على معاوية. أقول والذي ثبت عندي من خلال تتبعي المصادر، أن الذي جرى بين الإمام الحسن عليه السلام وتم توقيعه مع معاوية هو على المهادنة والمعاهدة وليس البيعة ولا التنازل عن الإمامة البتة وأن ما يدعيه المتخرصون هو تجن وليس عندهم ما يثبت ذلك، إذ ليس من المعقول، ولا يحق للإمام الحسن عليه السلام أن يتنازل عن منصب إلهي نصبه الله تعالى فيه فهو امتداد لتبليغ رسالة السماء، وهل يحق لرسول أو نبي أن يتنازل عن منصبه لأحد!!
 مكان الاجتماع: وكان طبيعيا أن يتفق الفريقان بعد التوقيع على معاهدة الهدنة والصلح، على مكان يلتقيان فيه على السلام، ليكون اجتماعهما في مكان تطبيقا عمليا للصلح الذي يشهده التاريخ، وليعترف كل منهما على مسمع من الناس بما أعطى صاحبه من نفسه وبما يلتزم له من الوفاء بعهوده، واختارا الكوفة، فأقفلا إليه، وأقفل معهما سيول من الناس غصت بهم العاصمة الكوفة. نودي في الناس إلى المسجد الجامع، ليسمعوا هناك الخطيبين الموقعين على معاهدة الصلح. وقد سبق معاوية الحسن وجلس على المنبر، وخطب في الناس خطبته الطويلة التي لم ترو المصادر منها إلا فقراتها المهمة البارزة فحسب. منها: وقد روى اليعقوبي في تاريخه، ما نصه: أما بعد ذلكم، فإنه لم تختلف أمة بعد نبيها، إلا غلب باطلها حقها!!. وانتبه معاوية لما وقع فيه. فقال: إلا ما كان من هذه الأمة، فإن حقها غلب باطلها(١٢١).
 ومنها على رواية المدائني: يا أهل الكوفة، أترونني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج وقد علمت أنكم تصلون، وتزكون، وتحجون؟ ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم وعلى رقابكم، وقد آتاني الله ذلك وأنتم كارهون؟ ألا إن كل دم أصيب في هذه الفتنة مطلول، وكل شرط شرطته للحسن ابن علي فتحت قدمي هاتين وفي رواية لا افي به؟!! ولا يصلح الناس إلا ثلاث: إخراج العطاء عند محله، وإقفال الجنود لوقتها، وغزو العدو في داره، فإن لم تغزوهم غزوكم.
خطبة الإمام الحسن عليه السلام:
وأقبل الإمام الحسن عليه السلام بخطى ثابتة ورباطة جأش وصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على جده المصطفى. ثم قال: الحمد لله كلما حمده حامد، وأشهد أن لا إله إلا الله كلما شهد له شاهد، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى، وائتمنه على الوحي، صلى الله عليه وآله وسلم، أما بعد: ثم قال: أيها الناس، إن الله هداكم بأولنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وإن لهذا الأمر مدة، والدنيا دول. قال الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم: (وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون * إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون * وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين)(١٢٢). ثم قال:.. وإن معاوية زعم لكم أني رأيته للخلافة أهلا، ولم أر نفسي لها أهلا، فكذب معاوية. نحن أولى الناس بالناس في كتاب الله عز وجل على لسان نبيه. ولم نزل - أهل البيت - مظلومين منذ قبض الله نبيه، فالله بيننا وبين من ظلمنا، وتوثب على رقابنا، وحمل الناس علينا، ومنعنا سهمنا من الفيء، ومنع أمنا مما جعل لها رسول الله. وأقسم بالله لو أن الناس بايعوا أبي (عليا) حين فارقهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأعطتهم السماء قطرها والأرض بركتها، ولما طمعت فيها يا معاوية.. فلما خرجت من معدنها، تنازعتها قريش بينها، فطمع فيها الطلقاء، أنت وأصحابك. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما ولت أمة أمرها رجلا وفيهم من هو أعلم منه، إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالا، حتى يرجعوا إلى ما تركوا، فقد ترك بنوا إسرائيل هارون وهم يعلمون أنه خليفة موسى فيهم، واتبعوا السامري، وتركت هذه الأمة أبي وبايعوا غيره وقد سمعوا رسول الله يقول له: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة، وقد رأوا رسول الله نصب أبي يوم غدير خم، وأمرهم أن يبلغ أمره الشاهد الغائب. ثم قال: فوالذي بعث محمدا بالحق لا ينتقص من حقنا -أهل البيت- أحد إلا نقصه الله من عمله، ولا تكون علينا دولة إلا وتكون لنا العاقبة، ولنعلمن نبأه بعد حين.(١٢٣) ثم دار بوجهه إلى معاوية ثانيا، ليرد عليه نيله من أبيه، فقال: وما أروع ما قال: أيها الذاكر عليا! أنا الحسن وأبي علي، وأنت معاوية وأبوك صخر، وأمي فاطمة وأمك هند، وجدي رسول الله وجدك عتبة بن ربيعة، وجدتي خديجة وجدتك فتيلة - لعن الله أخملنا ذكرا، وألأمنا حسبا، وشرنا قديما وحديثا، وأقدمنا كفرا ونفاقا!!. قال الراوي: فقال طوائف من أهل المسجد: آمين وقال كل من سمع هذا الحديث ونقل هذه الرواية منذ يومها الأول قال آمين(١٢٤).
وستبقى الأجيال المؤمنية تردد آمين حتى تقوم الساعة ويخسر هنالك المبطلون. - وأنا أقول آمين لا أكتفي بواحدة. وهذه الخطبة الوحيدة في تاريخ الخطابات العالمية، التي خطبت بهتاف الأجيال على طول التاريخ. وكذلك قول الحق فإنه لا ينفك يعلو صعدا ولا يعلى عليه. وصرح ابن كثير بنفي الخلافة عن معاوية استنادا إلى الحديث، قال: قد تقدم أن الخلافة بعده عليه السلام ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا، وقد انقضت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي، فأيام معاوية أول الملك(١٢٥).
الشخوص إلى المدينة:
 ولما عزم الإمام الحسن عليه السلام التوجه إلى مدينة جده صلى الله عليه وآله وسلم والشخوص إليها، جاءه سراة شيعته، المسيب ابن نجية الفزاري، وظبيان بن عمارة التميمي ليودعا الإمام فقال الحسن عليه السلام الحمد لله الغالب على أمره، لو اجتمع الخلق جميعا على أن لا يكون ما هو كائن ما استطاعوا. وتكلم الإمام الحسين عليه السلام: يا مسيب نحن نعلم أنك تحبنا. وقال الإمام الحسن عليه السلام: سمعت أبي يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من أحب قوما كان معهم، ثم عرض له المسيب وظبيان بالرجوع، فقال: ليس إلى ذلك سبيل فلما كان في غد خرج من الكوفة، وشيعه الناس بالبكاء؟! ولم تكن إقامته فيها بعد الصلح إلا أياما قلائل. وصب الله على الكوفة منذ خروجهم العذاب والطاعون الجارف فكان عقوبتها العاجلة على مواقفها من آل الرسول البررة الطاهرين وهرب منها وإليها الأموي (المغيرة بن شعبة) خوف الطاعون، ثم عاد إليها فطعن به فمات(١٢٦).
بعد نظر الإمام عليه السلام ونتائج الهدنة والصلح

لم يكن الإمام الحسن عليه السلام في موقفه هذا بعيدا عن مسؤولياته غافلا عما يراد منه أو ما يجب عليه إزاء الأمة، بل كان يخطط جديا ويريد أن تنطلق شرارة الثورة من نفوس المؤمنين كالبركان، وتصدر من الأعماق بتحرك ذاتي، ليضمن لها الاستمرارية في الحركة، والدوام في الانطلاق. وأحس معاوية بهواجس الخطر تندلع، على رغم نشوته من سكر انتصاره وسطوته، وإن نار الثورة تتقد شيئا فشيئا وهي تحت الرماد فيبدأ بتصفية الجناح العلوي من خلال تصفية شيعته وأنصاره وأعوانه، مستخدما في ذلك كل وسائل الخنق والارهاب والعنف والتضييق. دفاع عن الإمام الحسن عليه السلام مع الأسف أن كثيرا من المؤرخين، يؤكدون تصورا شائعا بينهم حول قيادة الإمام عليه السلام وضعفها وتراجعها أمام ضغط الأحداث، أو أنه تنازل عن حقه راضيا حسما للفتنة، أو أنه خان الثورة وسلمها دون قتال إلى معاوية عدو الإسلام، ركونا للدعة والراحة.. سببه اعتقاد هؤلاء المؤرخين بأن دور الأئمة في حياتهم كان دورا سلبيا على الأغلب، بسبب إقصائهم عن الحكم. الدفاع عن الإمام عليه السلام وهذا التفكير بالرغم من أنه خاطئ إلا أنه يدل على جهل هؤلاء المؤرخين بتاريخ حياة الأئمة عليهم السلام، فالأئمة، بالرغم من إقصائهم من مسؤولية الحكم، كانوا يتحملون باستمرار مسؤوليتهم في الحفاظ على الرسالة وعلى عدم التجزئة الإسلامية وتحصينها ضد التردي إلى هاوية الانحراف والانسلاخ من مبادئها وقيمها انسلاخا تاما، فالإمام الحسن عليه السلام عندما هادن معاوية، وسالمه، اتجه إلى تغيير الأمة وتحصينها من الأخطار التي كانت تهددها، والإشراف على القاعدة الشعبية، وتوعيتها بمتطلبات الشخصية الإسلامية، وتعبئتها بمحتوى التغيير الرسالي للإسلام، ولبعث الأمة من جديد. هذا الدور الايجابي للإمام عليه السلام وتحركه الفاعل على مسرح الأحداث، كلفه الكثير من الرقابة والحصار، وقصة محاولات اغتياله المتكررة، تشير بكل وضوح إلى مخاوف السلطة من تواجد الإمام عليه السلام كقوة معبرة عن عواطف الأمة ووعيها المتنامي. ولربما حملت معها خطر الثورة ضد ظلم بني أمية. ومعاوية أدرك جيدا أن الإمام الحسن عليه السلام هو صاحب رسالة ومبدأ فلا بد إنه عامل لإعطاء رسالته حقها من جهده وجهاده لسيادة الحكم بما يبذله من أساليب العمل والتغيير. محاولات اغتيال الإمام عليه السلام: محاولات الاغتيال ولما استقر الإمام في المدينة المنورة وتفرغ لتبليغ رسالة جده صلى الله عليه وآله وسلم(١٢٧) وتقاطر عليه المؤمنون والمسلمون من كل حدب وصوب وأعاد سلطانه التليد شق ذلك على معاوية ولم يقر له قرار ما دام الإمام حيا ومن ثم يكون ملكه في خطر ومن جهة أخرى كان يفكر ويخطط جديا في تثبيت ابنه يزيد على سدة الحكم ويعقد له البيعة خلافا لبنود اتفاقية الهدنة والصلح، وهذا لا يتم إلا بإزاحة الإمام الحسن عليه السلام عن طريقه وتصفيته جسديا بطريقة السم أو غيره ولم يكن ذلك أول مرة بل سبقه مرات ولكن السم كان قليل الأثر فيه إلا في المرة الأخيرة حيث قضى عليه. والذي دفعه إلى هذا العمل وشجعه عليه المغيرة بن شعبه وسببه الأنانية وحب الذات والبقاء في المنصب. يقول ابن الأثير: كان ابتداء ذلك من المغيرة بن شعبة، فإن معاوية أراد أن يعزله عن إمارة الكوفة، ويستعمل بدله سعيد بن العاص الأموي فبلغه ذلك، فقال في نفسه أشخص إلى معاوية فاستعفيه، ليظهر للناس كراهتي للولاية، فسار إلى معاوية ودخل عليه وقال: لا أدري ما يمنع أمير المؤمنين أن يعقد البيعة لولده يزيد فأثار كلامه هذا الكامن في نفسه، ووضع أصبعه على الوتر الحساس في نفس معاوية، فقال: أو ترى يتم ذلك؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قد رأيت من سفك الدماء والاختلاف بعد عثمان، وفي يزيد خلف فاعقد له البيعة، فإن حدث بك حدث، كان كهفا للناس وخلفا منك، ولا تسفك الدماء ولا تكون فتنة ثم قال: إني أكفيك أهل الكوفة، ويكفيك زياد أهل البصرة، وليس بعد هذين المصرين أحد يخالفك. عند ذلك قال معاوية: فارجع إلى عملك، وتحدث مع من تثق إليه في ذلك، ونرى وترى. فودعه المغيرة ورجع إلى أصحابه. قالوا: مه..؟ قال: لقد وضعت رجل معاوية في غرز بعيد الغاية على أمة محمد، وفتقت عليهم فتقا لا يرتق أبدا(١٢٨).
عند ذلك نشط معاوية وفكر جديا في إزاحة الإمام الحسن عليه السلام عن طريق البيعة لولده يزيد، وما دام الإمام على قيد الحياة لا يستطيع أخذ البيعة لولده يزيد. فدبر المؤامرة في سم الإمام الحسن عليه السلام، ولم تكن هذه الأولى: وقد شارك الأشعث بن قيس بسم الإمام عن طريق ابنته جعدة بنت الأشعث وكانت زوجة الإمام الحسن عليه السلام فبعث من يغريها ودس إليها مائة ألف درهم مع سم ناقع قاتل فتاك وأمرها أن تحتال بسم الإمام الحسن عليه السلام وتعهد لها بتزويجها من ابنه يزيد إن تم لها ذلك، فلما سمت جعدة بنت الأشعث الإمام الحسن عليه السلام واستشهد من جرعتها والتحق بالرفيق الأعلى مع جده وأبيه وأمه، بعثت إليه -أي إلى معاوية- تطالبه بإنجاز وعده وعهده، فبعث من يقول لها: إني أحب ولدي يزيد وأرجو حياته لولا ذلك لزوجتك إياه، فأصبحت من الخاسرين، وقد خسرت الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين. وبشهادة الإمام تحرك معاوية لتنفيذ خطته الخبيثة بجعل الخلافة ملكا لبني أمية يتوارثها غادر عن فاجر. الشيعة الذين نكل بهم معاوية.
 الفصل السابع .. الشيعة الذين نكل بهم معاوية
ومن أهم شروط الهدنة التي اشترطها الإمام الحسن عليه السلام على خصمه، الأمن العام لشيعته وشيعة أبيه، وعدم التعرض لهم بسوء أو مكروه ولكن ابن أبي سفيان قد نقض عهده فلم يف للإمام بذلك، وجعل أهم أهدافه تصفية شيعة علي والقضاء على هذه الفئة المؤمنة التي آمنت بأحقية أهل البيت عليهم السلام. لقد أسرف معاوية في إرهاب الناس وإرهاقهم، فأذاق بعضهم كأس الحمام، وأودع البعض الآخر منهم في ظلمات السجون، وقد ذاقت شيعة الإمام علي عليه السلام العناء والمحن والخطوب ما تنوء بحمله الجبال، وما نحسب أن أمة من الأمم لاقت من الأذى والاضطهاد كما لاقته شيعة أهل البيت عليهم السلام. وكان أشدهم بلاءا وأعظمهم عناءا ومحنة وشقاءا أهل الكوفة، وقد استعمل عليهم معاوية زياد ابن أبيه بعد هلاك المغيرة بن شعبة وكان بهم خبيرا، فأشاع فيهم الفتك والإعدام، وقتلهم تحت كل حجر ومدر، وقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل عيونهم، وصلبهم على جذوع النخل وشردهم وطاردهم(١٢٩) ونفاهم من أرضهم وديارهم.(١٣٠) وقد ذكرنا ذلك في كراسات مسلسلة، مفصلة حوت على أكثر من ستين صحابيا وتابعي ممن يدينون بالولاء لعلي وأهل بيته أذكر أسماء بعضهم:
١- حجر بن عدي.
٢- رشيد الهجري.
٣- عمرو بن الحمق الخزاعي.
٤- ميثم التمار.
٥- عدي بن حاتم الطائي.
٦- صعصعة بن صوحان.
٧- عبد الله بن هاشم المرقال.
٨- عبد الله بن يحيى الحضرمي.
٩- محمد بن أبي حذيفة.
١٠- عبد الله بن خليفة الطائي.
١١- جويرة بن مسهل الصيداوي.
١٢- أوفي بن حصن. وغيرهم. أما النساء اللاتي روعهن معاوية ولكل واحدة منهن قصة مفصلة:
١- آمنة بنت الشريد - زوجة عمرو بن الحمق الخزاعي.
٢- الزرقاء بنت عدي.
٣- أم الخبر البارقية.
٤- سوده بنت عمارة الهمدانية.
٥- أم البراء بنت صفوان.
٦- بكاره الهلالية.
٧- أروى بنت الحارث.
٨- عكرشة بنت الاطش.
٩- الدارمية الحجونية.
هذه بعض النسوة اللاتي اضطهدهن معاوية بسلطانه، وذلك بسبب ولائهن لأمير المؤمنين علي عليه السلام.
وصيته عليه السلام
هذا ما أوصى به الحسن بن علي إلى أخيه الحسين بن علي، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنه يعبده حق عبادته، لا شريك له في الملك، ولا ولي له من الذل، وإنه خلق كل شيء فقدره تقديرا، وإنه أولى من عبد، وأحق من حمد، من أطاعه رشد، ومن عصاه غوى، ومن ثاب إليه اهتدى. فإني أوصيك يا حسين بمن خلفت من أهلي وولدي وأهل بيتك أن تصفح عن مسيئهم، وتقبل من محسنهم، وتكون لهم خلفا ووالدا، وأن تدفني مع جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنني أحق به وببيته ممن أدخل بيته بغير إذنه، ولا كتاب جاء من بعده، قال الله تعالى فيما نزل على نبيه في كتابه: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم)(١٣١). فوالله ما أذن لهم في الدخول عليه في حياته بغير إذنه، ولا جاءهم الإذن في ذلك من بعد وفاته، ونحن مأذون لنا في التصرف فيما ورثناه من بعده فإن أبت عليك الامرأة فأنشدك الله بالقرابة التي قرب الله -عز وجل- منك والرحم الماسة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن لا تهريق في محجمة من دم حتى نلقى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنختصم إليه ونخبره بما كان من الناس إلينا. ثم قبض صلوات الله عليه، فإنا لله وإنا إليه راجعون. لله در من قال: فنازعه أناس لم يذوقوا * وحق الله للإسلام طعما أيدفن جنب أحمد أجنبي * ويمنع سبطه ويحمى
شهادته عليه السلام:

رجع الإمام الحسن عليه السلام إلى المدينة المنورة، بعد التوقيع على الهدنة، وأقام بها عشر سنين، ثم قضى نحبه شهيدا مسموما مظلوما، وذلك لسبع خلون من شهر صفر، وفي رواية لليلتين بقيتا من صفر عام خمسين من الهجرة، وله من العمر سبعة وأربعون عاما وأشهر، سمته زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس، وكان معاوية قد حملها على ذلك وضمن لها أن يزوجها من ابنه يزيد وأعطاها مائة ألف درهم، فسقت الإمام عليه السلام السم، وكان شديدا فتاكا جلبه معاوية من الروم، بحيث بقي ثلاثة أيام يعالج الموت ويلفظ كبده قطعة قطعة، حتى قضى نحبه يشكو إلى الله، وإلى جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإلى أبيه وأمه ظلم الظالمين. قال الشيخ المفيد قدس نفسه: توفي الإمام عليه السلام في صفر سنة خمسين من الهجرة، وله يومئذ ثمان وأربعون سنة، وكانت خلافته عشر سنين. ونعم ما قال الشاعر: وجاشت لتأبى دفنه عند جده * تثير على أشياعه رهج الحرب
أتدني لها الويلات مستوجب النوى * إليه وتقصي عنه مستوجب القرب وهذه رواية أخرى عن شهادته عليه السلام أكثر تفصيلا: وبقي الإمام عليه السلام يعاني من تأثير السم حتى تمكن منه وأخذ يقذف كبده قطعة قطعة، ولما حضرته الوفاة استدعى أخاه الإمام الحسين عليه السلام وانفرد به، وقال له: يا أخي إني مفارقك ولاحق بربي وقد سقيت السم مرارا ولكن هذه المرة أشدها ورميت كبدي في الطست، وإني لعارف بمن سقاني السم ومن أين دهيت، وأنا أخاصمه إلى الله عز وجل، فبحقي عليك إن تكلمت في ذلك بشيء، وانتظر ما يحدث الله عز وجل في. فإذا أنا قضيت نحبي فغمضني وغسلني وكفني واحملني على سريري إلى قبر جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأجدد به عهدا، ثم ردني إلى قبر جدتي فاطمة بنت أسد فادفني عندها، وستعلم يا ابن أم أن القوم يظنون أنكم تريدون دفني عند جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيجلبون في منعكم عن ذلك، وبالله أقسم عليك أن لاتريق في أمري محجمة دم، ثم وصى إليه بأهله وولده وتركاته، وما كان وصى به أمير المؤمنين عليه السلام حين استخلفه وأهله لمقامه، ودل شيعته على استخلافه ونصبه لهم علما من بعده، ثم قضى نحبه شهيدا مظلوما مسموما صابرا محتسبا، وذلك في صفر سنة خمسين من الهجرة. فلما توفي عليه السلام غسله الإمام الحسين عليه السلام وكفنه، وصلى عليه، وحمله على سريره يريد تجديد العهد بزيارة جده صلى الله عليه وآله وسلم ولم يشك مروان بن الحكم ومن معه من بني أمية أنهم سيدفنونه عند جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتجمعوا ولبسوا السلاح وتقدمتهم عائشة على بغلة، فلما توجه الإمام الحسين عليه السلام بالجثمان إلى قبر جده ليجددوا به عهدا أقبلوا إليهم في جمعهم تتقدمهم عائشة وهي تقول: مالي ولكم تريدون أن تدخلوا بيتي من لا أحب. وجعل مروان بن الحكم يقول: يا رب هيجا هي خير من دعة أيدفن عثمان في أقصى المدينة ويدفن الحسن مع جده لا يكون ذلك أبدا وأنا أحمل السلاح. فبادر ابن عباس إلى مروان فقال: ارجع يا مروان من حيث جئت فإنا لا نريد دفن صاحبنا عند جده، لكنا نريد أن نجدد به عهدا بزيارته ثم نرده إلى جدته فاطمة بنت أسد فندفنه عندها بوصيته بذلك، ولو كان أوصى بدفنه مع جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلمت أنك أقصر باعا من ردنا عن ذلك، لكنه كان أعلم بالله وبرسوله وبحرمة قبره من أن يطرق عليه هدما، كما طرق ذلك غيره ودخل بيته بغير إذنه. ثم أقبل على عائشة وقال لها: واسوأتاه يوما على بغل ويوما على جمل تريدين أن تطفئي نور الله، وتقاتلي أولياء الله ارجعي فقد كفيت الذي تخافين وبلغت ما تحبين، والله منتصر لأهل هذا البيت ولو بعد حين. وفي رواية يوما تجملت ويوما تبغلت وإن عشت تفيلت، وقد أخذ ابن الحجاج الشاعر البغدادي المشهور هذا المعنى فأنشد يقول:

أيا بنت أبي بكر * * * لا كان ولا كنت

لك التسع من الثمن * * * وبالكل تملكت

تجملت تبغلت * * * وإن عشت تفيلت

وقال الإمام الحسين عليه السلام والله لولا عهد الحسن إلي بحقن الدماء وأن لا أهريق في أمره محجمة دم لعلمتم كيف تأخذ سيوف الله منكم مأخذها وقد نقضتم العهد بيننا وبينكم، وأبطلتم ما اشترطنا عليكم لأنفسنا(١٣٢).
ومضوا بالنعش إلى بقيع الغرقد فدفنوه عند جدته فاطمة بنت أسد بن هاشم. قال القاسم بن محمد بن أبي بكر لعمته عائشة، يا عمة ما غسلنا رؤوسنا من يوم الجمل الأحمر، أتريدين أن يقال يوم البغلة الشهباء؟
مراسيم الدفن:
 ولما فرغ من دفنه وأهال التراب عليه وقد هاجت به الأحزان فجلس على شفير القبر يخط الأرض بأنامله وقد أحاط به إخوته وبنو عمومته وبقية الهاشميين، وخلص أصحابه وهو في أشد حالات الحزن والبكاء وينشد هذه الأبيات ويقول:

أأدهن رأسي أم تطيب مجالسي * * * ورأسك معفور وأنت سليب
واستمتع الدنيا لشيء أحبه * * * ألا كل ما أدني إليك حبيب
فلا زلت أبكي ما تغنت حمامة * * * عليك وما هبت صبا وجنوب
وما هملت عيني من الدمع قطرة * * * وما اخضر في دوح الحجاز قضيب
بكائي طويل والدموع غزيرة * * * وأنت بعيد والمزار قريب
غريب وأطراف البيوت تحوطه * * * ألا كل من تحت التراب غريب
ولا يفرح الباقي خلاف الذي مضى * * * وكل فتى للموت فيه نصيب
وليس حريبا من أصيب بماله * * * ولكن من وارى أخاه حريب
نسيبك من أمسى يناجيك طرفه * * * وليس لمن تحت التراب نسيب

وفي مناقب ابن شهرآشوب: وللإمام الحسين عليه السلام. إن لم أمت أسفا عليك فقد أصبحت مشتاقا إلى الموت في مروج الذهب ج٢ وتذكرة الخواص أذكر ذلك ملخصا. قام أخوه محمد بن الحنفية على قبره مؤبنا باكيا وقال: رحمك الله يا أبا محمد، لئن عزت حياتك لقد هدت وفاتك، ولنعم الروح روح عمر به بدنك، ولنعم البدن بدن تضمنه كفنك، وكيف لا تكون هكذا وأنت سليل الهدى وحليف أهل التقى، وخامس أهل الكسا، ربيت في حجر الإسلام، ورضعت ثدي الإيمان، وغذتك بالتقوى أكف الحق، ولك السوابق العظمى، والغايات القصوى، فلقد طبت حيا وميتا، وإن كانت أنفسنا غير سخية بفراقك، فعليك من الله السلام. وأنشد يقول:

أأدهن رأسي أم تطيب مجالسي * * * وخدك معفور وأنت سليب
أأشرب ماء المزن من غير مائه * * * وقد ضمن الأحشاء منك لهيب
سأبكيك ما ناحت حمامة أيكة * * * وما اخضر في دوح الرياض قضيب
غريب وأكناف الحجاز تحوطه * * * ألا كل من تحت التراب غريب

وهناك مراثي كثيرة منتشرة في كتب التاريخ لا سيما في كتاب المجالس السنية ج٥ للسيد محسن الأمين، وكتاب مثير الأحزان للشيخ شريف الجواهري، وكتاب
المنتخب الشيخ فخر الدين الطريحي النجفي. أقول: لقد تأسف الوهابيون في هذا الزمان أن لا يكونوا شاركوا أسلافهم في التعرض لجنازة السبط الشهيد الإمام أبي محمد الحسن عليه السلام فتتبعوه رميما، فقد قاموا بتهديم قبره وقبور الأئمة، وقبور أهل البيت عليهم السلام كافة عنادا للحق وعداوة لله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وتحديا لمشاعر المسلمين كافة، وذلك بمرأى ومسمع منهم وما حرك أحد منهم ساكنا وقد أصبح، وكأن الأمر لا يعنيهم ولا يهمهم لا من قريب ولا من بعيد فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم(١٣٣). خاتمة المطاف
خاتمة المطاف:
كانت هذه الصفحات إلمامة سريعة بحياة الإمام أبي محمد الحسن عليه السلام، وذكر بعض ما نزل فيه من القرآن الكريم وما ورد فيه من أحاديث الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ثم استعراض سريع لسيرته وأخلاقه، وتدوين مختارات من كلامه وحكمه، وتحليلا للهدة والظروف التي أملت عليه ذلك الموقف. وأحسب أن هذا العرض السريع -على وجازته- دعوة للقارئ الكريم إلى تبني سيرة أهل البيت عليهم السلام، والاقتداء بهم، والاستنارة بأنوارهم (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم)(١٣٤).
سائلا المولى القدير أن يتقبل مني هذا اليسير ويجعله ذخرا لي ولوالدي يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، وأن يرزقنا شفاعة كريم أهل البيت وشفاعة جده وأبيه، وأمه، وأخيه، والمعصومين من بنيه. فإنه خير المسئولين - وارحم الراحمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله وآله الطاهرين. حسين الشاكري دار الهجرة - عش آل محمد قم المقدسة سنة ١٤٢٠ ه‍ـ
 

 

 

الهوامش:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) فسره - حضنه.
(٢) الإرشاد للشيخ المفيد ص ١٦٩، نزهة المجالس ج ٢ ص ٢٠٥.
(٣) مع بعض التصرف في العبارة روما للاختصار، دون المساس بالمعنى.
(٤) بحار الأنوار ج ٤٣ ص ٢٣٨، الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص ١٥١ تاريخ الخلفاء ص ١٨٨.
(٥) الإرشاد: ص ١٧٦.
(٦) آل عمران: ٦١.
(٧) الأحزاب: ٣٣.
(٨) أسد الغابة ٢ / ٢٠.
(٩) سورة الشورى: ٢٣.
(١٠) كشف الغمة: ٩٥.
(١١) الرحمن: ٢٢.
(١٢) الخصال: ٦٥ ح ٩٦.
(١٣) الإصابة: ١ / ٣٣.
(١٤) أسد الغابة: ٢ / ١٣.
(١٥) فرائد السمطين: ٢ / ٣٦.
(١٦) الأنعام: ٨٣ - ٨٥.
(١٧) العقد الفريد ج ٣ / ٢٤٢، محاضرات ج ١ / ٢١٦.
(١٨) المجالس السنية للسيد محسن الأمين ج ٥ / ٣٥٥.
(١٩) ص ١٦١ - ١٦٦ ط الأعلمي - بيروت.
(٢٠) ومما هو جدير بالذكر أنه لم يدع أحد من الأمة الإسلامية النص على الخلفاء الذين ملكوا من عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإلى الخلفاء العباسيين، بينما تجد النصوص النبوية على أئمة أهل البيت عليهم السلام، وهذه من مميزاتهم الكثيرة.
(٢١) الإرشاد ١٩٩ وذكر الحديث جل من ترجم للحسنين عليهما السلام.
(٢٢) الكافي: ١ / ٢٩٧ ح ١، عنه إعلام الورى: ٢٠٧ وحلية الأبرار: ١ / ٥٤٠. وأخرجه في البحار: ٤٣ / ٣٢٢ح١، وعوالم العلوم: ١٦ / ٩٨ ح ٢ عن إعلام الورى.
(٢٣) إثبات الهداة: ٥ / ١٤٠.
(٢٤) شرح نهج البلاغة: ١ / ٥٧.
(٢٥) الكافي: ١ / ٢٩٨ ح ٢، عنه إعلام الورى: ٢٠٧ والبحار: ٤٣ / ٣٢٢ ح ٣.
(٢٦) الطور: ٢١.
(٢٧) في المصدر: وخامس.
(٢٨) أمالي الشيخ الصدوق: ١٥١.
(٢٩) كشف الغمة: ١٦٤، إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار: ١٧٦.
(٣٠) آل عمران: ٣٣ - ٣٤.
(٣١) بحار الأنوار ج ٤٣ ص ٣٥٨.
(٣٢) الحيطان: البستان.
(٣٣) النساء: ٨٦.
(٣٤) البحار ج ٤٣ / ٣٤٢ - ٣٤٣.
(٣٥) البحار ج ٤٣ / ٣٣٢.
(٣٦) حياة الإمام الحسن للقرشي.
(٣٧) نور الأبصار: ١٧٧.
(٣٨) ترجمة الإمام الحسن من تهذيب الكمال: ج ٢ / ٢٧١.
(٣٩) طبع مؤسسة المحمودية بيروت.
(٤٠) في مقاتل الطالبيين ص ٥٠: عمر بن بشير.
(٤١) زياد بن أبيه، كما هو معلوم، مجهول الأب، ومطعون النسب، ادعاه معاوية لأبي سفيان، وجعله أخوه وهو ابن زانية وعاهرة مشهورة في مكة، ومن ذوات الرايات الحمر.
(٤٢) يقال لزياد ابن أبيه لأنه كان مجهول النسب ومطعون في طهارة المولد، وكانت أمه سمية عاهرا بغيا من بغايا مكة أو الطائف نزا عليها عشرة رجال من قريش، منهم أبو سفيان وكل واحد منهم يدعي أنه منه، وقال أبو سفيان مدعيا له والله إني لصببت الماء في رحم أمه وأخيرا لمصلحة معاوية السياسية ادعاه لأبي سفيان وجعله أخاه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ابن الزانية، الولد للفراش وللعاهر الحجر، وهذه واحدة من جرائمه الموبقة والفضائح السافرة التي يؤاخذ عليها. المؤلف
(٤٣) السلعة: خراج أسود من الدم نتيجة تخثره في إبهام القدم ويسمى في الطب الحديث غنغرينه، ثم يصعد تدريجيا إلى الساق والبدن فيقتل صاحبه لا محالة إن لم يبتر القدم أو الساق قبل استفحاله، ولا علاج له غير القطع أو البتر. المؤلف
(٤٤) بحار الأنوار ج ٤٣ / ٣٢٧ و٣٢٨.
(٤٥) بحار الأنوار ج ٤٣.
(٤٦) السلوب من النوق: التي ألقت ولدها بغير تمام، وأزلقت الناقة: أسقطت النطفة، ومرقت البيضة: فسدت.
(٤٧) المناقب لابن شهرآشوب ج ٤ / ١٠ البحار ج ٤٣ / ٣٣٥، ٣٥٤، ٣٥٥، حياة الإمام الحسن عليه السلام للقرشي ج ١ / ٨٦، ٨٧.
(٤٨) المناقب لابن شهر آشوب ج ٤ / ١١ والآية من سورة المائدة: ٣٢.
(٤٩) تفسير فرات الكوفي ص ٨ وعن البحار ج ٧ /١٥٠.
(٥٠) ابن الأصفر: أي ملك الروم، لأن أباهم الأول كان أصفر اللون. لسان العرب -صفر- ٤/٤٦٥.
(٥١) الوفرة: شعر الرأس إذا وصل إلى شحمة الأذن: لسان العرب -وفر- ٥ / ٢٨٨.
(٥٢) في بعض النسخ: أسألك.
(٥٣) فنسخة: تسمعه.
(٥٤) طبع بيروت ص: ١٦٣ - ١٦٨ في حديث: ٢٧٤ - ٢٨٥.
(٥٥) سبق السؤال بغير هذا الجواب في البداية.
(٥٦) البداية والنهاية لابن كثير ج ٨ ص ٤٠.
(٥٧) أعيان الشيعة: ٤ ق ١ / ١٠٧.
(٥٨) الحسن بن علي لعبد القادر أحمد اليوسف ص ٦٠.
(٥٩) مطالب السؤول: ٦٩ ط ١.
(٦٠) كشف الغمة: ١٧٠.
(٦١) تحف العقول ص ١٦٩.
(٦٢) الخصال ص ٢٩.
(٦٣) كشف الغمة ١٧.
(٦٤) البحار: ج ٤٤ / ص ١٣٩.
(٦٥) مجمع البيان سورة الشورى: آية / ٢٣.
(٦٦) ويروي هذا القول لأمير المؤمنين عليه السلام خاصة الذي بين القوسين.
(٦٧) هو مدح الشخص نفسه بما ليس فيه إعجاب وتكبر، التكلم بما يكره.
(٦٨) تاريخ اليعقوبي ٢ / ٢١٥.
(٦٩) مطالب السؤول ٦٩.
(٧٠) نور الأبصار: ١٧٣.
(٧١) حياة الإمام الحسن بن علي القرشي ١ / ١٤٤.
(٧٢) بحار الأنوار ١٠ / ٩٤.
(٧٣) أعيان الشيعة: ٤ ق ١.
(٧٤) بحار الأنوار ١٠ / ٩٥.
(٧٥) الإصابة: ١ / ٣٢٩.
(٧٦) البداية والنهاية: ٨ / ٣٧.
(٧٧) تحف العقول: ١٦٦.
(٧٨) المناقب: ٢ / ١٧٠.
(٧٩) مطالب السؤول: ٦٥.
(٨٠) تذكرة الخواص: ١١١.
(٨١) الإصابة: ١ / ٣٢٨.
(٨٢) الأئمة الاثنا عشر: ٦٣.
(٨٣) الأعلام: ١ / ٢٣٠.
(٨٤) الحسن والحسين سبطا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تأليف محمد رضا المصري:٨.
(٨٥) الحسن بن علي تأليف عبد القادر أحمد اليوسف: ٤٢.
(٨٦) يريد عليه السلام إنك لو أعلمتني بمكان هؤلاء واجتماعهم عندك.
(٨٧) شرح نهج البلاغة: ٢ / ١٠٤.
(٨٨) اليمين واليسار في الإسلام، أحمد عباس صالح ص ٩٠.
(٨٩) انظر أنساب الأشراف: ٥ / ٣٢ - ٦٥ ط مصر.
(٩٠) انظر عيون الأخبار لابن قتيبة الدينوري: ١ / ٤٣ ط مصر.
(٩١) تاريخ الشعوب الإسلامية لكارل بروكلمان: ١ / ١٤٧ ط ٣، ١٩٦٠ م.
(٩٢) مع نهضة الحسين عليه السلام أسد حيدر ص ١٣٠.
(٩٣) سورة الشورى، آية ٢٣.
(٩٤) شرح النهج (ج ٤ ص ١٤).
(٩٥) تاريخ اليعقوبي (ج ٢ ص ١٧١).
(٩٦) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ١٦ ص ٣٧ - ٤٠.
(٩٧) الإرشاد ص ١٦٩، وذكر ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة ص ١٤٣، والأربلي في كشف الغمة ص ١٦١، والمجلسي في البحار ج ١٠ ص ١١٠.
(٩٨) نص عبارة ابن أبي الحديد في الموضوع (ج ٤ ص ١٤).
(٩٩) مدينة كانت على الفرات (غربي بغداد) تبعد عنها عشرة فراسخ سميت بذلك لأنها كانت تجمع بها أنابير الحنطة والشعير منذ أيام الفرس، وهي منطقة اليوم قرب الرمادي.
(١٠٠) لما استوثق الأمر لمعاوية بعد أيام التحكيم أنفذ بسر بن أرطاة إلى اليمن في طلب شيعة علي أمير المؤمنين وتتبع آثارهم وكان عليها عبيد الله بن العباس، فطلبه فلم يقدر عليه (فهرب) فأخبر = ابن أرطاة أن له ولدين صبيين فبحث عنهما فوجدهما فأخذهما وأخرجهما من الموضع الذي كانا فيه، وهما صغيران فذبحهما، فبلغ أمهما الخبر فكادت نفسها تخرج (وجنت) ثم أنشأت تقول:

ها من أحس بابني الذين هما * * * كالدرتين تشظا عنها الصدف

ها من أحس بابني الذين هما * * * سمعي وعيني فقلبي اليوم مختلف

نبئت بسرا وما صدقت ما زعموا * * * من قولهم ومن إفك

والذين اقترفوا أضحيت على ودجي طفلي مرهقة * * * مستحوذة وكذاك الظلم والسرف

من ذل والهة عبراء مفجع * * * على صبيين فاتا إذ مضى السلف.

(١٠١) أقول: وهذا النص صريح بتكذيب الشائعة التي اجتاحت معسكر مسكن بأن الحسن كاتب معاوية على الصلح.
(١٠٢) ابن أبي الحديد (ج ٤ ص ١٥).
(١٠٣) اليعقوبي (ج ٢ ص ١٩١) وشرح النهج أيضا (ج ٤ ص ١٥).
(١٠٤) أعيان الشيعة ج ٤ ف ١ ص ٢٢ عن المفيد.
(١٠٥) هؤلاء الأربعة خاصة كانوا قواد جيش ابن زياد لمحاربة الحسين يوم الطف.
(١٠٦) أعيان الشيعة ج ٤ ف ١ ص ٢٢ عن المفيد.
(١٠٧) تاريخ اليعقوبي ج ٢ ص ٢١٤.
(١٠٨) جنات الخلود الفصل التاسع منه، كشف الغمة ٢ / ١٥٤.
(١٠٩) اليعقوبي ج ٢ ص ١٩١، البداية والنهاية ج ٨ / ص ١٤.
(١١٠) اليعقوبي ج ٢ ص ١٩١، البداية والنهاية ج ٨ / ص ١٤.
(١١١) انظر تاريخ اليعقوبي، ج ٢ ص ١٩١.
(١١٢) ابن الأثير، الكامل ج ٣ ص ٢٠٤ ورواها الطبري، وابن خلدون وغيرهم من المؤرخين.
(١١٣) الكامل لابن الأثير ج ٣ ص ٢٠٤.
(١١٤) شرح نهج البلاغة ج ٤ ص ١٢.
(١١٥) احتجاج الطبرسي ص ١٥١
(١١٦) تفضل سماحة الشيخ هادي الخزرجي مشكورا بهذه الدراسة القيمة التي دارت بينه وبين السيد الشهيد (قدس سره).
(١١٧) تاريخ اليعقوبي ج ٢ ص ٢١٤، ٢١٥.
(١١٨) تاريخ اليعقوبي ج ٢ ص ٢١٥.
(١١٩) الإمام الحسن عليه السلام القرشي ج ٢ ص ٩٩.
(١٢٠) دار أبجرد تقع بالقرب من الأهواز بولاية فارس.
(١٢١) تاريخ اليعقوبي ج ٢ ص ١٩٢.
(١٢٢) هامش المسعودي ابن الأثير ج ٦ ص ٦١ / ٦٢. سورة الأنبياء ١٠٩ - ١١١.
(١٢٣) المسعودي هامش ابن الأثير ج ٦ ص ٦١ - ٦٢.
(١٢٤) شرح النهج ج ٤ ص ١٦.
(١٢٥) البداية والنهاية (ج ٨ ص ١٩).
(١٢٦) المسعودي على هامش ابن الأثير ج ٦ ص ٩٧.
(١٢٧) الفصول المهمة ص ١٦٤، وسيلة المال ص ٣٣٣ - ٣٤٣، نزل الأبرار ص ١٤٠ - ١٤١، نظم درر السمطين ص ٢٠٢، الإصابة ج ١ ص ٣٣٠، الإستيعاب ج ١ ص ٣٧٠، تذكرة الخواص ص ٣١، تاريخ اليعقوبي ج ٢ ص ١٩١، تاريخ ابن عساكر ج ٤ ص ١٩٩، حلية الأولياء ج ٢ ص ٣٥، الكامل في التاريخ ج ٣ ص ١٨٢، مروج الذهب ج ٣ ص ٥، مستدرك الصحيحين ج ٣ ص ١٧٦، دلائل الإمامة ص ١٢ وغيرهم ممن يطول شرحهم.
(١٢٨) ابن الأثير ج ٣ ص ١٩٨.
(١٢٩) ابن أبي الحديد في شرحه ج ٣ / ص ١٥.
(١٣٠) كما يفعل صدام الجريمة هذه الأيام بالشيعة في العراق بأمر من أسياده الكفرة الحاقدين وخاصة في المدن المقدسة النجف وكربلاء، من هدم الدور وإبادة أهلها بكل الوسائل الممكنة بلا أي وازع أخلاقي أو ديني - وأنى له ذلك؟!!
(١٣١) سورة الأحزاب: آية ٥٣.
(١٣٢) وهذا دليل آخر على أن الهدنة والموادعة كانت مشروطة بالصلح مع معاوية، وما كانت بيعة له ولا تنازلا عن الخلافة فإن ذلك منصب إلهي اختاره الله سبحانه للحسن عليه السلام بعد أبيه سواء قام بالأمر أم لم يقم كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا.
(١٣٣) بحار الأنوار: ج ٤٤ ص ١٦٠.
(١٣٤) سورة آل عمران: الآية / ٣١.

المرفقات المرفقات:
التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 

التعليقات

 
COMMENTS_EMPTY

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
التحقق اليدوي: * إعادة التحميل