فهرس المكتبة الحسنية

   

البحث في المكتبة التخصصية

 
 

كتاب مختار:

   

المسار

  الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية » كتب المركز » دور المرأة في جهاد الإمام الحسن عليه السلام  

كتب المركز

 

الكتب دور المرأة في جهاد الإمام الحسن عليه السلام

القسم القسم: كتب المركز الشخص المؤلف: السيد زيد الحلو التاريخ التاريخ: ٢٠١٦/٠٤/٢٥ المشاهدات المشاهدات: ٦٢٣٩ التعليقات التعليقات: ٠

دور المرأة في جهاد الإمام الحسن عليه السلام

تأليف: السيّد زيد الحلو

محتويات الكتاب

مقدّمة المركز
الإهداء
المقدّمة  
تمهيد
الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام
فاطمة عليها السلام أُمّ أبيها
أنوار الزهراء عليها السلام
تسبيح فاطمة عليها السلام
البيت الفاطمي
الأُمّ وابنها
وقد حان الفراق
محطّاتٌ في حياة الحسن عليه السلام مع فاطمة عليها السلام
آية التطهير
آية المباهلة
آية المودَّة
استجلاء معنى الآيات
زينب الكبرى بنت عليّ عليها السلام
ولادتها المباركة
نشأتها
شخصيّتها
زواجها من عبد الله بن جعفر
الأُخت وأخوها
إكمال المسيرة الحسينيَّة
وفاتها
هند بنت أبي أُميَّة (أمّ سَلَمة)
نسبها
زواجها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
روايتها للحديث وتوثيقها
أُمُّ سَلَمة تشهد الوصيَّة لأمير المؤمنين عليه السلام
آية التطهير وحديث الكساء
وفاتها
أسماء بنت عُمَيس
سيرة السيّدة أسماء
توثيقها
مكانتها
مع عليّ وبنيه عليهم السلام
أسماء مؤنسة فاطمة عليها السلام
روايتها
فضَّة النوبيَّة (جارية الزهراء عليها السلام)
فضَّة إرث فاطمة عليها السلام
مع سيِّدها الإمام الحسن عليه السلام
الملامح الشخصيَّة للسيِّدة فضَّة
أُمُّ رِعْلة القُشَيريَّة
سيرتها العلميَّة
سيرتها العقائديَّة
أُمُّ رِعْلة والإمام الحسن عليه السلام
السيِّدة فاطمة بنت حزام
اقترانها بالإمامة
راعية السبطَين  
أُمُّ البنين عليها السلام والحسن عليه السلام
أُمُّ البنين عليها السلام والحسين عليه السلام
وفاة السيِّدة أُمِّ البنين عليها السلام 
أُمُّ بشر بنت أبي مسعود الأنصاريَّة
رملة أُمُّ القاسم عليه السلام
خَولة بنت منظور بن زبان الفزاريَّة
أُمُّ إسحاق بنت طلحة
فاطمة بنت الإمام الحسن المجتبى عليه السلام
السيرة المباركة
روايتها عن أبيها الإمام الحسن عليه السلام
جوانب من شخصيّتها ومسيرتها
أُمُّ أسلم صاحبة الحصاة
أُمُّ أسلم.. العالِمة
استدراك
حَبابة الوالبيَّة
مع أمير المؤمنين عليه السلام
مع الإمام الحسن عليه السلام
مع الإمام الحسين عليه السلام      
مع الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام
مع الإمام الباقر عليه السلام
مع الإمام الصادق عليه السلام
مع الإمام الكاظم عليه السلام     
مع الإمام الرضا عليه السلام
شخصيَّة حبابة الوالبيَّة وسيرتها
روايتها للحديث
رواية حبابة عن أمير المؤمنين عليه السلام
رواية حبابة عن الإمام الحسين عليه السلام
رواية حبابة عن الإمام السجّاد عليه السلام 
رواية حبابة عن الإمام الباقر عليه السلام
السيّدة نفيسة بنت الحسن
نفيسة العالِمة
زهدها وعبادتها
تبليغها الإسلامي
هجرتها من المدينة إلى مصر
وداعها الدنيا

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدّمة المركز

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمّد وآله الطيِّبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين، آمين ربَّ العالمين.
أهل البيت عليهم السلام شخوصٌ نورانيَّة وأشخاصٌ ملكوتيَّة، منها ولأجلها وُجِدَ الكَوْن، وإليها حسابُ الخَلق، يتدفَّقون نوراً وينطقون حياةً، شفاههم رحمة وقلوبهم رأفة، وُضِعَ الخير بميزانهم فزانوه عدلاً، ونَمَت المعرفة على ربوع ألسنتهم فغذّوها حكمةً.
أنوارٌ هداة، قادةٌ سادات (ينحدرُ عنهم السيل ولا يرقى إليهم الطير)، ألفوا الخَلق فألفوهم، تصطفُّ على أبوابهم أبناء آدم متعلِّمين مستنجدين سائلين، وبمغانمهم عائدين.
لا يُكرِهون أحداً على موالاتهم ولا يجبرون فرداً على اتِّباعهم، يُقيِّد حبُّهم كلَّ من استمع إليهم ويشغف قلبَ كلِّ من رآهم، منهجهم الحقُّ وطريقُهم الصدق وكلمتُهم العليا، هُم فوق ما نقول ودون ما يُقال من التأليه، هُم أنوار السماء وأوتاد الأرض.
والإمام الحسن المجتبى عليه السلام هو أحد هذه الأسرار التي حار الكثير في معناها وغفل البعض عن وجه الحكمة في قراراتها وباع آخرون دينهم بدنيا غيرهم فراحوا يُسطِّرون الكذب والافتراءات عليه والتي جاوز بعضها حدَّ العقل ولم يتجاوز حدَّ الحقد المنصبِّ على بيت الرسالة.
وقد اهتمَّ مركز الإمام الحسن عليه السلام للدراسات التخصّصية بكتابة البحوث والدراسات وتحقيق المخطوطات التي تُعنَى بشأن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام ونشرها في كتب وكتيّبات بالإضافة إلى نشرها على مواقع الانترنت وصفحات التواصل الاجتماعي التابعة للمركز.
بالإضافة إلى النشاطات الثقافيَّة والإعلاميَّة الأُخرى التي يقوم بها المركز من خلال نشر التصاميم الفنّية وإقامة مجالس العزاء وعقد المحاضرات والندوات والمسابقات العلميَّة والثقافيَّة التي تثرى بفكر أهل البيت عليهم السلام وغيرها من توفيقات الله تعالى لنا لخدمة الإمام المظلوم أبي محمّد الحسن المجتبى عليه السلام.
وهذا الكتاب الذي بين يديك عزيزي القارئ هو أحد تلك الثمار التي أينعت والتي لا تهدف إلَّا إلى بيان شخصيَّة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام بكلِّ أبعادها المضيئة ونواحيها المشرِقة, ولرفد المكتبة الإسلاميَّة ببحوث ودراسات عن شخصيَّة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، ومن الله التوفيق والسداد.

العتبة الحسينية المقدَّسة
مركز الإمام الحسن عليه السلام للدراسات التخصّصية
كاظم الخرسان

الإهداء

إلى السبط الزكيّ والحليم التقيّ..
والصابر الممتحَن..
قرَّة عين البتول عليها السلام..
وبكر أمير المؤمنين عليه السلام..
ووارث سؤدد وبهاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم..
أُهدي جهدي المتواضع..
راجياً منه القبول..

الراجي شفاعتك
زيد

بسم الله الرحمن الرحيم
المقدّمة

إنَّ دراسة سيرة المعصومين عليهم السلام تارةً تكون من خلال تسليط الضوء عليهم مباشرةً ودراسة وتحليل الأحداث والمواقف التي سايروها على امتداد حياتهم الشريفة الحافلة بالمعطيات الإنسانيَّة والإسلاميَّة التي مهَّدت لقيام الإسلام بدوره كقانون إلهيٍّ شرع في جميع مجالات الحياة، وأسَّسوا نظاماً تربويَّاً وخُلُقيَّاً وعلميَّاً كان كفيلاً ببناء مجتمعٍ ناضجٍ وفردٍ متكامل، فكان لمدرستهم الأثر الكبير في تخريج شخصيّات نشرت علومهم ومعارفهم على المستوى العقديِّ والتشريعيِّ.
بل إنَّ تعاليمهم الدينيَّة كانت موجَّهة إلى البشريَّة جمعاء، ولا ريب في ذلك فهم خلفاء الله على أرضه اجتباهم واختارهم لحمل هذه المسؤولية العظيمة؛ فكانت أُبوَّتهم الروحيَّة تغمر الجميع دون استثناء، فلم يكن لهم عدوّ إلَّا من عادى الله تعالى منتهجين منهج السلام والمحبَّة وقاعدة لا إفراط ولا تفريط، فأقرَّ لهم العدوّ قبل الصديق.
بل إنَّ كلماتهم النورانيَّة وسلوكهم القويم كان مدعاةً لجذب قلوب الناس نحوهم وتطهير نفوسهم بلمساتهم الإلهيَّة، ولكن الذين غلبت شقوتهم تربَّصوا لأهل البيت مكائد الغدر والخيانة للإطاحة بسنن الله؛ فللشيطان أنصاره كما أنَّ لله أهله، ولكنَّ الله متمُّ نوره ولو كره الكافرون.
وتارةً تكون من خلال دراسة سيرة الشخصيّات التي ارتبطت بهم، وكان لها دور في سيرتهم الطاهرة، فكانوا جزءاً من حركتهم التبليغيَّة، وقد أدركوا صواب منهجهم وخلافتهم الإلهيَّة وأنَّهم المُثُل العليا للبشر والإسلام، فأحاطوا بهم إحاطة الواعي المسلِّم مستبسلين في الدفاع عنهم من غير أن تأخذهم في الله لومةُ لائم ولا مكر حاقد، سالكين سبل الهداية والرشاد، مغتنمين فرصة المعرفة والإيمان الحقِّ للفوز برضا الله تعالى برضا أوليائه عنهم، ولم يقتصر هذا الدور على الرجال فقط فالخطاب القرآنيُّ كان موجَّهاً لكلا الجنسين دون استثناء إلَّا ما يخصُّ كلَّ جنسٍ منهما بما شرعه تعالى لهم؛ فهما شريكان وجزآن مكمِّلان لبعضهما لإقامة الحياة على أساس الدين الإسلاميّ منذ بدء الرسالة المحمَّدية الخالدة وإلى يومنا هذا.
فلولا سيفُ عليٍّ وأموالُ خديجةَ لما قام للإسلام عودٌ ولا اشتدَّ له عمود، وكلٌّ بحسبه، وهنا تكمن عظمة الإسلام في توزيع الأدوار وتحميل المسؤوليّات على مقتضى ما فرض الله تعالى وما أعطى من قوى وإمكانات، وقد شهد التاريخ الإسلاميّ شخصيّات نسائيَّة رفيعة أصبحت أُنموذجاً للاقتداء بهنَّ في بناء الكيان الإسلاميّ بكلِّ قوَّة وعزيمة.

تمهيد

إنَّ مرحلة إمامة الإمام الحسن عليه السلام كانت من أخطر المراحل التي واجهت المجتمع الإسلامي ومن أكبر التحدّيات التي خاضها إمامنا أمام العصف الهائل من الفتن والشبهات التي أُثيرت حوله بآلات رخيصة لم يكن همّها إلَّا إنهاء روح الإسلام وإلباسه ثوب الملك والجبروت وتغيير نهج الإسلام الأصيل إلى دين ملك وطبقيّات لينهض الإمام المجتبى عليه السلام حاملاً إرثاً محمَّديَّاً علويَّاً فاطميَّاً بقلبٍ صدعته آلام ولوعة أُمَّةٍ ما حفظت لنبيِّها وصيَّة وجعلت جزاء الأجر ظلم القربى.
فنهض بأعباء الإمامة وقد أحاطت به دوائر الغدر والشقاق، ولكن هذا لم يثنِ إمامنا عن القيام بتكليفه في نشر الرسالة وإثبات العدالة. ولم تخلُ ساحة الإمام من أنصارٍ أكفّاء حملوا هموم الإمامة ووطَّنوا أنفسهم للبلاء تيمُّناً بقادتهم؛ فبرزوا كالجبال الشاهقات، فتصاغرت أمامهم مخطَّطات الأُمويّين فعالجوا حربهم اللئيمة بولاءٍ أصيل وإيمانٍ عميق أرغم أُنوف الحاقدين، وجرَّعهم سوء أفعالهم غصصاً نكَّدت على أعداء الإمامة ملكهم العضوض، فداروا في فلك الإمامة متحصِّنين بدرع انتمائهم العقدي والمعرفي، قد أبطلوا حجج المشكّكين، وردّوا شبه المحتالين ببراهين واضحة وأدلَّة دامغة، مستلهمين من مدرسة أهل البيت عليهم السلام براعة الحوار وفصاحة المقال؛ فبزغت نجومهم في سماء العقيدة، ولاحت أشعَّتهم في أُفق الحقيقة مبادرين إلى إظهار المظلوميَّة وبيان أُصول الدين القيِّم.
قد بايعوا على بذل المُهَج وشراء الأنفس غير مبالين بأساليب التعسُّف والطغيان، ومن هؤلاء الأنصار الثابتين على الحقِّ نساءٌ طاهرات ونجائبُ مصونات آثرن نصرة الإمام الحسن عليه السلام على أنفسهنَّ وعلى مدى حقبٍ متفاوتة من الزمن، منهنَّ مَنْ أنجبت الإمام الحسن عليه السلام، وهي سيِّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام، فكانت الأصل الذي أثمر الإمامة عاكفةً على ملء وجدانه بأنوارها القدسيَّة، قد أزهرت على محيّاه الشريف، متكنّيةً باسمه (أُمّ الحسن) رافدةً فرعها بشمم جدِّه وكبريائه محزونةً على مصيره المحتوم بكبدٍ مسموم.
ومنهنَّ كان لهنَّ أثرٌ في حركته المعصوميَّة، وهي ربيبةُ المجد والبهاء والعزَّة والكبرياء زينب الحوراء عليها السلام التي شاركت أخاها في مسيرة الحرب والسلام؛ فكانت عضده وسنده وحلقة الوصل بينه وبين الحسين عليه السلام، كما كانت أُمّها الطاهرة لجدِّها وأبيها.
وكان ممَّن شارك الإمام الحسن عليه السلام في محنة الإمامة عدَّة نساء، وكان لكلِّ واحدةٍ منهنَّ أثرها ووظيفتها التكليفيَّة التي قامت بها على أكمل وجهٍ، وعلى هذا الأساس كان يدور محور الكتاب الذي أسميناه (دور المرأة في جهاد الإمام الحسن عليه السلام) ممَّن كان لهنَّ أثرٌ إيجابيٌّ وبصمة ولائيَّة سجَّلتها في السيرة التاريخيَّة للإمام الحسن عليه السلام، سواء كانت هذه المرأة زوجة أو بنتاً أو مواليةً، فكنَّ نماذج مشرقة ومشرِّفة في تاريخ المرأة المسلمة أثبتن بجدارة وبكفاءة عالية جلالة قدرهنَّ وسلامة موقفهنَّ اعتماداً على ما جاء من نصوص تاريخيَّة وإن كانت محدودة، إلَّا أنَّها كافية في استجلاء الحقيقة وكشف زيف الباطل، وإن كان بالمقابل نساء كان وجودهنَّ سلبيَّاً في حياة الإمام الحسن عليه السلام، اخترنا عدم التعرض لمواقفهنَّ والاقتصار على سِيَر النساء المؤمنات فهو أنفع وأكمل في الفائدة.
وعليه أضع بين يدي القارئ الكريم جهدي القاصر، وهو هذا الكتاب ليكون منفذاً لدراسات أُخرى في مضمار ولاية أهل البيت عليهم السلام التي تتطلَّب منّا عملاً كثيراً لتوعية المسلمين على تاريخٍ لم يُكتَب بأيدي منصفة، داعياً الله تعالى الأخذ بأيدينا لأداء حقِّ أئمَّتنا علينا، والحمد لله على ما أنعم أوَّلاً وآخراً.

زيد الحلو

الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام
إنَّ الكلمات لَتقر عن ذكر فاطمة عليها السلام، وإنَّ القلم لَيعجز عن الكتابة عنها، لا يعلم من أين يبدأ وإلى أين ينتهي، فبضعة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم لا تحويها سطورٌ ولا يليق بكيانها المقدَّس بعض العبارات المسبوكة، فسيِّدة النساء عطاءٌ لا ينضبُ ومظلوميَّةٌ لا تنتهي إلى يوم الحساب, فكلُّ ما يُكتَب عنها هو ذرَّة رملٍ على ساحل بحرٍ كبيرٍ لا نُدرِك آفاقه، ولكن سنحاول التركيز على محورٍ من حياتها الشريفة، وهي علاقتها بولدها الإمام الحسن عليه السلام.
فاطمة عليها السلام أمّ أبيها:
إنَّ شخصيَّة الصدّيقة الطاهرة فاطمة عليها السلام ليست كإحدى النساء، ولا كأحدٍ من الرجال؛ فإنَّ تكوين السيِّدة الزهراء عليها السلام كان بأمرٍ إلهيٍّ؛ فخصوص خلقة المعصومين تختلف من حيث الكمالات النفسانيَّة عن غيرهم وإن شابهوهم بالخِلقة الجسديَّة، إلَّا أنَّ الصفات الروحيَّة لهم ترتبط بتكوينهم المميَّز عن الآخرين بإرادةٍ ربّانيَّة، خصوصاً أنَّهم أوَّل خلق الله تعالى، فقد خُلقوا من نوره تعالى، وحباهم بأنفُسٍ ملكوتيَّة لا توجد عند سائر الناس، والمعبَّر عنها بالعصمة التكوينيَّة، وهي المائز بينهم وبين سائر البشر.
ومن المعلوم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو سيِّد الكائنات وأوَّل المخلوقات وأكمل الموجودات، جعله الله تعالى حُجَّةً على الأنبياء، فضلاً عن الناس، بل هو العقل الذي أقبل وأدبر بأمره وإرادته عز وجل، وبه يُحاسَب ويُعاقَب، فكلُّ جُزءٍ من النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم هو حُجَّة قولاً وفعلاً وتقريراً.
وهذا هو حال البضعة فاطمة عليها السلام، التي هي جزءٌ لا يتجزَّأُ من كيان النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم؛ فكلُّ ما هو موجودٌ في الكلِّ موجودٌ في الجزء، فحملت فاطمة عليها السلام صفات وسجايا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك الشبَه الخَلقي برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكانت السيِّدة فاطمة عليها السلام هي أفضل المخلوقات بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام، بل إنَّها أصبحت حُجَّةً على أولادها، وهم حجج الله المعصومون عليهم السلام، والأحاديث والروايات في حقِّها كثيرةٌ ومتواترةٌ اتَّفق عليها الفريقان، فشخصيَّة السيِّدة الزهراء عليها السلام لا يختلف فيها اثنان، وقد تعدَّت شخصيَّتها العظيمة إطار المسلمين إلى غيرهم من الديانات الأُخرى التي تُكِنُّ للسيِّدة فاطمة عليها السلام فائق الاحترام والتقديس.
من ألقاب فاطمة الزهراء عليها السلام: أُمّ أبيها، وهي كنيةٌ غريبةٌ في شكلها ومضمونها، فكون البنوَّة تتحوَّل إلى أُمومةٍ أمرٌ لا يُتصوَّر بالقوانين العقليَّة والطبيعيَّة، إلَّا أنَّ في هذه الكنية إرشاد إلى المسلمين كافَّة على مكانة السيِّدة فاطمة عليها السلام مِنْ أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والذي وجد عندها عليها السلام الحضن الدافئ للأُمِّ التي افتقدها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منذ نعومة أظفاره. وفيه إشارةٌ أُخرى إلى أنَّ فاطمة عليها السلام لها من احترام النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ما يكون للابن مع أُمِّه، فكنية (أُمّ أبيها) لها من المعاني الكثيرة التي لا تكون إلَّا لفاطمة الزهراء عليها السلام؛ إجلالاً وشرفاً وتعريفاً بقدرها ومنزلتها ودرجتها الرفيعة من النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم.
وبالمقابل كانت علاقة فاطمة عليها السلام بأبيها علاقةً منقطعة النظير، وهي تمرُّ بالظروف نفسها من اليُتم الذي مرَّ به النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم، فكان الاثنان يستمدّان العاطفة والحنان من بعضهما، فصدر النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم الواسع كان الركن الأمين الذي تلجأ إليه فاطمة عليها السلام، لتشعر بالطمأنينة والاستقرار والهدوء، فتشمُّ فيه رائحة أُمِّها خديجة عليها السلام، وتقرأ في عينيه البرّاقتين حزنه عليها في وحدتها، فيُقبِّلها بزفراتٍ حارَّةٍ من قلبه الملتهب على ما سيجري عليها من ظلمٍ واستخفافٍ وأذى.
أنوار الزهراء عليها السلام:
أحد أشهر ألقاب السيِّدة فاطمة عليها السلام هو (الزهراء)، وهي صفةٌ ملازمةٌ لها، لإشراقات وجهها البهيِّ الذي كان يشعُّ بأنوار الله على أرجاء المدينة، فيستنيرون بنورها في ظلمات قلوبهم وبيوتهم.
فالسيِّدة فاطمة عليها السلام عُرِفَت بعبادتها وتقرُّبها إلى الله تعالى بالصلاة والصيام والدعاء، وإغاثةِ الملهوف والتصدُّق على المساكين، وكانت عند صَلاتها في المحراب تشعُّ أنوارُها في أرجاء المدينة، فعن أبان بن تغلب قال: قلتُ لأبي عبد الله عليه السلام: يا ابن رسول الله، لِمَ سُمّيت الزهراء عليها السلام زهراءً؟ فقال: (لأنَّها تزهر لأمير المؤمنين عليها السلام في النهار ثلاث مرَّاتٍ بالنور, كان يزهر نور وجهها صلاة الغداة والناس في فُرُشهم، فيدخل بياض ذلك النور إلى حجراتهم بالمدينة فتبيضُّ حيطانهم، فيعجبون من ذلك، فيأتون النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم فيسألونه عمَّا رأوا، فيُرسِلهم إلى منزل فاطمة عليها السلام، فيأتون منزلها فيرونها قاعدةً في محرابها تُصلّي والنور يسطع من محرابها من وجهها، فيعلمون أنَّ الذي رأوه كان من نور فاطمة, فإذا نصف النهار وترتَّبت للصلاة زهر وجهها عليها السلام بالصفرة، فيعلمون أنَّ الذي رأوا كان من نور وجهها، فإذا كان آخر النهار وغربت الشمس احمرَّ وجه فاطمة عليها السلام، فأشرق وجهها بالحمرة فرحاً وشكراً لله عز وجل، فكان يدخل حمرة وجهها حُجرات القوم وتحمرُّ حيطانهم، فيعجبون من ذلك، ويأتون النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم ويسألونه عن ذلك، فيُرسِلهم إلى منزل فاطمة، فيرونها جالسةً تُسبِّح الله وتُمجِّده ونور وجهها يزهر بالحمرة، فيعلمون أنَّ الذي رأوا كان من نور وجه فاطمة عليها السلام، فلم يزل ذلك النور في وجهها حتَّى وُلِدَ الحسين عليه السلام، فهو ينقلب في وجوهنا إلى يوم القيامة في الأئمَّة منّا أهل البيت، إمامٍ بعد إمام)(١).
إن بركات الزهراء عليها السلام وإشراقاتها كانت تعمُّ الجميع دون استثناء؛ فهي باب الرحمة ومنفذ الأنوار ومظهر اللطف الإلهيِّ الذي عمَّ نواله البعيد والقريب والمخالف والمؤالف، فيكون حجَّةً فاطميَّةً عليهم، إضافةً إلى حججها النقليَّة والعقليَّة.
تسبيح فاطمة عليها السلام:
من الرحمة التي حبانا بها الله _ وهو الرحمن الرحيم _ أنْ علَّمَنا على لسان أوليائه تسابيح النور التي تُفتَح بها أبواب السماء فيُستجاب الدعاء، ومِنْ أهمِّ العبادات المستحبَّة المؤكَّدة تسبيح فاطمة الزهراء عليها السلام، فما عُبِدَ الله بشيءٍ من التحميد أفضل من تسبيح الزهراء عليها السلام(٢).
وعن أبي الورد بن ثمامة، عن عليٍّ عليه السلام أنَّه قال لرجلٍ من بني سعد: (ألَا أُحدِّثك عنّي وعن فاطمة! إنَّها كانت عندي، وكانت من أحبّ أهله إليه، وإنَّها استقت بالقربة حتَّى أثَّر في صدرها، وطحنت بالرحى حتَّى مَجِلَت يدها(٣)، وكسحت البيت حتَّى غبرت ثيابها، وأوقدت النار تحت القِدر حتَّى دكنت ثيابها(٤)، فأصابها من ذلك ضررٌ شديد، فقلتُ لها: لو أتيتِ أباكِ فسألتيه خادماً يكفيكِ هو ما أنتِ فيه من هذا العمل. فأتت النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم فوجدت عنده حُدَّاثاً، فاستحت وانصرفت، فعلم النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم أنَّها جاءت لحاجة، فغَدا علينا ونحن في لفاعنا(٥)، فقال: السلام عليكم يا أهل اللفاع. فسكتنا واستحيينا لمكاننا، ثمّ قال: السلام عليكم. فخشينا إنْ لم نردّ عليه أن ينصرف، وقد كان يفعل ذلك يُسلِّم ثلاثاً فإن أُذِنَ له وإلَّا انصرف، فقلت: وعليك السلام يا رسول الله، أُدْخُل. فلم يعد أن جلس عند رؤوسنا، فقال: يا فاطمة، ما كانت حاجتكِ أمس عند محمّد؟ فخشيتُ إنْ لم نُجبه أن يقوم، فأخرجتُ رأسي فقلت: أنا والله أُخبرك يا رسول الله: إنَّها استقَت بالقربة حتَّى أثَّر في صدرها، وجرَّت بالرحى حتَّى مجلت يداها، وكسحت البيت حتَّى اغبرَّت ثيابها، وأوقدت تحت القِدر حتَّى دكنت ثيابها، فقلتُ لها: لو أتيتِ أباكِ فسألتيه خادماً يكفيكِ هو ما أنتِ فيه من هذا العمل. قال: أفلا أُعلِّمكما ما هو خيرٌ لكما من الخادم؟ إذا أخذتُما منامكما فسبِّحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبِّراً أربعا وثلاثين. فأخرجَت فاطمة رأسها فقالت: رضيتُ عن الله ورسوله، ورضيتُ عن الله ورسوله، ورضيتُ عن الله ورسوله)(٦).
تحتوي هذه الرواية الشريفة على عدَّة مضامين عالية ونفيسة، بل فيها دروسٌ تربويَّةٌ قيِّمة، على كلِّ مسلمٍ الاستفادة منها، لما قدَّمَت من أدبيّات المعاملة الأُسريَّة وحفظ مكانة كلِّ شخصٍ فيها، وما أهل البيت عليهم السلام إلَّا المَثل الأعلى والقدوة في أقوالنا وأفعالنا، نستوحي منهم مكارم الأخلاق والقيَم الإنسانيَّة والتربويَّة منهجاً للحياة.
ومن إرشادات هذه الرواية أيضاً أنَّ العمل الجسديّ مهما كان مُضنياً ومُتعباً فيمكن تحمّله ومعالجته ببعض الراحة، إلَّا أنَّ الروح وتقويمها هو البحث الأساسيّ للإنسان الباحث عن الكمالات، فتعليم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هذا التسبيح للزهراء عليها السلام هو لتحويل الأنظار والتنبيه على المعالجات الروحيَّة للنهوض بأنفسنا عن المادّيات المستوعبة لمفاصل حياتنا، ومحاولة التركيز على الجهد النفسيّ بإزاء الجهد الجسديّ لموازنة الإنسان المسلم في حياته الدنيا, فهو درسٌ لنا بأنَّ العبادة بتسبيح الزهراء عليها السلام هو ترقٍّ في درجات القرب الإلهيِّ وتعزيز نفوسنا بعالم الغَيب الذي يحرص الإسلام على توجيهنا إليه، فهو عالم القوى الإلهيَّة التي هي خارج إطار التصوّر الإنسانيِّ.
البيت الفاطمي:
في مثل هذه الأجواء والسلوك النبويِّ نشأت عائلة فاطمة عليها السلام المطهَّرة من الرجس، تحت كساء خاتم الأنبياء، فجعلهم رحمةً للعالمين ومنهاجاً للصالحين، فكانت الولادة الميمونة لأوَّل سبطٍ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبِكر عليٍّ عليه السلام وقُرَّة عين فاطمة عليها السلام الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، فيُنير بيتُ فاطمة بنورٍ جديدٍ أضفى على البيت لمسةً جميلةً، فهو المولود الأوَّل لالتقاء الفرعين المباركين: عليٍّ وفاطمة، وفي أيّام شهر رمضان المبارك شهر الله وُلِدَ وليُّ الله وريحانة رسوله والإمام الثاني أبو محمّد الحسن عليه السلام، في ليلة الخامس عشر من شهر رمضان وضعت فاطمة عليها السلام وليدها وسط فرح وسرور النبيِّ والوصيِّ، ومن الوهلة الأُولى التي رأت فيها فاطمةُ مولودها ابتهجت ابتهاجاً شديداً، وبعد إخبار النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم بولادة بضعته الزهراء أقبل مُسرعاً ليشهد حضور السيِّد الزكيِّ، وليكون مُشرفاً على إجراء مراسيم الولادة، من الأذان والإقامة والتسمية والتحنيك، في جوٍّ من الأُنس والاستبشار، فتدفع أسماء بنت عُمَيس الوليد المبارك إلى جدِّه، فينظر إليه نظرةً سعيدةً ممزوجةً بالحزن لما سيقع عليه من ظلمٍ ومآسٍ, ثمّ يسأل عليَّاً: ما سمَّيتَه؟ فيردُّ عليٌّ عليه السلام: ما كنتُ لأسبقك في تسميته يا رسول الله! فيُجيب النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: وما كنتُ لأسبق ربّي في تسميته. فيهبط جبرئيل على النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم مبارِكاً له من الله تعالى، وداعياً النبيَّ إلى تسميته باسم ابن هارون؛ فعليٌّ بمنزلة هارون من موسى.. ولكنَّ النبيَّ يستدرك أنَّ ابن هارون كان اسمه شُبَّراً، وهو اسمٌ عبراني، غير عربي! فقال جبرئيل عن الله تعالى: سَمِّه (حسناً). فكانت تسمية الإمام عليه السلام من قِبَل الله تعالى عِزَّاً وكرامةً لهذا الابن الذي سيحمل أعباء جدِّه وأبيه، وسيجري عليه ما جرى من القوم الظالمين.
فتعيش الزهراء عليها السلام أجمل لحظاتها مع ابنها الحسن عليه السلام، تُناغيه في مهده وتلاعبه، وتبصر إشراقاته الملكوتيَّة تشعُّ في حناياها وقد أصبح بيتها مزهوَّاً بنغمات طفلها التي ملأت أركان البيت وأعنان السماء، فيسرُّ الملأُ الأعلى بسرور فاطمة عليها السلام.
ثمّ بعد عامٍ من ولادة الحسن عليه السلام يستقبل بيتها المتواضع مولوداً غيَّر ملامح الكون، فشابت ضحكات الفرح نبرات الحزن، فهذا الوليد الذي استقبل الدنيا بحشرجات الحناجر ونبضات القلوب المتسارعة من بدء العدّ التنازليّ لفاجعة الدهر، إنَّه السبط الثاني المعزّى بولادته، الحسين عليه السلام..
فيزدان بيت فاطمة بنورَيها، مستأنِسةً على وقع أقدامهم عند اللعب، وابتساماتهم المورقة بالحبِّ والأمل في ظلِّ جدِّهم صاحب الرسالة.
وبأيّامٍ متسارعة كأنَّها تجدُّ في مسيرها نحو البلاء، تولد زينب عليها السلام، زهرةٌ فوّاحةٌ عطَّرت بيت فاطمة بشذاها وعبقها، بأحداثٍ وصور مشابِهة لولادة أخوَيها الحسنين عليهما السلام، فيتَّسع البيت وتزداد مروجه وأريجه.
أُسرةٌ ليست كباقي الأُسَر، وعائلةٌ فيها لمسات الرحمان تُبدي ألقها وتوهّجها، فيمتدُّ إلى كلِّ أرجاء المدينة المنوَّرة، والنبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يرى معالم الرسالة تكتمل، وبلاغات الإسلام قد تمَّت، فيطمئنُّ بتمام النعمة، مع وجود هذه القرابين الخالدة التي ستحفظ لله دينه الذي أراد، فما هم إلَّا مشاريع الوحي ومصابيح الهداية!
الأمّ وابنها:
من طبيعة الإنسان إذا كان له ذرّية أن يكون المولود الأوَّل له خصوصيَّةٌ وميزة على أقرانه، فهو النبعة الأُولى التي زادت من ترابط الأبوين وقوَّت وشائج الأُسرة، والنظرة إليه هي نظرة الوارث والخليفة لهم على تراثهم وهويَّتهم.. هكذا كانت نظرة الزهراء عليها السلام إلى الإمام الحسن عليه السلام الذي زاد من حُبِّه في قلبها صفاته التي شابهت صفات أبيها، فكان له حبّان: حبُّ شبهه بجدِّه النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، وحبٌّ لذاته المعصوميَّة.
النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يوصي ابنته أن لا ترضعه، ولكنَّ رقَّة الأُمومة لم تُبقِ لفاطمة من سبيلٍ لإرضاعه!
قالت برة ابنة أُميَّة الخزاعي: لمَّا حملَت فاطمة بالحسن، خرج النبيُّ في بعض وجوهه، فقال لها: (إنَّكِ ستلدين غلاماً قد هنَّأني به جبرئيل، فلا تُرضعيه حتَّى أصير إليكِ!). فدخلتُ على فاطمة حين ولدت الحسن عليه السلام وله ثلاثٌ ما أرضعَته، فقلتُ لها: أعطينيه حتَّى أُرضعه, فقالت: (كلَّا)، ثمّ أدركتها رقَّة الأُمّهات، فأرضعَته، فلمَّا جاء النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم قال لها: (ماذا صنعتِ؟)، قالت: (أدركَتني عليه رقَّةُ الأُمّهات فأرضعتُه), فقال: (أبى الله عز وجل إلَّا ما أراد)(٧).
فعلاقة الأُمِّ بابنها كانت سبباً لأن يُجري الله الأُمور بأسبابها، فتكون ميراث الإمامة للحسين عليه السلام دون الحسن عليه السلام.
في ربيع البيت الفاطميِّ تنتشر رياحين الجمال والجلال، فتخضرُّ أغصان فاطمة اليانعة، فتشمُّ ثمرتها الطيِّبة بعطر التفّاحة التي وهبها الله إلى نبيِّه من الجنَّة، فسرى عطرها في أبنائها بعين الرعاية والمحبَّة، تُرقِّص(٨) فاطمة حسنها وتقول:

أشبِهْ أباك يا حسنْ * * * واخلَعْ عن الحقّ الرسنْ(٩)
واعبد إلهاً ذا مِنَنْ * * * ولا توالِ ذا الإحَنْ(١٠) (١١)

فنلاحظ أنَّ التربية الفاطميَّة حتَّى في طريقة مؤانستها ومداعبتها لصبيها تُطبِّق برنامجاً مستقبليَّاً بالسخاء والجود وإظهار الأسرار الكامنة عنده، وهو تخطيطٌ لنا في ممارسة التربية الصحيحة المبنيَّة على أساسٍ من العلم والتقوى والإيمان.
عاشت فاطمة وأبناؤها شظف العيش وقلَّة المؤونة، فلم يتعدّ حالهم حال الفقراء في المدينة، حتَّى إذا حلَّ العيد لم تجد ما تُفرِّح به أبناء رسول الله من ثيابٍ جديدة، مُواعدةً إيّاهما بثيابٍ جديدةٍ عند الخيّاط، وقد عزَّ عليها طلبهما, وبحلول الظلام تُقرَع الباب، فتُجيب فاطمة: (مَنْ هذا؟)، فيردُّ عليها: أنا الخيّاط، جئتُ بالثياب! فتفتح الباب، فإذا رجلٌ ومعه من لباس العيد, قالت فاطمة: (واللهِ لم أرَ رجلاً أهيب سيمةً منه). فناولها منديلاً مشدوداً، ثمّ انصرف, فدخلَت فاطمة عليها السلام ففتحت المنديل، فإذا فيه قميصان ودرّاعتان وسروالان ورداءان وعمامتان وخفّان أسودان معقبان بحُمرة، فبادرت فاطمة فَرِحةً مسرورةً، وأيقظت ولديها المكسورين وألبستهما, ودخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهما مزيَّنان، فحملهما وقبَّلهما، ثمّ قال: (رأيتِ الخيّاط؟)، قالت: (نعم يا رسول الله، والذي أنفذته من الثياب)، قال: (يا بُنيَّة، ما هو خيّاط، إنَّما هو رضوان خازن الجنَّة)(١٢).
تُظهِر هذه الرواية حميميَّة العلاقة بين فاطمة ووَلديها، كأيِّ أُمٍّ مشغوفةٍ بأُسرتها في تلبية حاجاتهم وسدِّ عوزهم، فبساطة الحياة التي كان يعيشها أهل البيت عليها السلام عكست على المجتمع آنذاك حقيقة الإسلام والذي يجب أن يكون عليه قادة الأُمَّة، فهم يتساوون مع أدنى طبقات المجتمع مادّياً من غير أن يكون منقصة لشأنهم ولا مدعاة لغلق أبوابهم أمام الفقراء والمساكين، بل يتقاسمون معهم لقمة الطعام، بل يُؤثِرون الآخَرين على أنفسهم، وهم سادات الخلق، والكون كلّه مسخَّرٌ لهم، لكنَّهم أبوا إلَّا تعليمنا وتربيتنا على سبل التكيّف مع الواقع الذي يعيشه الإنسان المسلم في محيطه الاجتماعي، وهو أرقى ما تجود به الإنسانيَّة في مراحلها التكوينيَّة البشريَّة. فما أشدّ حاجتنا للرجوع إلى مكارم الأخلاق هذه، وأريحيَّة التعامل مع الذات بشفافيةٍ ومرونةٍ، لتنتج فرداً خلوقاً سليماً من الأمراض التي تصيب النفس من تشنّجاتها الشيطانيَّة، وتكفينا إطلالةٌ واحدة على المنهج الفاطميِّ لتصحيح مسارنا التربويِّ والدينيِّ، والتحليق في سماء الصفاء والنقاء الذي صنعه أهل البيت عليهم السلام لنا.
وتمضي الأيّام بأحداثها وتداعياتها، فيُفارق النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم عالم الدنيا، ملتحقاً بالرفيق الأعلى، مخلِّفاً في أُمَّته الثقلين، من غير أن يطلب على تبليغه أجراً سوى المودَّة في قرباه، ولكنَّهم ما راعوا وما صانوا وصيَّة نبيِّهم بنصرة آله، فيُنكَّل بهم ويُستحوَذ على حقِّهم الذي كتبه الله لهم. ولم تقف أحقادهم إلى هذا الحدّ، بل حاولوا طمس الإسلام وتحريف القرآن، والطعن بنبوَّته بسدِّ ذرائع الولاية وتكميم الأفواه بالنطق بالهداية، فجرَّت هذه العصابة الويلات على المسلمين، وعلى رأسهم فاطمة وبعلها وبنوها، فجرَّعوهم نغب التهمام أنفاساً، فيكظم عليٌّ غيظه بوصيَّةٍ كبَّلته ورعيَّةٍ أمسكته، فالإسلام غضٌّ والمخاطر جمَّةٌ.
وقد حان الفراق:
عاش الإمام الحسن عليه السلام محنة تقصير الأُمَّة عن نصرة حقٍّ قد سُلِبَ ومنصبٍ قد طُلِبَ، فضُربَت عليهم الذلَّة والمسكنة, فيزداد همُّ الإمام الحسن عليه السلام وهو يجاري ويلات أُمِّه فاطمة عليها السلام فلذة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم في سنِّها الثامن عشر، تُقاسي أبشع إجراءات التعسّف والتهميش، وهي مَنْ قد عرفوا، فيهبُّ أنصار الإمامة _ على قلَّتهم _ مستنهضين همم الناس، مُرجِعين إيّاهم إلى الصواب وإلى خلافة أبي الحسن عليه السلام، مع حفظ ميراث فاطمة المسلوب، ولكن لا أُذُن تسمع ولا عقل يخضع، يجولون ويصولون، فيأتي جواب المناوئين بالاعتداء الأثيم على بيت النبوَّة ومعدن الرسالة ومختلَف الملائكة، فيسومونهم سوء العناد والمخالفة بجفاءٍ شديد، وخُلُقٍ مريد، فتبرز أحقادهم وتطفو غلظتهم على الدين وأهله، بعد احتجاج الزهراء عليها السلام عليهم ومقاطعتها إيّاهم، إيذاناً بغضبٍ من الله على القوم الكافرين.
ما أقسى ما عانيتَ يا أبا محمّد مِنْ إيذاء أُمِّك الزهراء عليها السلام، واستصغار شأنها، وغصب حقِّها، وهي تلوذ بذكرى أبيها المحامي والناصر، ولكن لا ناصر لها اليوم، وما أشدّ ما سمعتَ من نبرات اللؤم والتشفّي التي كسروا بها قلب الصدّيقة الطاهرة، فكانت كالسهام في قلبك الشريف، فتنفرد في مخيِّلتك كلُّ الصور التي انطبعت في ذاكرتك عن فاطمة بنت رسول الله، طفلٌ في السادسة يرى أُمَّه تُقهَر وتُضرَب وتُعصَر، وما يملك إلَّا الصبر والسكوت، وأيُّ أُمٍّ هي؟! فاطمة! وأيُّ ابنٍ هو؟! الحسن! أقطاب الوجود، ومحور الملكوت، وسط أُناسٍ وجهلة لم يُدرِكوا حقيقة هذا البيت.
محطّاتٌ في حياة الحسن عليه السلام مع فاطمة عليها السلام:
على الرغم من الفترة القصيرة التي قضاها الإمام الحسن عليه السلام في ظِلِّ أُمِّه، إلَّا أنَّها كانت مُتخَمةً بالأحداث والأخبار والأنباء، وكان لكلِّ فعلٍ حكايةٌ خلَّدها التاريخ الإسلاميُّ والإنسان، وأشبعها بحثاً وتنقيباً، للخروج بكنوز لطائف موروثهم علماً وأخلاقاً وحكمةً وأدباً.
ولعلَّ مِنْ أهمِّ ما نزل من القرآن وما يحكي عن عظمتهم ورفعة درجتهم وعلوِّ مقامهم آياتٌ ثلاثٌ تداولها الباحثون والكُتّاب في دراساتهم وتحقيقاتهم، وهي: آية التطهير، وآية المباهلة، وآية المودَّة. وسنحاول تسليط الضوء على هذه الآيات التي جمعت أهل بيت العصمة في تنزيلها، حيث جمعت فاطمة الزهراء عليها السلام والإمام الحسن عليه السلام في آنٍ واحدٍ ومكانٍ واحدٍ لحدثٍ واحدٍ.
آية التطهير:
(إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ٣٣)(١٣).
وقع الكلام في هذه الآية من حيث دلالتها على العصمة من جهة، ومن جهةٍ أُخرى في المقصود من أهل البيت عليهم السلام، حيث اختلف الفريقان في هاتين الدلالتين، فقد استدلَّ أعلام الإماميَّة من خلال هذه الآية على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام وعصمته وعصمة فاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، إضافةً إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا بعدَّة قرائن:
١ _ دلالة كلمة (إِنَّما) التي تفيد الحصر، حيث قصرت الآية الحكم على هؤلاء الخمسة الذين كانوا تحت الكساء، ولم تتعدَّ إلى غيرهم، فأداة الحصر _ كما تفيد اللغة _ تجمع هؤلاء وتمنع دخول غيرهم معهم، هذا من جهة الدلالة اللغويَّة، وأيضاً دلالة الحال من وجودهم تحت الكساء.
٢ _ فإذا عرفنا أنَّ المقصود من الآية فقط هؤلاء الخمسة، نناقش: هل فيها دليلٌ على العصمة مِنْ إذهاب الرجس والتطهير لهم؟ فالإرادة هنا هي إرادةٌ تكوينيَّة مِنْ قِبَل الله تعالى، جعلها بإذهاب الرجس، أي: الذنوب التي تحول دون تطبيق شريعة الله تعالى، فالفارز بين العصمة واللَّاعصمة هي ارتكاب الذنب، فمَنْ يرتكب الذنب يزلُّ عن جادَّة الشريعة، فيصبح في معرض التخطئة، أمَّا المعصوم فقد نُزِّه عن الوقوع في الخطأ، فأصبح مؤهَّلاً للتشريع عن الله. وما كان ذلك الاختيار لهم إلَّا لعلمه عز وجل بحالتهم المعنويَّة العالية التي افترقوا بها عن باقي الناس، فصار لهم هذا التكريم من الله تعالى.
إذن، أهل البيت قد عُصموا بالعصمة التكوينيَّة بهذه الآية الشريفة التي أفصحت باختيارهم واجتبائهم عن سائر الخلق، كي يكونوا حُجَّةً على الخلق، فهم الحبل المتين الذي مَنْ استمسك به عُصِمَ ومَنْ تخلَّف عنه هوى وهلك.
ولم يقبل أصحاب المدارس الأُخرى هذا التفسير الذي لا يقبل الشكّ به أو تأويله، فحاولوا نسبتها إلى غيرهم أو التشكيك بمعنى العصمة من هذه الآية بإدخال المغالطات والشبهات لإزاحة الحقِّ عن أهله، ولكن دون دعواهم خرط القتاد، فالشواهد التاريخيَّة والسيرة المعصوميَّة تؤكِّد _ وبأصالة _ هذا المعنى الذي لا يشوبه الغلط.
أمَّا المقصود من أهل البيت في هذه الآية وبسبب جمع القرآن على الصورة الحاليَّة ووضع الآيات فيما لا يناسبها من مواقع، فتحت باب الجدل وطُرِحَت الآراء في المقصود من أهل البيت عليهم السلام. والثابت عندنا قطعاً هم محمّدٌ وآل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، عليٌّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، بالنصِّ المعصوميِّ المتواتر والمعروف بحديث الكساء اليمانيِّ, فالآية جاءت في سياق الكلام عن نساء النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، وأُقحِمَت هذه الآية في ضمنها لتغيير معالم النصِّ القرآني، ولكن تأبى الأدلَّةُ النقليَّة والعقلية وآراء علماء الإسلام ومِنْ كلا الفريقين تعميمَ المقصود من أهل البيت، فقد ذُكِرَت آراء في أنَّ عبارة أهل البيت تخصُّ نساء النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، فهنَّ أهل بيته! أو أنَّ الآية شاملة للخمسة إضافةً إلى نساء النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، وحتَّى لو كانت الآية خاصَّة بالخمسة، فإنَّها لا تشمل باقي المعصومين من ذرّية الحسين عليه السلام.. وفي الردِّ على هذه الآراء نقول:
١ _ إنَّ سياق الكلام غير متآلف، فالكلام في نساء النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم جاء بالجمع المؤنَّث بالنون، والآية جاءت بلفظَي: (عَنْكُمُ) و(يُطَهِّرَكُمْ)، وهي في الجمع العامّ المذكَّر، ولو كان نساؤه مشمولات بالآية لكان لفظ الآية: (عنكنَّ) و(يُطهِّركنَّ)، والصحيح أنَّ الآية قصدت النبيَّ وعليَّاً والحسن والحسين وأُمَّهما فاطمة عليهم السلام، فجاء التذكير للتغليب.
٢ _ اعتراف الكثير من الصحابة ونساء النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم بأنَّ المقصود هم أصحاب الكساء فقط، والقائل به: أبو سعيد الخُدريِّ، وأنس بن مالك، وابن عبّاس، وأُمُّ المؤمنين أُمّ سَلَمة، وعائشة.. فقد ورد عنهم الحديث بنزول آية التطهير، وقد جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليَّاً وفاطمة وابنيها تحت الكساء, وهذا اعترافٌ صريحٌ بلسان المخالفين _ إضافةً إلى المؤالفين _ في إثبات هذا الرأي، وممَّن روى حديث الكساء _ إضافةً لمن تقدَّم _: سعد بن أبي وقّاص، وأبو الدرداء، وزيد بن أرقم، وجابر بن عبد الله(١٤).
٣ _ طلبُ أُمِّ سَلَمة من النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم الدخول معهم تحت الكساء لكي تحظى بالتشريف، وجوابُ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم لها بالمنع وأنَّها على خير، فالأمر خاصٌّ بهؤلاء بأمرٍ إلهيٍّ لا يمكن معه التصرّف والمجاملة، وبوحيٍ من جبرئيل، وكذلك ما ذكرَته عائشة بهذا الخصوص.
٤ _ أمَّا مَنْ اعترض على أنَّ الآية لا تشمل المعصومين التسعة من أبناء الحسين عليهم السلام، فهو مردودٌ بأنَّ حضور الحسين عليه السلام هو حضورٌ لهم، وهم في صلبه، فلو كانوا موجودين فعلاً لدخلوا معهم، ولكنَّ طبيعة الزمان والتكوين الإنسانيِّ وقوانين الطبيعة المُلزِمة بقانون الأُبوَّة والبنوَّة لا تسمح بتحقّق هذا الأمر.
إضافةً إلى الأحاديث والروايات الكثيرة التي دلَّت على عصمتهم وإمامتهم بالاسم والصفة، وتلبُّسهم بالولاية التكوينيَّة من قَبل ولادتهم الفعليَّة، بل بالقوَّة، فهذا الإشكال لا يُعْتَدُّ به.
وبعد هذا نُعرِّج على المناسبة التي جمعت فاطمة عليها السلام وابنها الحسن المجتبى عليه السلام عندما كانت فاطمة في بيتها حين دخل عليها أبوها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائلاً: (إنّي أجدُ في بدني ضعفاً)، فأتت له بكساءٍ يمانيٍّ وجلَّلَته به، ثمّ بعد قليلٍ يأتي الحسن عليه السلام قائلاً: (يا أُمّاه، إنّي أشمُّ عندكِ رائحةً طيِّبة، كأنَّها رائحة جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)، فتقول له فاطمة عليها السلام: (نعم، إنَّ جدَّك تحت الكساء)، فيُقبِل الحسن عليه السلام نحو الكساء ليستأذن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم في الدخول معه، ثمّ يلحقه الحسين عليه السلام، ثمّ أبوهما أمير المؤمنين عليه السلام، ثمّ فاطمة عليها السلام، فيُجلِّلهم النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم بالكساء اليمانيِّ ذاك، ويُطلِق أشهر حديثٍ سمعَته آذانٌ صاغيةٌ عن الله تعالى: (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(١٥)(١٦).. فتتلاقى نظرات فاطمة والحسن عليهما السلام برؤية واحدة، وقد حكت عيناهما قولاً واحداً: نحن الآن في كنف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فما حالنا من بعده؟ فيتشابكان بأيديهما بقوَّة، فيستمدُّ الحسن عليه السلام من أُمِّه القوَّة والصبر على المحن والإحَن، فالقادم كفيلٌ بتبديد شملهم الدافئ في أحضان النبوَّة. وفي الحال نفسه ترتسم على شفاههما ابتسامة الفرح برضا الله والرضا بقضائه، وتحضن الأُمُّ ولدَها بشوقٍ وشغَفٍ، وتُقبِّله في جبينه، وتنثر عليه أنفاسها الطاهرة، لينتعش الصبيُّ الإمام وهو يتلمَّس ألطاف أُمِّه الحنون، وكلاهما يَعلمان أنَّ الفراق قريبٌ وأنَّ الرحيل لا بدَّ منه، وكلُّه بعين الله عز وجل.
آية المباهلة:
(فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ)(١٧).
وفي قصَّةٍ أُخرى من قصص التصدّي في جنب الله والذبِّ عن حياض دين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يطلُّ علينا التاريخ الإسلاميّ بمضمونه القرآنيّ بحادثةٍ وسببٍ من أسباب نزول النصِّ، وهي آية المباهلة، والتي أثبتَت مرَّةً أُخرى اختصاص النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام بالكرامة الإلهيَّة، وأنَّ هؤلاء هم الهدف والغاية، فمَنْ تمسَّك بهم أدرك تشريع الله بكلِّ جوانبه، ومَنْ تخلَّف عنهم وقع في دائرة التيهان والضياع, فالنبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يُجابِه قوى التكفير والتكذيب لدينه الإسلام من النصارى، وهم بالطبع أصحاب كتابٍ وعلم، فبعد حوارٍ ونقاشٍ معهم وإلقاء الحُجج عليهم تنكَّروا وعاندوا، مستغلّين هشاشة إيمان المسلمين وضيق فكرهم، وتربّصَ المنافقين وتحيّنهم لأيِّ فرصةٍ للإيقاع بالنبيِّ ودِينه، فوصلوا إلى آخر الحلول، وهو مباهلة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم لإظهار الصدق من الكذب..
فصار الاتِّفاق على زمانٍ محدَّدٍ ومكانٍ معيَّنٍ تقع فيه المباهلة، والناس منشدّون متقاسمو الآراء حول قدرة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم على القيام بالمباهلة.
وجاء اليوم الموعود، واجتمع الناس ليشهدوا يوماً تاريخيَّاً يضع الإسلام على المحكِّ، وقد استنفر نصارى نجران كلَّ طاقاتهم العباديَّة والمعنويَّة للانتصار، ظنَّاً منهم أنَّها ستكون نهاية لهذا الدين الذي اكتسح الجزيرة العربيَّة، وفي جوٍّ من الترقّب والحماس ينتظر الناس النبيَّ بمَنْ سيباهل، فخسارة الجولة تعني وقوع العذاب على مَنْ سيُخرجهم للمباهلة معهم، وبعد فترةٍ من الزمن وباستعداد نصارى نجران بقساوستهم ورهبانهم يظهر النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم من بعيد بأشباحٍ أربعة، والكلُّ يتساءل: مَنْ هؤلاء؟! وقد وقع في ظنِّ النصارى أنَّه سيجلب أصحابه وقومه وجيشه ليباهل بهم، وعند اقترابهم واتِّضاح الصورة أكثر فأكثر يَقدم النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم بصحبة عليٍّ عليه السلام على يمينه وفاطمة عليها السلام خلفه مُمسِكاً بالحسن عليه السلام بيده اليمنى وحاملاً الحسين عليه السلام على عاتقه، ليفاجأ النصارى بمن حضر، متسائلين: مَنْ هؤلاء الذين أتى بهم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم؟! فيأتي الجواب: إنَّهم أهل بيته وأحبُّ الخلق اليه!
يُشاهدونهم يمشون بكلِّ طمأنينة، وتعلوهم السكينة والهدوء والوقار، فافترشوا البساط، وقد استعدّوا للدعاء.. فبادر رهبان النصارى _ وقد أُسقِط في أيديهم _ إلى إيقاف المباهلة، فقد علموا أنَّ هؤلاء بسيماهم ونورهم لو دعوا عليهم لَجعلوا عاليها سافلها! فرفعوا راية الاستسلام مقرّين بهزيمتهم، فمَنْ يريد المباهلة لا يأتي بأحبِّ الناس إليه، إلَّا أن يكون مطمئنّاً بسلامة موقفه وصحَّة دينه.
هذا ما أدركه النصارى والمسلمون على حدٍّ سواء، فجاء البيان الإلهيُّ عن طريق رسوله جبرائيل بآيةٍ انضمَّت إلى مثيلاتها من الآيات التي نزلت في حقِّ أهل البيت عليهم السلام، فالله عز وجل يقول في كتابه: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ)(١٨), فالأبناء: الحسن والحسين عليهما السلام سيِّدا شباب أهل الجنَّة، والنساء: فاطمة عليها السلام، والأنفس: أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، فتُحدِّد هذه الآية شخصيّات أهل البيت بصورةٍ أوضح وعبارةٍ أجلى، فقد حصلت أمام مرأى ومسمع حشدٍ من الناس ضمَّ الصحابة وغيرهم، فيعضد هذا القول الآية السابقة بعصمة آل البيت عليهم السلام واختصاصهم بالنبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم في آية التطهير.
وممَّن روى هذا الخبر: عبد الله بن عبّاس، وسعد بن أبي وقّاص، وعثمان بن عفّان، والزبير بن العوّام، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عَوف، وحُذَيفة بن اليمان، والبراء بن عازب، وغيرهم كثير، ممَّا يثبت أركان هذا الخبر.
إشراقةٌ جديدةٌ مِنْ إشراقات فاطمة وبنيها على الضمير الإنسانيِّ والإسلاميِّ، تنير حالك الظلمة التي يعيشها الناس بعيداً عن تعاليمهم السامية التي تؤطِّر مفاهيم الخير والنبل والعطاء والإنسانيَّة، فما ترك أهلُ هذا البيت مفصلاً من مفاصل الحياة إلَّا نظروا له، وقنَّنوا أساليبها بتشريعٍ سماويٍّ لا يقبل الخطأ ولا التخطيء، فمَنْ سار على دربهم وصل إلى الغاية المنشودة، وهي رضا الله تعالى.
ويروي هذا الخبرُ صورةً أُخرى للإمام الحسن عليه السلام وفاطمة الزهراء عليها السلام بمشهدٍ دراماتيكي، يُشعِر القارئ بمدى تقارب هذه الأُسرة وعلاقتهم الرابطة بالله، ففيها جانبان:
جانبٌ عقديّ يُظهِر فيه تصدّي أهل البيت عليهم السلام لقضيَّةٍ إسلاميَّةٍ هامَّةٍ جدّاً، وهي إنقاذ الإسلام والمسلمين بدينهم ونبيّهم، وأيضاً إنَّهم ورثة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم في إكمال دينهم، فخروجهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه إشارةٌ من النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم بأنَّهم وُلاة الأمر من بعده على الأُمَّة، فلهم السمع والطاعة.
ومن جانبٍ آخر نلحظ الجانب الإنسانيّ الأُسريّ الذي يربط بين فاطمة عليها السلام وابنها الإمام الحسن عليه السلام، وما يُشكّلانه من علاقةٍ جميلةٍ ورائعةٍ، في أنَّهم أُسرة مترابطة متحابَّة، أُنموذجيَّة لما يجب أن تكون عليه كلّ أُسرةٍ مسلمة، وكأنَّ الإمام الحسن عليه السلام يمشي بمعيَّة أُمِّه فاطمة يتبادلان أحاديث المودَّة والعشق الإلهيِّ في نُزهةٍ في ملكوت الله، والإمام الحسن عليه السلام يُسجِّل _ وبدقَّةٍ _ هذه اللحظات المتلاشية مع الدهر، لكنَّها راسخةٌ في فكره وكيانه، فيستزيد من كلِّ لحظةٍ يقضيها مع أُمِّه فاطمة عليها السلام تعلّقاً بربِّه، فهذا الوجه الذي تُشرق منه أنوار الزهراء عليها السلام حين تعبّدها في محرابها يلفته إلى جلال الله وعظمته، فلا يكاد يفارق وجهها حيناً إلَّا ويُعاوِد بعدها النظر والتمعّن.
هذا حسَنُكِ يا فاطمة يمشي مع جدِّه وأبيه في مباهلته، وقلبك يخفق في صدرك منادياً: إليَّ إليَّ يا قُرَّة عيني، كي أملأ منك خافقي، وأَرقيك بالمعوذتين، فالحُسّاد كُثُر، وفؤاد أُمِّك عليك في حسرةٍ لكبدك المسموم وظليمتك من الحاقدين، فخطواتك هذه تُعجِّل بك إلى مصيرك المحتوم، ولكنَّ أمر الله ماضٍ.
آية المودَّة:
(قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)(١٩).
في أكثر من مناسبةٍ دأب النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم في الإشارة إلى مكانة أهل البيت عليهم السلام، برهاناً على ولايتهم على الأُمَّة، مستبِقاً الأحداث التي ستقع بعده؛ لعلمه بالاختلاف عليهم، فيُؤكِّد في أحاديثه مراراً وتكراراً على أهمّية اتِّباع آله الميامين للوصول إلى ساحل النجاة، فتبليغ الرسالة شيءٌ عظيم، ولا يخلفه في هذا الأمر إلَّا شخصٌ عظيمٌ يُمثِّل النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم أفضل تمثيل، فإن كان الاختيار من الناس فقطعاً سيقع التجاذب بينهم والمحاباة في اختيار الشخص المناسب، فلكلٍّ رأيُه وعقيدته، أمَّا إذا كان الاختيار من الله تعالى فحينئذٍ لا مجال لإبداء المشورة والرأي، فاختيار الله مسلَّمٌ به من غير نقاش، فقد استثمر النبيُّ أيَّ مناسبةٍ للتعريف بخليفته وإلقاء الحجَّة عليهم.
أمَّا سبب نزول هذه الآية الشريفة, فهو أنَّ المسلمين في ذلك الوقت لم تتجذَّر أُصول الإسلام والإيمان في نفوسهم إلى الحدِّ الذي يعرفون به حقيقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومبلِّغ رسالته، متصوِّرين أنَّ تبليغه مقابل أجر، وبدافع حُسن النيَّة عرضوا على الرسول مبلغاً من المال كأجرٍ على التبليغ، مِنْ غير إدراكٍ لمعنويَّة الرسالة وتكليف النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم بها من الله تعالى! فما كان ردُّ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم عليهم إلَّا تحويل الأنظار إلى أنَّ الأجر الذي يستحقّه منهم هو التسليم لولاية أمير المؤمنين وآله عليهم السلام، الذين سيكونون خلفاءه من بعده! فالأجر مرجعهم إليهم، فإمَّا أن يحافظوا على سلامة هذا الدين من التدليس والتدنيس والتحريف، أو يصبوا إلى مخالفة أمر الله ورسوله.
وبعد تصديقهم لقول الله ورسوله وقع الكلام في المقصود من (القُربى)، أهم قرابته وعشيرته، أم هم أهل بيته وزوجاته؟ فالتبس عليهم الأمر، فماكنة الإشاعة والتشكيك للمنافقين كانت تعمل بأقصى جهدها لتزوير الحقائق والتشبيه على الناس، فعن الطبرانيّ قال: عن ابن عبّاس: لمَّا نزلت هذه الآية: (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)(٢٠)، قالوا: يا رسول الله، ومَنْ قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودَّتهم؟ قال: (عليٌّ وفاطمة وابناهما)(٢١).
فما الحجَّة لهم من بعد ذلك؟ تصريحٌ من صاحب الرسالة نفسه بمعنى القربى، وأنَّ مودَّتهم هي الأجر المقصود بالآية الشريفة.
وقد استنجد الإمام الحسن عليه السلام في احتجاجه على الناس في خطبته بعد استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام بهذه الآية، قائلاً: (أيّها الناس، مَنْ عرفني فقد عرفني، ومَنْ لم يعرفني فأنا الحسن بن محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، أنا ابن البشير, أنا ابن النذير, أنا ابن الداعي إلى الله عز وجل بإذنه، وأنا ابن السراج المنير، وأنا مِنْ أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيراً، والذين افترض الله مودَّتهم في كتابه إذ يقول: (وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً)(٢٢), فاقتراف الحسنة مودَّتنا أهل البيت)(٢٣).
وهو كلامٌ صريحٌ من الإمام المعصوم المجتبى عليه السلام بأنَّهم هم القربى الذين أوصى الله ورسوله بهم، وما المودَّة في القربى إلَّا حبّهم وتصديقهم واتِّباعهم واستخلافهم، وما إكمال الدِّين إلَّا بهم، وتتميم الحجَّة بولايتهم لوصول التشريع للأحكام عن طريقهم، فهم الواسطة بين الله والناس(٢٤).
فآية القربى التي جمعَت فاطمة والحسن عليهما السلام، وجعلت مودَّتهم أجر رسول الله، وهم فرحون بقرباهم من النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، وأُمُّ السبطين _ بابتهاج _ تراود وجه فتاها المتلألئ بهاءً؛ فقد ورثه من جدِّه المصطفى الذي اجتباه بمودَّته.. فطالِعي يا أُمَّ الحسن وجه ولديك _ اللذَين سيقضيان سُمَّاً وذبحاً _ أجراً على الرسالة! فلكِ الأجر يا فاطمة بولدَيكِ، واستميحي أباكِ عذراً لقربانيكِ اللذَين شحنتِ صدريهما غَيرةً على دِينه، لعلَّ القربان لم يفِ حقَّه ولم يجزِ فضله، ولكنَّ صدرك الحرّى عليهما شافعةٌ عند ربِّهم في القبول.
استجلاء معنى الآيات:
إنَّ في الآيات الثلاث التي مرَّت شهادةً من فاطمة الزهراء عليها السلام على إمامة الحسن عليها السلام، فهي المعصومة بهذه الآيات، وشهادتها له حُجَّةٌ على الناس في ولايته وخلافته، ففي جميع هذه المواطن كانت الزهراء عليها السلام حاضرةً تسمع وترى وتُقِرُّ بالنصِّ الإلهيِّ عليه، ولا مجال لردِّ شهادتها بعد التسليم بصحَّة هذه الروايات مِنْ الفريقين، فكلام فاطمة حجَّةٌ وبيِّنةٌ في إثبات الولاية لمستحقّها، وهو أحد أدلَّة ثبوت الإمامة للائمَّة المعصومين الاثني عشر، إضافةً إلى النصوص الأُخرى التي وردت في تسميتهم إماماً بعد آخر في صُحُفها التي توارثها الأئمَّة عليهم السلام.
فلا محيص عن الأخذ بدلالة هذه الآيات والأخبار الشارحة لها، والمعتصمة عن الكذب وعدم الصواب، وقد أظهرت حادثة المباهلة مزيج التقارب الأُسريّ والمهمَّة العقديَّة بين الأُمِّ وابنها.
فعليكِ سلام الله أيَّتها الممتحَنة، امتحنكِ الله بفلذة كبدكِ وحشاشة روحكِ، ليتجوهر مظهركِ ويتمظهر جوهركِ، فتُدلين علينا بأئمَّة الخلق من روحكِ الفيّاضة بعشق الله، فكنتِ حُجَّةً عليهم وكانوا حجج الله علينا(٢٥)، متجرِّعةً الغُصَّة بعد الغُصَّة، مؤتزرةً بجلباب النبوَّة ومتوشِّحةً بوشاح الإمامة، فكنتِ وقفاً لدين الله، وشهيدةً في سبيل الله، راضيةً مرضيَّةً، مطهَّرةً من الرجس، مؤثِرةً على نفسكِ وآلكِ يتيمهم ومسكينهم وأسيرهم، مستبشرةً ببيعكِ الذي بايعتِ، قد آزرتِ الرسالة وناصرتِ الإمامة، وجاهدتِ في الله حقَّ جهاده، مفارقةً الدنيا بقلبٍ وَجِل ومتنٍ مسودّ وضلعٍ مكسور، لكي تلقَي الله تعالى بهذا الحال، فيكون رضاكِ بشفاعتكِ لشيعتكِ ومَنْ آمن بمظلوميَّتك، أيَّتها البكّاءة المحزونة، فقرّي عيناً عند ربِّكِ، يا حجَّة الله.
زينب الكبرى بنت عليّ عليها السلام
في أفضل بيتٍ رُفِعَ وذُكِرَ فيه اسم الله، في بيتٍ أحاطته القدسيَّة والطُّهر من الرجس، ليشعَّ بأنوار الله, تولد لبوة عليٍّ عليه السلام، لتزهر الدنيا بضياء شمسها البهيِّ.. الكلُّ يترقَّب، بنفوسٍ تهفو إلى مولود العترة الطاهرة، لتعمَّ بركاتها أرجاء المدينة.
الجدُّ: خاتم الأنبياء، والأبُ: سيِّد الأوصياء، والأُمُّ: سيِّدة النساء، والأخَوان: سيِّدا شباب أهل الجنَّة.. فماذا ستكون؟ وسط هذا المناخ الرحب وُلِدَت السيِّدة زينب عليها السلام، ثالثُ مولودٍ لعليٍّ وفاطمة عليها السلام.
ولادتها المباركة:
وُلِدَت السيِّدة زينب عليها السلام _ على أقوى الروايات _ في السنة الخامسة للهجرة(٢٦), في اليوم الخامس من جُمادى الأُولى، لتكتمل الحلقة الأخيرة والعنصر الخامس للبيت العلوي، ولم تختلف طريقة ولادتها وطبيعة الأجواء عن ولادة الحسنين عليهما السلام، فبعد حمل الزهراء عليها السلام بالسيِّدة زينب عليها السلام وضعَتها بمشاعر الأُمومة أُنثى، وأيّ أُنثى! فلو كانت النساء مثلها لفُضِّلن على الرجال..
جوهرةٌ صاغها الله تعالى من نفس فاطمة عليها السلام، لتضعها بين يدَي عليٍّ عليه السلام، طالبةً منه تسميتها.. وكما جرى في ولادة الحسنين عليهما السلام، أبى عليٌّ عليه السلام أن يسبق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك الأمر.
لمَّا وُلِدَت زينب بنت عليِّ بن أبي طالب، أُخبِر بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجاء إلى منزل فاطمة عليها السلام وقال: (يا بنتاه، ايتيني بُنيَّتكِ المولودة), فلمَّا أحضرَتها أخذها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وضمَّها إلى صدره الشريف، ووضع خدَّه الشريف على خدِّها، فبكى بكاءً عالياً, وسال الدمع حتَّى جرى على كريمته الشريفة, فقالت فاطمة: (لمَ بكاؤك؟! لا أبكى الله عينك يا أبتاه!)، فقال: (يا بنيَّة يا فاطمة، اعلمي أنَّ هذه البنت بعدكِ وبعدي تُبتلى بلايا فادحة, وترد عليها مصائب ورزايا مُفجِعة)، فبكت فاطمة عليها السلام عند ذلك, ثمّ قالت: (يا أبه، فما ثواب مَنْ يبكي عليها وعلى مصائبها؟)، فقال: (يا بضعتي ويا قرَّة عيني، إنَّ مَنْ بكى عليها وعلى مصائبها كان ثواب بكائه كثواب مَنْ بكى على أخويها)، ثمّ اختار لها اسم زينب(٢٧).
لا تختلف هذه الرواية في ولادة السيِّدة زينب عليها السلام عن روايات ولادة الحسنين عليهما السلام في التعزية بولادتها والبكاء عليها وعلى ما تلاقي من مصائب ومحن كما سيلاقي أخواها، فالمظلوميَّة واحدة، والأسباب نفسها، والعدوّ هو العدوّ.
وتُظهِر هذه الرواية كرامة زينب عليها السلام بوضع خدِّ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم على خدِّها كما فعل مع الحسنين، وتسميتها عن طريق الوحي من الله تعالى، فهي ليست بالشخصيَّة المعتادة، بل لها شأنٌ من الشأن، وإن كان التاريخ لم يتطرَّق إلى الكثير من الحوادث والوقائع التي تربط بين السيِّدة زينب وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكنَّ طبيعة ارتباطها مع الأُسرة العلويَّة جعل كلَّ ما يُنقَل عن الحسن والحسين عليهما السلام فإنَّ زينب عليها السلام شريكة لهما فيه، فملازمتها لهما لا تخفى، ولكنَّ إظهار سيرة الحسنين عليهما السلام كان لها النصيب الأوفر لما لهما من مكانة تشريعيَّة جعلت انصباب العناية وتسليط الضوء عليهما؛ ولأنَّ عفَّة السيِّدة زينب وصونها ونجابتها لا تسمح بذكر تفاصيل حياتها، فالتاريخ الذي كُتِبَ بأيدي أعداء أهل البيت عليهم السلام كان سينال من شخصيَّتها العظيمة بالتزوير في الحقائق والتحريف في الكلام، فبقي ذكر السيِّدة زينب عليها السلام مرتبطاً بذكر المعصومين؛ وأيضاً لأنَّ إظهار مناقب السيِّدة زينب بنت عليِّ بن أبي طالب عليهما السلام والإفصاح عنها يُعَدُّ بحدِّ ذاته إفصاحاً عن شخصيَّة أمير المؤمنين عليه السلام، وهذا ممَّا تربَّص له المنافقون والمتزلِّفون لسلاطين الظلم والجور الذين بذلوا كلّ ما في وسعهم لإخفاء فضائل الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام.
نشأتها:
ثمّ تتدرَّج هذه البنت الميمونة على أعتاب بيت النبوَّة، وتستقرُّ في أحضان صاحب الرسالة، وتستدفئ في كنفه بحنان الأُبوَّة بين الحسن والحسين عن اليمين وعن الشمال، تتأمَّل وجه جدِّها الذي سرعان ما فارقته ولمَّا تكتفِ منه، لتشهد مرحلةً جديدةً من الصراع الذي لازم بيتها المضنك، مواظبةً على استقراء الحقائق واستنطاق المعارف، وهي تُسائل أباها بفطنةٍ ونباهةٍ عن مكنونات خلقه وعزائم أمره، وعليٌّ عليه السلام يُلقي الكلام على لسانه كما يُلقي المطر حبّاته على الأرض لتثمر كلَّ طيِّب, فهي عالِمةٌ غير معلَّمة، فَهِمةٌ غير مفهَّمة _ كما قال الإمام زين العابدين عليه السلام _ تسأل أباها: (يا أبتاه، أتحبّنا؟)، قال: (نعم يا بُنيَّة, أولادنا أكبادنا)، فقالت: (يا أبتاه، حبّان لا يجتمعان في قلب المؤمن: حبُّ الله وحبُّ الأولاد، وإن كان لا بدَّ لنا فالشفقة لنا والحبُّ لله خالصاً)(٢٨). ثمّ يُقبِّل الوالد هذه الصبيَّة لمعرفتها وعلمها بتوحيد الله تعالى.
تعكس هذه الرواية التربية النوعيَّة للسيِّدة زينب عليها السلام وتأهيلها لاستلام مهامّها العظيمة مع أخوَيها، وجسامة الأهوال التي ستلاقيها، مشاركةً الإمامين اختيارهما الصعب، لتكون وظيفتها وظيفة المُسنِد والمؤازر لحركتهما الرساليَّة، فهي قسيمة المصائب والرزايا التي حلَّت بهما، مُدرِكةً طبيعة مراحلها الانتقاليَّة من صلحٍ إلى ثورة.
ولم يقف الإمام أمير المؤمنين عليه السلام إلى حدٍّ معيَّنٍ في فتح باب العلوم لها، وهي وإن لم تكن لها عصمة تكوينيَّة بحسب المصطلحات العقديَّة، إلَّا أنَّها كانت معصومةً بالعصمة الاكتسابيَّة بأعلى درجاتها، فقابليَّة استيعاب علوم أبيها كانت موجودةً وبامتياز، فنشأت بليغةً فصيحةً عالمةً بعلوم القرآن، تفسيرِه وتأويله، متشابهه ومحكمه، ظاهره وباطنه، أحكامه وعقائده، وكان لها مدرسة في الكوفة لتعليم النساء في الفقه والتفسير, إضافةً إلى باقي العلوم التي أغدق أمير المؤمنين عليه السلام عليها بها، فهي عالمةٌ بأسرار العلوم جميعاً، بالعلم المكتَسب واللدنّي.
أمَّا المصدر الآخَر لتنشئة زينب عليها السلام، فهي أُمُّها بضعة النبيّ ِصلى الله عليه وآله وسلم، والتي كان لها الأثر البالغ في تكوين شخصيَّتها العظيمة، بل كانت زينب عليها السلام مرآةً لشخصيَّة الزهراء عليها السلام، حتَّى أنَّها ورثت جميع صفاتها النفسيَّة والخُلُقيَّة، وكانت زينب لأبيها كما كانت فاطمة لأبيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فالتداخل الكبير بين شخصيَّة السيِّدتين الطاهرتين جعل من زينب القائمة مقام أُمِّها بالنسبة لإخوتها، على ما كانوا يجدون عندها من عطفٍ وحنانٍ ورعايةٍ، وورثت من أُمِّها وصاياها وعهودها لأخويها، فتلميذة الزهراء عليها السلام أتقنت وظيفتها التي رسمتها لها معلِّمتها الأُولى بحرفيَّة عليٍّ عليه السلام في مواجهة الأحداث، لترث تَرِكةً ثقيلةً حملتها زينب بقوَّةٍ وصلابةٍ.
شخصيّتها:
كانت السيِّدة زينب عليها السلام عالِمةً زاهدةً محدَّثةً لبيبةً فصيحةً، تملك شخصيَّةً قويَّةً كشخصيَّة والدها عليٍّ عليه السلام، وكانت عابدةً طاهرةً مصونةً كأُمِّها فاطمة عليها السلام.
يقول يحيى المازني: كنتُ في جوار أمير المؤمنين عليه السلام في المدينة مدَّةً مديدة وبالقرب من البيت الذي تسكنه زينب ابنته، فلا والله ما رأيتُ لها شخصاً ولا سمعتُ لها صوتاً، وكانت إذا أرادت الخروج لزيارة جدِّها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تخرج ليلاً والحسن عليه السلام عن يمينها والحسين عليه السلام عن شمالها وأمير المؤمنين عليه السلام أمامَها، فإذا قربت من القبر الشريف سبقها أمير المؤمنين عليه السلام فأخمد ضوء القناديل، فسأله الحسن عليه السلام مرَّةً عن ذلك فقال: أخشى أن ينظر أحدٌ إلى شخص أُختك زينب عليها السلام(٢٩).
ولا عجب، فهي بنت عليٍّ وفاطمة عليهما السلام، قمَّة العفَّة ومنتهى الصَّون, برزت في المجتمع الإسلاميِّ في أنَّها شخصيَّةٌ علميَّةٌ وعباديَّةٌ. يقول الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام: (فتحتُ عيني ليلة الحادي عشر من المحرَّم، وإذا أنا أرى عمَّتي تُصلّي نافلة الليل وهي جالسة! فقلتُ لها: يا عمَّة، أتُصلّين وأنتِ جالسة؟ قالت: نعم يا ابن أخي، واللهِ إنَّ رجلي لا تحملني)(٣٠).
فكانت جَلدةً صلبةً شجاعةً، أرعبَت طواغيت بني أُميَّة في عقر قصورهم بخطاباتها الرنّانة وخُطَبها الدامغة على رؤوس قتلة الحسين عليه السلام، وقد جرى عليها ما جرى من مصائب أهلها. كان للسيِّدة زينب عليها السلام أثراً فعّالاً في مسيرة القضيَّة الإسلاميَّة بتثقيف الناس على ضرورة الاستمساك بحبل الله المتين، بعليٍّ وآله الطاهرين عليهم السلام، بجَزالة رأيها وحِكمة منطقها. تميَّزت السيِّدة زينب عليها السلام بصبرها الذي شقَّت به لجج الفتن والمآرب الباطلة، واضعةً هدفها الإسلاميّ وبُغيتها في تصحيح مسار الأُمَّة نصب عينيها، وتجريد الحقيقة عن ملوّثاتها الأُمويَّة.
والكلام عن شخصيَّة السيِّدة زينب عليها السلام لا تُدركه بعض الأسطر والعبارات، وإنَّما ذكرنا شيئاً مقتضَباً عنها، فسيرتها الشخصيَّة لا تقلُّ شأناً عن سيرة المعصومين العظماء.
ومن الجدير بالذكر أنَّ شخصيَّة السيِّدة زينب عليها السلام قائمةٌ بذاتها، وإن اقترنت بشخصيَّة المعصومين، وإنَّما ذكرُها في سيَرهم الشريفة تعكس مدى تأثيرها في المشهد العامّ وتفاعل المعصومين معها، فهي شريكةٌ لهم في كلِّ الأحداث التي واجهتهم، وكانت محورَ تحرّكاتهم ومعتمَدةَ أقوالهم وأسرارهم، مرجعَ رأيهم، ومصدرَ قوَّتهم، والناهضة بأعباء إمامتهم، والحافظة لعهودهم، والمؤنس لوحشتهم، والمدافع عنهم، ولسانهم الناطق بمظلوميَّتهم.
وتبقى شخصيَّة السيِّدة زينب عليها السلام شخصيَّةً فريدةً من نوعها، بمعطياتها التي شغلت أقلام الكُتّاب والمؤلِّفين لاستيعاب جوانب حياتها الثريَّة للباحثين عن حقائق الأُمور.
زواجها من عبد الله بن جعفر:
لا بدَّ للزواج من سيِّدةٍ بحجم زينب عليها السلام أن يكون الزوج كفؤاً لها دينيَّاً وأُسريَّاً واجتماعيَّاً وعلميَّاً، وهذه الصفات توفَّرت في شخص عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، الذي لازم عمَّه أمير المؤمنين عليه السلام في حياته وحروبه، وكان قريناً للحسنين عليهما السلام، وهو يملك من النبل والكرم والشجاعة ما يُؤهِّله لخطبة زينب عليها السلام.
وُلِدَ عبد الله بن جعفر من والدَين جليلين، فأبوه: جعفر الطيّار، وهو أغنى مِنْ أن يُعرَّف، وأُمُّه: أسماء بنت عُمَيس، السيِّدة الطاهرة الجليلة. وُلِدَ عبد الله وأخواه عون ومحمّد في الحبشة، إبان هجرة جعفر وأسماء إلى الحبشة فراراً من بطش الكفّار من مكّة وبأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان لهم المكانة الرفيعة عند النبيِّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم. عُرِفَ عبد الله بشمائله الهاشميَّة من الجود والشجاعة والحلم، وكان من أشدِّ المناصرين لمبدأ الولاية لأهل البيت عليهم السلام بلسانه وسيفه.
وكان ثمرة هذا الاقتران المبارك هما محمّد وعَون، اللذان استُشهِدا بين يدَي خالهما الإمام الحسين عليه السلام، وهو أقلّ ما يمكن أن يُقدِّمه عبد الله للإمام الحسين عليه السلام، بسبب عدم خروجه معه إلى كربلاء بسبب مرضه، قائلاً: إنْ لم تنصره يداي فقد نصره ولداي(٣١). قُتلا بمرأى ومسمع أُمّهما زينب عليها السلام جبل الصبر الذي لا يزول.
عاشت السيِّدة زينب في بيت عبد الله زاهدةً عابدةً، بالرغم من ثراء عبد الله إلَّا أنَّها عاشت حياة التقشّف والزهد، وكانت ملجأً للمحتاجين والفقراء، تقضي حوائجهم وتسدُّ عوزهم، فكانت المرفأ الهادئ والدافئ لهم على سيرة أبيها أمير المؤمنين عليه السلام، وكانت أُنموذج المرأة الصالحة والمطيعة والراعية لبيت زوجها، مع علم عبد الله بروحيَّة زينب وسموّ نفسها ومعرفتها وبعظم شأنها، فكان لها الزوج الحميم والوليّ الأمين.
الأخت وأخوها:
كانت العلاقة التي تربط السيِّدة زينب عليها السلام مع أخوَيها الحسنين عليهما السلام علاقةً استثنائيَّةً، هي فوق رابطة الأُخوَّة المحضة, تتعامل معهما بناءً على كونهما إمامين معصومين مفترضي الطاعة، فنظرة زينب لهما ليست كالآخَرين، هي الأُخت وهي الموالية، وبالمقابل فإنَّ الإمامين تعاملا معها بمنتهى الاحترام والقدسيَّة؛ إجلالاً لشأنها وتعظيماً لقدرها، بعد اطِّلاعهم على ما ستلاقيه معهما وبعدهما.
لم تزل زينب عليها السلام إلى جنب أخيها الحسن عليه السلام، تراقبه وتتابعه بشوقٍ ولهفةٍ، وهي تشاهد ملامحه المحمّديَّة وشمائله العلويَّة، تنظر إليه نظرة الأُخت الصغيرة التي ترى في أخيها الأكبر قدوتها وشريكها في فرحها وحزنها، يحنو عليها ويلاطفها، يجوبان أطراف البيت باللعب والضحك، فكان لها الأخ والصديق، وقد ملأ كيانها بالمحبَّة والعناية، فإن غاب أبوها قام الحسن مقامه، تشاطره كلَّ لحظات حياته بحلوها ومُرِّها، يجوعان ويشبعان سويَّة، فيغمرها بوافر رعايته الأخويَّة.
ولم تكن زينب عليها السلام بمنأى عن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بكثرة الابتلاء والخصوم الذين أضمروا لجدِّهما عداوته لينتقموا من ذرّيته شرّ انتقام. وبما أنَّ زينب وريثة أُمّها، فقد كانت السيِّدة الزهراء عليها السلام دائمة الحديث والوصيَّة لابنتها الصبورة أن تؤدّي أمانتها لأخويها لحظات فراقهم الأخيرة، فالبنت سرُّ أُمِّها.
واصلت زينب عليها السلام ملازمتها للإمام الحسن عليه السلام حتَّى بعد زواجها، فهو أمرٌ إلهيٌّ وتواصلٌ ربّانيٌّ لم ينطلق من منطلق العاطفة أو الانتماء الأُسريِّ فحسب، بل تكليفٌ أوجبه الله عليها، فبعد تولّي الإمام الحسن عليه السلام زِمام الأُمور لخلافة المسلمين، وتأليب معاوية عليه وخروجه عن البيعة.
بادر الإمام الحسن عليه السلام لجمع العُدَّة والعديد لحربه، مستكمِلاً ما بدأه عليٌّ عليه السلام، ولكنَّ كثرة الفتن وتلاعب الهوى بنفوس أنصاره وقياداته العسكريَّة أدّى إلى انهيار معسكر الإمام الحسن عليه السلام، وأصبح الوضع العامّ يُنذِر بفتنةٍ كبرى تأتي على الإسلام والمسلمين، مع وجود خطرٍ مُداهمٍ من قِبَل الروم وأطماعهم في الاستحواذ على البلاد الإسلاميَّة..
عدَّة ظروفٍ اجتمعت حول الإمام الحسن عليه السلام آلت إلى إيجاد مخرجٍ يحفظ دماء المسلمين، وخصوصاً شيعة عليِّ بن أبي طالب عليه السلام، فالمدُّ الأُمويّ بالمال والإشاعة الكاذبة أخذ مأخذه في شحن أجواء المجتمع الإسلاميّ بالفساد والخوف, وقد استشعر الإمام عليه السلام خطورة الموقف وحاول إيجاد السُّبُل لسحب البساط من تحت أقدام معاوية، الذي ظنَّ أنَّ معاهدة الصلح التي عرضها على الإمام الحسن عليه السلام وما تضمَّنته من بنودٍ وضعها الإمام بنفسه كفيلة بإنهاء الوجود العلوي، غافلاً عن أنَّ أهل البيت عليهم السلام بتسديدهم الربّانيّ على علمٍ ودرايةٍ بكلِّ ما يقومون به، لتتمَّ معاهدة الصلح ويخرج المسلمون من عُنق الزجاجة بفضل حِكمة الإمام الحسن عليه السلام وقيادته، ليواجه ردّ فعل جاهلٍ ومتعنِّت، يُنبئ عن هشاشة المواقف مِنْ قِبَل أنصار الإمام الحسن عليه السلام، غير مدركين كُنه وحقيقة الإمام المعصوم المنصَّب من قِبَل الله تعالى، والتسليم له باعتباره وليّ الأمر وواجب الطاعة.
لكنَّ حلومهم حلوم الأطفال وعقول ربّات الحِجال، لم تُنصِف الإمامَ ولم ترعَ حقَّه.. وفي كلِّ ذلك كان للسيِّدة زينب عليها السلام الأثر الميدانيّ والتعبويّ للدفاع عن موقف الإمام الحسن عليه السلام، مع علمها المسبق بما ستؤول إليه الأُمور، محاوِلةً توعية الناس لحقيقة الصلح ومعناه، مبيِّنةً بنوده وما تتضمَّنه من فضح السياسة الأُمويَّة، متولّيةً الجانب الإعلاميّ لردِّ الشبهات التي ألقاها أعراف الفتن للتشويش على الناس في حقائق الأُمور.
لكنَّ الحوراء عليها السلام عملت ضدَّ هذا التيّار الهمجيّ بتركيزِ أُسس الإسلام الصحيح الذي يُمثِّله الإمام الحسن عليه السلام سبط النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ووارث عليٍّ عليه السلام، ولكنَّ خفاء أثرها في التاريخ بسبب ارتباطها بالإمام الحسن عليه السلام وعدم تسليط الضوء عليها مع وجوده؛ فكلُّ ما كان يفعله الإمام كانت زينب بمعيَّته ومِنْ أسبابه وأحد أيدي الإمام التي كان يتحرَّك بها، فهي الشريكة الأساسيَّة مع أخيها الحسن عليه السلام في ترطيب الأجواء التي سادت عمليَّة الصلح.
وبما أنَّ المرأة نصف المجتمع الإنساني، فقد تولَّت زينب عليها السلام الجانب النسويّ في نهضتها الحسنيَّة، بل حتَّى على مستوى الرجال، فزينب بمكانها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليٍّ وفاطمة عليهما السلام احتلَّت مساحةً واسعةً في نفوس المسلمين، مع شهادتهم لها بالعلم وحُسن التدبير في شؤونهم الدينيَّة والاجتماعيَّة.
إنَّ السيِّدة زينب عليها السلام تُعَدُّ ركيزةً ودعامةً إسلاميَّةً، لها ثِقلها في مباني الثقافة الإسلاميَّة، مع كونها محدِّثةً عن جدِّها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام وأُمِّها فاطمة عليها السلام وراويةً لأخبارهم.
إلى أن يصل الإمام الحسن عليه السلام إلى الأجل المحتوم بوقيعة الغدر المشؤوم، فيُسقى السمَّ الزُّعاف، بأيدي المرَدةِ الأجلاف، فينالون مآربهم ويزدادون في غيِّهم، لِتُصاب زينب عليها السلام _ بعد مصاب أبيها وأُمِّها _ بأخيها الحسن عليه السلام وشقيقها الذي لازمَته في صِغره ونصرَته في محنته، مؤدّيةً الأمانة عن أُمِّها، حاضرةً عند توديعها لأخيها، فتدخل عليه في ساعاته الأخيرة صائحةً: (وا أخاه، وا حسناه، وا سنداه، وا لهفاه، وا قِلَّة ناصراه! يا أخي، مَنْ ألوذ به بعدك؟ وحزني عليك لا ينقطع طول عمري). وبكت على أخيها وهي تلثم خدَّيه وتتمرَّغ عليه وتبكي عليه طويلاً(٣٢), فتفجع الملأ الأعلى، وتنوح مع نوحها ملائكةُ السماء.
ها هو حَسَنكِ _ يا زينب _ قد لاقى المنون بمُهجةٍ داميةٍ وكبدٍ مقطَّع، وهو يدير عينيه بين أخيه الحسين عليه السلام وعينيكِ، ودموعه تُغرِق وجنتيه؛ لما ستلاقيان من هول كربلاء!
وبهذا تُكمِل السيِّدة زينب عليها السلام المرحلة الأُولى من قيامها المقدَّس في ظلِّ الإمام الحسن عليه السلام، منتظرةً إكمالها بصحبة الإمام الحسين عليه السلام؛ فالصلح الحسنيّ والنهضة الحسينيَّة هما فرعان لمحور الرسالة الإسلاميَّة المحمّديَّة، تُكمِل إحداهما الأُخرى باختلاف الظروف والمناسبات، إلَّا أنَّهما وجهان لعملةٍ واحدةٍ، ووظيفة زينب عليها السلام هي كونها حلقة الوصل بينهما، وتحوّل زينب من مرحلة الإعلام الساكن إلى الإعلام المتحرِّك بما تقتضيه الحالة، وطبيعة المورد لا يُخصِّص الوارد.
وحركيَّة زينب تختلف باختلاف مواردها؛ فهي تستجمع في داخلها كلَّ مكامن القوَّة الحيدريَّة في إسناد الحسن عليه السلام ومساندة الحسين عليه السلام في جولات البطولة والفداء والصبر.
إكمال المسيرة الحسينيّة:
ربَّما كانت أواصر الترابط بين الحسين عليه السلام وأُخته الحوراء زينب تنحى منحى آخَر، لكون المسافة الزمنيَّة بين عمريهما الشريفين أقلّ؛ ولأنَّ الموروث الإخباريّ الذي ربط زينب عليها السلام بالحسين عليه السلام أقوى؛ فالحسين عليه السلام في نهضته ترجم كلَّ البراهين والأدلَّة الإلهيَّة التي بُعِثَ بها النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم وقاتل عليها عليٌّ عليه السلام واستُشهِد من أجلها المجتبى عليه السلام، لتؤطِّر هذه النهضة جهودَهم بفتح آفاق الإسلام إلى أبعد حدوده.
ولكلِّ قيامٍ جانبان: عمليٌّ وتبليغيٌّ. قام الإمام الحسين عليه السلام بالجانب الأوَّل بإعلان وثيقة الإسلام والإنسان، برفض الباطل وإسقاط محاور الشرِّ التي دارت رحاها لطحن القيَم العُليا للإسلام ومآثر الأولياء، لكي تسطع شمس الحقيقة وتُحرق بأشعَّتها بؤر الفساد ومكامن الشيطان.
ولتبدأ السيِّدة زينب عليها السلام مسيرتها الجهاديَّة والبطوليَّة بعهدٍ معهودٍ ووعدٍ موعود، مُسفِرةً عن وجه الحقيقة، وقد تصاغر أمامها ملوك الضلال، تجري في عروقها دماءُ عليٍّ عليه السلام، وهي تهزُّ بخُطَبها _ التي توأمتْ خُطَب أبيها _ قصرَ الإمارة، مستثمرةً هذا التجحفل للكوفيّين للإعلان عن المبادئ الأُولى للنهضة الحسينيَّة، غير آبهةٍ بسلطانهم ولا خائفة بطشهم، بل إنَّها كانت مصدراً لرعبهم، وهي تعيش فاجعة فقد الإخوة والأبناء وإمامِ زمانها الحسين عليه السلام بقلبٍ كالحديد، عصفت ببيانها عبارات الحقد والتشفّي منهم، وما كان ردُّهم سوى التقريع برأس المولى أبي عبد الله عليه السلام، فما زادها ذلك إلَّا حماساً وحُجَّةً نسفت بها إسلامهم المزعوم، متحوِّلةً من الدفاع إلى الهجوم، لتقلب الرأي العامّ على ابن زياد بحنكتها وسياستها! وكذا تقوم زينب عليها السلام مقام المدافع والمحامي عن الإمام المعصوم بعد الحسين عليه السلام، والذي شاءت إرادة الله بقاءه لحفظ الإمامة فيه، وهو عليُّ بن الحسين عليه السلام، فيهمُّ ابنُ زياد بقتله لاستئصال شأفة آل البيت، ولكن حال بينه وبين قتل الإمام عليه السلام تقادير الله، ووقوف زينب حائلاً دون ذلك بصمودٍ وتحدٍّ.
ثمّ تبدأ رحلة الشام الطويلة بعقباتها الكؤود وخطواتها المغبرة بتراب القهر والهوان, لكنَّ عزيمة زينب المستمدَّة من جدِّها ووالدَيها وأخوَيها أفشلت كلَّ مخطَّطات كسْرِها وإذلالها، فتمدُّ عنقها بشمم وإباء لترتقي إلى رأس المولى أبي عبد الله عليه السلام، فتبصر عينيه، تراقب أيتامه بين يدَي زينب، وقد سجَّلت السيِّدة زينب في كلِّ مدينةٍ تمرُّ بها في سبيها موقفاً بطوليَّاً عجز جلاوزة الخليفة الأُمويّ عن ردعها، فثبَّتت في كلِّ ركنٍ من الأرض شاخصاً للقيام الحسيني.
حتَّى وصلت إلى الشام المشؤوم، وقد جرَّتها المقادير والدواهي للوقوف بين يدَي أراذل خلقه المتحكّمين بمصائر الأُمَّة بالحديد والنار، فتُضفي على مسرح التشفّي بهم معالم النهضة وأهدافها، فتُبلغ بها بأصالة الكلام وتمام الحجَّة البالغة، وتجعل من يزيد خشبةً مسندةً بفضح برنامجه التكفيريّ، ودقّ المسمار الأخير في نعش سلطان بني أُميَّة، مُخرِجةً الناس عن صمتها، ومُحرِّرةً نفوسهم من قيود العبوديَّة، ولترسم معالم وملامح ثورةٍ أزليَّةٍ أصبحت مصدراً لجميع أفكار التحرّر في العالم، ومنهجاً تعليميَّاً وتربويَّاً للإنسانيَّة برؤى هذه الثورة الدينيَّة، فتُنهي السيِّدة زينب مرحلة السبي، وتتجاوز آلامها ومصائبها التي أخذت من زينب مأخذاً عظيماً، محوِّلةً البوصلة في مسيرتها التعبويَّة إلى مدينة جدِّها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مؤسِّسةً مدرسةً جديدةً للوعي الإسلاميِّ، مُنطلِقةً من دروس الطفِّ التي ظلَّ يلهج بها الدهر على طول مدياته.
واللافِت للنظر أنَّ حركة السيِّدة زينب الثوريَّة كانت بحضور الإمام المعصوم عليّ بن الحسين عليه السلام، الذي كانت له الولاية عليها، لكنَّه كان يعلم بالدور الزينبيِّ في هذه المرحلة، ففوَّضَ إليها إدارة هذه الثورة، مُقِرَّاً لها بكلِّ ما تفعل، قائلاً لها: (يا عمَّة... أنتِ بحمد الله عالمةٌ غير معلَّمة، فَهِمةٌ غير مفهَّمة)(٣٣)، فيُبرِز شخصيَّةَ عمَّته زينب العمليَّة والسياسيَّة والجهاديَّة, مضيفاً: (فتحتُ عيني ليلة الحادي عشر من المحرَّم، وإذا أنا أرى عمَّتي تُصلّي نافلة الليل وهي جالسة! فقلتُ لها: يا عمَّة، أتُصلّين وأنتِ جالسة؟ قالت: نعم يا ابن أخي، واللهِ إنَّ رجلي لا تحملني)(٣٤)، مُبيِّناً جانباً آخر، وهو الجانب العباديّ لها، مُشيراً إلى أهمّية وضعها المعنويّ في الرسالة الإسلاميَّة الذي لا يقلُّ أهمَّيةً عن أثر باقي المعصومين.. وقد كانت زينب في المدينة تؤلِّب الناس على القيام على الأخذ بثأر الحسين عليه السلام(٣٥).
 
إذن، فتسيير الأُمور بهذه الطريقة يحتاج إلى كفاءةٍ عاليةٍ لا تتوفَّر إلَّا عند السيِّدة زينب عليها السلام، مع وجود محاولات استغلال دم الإمام الحسين عليه السلام لمآرب شخصيَّةٍ وطموحات غير مشروعة، مثل ابن الزبير وعمرو بن سعيد.
 وفاتها:
 بعد إكمال مشروعها الإلهيّ وتقديمها التضحيات العِظام ومكابدتها شتّى أنواع الظلم والتضييق، وبسبب معارضتها السياسةَ الأُمويَّة وتأليب المجتمع الإسلاميّ عليهم والمطالبة بالأخذ بثأر الحسين عليه السلام، لا الثأر العشائري، بل الثأر للحقِّ والعدل ضدّ الظلم والجَور، فما قيام الحسين عليه السلام لطلب مُلكٍ أو خلافة، بل لإرجاع الناس إلى الإسلام المحمّديّ الأصيل، وهذا ما كانت تسعى إليه زينب عليها السلام في حركتها التبليغيَّة التي أثارت ثائرة حاكم المدينة عمرو بن سعيد، فكتب إلى يزيد بخطر وجودها في المدينة، داعياً إيّاه إلى استدعائها إلى الشام، ولكنَّ يزيد عليه اللعنة كان يتخبَّط في مساعيه إلى تثبيت مُلكه العقيم بإباحته المدينة وضرب الكعبة المقدَّسة بالمنجنيق.
 أمَّا سبب سفر السيِّدة زينب عليها السلام إلى دمشق مع زوجها عبد الله بن جعفر فمُختلَفٌ فيه؛ فإمَّا أن يكون بسبب مرض عبد الله بن جعفر زوجها وسفره إلى الشام، لما كان يملكه من ضياعٍ وبساتين هناك، فيذهب لأجل النقاهة من مرضه؛ أو لأنَّ تضييق الخِناق السياسيّ عليهم جعلهم يلتجؤون للسفر إلى الشام لفكِّ الحصار عليهم.
 وبالنتيجة فإنَّ سفر السيِّدة زينب عليها السلام قد وقع إلى الشام على كراهةٍ منها؛ للذكريات الحزينة التي تحملها من سبيها والتنكيل بها، ولكنَّ المقادير الإلهيَّة شاءت أن تكون الشام التي هي مَعقِل الأُمويّين مكانَ وفاتها ودفنها عام (٦٢هـ)، لتكون شاخِصاً متحدّياً لقوى الإرهاب الأُموي، وشاهداً لمظلوميَّة أهل البيت عليهم السلام، يقضُّ مضاجعهم ويدكُّ حصونهم، ولتكون زينب عليها السلام رمزاً ثوريَّاً لأحرار العالم في كلِّ زمانٍ وفي كلِّ مكانٍ.
 وقد اختلفت الروايات والآراء في مكان دفن السيِّدة زينب عليها السلام بين أن يكون في الشام أو في مصر، بسبب وقوع التلابس بينها وبين شخصيّاتٍ أُخرى بنفس الاسم: زينب الصغرى بنت أمير المؤمنين، وزينب بنت عليّ أُخت الحسين صاحب وقعة (فخّ).. ولكن اشتهر بين العلماء أنَّ قبرها في الشام.
 وكذلك وقع الخلاف في سنة ميلادها ووفاتها، هل كانت ولادتها في السنة الخامسة للهجرة أو السنة السادسة للهجرة؟ والصحيح أنَّها في السنة الخامسة بحساب مواليد الحسنين عليهما السلام وشهادة الزهراء عليها السلام، وكذلك وقع الاختلاف في سنة وفاتها بين السنة (٦٢هـ) والسنة (٦٥هـ)، والأوفق هو السنة (٦٢هـ)، وهو ما اشتهر عند أرباب التاريخ والسيَر.
 ولكنَّ السيِّدة زينب بنت أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء عليهما السلام وحفيدة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تبقى _ في عقيدتنا _ الجبلَ الأشمّ والصرح العالي، وقمَّةً من قمم الإنسانيَّة التي علَّمتنا معاني الإخلاص والوفاء والصبر والتحدّي والشجاعة والانتصار لمبادئ الحريَّة والعدالة الإنسانيَّة، باعثةً في أنفُسنا الإباء ونصرة الدين والتضحية بالغالي والنفيس لإعلاء كلمة الله الحقِّ، مُناجِزةً الكفر والضلال والانحراف بشفّافية روحها وقوَّة إرادتها.
 فعليكِ سلام الله أيَّتها الطاهرة، يا ثاني سيِّداتِ النساء بعد أُمِّكِ الزهراء عليها السلام، يا مظهر عليٍّ أمير المؤمنين عليه السلام، وعضد الحسن المجتبى عليه السلام في مصائبه ومحنه، وسنده في الملمّات والمهمّات، وصانعة النصر لصلحه الذي حقن به دماء شيعته وحفظ به بيضة الإسلام، فكنتِ الشريك المخلص والمستشار الأمين على مصلحة المسلمين، رتقتِ فتقاً وقوَّمتِ مائلاً، فكان مقدَّمةً للنهضة الحسينيَّة التي أكملت بها حُجَّة الحسنين عليهما السلام، فكنتِ رونق الإمامة وكتابها المنمَّق.
 هند بنت أبي أميّة (أمّ سَلَمة)
 لم تَجُدْ مدَّة نزول الرسالة المحمّديَّة بكثيرٍ من الشخصيّات التي آمنَت إيماناً كاملاً وتسليماً تامَّاً بصاحب الرسالة، منتقلةً من عالم الجهل والخرافة إلى عالم العلم والنور، وبشكلٍ دفعيٍّ لا تدريجيٍّ، لتسبق أقرانها ممَّن دخلوا الإسلام، لتقطع أشواطاً كبيرةً وبصورةٍ متسارعةٍ، بغية الحصول على أكبر قدر من المعرفة التوحيديَّة والسُّنَّة النبويَّة، لتظفر بالأصل الثالث بكلِّ يقينٍ واطمئنانٍ، بل لتكون حلقة وصل في سلسلتها وموضع ثقةٍ للمعصوم، تأخذ منهم وتُبلِّغ عنهم، فتكون حُجَّةً دامغةً ودليلاً تامَّاً..
 ومِنْ هذه الشخصيّات الفريدة هي السيِّدة هند بنت أبي أُميَّة المخزوميَّة، والتي عُرِفَت بكنيتها: (أُمّ سَلَمة).
 نسبها:
 هي بنت أبي أُميَّة، وأبوها: حُذَيفة بن المُغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وأُمُّها: عاتكة بنت عامر بن ربيعة أحد بني غنم بن مالك بن كِنانة(٣٦), فهي من بيتٍ عربيٍّ عريق ذي عِزَّة ومَنَعة، له مكانته الاجتماعية وصيته القبليّ.
 تزوَّجها أبو سَلَمة، واسمه: عبد الله بن عبد الأسد بن هلال، وكان من خيار الصحابة ومن المسلمين الأوائل، هاجر وزوجته أُمّ سَلَمة إلى أرض الحبشة في الهجرتين جميعاً، فولدت له في الهجرة زينب وسَلَمة وعمر ودرَّة(٣٧), وكان أبو سَلَمة ابنَ عمَّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورضيعه، وأُمُّه برة بنت عبد المطَّلب, شهد بدراً وأُحُداً، وأُصيب فيها بجراحاتٍ فمات، فكبَّر عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسع تكبيرات(٣٨)، إظهاراً لحقِّه وتعريفاً بشأنه.
 زواجها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
 بعد رحيل أبي سَلَمة، وتكريماً لها وإجلالاً لقدرها، تزوَّجها النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم، وهي ثالث زوجاته بعد السيِّدة خديجة وزينب بنت جحش, حفظاً لصونها ومعرفةً بقدرها، وهي من زوجات النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم المؤمنات المخلِصات، اللواتي وفَين له إلى آخر حياتها، مؤمنةً بأوصيائه، بل كانت من خواصّهم.
 ومِنْ أدبها وجمال روحها أنَّها قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما خطبها: إنَّ فيَّ خِلالٌ ثلاث: أمَّا أنا فكبيرة السنِّ، وأنا امرأةٌ مُعيل، وأنا امرأةٌ شديدة الغَيرة. فقال لها النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا أكبرُ منكِ، وأمَّا العيال فإلى الله، وأمَّا الغَيرة فأدعو الله فيُذهِبها عنكِ). فتزوَّجَها، فلمَّا دخل عليها قال: (إن شئتِ سبعتُ لكِ، وإن سبعتُ لكِ سبعت لنسائي)، فرضيَت بالثلاث(٣٩).
 وكانت مُكرَّمةً عند النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم عزيزة، لعلمه بمكنونها وسلامة دينها، ولم تُخيِّب أُمُّ سَلَمة ظنَّ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم فيها، فكانت أُنموذج الزوجة الصالحة والمرأة الفاضلة، وكانت كالمرآة تعكس كلَّ ما يُحِبُّ ويرضى، مؤمِّناً لها على عقيدتها وسلوكها المحمّديّ الناصح, وكان زواجه منها سنة أربعة للهجرة.
 روايتها للحديث وتوثيقها:
 وبحكم ملازمتها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زمناً طويلاً، ولقربها للأحداث، أصبحَت من راويات الحديث، فقد نُقِلَ عنها ثلاثمئةٍ وثمان وسبعون(٤٠) حديثاً ومِنْ كلا الفريقين، وهي تُعَدُّ منقبةً لها تميَّزت بها عن سائر زوجات النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، وفضيلةً لها.
 ومِنْ أهمِّ الأحاديث التي روتها أُمُّ سَلَمة حديث: (مَنْ كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه)، وحديث الثقلين، وحديث آية التطهير.
 فهي ثقةٌ في الحديث، وثَّقها البرقي في (رجاله) والطوسي(٤١) وابن سعد في (طبقاته)(٤٢), روى عنها كثير من المحدِّثين، منهم: ابن عبّاس، وابنها عمر، وزينب، ونافع مولاها.
 أُمّ سَلَمة تشهد الوصيّة لأمير المؤمنين عليه السلام:
 كان بيت أُمِّ سَلَمة المبارك مأوى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنَّ أُمَّ سَلَمة كانت أرفق نسائه به وألطفهنَّ إليه وأحبَّهنَّ منه، ولكن لعدالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جعل لها يوماً من تسع. وفي أحد أيّامها شهدَت أمراً عظيماً سيضع الأُمور في مواضعها التي أرادها الله تعالى، وهي قضيَّة الخلافة الإلهيَّة التي بها يتمُّ الدين..
 ففي روايةٍ عن أُمِّ سَلَمة تحاول فيها إرشاد مولى لها أشرف على رعايتها وتربيتها، وكان لها بمثابة والدها، كان لا يُصلّي صلاةً إلَّا ويسبُّ عليَّاً عليه السلام ويشتمه، فقالت له: سأُحدِّثك بسرِّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فاجلسْ حتَّى أُحدِّثك عن عليٍّ عليه السلام وما رأيتُه: قد أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان يومي، فدخل النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم وهو مخلِّلٌ أصابعه في أصابع عليٍّ عليه السلام، واضعاً يده عليه, فقال: (يا أُمَّ سَلَمة، أُخْرُجي من البيت وأخليه لنا!), فخرجت, وأقبلا يتناجيان، وأسمعُ الكلام ولا أدري ما يقولان, حتَّى إذا أنا قلت: قد انتصف النهار! أقبلت، فقلت: السلام عليكم, ألِج؟ قال النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: (فلا تلجي), فرجعتُ فجلستُ مكاني, حتَّى إذا أنا قلت: قد زالت الشمس، الآن يخرج إلى الصلاة، فيذهب يومي! ولم أرَ قطّ أطول منه, أقبلتُ أمشي حتَّى وقفتُ على الباب، فقلت: السلام عليكم، ألِج؟ فقال النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: (نعم، فلجي), فدخلت، وعليٌّ واضعٌ يده على ركبتَي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قد أدنى فاه من أُذُن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، وفم النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم على أُذُن عليٍّ، يتسارّان, وعليٌّ يقول: (أفأمضي وأفعل؟)، والنبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (نعم). فدخلتُ وعليٌّ مُعرِضٌ وجهه حتَّى دخلتُ، وخرج، فأخذني النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم في حجره فالتزمني، فأصاب منّي ما يصيب الرجل من أهله من اللطف والاعتذار، ثمّ قال لي: (يا أُمَّ سَلَمة, لا تلوميني؛ فإنَّ جبرائيل أتاني من الله تعالى بأمرٍ أن أُوصي به عليَّاً من بعدي، وكنتُ بين جبرائيل وعليّ، وجبرئيل عن يميني وعليٌّ عن شمالي, فأمرني جبرئيل أن آمر عليَّاً بما هو كائنٌ بعدي إلى يوم القيامة, فاعذريني ولا تلوميني. إنَّ الله اختار مِنْ كلِّ أُمَّةٍ نبيَّاً، واختار لكلِّ نبيٍّ وصيَّاً, فأنا نبيُّ هذه الأُمَّة، وعليٌّ وصيّي في عترتي وأهل بيتي وأُمَّتي مِنْ بعدي)(٤٣).
 بقيَت هذه الكلمات ترنُّ في ذاكرة أُمِّ سَلَمة، مُدركةً أهمّية الموقف، لتبني بنيانها الصلب على أساس الولاية العلويَّة، والذي كان لها الشرف بأن يحتضن بيتها النبويّ تنصيب الخليفة الذي استبقَت يد الأحداث الجائرة رفعها عنه, ولكنَّ أُمَّ سَلَمة ما أن سمعت بولاية عليٍّ عليه السلام من فم النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم حتَّى شدَّت حيازيمها للدفاع عن المبدأ الإلهيّ والإرث النبوي، لئلَّا يندثر الإسلام بدفع أهله عنه، مُبادِرةً إلى التصميم بفرض ما يوجبه الله والعقل لتعدل كفَّة الميزان، فاستطردت بذكر كلّ ما سمعَت من النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم في حقِّ أمير المؤمنين عليه السلام.
 عن أُمِّ سَلَمة قالت: كان عليٌّ على الحقِّ، مَنْ اتَّبعه اتَّبع الحقَّ، ومَنْ تركه ترك الحقَّ, عهدٌ معهودٌ قبل يومه هذا(٤٤).
 وعن ابن مردَوَيه، عن أبي ذرّ الغِفاري، عن أُمِّ سَلَمة قالت: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (إنَّ عليَّاً مع الحقِّ والحقُّ مع عليٍّ، لن يزولا حتَّى يَرِدا علَيَّ الحوض)(٤٥).
 ولم تكتفِ أُمُّ سَلَمة بنصرتها أمير المؤمنين عليه السلام بلسانها، بل قدَّمت ولديها محمّداً وسَلَمة ليقاتلا بين يديه، قائلة: هما عليك صدقة، فلو يصلح لي الخروج لَخرجتُ معك(٤٦).
 وقفَت بوجه رياح الفتن، متصدّيةً لعتوّها، تلملم أطرافها وترتق فتقها، مضمِّدةً جرح الإسلام الذي أُصيب من يوم السقيفة، مذكِّرةً ومُحذِّرةً عائشة يوم دعتها إلى الخروج للبصرة في حرب الجمل، حتَّى اضطرَّتها للعدول عن الخروج لولا رأس النفاق ابن الزبير الذي قلبها عن رأيها(٤٧)..
 فهذه أُمُّ سَلَمة زوج النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وأُمُّ المؤمنين، تُثبِت ولاية عليٍّ عليه السلام وبنيه بالقول والفعل والموقف، لم ترضخ تحت أيّ ضغوطٍ من جبابرة عصرها لتغيير مسارها العقديّ، مُجنِّدةً كلَّ طاقتها الفكريَّة والفعليَّة لحفظ حقّ فاطمة وأبنائها، مُجليةً الغُبرة عن وجه الحسنَين عليهما السلام، اللذَين طالما رأت رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم يحتضنهما ويضمّهما إلى صدره الدافئ، فتشعر ببرد الإيمان بهما، تستصغر شأن الدنيا التي ربضت لتدكّ حصون عليائهما دون جدوى، فتصبح الأمين على كتبهم ومواريثهم بصلاحيةٍ مِنْ زوجها الحبيب جدّهما الذي ارتضى لهما راعيةً جليلةً طاهرةً بطهر النبوَّة والولاية.
 فاسلمي _ يا أُمَّ سَلَمة _ وأنتِ تزخرين بما حولكِ من أنفُسٍ زكيَّة، جلَّلَتكِ جلابيبَ العزِّ والفخار!
 عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنَّه قال: (إنَّ الكتب كانت عند عليٍّ عليه السلام، فلمَّا سار إلى العراق استودع الكتبَ أُمَّ سَلَمة، فلمَّا مضى عليٌّ عليه السلام كانت عند الحسن عليه السلام، فلمَّا مضى الحسن عليه السلام كانت عند الحسين عليه السلام...)(٤٨).
 وعن حِمران، عن أبي جعفرٍ الباقر عليه السلام، قال: سألتُه عمَّا يتحدَّث الناس أنَّه دُفِعَت إلى أُمِّ سَلَمة صحيفةٌ مختومةٌ، فقال: (إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمَّا قُبِضَ ورث عليٌّ عليه السلام علمَه وسلاحه وما هناك، ثمّ صار إلى الحسن، ثمّ صار إلى الحسين عليه السلام، فلمَّا خشينا أن نُغشى استودعها أُمّ سَلَمة، ثمّ قبضها بعد ذلك عليّ بن الحسين عليه السلام)(٤٩).
 لقد صدقتِ ما عاهدتِ الله عليه أيَّتها الأمينة، فأنتِ الحافظة لسرِّهم والعازمة على أمرهم بحكمةٍ ودرايةٍ، فأصبحتِ منزل عليٍّ والحسن والحسين عليهم السلام، ضامرةً بركان الغضب في صدركِ العميق بعُمق إيمانكِ على الذين خالفوا ولاتهم وآلفوا هواهم..
 بل إنَّ أُمَّ سَلَمة كانت ملاذاً لشيعة عليٍّ عليه السلام، فهذا عمّار بن ياسر بعد ضربه وإدمائه من قِبَل عثمان يلتجئ إلى بيت أُمّ سَلَمة، لعلمه بمنزلتها وكرامتها، وأنَّها من المتفّقهات بالدين والحديث، وكذا جابر الأنصاريّ الذي هُدِّد بالقتل إنْ لم يبايع معاوية، فجاء بيت أُمّ سَلَمة يستفتيها قائلاً: إنّي أخاف أن أُقتَل، وهذه بيعة ضلال! فقالت له أُمُّ سَلَمة: إذن بايِع؛ فإنَّ التقيَّة حملَت أصحاب الكهف على أن كانوا يلبسون الصلبان ويحضرون للأعياد مع قومهم(٥٠).
 نستوحي من مضمون هذا الخبر أنَّ أُمَّ سَلَمة كانت لها درايةٌ وعلمٌ بالفقه ومسالكه، واستخدام التقيَّة التي هي من أهمِّ مناهج الإماميَّة في مواجهة التطرّف الأعمى من قِبَل الآخَر, فهي محدِّثةٌ فقيهةٌ عالمةٌ صالحةٌ مواليةٌ، ثقةُ النبيِّ وآله، من أتباع نهج الصواب ومذهب الألباب، سكَنُ الرسول ومسكن فاطمة البتول، أمينة المعصومين وملجأ شيعتهم المظلومين.
 آية التطهير وحديث الكساء:
 لعلَّ من أهمِّ الأحداث التي عاشتها السيِّدة أُمّ سَلَمة في حياتها مع النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام، هو نزول آية التطهير في بيتها، الذي روت فيه حديث الكساء عن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، والذي استَشهد به الإمامُ الحسن المجتبى عليه السلام في خطبته في وثيقة الصلح مع معاوية، نقلاً عن الإمام الصادق عليه السلام، عن أبيه الإمام الباقر عليه السلام، عن أبيه الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام، إذ قال الإمام الحسن عليه السلام في خطبةٍ طويلةٍ بيَّن فيها وذكَّر الناس مكانة أهل البيت عليهم السلام ومنزلتهم بسرد الآيات والأحاديث التي نزلَت فيهم، ومنها آية التطهير التي نزلت في بيت أُمِّ سَلَمة، وهو البيت الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمن جانبه, يختصُّ وجوده في يوم أُمِّ سَلَمة بالتبليغ عن الله تعالى.
 وهو شهادةٌ لها من النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم بحفظها لسرِّهم وحفاظها عليه، حيث يقول الإمام الحسن عليه السلام: (وقد قال الله تعالى: (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(٥١)، فلمَّا نزلَت آية التطهير جمعَنا رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم أنا وأخي وأُمّي وأبي، فجلَّلَنا ونفسَه في كساءٍ لأُمِّ سَلَمة خيبري, وذلك في حُجرتها وفي يومها، فقال: اللّهمّ هؤلاء أهلُ بيتي، وهؤلاء أهلي وعترتي، فأذهِبْ عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيراً. فقالت أُمُّ سَلَمة: أدخل معهم يا رسول الله؟ فقال لها صلى الله عليه وآله وسلم: يرحمُكِ الله، أنتِ على خيرٍ وإلى خير، وما أرضاني عنكِ، ولكنَّها خاصَّةٌ لي ولهم)(٥٢).
 إنَّ ذِكر الإمام الحسن عليه السلام لآية التطهير ونزولها في بيت أُمِّ سَلَمة واجتماعهم عندها، يقطع بعظم علاقته وأخيه وأُمِّه وأبيه بهذه المرأة الطاهرة وتزكيتهم لها، وقد قضى عندها الحسنان عليهما السلام أيّاماً كثيرةً يقضيان أوقاتاً طويلةً في بيتها الصغير، لينشآ على حبِّها ومودَّتها، وتكون شاهدةً على جرائم القوم بحقِّهما.
 هذا الحسن _ يا أُمَّ سَلَمة _ يقف موقف الحزين المُبتلى، قد استنجد بكسائك اليمانيِّ، ليُنبِّه الناس من غفلتهم بلا أُذُنٍ صاغية، فأين أنتِ عنه؟ هذا طفلكِ الذي طاف أركان بيتكِ مع أخيه الحسين، قد تولَّته أشباه الرجال، يسومونه القهر والتنكيل، ليرمقك من بعيدٍ بنظرة الألم، باعثاً برسالته إلى جدِّه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بيدكِ الأمينة التي فارقها طويلاً بفراق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لتفيض عليه بحنانكِ المعهود.
 إنَّ حديث الكساء الذي ترويه أُمُّ سَلَمة عن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم فيه من دلائل الإمامة ما لا يقبل الشكَّ ولا يغاير اليقين، ويدلُّ على قرب المسافة بين أُمِّ سَلَمة وآل النبيِّ، وما طلبها من النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم بدخولها معهم إلَّا إثباتٌ بأنَّ أصحاب الكساء لا يشمل غير الخمسة: فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها وأمَّا أزواجه _ والتي هي منهم _ فلا تشملهنَّ الآية، فهي حركةٌ ذكيَّةٌ وفطنةٌ منها لنفي الشبهة التي حاول بعض المفسِّرين وساسة الدين إلصاقها بهذه الآية مِنْ أنَّ الأهل تشمل الأزواج، فطلب أُمِّ سَلَمة ورفض النبيِّ لَهو دليلٌ قاطعٌ وصريحٌ بأنَّ الآية خاصَّة بهم، مع مكانة أُمِّ سَلَمة منهم وقربها إليهم، إلَّا أنَّه أمرٌ إلهيٌّ ليس لأحدٍ دخلٌ فيه، وطمأنةُ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم لأُمِّ سَلَمة بأنَّها على خيرٍ وإلى خير هو شارةٌ لها بسلامة دينها في الدنيا ومآلها إلى الجنَّة وجوارهم في الآخرة.
 ما أروع ما جنيتِ، وما ألطف ما لقيتِ، كنتِ قاب قوسين أو أدنى مِنْ محور الملكوت، مزهوَّةً ببيعكِ الذي بايعتِ، زوج النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وفدائيَّة الوصيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وأنيسة الزهراء عليها السلام وأمينة الحسنين عليهما السلام، جمعتِ السؤدد والبهاء بين كفَّيكِ، وأنتِ تحضنين الريحانتين تشمّينهما، فتمتلئ روحكِ ريحاناً وبهجةً بغبطةٍ ونشوةٍ.. وفي الوقت ذاته تحفر دموعُ أُمِّ سَلَمة آماقها لِما سيلقيان من مصائب! تقول أُمُّ سَلَمة: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يومٍ ودخل في أثره الحسن والحسين عليهما السلام وجلسا إلى جانبَيه، فأخذ الحسن على ركبته اليمنى والحسين على ركبته اليسرى، وجعل يُقبِّل هذا تارةً وهذا أُخرى، وإذا بجبرئيل قد نزل وقال: يا رسول الله، إنَّك لَتحبّ الحسن والحسين! فقال: (وكيف لا أُحِبُّهما وهما ريحانتاي من الدنيا وقُرَّتا عيني؟!), فقال جبرائيل: يا نبيَّ الله، إنَّ الله قد حكم عليهما بأمرٍ فاصبِرْ له. فقال: (وما هو يا أخي؟)، فقال: قد حكم على هذا الحسن أن يموت مسموماً، وعلى هذا الحسين أن يموت مذبوحاً(٥٣)؛ ليُفرى كبدُ أُمِّ سَلَمة بسُمِّ كبد الحسن عليه السلام، ولتذوبَ لوعةً وأسىً على سبط الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، يتقلَّب في فراشه من ألم الغدر والخيانة، وأُمُّ سَلَمة تُقلِّب ناظرها لتُشبِع عينيها وقلبَها المفجوع به مِنْ وجهه الذي اعتادت النظر إليه والتبرّك به، ليقضي الإمامُ الحسن عليه السلام بين يديها، فتتصدَّع لفقده بعد فقد أحبَّتها: جدّه وأبيه وأُمّه..
 وتتأمَّل وجه الحسين عليه السلام، منتظرةً رزيَّته، فالوعد الأوَّل قد أُنجِز، وبقيَ النحر المذبوح، وفي قارورتها تربته التي ستتحوَّل دماً عبيطاً بسفك دمه الطاهر، فتسير الأيّام مستبقة الزمن، فيُقرِّر الحسين عليه السلام الخروج إلى العراق، وتحاول أُمُّ سَلَمة منعه، لكن دون جدوى، فحُكم الله لا يُغيَّر، لتنزوي أُمُّ سَلَمة في زاوية بيتها، تُسامِر قارورتها وتُناجي حبيبها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بأنَّ الحسين قد حان أجلُه، وزينب عليها السلام قد استعدَّت لمسيرتها جاهشةً بالبكاء، فيرجع صدى صوتها من جدران دارها الميمون بأنَّ لقاءك بالأحبَّة قريب، وأمانتك من مواريث الأئمَّة والإمامة في حصنكِ المنيع، بانتظار إيصالها إلى الإمام المفترَض الطاعة، فتكونين قد أوصلتِ الأمانة إلى أهلها، وأشرتِ _ يا أُمَّ المؤمنين _ إلى إمام زمانكِ بالدليل والبرهان، ولتندبي بصوتكِ المبحوح حزناً مواسيةً فاطمة عليها السلام!
 وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أعطى أُمَّ سَلَمة قارورةً فيها تربة من كربلاء، وقال لها: (يا أُمَّ سَلَمة، خُذي هذه التربة إليكِ، وتعاهديها بعد وفاتي، فإذا رأيتِها قد تغيَّرت واحمرَّت وصارت دماً عبيطاً فاعلمي أنَّ ولدي الحسين عليه السلام قد قُتِلَ بطفِّ كربلاء)(٥٤). فلمَّا رأت أُمُّ سَلَمة يوم مقتل الحسين عليه السلام _ وكانت هي في المدينة _ أنَّ القارورة امتلأت دماً، بكت بكاءً شديداً، وأخذت من هذا الدم ولطَّخت به وجهها.
 وكان عدم خروجها مع الحسين عليه السلام إلى كربلاء وبقاؤها في المدينة لحفاظها على كتب الإمامة وتسليمها إلى عليِّ بن الحسين عليه السلام، حيث قال لها الحسين عليه السلام: (إذا أتاكِ أكبر وُلدي فادفعي إليه ما دفعتُ إليكِ). فلمَّا قُتِلَ الحسين عليه السلام أتى عليُّ بن الحسين أُمَّ سَلَمة فدفعَت إليه كلَّ شيءٍ أعطاها الحسين عليه السلام(٥٥).
 وفاتها:
 ولم تعش أُمُّ سَلَمة كثيراً بعد مقتل الحسين عليه السلام، فقد كان سبباً في حزنها الشديد عليه، فبعد الحسن والحسين أصبحت أُمُّ سَلَمة في بيتها باكيةً نادبةً على مصائبهم ومحنهم، بعد حياةٍ قضتها في خدمتهم والصدِّ عنهم، وهي زوج النبيِّ والحُجَّة على قومها، مُلزِمةً إيّاهم بما ألزموا به أنفسهم.
 تُوفّيَت السيِّدة أُمُّ سَلَمة سنة (٦١هـ)، ولها من العمر أربعة وثمانون عاماً، قضتها في خدمة قضيَّتها بكلِّ حرصٍ وأمانة.
 أسماء بنت عُمَيس
 وهي السيِّدة أسماء بنت عُمَيس بن مغنم بن تَيم بن مالك بن قحافة بن تمام بن ربيعة بن خثعم بن أنمار بن معد بن عدنان(٥٦)، مِنْ أعرق بيوت العرب وأرسخها أصالةً ورفعةً.
 أُمُّها: خَولة بنت عوف بن زُهَير بن الحارث بن حماطة بن جرش، وهي من سيِّدات بيت النبوَّة.
 سيرة السيّدة أسماء:
 اقترنت أسماء بنت عُمَيس في أوَّل زيجةٍ لها بجعفر بن أبي طالب، من سادات بني هاشم، وبعد استشهاده في واقعة مؤتة تزوَّجها أبو بكر، وبعد مماته تزوَّجها أمير المؤمنين عليه السلام.
 أنجبَت من جعفر: عبد الله ومحمّداً وعَوناً، وأنجبت من أبي بكر: محمَّداً ربيب الإمامة، وأنجبت من أمير المؤمنين: يحيى وعَوناً.
 ويشهد أُنموذج زيجاتها أنَّها مِنْ سيِّدات النساء، وما اختيار جعفر وعليِّ ابني أبي طالب لها إلَّا برهان على مكانتها الدينيَّة والاجتماعية الرفيعة, عاكسةً نجابتها وصونها على إنشاء وتربية أولادٍ أفذاذ، كان لهم مواقفهم التاريخيَّة في الولاء وحفظ بيضة الإسلام، فمحمّد بن أبي بكر تُوفّي أبوه وهو ابن ثلاث سنين، لينتقل إلى حِجر عليِّ بن أبي طالب عليه السلام، فيزقّه العلم والمعرفة والولاء زقَّاً، فكان له مكانة كبيرة في قلب الإمام، أمَّا أبناء جعفر (عبد الله وعَون ومحمّد) فهم خيرة مَنْ نصر الحسين عليه السلام في كربلاء، ويحيى وعَون اللذان خرجا من صُلب أمير المؤمنين عليه السلام وتربّيا في حِجر أسماء هما ابنَا الإمامة والولاء.
 توثيقها:
 في (رجال الطوسي)، ممَّن روى عن أمير المؤمنين عليه السلام، وهي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهي ثقة، روت عن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام وفاطمة الزهراء عليها السلام، فهي من رواة القرن الأوَّل الهجري، أُسند إليها كثير من الروايات التي وقعت في طريقها, وروى عنها الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام والإمام الباقر عليه السلام والإمام الرضا عليه السلام، فوثاقتها أبين من أن يُناقَش فيها.
 مكانتها:
 أسلمَت أسماء قبل دخول النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم دار الأرقم، فهي من أوائل المسلمات الداخلات للإسلام.
 هاجرت إلى الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب، حتَّى أنَّ عمر عندما دخل عليها قال لحفصة: مَنْ هذه؟ فقالت: هذه أسماء بنت عُمَيس. فقال: يا حبشيَّة، سبقناكم بالهجرة، فنحن أحقُّ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منكم! فغضبَت أسماء وشكت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قول عمر فيها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ليس بأحقّ بي منكم، وله ولأصحابه هجرةٌ واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان)(٥٧). أي: إلى الحبشة، ومن الحبشة إلى المدينة.
 فلها سابقة الإسلام والهجرة والصحبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وشاركت في حروب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وغزواته، وكانت تُحرِز السقاء وتُداوي الجرحى وتكحل العين(٥٨).
 لها حظٌّ من الصحبة والقربة للنبيِّ وآله، صحبت النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت زوجةً لأمير المؤمنين عليه السلام، وكانت أُمَّاً حنوناً للزهراء عليها السلام، على يدَيها وُلِدَ السبط المجتبى عليه السلام, موضع ثقةٍ لأهل البيت عليهم السلام وملجأٌ لهموهم، قيل: إنَّها حضرت زواج فاطمة عليها السلام، فكانت بمثابة الراعي لها يوم زفافها.
 وممَّا يدلُّ على مكانة هذه المرأة الزكيَّة مدحُها من قِبَل النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمَّة عليهم السلام، حيث ذكرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (الأخوات المؤمنات... _ وعدَّ منهنَّ _: أسماء بنت عُمَيس)(٥٩).
 وعن الإمام الباقر عليه السلام قال: (رحم الله الأخوات من أهل الجنَّة)، فسمّاهنّ: (أسماء بنت عُمَيس الخثعميَّة، وكانت تحت جعفر بن أبي طالب عليه السلام)(٦٠).
 وعن الإمام الصادق عليه السلام: (كانت نجابة محمّد بن أبي بكر مِنْ قِبَل أُمِّه)(٦١).
 إضافةً إلى زواجها من الإمام عليِّ بن أبي طالب عليه السلام، فهو بحدِّ ذاته كرامة لها ومعرفة بحقِّها، ووصيَّة سيِّدة نساء العالمين فاطمة عليها السلام لها بأن تصنع لها نعشاً عندما أشارت عليها أسماء بما رأته في الحبشة عند هجرتها من صناعة النعش عندهم، فكان أوَّلَ نعشٍ يُصنَع في الإسلام.
 لقد اجتازت أسماء وبنجاحٍ باهرٍ كلَّ الاختبارات التي مرَّت بها، بدْءاً من هجرتها إلى الحبشة ورجوعها إلى المدينة، لتبدأ مرحلةً ثانيةً من العمل الإسلاميِّ بالمشاركة في الحروب والغزوات ومؤازرة المسلمين، والشدِّ مِنْ أُزِر زوجيها جعفر وعليّ عليه السلام، والوقوف مع البيت النبويِّ بكلِّ إخلاصٍ وصبرٍ ومروءة، حتَّى نالت الكرامات منهم والمدح والثناء لمواقفها الحيَّة على مرِّ التاريخ، متقلِّدةً قلادة الفخر بكرامةٍ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما كانوا في طريق الحجِّ وكانت حاملاً بمحمّد بن أبي بكر، وقد ولدت في الحليفة أو البيداء _ على اختلاف الروايات _، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تستثفر بثوب(٦٢) وتغتسل وهي نفساء وتُحرِم(٦٣). فكانت ولادتها بركةً للنساء، وهو حكم شرعٍ للنساء، إذ كانت نفساء أو على استحاضة نالت شرف هذا الحكم الخاصّ من النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، لكرامتها على الله ورسوله.
 وهي أُمُّ عبد الله بن جعفر، أوَّل من وُلِدَ في دار الهجرة، مكوِّنةً مع زوجها وابنها خليَّةً مسلمةً دؤوبة في نشر الإسلام والدفاع عنه, ثمّ تفدي ولدها محمّداً في سبيل الإسلام وإمامِها عليّ عليه السلام، فلمَّا ورد لها خبر شهادته كظمت غيظها واستترت في مسجدها، حتَّى شخبت ثدياها دماً(٦٤)؛ لحبِّها له، لكنَّ الإسلام كان أعزُّ عليها من وَلدها! امتحاناتٌ عدَّة خاضتها سيِّدتنا الجليلة، وتُثبِتُ في كلِّ مرَّةٍ أنَّها أهلٌ لتكون بنت الإسلام البارَّة به.
 مع عليّ وبنيه عليهم السلام:
 عاشت أسماء في بيت عليٍّ عليه السلام سيِّدةً فاضلةً مكرَّمةً، مؤدّيةً حقَّ الزوجيَّة من غير تفريطٍ ولا كللٍ ولا ملل، وهي عارفةٌ مستيقنةٌ مكانة البيت الذي هي فيه، فعليٌّ عليه السلام زوجها وإمامها وخليفة رسولها، طاويةً جناح الرحمة على سبطَي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وريحانتَيه، تحنو عليهما حنوّ الأُمِّ الرؤوم كما كانت لأُمِّهم فاطمة عليها السلام، متعلِّقةً روحاً وكياناً بأهل البيت عليهم السلام الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيراً، تشمُّ عبق النبوَّة والإمامة، وروحها مرفرفة بعالم الملكوت فأضفى عليها مسحة القدس الإلهي، تلملم جراح عليٍّ عليه السلام بنظراتها المملوءة عشقاً علويَّاً، تغبط نفسها فيما هي فيه، تدور في أفلاك الحسنين عليهما السلام، وتحضن زينب عليها السلام بقلب فاطمة عليها السلام المحزون لتهدر عليها حبَّاً وعطاءً.
 وها هي تستقبل بين يديها مولود عليٍّ وفاطمة عليهما السلام الأوَّل، وقرَّة عين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، الإمام الحسن عليه السلام..
 ففي الخبر عن الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام، عن أسماء بنت عُمَيس قالت: قَبِلتُ(٦٥) جدَّتك فاطمة عليها السلام بالحسن والحسين عليهما السلام، فلمَّا وُلِدَ الحسن عليه السلام جاء النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (يا أسماء، هاتي ابني!)، فدفعتُه إليه في خرقةٍ صفراء، فرمى بها النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم وقال: (يا أسماء، ألم أعهد إليكم أن لا تلفّوا المولود في خرقةٍ صفراء؟)، فلففتُه في خرقةٍ بيضاء ودفعتُه إليه، فأذَّن في أُذُنه اليمنى وأقام في اليسرى.
 ثمّ قال لعليٍّ عليه السلام: (بأيِّ شيءٍ سمَّيتَ ابني؟)، قال: (ما كنتُ أسبقك باسمه يا رسول الله، [كنتُ أُحِبُّ أن أُسمّيه حرب](٦٦))، فقال النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: (ولا أسبقُ أنا باسمه ربّي).
 ثمّ هبط جبرئيل عليه السلام فقال: (يا محمّد، العليُّ الأعلى يُقرئك السلام ويقول: عليٌّ منك بمنزلة هارون من موسى، ولا نبيَّ بعدك! سَمِّ ابنك هذا باسم ابن هارون). قال النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: (وما اسم ابن هارون؟)، قال: (شُبَّر), قال النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: (لساني عربيّ!), قال جبرئيل عليه السلام: (سَمِّه: حَسَن).
 قالت أسماء: فسمّاه الحسن, فلمَّا كان يوم سابعه عقَّ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم عنه بكبشين أملحين، وأعطى القابلة فخذاً وديناراً، وحلق رأسه وتصدَّق بوزن الشعر ورقاً، وطلى رأسه بالخَلوق(٦٧)، ثمّ قال: (يا أسماء، الدم فعل الجاهليَّة!)(٦٨).
 هذه الرواية التي يرويها الإمام زين العابدين عليه السلام عن أسماء بنت عُمَيس مُفعَمةٌ بمداليل كثيرة:
 منها: أنَّ الإمام المعصوم ينقل عن أسماء بنت عُمَيس، وهو توثيقٌ صريحٌ للسيِّدة أسماء من قِبَل الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام، ومدحٌ واضحٌ لا يقبل التشكيك أو التأمّل، فهي من الثقات في نقل حديث أهل البيت عليهم السلام.
 وأيضاً إنَّ أسماء كانت قابِلة الزهراء عليها السلام سيِّدة نساء العالمين، وهذا يقتضي أنَّ مَنْ تُقبِّل سيِّدة نساء العالمين _ لِما لفاطمة من صَونٍ وعفَّة _ لا يطَّلع عليها أيّ أحد، فاختيار السيِّدة أسماء لثقة فاطمة عليها السلام بها وعلمها بطُهر أسماء ونقائها وصفائها، وأنَّها على مرتبةٍ عاليةٍ من القُرب الإلهيّ والقرب لأهل البيت عليهم السلام.
 وفضيلة أُخرى لا تدانيها فضيلة، أنَّ أوَّل يدَين استقبلَتا الإمام الحسن المجتبى عليه السلام في عالم الدنيا هي يدَا تلك السيِّدة الفاضلة، التي تشرَّفَت بحمل الإمام المجتبى على راحتَيها، تلحظ أنوار الإمامة تتلألأُ في محيّا أبي محمّد عليه السلام، فكانت يداها الشريفتان مهداً للإمام الحسن عليه السلام، حاملةً إيّاه إلى جدِّه بكلِّ زَهْوٍ وفخر، تعرض نفسها على أنَّها من أهل هذا البيت الطاهر، مملوءةً بزخم القُدس والروحانيَّة، فيا لَتلك اللحظات التي عاشتها أسماء، وقد انفصلت عن عالم الدنيا؛ لتطوف في ملكوت الرحمة والرحمانيَّة..
 أقول: أخبِريني أيَّتها النجيبة كيف صرتِ وأنتِ أوَّل مَنْ وقعت عيناه على سبط النبوَّة؟ ألم ترتجف يداكِ لعظمة الموقف؟ ألم يتوقَّف قلبُكِ عن الخفقان؛ إجلالاً وإكباراً للإمام السبط؟ ألم تغبطي نفْسكِ وأنتِ تستقبلين سيِّدَ شباب أهل الجنَّة بأناملكِ الكريمة؟! فيا أيَّتها العظيمة، قد نلتِ شرفاً إلهيَّاً خصَّكِ الله به دون غيرك؛ لعلمه بمكنون نفسك المتعلِّقة بهوى الإمامة!
 ثمّ إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُعلِّمنا درساً فقهيَّاً آخَر، ببركة وجود أسماء التي كانت سبباً في طرح حكمٍ شرعيٍّ في إحرام النفساء، والدرس الآخَر بتعليم النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أسماءَ بأن لا يُلَفّ المولود بخرقةٍ صفراء، بل يجب أن تكون بيضاء، فتفعل أسماء، وهي ترقب أفعال النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم في مولوده الأوَّل، ثمّ تُقدِّمه إلى جدِّه ليُؤذِّن ويُقيم في أُذُنيه الشريفتين، وأسماء فرِحَةٌ بمولود عليٍّ وفاطمة عليهما السلام، تنتقل مسرورةً من فاطمة إلى النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى عليٍّ عليه السلام في جولةٍ خارج نطاق عالم المُلك، متفانيةً في عملها بدافع الإيمان والعقيدة اللذين غمرا كيانها, تنقل لنا وبدقَّةٍ طقوس الأُسرة المحمّديَّة في وليدها، وكيفيَّة اختيار اسمه المبارَك مِنْ قِبَل ربِّ العِزَّة, ثمّ تُضيف أسماء كيفيَّة العقِّ عنه عليه السلام في اليوم السابع، ممَّا يدلُّ مواكبة أسماء للإمام الحسن عليه السلام في حضانته ورعايته. ثمّ نتفقَّه بحكمٍ شرعيٍّ آخَر عن طريق السيِّدة العالمة أسماء؛ يقول النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم لها: (يا أسماء، الدم فعل الجاهليَّة!)، لتضفي على الرواية صبغةً علميَّةً تجود بها أسماء علينا، وتراثاً قيِّماً وعلماً نافعاً منقولاً عن سيِّد الكائنات محمّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، وهي قابلة الإمام المعصوم الحسن عليه السلام.
 لم ترَ السيِّدة أسماء بنت عميس من نفسها تلك السيِّدة العظيمة زوجة السادات جعفر وعليّ ابني أبي طالب مع شرف النسب، بل إنَّ ذوبانها في بودقة حُبِّ أصحاب الكساء جعلها ترى نفسها خادمةً لهم قائمةً على رعايتهم والتمهيد لهم لأُمور الحياة والمعيشة، وحضناً دافئاً لأبناء عليٍّ عليه السلام، لعلَّه يُعوِّض شيئاً من حنان أُمِّهم التي فقدوها، مبرئةً نفسها عن أيِّ التزامٍ غير الانخراط في واجباتها في بيت الزهراء عليها السلام.
 تُثبِت مرَّةً أُخرى انتماءها ودورانها في حمى الإمامة، لتُشعِرَنا أنَّها عرابة البيت العلويّ، فتُزوِّج الحوراء زينب عليها السلام من ابنها عبد الله بن جعفر، مستخيرةً لفتاها الألمعيّ لبوة عليٍّ عليه السلام، جامعةً شمل آل أبي طالب بزيجةٍ مباركةٍ، وكانت أُمَّاً لزينب عليها السلام أكثر من كونها أُمَّاً لعبد الله، راعيةً لعهد فاطمة عليها السلام، جامعةً بيديها الشريفتين اللتَين حملتا الحسنين عليهما السلام يد زينب وعبد الله، بأريحيَّة المرأة الأُمّ وروحانيَّة ربيبة آل أبي طالب.
 أسماء مؤنسة فاطمة عليها السلام:
 فقدت فاطمة عليها السلام أُمَّها خديجة عليها السلام، وهي بأشدّ الحاجة لها، حاجة البنت لأُمِّها.. لائذةً بأبيها النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، فكان لها أباً وأُمَّاً، لكن تبقى البنت بحاجةٍ لمن يُؤنسها من النساء؛ لتبثّ شكواها وهمّها إليها، فوجدت فاطمة عليها السلام من أسماء بنت عُمَيس مُستودَعاً لسرِّها وملجأً لحزنها، مُستشيرةً إيّاها في مرضها، وهي تعلم بأنَّ أجلها قد حان، فاستأنست برأيها في حجبها عن أعيُن النظّار حين تُحمَل إلى مثواها الأخير، فتشير عليها أسماء بصناعة النعش، كما يُحدِّثنا الحاكم في (المستدرك) بسنده عن عليِّ بن الحسين عليه السلام، عن ابن عبّاس، قال: مرضَت فاطمةُ مرضاً شديداً، فقالت: (يا أسماء بنت عُمَيس، ألَا ترَين إلى ما بلغت؟ أُحمَل على السرير ظاهراً؟)، فقالت أسماء: ألَا لَعمري، ولكن أصنعُ لكِ نعشاً كما رأيتُ يُصنَع بأرض الحبشة. قالت: (فأرينيه). فأرسلَت أسماءُ إلى جرائد رطبة، وقُطِعَت من الأسواف(٦٩)، وجعلَت على السرير نعشاً, وهو أوَّل ما كان النعش. قالت أسماء: فتبسَّمَت فاطمة، وما رأيتُها متبسِّمةً بعد أبيها إلَّا يومئذٍ, ثمّ حملناها ودفنّاها ليلاً(٧٠).
 تُبيِّن لنا هذه الرواية مدى ثقافة أسماء بنت عُمَيس ومعرفتها وبُعد نظرها وفهمها للغة الإمامة, وما إدخال السرور على فاطمة عليها السلام إلَّا لقُربها من قلب فاطمة عليها السلام المفجوع بفقد أبيها وظلم القوم لها ولزوجها أمير المؤمنين عليه السلام، وليست أسماء بغريبة عن هذه الأجواء التي عاصرتها، وتعاملت معها بكلِّ فدائيَّة، معبِّئةً نفسَها وأولادها بحبِّ أهل هذا البيت، مع مشاهداتها الحيَّة لِتآمر القوم على عليِّ بن أبي طالب؛ (فسمعت أسماء _ وكانت تحت أبي بكر _، فقالت لجاريتها: اذهَبي إلى منزل عليٍّ وفاطمة عليهما السلام، واقرئيهما السلام وقولي لعليٍّ: إنَّ الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، فاخرُجْ، إنّي لك من الناصحين. فجاءت الجارية إليهم، فقالت لعليٍّ: إنَّ أسماء بنت عُمَيس تقرأ عليك السلام وتقول: إنَّ الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، فاخرُجْ، إنّي لك من الناصحين. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: (قولي لها: إنَّ الله يحول بينهم وبين ما يريدون))(٧١).. فبدن أسماء مع أعداء عليٍّ، لكنَّ قلبها معه، تذود عنه مكر الماكرين وغيَّ الكافرين، فنجاة عليٍّ عليه السلام نجاةٌ للإسلام ولخليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! هكذا كانت أسماء تذبُّ عن الإمام عليٍّ عليه السلام، وتدافع بكلِّ ضراوةٍ لإثبات الحقِّ وثباته.
 ثمّ ترافق أسماء أمير المؤمنين عليه السلام والحسنين عليهما السلام في تغسيل فاطمة، في حين لم يُسمَح للأُخريات بالمشاركة، وهو دليلٌ قاطعٌ على خصوصيَّة أسماء بنت عُمَيس لأهل البيت عليهم السلام، وإيقاناً منهم بعظمة هذه المرأة، وتنفيذاً لوصيَّة الصدّيقة فاطمة عليها السلام وبأمر عليٍّ عليه السلام.. فعن أسماء بنت عُمَيس قالت: أوصَتْني فاطمةُ أن لا يُغسِّلها إلَّا أنا وعليّ، فغسَّلتُها أنا وعليّ عليه السلام(٧٢). وفي حديثٍ آخَر عن أسماء أيضاً أنَّ عليَّاً عليه السلام أمرها فغسَّلَت فاطمة عليها السلام، وأمر الحسن والحسين يدخلان الماء، ودفنها ليلاً وسوّى قبرها(٧٣).

 

أبَتْ أسماء إلَّا مشاركة آل عليٍّ في أفراحهم وأحزانهم، وهي تتشرَّف بتغسيل فاطمة عليها السلام بمعيَّة عليٍّ عليه السلام وبمساعدة الحسن والحسين عليهما السلام، مع أنَّها كانت تحت أبي بكر، لكنَّ تكليفها الشرعيّ والخُلُقيّ فوق كلَّ انتماءٍ وقرابة ونسب وسبب!
فهلّلي وكبّري _ يا أسماء _ على ما حباكِ الله به من كرامة، لتُسفري عنه وجه الحقيقة برواياتك التي ضمنت لنا كشف الزيف والتحريف لمن سوَّلَت لهم نفوسُهم حجبَ شمس الحقيقة، ولم يُدرِكوا أنَّ في المسلمين أمثال أسماء بنت عُمَيس تُترجمُ لنا سيرة الإمامة بلسانٍ ناطقٍ بشفّافية الإيمان وعمق العقيدة الأصيلة.
بقيَت أسماء بنت عُمَيس مواظبةً على مشاركة آل عليٍّ عليهم السلام في تحدّي الصِّعاب على قدرٍ عالٍ من المسؤوليَّة، مواصلةً عهدها مع فاطمة عليها السلام، مستنفرةً كلَّ قواها وصبرها لخدمة دينها، فلمَّا بلغها خبر مقتل ابنها محمّد بن أبي بكر في مصر وهو عامل عليٍّ عليه السلام، وكانت تُحِبُّه حبَّاً شديداً، كيف لا وقد تربّى في حِجر عليٍّ مع الحسن والحسين عليهما السلام، جاعلةً منه جنديَّاً مقاتلاً عن سادته الكرام، وقد قُتِلَ عام ثمانٍ وثلاثين للهجرة، فحزنت عليه حزناً شديداً، لكنَّها كظمت غيظها، وانعزلت في مسجد بيتها، حتَّى شخبت ثدياها دماً حزناً عليه، وتُوفّيت في نفس العام، أي: ثمانٍ وثلاثين للهجرة(٧٤).
وهذا يعني أنَّها عاصرت الإمام الحسن عليه السلام قرابة الثلاثين عاماً، أُمَّاً حانية، ومبلِّغةً عالمة، سائرةً في ركابه، داعمةً لكلِّ تحرّكاته، شاهدةً على إمامته، مواسيةً إيّاه في حزنه، ومشاركةً في سروره، تُساند أباه تارةً وتعاضد الإمام الحسن عليه السلام تارةً أُخرى، لتلعب دَورها بإتقانٍ وعبقريَّة، لتقابل أسماءُ بنت عُمَيس ربّها رافعةً أكفّ الدعاء وفيها عطر حسنيّ، شهادةً على جميل صنعها ومحاسن عطائها الثرّ الذي استقى من كفِّ الإمام الحسن عليه السلام الجود والكرم.
روايتها:
١ _ تنقل لنا أسماءُ بنت عُمَيس منقبةً من مناقب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، إذ تقول: إنَّ عليَّاً بعثه رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم في حاجةٍ في غزوة حُنَين، وقد صلّى النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم العصر ولم يُصلِّها عليٌّ عليه السلام، فلمَّا رجع وضع رأسه في حِجر عليٍّ عليه السلام، وقد أوحى الله إليه، فجلَّله بثوبه, فلم يزل كذلك حتَّى كادت الشمس تغيب, ثمّ إنَّه سُرّي عن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (أصلَّيتَ يا عليّ؟)، قال: (لا), فقال النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: (اللّهمّ رُدَّ على عليٍّ الشمس), فرجعَت حتَّى بلغت نصف المسجد. قالت أسماء: وذلك بالصهباء(٧٥).
٢ _ وتروي أسماء بنت عُمَيس روايةً أُخرى في تفسير القرآن الكريم، حيث ورد عن السدّي، عن أبي مالك، عن ابن عبّاس وأبي بكر الحضرمي، عن أبي جعفرٍ عليه السلام؛ والثعلبي، بالإسناد عن موسى بن جعفر عليه السلام، وعن أسماء بنت عُمَيس، عن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ)(٧٦): عليّ بن أبي طالب عليه السلام)(٧٧).
٣ _ ومن روايات أسماء في الإمامة: عن عبد الله، عن أبيه، عن يحيى بن سعيد، عن موسى الجُهَنيّ قال: دخلتُ على فاطمة بنت عليٍّ عليه السلام، فقال [له] رفيقي أبو مهدي: كم لكِ؟ فقالت: ستٌّ وثمانون سنة. قال: ما سمعتِ من أبيكِ شيئاً؟ قال: قالت: حدَّثَتني أسماءُ بنت عُمَيس أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعليٍّ عليه السلام: (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلَّا أنَّه ليس بعدي نبيٌّ)(٧٨).
٤ _ ومرَّةً أُخرى تُتحفنا أسماء بنت عُمَيس بروايةٍ في الأخلاق في حوارٍ بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابنته فاطمة الزهراء عليها السلام، كي نستنير بها، لترتفع نفوسُنا عن ملذّات الدنيا.. ففي (عيون أخبار الرضا عليه السلام) بالأسانيد الثلاثة, عن الرضا، عن آبائه، عن عليِّ بن الحسين عليه السلام أنَّه قال: (حدَّثَتني أسماءُ بنت عُمَيس، قالت: كنتُ عند فاطمة عليها السلام إذ دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي عُنقها قلادةٌ من ذهبٍ كان اشتراها لها عليّ بن أبي طالب عليه السلام مِنْ فَيء, فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا فاطمة، لا يقول الناس: إنَّ فاطمة بنت محمّد تلبس لباس الجبابرة! فقطَعَتها وباعتها، واشترت بها رقبةً فأعتقَتها, فسُرَّ بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)(٧٩).
٥ _ ومن أدب الزواج تنقل لنا السيِّدة أسماء بنت عُمَيس _ وهي راوية أهل البيت عليهم السلام _ من فضائلهم دروساً تربويَّةً نقتدي بها، فتقول أسماء: لقد جهَّزتُ فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى عليِّ بن أبي طالب عليه السلام، وما كان حشوُ فُرُشهما ووسائدهما إلَّا ليف, ولقد أَولم عليٌّ لفاطمة عليها السلام، فما كانت وليمة ذلك الزمان أفضل من وليمته, رَهَن درعَه عند يهودي، وكانت وليمته آصعاً(٨٠) من شعيرٍ وتمرٍ وحَيْس(٨١) (٨٢).
هذه نبذةٌ مِنْ روايات أسماء بنت عُمَيس، وهي كثيرة، تُقرِّب لنا صورة حال هذه السيِّدة الجليلة ومدى قُربها من الأُسرة العلويَّة، ومقدار تلاحمها معهم، وثقتهم في نقل الحديث عنها أباً عن أبٍ روايةً معصوميَّةً، تحيطنا علماً أنَّ تلك المرأة أُنموذجٌ للمرأة المسلمة الموالية المتمسِّكة بعقيدتها، دائرة في فلَك المعصومين، أُمٌّ وراوية ومبلِّغة, هاتِفة بأعلى صوتها: إنَّ الحقَّ مع عليٍّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، تقود ثورةً من الروايات في حقِّهم ومظلوميَّتهم.
أقول: يا سيِّدتي، لقد شهدتِ عليَّاً حين ضُرِبَ على قرنه في محرابه، فكنتِ الشاهدة على ذلك.. وأعنتِ عليَّاً بوصيَّة فاطمة في تغسيلها، حيث الإمام الحسن عليه السلام يُقدِّم لكِ الماء بكفَّيه الصغيرتين المملوءتين حُزناً وكمَداً على أُمِّه الكسيرة.. ليتكِ حضرتِ وَلدك الحسن عليه السلام وكبده يتقطَّع بسُمٍّ زعاف، يتقلَّب عن اليمين وعن الشمال، هذا الوليد الذي استقبلتِه في لحظته الأُولى، لتحملي عنه آلامه كما حملتِها عنه سابقاً.
فمن الله عليكِ السلام _ يا حليلة عليٍّ عليه السلام، ووعاءَ سرِّ فاطمة عليها السلام، وقابلة الحسن المجتبى عليه السلام _ بما صبرتِ وأعنتِ ورعيتِ وفديتِ، محتسبةً عند الله بلواكِ بجوار إمامك الحسن عليه السلام.
فضّة النوبيّة (جارية الزهراء عليها السلام)
أفردت لنا مدرسة أهل البيت عليهم السلام شخصيّات رفيعة القامة في التاريخ الإسلامي، تلمَّذت على الولاء والعلم والإيمان، هامت في فضائهم الرحب لتنتقي جُمَل المعارف ولمسات الإيمان، فشيَّدَت صرحاً عالياً من التفاني ونكران الذات أمام فرص الدنيا البهيجة، ملتفةً بشفافيةٍ حول أرواح المعصومين، لتقطر نقاء وفائها على قلوبٍ صدئة، فتُحيل نبضاتها إلى صرخات مدويَّة بحبِّهم ومودَّتهم, فتطلع علينا جاريةٌ نوبيَّةٌ أكرمها الله تعالى بقربها من آل البيت عليهم السلام، تشمُّ زكيّ ريحهم، وتُبصر جلال نورهم.. إنَّها السيِّدة الجليلة فضَّة، التي أنعم الله عليها برفقة أصحاب الكساء بعد أن أخدمها رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم لابنته فاطمة عليها السلام، فما أن تضع قدمها في هذا البيت المبارك حتَّى تستشعر الروحانيَّة التي تسود أرجاء غُرَفه، فتغبط نفسها وهي في بيت الوحي والتنزيل، فتستقبلها أُمُّ الحسنين عليها السلام فاتحةً ذراعيها القدسيَّتَين بكلِّ رحمةٍ ورأفةٍ، مُبديةً لها ترحابها بنبرة الشريك لا الخادم، فتتلقّى فضَّة الدرس الأوَّل لها بوعيٍ كامل، فتشدُّ الرحال في مسيرة الهدى والنور.
لم تكن فضَّة مجرَّد خادمة! بل شريكة وتلميذة في بيت الزهراء عليها السلام، تُسجِّل وبكلِّ فطنةٍ تعاليمهم السماويَّة، فتزداد في كلِّ يومٍ درجةً في العلم والإيمان.
عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام، عن أبيه عليه السلام، عن عليٍّ عليه السلام أنَّه قال: (إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخدَمَ فاطمةَ ابنته جاريةً اسمُها فضَّة النوبيَّة، وكانت تشاطرها الخدمة، فعلَّمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعاءً تدعو به، فقالت لها فاطمة: أتعجنين أو تخبزين؟ فقالت: بل أعجن يا سيِّدتي واحتطِب. فذهبت واحتطبت، وبيدها حزمة فأرادت حملها فعجزت, فدعت بالدعاء الذي علَّمَها النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم، وهو: يا واحد، ليس كمثله أحد, تُميت كلَّ أحد، وأنت على عرشك واحد، لا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم. فجاء أعرابيٌّ كأنَّه مِنْ أزد شنوءة(٨٣), فحمل الحزمة إلى باب فاطمة عليها السلام)(٨٤).
تُجاري هذه الروايات أحداث حياة السيِّدة فضَّة في بيت فاطمة عليها السلام بطابع حياةٍ تقليدي، تُبرز هذه الرواية ملامح العلاقة بين أهل البيت عليهم السلام ومَنْ يستخدمونهم، والنظر إليهم بعبَق اللطف والرحمة.
تقاسم آل علي معها شؤون الحياة على أنَّها فردٌ من العائلة، لها ما لها وعليها ما عليها, تُخيِّرها فاطمة عليها السلام بين العجن والخبز، تاركةً الخيار لها، وهو على خِلاف المتعارَف! فهو درسٌ أخلاقيٌّ نستمدُّه مِنْ مدرسة أهل البيت عليهم السلام في طريقة التعامل مع الآخَرين بصفتهم الإنسانيَّة، مُسقِطين كلَّ تُرّهات الطبقيَّة الاجتماعيَّة، ليرسموا برنامج حياةٍ قائمٍ على احترام الآخَر مهما كان من جنسٍ أو لونٍ أو هويَّةٍ، وهو عنوان الإسلام وروحه التي جاء بها النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم، الذي يُعلِّم فضَّة دعاءً تستعين به على قضاء حوائجها، مُستدركةً بهذا الدعاء ما فاتها بالنسيان، فتجد سرعة الإجابة الموعودة، فهي تلميذة النبوَّة المجتهدة في تطبيق نظريَّته على أرض الواقع.
وتُمارس السيِّدة فضَّة حياتها الجديدة تحت سقف بيتٍ يضمُّ سادات الخلق، مُستأنسةً وضعها الجديد، وهي تعيش خارج حدود الزمان والمكان، قائمةً بخدمة سيِّدَي شباب أهل الجنَّة بكلِّ فرحٍ وسرور، فهي تعلم مكانتهما من الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، مجنَّدةً نفسها لسدِّ أيّ حاجةٍ مع ما تراه من فقر وبساطة حال، فهم ليسوا مِنْ أصحاب الثروات أو الطبقات الارستقراطيَّة حتَّى تُمنّي النفس بعَيشٍ رغيد وأجرٍ عالٍ، وإنَّما وجدت عندهم احترام الذات الإنسانيَّة وصناعة الشخصيَّة الإسلاميَّة الكفوءة، وهي غاية أيّ إنسانٍ حُرٍّ وكريمٍ غايته الفضيلة والشرف، وقد تشرَّفت بمنزلتها الكبيرة عندهم، فطوبى لها.
ثمّ يمرُّ على أهل البيت يومٌ عصيب.. قد مرض الحسنان عليهما السلام مرضاً شديداً، انكسر له قلبُ جدِّهما ووالدهما، وعامَّةِ الناس الذين عادوا الحسن والحسين وقلوبهم مشفقةٌ عليهما, فنذر عليٌّ وفاطمة عليهما السلام أن لو برئا مِنْ مرضهما لَيصوما ثلاثة أيّامٍ شكراً(٨٥).
وبالتأكيد، فإنَّ فضَّة وبما أنَّها أصبحَت مِنْ أهل هذا البيت الكريم، فإنَّها تطوَّعت ونذرت بمثل نذر عليٍّ وفاطمة عليهما السلام أن لو برئا فستصوم ثلاثة أيّامٍ شكراً، وهو يدلُّ على مدى العلاقة الحميمة بين فضَّة والحسنين، وتعلّقها بهما، فهما بالنسبة لها أكثر من كونهما إمامَين، بل هما ولداها اللذان ترعاهما بعاطفتها وحنوها عليهما، فهمّها ما أصابهما من بلاء. وكان الحسنان عليهما السلام يُبادلانها مشاعر الأُمومة والمودَّة، فهي أمام ناظريهما يشاهدانها يداً بيد مع أُمِّهما الزهراء عليها السلام، تأكل معهم وتشرب، وتقاسي ما يقاسون، تفرح بفرحهم وتأسى بأساهم، فلم يُفرِّقوا بينها وبين أيِّ أحدٍ من أفراد أُسرتهم، وعاملوها بكلِّ احترامٍ ومحبَّة.
فيستجيب الله تعالى دعاء جدِّهم ونذر عليٍّ وفاطمة عليهما السلام وخادمتِهم فضَّة، فيلبس ولداهما لباسَ الصحَّة والعافية، ويُسِرُّ الجميع بذلك، ولكن بقي إيفاء النذر منهم!
بالفعل، صاموا اليوم الأوَّل.. ولم يكن في بيتهم ما يفطرون به؛ فيذهب أميرُ المؤمنين عليه السلام مُستقرِضاً من شمعون الخَيبريّ ثلاثة آصعٍ(٨٦) من شعير، جالباً إيّاها إلى فاطمة عليها السلام تصنع الطعام للإفطار به، وذهب هو ليُصلّي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعند عودته للبيت وُضِعَ الطعام أمامهم للإفطار، فإذا بالباب يُطرَق مِنْ مسكينٍ لم يجد سوى هذا البيت ليحفظ به كرامته في السؤال، قائلاً: السلام عليكم أهل بيت محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، مسكينٌ مِنْ أولاد المسلمين، أطعِموني، أطعَمَكم اللهُ على موائد الجنَّة. فسمعه عليٌّ عليه السلام، فأمرهم بإعطائه الطعام بكلِّ حبٍّ وكرامةٍ، وليبيتوا ليلتهم لم يذوقوا شيئاً من الطعام إلَّا الماء، ولينقضي أوَّل أيّام صيام نذرهم بالصدقة على المسكين من صاعهم الأوَّل.
وفي اليوم الثاني.. تعدُّ فاطمة عليها السلام وجاريتُها فضَّة الصاع الثاني لإفطارهم، منتظرةً أبا الحسن عليه السلام يعود من صلاته مع أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبعد عودته يجتمعون على المائدة بفارغ الصبر بعد يومين من الصيام وبلا طعام، ليُطرَق البابُ مرَّةً أُخرى، وإذا بيتيمٍ يطلب رغيف خبزٍ من بيت الجود، قائلاً: السلام عليكم أهل بيت محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، يتيمٌ بالباب من أولاد المهاجرين، استُشهد والدي، أطعِموني، فأعطوه الطعام، فمكثوا اليوم الثاني من صيامهم بلا طعامٍ سوى الماء، وخادمتهم فضَّة تتحمَّل معهم ما يحتملون.
وفي اليوم الثالث.. صنعت السيِّدة الزهراء عليها السلام الصاع الثالث والأخير بعد طحنه وخبزه، وعند رجوع عليٍّ عليه السلام من الصلاة مع النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم تُوضَع مائدتهم البسيطة ليفطروا بعد أن أنهكهم الصيام لثلاثة أيّامٍ بلا طعامٍ يستقوُون به على صيامهم، إذ أتاهم أسيرٌ على باب دارهم قائلاً: السلام عليكم أهلَ بيت النبوَّة, أطعِموني، فإنّي أسير، فأعطوه الطعام، ومكثوا ثلاثة أيّامٍ بلياليها لم يَقتاتوا شيئاً من الطعام إلَّا الماء, وفضَّة تنظر إلى وجهَي الحسنَين قد اصفرّا من شدَّة الجوع، وقلبها يعتصر ألماً عليهم، متصبِّرةً قابضةً على آلامها، ترمق وجه عليٍّ وفاطمة، وهي تنظر برحمة إلى وجهي الحسنين عليهما السلام، ضاربين أروع وأجمل أمثلة الإيثار على النفس، فتُثير هذه الحادثة في نفس فضَّة تساؤلات، لها أوَّلٌ وليس لها آخِر، وتتعلَّم درساً جديداً في التصبّر وغلَبة النفس ومحاربة هواها، فتقف فضَّة على ساحل هذا البحر المتلاطم الأمواج من العِزَّة والبهاء والكرم والجود والإيثار، لترتقي درجةً أُخرى في مكارم الأخلاق..
فلمَّا أتاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورأى ما بهم مِنْ جوع وتعَب، مُبشِّراً إيّاهم بآيةٍ من الله تعالى نتيجةً لما قدَّموه في سبيله وفي طاعته، ضامناً أجرهم عليه، حيث يقول تعالى: (هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً)(٨٧), وقوله: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً * وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً)(٨٨). وما كان هذا الفعل منهم مقابل أن تنزل بهم آيةٌ من القرآن، بل إنَّ طاعتهم لله وعملهم بأوامره كان هو الدافع مِنْ وراء إطعامهم، وقد ضمن تعالى نيّاتهم في الآية: (إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً)(٨٩).
وبالطبع فإنَّ شريكتهم في كلِّ هذا التعظيم والتجليل هي فضَّة النوبيَّة، تلك المرأة التي رفعها الله تعالى درجاتٍ ببركة محمّدٍ وآله عليهم السلام, فتوطَّدت العلاقة أكثر بين فضَّة والحسنين عليهما السلام، فتزداد عزماً وبُعداً في تآصرها وتلاحمها معهم في نكبة السقيفة وسلب فاطمة وعليٍّ حقوقهما بالحيلة والنفاق، فكانت شاهد عَيانٍ على كلِّ الجرائم التي وقعَت منذ غصب فدك وحَجب الولاية، إلى حادثة الباب وكسر الضلع.. فتصبر إذ صبروا، وتكظِم إذ كظموا، تشدُّ الأزر وتصدُّ المكر، حتَّى حانت لحظة فراق شريكتها وسيِّدتها المظلومة فاطمة عليها السلام، لتقضي شهيدةً بأيدي الباطل، وقد أُسقِط جنينُها المحسن! وفضَّة تستشيط غضباً وهي ترى سيِّدة نساء العالمين بهذا الحال، تسمع الزهراء عليها السلام تقول: (يا أبتاه يا رسول الله، هكذا يُفعَل بحبيبتك وابنتك. آه، يا فضَّة، إليكِ فخُذيني، فقد واللهِ قُتِلَ ما في أحشائي من حَمل!)(٩٠).
فتُودِّع فاطمة عليها السلام الحياة بين يدَي فضَّة، ليتولّى أميرُ المؤمنين عليه السلام تغسيلها وتكفينها، وكان ممَّن حضر ذلك فضَّة جارية فاطمة عليها السلام، فلمَّا أكمل عليٌّ عليه السلام تكفينها نادى: (يا أُمَّ كلثوم، يا زينب، يا سكينة، يا فضَّة، يا حسن، يا حسين، هلمّوا تزوَّدوا من أُمِّكم، فهذا الفراق، واللقاء في الجنَّة)(٩١).
فيتجاذب فضَّة الحزن والسرور، أمَّا الحزن فهو لفراق فاطمة عليها السلام، وأمَّا السرور فلأنَّها قُرنَت مع أولاد عليٍّ وفاطمة عليهما السلام، فتخصيص الإمام عليه السلام لفضَّة دون غيرها يدلُّ على قربها منهم وتشابكها مع نسيجهم، لكنَّ لوعة فضَّة أنسَتْها حتَّى نفسها، وتستعدُّ السيِّدة فضَّة لكي تُعوِّض مكان فاطمة في بيتها، مذكِّرةً الحسنين بأُمِّهما في كلِّ مفصلٍ مِنْ مفاصل حياتهما.
فضَّة إرث فاطمة عليها السلام:
فيرث عليٌّ عليه السلام فضَّة، ويصبح سيِّدها.. يقول الإمام الصادق عليه السلام: (كان لفاطمة جارية يُقال لها: فضَّة، فصارت مِنْ بعدها لعليٍّ عليه السلام, فزوَّجَها مِنْ أبي ثعلبة فأولدها ابناً، ثمّ مات أبو ثعلبة، وتزوَّجها مِنْ بعده أبو مليك الغطفاني، ثمّ تُوفّي ابنها مِنْ أبي ثعلبة، فامتنعَت من أبي مليك أن يقربها، فاشتكاها إلى عمرَ في أيّامه...)(٩٢).
ونزولاً عند رغبة سيِّدها أمير المؤمنين، تتزوَّج فضَّة من أبي ثعلبة بأمر مولاها، بعدما عملت بإخلاصٍ لخدمة الزهراء عليها السلام، لكنَّ قلبها بقيَ مُعلَّقاً بآل عليٍّ وبهذا البيت الذي رأت فيه نور الله يتجلّى فيهم.
ويبقى صدى الإمامة يلوح في رأس فضَّة المدافِعة عن عقيدتها، وتنمّرها في جهاد أعدائه وإنصافها لإمامها أمير المؤمنين عليه السلام، حيث تقول مُجيبةً المنافقين حينما طلبوا من عليٍّ عليه السلام الخروج للبيعة: إنَّ أمير المؤمنين عليه السلام مشغول، والحقُّ له إن أنصفتُم مِن أنفسكم وأنصفتموه(٩٣)!
فما راعها كثرة القوم، فهي جريئة لتردّ عليهم بكلِّ حزمٍ وصرامة، ممَّا يدلُّ على قوَّة إيمانها وصلابتها.
مع سيّدها الإمام الحسن عليه السلام:
ولم يُشغِلها زواجُها وخروجها من بيت عليٍّ عليه السلام عن مساندة الحسن عليه السلام في إمامته، ووقوفها في الصفِّ الأوَّل مدافعةً عن حياض الإسلام، ومناصرةً للإمامة المتمثِّلة بسيِّد شباب أهل الجنَّة، داعيةً إليه، مُذكِّرةً بجدِّه وأبيه وأُمِّه فاطمة عليها السلام، لائذةً بظِلِّ إمامها الذي خدمَته صغيراً وواسته كبيراً، مُجدِّدةً به عهداً، مستشرفةً الغدر من أصحابه، ولكنَّ المقادير حالت دون غايتها، لتنشج أسفاً على كبده المسموم يتقطَّع بحقدهم وظلمهم.
ولم يُقعِد السيِّدة فضَّة تواني القوم في نُصرة الإمام الحسن عليه السلام، لتُؤيِّد ثورة سيِّدها الحسين عليه السلام على الكفر والفساد، فتضع لها قدماً في مسيرته المباركة.
الملامح الشخصيّة للسيّدة فضّة:
من خلال مطالعتنا للروايات الواردة في السيِّدة فضَّة، تُرسَم لنا لمحات مضيئة وبرّاقة، تُظهِر ألمعيَّة فضَّة العلميَّة والولائيَّة.. فلم تكن فضَّة شخصيَّةً عاديَّةً من عامَّة الناس، بل كانت سيِّدةً في قومها، ولذا جاء اختيار النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم لها لخدمة فاطمة عليها السلام، لعلمه أنَّها ذات عقلٍ وفِطنة، فرُويَ أنَّها لمَّا جاءت إلى بيت فاطمة عليها السلام _ وهي كانت بنت ملِكٍ من ملوك الحبشة، وقيل: بنت ملك الهند، وكان عندها ذخيرة من الإكسير _، فلم تجد في بيت عليٍّ عليه السلام إلَّا السيف والدرع والرحى، فأخذَت قطعةً من النحاس ولانتها وجعلتها على هيئة سبيكة، وعلَّقت عليها الدواء وصبغتها ذهباً، فلمَّا جاء أمير المؤمنين عليه السلام وضعتها بين يديه، فلمَّا رآها قال: (أحسنتِ يا فضَّة، لكن لو أذبتِ الجسد لكان الصبغ أعلى والقيمة أغلى), فقالت: يا سيِّدي، تعرف هذا العلم؟ قال عليه السلام: (نعم، وهذا الطفل يعرفه)، وأشار إلى الحسين عليه السلام، فجاء وقال كما قال أمير المؤمنين عليه السلام، فقال لها أمير المؤمنين عند ذلك: (يا فضَّة، نحن نعرف أعظم من هذا)، ثمّ أومأ بيده فإذا عنقٌ من ذهب وكنوز الأرض سائرة، فقال: (ضعيها مع أخواتها)، فوضعَتها فسارت(٩٤).
فكانت صاحبة علمٍ من العلوم الطبيعيَّة، وهو علم السيمياء، وهو من العلوم الغريبة التي لا يحظى بها أيٌّ كان، وكونها بنت أحد الملوك فهي شخصيَّة اجتماعيَّة مرموقة، وعدم معرفتها للوهلة الأُولى بكُنه هذا البيت دفعها _ ومِنْ واقع الحبِّ والاعتزاز بهم ورأفتها بحالهم _ إلى صناعة المعروف معهم، واستحسانُ الإمام هذا العمل منها لعلمها وعملها الصادق والمُخلِص عكس للإمام استعداد هذه المرأة لقبول ما يفيض منهم مِنْ علمٍ وآداب وأخلاق؛ فكان سبباً لحرق كثير من الخطوات وتقريب المسافة، ولتعلم أنَّ كلَّ ما في هذا الكون هو مخلوقٌ لأجلهم، ليزداد تفانيها لهم ولتجعل من نفسها أُذُناً صاغيةً لأقوالهم، ليُفتح أُفق فضَّة على اللَّامحدود من باب عليٍّ عليه السلام.
وهي أيضاً من العالمات بالدين وأحكامه ومسائله، كما تدلُّ مناظرتها مع عمر عندما شكا أبو مالك له فضَّة، فقال لها عمر: ما يشتكي مالِكُ منكِ يا فضَّة؟ فقالت: أنت تحكم بذلك وما يخفى عليك. قال عمر: ما أجد لكِ رخصة. قالت: يا أبا حفص، ذهب بك المذاهب، إنَّ ابني مِنْ غيره مات, فأردتُ أن استبرئ نفسي بحيضة, فإذا أنا حضتُ علمتُ أنَّ ابني مات ولا أخ له, وإن كنتُ حاملاً كان الولد في بطني أخوه! فقال عمر: شعرةٌ من آل أبي طالب أفقه مِن عَدِي(٩٥).
إنَّ لهذه المناظرة دلالتين: الأُولى: فقاهة فضَّة في أُمور الدين، والثانية: فضح مَنْ استولى على الخلافة بغير حقٍّ وتعريته، وأنَّه ليس مؤهَّلاً لها، وقد جاء اعترافه صريحاً في ذيل الخبر.
إذن، فضَّة العالمة في علوم الطبيعة والعقيدة والفقه كانت مِنْ حَمَلة القرآن، حفظت القرآن وعلمت تفسيره وتأويله، لم تُكلِّم بغير القرآن عشرين سنة، كما جاء عن أبي القاسم القشيري:
انقطعتُ في البادية عن القافلة، فوجدت امرأة، فقلتُ: مَنْ أنت؟
فقالت: (وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)(٩٦).
فسلَّمتُ عليها وقلت: ما تصنعين هاهنا؟
قالت: (وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ)(٩٧).
فقلت: أمن الجنِّ أنتِ أم من الإنس؟
قالت: (يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ)(٩٨).
فقلت: مِنْ أين أقبلتِ؟
قالت: (يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ)(٩٩).
فقلت: أين تقصدين؟
قالت: (وَلِلّٰهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ)(١٠٠).
فقلت: متى انقطعتِ؟
قالت: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ)(١٠١).
فقلت: أتشتهين طعاماً؟
قالت: (وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ)(١٠٢).
فأطعمتُها، ثمّ قلت: هرولي وتعجَّلي!
فقالت: (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها)(١٠٣).
فقلت: أُردفكِ؟
فقالت: (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا)(١٠٤).
فنزلت فأركبتُها، فقالت: (سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ)(١٠٥).
فلمَّا أدركنا القافلة قلت لها: ألكِ أحدٌ فيها؟
قالت: (يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرضِ)(١٠٦), (وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ)(١٠٧), (يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ)(١٠٨), (يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللهُ)(١٠٩).
فصحتُ بهذه الأسماء، فإذا بأربعة شبابٍ متوجِّهين نحوها، فقلتُ: مَنْ هؤلاء منكِ؟
قالت: (الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا)(١١٠).
فلمَّا أتوها قالت: (يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)(١١١).
فكافؤوني بأشياء, فقالت: (وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ)(١١٢)، فزادوا لي.
فسألتُهم عنها, فقالوا: هذه أُمُّنا فضَّة جارية الزهراء، ما تكلَّمَت منذ عشرين سنة إلَّا بالقرآن(١١٣).
فالسيِّدة فضَّة النوبيَّة امرأةٌ صالحةٌ زاهدةٌ، قضت شطراً من حياتها في بيت فاطمة عليها السلام، فكان بالنسبة لها ولادةً جديدةً، وحُرّيَّةً وليست عبوديَّة، شاطرتهم في جميع أحداث حياتهم، لتصبح مبلِّغةً عنهم، مواصلةً مع إمامَيها الحسن والحسين عليهما السلام نشاطها الدينيّ والعلميّ، ليصبح لقبها (جارية فاطمة) بكلِّ فخرٍ واعتزاز.
ذكر الحَمَويّ في (معجم البلدان) في القبور التي في الشام قبر فضَّة جارية فاطمة عليها السلام في قبلي الباب الصغير(١١٤).
لقد نالت فضَّة من الكرامة ما لم يحصل عليها غيرها، من مرافقة آل البيت عليهم السلام ومعايشتهم، حتَّى أصبحت واحدةً منهم، وإنَّما هو لصدق سريرتها وطِيب نفسها وسلامة دينها ورجاحة عقلها.. فعليها رضوان الله بما صبرت وواست ووَفَت وأخلصت، لتلقى ما قدَّمَت عند ربِّها جزاءً وشكوراً.
أمّ رِعْلة القُشَيريّة
صحابيَّةٌ جليلةٌ، متفقِّهةٌ ذات أدبٍ وفصاحة، موالية لعليِّ بن أبي طالب وأهل بيته عليهم السلام، مقتديةٌ بسيِّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام، وأُمُّ رِعْلة _ بكسر أوَّله وسكون المهملة(١١٥) _ امرأةٌ بدويَّة، سليمة العقيدة قويَّة الإيمان، كان النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم معجَباً بها لإيمانها وعلمها وفصاحتها.
سيرتها العلميّة:
جاءت إلى النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم سائلةً إيّاه، كما في الرواية عن الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عبّاسٍ، قال: وفدَت إلى النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم امرأةٌ يُقال لها: أُمّ رِعْلة القُشَيريَّة، وكانت امرأةً ذات لسانٍ وفصاحة، فقالت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، إنّا ذوات الخدور، ومحلّ أُزُر البعول، ومُربّيات الأولاد، وممهِّدات المهاد، ولا حَظَّ لنا في الجيش الأعظم، فعلِّمْنا شيئاً يُقرِّبنا إلى الله عز وجل. فقال لها النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: (عليكنَّ بذكر الله عز وجل آناء الليل وأطراف النهار، وغَضِّ البصر، وخَفضِ الصوت)(١١٦).
في مدلول هذه الرواية تتبيَّن فِطنة هذه المرأة وبُعد نظرها ومعرفتها، فهي تُقرِّر واقع النساء وما يجب عليهنَّ، بطريقةٍ مهذَّبة تدلُّ على مدى إلمامها بالثقافة الإسلاميَّة والاجتماعيَّة، طالبةً من النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم إقرار هذا البرنامج للمرأة المسلمة، مستعينةً بآلتها البلاغيَّة، مبتدئةً مِنْ صفة المرأة المسلمة بذات الخدر المحتجبة عن أعين الناس، ومن ثَمَّ وظيفتها الأُسريَّة مِنْ شدِّ أُزُر الرجل ومعونته في الحياة، ودورها في إنشاء الجيل بالتربية ومعاهدة الأولاد ورعايتهم، والتمهيد لتنظيم شؤون البيت لإنجاح الأُسرة بإخراج جيلٍ مسلمٍ صحيح. فأيُّ فكرٍ يملأ هذه المرأة العالمة، وأيُّ ذوق فقهيٍّ يمكنها من عرض نفسها أُنموذجاً للمرأة المسلمة! مع أنَّها ليست من سُكّان المدينة، لكنَّ إسلامها جعل منها عقلاً متفتِّحاً مستوعباً المنهج الإلهيِّ المرسوم بدقَّة لوضع الأشياء محلّها..
ثمّ تستطرد قائلةً: ولا حظَّ لنا في الجيش الأعظم، مستعلِمةً من النبيِّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم حدود مسؤوليّاتها، وما يجب عليها من مهمَّةٍ عامَّةٍ إضافةً إلى مهامّها الخاصَّة، مقدَّرةً الحكمة من تصدّي الرجل دون المرأة للحرب، محاولةً اقتناص الفرصة بلقائها لنبيِّها بزيادة العلم في دِنيها، فإن لم تكن من أهل الجيش المقرَّبين بجهادهم من الله عز وجل، فهي ترجو أن يُعلِّمها عملاً يُقرِّبها إلى الله زلفى لتُحقِّق بذلك تتميم دينها وعمق عقيدتها.
فيجيبها النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم مكمِّلاً الشطر الآخَر من الإنسان المسلم، وهو الجانب العباديّ وتقوى الله والبناء الروحيّ، بعد ما طرحت هي من البناء الهيكليّ للإسلام، قائلاً: (عليكنَّ بذكر الله)! فإنَّ كيان المسلم لا يستقيم إلَّا بتخلّيه عن المادّيّات، واللجوء إلى عالَم الغَيب بالذِّكر والتبتُّل إلى الله تعالى، (وغضِّ البصر، وخفض الصوت).
إذن، رَسَمَ لنا هذا الحديث صورةً حيَّةً لكيفيَّة أخذ المرأة دورها في الحياة، وهي تُمثِّل العنصر الاجتماعي الآخر، وأهمّية الحفاظ على صونها وعفَّتها. هكذا هُنَّ تلميذات النبوَّة ومعلِّمات الأجيال بكلِّ صدقٍ ومعرفة.
سيرتها العقائديّة:
ثمّ تقودنا أُمُّ رِعلة في رحلةٍ أُخرى من عالم المعرفة وبسؤالٍ لرسول الله في فقه المرأة وما يجب أن تتوخّاه في عملها، يشير إلى براعة هذه السيِّدة الفقيهة في دينها، قائلةً: يا رسول الله، إنّي امرأةٌ مقيِّنة(١١٧)، أُقيِّن النساء وأُزيِّنهنَّ لأزواجهنَّ، فهل هو حُوبٌ(١١٨) فأُثبِط(١١٩) عنه؟ فقال لها: (يا أُمّ رِعلة، قيِّنيهنَّ وزيِّنيهنَّ إذا كسدن)(١٢٠).
وعليه كانت أُمُّ رِعلة ماشطةً تُزيِّن النساء، وهذا أمرٌ يستدعي الحرص على كون عملها خالياً من كلِّ إشكالٍ ممكنٍ أن يقع، وهذه الالتفاتة العلميَّة منها جعلها موضع ثقة للنبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم في تبليغ الأحكام الشرعيَّة، لما تملك من نضوجٍ عقليٍّ يُوحي بإبرامها المسائل الفقهيَّة، موليةً اهتمامها لفقه الأُسرة المسلمة، مُدركةً مِفصلاً هامَّاً من جسد التشريع الإسلامي.
ولا ريب في امرأةٍ عرفت حقَّ محمّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم وآل محمّدٍ عليهم السلام في أن تبلُغ أسمى درجات المعرفة والتديّن كما يريده أهل البيت عليهم السلام بما أفاضوا عليها من الحكمة.
ثمّ إنَّ لشخصيَّة السيِّدة أُمّ رِعلة جانباً آخَر عقديَّاً يتمثَّل في موقفها بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والتزامها جانب الحقِّ والثبات على الولاية لآل الرسول بعد غيابٍ عن ساحة النبوَّة ببدنها، لكنَّ روحها كانت معلَّقةً بعالم الملكوت، تستشفُّ به أَوج الحقيقة، فتعلم بوفاة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وما آلت إليه أُمور المسلمين من انحرافٍ في عقيدتهم، ممارسةً دورها وتكليفها بإزاء انقلابٍ على الشرعيَّة والمشروعيَّة، وعدم إنصاف آل محمّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم بدفع الأمر إلى غيرهم؛ فهاجت وماجت في المدينة مُذَكِّرةً بالحقِّ وأهله، باكيةً نادبةً سيِّدَ الكون من جهةٍ وظلم آله من جهةٍ أُخرى، آخذةً بيدها اليمنى الإمام الحسن المجتبى عليه السلام وفي اليسرى الإمام الحسين عليه السلام، محتجَّةً بهما على القوم بسجيَّتها البدَويَّة وببراءة عشقها لآل البيت، مدافعةً عنهم بعدما تخاذل أشرافهم، لكنَّها بعزَّتها وعنفوانها أحدثت هزَّةً في المدينة، فكان أشبه بمأتمٍ متنقِّل، تنتقل من دارٍ إلى دار، لكنَّها لم تجد سوى قلوبٍ تملَّكها الجفاء، ووجوهٍ مكفهرَّةٍ ضُربَ عليها الخزي والمذلَّة، فما أسرع ما خانوا عهد النبوَّة، وأُمُّ رِعلةَ بنفسها أُمَّةٌ تخوض غِمار التحدّي، وتُثبتُ عقيدتها العلويَّة رغم أُنوف المنافقين، مردِّدةً نشيد الولاء:

 

يا دارَ فاطمةَ المعمورَ ساحتها * * * هَيَّجْتَ لي حَزَناً، حُيِّيتَ مِنْ دارِ(١٢١)

 

نعم يا أُمَّ رِعلة، لقد قلَّ ناصرهم، وشاحت وجوههم، وضُرِبَ على قلوبهم، أذلَّةً خاسئين!
أُمّ رِعْلة والإمام الحسن عليه السلام:
فمن الواضح أنَّ هذه السيِّدة المِعطاء كانت على قُربٍ من بيت الرسالة ومن ثقاتهم، ودلالةُ طوافها بالحسنين عليهما السلام يُشير إلى اكتنافهم لها، وإشادةٍ لها بالانتماء لهم، وتولّيها آخرَهم كما تولَّت أوَّلهم، فالاحتجاج بالحسنين هو مبايعةٌ لهما بعد أبيهما، وندْبتُها لبيت فاطمة عليها السلام لهي بيِّنةٌ واضحةٌ على معالم عقيدتها السويَّة، ضاربةً مثالاً رائعاً على نباهة أتباع أهل البيت عليهم السلام بخروجها للمطالبة بحقِّ عليٍّ عليه السلام بالخلافة، مردِّدةً شعراً باسم فاطمة عليها السلام، مصاحبةً للحسن والحسين عليهما السلام.. طورٌ عالٍ من الفدائيَّة والعقلانيَّة انسجمت عند هذه المرأة العظيمة!
وفي الرواية دلالةٌ على أنَّها صاحبَت الإمام الحسن عليه السلام، وقد تكون أدركته في محنته، إلَّا أنَّ التاريخ لم يذكر سيرتها وسنة وفاتها، لكنَّ كلَّ هذه الدلائل تُشير إلى أنَّها بقيَت بنت البيت العلويّ الوفيَّة البارَّة، ويكفيها شرفاً أنَّها أخذت بيد الحسن عليه السلام للاحتجاج به، وهو اعترافٌ ضمنيٌّ من الإمام الحسن عليه السلام بأنَّها ناطقةٌ رسميَّةٌ عن لسانهم، وصوتٌ جَهوريٌّ علا باسمهم، لتُسجِّل أُمُّ رِعْلة القُشَيريَّة نفسها بهذا الموقف البطوليِّ أنَّها حسنيَّة الهوى والعمل.. فبُشراكِ أيَّتها الحسَنيَّة ببيعكِ الذي بايعتِ.
السيّدة فاطمة بنت حزام
نسبها: هي فاطمة بنت حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن(١٢٢).
وأُمُّها: ليلى بنت السهيل بن مالك.
وهي من سادات بيوتات العرب وسنامها، عُرِفَ آباؤها بالشجاعة والفروسيَّة والفِراسة، من قومها أبو البَراء مُلاعب الأسنَّة, علَت شرفاً وسمَت عزَّاً وفخراً، سيِّدةٌ جليلةٌ عالمةٌ زكيَّةٌ تقيَّةٌ مخدَّرةٌ نجيبةٌ مصونةٌ، قلَّ نظائرها من النساء لِما حوته من شمائل وسمات.
كنيتها: كُنّيت بـ (أُمِّ البنين) مِنْ قِبَل زوجها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وذلك بطلبٍ منها؛ حفاظاً على عدم المساس بمشاعر الحسنين عليهما السلام بعد رحيل أُمّهما؛ لأنَّ اسمها مطابق لاسم أُمّهما، وذلك غاية اللطف والحِكمة والمعرفة والأدب منها.
اقترانها بالإمامة:
بعد رحيل سيِّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام ملتحقةً بأبيها الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم مظلومةً مقهورةً، انطفأ نور الزهراء في بيت عليٍّ عليه السلام، مفارِقةً الحسن والحسين وزينب عليهم السلام وهم بعمر الورود، وبأشدّ ما يكون الطفل بحاجة أُمِّه لتُغدِق عليه بحنانها وترعاه في معيشته، فكيف بهم وهم رياحين الرسول وقرَّة عينه، لم تهنأ بهم فاطمة عليها السلام ولم يهنؤوا بها، فبعد تصدّع قلوبهم بوفاة جدِّهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صُدعوا بموت أُمِّهم، بضعتِه وشبيهتِه والمُذكِّر به، حُرِموا مِنْ عطر فاطمة الذي كان يفوح في أروقة المدينة ومن شعاع نورها الذي كان يضيء في بيوتها..
طلب أمير المؤمنين عليه السلام من أخيه عقيل بن أبي طالب _ وكان من العلماء في النسَب والعارفين ببيوتات العرب كريمها وخبيثها _ أن ينتقي له دُرَّةً مصونة؛ كي تكون حليلته، وتتحمَّل معه أعباء الإمامة, فقال عليه السلام لأخيه عقيل: (أُنظُر إلى امرأةٍ قد ولدَتها الفحولةُ من العرب؛ لأتزوَّجها، فتلدَ لي غلاماً فارساً), فقال له: تزوَّجْ فاطمة بنت حزام الكلابيَّة، فإنَّه ليس في العرب أشجع من آبائها(١٢٣).
وفي الوقت نفسه كانت تروي السيِّدة فاطمة رؤياها لأُمِّها، فكأنَّها جالسةٌ في دارها إذ وقع القمر في حِجرها، وتبعه أربع كواكب، فإذا بأبيها يدخل عليها ليُبشِّرها ويُبشِّر أُمَّها بقدوم عقيل بن أبي طالب لخطبة فاطمة إلى أخيه عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فلمَّا سمع أبوها الحلم استبشر، وقال: لقد حقَّق الله رؤياكِ يا بُنيَّتي، فأبشري بسعادة الدنيا والآخرة(١٢٤).
فاستبشري يا فاطمة وافرحي بهذا الزواج الميمون، لتتَّسع دائرة الشرف التي تحيط بكيانكِ المبارك أيَّتها الطاهرة، ولتتحقَّق رؤياكِ التي بشَّركِ الله بها قبل أبيك، فستكونين تحت عطف الإمامة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة، لتُحيطكِ بهالة القدس الأبديَّة.
امرأةٌ بصفات فاطمة بنت حزام جديرةٌ بأن تكون زوجةً لأمير المؤمنين عليه السلام، وهي صفوة زوجات الإمام عليٍّ عليه السلام اللاتي اقترن بهنَّ بعد فاطمة عليها السلام، وعند زفافها إلى بيت عليٍّ عليه السلام رأى فيها الشرف والعِزَّة والسؤدد ورجحان العقل وسمة البهاء والنجابة، وكيف لا تكون وهي حليلة عليٍّ عليه السلام وقرينته، لكنَّها لم تكن تنظر إلى عليٍّ عليه السلام على أنَّه زوج فقط، بل هو إمامها المفترَض الطاعة ووصيّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهي العالمة، تعلم قدره وتعرف مكانته، عازمة أن تكون بقدر المسؤولية التي تصدَّت لها، وأنَّها أصبحَت في البيت الذي أذهب الله عنه الرجس وطهَّره تطهيراً، وأنَّ اسمها سيقترن باسم هذا البيت الذي مُلئ بأنفاس عليٍّ وفاطمة عليهما السلام وبخطوات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبنغمات أصوات الحسنَين عليهما السلام، لتعلو همَّتها وتُحسِّن طريقتها، لتخطو خطوتها الأُولى في مسيرة الإمامة بمنتهى الإدراك والعلم، مشيِّدةً مجدها الذي لم يأفل ولا يأفل عندما طلبَت من أمير المؤمنين عليه السلام قائلة: لي إليك حاجة! فقال عليه السلام: (وما حاجتُكِ؟)، قالت: أرجو أن لا تُسمِّيني فاطمة؛ لئلَّا ينكسر قلبُ الإمامين الحسنين وأُختهما زينب ويتذكروا أُمّهم. عند ذلك سمّاها: أُمّ البنين(١٢٥).
أيُّ وفاءٍ هذا لسيِّدة النساء، وأيُّ أدبٍ تحمل هذه السيِّدة المُبجَّلة التي أصبحَت لا ترى نفسها؛ لذوبان ذاتها في عشق آل الرسول عليهم السلام، مع عزَّتها وكرامتها في نسبها! إلَّا أنَّها أكسبت نفسها هويَّةً جديدةً باسم عليٍّ وبنيه عليهم السلام، مؤثرةً إيّاهم على فاطمة بنت حزام الكلابيَّة، وما تكنية الإمام عليه السلام إيّاها بهذه الكنية إلَّا بُشرى زَفَّها الإمام لها في يوم زفافها بأنَّها ستكون أُمَّاً لبنين أربعة، وستُطرَّز أسماؤهم في سماء الشهادة.
راعية السبطَين:
تدخل أُمُّ البنين في بيت عليٍّ عليه السلام متوجِّسةً خائفةً أن لا تُغضِب ربَّها في تقصيرها لأهل هذا البيت، تترقَّب في عيونهم حزناً فاضت به عيناها، تتأمَّل فيهم نظرات الأسى لفقدهم وجه فاطمة أُمِّهم ولمساتها الحنونة، فما أجلُّ الخطب وما أصعب الموقف، فكيف ستقتحم أُمُّ البنين أسوار الحزن التي أحاطت بدار الرحمة والرحمانيَّة؟ فاستنفرت أُمُّ البنين كلَّ جوارحها وجوانحها لاستيعاب جراحهم وتضميدها، ولسان حالها يقول: سأكون لكم أُمَّاً كما تريدون أنتم لا كما أُريد، وسأُطاوع نفسي وأُحيلها روحاً شفّافةً لتستقرّ فيها أرواحكم الطيِّبة، اسمحوا لي أن أكون في ركبكم مطيعة، واجعلوني وسادةً لخدودكم التي أشبعها رسول الله لثماً وتقبيلاً.
لتبدأ أُمُّ البنين مسيرتها البطوليَّة في ضمِّ الحسنين وزينب إلى كنفها، مُولِيةً إيّاهم كلَّ اهتمامها، لتكون عند حُسن ظنِّ مولاها أمير المؤمنين عليه السلام وسيِّدتها الزهراء عليها السلام، تُمارس وبدقَّةٍ دورها في إكمال حياتهم الطبيعيَّة والروحيَّة بعنايةٍ تامَّة، لتبعث في نفوسهم ابتسامةً غادرتهم طويلاً، وهي مع هذا على استحياءٍ من الزهراء عليها السلام، إنَّها مهما فعلَت تبقى في موضع التقصير، فلا يوجد امرأةٌ تُعوِّض مكان بضعة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم! ولم تنسَ فاطمة في خِضَمِّ هذه الحياة الدؤوبة في رعاية الحسنين عليهما السلام حُسن التبعّل مع عليٍّ عليه السلام ومساندته في محنه، وأعناق القوم مُشرأبَّة لعداوته والإيقاع به، فلم تألُ جهداً على توفير أجواء النصر على أعدائه، منكبَّةً على مداراته وتطييب نفسه, تنطلق هذه المرأة الغيور بكلِّ قوَّتها للدفاع عن دينها وعقيدتها، من منطلق ذاتها المفعَمة بالإيمان بأحقّيَّة عليٍّ وبنيه في قيادة الأُمَّة وتشريع أحكامها، بالرغم من محاولة دفعهم عن مقامهم ومراتبهم التي رتَّبهم الله فيها.
أمّ البنين عليها السلام والحسن عليه السلام:
أنجبَت أُمُّ البنين أربعةً من الأولاد، وقد ورثوا خلال الهاشميّين من أبيهم وشجاعة ونجابة خؤولتهم من أُمِّهم، أوَّلهم العبّاس بن علي عليه السلام، ولُقِّب بقمر بني هاشم لحُسنه وجماله وشجاعته، وعبد الله، وجعفر، وعثمان، لتُسنِد بهم الحسن والحسين عليهما السلام، جاعلةً منهم فدائيّين لهم، يطوفون حول الحسنين عليهما السلام كنسور الرُّبى، ذائدين عنهم تيمّناً بأُمِّهم، مُدجَّجين بكبريائهم العلويّ، منصهرين في بَودقة الإخلاص للإمامة المتمثِّلة بالحسن والحسين سيِّدي شباب أهل الجنَّة عليهما السلام، فهم ضمن دائرة الوفاء التي اختطَّتها أُمُّ البنين لفاطمة وبنيها.
واستمرَّت أُمُّ البنين في طريق خدمة الحسنين عليهما السلام، فالحسن كان يُمثِّل لها ركناً أساسيَّاً في محور الحركة المعصوميَّة وهو يتسنَّم مقاليد الإمامة بعد أبيه، فهو بأمسِّ الحاجة إلى الدعم المباشر من أنصار الإمام والإمامة، وبالتأكيد فإنَّ السيِّدة أُمّ البنين _ والتي عاصرَت حياة الإمام الحسن عليه السلام، وهي مِنْ أعرف الناس به، ومن العالمات بالوصيَّة ومداليلها، وأنَّه الحُجَّة على الناس بعد أبيه _ شمَّرَت عن ساعد الجِدِّ وأظهرت مضامين الحقيقة، لتلفِت أنظار المسلمين من أجل الالتفاف حول إمامهم، ومن جهةٍ أُخرى كان الإمام الحسن عليه السلام ينظر لها نظرة الأُمِّ الرؤوم التي احتضنَته منذ الصغر، وبقيت مواسيةً له ولإخوته، فلم يشعروا أنَّها زوجة أب، بل أُمُّ ثانيةٌ بعد أُمِّهم الصدّيقة فاطمة عليها السلام، قائمةً بخدمتهم هي وأولادها الأربعة، فهي _ كما عبَّر عنها جعفر النقديّ في كتابه (زينب الكبرى) _ كانت من النساء الفاضلات العارفات بحقِّ أهل البيت عليهم السلام، كما كانت فصيحةً بليغةً لَسِنةً، ذات تُقى وزهد وعبادة(١٢٦). وقال المازندرانيّ في (معالي السمطين): إنَّ ولدها العبّاس عليه السلام أخذ علماً جمَّاً في أوائل عُمره عن أبيه وأُمِّه(١٢٧).
فنستشفُّ أنَّ السيِّدة أُمّ البنين عالِمةٌ فصيحةٌ، ذات تقى وقوَّة بيان، وهو ممَّا يُؤهِّلها أن تكون ظهيراً قويَّاً ومستنَداً متيناً للإمام الحسن وأخيه الحسين عليهما السلام من بعده، استكمالاً لدورها الذي بدأ مع الإمام عليّ عليه السلام، فهي نصيرة العصمة، فتضحى قدوةً في الإيثار والتضحية..
هذا حَسَنُكِ يا أُمَّ البنين، تحيطه البلوى وأرباب النفاق, يجول في عينه فلا جدّه ولا أبوه ولا أُمّه، ليرمقكِ بنظرة الحزن التي ارتسمَت على ملامح وجهه الشريف، يشكو إلى الله فعل قومٍ ضيَّعوا الوصيَّة وركبوا ظهر الفتنة، فهل مِنْ مواسٍ له في محنته؟ هلمّي يا أُمَّ البنين لتحتضني ولدكِ البارّ، لتذكّريه بدفءِ صدر أُمِّه مكسورةِ الضلع، ولتُزيحي عنه هموم الحياة الدنيا التي أعلنت حربها على آل الرسول، وامسحي بكفَّيك الطاهرتين مواجعه وآلامه! أنتِ يا أُمَّ البنين ناصره في المهمّات في قبال خاذليه ونافذة الصبر الحاكية عن قوَّته وعنفوانه، شُمّي فيه رائحة عليٍّ عليه السلام لتستعيدي ذكرى تجلّده في تحدّي الصعاب، فهو الفارس المغوار، وارث سؤدد جدِّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشجاعة أبيه ومظلوميَّة أُمِّه.. خُذي بيده يا أُمَّ البنين، ليستشعر موقف أبنائكِ الأربعة الذين صنعتِ منهم حُماةً للعقيدة، فمدرسة الوفاء التي أسَّستِها على قواعد الإيمان وجزالة التضحية ستُخرِج أجيالاً تهتف باسمكِ عنوان البطولة والتفاني.
عانى الإمام الحسن عليه السلام من تخاذل أصحابه وغدرهم، وعدم نصرة دعوة الحقِّ بعد إلقاء الحُجج عليهم، وقيامه لمحاربة معاوية على سيرة عليٍّ عليه السلام، لتثبيت أركان دولة العدالة الإلهيَّة، لكنَّهم أبوا إلَّا مقارعة الحقِّ ونصرة الباطل، خدعَتهم الدنيا بغرورها، وأنفسَهم بعداوة المعصوم، فخلت ساحة الأنصار إلَّا القليل منهم، ومنهم أُمّ البنين وأولادها، فأثبتوا موقفاً مشِّفاً في مقابل شذوذ المواقف التي تبنّاها الآخَرون.
ويستمرُّ جهاد فاطمة بنت حزام وبنيها في مجابهة أعداء الإمام الحسن عليه السلام إمامهم وأخيهم، حتَّى دُسَّ إليه السمَّ ليقضي شهيداً، فما منهم إلَّا مسمومٌ أو مقتول! ليصيب سهمُ قتله قلبَ أُمِّ البنين المفجوعة بسيِّدها ووَلدها الإمام الحسن عليه السلام، بعد حياةٍ حافلةٍ بلحظات السعادة التي عاشَتها أُمُّ البنين معه، فكان لفقده الأثر الكبير في حياتها الشريفة، ولتحمل في خَلَجات نفسها حسرات فراق حبيبها الحسن عليه السلام، وحزن الحسين عليه السلام على أخيه وحبيبه، ولتبقى سلوته في أُخته زينب عليها السلام، وأُمّه أُمّ البنين ملاذاً من نكبات الدهر الذي جرَّعهم غصص الغدر والخيانة.
أمّ البنين عليها السلام والحسين عليه السلام:
فتُواصِل أُمُّ العبّاس مسيرتها بقلبٍ مفجوعٍ وصدرٍ موجوعٍ في إسناد ثاني الأسباط وبقيَّة السلَف من آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، تحثُّ الخُطى في ركبهم الإلهيِّ بعزمٍ وحزم، وما وقع في يوم عاشوراء خيرُ دليلٍ على عطاء أُمِّ البنين الثرّ الذي لم ينضب ولا ينضب، بكراماتها العديدة على المؤمنين، بعظمتها وجلالة قدرها وقربها من الله تعالى وحظوتها عند آل البيت عليهم السلام, فكان لبنيها دورٌ كبيرٌ في كربلاء.
ولم تُبالِ أُمُّ البنين بهم عند إخبار ابن حذلم بقتل الحسين عليه السلام، فيُخبرها بقتل عبد الله وجعفر وعثمان، فلم تكترث لقوله، فجميع مشاعرها كانت مع الحسين عليه السلام، فلم تكن ترى غيره، ثمّ يُخبرها بشهادة العبّاس عليه السلام، فيسقط ابن العبّاس عُبيد الله مِنْ على كتفها، لعلمها أنَّ العبّاس عليه السلام المحامي الأوَّل عن الحسين عليه السلام، فنفذ صبرها وذابت مهجتها، ثمّ ينعى إليها حبيبها الحسين عليه السلام!
ما أشدّ صبركِ، وما أكبر روحكِ، وما أسمى شخصكِ! تُؤثِرين الحسين عليه السلام على أولادكِ، لتضربي لنا أروع صور الإيثار والصبر على المصيبة..
ولم يبقَ سوى عزيزتها زينب عليها السلام، لتقضي معها وطرها الأخير من رحلتها، فتستقبل أُخت الحسين عليه السلام نادبةً إيّاه دون أولادها، مُشعِرةً إيّاها أنَّها أُمُّهم قبل أن تكون أُمَّ البنين، سائلةً زينب عليها السلام رضاها عن إخوتها وعدم تقصيرهم في النصرة، فتُبادر زينب عليها السلام بندب العبّاس عليه السلام إيفاءً لحقِّ شريكتها في العزاء، تشدُّ إحداهما أزر الأُخرى بعد فقد سيِّد شباب أهل الجنَّة عليه السلام، منتهلتين صبر الزهراء عليها السلام التي ندبت الحسين عليه السلام وبكت عليه في يوم مولده، ففاضت عيون الفواطم: بنت محمّد وبنت حزام، فكأنَّ التاريخ يعيد نفسه، ففاطمة عليها السلام بالأمس تُذكِّر زينب عليها السلام باستشهاد أخيها وما يجري عليه من المصائب، وفاطمة اليوم تُذكِّر زينب عليها السلام بأنَّها وإن لم تحضر معهم الطفَّ إلَّا أنَّ قلبها وأولادها معهم.
وفاة السيّدة أمّ البنين عليها السلام:
لم يُؤكِّد التاريخ بشكلٍ قاطع سنة وفاة أُمّ البنين عليها السلام، إلَّا أنَّ الأرجح أنَّها تُوفّيَت يوم الثالث عشر من جُمادى الآخرة عام (٦٤هـ)(١٢٨), فتكون بهذا قد عاصرَت الإمام الحسن المجتبى عليه السلام والإمام الحسين عليه السلام، وكانت شاهدةً على الأحداث التي مرَّت بهم، ولا شكَّ أنَّها كانت معهم في كلِّ هذا، وكان لها الأثر الفاعل في حركتهم السياسيَّة والجهاديَّة من زاوية الأُمِّ الراعية لهم؛ وبسبب أنَّ التاريخ لم يُكتَب بأيدٍ مُنصفة، ولم يَذكر لنا كثيراً من سيرتها المباركة ورفدها بالمواقف والأحداث التي تسارعت حركتها بعد استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام الذي تبنّى السيِّدة فاطمة بنت حزام علميَّاً وروحيَّاً، مهيِّئاً لها أسباب قيادة البيت العلويّ ومداراته.
أمَّا عدم حضور السيِّدة فاطمة بنت حزام في يوم عاشوراء، فلا بدَّ أن يكون له أسبابٌ موضوعيَّةٌ منعتها من الحضور، خصوصاً وأنَّ كثيراً من المقرَّبين من الإمام الحسين عليه السلام لم يحضروا الواقعة، مثل عبد الله بن جعفر ابن عمِّه وزوج زينب عليها السلام وأبي الشهداء عبد الله وعَون، بسبب مرضه الذي حال دون اللحاق به، وكذلك محمّد بن الحنفيَّة الذي طالما دفع الكرب وحامى عن الحسين عليه السلام بأمر أبيه أمير المؤمنين عليه السلام، ولكنَّ إصابته بالفالج في رجله كان سبباً في بقائه في المدينة، ولأمرٍ آخَر قدَّره الله تعالى في إظهار مظلوميَّة الحسين عليه السلام بعد استشهاده وقيادة حركةٍ سياسيَّةٍ للثأر من قاتليه, وأيضاً فاطمة بنت الحسين عليها السلام العليلة، التي فارقها أبوها وإخوتها على فراش المرض، تاركين إيّاها مع أُمنيات وأمل العَودة، ومهْدُ أخيها عبد الله الرضيع تهزّه بعبراتها الملائكيَّة، متذكّرةً صدى صوته وهو يناغيها.
وكذلك أُمُّ البنين.. فمِنْ المرجَّح أن يكون لها أثرٌ كربلائيٌّ خارج إطار المعركة، فواقعة كربلاء لم تُحدّ بحدٍّ جُغرافيٍّ ولا زمانيٍّ، بل امتدَّ واتَّسع ليشمل كثيراً ممَّن شاركوا في النهضة الحسينيَّة، ولكنَّ تكليفهم اقتضى أن يكونوا شهوداً على نقل أحداث كربلاء إلى مدى أبعد، لتحقيق الغاية من خروج الحسين عليه السلام ونشر مبادئه في البلاد الإسلاميَّة والمسلمين.
فسلامٌ عليكِ يا أُمَّ البنين، يا مَنْ حملتِ أثقال الإمامة على كاهلكِ، مستبشرةً ناصحةً، راعَيتِ وواسيتِ وعلمتِ وعملتِ وضحَّيتِ بكلِّ ما تملكين من أجل رضا الله برضا محمّدٍ وآله، وقد نلتِ مرادكِ بجدارةٍ كبيرة، يا حليلة عليٍّ عليه السلام وشجرته المثمرة بقمر بني هاشم عنوانِ البطولة والشهامة، فما ندبُك له ولإخوته إلَّا رمزاً وأُنموذجاً لما يجب أن تكون عليه المرأة المسلمة من الإباء والإيمان بالعقيدة.
أمّ بشر بنت أبي مسعود الأنصاريّة
هي السيِّدة أُمُّ بِشر، إحدى زوجات الإمام الحسن عليه السلام، وذُكرَت بالكنية دون الاسم، وقد يكون هو اسمها، لِما هو متعارَفٌ عند العرب.
أبوها: أبو مسعود عُقبة بن عمرو، من بني خدارة بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاريّ(١٢٩) البدري, من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، استخلفه على الكوفة لمَّا سار إلى صفّين، واستخلافه إيّاه يدلُّ على ثقته وعدالته(١٣٠), قُتِلَ يوم الحَرَّة(١٣١), وشهد العَقَبة، ولم يشهد بدراً، وشهد غزوة أُحُد. فيظهر ممَّا تقدَّم أنَّ والد السيِّدة أُمّ بِشر من الثِّقات والموالين لأمير المؤمنين عليه السلام.
تزوَّجت الإمام الحسن المجتبى عليه السلام بعد وفاة زوجها عبد الرحمن بن عبد الله المخزومي(١٣٢)، وأعقبت من الإمام الحسن عليه السلام: زيداً وأُمَّ الحسن وأُمَّ الحسين(١٣٣)، وزيد له عقبٌ كثير(١٣٤), فلم يُعقِّب الإمام الحسن عليه السلام سوى مِنْ الحسن وزيد ابنيه.
أمَّا السيِّدة أُمّ بشر فيمكن إثبات وثاقتها من مجموع الأدلَّة السابقة مِنْ صُحبة أبيها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وولايته لأمير المؤمنين، واعتماد الإمام عليه، وعدم انحرافه، ومدحه، إضافةً إلى أنَّ الحوادث التاريخيَّة وسيرة المعصومين لم تذكر ما يُشكِّك بولائها للإمام الحسن عليه السلام وصحبتها له بإخلاصٍ ووفاء، وهو شيءٌ محمود يُحسَب لها، فلو كان لها معارضة للإمام الحسن عليه السلام لَبان ذلك كما في بعض نسائه، ولكنَّ عدم الدليل دليل العدم، بما يجعلنا على اطمئنانٍ بكونها من الصالحات المؤمنات الممدوحات، خصوصاً أنَّ ذرّيتها المباركة من الإمام الحسن عليه السلام وتبريزهم داعمٌ لموقفها من الولاية والإمامة، فالمرأة التي تربَّت في بيتٍ ولائيٍّ لعليٍّ عليه السلام واختيار الإمام الحسن عليه السلام لها زوجةً يُبعِد الشبهات عن كونها انحرفت عن خطِّ الإمامة، بل هي في صلب الإمامة، فاقترانها بالإمام وإنجابها منه تزكيةٌ لها وتخليةٌ لسِربها من كلِّ ما من شأنه الإنقاص من قَدرها.
وعليه، فإنَّ السيِّدة أُمّ بشر زكيَّةٌ طيِّبةٌ، رافقَت الإمام مدَّةً من حياته، وشاركته هموم المعارضات السياسيَّة التي اجتاحت الوضع العامّ إبان إمامته، وقد شهدت السيِّدة أُمّ بشر إخفاق الأُمَّة في حفظ أمانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يبعد كونها من المدافعين عن الإمام عليه السلام من غصب الخلافة السماويَّة لمنتحلي الإسلام وشاقّي عصا الوحدة الإسلاميَّة, وبما أنَّ للمرأة المسلمة أثرٌ فعّالٌ وناضج في التعامل مع الأحداث التي وقعت في صدر الإسلام، سواء كان إعلاميَّاً أو جهاديَّاً، ولا يبعد أن تكون السيِّدة أُمّ بشر قد استثمرت قربها من الإمام الحسن عليه السلام في أنَّها زوجة، وبوجود السيِّدة زينب عليها السلام القائدة للحركة النسائيَّة أعطى الحافز والدافع لأُمِّ بشر للتحرّك والتثقيف على سلامة موقف الإمام الحسن عليه السلام بالأدلَّة والبراهين العقديَّة الصحيحة.
بقيت الإشارة إلى أنَّ مجرَّد قيام السيِّدة أُمّ بشر بواجبها في خدمة الإمام عليه السلام في بيتها وحُسن تبعّلها معه والقيام بتنشئة ذرّيةٍ صالحةٍ، حفظت للإمام الحسن عليه السلام امتداده التاريخيّ والبشريّ، وهذا بحدِّ ذاته منقبةٌ وكرامةٌ للسيِّدة أُمّ بشر في تخليد اسمها على أنَّها زوجةٌ للإمام الحسن المجتبى عليه السلام سبط الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقُرَّة عين البتول وبِكر أمير المؤمنين عليهما السلام.
فجزاكِ الله يا أُمَّ بشر خيراً، وألحقكِ بإمامك الحسن عليه السلام في جنّات النعيم.
رملة أمّ القاسم عليه السلام
إنَّ المشرِّع الإسلاميِّ _ سواء كان الله تعالى في كتابه العزيز أو النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أو أئمَّة أهل البيت المعصومين عليهم السلام _ كان حريصاً جدّاً على إذابة كلّ الفوارق الاجتماعيَّة والإنسانيَّة، بكلِّ أنواعها وبمختلف أجناس البشر وألوانهم وأعراقهم، ومن المساوئ الاجتماعيَّة التي كانت سائدةً قبل الإسلام وعالجها المشرِّع الإسلاميِّ وعلى نحوٍ يحافظ على كرامة المرء ووضعه الاجتماعي قضيَّة الرقِّ؛ فشرع العتق كفّارةً على بعض المخالفات الشرعيَّة، فيكون المسلم مُلزَماً _ إذا كان معتقداً بحِكمة التشريع ومؤمناً بالثواب والعقاب _ أن يُطبِّق تعاليم الإسلام بحذافيرها وأيَّاً كانت.

 

فاستثمر أهل البيت عليهم السلام هذا الفرع الفقهيِّ في عتق العبيد والإماء، وإعطائهم حرّيَّتهم بعد تثقيفهم إسلاميَّاً وإشباعهم بالفكر العقديِّ الصحيح، بحيث يكونون أفراداً مؤثِّرين اجتماعيَّاً ومبلِّغين بأحكامه ووصاياه، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، بل إنَّ الإمام السجّاد عليه السلام بحكم الظرف السياسيِّ استخدم هذا الأُسلوب بأبعد مدياته، فجعل مِنْ عبيده وإمائه نقلةً لفكر أهل البيت عليهم السلام، بعد تدريسهم وتربيتهم على المُثُل العُليا للإسلام، وبعد ذلك إعتاقهم ونشرهم في مدن الأرض للتوعية والتثقيف.
ومن هنا كان للسيِّدة رملة زوجة الإمام الحسن عليه السلام التي كانت أَمَةً عنده وتزوَّجها؛ لِما وجد عندها من إيمانٍ ونضوجٍ فكري، كان لها الحظوة عند إمامها، مُسترجعاً كرامتها التي هُدرت باستعبادها؛ ولما كان يرى في مسيرتها مع أخيه الحسين عليه السلام، وأنَّ الإمام الحسن عليه السلام سوف يُودِع عندها كنزه المكنون وثمرته الطيِّبة التي سوف يفتدي بها أخاه الغريب الحسين عليه السلام، وهو ابنه القاسم بن الحسن عليه السلام، إضافةً إلى وظيفتها مع نساء الطفِّ اللواتي شهدن أعظم مصيبة في التاريخ، مُنتفضات بثورتهنَّ العارمة تحت لواء سيِّدتهنَّ زينب عليها السلام، على الرغم من السبي والفجع بقتل أولادهنَّ وأزواجهنَّ وأحبَّتهنَّ، فكان لهذه السيِّدة الجليلة أثرٌ مشرِّف مِنْ تشجيع وَلدها على القتال والذبِّ عن عمِّه الإمام الحسين عليه السلام، مع ما لهذا الولد من مكانةٍ عند أهل البيت عليهم السلام، خاصَّة، وقد قدَّم هذا الولدُ المبارك وأُمُّه صوراً بطوليَّةً وإيمانيَّةً عظيمةً.
فيروي لنا حميد بن مسلم عند مشاهدته لواقعة كربلاء، يقول: فأنا لَكذلك إذ خرج علينا غلامٌ كأنَّ وجهه شِقَّة قمر، في يده سيف، وعليه قميصٌ وإزارٌ ونعلان قد انقطع شِسْع(١٣٥) إحداهما, فقال لي عمر بن سعيد بن نُفَيل الأزديّ: والله لَأشدَّنَّ عليه! فقلت: سبحان الله, وما تريد بذلك؟ دَعْه، يكفيه هؤلاء القوم الذين ما يُبقون على أحدٍ منهم, فقال والله لأشدّ عليه! فشدَّ عليه، فما ولّى حتَّى ضرب رأسه بالسيف ففلقه، ووقع الغلام لوجهه، فقال: يا عمّاه! فجلى الحسين عليه السلام كما يجلي الصقر، ثمّ شدَّ شدَّة ليثٍ أغضب، فضرب عمر بن سعيد بن نُفيل بالسيف، فاتَّقاه بالساعد، فأطنَّها من لدن المرفق، فصاح صيحةً سمعها أهلُ العسكر, ثمّ تنحّى عنه الحسين عليه السلام، وحملت خيل الكوفة لتستنقذه فوطأته بأرجلها حتَّى مات.
وانجلت الغُبرة، فرأيتُ الحسين قائماً على رأس الغلام وهو يفحص برجله، والحسين عليه السلام يقول: (بُعداً لقومٍ قتلوك، ومَنْ خصمهم يوم القيامة فيك جدُّك)، ثمّ قال: (عَزَّ واللهِ على عمِّك أن تدعوه فلا يُجيبك، أو يجيبك فلا ينفعك، صوتٌ واللهِ كثر واتروه وقلَّ ناصروه). ثمّ حمله على صدره، فكأنّي أنظر إلى رجلَي الغلام تخطّان الأرض، فجاء به حتَّى ألقاه مع ابنه عليّ بن الحسين والقتلى من أهل بيته, فسألتُ عنه فقيل لي: هو القاسم بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام(١٣٦).
فهذا الفتى العلويّ أبى أن يرى عمَّه وحيداً في الميدان دون نصرته، فالعمُّ الإمام كان أباً له بعد رحيل أبيه الإمام الحسن عليه السلام، ووديعته عند عمِّه الحسين عليه السلام.
حدث ذلك أمام أُمِّه رملة.. فكانت تُراقب من بعيدٍ ولدها ماذا يفعل في نصرة ابن فاطمة، وقد آلت إلَّا أن تواسي سيِّدتها الزهراء في ولدها الحسين عليه السلام، مُشجِّعةً إيّاه، مُوجِبة عليه عدم التقصير في جهاد أعداء الإسلام على صغرٍ منه ورَيَعان شبابه، إلَّا أنَّ الروح الهاشميَّة التي بين جنبيه كانت تهتف بالشهادة على طريق الأولياء بأُنسٍ ومحبَّة، فما يرى الموت إلَّا عادة، وكرامته من الله الشهادة، لتقرَّ عين رملة بشبلها المذبوح، وتتصبَّر بصبر زينب عليها السلام على النوائب.
ويُذكَر في أخبار كربلاء أنَّ لرملة أولاد غير القاسم قُتلوا يوم عاشوراء، وهم: أبو بكر بن الحسن، وعبد الله بن الحسن(١٣٧)، الذين ذخرهم الإمام الحسن عليه السلام ليوم عاشوراء بإشراف السيِّدة الجليلة أُمّهم رملة.
إنَّ استيداع الإمام الحسن عليه السلام هذه المرأة الطاهرة النقيَّة ذرّيته المقتولة في كربلاء يثير التساؤل عن شخصيَّة هذه السيِّدة المجهولة تاريخيَّاً، ويدلُّ على مزيد اهتمام الإمام الحسن عليه السلام فيها وتربيتها تربيةً خاصَّةً لحمل هذه المسؤوليَّة الكبرى، فالإمام الحسن عليه السلام كان يُهيِّئ لهذا اليوم منذ زمن؛ لعلمه بحادثة كربلاء، فإن لم يكن موجوداً بشخصه إلَّا أنَّه موجودٌ بأولاده وزوجته، بهذا البيت المعمور بالإيمان والإيثار والتفاني في نصرة أهل البيت المظلومين.
قيل: إنَّ اسم السيِّدة رملة هو (نفيلة) _ كما في بعض الأخبار_، وربَّما يكون تصحيفاً لاسمها، أو أن يكون اسمها السابق وسمّاها الإمام الحسن عليه السلام باسم رملة أو العكس, ولكن تبقى شخصيَّة هذه المرأة المعطاء رمزاً للفداء والتضحية لدينها ولأئمَّتها الذين استضاءت بنورهم وتصبَّرت بصبرهم..
فيا أُمَّ الشهداء الصابرة المحتسبة، لكِ في كلِّ مأتمٍ ذكرى ودرسٌ وعِبرة لكلِّ امرأةٍ حُرَّةٍ تجلَّدت في تحمّل الأذى لنصرة دينها ومقدَّساتها.
خَولة بنت منظور بن زبان الفزاريّة
وهي السيِّدة خَولة بنت منظور بن زبان بن سيّار بن عمرو بن جابر بن عقيل بن سمى بن مازن بن فزارة بن ذبيان(١٣٨).
أُمُّها: مَليكة بنت خارجة بن سنان بن أبي حارثة المرّي.
إحدى زوجات الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، وهي من النساء الفاضلات، كانت قبل زواجها من الإمام الحسن عليه السلام تحت محمّد بن طلحة بن عُبيد الله(١٣٩), أولدت منه داود وأُمَّ القاسم وإبراهيم، وكانت حاملاً بإبراهيم(١٤٠) عندما قُتِلَ محمّد بن طلحة في معركة الجمل، وبعد وضع إبراهيم تزوَّج بها الإمام الحسن عليه السلام، فأولدت منه الحسن المثنّى والحسين الأثرم.
ولمَّا سمع أبوها بزواجها من الإمام الحسن عليه السلام دخل المدينة وركز رايته على باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلم يبقَ في المدينة قيسيٌّ إلَّا دخل تحتها، ثمّ قال: أمثلي يُغتال عليه في ابنته؟ فقالوا: لا! فلمَّا رأى الحسن عليه السلام ذلك سلَّم إليه ابنته, فحملها في هودجٍ وخرج بها من المدينة، فلمَّا صار إلى البقيع قالت له: يا أبة، أين تذهب؟ إنَّه الحسن بن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وابن بنت رسول الله, فقال: إن كان له فيكِ حاجة فسيلحقنا. فلمَّا صاروا في نخل المدينة وإذا بالحسن والحسين عليهما السلام وعبد الله بن جعفر قد لحقوا بهم، فأعطاه إيّاها فردَّها إلى المدينة(١٤١).
تُفسَّر هذه الرواية بعدَّة معاني:
منها: أنَّ الإمام الحسن عليه السلام أكرم هذه المرأة بعد فقد زوجها، صوناً وحفظاً لها من الإذلال والعوز، وهي من بيتٍ له مكانته في العرب.
ومنها: أنَّها تدلُّ على الواقع القبَليِّ وما كان يحمل من ترسّبات الجاهليَّة التي علقت به ولم يستطع التخلّص منها، مع تأكيد النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام على نبذ هذه التقاليد البالية، مع علمهم أنَّه ابن رسول الله وأمير المؤمنين، إلَّا أنَّ العصبيَّة القبليَّة سادت تفكيرهم الذي ما زال العُرف فيه حاكماً على الشرع، وهي إحدى ركائز معاناة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وآله عليهم السلام الذين أرادوا تعليمهم أنَّ الانتماء للدين فوق الانتماء للقبيلة، فالإسلام هو مشروع الحياة الجديدة التي أسَّس لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رسالته الخالدة، رسالةِ الإنسان الحرِّ مِنْ غير عبوديَّةٍ ولا قيود, فتعامل الإمام الحسن عليه السلام بما يريدون من ردِّ اعتبارٍ في مفهومهم البسيط، ومُراعياً غضاضة الإسلام فيهم بحكمةٍ عاليةٍ، لكي يُدرِكوا المعنى من وراء زواجه، فهو ليس إهانة بل صوناً ورعايةً لابنتهم.
ومنها: أنَّ الذي يلوح من هذه الرواية هو عقيدة هذه المرأة الحقَّة واتِّباعها لمذهب أهل البيت عليهم السلام، وذلك عندما تُذكِّر أباها بأنَّه الإمام الحسن سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن أمير المؤمنين عليه السلام وابن فاطمة عليها السلام، عارفةً بحقِّهم، مواليةً لهم، كاشفةً عن موقفها الصريح باتِّباع عليٍّ عليه السلام وابنه الحسن عليه السلام، وبطريقةٍ تدلُّ على نجابتها وعقلها، فلم تشأ أن تُشعِل نار الفتنة بموقفٍ مضادٍّ لقبيلتها، لئلَّا يزدادوا تعنّتاً وعناداً، وهي لم تخرج إليهم إلَّا بإذن مولاها وزوجها الإمام الحسن عليه السلام، بإدراكٍ وعنايةٍ فائقةٍ لخطورة الموقف.
فهي _ إذن _ مواليةٌ نجيبةٌ، حسنة التشيّع، متأدِّبةٌ بأدب المجتبى عليه السلام، مُلازمةٌ لجانب الحقِّ وأهله، عزيزةٌ في أهلها، ذليلةٌ مع زوجها تذلّل العارف المتَّقي، ولم يؤدِّ اقترانها بمحمّد بن طلحة إلى انحراف معتقدها وتغيير سيرتها، فحباها الله تعالى بكرامة الزواج من ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, فكانت مُحِبَّةً للإمام الحسن عليه السلام، مفدّيةً له، حريصةً على سلامته، آخذةً بيده في المُلمّات، تشدُّ أزره وترعى وُلده، قائمةً مقام الزوجة من زوجها بأمر الله تعالى، خصوصاً وهي تعلم شخصه ومكانته وعظمته.
لمَّا تزوج الحسن بن عليّ عليه السلام خولة بنت منظور بات في ليلة من الليالي على سطح أجْم(١٤٢), فشدَّت خمارها برجله والطرف الآخر بخلخالها, فقام من الليل, فقال: (ما هذا؟)، قالت: خِفتُ أن تقوم من الليل بوسنك(١٤٣) فتسقط, فأكون أشأمَ سخلةٍ على العرب. فأحبَّها، فأقام عندها سبعة أيّام(١٤٤).
فحُبُّ الإمام عليه السلام لها لصدق سريرتها وبراءتها في شدِّ رجله خوفاً عليه من السقوط، بعاطفة الزوجة المُحبَّة الغالبة على عقلها الواعي بأنَّ علم المعصوم فوق تصوّرنا الحسّي.
قلب السيِّدة خولة الذي امتلأ ببهاء الإمام وجماله وعزِّه، وبشغف الوصول إلى رضا الله بخدمتها لخليفة الله، جعل منها حاضنةً أمينةً لمتعلّقات الإمام والإمامة, تُدلي بدلوها في تحدّيات المرحلة، ولكن بما يقتصر على وظيفتها الفعّالة في رعاية وعناية خصوصيّات الإمام والزوج، منتعشةً برفاهية القرب من آل الله المتمثِّلة بالسبط الحسن عليه السلام، ليقرَّ عينها مولودٌ مبارك صار سميّ أبيه، وهو الحسن المثنّى ابن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، ثمرةٌ مباركة من الإمام الحسن عليه السلام، وأُمٌّ ارتبط كيانها بزوجها المعصوم.
والحسن بن الحسن من أشهر أولاد الإمام، وهو من سادات بني هاشم، ووصيّ أبيه، تولّى صدقات أمير المؤمنين عليه السلام، وكان شخصيَّةً مرموقةً ومحترمة حتَّى عند أعدائه، فاضلاً رئيساً، حضر واقعة الطفّ مع عمِّه الإمام الحسين عليه السلام، وأُثخِن بالجراح، ونقله أسماء بن خارجة _ وكان له رحمٌ معه _ وعالجه حتَّى شُفي. فهو غصنٌ نديٌّ من الإمام الحسن عليه السلام وخولة الفزاريَّة، أبى إلَّا أن يدفع الضيم والحيف عن عمِّه الحسين عليه السلام، مُجاهِداً ببسالةٍ وبطولةٍ، ليقرَّ عين خولة عند فاطمة الزهراء عليها السلام، وليكون لخولة بصمةٌ حسينيَّة كما كان لها بصمةٌ حسنيَّة.
وقد ذكر السيِّد الزنجانيّ في كتابه (وسيلة الدارين) أنَّ ممَّن حضر الطفَّ خولة بنت منظور، فإنَّ أغلب نساء عليٍّ والحسن والحسين عليهم السلام وبناتهم قد حضرن بصحبة الإمام الحسين عليه السلام، وليس ببعيد، فإنَّ امرأةً بصفات السيِّدة خولة وإيمانها الولائيِّ يضعها موضع الخيرة من النساء اللواتي أبَين إلَّا نصرة المظلوم واتِّباع هداه، إضافةً إلى حضور ولدها الحسن المثنّى في الواقعة ممَّا يعضد كونها قد شاركت يوم عاشوراء، وبما أنَّ التاريخ لم يذكر سنة وفاتها بعد الإمام الحسن عليه السلام بفترة قصيرة، فيُرجَّح امتداد حياتها إلى يوم عاشوراء، سائرةً في ركب الخلود الحسنيّ والحسينيّ، موقِدةً شمعة الوفاء لأهل البيت عليهم السلام، لتنال من الله جزاء عملها خيراً ورضواناً.
أمّ إسحاق بنت طلحة
من زوجات الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، وهي أُمُّ إسحاق بنت طلحة بن عُبيد الله التَّيمي، أولدت منه طلحة مات وهو صغير(١٤٥).
وهي من الصالحات المؤمنات، يكفيها شرفاً وعزَّاً اقترانها بسبط النبيِّ الأكبر عليه السلام، ولا يوجد ما يُظهِر عداءها لأهل البيتعليهم السلام، وإن كان أبوها مخالفاً لأمير المؤمنين عليه السلام وناكثاً لبيعته، إلَّا أنَّها لم تقف موقفاً مُضادَّاً للإمام الحسن عليه السلام كما كان بعضهنَّ، وبقيَت على ذمَّة الإمام إلى شهادته من غير أن يذكر التاريخ انحرافها العقديّ، أو اتِّخاذها موقفاً مغايراً لما كانت عليه، فولاؤها أظهر من عدمه.
ثمّ بعد الإمام الحسن عليه السلام تزوَّجها أبو عبد الله الحسين عليه السلام، فأولدت له فاطمة الكبرى بنت الحسين عليه السلام، السيِّدة الجليلة المباركة العالمة، زوجة الحسن بن الحسن عليه السلام، من النساء الهاشميّات البارزات, وزواج الحسين عليه السلام منها يعضد كونها على الخطِّ العلويِّ، ولو كان قد خالط مكنونها الخيانة لمذهبهم عليهم السلام لَما اتَّخذها الإمام الحسين عليه السلام حليلةً له، ومن ثَمَّ لِتلد له العلويَّة الطاهرة فاطمة.
تذكر لنا أُمُّ إسحاق بنت طلحة روايةً عن الحسنين عليهما السلام، تؤكِّد قربها منهما وتميّزها برصد أحداثهما عن قُرب، ببركة وجودها في عالم السماحة والأُفق الملائكيِّ الذي كان يدور حول محورهم الزكيِّ، فتقول: كان الحسن بن عليّ عليه السلام يأخذ بنصيبه من القيام أوَّل الليل, وكان الحسين عليه السلام يأخذه مِنْ آخِر الليل(١٤٦).
تُشكِّل هذه الرواية لوحةً برّاقة وجميلة، لجمال البيت العلويّ المتعبِّد آناء الليل وأطراف النهار، وأُمُّ إسحاق السيِّدة الفاضلة ترمق بعينها المستغرقة ببهاء الإمامة كلَّ سكناتهم وتحرّكاتهم، فتنقل بكلماتها الشفّافة سيرة المعصومين، فهذه السيِّدة الجليلة فرحة بالزواج من السبطين والريحانتين، اللذين ملأ عطرُهما حياةَ أُمِّ إسحاق، لتعيش مزهوَّةً بما حباها الله من قُرب المعصومين عليهم السلام.
وما البنت إلَّا صنيعة أُمِّها، فكان لتربية السيِّدة فاطمة بنت الحسين عليه السلام الأثر الكبير من الحصانة النفسيَّة والإحاطة العلميَّة من قِبَل أُمِّها، وهي دلالةٌ أُخرى على مكانة هذه السيِّدة في البيت الهاشمي.
وهي من زوجات الإمام الحسن عليه السلام التي ذُكِرَت بالاسم وليست بأَمَة, كما ذُكِرَ من زوجاته عليه السلام _ إضافةً إلى أُمِّ إسحاق بنت طلحة _: خولة بنت منظور بن زبان، وأُمّ بشير بنت أبي مسعود، وهند بنت سهيل بن عمرو، وأُمّ كلثوم بنت الفضل بن العبّاس.
لتضمن أُمُّ إسحاق منزلتها العالية عند الله، متشفّعةً بتلاحمها وصيرورتها جزءاً من الأُسرة الحسنيَّة والحسينيَّة، فهي فقط مَنْ تزوَّج بها الحسنان دون غيرها من النساء، لتزدان برونق البركة الإلهيَّة.
فاطمة بنت الإمام الحسن المجتبى عليه السلام
نذكرها ليس من باب التعريف، ولكن لذكرها المبارك الذي نستوحي منه القُدس والجلال، لتطمئنَّ قلوبنا وتُشفى نفوسنا، لنعتق بها أرواحاً مغلولةً بسلاسل نفسٍ أمّارة، فنُطهَّر بطهر هذه السيِّدة العظيمة.
السيرة المباركة:
هي فاطمة بنت الإمام الحسن ابن الإمام عليّ بن أبي طالب عليهم السلام، وعمُّها سيِّد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام، وزوجها الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام، وابنها الإمام محمّد الباقر عليه السلام، وأُمُّها أُمُّ فروة بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر(١٤٧)، غصنٌ حسنيٌّ فاطميٌّ علويٌّ محمّديٌّ هاشميٌّ، تفرَّع من الإمامة وأثمر بالإمامة، منتهى الشرف والجلال، كاملةٌ عابدةٌ زاهدةٌ عالمةٌ محدَّثةٌ، معدن الطهر والنقاء، فاضلةٌ صدّيقةٌ مخدَّرةٌ، وهي ملتقى فرعي السبطين الحسن والحسين عليهما السلام، وهي أوَّل عَلَويَّة وَلدت لعلويٍّ، صاحبة الكرامات مِنْ عباد الله الصالحين وأوليائه المتَّقين.
كنية فاطمة: أُمُّ عبد الله.
وكان لها من الأولاد: الإمام أبو جعفر محمّد الباقر عليه السلام، وعبد الله الباهر(١٤٨).
السيِّدة فاطمة موضع ثقة الأئمَّة عليهم السلام، ولا ريب في ذلك؛ فقد تربَّت في حِجر الإمام الحسن عليه السلام، ونهلَت من علمه وتخلَّقَت بخُلقه، فكانت زهرةً فوّاحةً بالعطر المحمّدي، اشتهرت بكثرة العبادة، لم تُرَ إلَّا راكعةً أو ساجدةً، حتَّى كانت من سيِّدات نساء زمانها عِفَّةً وتقوىً وعلماً وفضلاً، حيث جمعَت النسبَ الشريف والمقام الإلهيّ الذي شهد لها به حفيدها الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام، كما رُوي عنه في الخبر: محمّد بن يعقوب الكلينيّ، قال أبو الصبّاح: وذكر أبو عبد الله عليه السلام جدَّته أُمّ أبيه يوماً، فقال: (كانت صدّيقة، لم تُدرَك في آل الحسن امرأةٌ مثلها)(١٤٩).
وهذا التقرير من الإمام الصادق عليه السلام يؤكّد ما لهذه السيِّدة الكاملة من مكانةٍ عند الأئمَّة عليهم السلام، وأنَّها صدّيقةٌ في القول والعمل، وهو توثيقٌ من الإمام المعصوم على صحَّة روايتها عنهم عليهم السلام، بل إنَّها مِنْ أصدق الراوين عنهم؛ لِما تملكه من خصوصيَّة نسبتها وقُربها من الأئمَّة.
والسيِّدة فاطمة بنت الحسن المجتبى عليه السلام هي غير السيِّدة فاطمة بنت الحسن المثنّى ابن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، والتي روت أيضاً عن آبائها عليهم السلام، وهي زوجة الإمام الصادق عليه السلام(١٥٠).
ومن الكرامات المرويَّة عن السيِّدة فاطمة بنت الحسن عليه السلام ما ذكره ابنها الإمام محمّد الباقر عليه السلام، إذ روى الكليني، عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن أحمد، عن عبد الله بن أحمد، عن صالح بن مزيد، عن عبد الله بن المُغيرة، عن أبي الصبّاح، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (كانت أُمّي قاعدةً عند جدار، فتصدَّع الجدار وسمعنا هَدَّةً شديدة، فقالت بيدها: لا وحقِّ المصطفى ما أذن اللهُ لك في السقوط. فبقي معلَّقاً في الجوِّ حتَّى جازته، فتصدَّقَ أبي عنها بمئة دينار)(١٥١).
ولا يفعل هذا إلَّا مَنْ كان كريماً عند الله تعالى ذائباً في طاعته عز وجل، يقول للشيء: كُنْ، فيكون، إيماناً واعتقاداً راسخاً أفاض به أبوها عليها عليه السلام عندما كانت في حِجره، وأفاضه عليها ابنها الباقر عليه السلام وهو في حِجرها.
روايتها عن أبيها الإمام الحسن عليه السلام:
روت السيِّدة فاطمة، عن أبيها الحسن المجتبى عليه السلام:
أخبرَنا أبو عبد الله أحمد بن محمّد بن الحسن بن عبّاس، قال: حدَّثنا أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار، عن عبد الله بن جعفر الحِمْيَريّ قال: حدَّثني محمّد بن الحسن، عن نصر بن مزاحم، عن أبي خالد، عن عبد الله بن الحسن بن الحسن، عن أُمِّهما فاطمة بنت الحسن عليه السلام، عن أبيها الحسن بن عليّ عليه السلام، قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعو بهذا الدعاء بين كلِّ ركعتين من صلاة الزوال، الركعتان الأُولَيتان: اللّهمّ أنت أكرمُ مأْتِيٍّ وأكرمُ مَزور، وخيرُ مَنْ طُلِبَ إليه الحاجات، وأجودُ مَنْ أعطى، وأرحم مَنْ استُرحِم، وأرأف مَنْ عفا، وأعزُّ مَنْ اعتُمِد، اللّهمّ بي إليك فاقة، ولي إليك حاجات، ولك عندي طَلِبات، مِنْ ذنوبٍ أنا بها مُرتَهن، وقد أوقرَتْ ظهري وأوبقَتني، وإلَّا ترحمْني وتغفرْ لي أكن من الخاسرين، اللّهمّ اعتمدتُك فيها تائباً إليك، فصلِّ على محمّدٍ وآل محمّد، واغفر لي ذنوبي كلَّها، قديمَها وحديثها، سرَّها وعلانيتها، خطأها وعمدها، صغيرها وكبيرها، وكلَّ ذنبٍ أذنبتُه وأنا مُذنبه، مغفرةً عزماً جزماً، لا تغادرُ ذنباً واحداً، ولا أكتسبُ بعدها محرَّماً أبداً، واقبَلْ منّي اليسير من طاعتك، وتجاوزني عن الكبير من معصيتك، يا عظيم، إنَّه لا يغفرُ العظيمَ إلَّا العظيم، يسأله مَنْ في السماوات والأرض، كلّ يومٍ هو في شأن، يا من هو كلّ يوم في شأن، صلِّ على محمّدٍ وآله، واجعلني في شأنك شأن حاجتي، وحاجتي هي فكاك رقبتي من النار والأمان من سخطك...)، إلى آخر الرواية الشريفة(١٥٢).
وهي روايةٌ صحيحة السند، وهي من الروايات العباديَّة، تشير إلى أنَّ السيِّدة فاطمة بنت الحسن عليه السلام كانت مستغرقةً في شؤون العبادة، ناقلةً الخبر عن جدِّها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عبادته ودعائه.
جوانب من شخصيّتها ومسيرتها:
ولم تكتَفِ السيِّدة فاطمة بالتبتّل والعبادة، بل كان لها وظيفةٌ بطوليَّة في صحبتها لزوجها الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام وولدها محمّد الباقر عليه السلام في الركب الحسينيّ إلى كربلاء البطولة، لتكون عالمةً عاملةً، نصرَت الحسين الشهيد عليه السلام بالكلمة والموقف، محافِظةً على الإرث النبويّ المتمثِّل بإمامَين معصومَين، جاهدَت لتُبقي على نسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أن ينقطع، مؤدّيةً رسالةً عظيمةً، تجول بين أروقة الإمامة بكلِّ كيانها، وتُلملم شتات الأهل والأحبَّة، مدرِكةً الوظيفة التي أناطها الله بها بكلِّ عزمٍ وإباء، ترى زوجها الإمام السجّاد عليه السلام مكَبَّلاً بالجامعة وهو عليل، فتُسنِده بيدها، وبيدها الأُخرى تضمُّ الإمام الباقر عليه السلام، وهو عطِشٌ يطلب الماء فلا يُجاب.. أيُّ محنةٍ هذه، وأيُّ كبرياءٍ يحمل أهلُ هذا البيت العظيم؟!
ولكن _ للأسف _ قد غيَّب التاريخ الذي صاغته أيدٍ أُمويَّة سيرة وتاريخ هذه المرأة الجليلة، فلم يُذكَر عنها شيء؛ خوفاً من أن تسود أخلاق أهل البيت عليهم السلام ومعارفهم، ولكن تبقى مشاعل النور أبيَّةً على الظالمين من الخفوت، فلا نعلم سنة ميلادها ولا وفاتها أو شيئاً عن سيرتها، سوى ما ذكر ابن الأثير في (الكامل) في أحداث عام (١١٧هـ)، حيث قال: وكان فيه تُوفّيَت فاطمة بنت الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام(١٥٣). في حين أنَّ شهادة الإمام الباقر كانت عام (١١٤هـ)، أي: تُوفّيت بعد وفاة ولدها الإمام الباقر بثلاث سنوات.
أمَّا قبرها، فقد ذكر مجير الدين الحنبليّ في كتابه (الأُنس الجليل) أنَّ قبرها بظاهر مسجد اليقين في جبل حبرون، مُشرفٌ على بحيرة زعرو موضع قُرى لوط، حيث قال: وبظاهر المسجد مغارةٌ بها قبر فاطمة بنت الحسن بن عليّ بن أبي طالب، وعند قبرها رُخامةٌ مكتوب عليها بالكوفيّ:

 

أسكنت مَن كان في الأحشاء مسكنُه * * * بالرغم منّي بين الترب والحَجَرِ
أفديكِ فاطمةً بنت ابن فاطمةٍ * * * بنت الأئمَّة بنت الأنجم الزهرِ(١٥٤)

 

ويُستبعَد أن يكون هذا قبرها، وقد عاشت السيِّدة فاطمة بنت الحسن عليه السلام في المدينة المنوَّرة مع ابنها الإمام الباقر عليه السلام، ولا وجه لذهابها إلى هذا المكان البعيد عن المدينة.
أمّ أسلم صاحبة الحصاة
صاحبة الحصاة.. ثلاث نساءٍ اشتركن في هذه الكُنية، لوقوع الحادثة نفسها مِنْ ختم الحصاة من قِبَل المعصومين عليهم السلام، وهنَّ: حَبَّابة الوالبيَّة، وأُمّ غانم، وأُمّ أسلم _ أو: أُمّ سليم، على اختلاف الرواة لحديثها في التسمية _.
والسيِّدة أُمُّ أسلم من فضليات النساء المؤمنات والصحابيّات الجليلات، ومن المواليات لأمير المؤمنين عليه السلام، ومن ذوات العقول الناضجة في مجال العقيدة والحكمة, وهي أقدم من قرينتَيها زمناً وصحبةً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
أمّ أسلم.. العالِمة:
يظهر من الروايات أنَّها كانت من أصحاب المعرفة بالكتب السماويَّة، وقد درستها وأدركَتها فهماً ولفظاً ومعنىً.. فقد رُوي عن جعفر بن زيد بن موسى, عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قالوا: (جاءت أُمُّ أسلم يوماً إلى النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وهو في منزل أُمِّ سَلَمة, فسألَتها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت: خرج في بعض الحوائج والساعة يجيء. فانتظرَته عند أُمِّ سَلَمة حتَّى جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, فقالت أُمُّ أسلم: بأبي أنت وأُمّي يا رسول الله، إنّي قد قرأتُ الكتب وعلمتُ كلَّ نبيٍّ ووصيٍّ، فموسى كان له وصيٌّ في حياته ووصيٌّ بعد مماته، وكذلك عيسى، فمَنْ وصيّك يا رسول الله؟ فقال لها: يا أُمَّ أسلم، وصيّي في حياتي وبعد مماتي واحد. ثمّ قال لها: يا أُمَّ أسلم، مَنْ فعل فعلي هذا فهو وصيّي! ثمّ ضرب بيده إلى الحصاة من الأرض، ففركها بإصبعه فجعلها شبه الدقيق, ثمّ عجنها, ثمّ طبعها بخاتَمه, ثمّ قال: مَنْ فعل فعلي هذا فهو وصيّي في حياتي وبعد مماتي!)(١٥٥).
فيُظهِر لنا هذا النصّ أنَّ أُمَّ أسلم كانت عالِمة، في حين أنَّ كثيراً من الصحابة وعامَّة الناس كانوا أُمّيّين، أمَّا هي فلم تكن مُتعلِّمةً فقط، بل ممَّن أبحروا في المعارف الإلهيَّة مِنْ فحصٍ وتمحيصٍ في الكتب المنزَلة على أنبياء الله موسى وعيسى من التوراة والإنجيل، وهو يقتضي كونها صاحبة عقلٍ راجحٍ وموسوعةٍ في مقارنة الأديان؛ لمعرفتها بتفاصيل كلِّ نبيٍّ ووصيِّه، وهو من النادر حصوله في ذلك الوقت، إلَّا لمن كان يمتلك خلفيَّةً علميَّةً وعقديَّةً تؤهِّله للخوض في أصعب مضمار وبأدقّ تفاصيله، وهو علم الأديان.
كان إسلامها عن معرفةٍ تامَّةٍ بمنظومته الفكريَّة والخُلُقيَّة والتشريعيَّة لكي يتسنّى لها طرح سؤالٍ بهذه الأهمّية على النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، ينمُّ عن ذهنٍ وقّادٍ وقلبٍ سليمٍ دفعها للاستفسار عن الوصيِّ بعد موت النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنَّه مِنْ أهمّ المسائل التي يترتَّب عليها قِوام الدين واستمراريَّته، كما كان في الأديان السابقة (اليهوديَّة والنصرانيَّة).. ممَّا جعل النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم يتعامل معها بكلِّ ثقة، ويُوليها أهمّيةً خاصَّة، فهي امرأةٌ ليست كباقي النساء، بل عالمةٌ فاضلةٌ، تضع النقاط على الحروف بإمكانيَّة العالم المتمرِّس، قد سبقَت غيرَها في معرفة الإسلام وخصوصيّاته، وأنتجت هذه المعرفةُ والتواصل العلميّ قفزةً نوعيَّةً، متخطّيةً جملةً من الإشكالات التي وقع فيها غيرُها, فهي بحقّ امرأةٌ استثنائيَّة وركيزةٌ أساسيَّةٌ مِنْ ركائز المسلمين، صبَّت بصيرتها النافذة على محورٍ أساسيٍّ في الإسلام والعقيدة، وهي موضوع الإمامة، الذي (ما سُلَّ سيفٌ في الإسلام على قاعدةٍ دينيَّة مثلما سُلَّ على الإمامة)(١٥٦).
فبمثل هؤلاء بقيَ الإسلام محافِظاً على جوهره ورونقه، خالياً من الشوائب التي شابت الإسلام من بعض العقول الجامدة، فكان هذا هو الختم الأوَّل لأُمِّ أسلم، وجواباً ساطعاً على سؤالها، ودليلاً ثاقباً على الوِصاية من بعده صلى الله عليه وآله وسلم، وكلُّه ثقة أنَّها أهلٌ لحمله والتبليغ به، ولكي يكون حُجَّةً على مَنْ بعده ممَّن يحاولون إنكار الوصيَّة, لتستبشر أُمُّ أسلم بهذا الختم المبارك بيد سيِّد الكائنات وخاتم الأنبياء.
وبقي التعرّف على المصداق الذي ترك النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم لأُمِّ أسلم اكتشافه، لكي يكون أكثر اطمئناناً وأبلغ حُجَّةً، فاستقصاء الدليل ومعرفته يكون أكثر منطقيَّةً من الإخبار عن الآخرين؛ ولأنَّها كانت صاحبة علم فتشخيصها سوف يقع منطبقاً على المفهوم الذي أشار إليه النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم.
تقول أُمُّ أسلم: فخرجتُ مِنْ عنده، فأتيتُ أمير المؤمنين عليه السلام فقلتُ له: بأبي أنت وأُمّي، أنت وصيّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: (نعم يا أُمَّ أسلم). ثمّ ضرب بيده إلى حصاةٍ ففركها فجعلها كهيأة الدقيق، ثمّ عجنها، وختمها بخاتَمه, ثمّ قال: (يا أُمَّ أسلم، مَنْ فعل فعلي هذا فهو وصيّي)(١٥٧).
فاستيقنَت أُمُّ أسلم أنَّ عليَّاً عليه السلام هو الوصيّ من بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بالبرهان والدليل الذي قدَّمَه بختمه المبارك على الحصاة، وما سؤالها إيّاه بالوصاية إلَّا سؤالٌ استفهامي؛ لِما كانت تجده في أمير المؤمنين عليه السلام من مميّزاتٍ وامتيازاتٍ لم تتوافر عند غيره، ولعلمها بأنَّ الوصاية لا بدَّ أن تكون في شخصٍ له من الملكات ما يفتقر إليها غيرُه، ولقربها من الرسول الكريم والدعوة الإسلاميَّة وإلمامها بتفاصيل البعثة النبويَّة وأسبابها ومسبَّباتها، والوظائف التي لعبها عليُّ بن أبي طالب في نشر الإسلام.. كلُّ هذا جعل تشخيصها لعليٍّ عليه السلام في محلِّه، وهو يدلُّ على نظرةٍ ثاقبةٍ من أُمِّ أسلم في إحاطتها بمجريات الأُمور وحقائق الأشياء بحكمةٍ عاليةٍ ورؤيةٍ واضحةٍ.
ثمّ تستطرد أُمُّ أسلم لإشباع فهمها المعرفيّ والعقديّ، مستثمرةً الفرصة التي أتاحها لها النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم، لتبحث عن امتداد هذه الوصيَّة، بناءً على الموروث الفكريّ الذي اكتسبَته من دراستها للكتب والأنبياء في وصاياهم وما يتعلَّق بها.
تقول: فأتيتُ الحسن عليه السلام _ وهو غلام _ فقلتُ له: يا سيِّدي، أنت وصيّ أبيك؟ فقال: (نعم يا أُمَّ أسلم)، وضرب بيده وأخذ حصاةً ففعل بها كفعلهما؛ لتزداد ثقةً في مشروعها الإمامي، فتتدرَّج في سُلَّم الإيمان لتصل إلى مفترَقٍ خطير، تختبر أُمُّ أسلم نفسها من خلاله مدى صحَّة تشخصيها عندما تواجه اختباراً ليس هيِّناً، فمِنْ بعد عليٍّ عليه السلام يوجَد شخصان يتقاسمان جميع المؤهّلات الموجِبة لتسنّم منصب الإمامة، وليس للعمر مدخليَّة في تقديم الأكبر على الأصغر، فللإمامة شروطٌ وأركانٌ لا توجَد إلَّا في شخصٍ واحد، فالأمر في الحسنين عليهما السلام واحد، ولكنَّ حذاقة أُمِّ أسلم وبصيرتها مكَّنها من الاختيار الصحيح عندما توجَّهَت بالسؤال للإمام الحسن عليه السلام، فهو ابن عليٍّ عليه السلام وفاطمة، وفي سيمائه علامات الإمامة، ولم يمنعها صِباه من سؤاله، وهي العالمة، بل إنَّ علمها هو الذي سوَّغ لها الهداية إلى ضالَّتها المنشودة، فتتأمَّل في وجه الإمام الحسن عليه السلام، بعينَيه البرّاقتين، بنور النبوَّة والإمامة وبهائه المحمّدي الذي يُلقي إلى ناظرَيه صمتاً تقديسيَّاً، وقد سمعَت مسبقاً بفضائل الحسنين عليهما السلام على لسان جدِّهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيبعث في نفسها اليقين، وتستبشر خيراً بمولاها الحسن عليه السلام، الغلامِ الهاشمي، فتقف أمامه بكلِّ إجلالٍ واحترام، لتسترشد رأيه وتطلب جوابه، فطالبُ الحقيقة لا ينساق إلى العاطفة، بل لعقله الأولويَّة والأسبقيَّة في الاعتقاد، ولإكمال الحُجَّة عليها وعلى غيرها فيُجيبها الإمام الحسن عليه السلام بجوابٍ تقريريٍّ وإبراميٍّ، ضارباً على حصاتها، فاعلاً فعل جدِّه وأبيه، مؤكِّداً سلامة الموقف وداعماً لنظريَّة جدِّه، فالختم هو الختم من محمّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم إلى عليٍّ عليه السلام إلى الحسن عليه السلام، لا يختلف ولا يتخلَّف، فالنصُّ المعصوميِّ ثابتٌ لا يتغيَّر!
فتنتشي أُمُّ أسلم نشوة العلم والانتصارِ للحقيقة على مَنْ يحاول تزييفها أو اقصاءها، فالإمام الحسن المجتبى عليه السلام هو وصيّ الوصيّ، والقائم بالحجَّة بعد أبيه بالدليل القاطع، والذي لا يقبل الشكَّ، على رغم حداثة سِنِّه الذي لم يُوقِف هاجس أُمِّ أسلم بكونه إماماً، فهي تعلم أنَّ النبوَّة تكوينيَّة، وكذلك الإمامة، والعصمة لأهلها، لا تفترق عنهم لازمة غير منفكَّة.
فتُضيف لنا أُمُّ أسلم دليلاً آخَر في الإمامة وفي إثبات الحقِّ لأهله، دليلاً علميَّاً ملموساً في سلسلة الأدلَّة العقديَّة في الإمامة، وتكون هي الشاهدة على هذا الدليل، فالإمامة بعد عليٍّ عليه السلام للإمام الحسن عليه السلام، وهو أكثر حساسيةً وأقلّ وضوحاً لمن يُناقش في موضوعها، ولاتِّفاق العامَّة والخاصَّة في عليٍّ عليه السلام وإن كان متأخِّراً، لكنَّه قد ثبت من باب الخلافة لا الإمامة، أمَّا فيها فما زال الخلاف متواصلاً، ففِعْل أُمِّ أسلم فيه تسليطٌ للضوء مباشرةً على ديمومة الإمامة في أولاد عليٍّ عليه السلام، بدءاً بالإمام الحسن عليه السلام ومن ثَمَّ الحسين عليه السلام.
وبعد ختم الإمام الحسن عليه السلام وضمانها لختمه الشريف، تخرج من عنده بزهو الفاتِحين، متَّجهةً إلى السبط الثاني، والأمر أهون بعد معرفة إمامة الإمام الحسن عليه السلام..
تقول: فخرجتُ مِنْ عنده، فأتيتُ الحسين عليه السلام _ وإنّي لَمستصغرةٌ لسِنِّه _، فقلتُ له: بأبي أنت وأُمّي, أنت وصيّ أخيك؟ فقال: (نعم يا أُمَّ أسلم، ائتيني بحصاة), ثمّ فعل كفعلهم.
ويبدو أنَّ أُمَّ أسلم في هذا النصّ تمضي بخُطى واثقة، وما استصغارها لسنِّ الإمام الحسين عليه السلام إلَّا دلالة على تقديسها لأهل البيت عليهم السلام، صغيرهم وكبيرهم، فدليل الحصاة مع صِغَر سنِّه آيةٌ على العصمة التي لا تقرُّ بالسنِّ، وليس استصغارها مَدعاةً لاستبعاد كونه معصوماً أو تقليلاً لشأنه المبارك، فأُمُّ أسلم العالمة بخفايا وأسرار العصمة غير ملتفتةٍ إلى هذا المعنى، وسؤالها إياه يُبيِّن لنا وبوضوحٍ تامٍّ إدراكها لِما تفعل، فامرأةٌ بحجم وعقلانيَّة أُمّ أسلم لا يُتوقَّع منها أن تسأل مع علمها بعدم إمكانيَّة إجابتها لصغر سنِّه، خصوصاً وأنَّ السؤال يتعلَّق بقضيَّةٍ هامَّةٍ وحاسمةٍ، وهي الإمامة, ويصدق حدسها بحصاةٍ أُخرى تُوثِّق لها الإجابة بالإمام الذي بعد الحسن عليه السلام، وهو الحسين عليه السلام، وتسعة أئمَّةٍ من بعده، من غير اجتماع أخوَين غير الحسن والحسين عليهما السلام.
ثمّ ترجع أُمُّ أسلم بعد هذه الرحلة العلميَّة بمعرفة أوصياء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليمتدَّ بها العمر، مواكِبةً مراحل انتقال الوصاية والإمامة من النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى عليٍّ عليه السلام، ثمّ إلى وَلده الحسن عليه السلام وبعدها للحسين عليه السلام، وتشهد تقلّبات الدهر والانقلاب على الأعقاب بوسوسة الشياطين وفعل المنافقين، ليُغصَب حقٌّ، ويُكسَر ضلعٌ، ويُفرى كبدٌ.. إمعاناً في نكران الجميل، ليكون أجرهم إيذاء القُربى وبخس حقِّهم، ليصل البغض أوجَه بقتل الحسين عليه السلام وسبي عياله، فلم تكن حصاة أُمِّ أسلم رادعاً لهم ولا عائقاً لفعلهم.
لكنَّ أنصار الإمامة لم ينثنوا عن متابعة الحقِّ وإثبات المظلوميَّة، مع تعسّر الوضع وتأزّم الحال والتضييق على أهل البيت عليهم السلام؛ ولأنَّ الحقَّ يعلو ولا يُعلى عليه _ بحسب القواعد الإلهيَّة _ في مجانبة الباطل لمن يُؤمن بإرادة الله، ومنهم المرأة الصالحة أُمّ أسلم، إذ تقف من جديدٍ لإكمال رحلة المحبّين وتثبيت أُصول الدين، سائلةً زين العابدين عليه السلام؛ فقد عمَّرَت أُمُّ أسلم حتَّى لحقت بعليِّ بن الحسين _ بعد قتل الحسين عليه السلام _ في منصرفه، فسألَته: أنت وصيّ أبيك؟ فقال: (نعم), ثمّ فعل كفعلهم عليهم السلام(١٥٨).
ففي فعلها هذا مواساةٌ لعليِّ بن الحسين عليه السلام، ومؤازرةٌ بطوليَّةٌ من امرأةٍ طاعنةٍ في السنِّ، لا تملك سوى تدعيم أركان الإمامة بحصاةٍ مختومة، تُظهِرها في زحمة الأهواء المتصارعة جوهرةً مضيئةً بأنوار الإمامة والهداية لطريق الصواب، وتُثْبِتُ أنَّه الإمام الرابع للمسلمين بعدما عانى من ذبح أبيه واقتياده بسلاسل الظلم والإجحاف لحقِّه المهتضم، ولتستعيد أُمُّ أسلم ذاكرة المسلمين بعهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووصيَّته في حفظه بأهله، ومدى تقصيرهم في الدفاع عن بَيضة الإسلام التي لم يحفظوها، لتقضي أُمُّ أسلم وَطَرها بسلامةٍ في دِينها، بأمل الإصلاح لما فسد من أُمور المسلمين بوجود إمامٍ معصومٍ لو اتَّبعوه لوصلوا إلى رضا الله وخلاصهم، لكنَّ الآلة الإعلامية المضادَّة للفكر العلويِّ عملت وبكلِّ قوَّةٍ لمحو ذكر هذه الشخصيّات التي لها أثرٌ في تغيير مسار التاريخ وتصحيحه، فنُلاحظ أنَّ التاريخ الذي كُتِبَ بأيديهم تجاهل ذكرهم، لكي لا تبقى بيِّنةٌ على حقِّ أهل البيت عليهم السلام، وحاولوا محوَ الذاكرة الإسلاميَّة من مواقفهم الجليلة.
ولكن تبقى أُمُّ أسلم بشخصيَّتها العلميَّة والعقديَّة شاهداً على فشل إرادتهم، فتستدلُّ بحصاتها على إمامة المعصومين، وبالطبع لم يكن هو الدليل الوحيد، بل هو جزئيٌّ مِنْ كلّي الأدلَّة المنصوصة والعقليَّة على إمامتهم عليهم السلام.
إنَّ حصاتكِ يا أُمَّ أسلم لَهي ذخرٌ لكِ في معادكِ، وعملٌ صالحٌ في ميزانكِ، تدلُّ على جلالة قدركِ ومودَّتكِ لأهل البيت عليهم السلام، التي استحالت جبلاً راسخاً ترتقينه في مصافِّ أنصار العقيدة.
استدراك:
قد وردت روايةٌ أُخرى باسم (أُمّ سليم)، بالمضمون نفسه، ولكن مع اختلافٍ في اللفظ، نوردها استكمالاً للفائدة؛ لِما فيها من تفصيلٍ أكثر من الرواية الواردة باسم (أُمّ أسلم)، مع اختلافٍ في السند:
أبو القاسم عليّ بن حبشيّ بن قونيّ قال: حدَّثَنا جعفر بن محمّد بن مالك الفزاري, قال: حدَّثني أبو حمزة الثُّمالي، عن زِرّ بن حَبيش الأسدي، عن عبد الله ابن خبّاب بن الأرت قتيل الخوارج، عن سلمان الفارسيّ والبَراء بن عازب قالا:
قالت أُمُّ سليم: كنتُ امرأةً قد قرأتُ التوراة والإنجيل، فعرفتُ أوصياء الأنبياء، وأحببتُ أن أعرفَ وصيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، فلمَّا قدمَت ركابُنا المدينة أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وخلفتُ الركاب مع الحيِّ، فقلتُ له: يا رسول الله، ما مِنْ نبيٍّ إلَّا وكان له خليفتان: خليفةٌ يموت قبله، وخليفةٌ يبقى بعده، وكان خليفة موسى في حياته هارون، فقُبِض قبل موسى، ثمّ كان وصيّه بعد موته يُوشَع بن نون، وكان وصيّ عيسى في حياته كالب بن يوقنا، فتُوفّي كالب في حياته، ووصيّه بعد وفاته شمعون بن حمون الصفا ابن عمَّة مريم، وقد نظرتُ في الكتب الأُولى فما وجدتُ لك إلَّا وصيَّاً واحداً في حياتك وبعد وفاتك, فبيِّنْ لي _ بنفسي أنت يا رسول الله _ مَنْ وصيُّك؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنَّ لي وصيَّاً واحداً في حياتي وبعد وفاتي).
قلتُ له: مَنْ هو؟
فقال: (ائتيني بحصاة). فرفعتُ إليه حصاةً من الأرض، فوضعها بين كفَّيه، ثمّ فركها بيده كسحيق الدقيق، ثمّ عجنها فجعلها ياقوتةً حمراء، ختمها بخاتَمه فبدا النقشُ فيها للناظرين, ثمّ أعطانيها وقال: (يا أُمَّ سليم، مَنْ استطاع مثل هذا فهو وصيّي).
قالت: ثمّ قال لي: (يا أُمَّ سليم، وصيّي مَنْ يستغني بنفسه في جميع حالاته كما أنا مستغن!). فنظرتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد ضرب بيده اليمنى إلى السقف وبيده اليسرى إلى الأرض، قائماً لا ينحني في حالةٍ واحدةٍ إلى الأرض ولا يرفع نفسه بطرف قدميه.
قالت: فخرجتُ، فرأيتُ سلمان يكنف(١٥٩) عليَّاً ويلوذ بعقوته(١٦٠) دون مَنْ سواه من أُسرة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته على حداثةٍ مِنْ سنِّه, فقلتُ في نفسي: هذا سلمان صاحب الكُتُب الأُولى قبلي، صاحب الأوصياء، وعنده من العلم ما لم يبلغني, فيوشَك أن يكون صاحبي!
فأتيتُ عليَّاً فقلت: أنت وصيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: (نعم، وما تريدين؟)، قلت له: وما علامة ذلك؟ فقال: (ائتيني بحصاة), قالت: فرفعتُ إليه حصاةً من الأرض، فوضعها بين كفَّيه، ثمّ فركها بيده فجعلها كسحيق الدقيق, ثمّ عجنها فجعلها ياقوتةً حمراء، ثمّ ختمها فبدا النقش فيها للناظرين.
ثمّ مشى نحو بيته، فاتَّبعتُه لأسأله عن الذي صنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فالتفَت إليَّ ففعل مثل الذي فعله, فقلت: مَنْ وصيّك يا أبا الحسن؟ فقال: (مَن يفعل مثل هذا).
قالت أُمُّ سليم: فلقيتُ الحسن بن عليّ عليه السلام، فقلت: أنت وصيّ أبيك؟ هذا وأنا أعجبُ مِنْ صغره وسؤالي إيّاه, مع أنّي كنتُ عرفتُ صفة الاثني عشر إماماً، وأبوهم سيِّدهم وأفضلهم، فوجدتُ ذلك في الكتب الأُولى. فقال لي: (نعم، أنا وصيّ أبي), فقلت: وما علامة ذلك؟ فقال: (ائتيني بحصاة), قالت: فرفعتُ إليه حصاةً من الأرض، فوضعها بين كفّيه، ثمّ سحقها كسحيق الدقيق، ثمّ عجنها فجعلها ياقوتةً حمراء، ثمّ ختمها فبدا النقش فيها، ثمّ دفعها إليَّ.
فقلتُ له: فمَنْ وصيُّك؟ فقال: (مَنْ يفعل مثلَ هذا الذي فعلت)، ثمّ مدَّ يده اليُمنى حتَّى جاوزَت سطوح المدينة وهو قائم، ثمّ طأطأ يده اليسرى فضرب بها الأرض، من غير أن ينحني أو يتصعَّد, فقلتُ في نفسي: مَنْ يا تُرى وصيّه؟!
فخرجتُ مِنْ عنده، فلقيتُ الحسين عليه السلام، وكنتُ قد عرفتُ نعتَه من الكتب السالفة بصفته وتسعة من وُلده أوصياء بصفاتهم, غير أنّي أنكرتُ حليته لصغر سنِّه، فدنوتُ منه _ وهو على كِسرة(١٦١) رحبة المسجد(١٦٢) _ فقلتُ له: مَنْ أنت يا سيِّدي؟ قال: (أنا طَلِبَتُكِ يا أُمَّ سليم، أنا وصيّ الأوصياء، وأنا أبو التسعة الأئمَّة الهادية, أنا وصيُّ أخي الحسن، وأخي وصيُّ أبي عليٍّ، وعليٌّ وصيُّ جدِّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم). فعجبتُ مِنْ قوله، فقلت: ما علامة ذلك؟ فقال: (ائتيني بحصاة), فرفعتُ إليه حصاةً من الأرض. قالت أُمُّ سليم: لقد نظرتُ إليه وقد وضعها بين كفّيه، فجعلها كهيأة السحيق من الدقيق، ثمّ عجنها فجعلها ياقوتةً حمراء، فختمها بخاتَمه فثبت النقش فيها، ثمّ دفعها إليَّ وقال لي: (أُنظُري فيها يا أُمَّ سليم!)، فنظرتُ فإذا فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليّ والحسن والحسين وتسعة أئمَّةٍ مِنْ وُلد الحسين عليه السلام، قد تواطأت أسماؤهم إلَّا اثنين منهم، أحدهما جعفر والآخَر موسى، وهكذا قرأتُ في الإنجيل, فعجبت.
ثمّ قلتُ في نفسي: قد أعطاني الله الدلائل ولم يُعطِها مَنْ كان قبلي, قلت: يا سيِّدي، أعِدْ علَيَّ علامةً أُخرى! قالت: فتبسَّم وهو قاعد، ثمّ قام ومدَّ يده اليمنى إلى السماء، واللهِ لَكأنَّها عمودٌ مِنْ نارٍ تخرق الهواء، حتَّى توارى عن عيني، وهو قائمٌ لا يعبأ بذلك ولا يتحفَّز، فأُسقِطتُ وصُعِقتُ، فما أفقتُ إلَّا به، ورأيتُ في يده طاقة من آس(١٦٣) يضرب بها منخري, فقلتُ في نفسي: ماذا أقول له بعد هذا؟ وقمتُ وأنا واللهِ أجد إلى ساعتي رائحة هذه الطاقة من الآس, وهي واللهِ عندي لم تذوِ ولم تذبل ولا تنقص من ريحها شيء، وأوصيتُ أهلي أن يضعوها في كفني.
فقلت: يا سيِّدي، مَنْ وصيّك؟ فقال: (مَنْ فعل مثل فعلي). قالت: فعِشتُ إلى أيّام عليّ بن الحسين عليه السلام(١٦٤).
هذه الرواية مع تفصيلها واحتوائها على بعض الأحداث والمعجزات من الأئمَّة عليهم السلام، إلَّا أنَّ مضمونها واحد، وقد يكون النقل مختلفٌ من حيث التفصيل والاقتضاب تبعاً للناقل، إلَّا أنَّ المضمون _ وهو الطبع في الحصاة _ حاصلٌ في الروايتين، وهو ما يهمّنا.
وعلى أيِّ حالٍ، فأُمّ سليم من النساء اللاتي كان لها أثرٌ في سيرة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، ووظيفة إسناديَّة هامَّة لا يُبخَس حقّها، وقدوة في طلب العلم والتمسّك بالولاية لمحمّدٍ وآل محمّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم.
حَبابة الوالبيّة
ارتبطت بعضُ الشخصيّات الفَذَّة بالسيرة العَطِرة لأهل البيت عليهم السلام، فكان لها تأثيرها البالغ في ترسيخ العقيدة وبثِّها في وقتٍ أغلقَت السلطاتُ الحاكمة على شيعتهم منافذَ العدل والرحمة، فأظهروا منتهى التجلّد والصبر بعنفوانِ قادتهم، فمرَّروا مرحلةً مُعتمةً تجاوزوا بها لُجج الغيِّ والضلال.
ومن هذه الشخصيّات، ممَّن اقتدَين بسيِّدة النساء عليها السلام، واختطَّت لها طريقاً نحو المجد والعلا، هي: حَبابة الوالبيَّة..
وهي حَبابة بنت جعفر الوالبيَّة الأسديَّة، والبيَّةٌ نسبةً إلى والبة، حيٌّ مِنْ بني أسد(١٦٥)، و(حَبابة): بفتح الحاء المهمَلة وتخفيف الباء الموحَّدة(١٦٦).
وكنيتها: أُمُّ الندى، وعُرِفَت بصاحبة الحصاة؛ لمناسبةٍ سيمرُّ ذكرها.
وصاحبات الحصاة ثلاث: حَبابة الوالبيَّة، وأُمُّ غانم الأعرابيَّة، وأُمُّ سليم(١٦٧)، ويمكن التمييز بينهنَّ من خلال الروايات الواردة في حقِّهنَّ ومناسبة الحصاة التي خُتِمَت من النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمَّة عليهم السلام.
مع أمير المؤمنين عليه السلام:
صاحبة الحَصاة.. لُقِّبَت حبابة بهذا اللقب وعُرفَت به عندما رأت أميرَ المؤمنين عليه السلام في شَرَطة الخميس وسألَته: ما دلالة الإمامة؟ يرحمك الله! فقالت: فقال عليه السلام: (أعطِيني تلك الحصاة)، وأشار بيده إلى حصاة، فأتيتُه بها، فطبع لي فيها بخاتَمه، ثمّ قال لي: (يا حبابة! إذا ادَّعى مُدَّعٍ الإمامةَ فقَدِر أن يطبَعَ كما رأيتِ فاعلمي أنَّه إمامٌ مُفترَضُ الطاعة، والإمام لا يعزب عنه شيءٌ يُريده).
وكانت هذه بداية طريق مسيرتها مع أئمَّة أهل البيت عليهم السلام.. ولم تكن هذه محضُ صدفةٍ أو اختيارٍ عشوائيٍّ من الإمام عليه السلام لهذه المرأة الصالحة، بل إنَّ الإمام لمعرفته وعلمه أنَّها أهلٌ لتحمّل عبء الأمانة وثقلها؛ وذلك لإيمانها وتقواها وعلمها ومعرفتها بالله تعالى وبرسوله وأهل بيته عليهم السلام معرفةً حقَّةً، جعل طبع خاتمه الشريف دلالةً على الإمامة من جهة، ومن جهةٍ أُخرى دليلاً على منزلة هذه المرأة الجليلة.
مع الإمام الحسن عليه السلام:
ولم تألُ جُهداً في مسيرتها الربّانيَّة على نهج أئمَّتها، حتَّى وردت على الإمام الحسن عليه السلام عند مبايعته بعد استشهاد أبيه عليه السلام، فبعد نزوله عن المنبر وجلوسه مجلس أبيه أمير المؤمنين عليه السلام، وذلك يوم الجمعة الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة، جاءت إليه حبابة الوالبيَّة، فقال عليه السلام: (يا حبابة الوالبيَّة، هاتي ما معكِ)، فأعطَته، فطبع فيها كما طبع أمير المؤمنين عليه السلام(١٦٨).
هذا لتثبت حبابة على العهد الذي بايعَت عليه أمير المؤمنين عليه السلام، متقلِّدةً وساماً آخَر من سبط النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم الحسن المجتبى عليه السلام، حيث دعاها متوسِّماً فيها الإيمان، ومؤكِّداً على فعل أبيه علي عليه السلام!
نعم، هكذا كانت حبابة حاضرةً عند إمامها، مطيعة، تُبصِر في عينَي الإمام المجتبى عليه السلام نظرات الرحمة والرأفة، متأمِّلةً النور الإلهيِّ يسطع من جبينٍ طالما قبَّله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتستعيد ذاكرتها المملوءة حُبَّاً لأهل بيت النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، فيُعالج نظراتها الإمام عليه السلام بختمٍ حَسَنيٍّ كرَّس ثقتها بإمامته.
مع الإمام الحسين عليه السلام:
وبعدما قضى مسموماً إمامُ الأُمَّة بسُمِّ الغدر والحقد الأُموي، تنهض حبابةُ مسارعةً لأخذ دورها في نصرة الإمامة والدفاع عن عقيدتها بحُصيّاتها الكريمة، وهذه المرَّة مع السبط الثاني لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد خَلَفَ أخاه في الإمامة، وخَلَّفَ اختلاف الناس في الإمامة بين مؤيِّدٍ ومعارض، فالحُجَّة والدلالة هي الفيصل في إثبات الحقِّ الذي فرض الله على عباده، ومن هذه الدلائل حصاة حبابة، عندما دعاها الإمام الحسين عليه السلام وهو في مسجد النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، حيث تقول حبابة: أتيتُ الحسين عليه السلام وهو في مسجد النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقرَّبَ ورحَّب، وقال لي: (إنَّ في الدلالة دليلاً على ما تريدين، أفتريدين دلالة الإمامة؟)، فقلت: نعم يا سيِّدي، فقال: (هاتي ما معكِ)، فناولتُه الحصاة، فطبع فيها كما طبع أبوه وأخوه(١٦٩).
ثالث الأختام الذي حازت عليه حبابة ختم أحمر، يُلوِّنه دمه الزكيِّ الذي سال من أجل دين الله ورسالة جدِّه، وليكون هذا الختم حُجَّةً بالغةً على مَنْ جحد حقَّهم وأنكر ولايتهم، ولتُشرَّف حصاة حبابة شرفاً آخَر بعد عليٍّ والحسن عليهما السلام بشرفٍ حسينيٍّ، طبع في قلبها قبل حصاتها، فكانت دؤوبةً على إثبات الحقِّ لأهله ومناوأة أعدائه، فها هي حبابة الوالبيَّة تضرب عرض الجدار الطغيان الأُمويِّ عندما كان أبو عبد الله الصادق عليه السلام يُحدِّث ويقول: (إنَّ حبابة الوالبيَّة كانت إذا وفد الناس إلى معاوية وفدَت هي إلى الحسين عليه السلام، وكانت امرأةً شديدة الاجتهاد، وقد يبس جلدها على بطنها من العبادة)(١٧٠).
وصفٌ من إمامٍ معصومٍ لا يقبل الشكَّ، ولا النظر في جلالة هذه المرأة وشجاعتها في نصرة دين الله، لتُسجِّل موقفاً في تاريخ مواجهة الحقِّ للباطل، ولتحفظ لنا مأثرةً لشيعة عليٍّ عليه السلام.
مع الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام:
وتجري الأيّام.. وحبابة تواكب مسيرة الأئمَّة عليهم السلام بكلِّ بسالةٍ ووعيٍ وحكمة، ليرقى إلى سمعها نبأ استشهاد الإمام الحسين عليه السلام بكربلاء مُضمَّخاً بدمه الطاهر، وأنَّ الأُمَّة لم تحفظ وديعة نبيِّها، فازدادت الفتن وعمهوا في ضلالهم، فكيف يُعرَف الإمام الحُجَّة من بعد؟ فبادرت حبابة تسوق برهانها بيدها، باحثةً عن مرادها، آملةً رأب الصدع وغفران الذنب لقومٍ يجهلون.
عجوزٌ في الثالث عشر بعد المئة، راويةً دليل الإمامة حيث تقول: ثمّ أتيتُ عليَّ بن الحسين عليه السلام، وقد بلغ بيَ الكبر إلى أن أرعشت، وأنا أعدُّ يومئذٍ مئةً وثلاث عشرة سنة.. ثمّ قال لي: (هاتي ما معكِ)، فأعطيتُه الحصاة، فطبع لي فيها(١٧١).
ها هي دلالتك يا حبابة، معجزةٌ وختمٌ.. ما أسعدكِ وأسعد حصاتكِ، حيث استلمها أربعةٌ من الأئمَّة طبعوا بأناملهم الشريفة لنا حقَّهم المغدور.
ودلالة إرجاع شبابها؛ لكي لا تشكُّ بإمامته لتشاغله بالركوع والسجود، كما ذكرَت: فرأيتُه راكعاً وساجداً ومشغولاً بالعبادة، فيئستُ من الدلالة، فأومأ إليَّ بالسبّابة فعاد إليَّ شبابي، فقلت: يا سيِّدي، كم مضى من الدنيا وكم بقي؟ فقال: (أمَّا ما مضى فنعم، وأمَّا ما بقي فلا)(١٧٢).
فاهنَئي يا حبابة بهذه الكرامة من رابع الأئمَّة، وبورك لكِ بما حظيتِ من تكريم السجّاد عليه السلام لكِ، فقد جعل منكِ ومن حصاتك دلالتين على إمامته.. أيَّتها العجوز، قد عدتِ إلى شبابكِ، لتكملي رسالتكِ بكفاءةٍ تامَّةٍ وبروحيَّة الشباب التي نلتِ شرفها ممَّن واليتِهم بصدق!
مع الإمام الباقر عليه السلام:
لكنَّ الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام قد مضى ملتحقاً بآبائه مسموماً على سيرتهم، فمَنْ سيخلفه في الإمامة؟ وأيُّ حلقةٍ في سلسلتهم الذهبية سيَليه؟ عليكِ يا حبابة بالبحث عمَّن يطبع حصاتكِ، فأين تظنّين سيكون، وكيف سيكون؟ أخبِرينا إن كنتِ تعلمين!
تقول حبابة الوالبيَّة: رأيتُ رجلاً بمكّة أصيلاً، بالملتزم أو بين الباب والحجر، على صعدةٍ من الأرض، وقد حزم وسطه على المئزر بعمامة خزّ، والغزالة تختال على قلل الجبال كالعمايم على قمم الرجال، وقد صاعد كفّه وطَرْفه نحو السماء ويدعو، فلمَّا انثال الناسُ عليه يستفتونه عن المُعضِلات ويستفتحون أبواب المشكلات، فلم يرم حتَّى أفتاهم في ألف مسألة، ثمّ نهض يريد رَحلَه، ومنادٍ ينادي بصوتٍ صهل: ألَا إنَّ هذا النور الأبلج المُسرَج والنسيم الأرج والحقّ المرج، وآخَرون يقولون: مَنْ هذا؟ فقيل: الباقر علم العلم، الناطق عن الفهم، محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام(١٧٣).
واستدلَّت حبابة على أنَّه الإمام بأمرين:
الأوَّل: حيث تقول: أتيتُ أبا جعفر عليه السلام فطبع لي فيها(١٧٤). أي: في حصاتها، فهذه دلالة الإمامة التي سبق لآبائه أن فعلوا مثل ما فعل.
أمَّا الأمر الثاني: فهو كرامةٌ أُخرى حباها الله تعالى على يد وليِّه وحُجَّته الإمام محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام، عندما دخلت على الإمام الباقر في حديثٍ ترويه حبابة، قالت: دخلتُ على أبي جعفرٍ محمّد بن عليّ عليه السلام، قال: (يا حبابة، ما الذي أبطأكِ؟)، قالت: قلت: بياضٌ عرض لي في مفرق رأسي، كثرت له همومي. فقال: (يا حبابة، أدنينيه)، قالت: فدنوتُ منه، فوضع يده على مفرق رأسي، ثمّ قال: (ائتوا لها بالمرآة)، فأُتيتُ المرآة، فنظرتُ فإذا شعر مفرق رأسي قد اسودَّ، فسُررتُ بذلك، وسُرَّ أبو جعفرٍ عليه السلام بسروري(١٧٥).

 

إذن، كرامةٌ أُخرى لحبابة من إمامٍ معصوم، بعد كرامة أبيه عليّ بن الحسين عليه السلام، والكرامة لا تكون إلَّا لمن آمن واعتقد بإمامتهم، لتكون دليلاً آخَر على فضلها ومتانة إيمانها. حقَّاً أنتِ مباركة يا والبيَّة، مِنْ يد إمامٍ إلى يد إمام، ومن منقبةٍ إلى منقبةٍ، فطوبى لكِ!
مع الإمام الصادق عليه السلام:
بعدما ملأ الدنيا بعلمه وبقر العلم بقراً، فانتهل من معينه الصافي أهل العلم، فاتحاً باب علم مدينة جدِّه على مصراعَيها، لم تنأَ عنه أيدي الظالمين، فقضى شهيداً مسموماً، تاركاً ميراث العلم للإمام من بعده، ليكمل بثّ علوم أهل البيت عليهم السلام، ويتمُّ نور الله ولو كره الكافرون..
أقبِلي يا حبابة بدليلك على إمام الزمان والحجَّة على الناس، بعد تفرّق الشيعة واختلافهم!
ولم تمكُث حبابة طويلاً لتستخبر عن خليفة الباقر عليه السلام في العلم والإمامة، وكان لها ما أرادت، حيث طبع لها حصاتَها، ومُؤكِّداً وصيَّة جدِّه أمير المؤمنين عليه السلام. تقول حبابة: ثمّ أتيتُ أبا عبد الله عليه السلام فطبع لي فيها(١٧٦).
وكان الإمام يعرف فضلها وعبادتها وورعها، وقد وصفها بصفات المؤمنين بأنَّها شديدة الاجتهاد، وقد يبس جلدها على بطنها من شدَّة العبادة، فأغدق عليها من وابل طِيبه، وما ذلك إلَّا لِما وجد عندها من استعدادٍ نفسيٍّ وعقليٍّ، ولم تفوّت حبابةُ الفرصة لتُمسِك برمّانتين بيدٍ واحدةٍ، فأظهرَت بمسائلها للإمام أنَّه هو الإمام المفروض الطاعة، ومَنْ يملك ميراث جدِّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من العلم، وأيضاً لتزداد معرفةً وعلماً من ينبوعه الصافي، فهي تسأل الإمام عن مسائل في الحلال والحرام يعجز عن إجابتها الآخَرون، فتعجَّب الحضور من تلك المسائل؛ لأنَّهم ما رأوا سائلاً أحسن منها..
ثمّ سالت دموعها، فقال الصادق عليه السلام: (ما لي أرى عينَيكِ قد سالتا؟)، قالت: يا ابن رسول الله، داءٌ قد ظهر بي من الأدواء الخبيثة، وأهل بيتي يقولون: قد أصابتها الخبيثة، ولو كان صاحبُها _ كما قالت _ مفروضَ الطاعة لَدعا لها فكان الله يُذهِب عنها. وأنا والله سُررتُ بذلك، وعلمتُ أنَّه تمحيصٌ وكفّارات، وأنَّه داء الصالحين. فقال لها الصادق عليه السلام: (وقد قالوا ذلك؟ أصابتكِ الخبيثة!)، قالت: نعم يا ابن رسول الله. فحرَّك عليه السلام شفتَيه بشيءٍ لا يُدرى أيّ دعاءٍ كان، فقال: (أُدْخُلي دار النساء حتَّى تنظري إلى جسدكِ)، فدخلَت، فكشفَت عن ثيابها فلم يوجَد في صدرها ولا جسدها شيء، فقال عليه السلام: (اذهبي الآن وقولي لهم: هذا الذي يُتقرَّب إلى الله بإمامته)(١٧٧).
فتُثبِت حبابة مرَّةً أُخرى _ سواء بحصاتها أم ببدنها _ إمامة الإمام الصادق عليه السلام، وتُضيف إلى سجلّها الحافل بالكرامات كرامةً أُخرى على يد سيِّدها أبي عبد الله جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام، وتجعل من نفسها حصاةً طُبعَت عليها أدلَّة الأئمَّة عليهم السلام.
فأيُّ امرأةٍ هذه التي امتلأَت إيماناً من قرنها إلى قدمها، وصارت صورةً لمظاهر أهل البيت عليهم السلام، وأسطراً مضيئة على صفحات السيرة المعصوميَّة المباركة!
مع الإمام الكاظم عليه السلام:
وبعد مدَّةٍ من الزمن أتاحت للإمام الصادق عليه السلام نشر علوم أهل البيت عليهم السلام، رحل عليه السلام تاركاً للناس إماماً وخليفةً في زمنٍ اشتدَّ ظلم أعداء الرسالة المحمّدية، وكثر بطشهم، وضيَّقوا على شيعة أهل البيت عليهم السلام؛ فضاقت بهم الأرض بما رحُبَت، وكان زعيمهم وإمامهم على رأس المضطهَدين، فنال من ظلمهم والتغييب في سجونهم ما كان سبباً لانحسار دائرة الحديث النبوي، ولكن لم يكن هذا ليوقِفَ حبابة عن مهمَّتها، فجاهدت لتحقيق انتصارٍ آخَر للإمامة، وهذه المرَّة مع الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، مع التعسّف العبّاسي وطغيانهم وجبروتهم، ارتفعت همَّة حبابة الوالبيَّة، وعلى بصيرةٍ من صعوبة دَورها هذه المرَّة، لتحصل على ثقة مولاها ولتؤكِّد أحقّيَّته. أمَّا الشيعة الذين ازدادت معاناتهم بظهور المُدَّعين للإمامة بغير وجه حقّ، فالتبس عليهم الموقف، فلا بدَّ من أدلَّةٍ تُرشدهم إلى الإمام المعصوم وخليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فانبرت حبابة بدليلها الذي لا يقبل التكذيب بختم ستَّةٍ من الأئمَّة، لتضع الطبعة السابعة لسابع الأئمَّة الإمام الكاظم عليه السلام، حيث تقول: ثمّ أتيتُ أبا الحسن موسى عليه السلام فطبع لي فيها(١٧٨).
لتُخرِج حبابةُ الناسَ مِن حَيرتهم في إمامهم، وتُقدِّم لهم دليلاً لا شكَّ فيه، ولا ريب بأنَّ الإمام مِنْ بعد جعفرٍ عليه السلام ابنُه موسى عليه السلام، وتُجدِّد عهداً مع آبائه الكرام أنَّها في الصفِّ الأوَّل للدفاع عن وَرَثة الأنبياء والذبّ عن حياض الدين، مُتدرّعةً بعزمها وثقتها بالحقِّ وأهله.
ولم يترك الإمامُ الكاظم عليه السلام أصحابه من غير تسليط الضوء عليهم، ليرجع إليهم شيعته في المسألة، حيث ذكر فضلها، كما تنقل روايةً عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام حيث قال: (إنَّ حبابة الوالبيَّة دعا لها عليُّ بن الحسين عليه السلام، فردَّ الله عليها شبابها، فأشار إليها بإصبعه فحاضت لوقتها، ولها يومئذٍ مئةٌ وثلاث عشرة سنة)(١٧٩).
وهذه هي سياسة أهل البيت عليهم السلام في التعامل مع شيعتهم في إيجاد المخارج لهم.
مع الإمام الرضا عليه السلام:
ولمَّا قضى الإمام موسى بن جعفر عليه السلام في سجنه شهيداً مسموماً غريباً، وفي أمل أعدائه تغييب نهج النبوَّة ومنهاج العترة الطاهرة، ولكن خاب ظنّهم، فإنَّها مقادير الله تعالى تنسف أبراج الظالمين الطاغوتيَّة، ليتقلَّد الإمامة مِنْ بعده ابنُه عليّ بن موسى الرضا عليه السلام.
وعندها أدركَت حبابة أنَّها المرحلة الأخيرة من مسيرتها مع الأئمَّة، والشوط الأخير مِنْ طوافها حول الإمامة، وذلك بوصيَّة أمير المؤمنين عليه السلام عندما قال لها: (بلى والله يا حبابة، لَتلقين بهذه الحصاة ابني الحسن والحسين وعليّ بن الحسين ومحمّد بن عليّ وجعفر بن محمّد وموسى بن جعفر وعليّ بن موسى، وكلٌّ إذا أتيته استدعى بهذه الحصاة وطبعها بهذا الخاتَم، فبعد عليّ بن موسى ترَين في نفسِكِ برهاناً عظيماً، منه تختارين الموت، فتموتين، ويتولّى أمرَكِ ويقوم على حُفرتكِ ويُصلّي عليكِ)(١٨٠).
فكان في لقائها للإمام الرضا عليه السلام نعيُ نفسِها ووداعها الدنيا واللقاء بربِّها، مستيقنةً بعهد مولاها أمير المؤمنين عليه السلام، فما برحت ضاحكةً مستبشرةً وقد أنهَتْ مهمَّتها بكلِّ نجاح، مُدلَّةً على إمام زمانها بختمٍ هو الأخير لحصاتها الدُّرِّيَّة، مستكملةً الحلقة الثامنة، مؤدِّيةً الأمانة مِنْ عليٍّ عليه السلام إلى عليٍّ عليه السلام، مُستشعرةً نشوة النصر للإمام والإمامة، فيطبع لها الإمام شهادة الولاء العلويِّ الذي ظلَّ عنواناً لحبابة، وهي تسرد لقاء العشق فتقول: فلمَّا صرتُ إلى الرضا عليّ بن موسى عليه السلام ورأيتُ شخصه الكريم، ضحكتُ ضحكاً بان شدَّة تبسّمي، فأنكر بعضُ مَنْ بحضرته عليه السلام ضحكي وقالوا: قد خرفتِ يا حبابة ونقَص عقلكِ! فقال لهم مولاي عليه السلام: (ألم أقل لكم: ما خرفت حبابة ولا نقص عقلها؟ ولكنَّ جدّي أمير المؤمنين عليه السلام خبَّرها بأنَّها عند لقائي إيّاها تكون منيَّتها)(١٨١).
وطلبَت من الإمام الرضا عليه السلام أن يطبع لها حصاتها، دليلاً وإثباتاً لإمامته أمام الناس، وقالت: ثمّ أتيتُ الرضا عليه السلام فطبع لي فيها(١٨٢).
ولكنَّ حبابة انتظرَت البرهان الذي يسبق موتها، لتستنفد كلَّ طاقتها لخدمة عقيدتها، فتطلبُ _ وبكلِّ أدبٍ _ من الإمام الرضا عليه السلام أن يفعل فعل آبائه الأطهار، مُظهِراً برهان ربِّه، لكنَّ الإمام عليه السلام يبادر قائلاً: (يا حبابة، ما الذي قال لكِ جدّي أمير المؤمنين عليه السلام أنَّكِ تَرَين منّي؟)، قالت: قال لي: (واللهِ إنَّكِ تَرَين برهاناً عظيماً). فقال لها: (يا حبابة، أمَا تَرَين بياض شعركِ؟)، قالت: قلت: بلى يا مولاي. قال: (فتُحبّين أن تَرَينه أسود حالكاً مثل ما كان في عنفوان شبابكِ؟)، فقلت: بلى يا مولاي. فقال لي: (يا حبابة، ويُحزِنُكِ ذلك؟ أوَ أزيدكِ؟)، فقلت: يا مولاي، زدْني مِنْ فضل الله عليك. فقال: (أتحبّين أن تكوني مع سواد الشعر شابَّة؟)، فقلت: بلى يا مولاي، إنَّ هذا برهانٌ عظيم. قال: (وأعظمُ مِنْ ذلك ما حدَّثتيه في نفسكِ، ما أُعلِمُ به الناس!)، فقلت: يا مولاي، اجعَلْني لفضلك أهلاً. فدعا بدَعَواتٍ خفيَّةٍ حرَّك بها شفتيه، فعدتُ والله شابَّةً غضَّةً، سوداء الشعر حالكة، ثمّ دخلتُ خلوةً في جانب الدار وفتَّشتُ نفسي، فوجدتُني واللهِ بِكراً، فرجعت وخررتُ بين يديه ساجدة، ثمّ قلت: يا مولاي، النقلة إلى الله عز وجل؛ فلا حاجة لي في الحياة الدنيا(١٨٣)!
ولم يكن طلب حبابة الموت من الإمام لسأمها من الحياة أو لهروبها من المسؤوليَّة أو جزعها من صعوبة المهمَّة، بل لأنَّها عالمةٌ بأنَّ رسالتها قد أُنجِزَت، وأنَّ وعد الله حقٌّ، وعليها الآن بعدما استوفت حظَّها من الدنيا بقدَرٍ مقدَّر وبإخبارٍ من سيِّد الأوصياء ويقينٍ محض بإرادة الله تعالى، وأنَّ المحتوم لا يتغيَّر ولا يتبدَّل، وقد حازت المرتبة الشريفة، وآن لها اللحاق بربِّها، داعيةً من الإمام الرضا عليه السلام أن يدعو لها بالوفاة والانتقال إلى جوار ربِّها، مستغرقةً بالنظرات الملكوتيَّة إلى وجه إمامها، ولم يتأخَّر الإمام الرضا عليه السلام في طلب حبابة قائلاً لها: (يا حبابة، أُدْخُلي إلى أُمَّهات الأولاد، فجَهازك هناك مفرد). فدخلَت إلى أُمَّهات الأولاد، فلم تلبث إلَّا بمقدار ما عاينت جهازها إلى الله تعالى حتَّى شهدت وفاتها إلى الله، فقال الرضا عليه السلام: (رحمكِ الله يا حبابة)، قلنا: يا سيِّدي، وقد قُبِضَت؟! قال: (ما لبثَت أن عاينَت جهازها إلى الله تعالى حتَّى قُبِضَت)(١٨٤).
ثمّ يُكمِل الإمامُ عليّ بن موسى عليه السلام وصيَّة جدِّه أمير المؤمنين عليه السلام إلى حبابة، فيقوم بتجهيزها ودفنها بيده الشريفة.. يقول الراوي: وأمَرَ بتجهيزها فجُهِّزت، وأُخرجَت، فصلّى عليها وصلَّينا معه، وخرجَت الشيعة فصلّوا عليها، وحُملَت إلى حفرتها، وأمرَنا سيِّدُنا بزيارتها وتلاوة القرآن عندها والتبرّك بالدعاء هناك(١٨٥).
وما فعل الإمام عليه السلام هذا إلَّا دلالةً على جلالة قدرها وعلوِّ مرتبتها وسموِّ روحها، وأنَّها من عباد الله الصالحين المستجاب عندها الدعاء، لقُربها من الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام.
فتختم حبابةُ حياتها مسكاً، فسلامٌ عليها، ولها عقبى الدار.
شخصيّة حبابة الوالبيّة وسيرتها:
كانت حبابة امرأةً استثنائيَّةً في زمنها، مكرِّسةً حياتها في خدمة دينها ونشر معارف أهل البيت عليهم السلام، متحملةً كلَّ أنواع الاضطهاد، مغامرةً بنفسها، متحدّيةً وُعورة طريقها بإيمانٍ محضٍ وعقيدةٍ راسخة، ممَّا جعلها ثقةً للأئمَّة ومستودَعاً لعلمهم، راويةً لحديثهم.
عاصرت ثمانيةً من الأئمَّة، بدءاً من عليٍّ أمير المؤمنين عليه السلام وأوَّل مَنْ طبع على حصاتها، ونهايةً بعليِّ بن موسى الرضا عليه السلام. وكانت عالمةً فقيهةً، يدلُّ على منزلتها الرفيعة مدحُ الأئمَّة المعصومين عليهم السلام لها وترحّمهم عليها، وقد عاشت عمراً طويلاً، وكلَّما أسنَّت أرجعها إمامٌ إلى شبابها بمعجزة، فعندما أدركَت الإمامَ زين العابدين عليه السلام كان لها من العمر مئةً وثلاث عشرة سنة، والحِكمة في طول عمرها هو الإشارة والدلالة على أئمَّة الهدى في زمنٍ كثُرَت فيه الفتن والتبست على الشيعة معرفة الإمام؛ لممارسات الأنظمة الحاكمة المتسلِّطة التي حاولَت وبشتّى الطرق إبعاد الناس عن أئمَّة أهل البيت عليهم السلام، ولكن دون جدوى، وكانت على معرفةٍ تامَّةٍ بأحقّية أمير المؤمنين عليه السلام ووُلده، لم تفارقْهم في شدَّةٍ أو رخاءٍ.
واشتياق الأئمَّة عليهم السلام إليها يزيد في كثرة التأمّل في هذه المرأة، فممَّا روت حبابة عن الحسين عليه السلام وممَّا يُدلِّل على فضلها أنَّها قالت: كنتُ زَوّارة الحسين بن عليّ عليه السلام، قالت: فحدَثَ بين عينَيّ وَضَح(١٨٦)، فشقَّ ذلك علَيَّ واحتبستُ عليه أيّاماً، فسأل عنّي: (ما فعلَتْ حبابةُ الوالبيَّة)، فقالوا: إنَّها حَدَثَ بها حَدَثٌ بين عينيها، فقال لأصحابه: (قُوموا إليها). فجاء مع أصحابه حتَّى دخل علَيَّ وأنا في مسجدي هذا، فقال: (يا حبابة، ما أبطأَ بكِ علَيَّ؟)، قلت: يا ابن رسول الله، ما ذاك الذي منعني إن لم أكن اضطررتُ إلى المجيء إليك اضطراراً، لكن حَدَثَ هذا بي. قالت: فكشفتُ القناع، فتفل عليه الحسين بن عليّ عليه السلام، فقال: (يا حبابة، أحدِثي لله شكراً؛ فإنَّ الله قد درأه عنكِ). قالت: فخررتُ ساجدة، قالت: فقال: (يا حبابة، ارفعي رأسكِ وانظُري في مرآتكِ)، قالت: فرفعتُ رأسي فلم أُحسَّ منه شيئاً، قالت: فحمدتُ الله(١٨٧).
إذن، كانت حبابة على تواصلٍ مع أئمَّتها، تنقل عنهم وتستعلم منهم غامضات الأُمور.
نلتِ الشرفَ والفخر يا حبابة بما قرَّبكِ الله ومن أوليائه بقدر ما اقتربتِ من الله وأوليائه.
وممَّا يؤكِّد أنَّ حبابة لها مكانة سامية عند أئمَّة أهل البيت عليهم السلام، هو ما رُوي عن الإمام محمّد الباقر عليه السلام في حقِّها عندما قال: (إنَّ حبابة الوالبيَّة دعا لها عليُّ بن الحسين عليه السلام، فردَّ الله عليها شبابها، فأشار إليها بإصبعه فحاضت لوقتها، ولها يومئذٍ مئة سنةٍ وثلاث عشرة سنة)(١٨٨).
هذه هي حبابة الوالبيَّة، تُوثَّق من إمامٍ معصوم، فلا يوجَد أكثر من هذا التوثيق في حقِّها.
وقد اختلف الرجاليّون في صاحبة الحصاة _ كما أشرنا _ بين ثلاث نساءٍ لُقِّبن بهذا اللقب، وهُنَّ: حبابة الوالبية أُمّ الندى، وأُمّ غانم، وأُمّ سليم التي طبع لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام، كما قال أبو عبد الله بن عيّاش(١٨٩).
ولولا أنَّ الموت كان على حبابة الوالبيَّة حتماً مقضيَّاً لَواصلت عطاءها إلى آخِر إمام، وهو المهديّ المنتظر عليه السلام، وكان لها ذلك عندما بشَّرها أمير المؤمنين عليه السلام إذ قال: (وأنا مُبشِّرُكِ بأنَّكِ من المكرورات من المؤمنات مع المهديِّ من ذرّيتي إذا أظهر الله أمره)(١٩٠)، ولا يُلقّاها إلَّا ذو حظٍّ عظيم، فهنيئاً لكِ البشرى أيَّتها المباركة الوالبيَّة.
روايتها للحديث:
نتيجةً لمعاصرة حبابة الوالبيَّة لثمانٍ من الأئمَّة عليهم السلام ومصاحبتها لهم، أصبحَت واحدةً من راوياتهم الثقات على ألسنة أرباب الرجال، موثَّقةً وممدوحةً بأجلى عبارات التوثيق:
ذكرها البرقيُّ ممَّن روى من النساء عن الحسن بن عليّ وأبي جعفر وأبي عبد الله عليهم السلام(١٩١).
وقال ابن داود: إنَّها ممدوحة(١٩٢).
وقال في (التحرير الطاووسي): إنَّها روت عن الحسين بن علي عليه السلام(١٩٣).
وكذلك التفريشيّ في (نقد الرجال)، وذكر أنَّها مِنْ أصحاب الباقر عليه السلام(١٩٤).
وقال (جامع الرواة): إنَّها روت عن الحسن والحسين عليهما السلام، على ما قال سعد بن عبد الله(١٩٥).
وكذلك فعل في (منتهى المقال)، ذكر أنَّها روت عن الحسن والحسين عليهما السلام، على ما قاله سعد بن عبد الله(١٩٦).
وذكرها الشيخ الطوسيّ في الأبواب من (رجاله) أنَّها من أصحاب الصادق عليه السلام(١٩٧).
أمَّا السيِّد الخوئيّ في (معجم رجاله) فقد ذكر أنَّها أُمّ البراء، وقيل: هي حبابة الوالبيَّة، ذكرها الشيخ في (رجاله) من أصحاب عليّ بن الحسين عليه السلام، وعدَّها البرقيُّ من أصحاب السجّاد عليه السلام(١٩٨).
ويُسْتدَلُّ من استقراء رواياتها وتتبّعها أنَّها روت عن: أمير المؤمنين عليه السلام، وعن الحسن المجتبى عليه السلام، وعن الحسين عليه السلام، وعن السجّاد عليه السلام، وعن الباقر عليه السلام، وعن الصادق عليه السلام، وعن الرضا عليه السلام، فهي مُصاحبةٌ لهم وراويةٌ عنهم، ولكنَّ كتب الرجال لم تستوفِ حقَّها فيمن روى عن الأئمَّة. وسنُورد بعض رواياتها التي تُثبتُ أنَّها ثقة، وثَّقوها بذكرهم إيّاها بالتقوى والصلاح والعلم والعبادة، وأنَّها ممَّن يتحمَّل رواياتهم.
رواية حبابة عن أمير المؤمنين عليه السلام:
١ _ حدَّثنا عليّ بن أحمد الدقّاق، قال: حدَّثنا محمّد بن يعقوب، قال: حدَّثنا عليّ بن محمّد، عن أبي عليّ محمّد بن إسماعيل بن موسى بن جعفر، عن أحمد بن قاسم العِجليّ، عن أحمد بن يحيى المعروف ببرد، عن محمّد بن خداهي، عن عبد الله بن أيّوب، عن عبد الله بن هِشام، عن عبد الكريم بن عمر الخثعمي، عن حبابة الوالبيَّة، قالت: رأيتُ أمير المؤمنين عليه السلام في شَرَطة الخميس، ومعه دِرَّةٌ(١٩٩) يضرب بها بيّاع الجِرّي والمارماهي والزمّار والطافي، ويقول لهم: (يا بيّاعي مُسوخ بني إسرائيل وجُند بني مروان)، فقام إليه فرات بن الأحنف فقال له: يا أمير المؤمنين، فما جند بني مروان؟ قالت: فقال له: (أقوامٌ حلَقوا اللحاء وفتلوا الشوارب). فلم أرَ ناطقاً أحسن نطقاً منه، ثمّ اتَّبعتُه فلم أزل أقفو أثره حتَّى قعد في رحبة المسجد(٢٠٠)، فقلتُ له: يا أمير المؤمنين، ما دلالة الإمامة؟ رحمك الله! فقال: (ايتيني بتلك الحصاة)، وأشار بيده إلى حصاة، فأتيتُه بها، فطبع لي فيها بخاتَمه، ثمّ قال لي: (يا حبابة، إذا ادَّعى مُدَّعٍ الإمامة فقدر أن يطبع كما رأيتِ، فاعلمي أنَّه إمامٌ مفترَض الطاعة، والإمامُ لا يعزب عنه شيءٌ يريده).
قالت: ثمّ انصرفت، حتَّى قُبِضَ أمير المؤمنين عليه السلام فجئتُ إلى الحسن عليه السلام وهو في مجلس أمير المؤمنين والناس يسألونه، فقال لي: (يا حبابة الوالبيَّة)، فقلت: نعم يا مولاي، فقال: (هاتي ما معكِ)، قلت: فأعطيتُه الحصاة، فطبع لي فيها كما طبع أميرُ المؤمنين عليه السلام. قالت: ثمّ أتيتُ الحسينَ عليه السلام وهو في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقرَّبَ ورَحَّب بي، ثمّ قال لي: (إنَّ في الدلالة دليلاً على ما تريدين، أفتريدين دلالة الإمامة؟)، فقلت: نعم يا سيِّدي، فقال: (هاتي ما معكِ)، فناولتُه الحصاة، فطبع لي فيها. قالت: ثمّ أتيتُ عليَّ بن الحسين عليه السلام، وقد بلغ بيَ الكبرُ إلى أن أعييت، وأنا أعدُّ يومئذٍ مئةً وثلاث عشرة سنة، فرأيتُه راكعاً ساجداً مشغولاً بالعبادة، فيئستُ من الدلالة، فأومأ إليَّ بالسبّابة فعادَ إليَّ شبابي، قالت: فقلت: يا سيِّدي، كم مضى من الدنيا وكم بقي؟ قال: (أمَّا ما مضى فنعم، وأمَّا ما بقي فلا)، قالت: ثمّ قال لي: (هاتي ما معكِ)، فأعطيتُه الحصاة، فطبع لي فيها. ثمّ أتيتُ أبا جعفرٍ عليه السلام فطبع لي فيها، ثمّ أتيتُ أبا عبد الله عليه السلام فطبع لي فيها، ثمّ أتيتُ أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام فطبع لي فيها، ثمّ أتيتُ الرضا عليه السلام فطبع لي فيها(٢٠١).
رواية حبابة عن الإمام الحسين عليه السلام:
٢ _ العيّاشي: عن حبابة الوالبيَّة، قالت: سمعتُ الحسين بن عليٍّ عليه السلام يقول: (ما أعلمُ أحداً على ملَّة إبراهيم إلَّا نحنُ وشيعتُنا)(٢٠٢).
٣ _ محمّد بن مسعود، عن جعفر بن أحمد، عن العَمْرَكي، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن ثعلبة بن ميمون، عن عَنبسة بن مصعب وعليّ بن مُغيرة، عن عِمران بن ميثم، قال: دخلتُ أنا وعباية الأسديّ على امرأةٍ من بني أسد يُقال لها: حبابة الوالبيَّة، فقال لها عباية: تدرين مَنْ هذا الشاب الذي معي؟ قالت: لا، قال: ابن أخيك ميثم، قالت: إي والله، إي والله، ثمّ قالت: ألَا أُحدِّثكم بحديثٍ سمعتُه من أبي عبد الله الحسين بن عليّ عليه السلام؟ قلنا: بلى، قالت: سمعتُ الحسين بن عليٍّ عليه السلام يقول: (نحن وشيعتُنا على الفطرة التي بعث الله عليها محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم، وسائر الناس منها بُراء!)(٢٠٣).
رواية حبابة عن الإمام السجّاد عليه السلام:
٤ _ أبو الفضل الشَّيبانيّ في (أماليه)، وأبو إسعاف العدل الطبريّ في (مناقبه)، عن حبابة الوالبيَّة، قالت: دخلتُ على عليّ بن الحسين عليه السلام وكان بوجهي وَضَح، فوضع يده عليه فذهب. قالت: ثمّ قال: (يا حبابة، ما على ملَّة إبراهيم غيرنا وغير شيعتنا، وسائرُ الناس منهم بُراء)(٢٠٤).
رواية حبابة عن الإمام الباقر عليه السلام:
٥ _ عن الثُّماليِّ، قال: دخلَتْ حبابة الوالبيَّة على أبي جعفر عليه السلام، فقالت: أخبِرْني _ يا ابن رسول الله _ أيَّ شيءٍ كنتم في الأظلَّة؟ فقال عليه السلام: (كنّا بين يدَي الله قبل خلق خلقه، فلمَّا خلق الخلقَ سبَّحنا فسبَّحوا، وهلَّلنا فهلَّلوا، وكبَّرنا فكبَّروا، وذلك قوله عز وجل: (وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً)(٢٠٥))(٢٠٦).
٦ _ عن ظَريف بن ناصح وغيرِه ممَّن رواه، عن حبابة، قالت: قلتُ لأبي عبد الله عليه السلام: إنَّ لي أخاً، وهو يعرف فضلكم، وإنّي أُحِبُّ أن تُعلِمَني أمن شيعتكم؟ قال: (وما اسمه؟)، قالت: قلت: فلان بن فلان. قالت: فقال: (يا فلانة، هاتي الناموس)، فجاءَت بصحيفةٍ تحملها كبيرة، فنشَرها، ثمّ نظر فيها فقال: (نعم، هو ذا اسمه واسم أبيه هاهنا)(٢٠٧).
هذه بعض الروايات التي تدلُّ على أنَّ حبابة الوالبيَّة ممَّن روى عن الأئمَّة عليهم السلام، بدءاً من أمير المؤمنين عليه السلام إلى الإمام الثامن عليّ بن موسى الرضا عليه السلام، كما أورده الرجاليّون في كتبهم وبأسانيد معتبرة تدلُّ على وثاقتها وصحَّة حديثها، واستند الفقهاء على هذه الروايات في كتب العقائد والكتب الفقهيَّة للاستدلال بما جاء فيها من مسائل إثبات الإمامة وبعض أبواب الفقه من الأطعمة والأشربة والأخلاق وغيرها.
فيا راوية الإمام الحسن المجتبى عليه السلام! قد أدَّيتِ الأمانة لمولاكِ الحسن عليه السلام صابرةً مجتهدةً، لم تتوانَي عن نصرة سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فشرَّفكِ الله بالرواية عنه ونقلِ أحاديثه، ليُسجَّل اسمُكِ بأحرفٍ من نور في كتب السيرة الحسنيَّة الكريمة بأنَّكِ راوية الحسن عليه السلام، اجتباكِ لتكوني حاملةً لكلماته النورانيَّة وعبقاته المحمّديَّة، طبع على حصاتك خَتم الجنَّة، وعلى قلبك الإيمان، لتقفي بين يدَي الله تعالى في صفِّ أصحاب الحسن عليه السلام، متقلِّدةً وِسام الشرف، متحلِّيةً ببهاء العزِّ والكرامة، فطوبى لكِ يا حَسَنيَّة وحسنُ مآب.
السيّدة نفيسة بنت الحسن
ذرّيَّةٌ بعضُها من بعض، وشجرةٌ أوراقها تأبى الانتماء لغيرها، أهلُ بيتٍ طُهِّروا من الرجس، ونالوا الشرف بالنسب والسبب، كُمَّل الناس وزينة العباد، بهم نظمت الأُمور وامتدَّت الرسالة، توارثوا العِزَّة والشرف والبهاء كابراً عن كابر، وما طلبوا أجراً إلَّا المودَّة في القُربى.. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا علي، خُلِقَ الناس مِنْ شجرٍ شتّى، وخُلقتُ أنا وأنت من شجرةٍ واحدةٍ، أنا أصلها، وأنت فرعها، والحسن والحسين أغصانها، وشيعتنا أوراقها، فمَنْ تعلَّق بغصنٍ من أغصانها أدخله الله الجنَّة)(٢٠٨).
ما أينع ثمار هذه الشجرة، وما أعظم بركاتها، وما أورف ظلّها! ومن ثمار هذه الشجرة النبويَّة العلويَّة الحسنيَّة السيِّدة نفيسة بنت الحسن الأنور بن زيد الأبلج بن الحسن السبط عليه السلام بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام(٢٠٩)، أُمُّها أُمّ ولد.
وُلِدَتْ السيِّدة نفيسة عام (١٤٥هـ) في مكّة، ونشأت في المدينة(٢١٠).
كان لوالدها الحسن بن زيد مكانة اجتماعيَّة رفيعة، تولّى إمرة المدينة من قِبَل أبي جعفر المنصور عام (١٥٠هـ)، وكان حازماً شديداً في حدود الله، رؤوفاً بالناس، ذا شخصيَّةٍ مرموقةٍ ومحبوبة، مُستلهماً منهاج آبائه في الإحسان للرعيَّة، وهو سيماء وسمة أهل البيت عليهم السلام، امتداداً طبيعيَّاً وشرعيَّاً يُضفي روحانيَّةً على الملأ لتصفو نفوسهم ببركة أرواحهم الشريفة.
ومِنْ قَبل تبوَّأ والده زيد بن الحسن مكاناً سامياً في نفوس أتباعه، وكان جليل القدر، كريم الطبع، ظَلِفَ النفس(٢١١)، كثير البِرِّ، كان يلي صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مات وله تسعون سنة، ثمّ عزله سليمان بن عبد الملك عن الصدقات، ثمّ أعادها إليه عمر بن عبد العزيز، وكان رأيه التقيَّة(٢١٢).
تزوَّجها إسحاق بن جعفر الصادق عليه السلام، وكان يُلقَّب بإسحاق المؤتمَن، وهو من أهل الصلاح والخير والفضل والدِّين(٢١٣)، فتكون نفيسة ابنة عمٍّ له، وكان مِنْ رواة الحديث، ونُقِلَ عنه أحاديث عدَّة, فكانت نفيسة مُحاطةً بأجواء التبجيل والقدسيَّة، ترتوي من نبع آبائها مَعيناً صافياً لا لجة فيه، مستثمرةً قُربها من الإمام الحسن المجتبى عليه السلام لبثِّ فضائل أهل البيت عليهم السلام ومناقبهم، مشعَّةً لعلومهم وآدابهم وأخلاقهم، مؤثِّرةً في نفوسٍ غيَّمَت عليها غمامةُ الضلال الأُمويّ والظلم العبّاسي، لتستنقذ قلوبهم من مهاوي الشرك والنفاق، مُذكِّرةً مَنْ حولها بعلم عليٍّ عليه السلام وعبادة فاطمة عليها السلام ومظلمة الحسنين عليهما السلام، تشقُّ لُجج بحار الغيِّ والخنوع لنفوس الحاقدين لعترة النبيِّ والمتربّصين للإسلام وأهله, تُقدِّم نفسها أُنموذج العزَّة الحسنيَّة، مؤجِّجةً روح الحماسة والبطولة، مؤطِّرةً حركتها بإطارٍ سجّاديٍّ بالدعاء والعبادة، قالبةً ظهر المجن على أعدائها.
نفيسة العالِمة:
كانت السيِّدة نفيسة حافظةً للقرآن الكريم، مُفسِّرةً لآياته، ضابطةً لأحكامه، مستنبطةً منه الحلال والحرام، مُستجلِيةً غوامضه، فكانت تُشَدُّ إليها الرحال مِنْ كلِّ مكانٍ للاستفادة منها ومن علوم أهل البيت عليهم السلام، متبحِّرةً في الحديث النبويّ، محدِّثةً عن آبائها، فاستقطبت طلَّاب العلم لِما وجدوا عندها مِنْ ملَكةٍ علميَّةٍ توحي وتُنبئُ عن أنَّها سليلة النبوَّة وبنت الإمامة.
ولم يقتصر فضلها وعلمها على أتباعها، بل امتدَّ ليشمل حتَّى أصحاب المذاهب الأُخرى؛ لعلمهم بنقاوة مصدرها وثباته، حتَّى أنَّ الشافعيّ حضر عندها عندما دخل مصر وسمع منها الحديث، ولمَّا تُوفّي أُدخلَت جنازته إليها فصلَّت عليه في دارها(٢١٤), _ ولعلَّ صلاتها هي من باب التقيَّة _ لأنَّ بيتها كان محطّ أنظار العلماء من كلِّ المذاهب الإسلاميَّة. ولم تكن تبخل السيِّدة نفيسة بتقديم النصيحة والمعلومة لطالبها، فهي تُمثِّل سيرة أجدادها وما درج عليه آباؤها، فهم مرجعيَّة الناس في المهمّات والملمّات.
زهدها وعبادتها:
هي السيِّدة الطاهرة العابدة الراكعة الساجدة، تقوم ليلها وتصوم نهارها، مِنْ أهل التُّقى والصلاح، دائمة البكاء من خشية الله، كثيرة التضرّع إلى الله، وكانت قد حفرت قبرها بيدها، وصارت تنزل فيه وتُصلّي وتقرأ القرآن، وختمَت فيه ستَّة آلاف ختمة(٢١٥), وحجَّت بيت الله الحرام ثلاثين حجَّة(٢١٦), فكانت شديدة التعلّق بالله تعالى، موجِّهةً لنا أروع صور التربية النفسيَّة والأخلاق وأدب العبادة.
كانت زاهدةً في معيشتها، لم تستعِنْ في معيشتها على خادمةٍ أو أَمَة، بل خدمَتها ابنةُ أخيها زينب بنت يحيى بن الحسن في هجرتها إلى مصر أربعين عاماً، لم ترَها إلَّا عابدةً آناء الليل وأطراف النهار، مؤثِرَةً بساطةَ العيش، عازفةً عن ملذّات الدنيا، منشغلةً بدِينها عن تُرّهات عالم المادَّة، مقدِّمةً لغة الروح على لغة الجسد, لم تأكل من غير زوجها شيئاً، ولا تأكل في كلِّ ثلاث ليالٍ إلَّا أكلةً واحدة. قالت زينب بنت يحيى المتوَّج: خدمتُ عمَّتي نفيسة أربعين سنة، فما رأيتُها نامت الليل ولا أفطرت فيها، وقلتُ لها: أمَا ترفقين بنفسكِ؟! فقالت: كيف أرفقُ بنفسي وقُدّامي عقباتٌ لا يقطعها إلَّا الفائزون(٢١٧)
تبليغها الإسلامي:
كانت السيِّدة نفيسة من المُحسنات إلى الفقراء والمرضى من الناس، تقضي حوائجهم، وتعود مرضاهم، وتدافع عن مظلوميهم، فلمَّا ظَلم أحمدُ بن طولون قبل أن يعدل، استغاث الناس من ظلمه وتوجَّهوا إلى السيِّدة نفيسة يشكونه إليها، لمعرفتهم بشرفها وفضلها ومكانتها, فقالت لهم: متى يركب؟ قالوا: في غد. فكتبت رقعةً ووقفَت بها في طريقه، وقالت: يا أحمد بن طولون! فلمَّا رآها عرفها، فترجَّل عن فرسه وأخذ منها الرقعة وقرأها، فإذا فيها: ملكتُم فأسرتُم، وقدرتُم فقهرتُم، وخلوتُم فعسفتُم, ورُدَّت إليكم الأرزاق فقطعتُم، هذا وقد علمتُم أنَّ سهام الأسحار نافذةٌ غير مخطئة، لاسيّما مِنْ قلوبٍ أوجعتموها وأكبادٍ جوَّعتموها وأجسادٍ عرَّيتموها, فمحال أن يموت المظلوم ويبقى الظالم, اعملوا ما شئتُم فإنّا صابرون, وجوروا فإنّا بالله مستجيرون، واظلِموا فإنّا لله متظلِّمون, (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)(٢١٨)، فعدَلَ لوقته(٢١٩).
تدلُّ هذه الرواية إلى عظمة وكبرياء السيِّدة نفيسة بنت الحسن، حيث إنَّ الظالم المتجبّر أحمد بن طولون يترجَّل مِنْ فرسه عند رؤيتها، ثمّ بكلماتٍ أوقعُ مِنْ لحظ السهام تقلب هذا الظالم إلى حاكمٍ عادلٍ في رعيَّته، فهي ثورةٌ قامت بها السيِّدة نفيسة بإصلاح الحاكم، وبالتالي إصلاح المجتمع.. خطَّة هامَّة جدّاً في مسار التاريخ غيَّرت اتِّجاه أُمَّةٍ كاملةٍ من الظلم والضياع إلى العدل والاستقامة، وما تغيُّر الحاكم بهذه الكلمات إلَّا انعكاس لشخصيَّة وروحانيَّة هذه السيِّدة العلويَّة، التي اتَّضحت معالم سيرتها العمليَّة بهذا الموقف الشجاع الذي لا يصدر إلَّا ممَّن كان له تسديدٌ إلهيٌّ، فهي عالمةٌ عاملةٌ عابدةٌ من جانب، ومبلِّغةٌ إسلاميَّة ومدافعةٌ عن الحقِّ من جانبٍ آخَر، عِرقٌ هاشميٌّ ينبض في صدور آل عليٍّ في مواجهة الظالمين وغاصبي الحقوق.
هجرتها من المدينة إلى مصر:
تبقى هجرة السيِّدة نفيسة إلى مصر من مدينة جدِّها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومكان نشأتها أمراً مجهول الأسباب لم يُصرِّح به التاريخ، وربَّما كان بسبب الاضطهاد الذي مارسه الأُمويّون والعبّاسيّون على آل عليٍّ وشيعتهم، فحاولوا كسر هذا الحصار الفكريّ والايديولوجي بالهجرة إلى باقي البلاد الإسلاميَّة، ليبدؤوا مرحلةً جديدةً في نشر الفكر المحمّديّ والإسلام الصحيح، الذي حاول تشويهه ملوك الظلال.
ويبدو أنَّ أهل مصر كانوا مِنْ مُريدي أهل البيت عليهم السلام، فكان لحضورها عندهم حظوةٌ كبيرةٌ ومقامٌ محمودٌ، فعاملوها بإجلالٍ واحترامٍ شديدَين، سواء عامَّة الناس أم أُمراؤهم.
وقيل: إنَّ سبب هجرتها إلى مصر هو دخولها مع أبيها الحسن بن زيد. وهو بعيد!
بعد عزل أبيها عن ولاية المدينة وسجنه لمدَّةٍ من الزمن، وبسبب توجُّس الأُمويّين والعبّاسيّين من أهل هذا البيت الذي كان يحول دون تسلّمهم للمناصب، خشية الانقلاب عليهم وتأجيج الناس ضدّهم, هاجرت مع زوجها إسحاق بن جعفر الصادق عليه السلام وبنتِ أخيها زينب بنت يحيى، محمَّلين بهمومهم بعد ترك ديارهم وأهلهم وأحبّائهم، مودِّعين قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والإمام الحسن عليه السلام بلوعةٍ وألم، يعتصرهم حزن الفراق عن مضارب الهاشميّين, لكنَّ القدَر له حكمته، ولله تعالى مقادير العباد, فهي هجرةٌ في سبيل الله، وليس طلباً لشهرة أو مال، بل تكليفٌ شرعيٌّ اقتضى أن تترك السيِّدة نفيسة المدينة والسفر إلى مصر.
وداعها الدنيا:
بعد رحلةٍ طويلةٍ قضَتها السيِّدة نفيسة في العبادة والعلم والتبليغ والتقرّب إلى الله تعالى، مرضت السيِّدة مرضاً شديداً، فكتبت إلى زوجها إسحاق المؤتمن كتاباً _ ممَّا يظهر أنَّه كان مسافراً_، وحفرت قبرها بيدها، وصارت تنزل فيه وتُصلّي وتقرأ القرآن، فماتت في شهر رمضان عام (٢٠٨هـ)(٢٢٠), وكانت صائمة، فألزموها الإفطار، فقالت: وا عجباً، إنّي منذ ثلاثين سنةً أسأل الله تعالى أن ألقاه وأنا صائمة، وأفطر الآن؟! هذا لا يكون! ثمّ قرأت سورة الأنعام، فلمَّا وصلَت إلى قوله تعالى: (لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ)(٢٢١) ماتت, فقام زوجها إسحاق بتجهيزها والصلاة عليها، ثمّ عزم على حملها إلى المدينة لدفنها عند جدِّها الإمام الحسن عليه السلام في البقيع، لكنَّ تعلّق أهل مصر واعتقادهم بها طلبوا منه إبقاءها ودفنها عندهم للتبرّك بها، وبذلوا له مالاً كثيراً فلم يرضَ, فرأى النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: (يا إسحاق، لا تُعارِض أهل مصر في نفيسة؛ فإنَّ الرحمة تنزل عليهم ببركتها). فردَّها ودفنها في البيت الذي كانت تسكنه في محلَّةٍ تُسمّى: درب السباع(٢٢٢).
ولأهل مصر اعتقادٌ كبير بها، وبظهور الكرامات العديدة لها في شفاء المرضى أصبح قبرها مزاراً لأهل مصر. يقول اليافعي: وقد قصدتُ مشهدها، فوجدت عندها عالَماً من الرجال والنسوان والصحاح والعميان(٢٢٣). فالكلُّ له حاجة يطلبها من الله تعالى ببركة السيِّدة نفيسة.
لاقت ربَّها مجتهدةً في العبادة، مخالِفةً لهواها، عالمةً بالقرآن ومعلَّمةً به، مجلَّلةً بالعزِّ والفخار، لتجاور في جنان الخُلد جدّها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأباها الحسن المجتبى عليه السلام، ثمرةً طيِّبةً من فرع الحسن عليه السلام، لتمتدّ فروعه الحسنيَّة مُثمرةً بالعطاء المحمّديّ الأصيل، مُشرقةً بأنوار الهداية، ذرّيةً طيِّبةً مباركةً من ريحانة الرسول وسبطه الأوَّل.

 

 

 

 

الهوامش:

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) علل الشرائع/ الصدوق ١: ١٨٠/ الباب ١٤٣ العلَّة التي من أجلها سُمّيت فاطمة الزهراء عليها السلام زهراءً/ ح ٢، عنه بحار الأنوار/المجلسي ٤٣: ١١/ الباب ٢/ ح ٢.
(٢) الكافي/ الكليني ٣: ٣٤٣/ باب التعقيب بعد الصلاة والدعاء/ ح ١٤.
(٣) قال الطريحي: في حديث فاطمة عليها السلام: (طحنت بالرحاء حتَّى مجلت يداها)، هو من قولهم: مجلت يده - كنَصَر وفَرِح، تمجل مجلاً -: إذا ثخن جلدها وتعجَّز وظهر فيها ما يشبه البثر من العمل بالأشياء الصلبة الخشنة. (مجمع البحرين/ الطريحي ٥: ٤٧٢/ مادَّة مجل).
(٤) قال الطريحي: في الحديث: (أوقدَت فاطمة عليها السلام القِدر حتَّى دكنت ثيابها)، أي: اغبرَّت، يُقال: دكن الثوب دكناً - من باب تَعِبَ -: مال إلى الغُبرة، وهو بين الحمرة والسواد، ومنه ثوبٌ أدكن. (مجمع البحرين/ الطريحي ٦: ٢٤٧/ مادَّة دَكَن).
(٥) اللِّفاع: خمارٌ للمرأة يستر رأسها وصدرها، والمرأة تتلفَّع به. (العين/ الفراهيدي ٢: ١٤٦/ مادَّة لَفَع)، وهو اللحاف أيضاً، وتلفَّع الرجل الثوب إذا اشتمل به وتغطّى. (مجمع البحرين/ الطريحي ٤: ٣٨٧/ مادَّة لَفَع).
(٦) علل الشرائع/ الصدوق ٢: ٣٦٦/ الباب ٨٨ علَّة تسبيح فاطمة عليها السلام/ ح ١.
(٧) مناقب آل أبي طالب/ ابن شهرآشوب ٣: ٢٠٩/ باب إمامة أبي عبد الله الحسين عليه السلام، وفيه: فلمَّا حملَت بالحسين قال لها: (يا فاطمة، إنَّكِ ستلدين غلاماً قد هنَّأني به جبرئيل، فلا تُرضعيه حتَّى أجيء إليكِ ولو أقمتُ شهراً!)، قالت: (أفعلُ ذلك). وخرج رسول الله في بعض وجوهه، فولدت فاطمةُ الحسين عليه السلام، فما أرضعَته حتَّى جاء رسول الله، فقال لها: (ماذا صنعتِ؟)، قالت: (ما أرضعتُه). فأخذه، فجعل لسانه في فمه، فجعل الحسين يمصُّ حتَّى قال النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: (إيهاً حسين، إيهاً حسين)، ثمّ قال: (أبى الله إلَّا ما يُريد، هي فيك وفي وُلدك)، يعني الإمامة.
(٨) لا يخفى أنَّ التعبير بـ (تُرقِّص) هو تعبير الراوي.
(٩) الرَّسَن: الحبل. (لسان العرب/ ابن منظور ١٣: ١٨٠؛ مجمع البحرين/ الطريحي ٦: ٢٥٥/ مادَّة رَسَن).
(١٠) الإحَن: جمع إحنة، وهي الحقد في الصدر. (لسان العرب ١٣: ٨؛ مجمع البحرين ٦: ١٩٨/ مادَّة إحَن).
(١١) مناقب آل أبي طالب/ ابن شهرآشوب ٣: ١٥٩/ باب إمامة السبطين.
(١٢) بحار الأنوار/ المجلسي ٤٣: ٢٨٩.
(١٣) الأحزاب: ٣٣.
(١٤) لقد استفاضت أصحّ كتبهم وأكثرها اعتباراً بهذا المضمون، منها: صحيح مسلم، صحيح الترمذي، صحيح النَّسائي، مُسنَد أحمد بن حنبل، مسند البزّار، مسند عبد بن حُميد، مُستدرَك الحاكم، تلخيص المستدرك للذهبي، تفسير الطبري، تفسير ابن كثير، الدرّ المنثور، وغيرها من التفاسير ومن كتب الحديث، وفيها أنَّه لمَّا نزلت هذه الآية المباركة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، جمع أهله - أي: عليَّاً وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام - وألقى عليهم كساءً وقال: (اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي)، وفي بعض الروايات: ألقى الكساء على هؤلاء، فنزلت الآية المباركة، والروايات بعضها تفيد أنَّ الآية نزلت ففعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هكذا.
(١٥) الأحزاب: ٣٣.
(١٦) راجع: حديث الكساء المعروف المشهور، المرويّ بسندٍ صحيح عن الصحابيِّ الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري ٢.
(١٧) آل عمران: ٦١.
(١٨) آل عمران: ٦١.
(١٩) الشورى: ٢٣.
(٢٠) الشورى: ٢٣.
(٢١) المعجم الكبير/ الطبراني ٣: ٤٧.
(٢٢) الشورى: ٢٣.
(٢٣) مقاتل الطالبيّين/ أبو الفرج الأصفهاني: ٣٢.
(٢٤) جاء في الزيارة الجامعة الكبيرة الشريفة المرويَّة عن الإمام الهادي عليه السلام: (مَنْ أراد الله بدأ بكم، ومَنْ وحَّده قَبِل عنكم، ومَنْ قصده توجَّه إليكم). (عيون أخبار الرضا عليه السلام/ الصدوق ٢: ٣٠٨ / ح ١؛ مَن لا يحضره الفقيه/ الصدوق ٢: ٦١٥/ ح ٣٢١٣؛ المزار/ ابن المشهدي: ٥٣٢).
(٢٥) ورد في الحديث الشريف عن الإمام العسكريّ عليه السلام قوله: (نحن حُجَج الله على الخلق، وجدَّتنا فاطمة حجَّة الله علينا). (الأسرار الفاطميَّة/ المسعودي: ٣٧ و٥٣ و٦٩ و٩٩، عن: تفسير أطيب البيان ١٣: ٢٢٦).
(٢٦) زينب الكبرى عليها السلام/ جعفر النقدي: ١٧.
(٢٧) رجالٌ تركوا بصمات على فسحات التاريخ/ لطيف القزويني: ١٥٩.
(٢٨) مستدرك الوسائل/ الميرزا النوري الطبرسي ١٥: ٢٥١/ باب ٧٨ حدُّ الرحم التي لا يجوز قطيعتها/ ح ١٨٠٤٠، عن: مجموعة الشهيد.
(٢٩) زينب الكبرى/ جعفر النقدي: ٤١.
(٣٠) زينب الكبرى/ جعفر النقدي: ٥٨.
(٣١) لمَّا بلغ عبد الله بن جعفر قتل ابنَيه مع الحسين عليه السلام، دخل عليه بعض مواليه فقال: هذا ما لقينا من الحسين! فحذَفه بنعله وقال: يا ابن اللخناء، أللحسين تقول هذا؟! واللهِ لو شهدتُه ما فارقتُه حتَّى قُتِلْتُ معه، واللهِ لممَّا يُسلّيني عنهما أنَّهما أُصيبا معه، وهو أخي وابن عمّي. (جواهر المطالب في مناقب الإمام عليّ عليه السلام/ محمّد بن أحمد الدمشقي الباعوني الشافعي ٢: ٢٩٦).
(٣٢) معالي السبطين/ المازندرانيّ ١: ٥٩/ المجلس التاسع.
(٣٣) الاحتجاج/ الطبرسي ٢: ٣١.
(٣٤) زينب الكبرى/ جعفر النقدي: ٥٨.
(٣٥) قاموس الرجال/ التُّستري ١١: ٤٠.
(٣٦) أنساب الأشراف/ البلاذريّ ١: ٤٢٩.
(٣٧) المنتخَب من ذيل المذيَّل من تاريخ الصحابة والتابعين/ الطبريّ: ٩٥.
(٣٨) تاريخ الطبريّ ٢: ٤١٤.
(٣٩) الإصابة/ ابن حجر ٨: ٣٤٣.
(٤٠) الفصول المهمَّة في معرفة الأئمَّة/ ابن الصبّاغ: ٤٢.
(٤١) معجم رجال الحديث/ الخوئي ٢٤: ٢٠٣.
(٤٢) الطبقات الكبرى/ ابن سعد ٨: ٨٦.
(٤٣) مناقب عليّ بن أبي طالب وما نزل من القرآن في عليٍّ عليه السلام/ أحمد بن موسى بن مردَوَيه الأصفهاني: ١٠٥.
(٤٤) مجمع الزوائد/ الهيثمي ٩: ١٣٤.
(٤٥) مناقب عليّ بن أبي طالب وما نزل من القرآن في عليٍّ عليه السلام/ أحمد بن موسى بن مردَوَيه الأصفهاني: ١١٦.
(٤٦) شرح الأخبار/ القاضي النعمان المغربي ٢: ١٩.
(٤٧) أعيان الشيعة/ السيِّد محسن الأمين ١: ١٣٣.
(٤٨) بصائر الدرجات/ الصفّار: ١٨٢/ الباب ١ في الأئمَّة عليهم السلام وأنَّه صارت إليهم كتب رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما / ح ١، عنه: بحار الأنوار/ المجلسيّ ٢٦: ٥٠/ الباب ١ جهات علومهم عليهم السلام وما عندهم من الكتب/ ح ٩٧.
(٤٩) الكافي/ الكليني ١: ٢٣٥/ باب ما عند الأئمَّة من سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومتاعه/ ح ٧، عنه: الوافي/ الفيض الكاشاني ٣: ٥٧٣/ الباب ٧٩ ما عندهم من سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومتاعه / ح ١١٢٩.
(٥٠) تاريخ اليعقوبي/ اليعقوبي ٢: ١٩٨.
(٥١) الأحزاب: ٣٣.
(٥٢) الأمالي/ الطوسي: ٥٦٥/ المجلس ٢١.
(٥٣) بحار الأنوار/ المجلسي ٤٤: ٢٤١/ الباب ٣٠ إخبار الله تعالى أنبياءه ونبيَّه صلى الله عليه وآله وسلم بشهادته/ ح ٣٥.
(٥٤) مدينة المعاجز/ السيِّد هاشم البحراني ٣: ٤٣٩/ الباب ٣ في معاجز الإمام أبي عبد الله الحسين بن عليّ بن أبي طالب الشهيد عليه السلام/ ح ٩٥٦.
(٥٥) بحار الأنوار/ المجلسي ٤٦: ١٨/ باب ٢ النصوص على الخصوص على إمامته والوصيَّة إليه وأنَّه دُفِعَ إليه الكتب والسلاح/ ح ٣، عن: الغَيبة/ الطوسي: ١٩٥/ ح ١٥٩.
(٥٦) أُسد الغابة/ ابن الأثير ٥: ٣٩٥.
(٥٧) تاريخ الإسلام/ الذهبي ٢: ٤٣١.
(٥٨) مُستدركات علم رجال الحديث/ النمازي ٨: ٥٤٧.
(٥٩) الآحاد والمثاني ٥: ٤٥٦.
(٦٠) الخصال/ الصدوق: ٣٦٣/ باب السبعة/ ح ٥٥.
(٦١) قاموس الرجال/ التُّستَري ١٢: ١٨٤.
(٦٢) في حديث الحائض: (فإن رأت دماً ثبيباً اغتسلت واحتشت واستثفرت في كلِّ وقت صلاة)، والاستثفار: المراد به أن تأخذ خرقةً طويلةً عريضةً تشدُّ أحد طرفيها من قُدّام وتُخرجَها من بين فخذيها وتشدُّ طرفها الآخَر مِن وراء، بعد أن تحتشيَ بشيءٍ من القطن ليمتنع به من سيلان الدم. (مجمع البحرين/ الطريحي ٣: ٢٣٦/ مادَّة ثَفَر).
(٦٣) مَنْ لا يحضره الفقيه/ الصدوق ٢: ٣٨٠/ باب إحرام الحائض والمستحاضة/ ح ٢٧٥٥، رواه معاويةُ بن عمّار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إنَّ أسماء بنت عُمَيس نفَسَت بمحمّد بن أبي بكر بالبَيداء لأربعٍ بقين من ذي القعدة في حجَّة الوداع، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاغتسلَت واحتشت وأحرمَت ولبَّت مع النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، فلمَّا قدموا مكّة لم تطهُر حتَّى نفروا مِنْ منى، وقد شهدت المواقف كلّها: عرفات وجمعاً ورمت الجمار، ولكن لم تطُفْ بالبيت ولم تسعَ بين الصفا والمروة، فلمَّا نفروا مِنْ منى أمرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاغتسلَت وطافت بالبيت وبالصفا والمروة، وكان جلوسها في أربعٍ بقين من ذي القعدة وعشرٍ من ذي الحجَّة وثلاثة أيّام التشريق).
(٦٤) تهذيب التهذيب/ ابن حَجر ١٢: ٣٥٠/ الرقم ٨٨٨٥.
(٦٥) القابلة: التي تُقبِّل الولد عند الولادة. (العَين/ الفراهيدي ٥: ١٦٨/ مادَّة قَبَل)، وقَبِلَت القابلةُ الولد: تلقَّته عند خروجه قِبالةً - بالكسر -، والجمع: قوابل، وامرأة قابلة وقبيل أيضاً. (المصباح المنير/ الفيّومي ٢: ٤٨٨)، وقال ابن منظور: قَبِلَت القابِلَةُ الولدَ قِبالاً: أخذَته من الوالدة، وهي قابِلَة المرأَة وقَبُولها وقَبِيلها. (لسان العرب ١١: ٥٣٧/ مادَّة قَبَل).
(٦٦) العبارة غير موجودة في رواية الطوسي (الأمالي: ٣٦٧/ المجلس الثالث عشر/ ح ٧٨١، عنه: بحار الأنوار ٤٤: ٢٥٠/ باب ٣١ ما أخبر به الرسول وأمير المؤمنين والحسين صلوات الله عليهم بشهادته صلوات الله عليه). ولا يخفى كراهة التسمية بـ (حرب)، حتَّى عُدَّ من شرِّ الأسماء. (أُنظُر: وسائل الشيعة ٢١: ٣٩٨/ الباب ٢٨).
(٦٧) الخَلوق: من الطيب. (العَين/ الفراهيدي ٤: ١٥٢/ مادَّة خَلَق)، وعلى ما قيل: طِيبٌ مركَّبٌ يُتَّخَذ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب، والغالب عليه الصفرة أو الحمرة. (مجمع البحرين/ الطريحي ٥: ١٥٧/ مادَّة خَلَق).
(٦٨) بحار الأنوار/ المجلسي ٤٣: ٢٣٧/ الباب ١١/ ح ٤، عن: عيون أخبار الرضا عليه السلام ٢: ٢٨/ الباب ٣١ فيما جاء عن الرضا عليه السلام من الأخبار المجموعة/ ح ٥.
(٦٩) الأسواف: موضعٌ بالمدينة. (مجمع البحرين/ الطريحي ٥: ٧٣/ مادَّة سَوَف).
(٧٠) المُستدرَك/ الحاكم النَّيسابوريّ ٣: ١٦٢/ ذكر وفاة فاطمة رضي الله عنها.
(٧١) بحار الأنوار/ المجلسيّ ٢٩: ١٢٦ و١٣٢/ الباب ١١.
(٧٢) بحار الأنوار/ المجلسيّ ٤٣: ١٨٥/ الباب ٧ ما وقع عليها من الظلم وبكائها وحزنها وشكايتها في مرضها إلى شهادتها وغسلها ودفنها وبيان العلَّة في إخفاء دفنها صلوات الله عليها/ ح ١٨، عن: كشف الغُمَّة/ الإربلي ٢: ١٢٢/ ذكر حالها بعد أبيها عليها السلام.
(٧٣) المصدر السابق ٤٣: ١٨٦.
(٧٤) النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة/ الأتابكي ١: ١١٧.
(٧٥) بحار الأنوار/ المجلسي ١٧: ٣٥٩/ الباب ٣/ ح ١٤، عن: الخرائج والجرائح ١: ٥٢/ فصلٌ من روايات العامَّة في معجزاته صلى الله عليه وآله وسلم/ ح ٨١.
(٧٦) التحريم: ٤.
(٧٧) بحار الأنوار/ المجلسي ٣٦: ٢٨/ الباب ٢٩ أنَّه صلوات الله عليه صالِح المؤمنين/ ح ٢.
(٧٨) عُمدة عيون صحاح الأخبار في مناقب إمام الأبرار/ ابن البطريق: ١٢٨/ الفصل ١٦ في حديث المنزلة/ ح ١٧١؛ بحار الأنوار/ المجلسي ٣٧: ٢٦٢/ الباب ٥٣ أخبار المنزلة والاستدلال بها على إمامته صلوات الله وسلامه عليه/ ح ٢٦.
(٧٩) بحار الأنوار/ المجلسي ٤٣: ٨١/ الباب ٤ سيَرها ومكارم أخلاقها صلوات الله عليها وسيَر بعض خدمها/ ح ٢، عن: عيون أخبار الرضا عليه السلام ٢: ٤٨/ الباب ٣١ فيما جاء عن الرضا عليه السلام من الأخبار المجموعة/ ح ١٦١، وانظُر: مسند زيد بن علي: ٤٦١/ القسم الثاني في فضل فاطمة عليها السلام.
(٨٠) جمع (صاع)، وهو: مكيالٌ يسع أربعة أمداد، وقدر الصاع بتسعة أرطالٍ بالعراقيِّ وستَّةٍ بالمدَنيِّ وأربعةٍ ونصف بالمكّي، والرطل المكّي على وزن رطلين بالعراقيِّ وعلى وزن رطلٍ وثُلث بالمدنيِّ. (أُنظُر: مجمع البحرين/ الطريحي ٤: ٣٦١ و٣٦٢/ مادَّة صَوَع).
(٨١) الحَيْس: هو تمرٌ يُخلَط بسَمنٍ وأقِطٍ فيُعجَن، وفي اللسان: هو التمرُ البَرْنيُّ والأَقِطُ يُدَقّان ويُعجَنان بالسمنِ عَجْناً شديداً، ثمّ يُندَرُ النوى عنه نواةً نواةً، ثمّ يُسوّى كالثريد. (تاج العروس/ الزبيدي ٨: ٢٥٥/ مادَّة حَيَس).
(٨٢) بحار الأنوار/ المجلسي ٤٣: ١٣٨/ الباب ٥ تزويجها صلوات الله عليها/ ح ٣٤.
(٨٣) الأزد: حيٌّ من العرب، هم وُلد الأزد بن الغوث. (العَين/ الفراهيدي ٦: ٢٨٧؛ مجمع البحرين/ الطريحي ٣: ٧/ مادَّة أزَدَ). وقال الفراهيدي: أزد شنوءة: أصحّ الأزد فرعاً وأصلاً. (العَين ٦: ٢٨٧/ مادَّة شَنَأ).
(٨٤) الإصابة/ ابن حجر ٨: ٢٨١.
(٨٥) أُسد الغابة/ ابن الأثير ٥: ٥٣٠.
(٨٦) جمع صاع، وهو: مكيالٌ يسع أربعة أمداد، وقدر الصاع بتسعة أرطالٍ بالعراقيِّ وستَّةٍ بالمدَنيِّ وأربعةٍ ونصف بالمكّي، والرطل المكّي على وزن رطلين بالعراقيِّ وعلى وزن رطلٍ وثُلث بالمدني. (أُنظُر: مجمع البحرين/ الطريحي ٤: ٣٦١ و٣٦٢/ مادَّة صَوَع).
(٨٧) الإنسان: ١.
(٨٨) الإنسان: ٧ و٨.
(٨٩) الإنسان: ٩.
(٩٠) بحار الأنوار/ المجلسي ٣٠: ٢٩٤/ الباب ٢٠.
(٩١) بحار الأنوار/ المجلسي ٤٣: ١٧٩/ الباب ٧.
(٩٢) الخصائص الفاطميَّة/ الكجوري ٢: ١٨٩/ الخصّيصة الثانية والعشرون.
(٩٣) مختصر بصائر الدرجات/ حسن بن سليمان الحلّي: ١٩٢؛ بحار الأنوار/ المجلسي ٥٣: ١٨/ الباب ٢٨.
(٩٤) أُنظر: بحار الأنوار/ المجلسي ٤١: ٢٧٣/ الباب ١١٢ ما ظهر من معجزاته عليه الصلاة والسلام في الجمادات والنباتات/ ح ٢٩، عن: مشارق أنوار اليقين/ الحافظ البُرسي: ١٢١؛ الأنوار العلويَّة/ جعفر النقدي: ١٤٧، وفيه: (يا فضَّة، إنّا ما خُلِقنا لهذا!).
(٩٥) بحار الأنوار/ المجلسي ٤٠: ٢٢٧/ الباب ٩٧/ ح ٧، عن: مناقب آل أبي طالب/ ابن شهر آشوب ٢: ١٨٣/ فصلٌ في قضاياه في عهد عمر.
(٩٦) الزخرف: ٨٩.
(٩٧) الزمر: ٣٧.
(٩٨) الأعراف: ٣١.
(٩٩) فُصِّلت: ٤٤.
(١٠٠) آل عِمران: ٩٧.
(١٠١) ق: ٣٨.
(١٠٢) الأنبياء: ٨.
(١٠٣) البقرة: ٢٨٦.
(١٠٤) الأنبياء: ٢٢.
(١٠٥) الزخرف: ١٣.
(١٠٦) ص: ٢٦.
(١٠٧) آل عِمران: ١٤٤.
(١٠٨) مريم: ١٢.
(١٠٩) النمل: ٩.
(١١٠) الكهف: ٤٦.
(١١١) القصص: ٢٦.
(١١٢) البقرة: ٢٦١.
(١١٣) مناقب آل أبي طالب/ ابن شهر آشوب ٣: ١٢١/ باب مناقب فاطمة الزهراء عليها السلام؛ بحار الأنوار/ المجلسي ٤٣: ٨٦/ الباب ٤.
(١١٤) مُعجم البلدان/ ياقوت الحموي ٢: ٤٦٨.
(١١٥) الإصابة/ ابن حجر ٨: ٣٩٠/ الرقم ١٢٠٢٥.
(١١٦) أُسد الغابة/ ابن الأثير ٥: ٥٨٢.
(١١٧) التَّقَيُّن: التزيّن بألوان الزينة، وقيل: القينة: الأَمَة البيضاء. (العَين/ الفراهيدي ٥: ٢١٨؛ مجمع البحرين/ الطريحي ٦: ٣٠١/ مادَّة قَيَن).
(١١٨) الحُوب - بالضمِّ -: الإثم، وقوله تعالى: (حُوباً كَبِيراً) (النساء: ٢)، أي: إثماً كبيراً، وحاب حوباً - من باب قال -: اكتسب الإثم، والحوبة: الخطيئة. (مجمع البحرين/ الطريحي ٢: ٤٧/ مادَّة حَوَب).
(١١٩) ثَبَّطَه عن الأمر تثبيطاً: إذا شغله عنه وأثقله وأقعده، وثَبَّطه عن الأُمور: إذا حبسه وشغله عنها، ومنه الدعاء: (إن هممتُ بصالحٍ ثَبَّطني). (العَين/ الفراهيدي ٧: ٤١٢؛ مجمع البحرين/ الطريحي ٤: ٢٤٠/ مادَّة ثَبَط).
(١٢٠) الإصابة/ ابن حجر ٨: ٣٩٠/ الرقم ١٢٠٢٥.
(١٢١) الإصابة/ ابن حجر ٨: ٣٩٠.
(١٢٢) عُمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب/ ابن عنبة: ٣٥٦/ الفصل الرابع في عَقِب العبّاس بن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام.
(١٢٣) عُمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب/ ابن عنبة: ٣٥٧/ الفصل الرابع في عَقِب العبّاس بن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام.
(١٢٤) العقيلة والفواطم/ حسين الشاكري: ١١٧/ الفصل الثالث فاطمة بنت حزام.
(١٢٥) العقيلة والفواطم/ حسين الشاكري: ١١٧/ الفصل الثالث فاطمة بنت حزام.
(١٢٦) زينب الكبرى/ جعفر النقدي: ٨٨.
(١٢٧) معالي السمطين/ المازندراني ١: ٣١.
(١٢٨) وقائع الأيّام/ البيرجندي: ١٠٧.
(١٢٩) الطبقات الكبرى/ ابن سعد ٦: ١٦.
(١٣٠) مُستدركات علم الرجال/ النمازي الشاهرودي ٥: ٢٤٩.
(١٣١) معجم رجال الحديث/ الخوئي ٤: ٢١٩.
(١٣٢) المحبر/ محمّد بن حبيب البغدادي: ٤٤٦.
(١٣٣) الثِّقات/ ابن حِبّان ٤: ٢٤٥.
(١٣٤) جمهرة أنساب العرب/ ابن حزم: ٣٨.
(١٣٥) الشِّسع: هو ما يدخل بين الإصبعين في النعل العربيّ ممتدٌّ إلى الشراك. (مجمع البحرين/ الطريحي ٤: ٣٥٢/ مادَّة شَسَع).
(١٣٦) الإرشاد/ المفيد ٢: ١٠٧؛ بحار الأنوار/ المجلسي ٤٥: ٣٥.
(١٣٧) تاريخ الطبريّ ٤: ٣٥٩.
(١٣٨) عُمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب/ ابن عنبة: ٩٨.
(١٣٩) أعيان الشيعة/ السيِّد محسن الأمين ٥: ٤٣.
(١٤٠) تهذيب التهذيب/ ابن حجر ١: ١٣٤.
(١٤١) تهذيب الكمال/ المزّي ٦: ٩١.
(١٤٢) الأجْم - بالفتح -: كلُّ بيتٍ مربَّع مسطَّح. (تاج العروس/ الزبيدي ١٦: ٧/ مادَّة أجَم، القاموس المحيط ٤: ٧٣/ باب الميم).
(١٤٣) الوسن: ثقلة النوم، وهو النعاس، والسِّنَة مثلُه. (العين/ الفراهيدي ٧: ٣٠٣؛ الصحاح/ الجوهري ٦: ٢٢١٤/ مادَّة وَسَن).
(١٤٤) تهذيب الكمال/ المزّي ٦: ٢٣٦/ الرقم ١٢٤٨؛ تاريخ مدينة دمشق ١٣: ٢٤٨/ الرقم ١٣٨٣؛ ترجمة الإمام الحسن عليه السلام/ ابن عساكر: ١٥٢.
(١٤٥) المعارف/ ابن قُتَيبة الدينوري: ٢٣٣.
(١٤٦) شرح إحقاق الحقِّ/ السيِّد المرعشي ٢٦: ٢٧١.
(١٤٧) كشف الغُمَّة/ الإربلي ٢: ٣٦٠.
(١٤٨) مستدرك سفينة البحار/ النمازي ٤: ٣٣٨.
(١٤٩) الكافي/ الكليني ١: ٤٦٩/ باب مولد أبي جعفر محمّد بن عليّ عليه السلام/ ح ١.
(١٥٠) شرح الأخبار/ القاضي النعماني ٣: ٣٠٩.
(١٥١) الكافي/ الكليني ١: ٣٩٠/ باب مولد أبي جعفر محمّد بن عليّ عليه السلام/ ح ١.
(١٥٢) فلاح السائل/ ابن طاووس: ١٣٨.
(١٥٣) الكامل في التاريخ/ ابن الأثير ٥: ١٩٥.
(١٥٤) الأُنس الجليل بتاريخ القدس والخليل/ مجير الدين الحنبلي ١: ٧٢.
(١٥٥) الكافي/ الكليني ١: ٣٥٥/ باب ما يفصل به بين دعوى المحقِّ والمُبطِل في أمر الإمامة/ ح ١٥.
(١٥٦) المِلَل والنِّحَل/ الشهرستاني ١: ٢٤/ المقدّمة الرابعة.
(١٥٧) الكافي/ الكليني ١: ٣٥٦/ باب ما يفصل به بين دعوى المحقّ والمُبطِل في أمر الإمامة/ح ١٥.
(١٥٨) الكافي/ الكليني ١: ٣٥٦/ باب ما يفصل به بين دعوى المحقّ والمُبطِل في أمر الإمامة/ ح ١٥.
(١٥٩) الكَنَف - بالتحريك -: الجانب والناحية، والأكناف: الجوانب والنواحي، يقال: أكنفه، وفي الحديث: (ما مِنْ عبدٍ من شيعتنا يقوم إلى الصلاة إلَّا اكتنفه بعدد مَنْ خالفه ملائكةٌ يُصلّون خلفه)، هو من قولهم: تكنَّفوه واكتنفوه، أي أحاطوا به يمنةً ويسرةً. (مجمع البحرين/ الطريحي ٥: ١١٥/ مادَّة كَنَف).
(١٦٠) العقوة: ما حول الدار والمحلَّة، تقول: ما بعقوة هذه الدار أحدٌ مثل فلان، وتقول للأسد: ما يطور بعقوته أحد. (العَين/ الفراهيدي ٢: ١٧٥/ مادَّة عَقَو).
(١٦١) الكِسر -بالكسر-: أسفل شقَّة البيت التي تلي الأرض، من حيث يكسر جانباه من عن يمينك ويسارك. (الصحاح/ الجوهري ٢: ٨٠٦/ مادَّة كَسَر).
(١٦٢) رَحبة المسجد - بالفتح -: الساحة المنبسطة. (مجمع البحرين/ الطريحي ٢: ٦٩/ مادَّة رَحَب).
(١٦٣) الطاقة: شعبة من ريحان ونحوه. والآس: شجرٌ ورقه العطر. (العَين/ الفراهيدي ٧: ٣٣١/ مادَّة آس).
(١٦٤) مقتضب الأثر ـ الجوهري ـ: ١٨.
(١٦٥) أعيان الشيعة/ السيِّد محسن الأمين ٤: ٣٨٣.
(١٦٦) القاموس المُحيط/ الفيروزآبادي ١: ٥١.
(١٦٧) الصراط المستقيم/ النباطيّ البياضيّ ٢: ٢٠٦.
(١٦٨) الكافي/ الكليني ١: ٣٤٦/ باب ما يفصل به بين دعوى المحقّ والمُبطِل في الإمامة/ ح ٣، عنه: مدينة المعاجز/ السيِّد هاشم البحراني ١: ٥١٥/ ح ٣٣٢.
(١٦٩) المصدر السابق.
(١٧٠) بصائر الدرجات/ الصفّار: ١٩١/ الباب ٣ ما عند الأئمَّة عليهم السلام من ديوان شيعتهم/ ح ٤.
(١٧١) الكافي/ الكليني ١: ٣٤٦/ باب ما يفصل به بين دعوى المحقّ والمُبطِل في الإمامة/ ح ٣، عنه: مدينة المعاجز/ السيِّد هاشم البحراني ١: ٥١٥/ ح ٣٣٢.
(١٧٢) المصدر السابق.
(١٧٣) مناقب آل أبي طالب/ ابن شهر آشوب ٣: ٣١٧/ باب إمامة أبي جعفر الباقر عليه السلام.
(١٧٤) الكافي/ الكليني ١: ٣٤٦/ باب ما يفصل به بين دعوى المحقّ والمُبطِل في الإمامة/ ح ٣، عنه: مدينة المعاجز/ السيِّد هاشم البحراني ١: ٥١٥/ ح ٣٣٢.
(١٧٥) بصائر الدرجات/ الصفّار: ٢٩٠/ الباب ٣ في الأئمَّة عليهم السلام أنَّهم يحيون الموتى ويُبرؤون الأكمه والأبرص بإذن الله/ ح ٣.
(١٧٦) الكافي/ الكليني ١: ٣٤٧/ باب ما يفصل به بين دعوى المحقّ والمُبطِل في الإمامة/ ح ٣.
(١٧٧) بحار الأنوار/ المجلسي ٤٧: ١٢١/ الباب ٥ معجزاته واستجابة دعواته ومعرفته بجميع اللغات ومعالي أُموره صلوات الله عليه/ ح ١٦٩.
(١٧٨) الكافي/ الكليني ١: ٣٤٧/ باب ما يفصل به بين دعوى المحقّ والمُبطِل في الإمامة/ ح ٣.
(١٧٩) كمال الدين وتمام النعمة/ الشيخ الصدوق: ٥٣٧/ الباب ٤٩ في سياق حديث حبابة الوالبيَّة/ ح ٢.
(١٨٠) الهداية الكبرى/ الخصيبي: ١٦٨/ الباب ٢؛ مدينة المعاجز/ السيِّد هاشم البحراني ٣: ١٩١.
(١٨١) مدينة المعاجز/ السيِّد هاشم البحراني ٣: ١٩٣.
(١٨٢) الكافي/ الكليني ١: ٣٤٧/ باب ما يفصل به بين دعوى المحقّ والمُبطِل في الإمامة/ ح ٣.
(١٨٣) مدينة المعاجز/ السيِّد هاشم البحراني ٣: ١٩٣ و١٩٤.
(١٨٤) أُنظُر: مدينة المعاجز/ السيِّد هاشم البحراني ٣: ١٩٣ و١٩٥.
(١٨٥) مدينة المعاجز/ السيِّد هاشم البحراني ٣: ١٩٥.
(١٨٦) الوَضَح - بالتحريك -: البَرَص، وهو بياضه وبياض الغرَّة. (مجمع البحرين/ الطريحي ٢: ٤٢٤/ مادَّة وَضَح).
(١٨٧) بصائر الدرجات/ الصفّار: ٢٩١/ الباب ٣ في الأئمَّة عليهم السلام أنَّهم يحيون الموتى ويُبرؤون الأكمه والأبرص بإذن الله/ ح ٦، عنه: بحار الأنوار/ المجلسي ٤٤: ١٨٠/ باب ٢٥/ ح ١؛ دلائل الإمامة/ الطبريّ الإمامي: ١٨٧/ ح ١٠٦.
(١٨٨) كمال الدين وتمام النعمة/ الصدوق: ٥٣٧/ الباب ٤٩ في سياق حديث حبابة الوالبيَّة/ ح ٢.
(١٨٩) أعيان الشيعة/ السيِّد محسن الأمين ٤: ٣٨٣.
(١٩٠) مدينة المعاجز/ السيِّد هاشم البحراني ٢: ١٩١.
(١٩١) الرجال/ البرقي: ٦١.
(١٩٢) شُعَب المقال في درجات الرجال/ النراقي: ٢٥٤.
(١٩٣) التحرير الطاووسي/ الحسن بن زين الدين: ١٨١.
(١٩٤) نقد الرجال/ التفريشي ٥: ٣٠٥.
(١٩٥) جامع الرواة/ الأردبيلي ٢: ٤٥٨.
(١٩٦) منتهى المقال في أحوال الرجال/ المازندراني ٧: ٤٦١.
(١٩٧) الأبواب (رجال الطوسي): ١٥٣.
(١٩٨) معجم رجال الحديث/ الخوئي ٢٤: ١٩٩.
(١٩٩) الدِّرَّة -بالكسر-: التي يُضرَب بها، والجمع: دِرَر، مثل: سِدرَة وسِدَر، ومنه الحديث: كان مع عليٍّ عليه السلام دِرَّةٌ لها سبّابتان، أي: طرفان، ومثله: كان عليٌّ عليه السلام كلّ بُكرةٍ يطوف في أسواق الكوفة سوقاً سوقاً، ومعه الدِّرّة على عاتقه. (مجمع البحرين/ الطريحي ٣: ٣٠١/ مادَّة دَرَر).
(٢٠٠) رَحبة المسجد - بالفتح -: الساحة المنبسطة. (مجمع البحرين/ الطريحي ٢: ٦٩/ مادَّة رَحَب).
(٢٠١) كمال الدين وتمام النعمة/ الصدوق: ٥٣٦ و٥٣٧/ الباب ٤٩ في سياق حديث حبابة الوالبيَّة/ ح ١.
(٢٠٢) تفسير العيّاشي ١: ١٨٥/ ح ٨٨.
(٢٠٣) أُنظر: المحاسن/ البرقي ١: ١٤٧/ الباب ١٦ ما على ملَّة إبراهيم غيركم/ ح ٥٤ و٥٥، عنه: بحار الأنوار ٦٥: ٨٧ و٨٨/ الباب ١٦ أنَّ الشيعة هم أهل دين الله وهم على دين أنبيائه وهم على الحقِّ ولا يُغفَر إلَّا لهم ولا يُقبَل إلَّا منهم/ ح ١٥ و١٦.
(٢٠٤) مناقب آل أبي طالب/ ابن شهر آشوب ٣: ٢٧٦/ باب إمامة عليّ بن الحسين عليه السلام.
(٢٠٥) الجنّ: ١٦.
(٢٠٦) بحار الأنوار/ المجلسي ٢٥: ٢٤/ الباب ١ بدو أرواحهم وأنوارهم وطينتهم عليهم السلام وأنَّهم من نورٍ واحد/ ح ٤٠.
(٢٠٧) بصائر الدرجات/ الصفّار: ١٩٠/ الباب ٣ ما عند الأئمَّة عليهم السلام من ديوان شيعتهم الذي أسماؤهم وأسماء آبائهم/ ح ١، عنه: بحار الأنوار/ المجلسي ٢٦: ١٢١/ الباب ٧ / ح ١٠، مدينة المعاجز/ السيِّد هاشم البحراني ٥: ٣٣٣/ ح ١٦٦٥، مكاتيب الرسول/ الأحمدي الميانجي ٢: ٢٩/ كتاب ديوان الشيعة/ ح ١٧.
(٢٠٨) عيون أخبار الرضا عليه السلام/ الصدوق: ٧٨/ ح ٣٤٠.
(٢٠٩) الأعلام/ الزركلي ٨: ٤٤.
(٢١٠) المصدر السابق.
(٢١١) ظَلِفَ نفسَه عن الشيء يظلفها ظلفاً: منعها مِنْ أن تفعله أو تأتيه. (لسان العرب/ ابن منظور ٩: ٢٣١/ مادَّة ظَلَف).
(٢١٢) أُنظُر: الإرشاد/ المفيد ٢: ٢٠ - ٢٣.
(٢١٣) أعيان الشيعة/ السيِّد محسن الأمين ٣: ٢٦٨.
(٢١٤) أُنظُر: مرآة الجنان وعَبرة اليقظان/ عبد الله بن سعد اليافعيّ المدني ٢: ٣٣/ سنة ثمانٍ ومئتين.
(٢١٥) مُستدرَك سفينة البحار/ النمازي ١٠: ١٢١.
(٢١٦) الأعلام/ الزركلي ٨: ٤٤.
(٢١٧) أعلام النساء المؤمنات/ محمّد الحسّون: ٧٦٧.
(٢١٨) الشعراء: ٢٢٧.
(٢١٩) أعلام النساء المؤمنات/ محمّد الحسّون: ٧٦٨.
(٢٢٠) الأعلام/ الزركلي ٨: ٤٤.
(٢٢١) الأنعام: ١٢٧.
(٢٢٢) أُنظر: مُستدرَك سفينة البحار/ النمازي ١٠: ١٢٠ و١٢١/ النفيسة الثالثة.
(٢٢٣) مرآة الجنان وعبرة اليقظان/ اليافعي ٢: ٣٣.

 

المرفقات المرفقات:
التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 

التعليقات

 
COMMENTS_EMPTY

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
التحقق اليدوي: * إعادة التحميل