فهرس المكتبة الحسنية

   

البحث في المكتبة التخصصية

 
 

كتاب مختار:

   

المسار

  الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية » كتب أخرى » صُلحُ الحسن  

كتب أخرى

 

الكتب صُلحُ الحسن

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: الشيخ راضي آل ياسين التاريخ التاريخ: ٢٠١٥/٠٥/٠٩ المشاهدات المشاهدات: ١١٧٦٥ التعليقات التعليقات: ٠

صُلحُ الحسن عليه السلام

تأليف: الشيخ راضي آل ياسين
تصدير بقلم: السيد عبد الحسين شرف الدين

الفهرس

التصدير
المقدمة
القسم الأول: الإمام الحسن عليه السلام
القسم الثاني: في الموقف السياسي
قبل البيعة
البيعة
الكوفة ايام البيعة
التصميم على الحرب
النفير والقيادة
عدد الجيش
عناصر الجيش
عبدالله بن عباس
بداية النهاية
موقف الحيرة
بين المبدأ والملك
التضحية
سرّ الموقف
القسم الثالث: الصلح
دوافع الفريقين للصلح
معاهدة الصلح
دراسة النصوص البارزة في المعاهدة
الاجتماع في الكوفة
الميدان الجديد
الوفاء بالشروط
معاوية وشيعة علي عليه السلام
نهاية المطاف
خاتمة في الموازنة بين ظروف الحسن وظروف الحسين عليهما السلام
١ - فهرس الأعلام
٢ - فهرس الأمكنة والبلدان
٣ - ثبت بأسماء الكتب المذكورة في الكتاب

التصدير
بِسِمِ اللّهِ الرَحمنِ الرَحيِم

كان صلح الحسن عليه السلام مع معاوية، من أشد ما لقيه أئمة أهل البيت من هذه الأمة بعد رسول اللّه صلى الله عليه وآله.
لقي به الحسن عليه السلام محناً يضيق بها الوسع، لا قوة لأحد عليها الا باللّه عز وجل. لكنه رضخ لها صابراً محتسباً، وخرج منها ظافراً بما يبتغيه من النصح للّه تعالى، ولكتابه عز وجل، ولرسوله، ولخاصة المسلمين وعامتهم، وهذا الذي يبتغيه ويحرص عليه في كل ما يأخذ أو يدع من قول أو فعل.
ولا وزن لمن اتهمه بأنه أخلد بصلحه إلى الدعة، وآثر العافية والراحة، ولا لمن طوحت بهم الحماسة من شيعته فتمنوا عليه لو وقف في جهاد معاوية فوصل إلى الحياة من طريق الموت، وفاز بالنصر والفتح من الجهة التي انطلق منها صنوه يوم الطف إلى نصره العزيز، وفتحه المبين.
ومن الغريب بقاء الناس في عشواء غماء من هذا الصلح إلى يومهم هذا، لا يقوم أحد منهم في بيان وجهة الحسن في صلحه، بمعالجة موضوعية مستوفاة ببيانها وبيناتها، عقلية ونقلية، وكم كنت أحاول ذلك، لكن اللّه عز وجل شاء بحكمته أن يختص بهذه المأثرة من هو أولى بها، وأحق بكل فضيلة، ذلك هو مؤلف هذا السفر البكر (صلح الحسن) فاذا هو في موضوعه فصل الخطاب، ومفصل الصواب، والحد الفاصل بين الحق والباطل.
وقفت منه على فصول غرّ، تمثل فضل مؤلفها الاغر الابر، في كل ما يشتركان فيه من التحقيق، والدقة والاعتدال، وسطوع البيان والبرهان، والتأنق والتتبع، والورع في النقل، والرحابة في المناظرة، والاحاطة بما يناسب الموضوع، مع سهولة الاسلوب، وانسجام التراكيب، وبلاغة الايجاز اذا أوجز، وقبول الاطناب اذا أطنب.
فالكتاب يخضع لفكر منظم مبدع حجة، يصل وحدته بجداول دفاقة بالثراء العقلي والنقلي، وبروادف غنية كل الغنى، في كل ما يرجع إلى الموضوع، ويتم عليه عناصره القيمة.
فالاناقة فيه تخامر الاستيعاب، والوضوح يلازم العمق، والنقد التحليلي مرتكز هذه الخصائص.
أما المؤلف - اعلى اللّه مقامه - فانك تستطيع أن تستشف ملامحه، من حيث تنظر إلى مواهبه في كتابه هذا، ولو لم أره لقدرت أن ارسم له صورة أستوحي قسماتها من هذا السفر، اذ يريكه واضح الغرة، مشرق الوجه، حلو الحديث، هادئ الطبع، واسع الصدر، لين العريكة، وافر الذهن، غزير الفهم والعلم، واسع الرواية، حسن الترسل، حلو النكتة، لطيف الكناية، بديع الاستعارة، تنطق الحكمة من محاسن خلاله، ويتمثل الفضل بكل معانيه في منطقه وأفعاله، لا ترى أكرم منه خلقاً، ولا أنبل فطرة، عليماً زاخراً بعلوم آل محمد، علامة بحاثة، أمعن في التنقيب عن أسرارهم، يستجلي غوامضها، ويستبطن دخائلها، لا تفوته منها واردة ولا شاردة، إلى خصائص في ذاته وسماته يمثلها كتابه هذا بجلاء.
ومن أمعن فيما اشتمل عليه هذا الكتاب، من أحوال الحسن ومعاوية، علم انهما لم ترتجلهما المعركة ارتجالاً، وانما كانا في جبهتيهما خليفتين، استخلفهما الميراث على خلقين متناقضين: فخلق الحسن انما هو خلق الكتاب والسنة، وان شئت فقل خلق محمد وعلي. وأما خلق معاوية فانما هو خلق (الاموية)، وان شئت فقل: خلق أبي سفيان وهند، على نقيض ذلك الخلق.
والمتوسع في تاريخ البيتين وسيرة أبطالهما من رجال ونساء يدرك ذلك بجميع حواسه.
لكن لما ظهر الاسلام، وفتح اللّه لعبده ورسوله فتحه المبين، ونصره ذلك النصر العزيز، انقطعت نوازي الشر (الاموي)، وبطلت نزعات أبي سفيان ومن اليه مقهورة مبهورة، متوارية بباطلها من وجه الحق الذي جاء به محمد عن ربه عز وجل، بفرقانه الحكيم، وصراطه المستقيم، وسيوفه الصارمة لكل من قاومه.
وحينئذ لم يجد أبو سفيان وبنوه ومن اليهم بداً من الاستسلام، حقناً لدمائهم المهدورة يومئذ لو لم يستسلموا، فدخلوا فيما دخل فيه الناس، وقلوبهم تنغل بالعدواة له، وصدورهم تجيش بالغل عليه، يتربصون الدوائر بمحمد ومن اليه، ويبغون الغوائل لهم. لكن رسول اللّه صلى الله عليه وآله كان - مع علمه بحالهم - يتألفهم بجزيل الاموال، وجميل الاقوال والافعال، ويتلقاهم بصدر رحب، ومحيا منبسط، شأنه مع سائر المنافقين من أهل الحقد عليه، يبتغي استصلاحهم بذلك.
وهذا ما اضطرهم إلى اخفاء العداوة له، يطوون عليها كشحهم خوفاً وطمعاً، فكاد الناس بعد ذلك ينسون (الاموية) حتى في موطنها الضيق - مكة -.
اما في ميادين الفتح بعد رسول اللّه صلى الله عليه وآله، فلم تعرف (الاموية) بشيء، سوى أنها من أسرة النبي ومن صحابته.
ثم أتيح بعد النبي لقوم ليسوا من عترته، أن يتبوأوا مقعده، وأتيح لمعاوية في ظلهم أن يكون من أكبر ولاة المسلمين، أميراً من أوسع أمرائهم صلاحية في القول والعمل.
ومعاوية اذ ذاك يتخذ بدهائه من الاسلام سبيلاً يزحف منه إلى الملك العضوض، ليتخذ به دين اللّه دغلاً، وعباد اللّه خولاً، ومال الله دولاً، كما انذر به رسول اللّه صلى الله عليه وآله، فكان ذلك من اعلام نبوته.
نشط معاوية في عهد الخليفتين الثاني والثالث، بامارته على الشام عشرين سنة، تمكن بها في أجهزة الدولة، وصانع الناس فيها وأطمعهم به فكانت الخاصة في الشام كلها من أعوانه، وعظم خطره في الاسلام، وعرف في سائر الاقطار بكونه من قريش - أسرة النبي صلى الله عليه وآله - وأنه من أصحابه، حتى كان في هذا أشهر من كثير من السابقين الاولين الذين رضى اللّه عنهم ورضوا عنه، كأبي ذر وعمار والمقداد وأضرابهم.
هكذا نشأت (الاموية) مرة أخرى، تغالب الهاشمية باسم الهاشمية في علنها، وتكيد لها كيدها في سرها، فتندفع مع انطلاق الزمن تخدع العامة بدهائها، وتشتري الخاصة بما تغذقه عليهم من أموال الامة، وبما تؤثرهم به من الوظائف التي ما جعلها اللّه للخونة من أمثالهم، تستغل مظاهر الفتح واحراز الرضا من الخلفاء.
حتى اذا استتب أمر (الاموية) بدهاء معاوية، انسلت إلى احكام الدين انسلال الشياطين، تدس فيها دسها، وتفسد افسادها، راجعة بالحياة إلى جاهلية تبعث الاستهتار والزندقة، وفق نهج جاهلي، وخطة نفعية، ترجوها (الاموية) لاستيفاء منافعها، وتسخرها لحفظ امتيازاتها.
والناس - عامة - لا يفطنون لشيء من هذا، فان القاعدة المعمول بها في الاسلام - أعني قولهم: الاسلام يجبُّ ما قبله - ألقت على فظائع (الاموية) ستراً حجبها، ولا سيما بعد أن عفا عنها رسول اللّه وتألفها، وبعد أن قربها الخلفاء منهم، واصطفوها بالولايات على المسلمين، وأعطوها من الصلاحيات ما لم يعطوا غيرها من ولاتهم. فسارت في الشام سيرتها عشرين عاماً (لا يتناهون عن منكر فعلوه) ولا ينهون.
وقد كان الخليفة الثاني عظيم المراقبة لعماله، دقيق المحاسبة لهم، لا يأخذه في ذلك مانع من الموانع أصلاً: تعتع بخالد بن الوليد، عامله على (قنسرين) اذ بلغه أنه اعطى الاشعث عشرة آلاف، فأمر به فعقله (بلال الحبشي) بعمامته، وأوقفه بين يديه على رجل واحدة، مكشوف الرأس، على رؤوس الاشهاد من رجال الدولة ووجوه الشعب في المسجد الجامع بحمص، يسأله عن العشرة آلاف: أهي من ماله أم من مال الامة؟ فان كانت من ماله فهو الاسراف، واللّه لا يحب المسرفين. وان كانت من مال الامة فهي الخيانة، واللّه لا يحب الخائنين، ثم عزله فلم يولّه بعد حتى مات.
ودعا أبا هريرة، فقال له: (علمت أني استعملتك على البحرين، وأنت بلا نعلين! ثم بلغني أنك ابتعت أفراساً بألف دينار وستمائة دينار!) قال: (كانت لنا أفراس تناتجت، وعطايا تلاحقت). قال: (حسبت لك رزقك ومؤونتك وهذا فضل فأدِّه). قال: (ليس لك ذلك). قال: (بلى وأُوجع ظهرك). ثم قام اليه بالدرة فضربه حتى أدماه. ثم قال: (إئت بها). قال: (احتسبها عند اللّه). قال: (ذلك لو أخذتها من حلال، وأديتها طائعاً!. أجئت من أقصى حجر البحرين يجبي الناس لك لا للّه ولا للمسلمين؟ ما رجعت بك أميمة - يعني أمه - الا لرعية الحمر).
وفي حديث أبي هريرة: (لما عزلني عمر عن البحرين، قال لي: يا عدو اللّه وعدو كتابه، سرقت مال اللّه! فقلت: ما أنا عدو الله وعدو كتابه، ولكني عدو من عاداك، وما سرقت مال الله. قال: فمن أين اجتمعت لك عشرة آلاف؟ فقلت: خيل تناتجت، وعطايا تلاحقت، وسهام تتابعت. قال: فقبضها مني) الحديث.
وكم لعمر مع عماله من أمثال ما فعله بخالد وأبي هريرة يعرفها المتتبعون.
عزل كلاً من أبي موسى الاشعري، وقدامة بن مظعون، والحارث بن وهب، أحد بني ليث بن بكر، بعد أن شاطرهم أموالهم(١).
هذه مراقبة عمر لعماله، لا هوادة عنده لاحد منهم، لكن معاوية كان أثيره وخلصه، على ما كان من التناقض في سيرتيهما. ما كف يده عن شيء ولا ناقشه الحساب في شيء، وربما قال له: (لا آمرك ولا أنهاك) يفوض له العمل برأيه.
وهذا ما أطغى معاوية، وأرهف عزمه على تنفيذ خططه (الاموية). وقد وقف الحسن والحسين من دهائه ومكره ازاء خطر فظيع، يهدد الاسلام باسم الاسلام، ويطغى على نور الحق باسم الحق، فكانا في دفع هذا الخطر، أمام امرين لا ثالث لهما: اما المقاومة، واما المسالمة. وقد رأيا أن المقاومة في دور الحسن تؤدي لا محالة إلى فناء هذا الصف المدافع عن الدين وأهله، والهادي إلى اللّه عزّ وجل، والى صراطه المستقيم. اذ لو غامر الحسن يومئذ بنفسه وبالهاشميين وأوليائهم، فواجه بهم القوة التي لا قبل لهم بها(٢) مصمماً على التضحية، تصميم أخيه يوم (الطف) لانكشفت المعركة عن قتلهم جميعاً، ولانتصرت (الاموية) بذلك نصراً تعجز عنه امكانياتها، ولا تنحسر عن مثله أحلامها وأمنياتها. اذ يخلو بعدهم لها الميدان، تمعن في تيهها كل امعان، وبهذا يكون الحسن - وحاشاه - قد وقع فيما فر منه على أقبح الوجوه، ولا يكون لتضحيته أثر لدى الرأي العام الا التنديد والتفنيد(٣).
ومن هنا رأى الحسن عليه السلام أن يترك معاوية لطغيانه، ويمتحنه بما يصبو اليه من الملك، لكن أخذ عليه في عقد الصلح، أن لا يعدو الكتاب والسنة في شيء من سيرته وسيرة أعوانه ومقوية سلطانه، وأن لا يطلب أحداً من الشيعة بذنب أذنبه مع الاموية، وأن يكون لهم من الكرامة وسائر الحقوق ما لغيرهم من المسلمين، وأن، وأن، وأن. إلى غير ذلك من الشروط التي كان الحسن عالماً بأن معاوية لا يفي له بشيء منها وأنه سيقوم بنقائضها(٤).
هذا ما أعده عليه السلام لرفع الغطاء عن الوجه (الاموي) المموّه، ولصهر الطلاء عن مظاهر معاوية الزائفة، ليبرز حينئذ هو وسائر أبطال (الاموية) كما هم جاهليين، لم تخفق صدورهم بروح الاسلام لحظة، ثأريين لم تنسهم مواهب الاسلام ومراحمه شيئاً من أحقاد بدر واُحد والاحزاب.
وبالجملة فان هذه الخطة ثورة عاصفة في سلم لم يكن منه بد، أملاه ظرف الحسن، اذ التبس فيه الحق بالباطل، وتسنى للطغيان فيه سيطرة مسلحة ضارية.
ما كان الحسن ببادئ هذه الخطة ولا بخاتمها، بل أخذها فيما أخذه من ارثه، وتركها مع ما تركه من ميراثه. فهو كغيره من أئمة هذا البيت، يسترشد الرسالة في اقدامه وفي احجامه. امتحن بهذه الخطة فرضخ لها صابراً محتسباً وخرج منها ظافراً طاهراً، لم تنجسه الجاهلية بأنجاسها، ولم تلبسه من مدلهمات ثيابها.
أخذ هذه الخطة من صلح (الحديبية) فيما أثر من سياسة جده صلى الله عليه وآله، وله فيه أسوة حسنة، اذ أنكر عليه بعض الخاصة من أصحابه، كما أنكر على الحسن صلح (ساباط) بعض الخاصة من أوليائه، فلم يهن بذلك عزمه، ولا ضاق به ذرعه.
وقد ترك هذه الخطة نموذجاً صاغ به الائمة التسعة - بعد سيدي شباب أهل الجنة - سياستهم الحكيمة، في توجيهها الهادئ الرصين، كلما اعصوصب الشر. فهي اذاً جزء من سياستهم الهاشمية الدائرة أبداً على نصرة الحق، لا على الانتصار للذات فيما تأخذ او تدع.
تهيأ للحسن بهذا الصلح أن يغرس في طريق معاوية كميناً من نفسه يثور عليه من حيث لا يشعر فيرديه، وتسنى له به أن يلغم نصر الاموية ببارود الاموية نفسها. فيجعل نصرها جفاءاً، وريحاً هباءاً.
لم يطل الوقت حتى انفجرت اولى القنابل المغروسة في شروط الصلح، انفجرت من نفس معاوية يوم نشوته بنصره، اذ انضم جيش العراق إلى لوائه في النخيلة. فقال - وقد قام خطيباً فيهم -: (يا أهل العراق، اني واللّه لم أقاتلكم لتصلوا ولا لتصوموا، ولا لتزكوا، ولا لتحجوا، وانما قاتلتكم لاتأمر عليكم، وقد أعطاني اللّه ذلك وانتم كارهون!. ألا وان كل شيء اعطيته للحسن بن علي جعلته تحت قدميَّ هاتين!).
فلما تمت له البيعة خطب فذكر علياً فنال منه، ونال من الحسن، فقام الحسين ليرد عليه، فقال له الحسن: (على رسلك يا أخي). ثم قام عليه السلام فقال: (أيها الذاكر علياً! أنا الحسن وأبي علي، وأنت معاوية وأبوك صخر، وأمي فاطمة وأمك هند، وجدي رسول اللّه وجدك عتبة، وجدتي خديجة وجدتك فتيلة، فلعن اللّه أخملنا ذكراً، وألأمنا حسباً، وشرنا قديماً، وأقدمنا كفراً ونفاقاً!) فقالت طوائف من أهل المسجد: (آمين).
ثم تتابعت سياسة معاوية، تتفجر بكل ما يخالف الكتاب والسنة من كل منكر في الاسلام، قتلاً للابرار، وهتكاً للاعراض، وسلباً للاموال، وسجناً للاحرار، وتشريداً للمصلحين، وتأييداً للمفسدين الذين جعلهم وزراء دولته، كابن العاص، وابن شعبة، وابن سعيد، وابن ارطأة، وابن جندب، وابن السمط، وابن الحكم، وابن مرجانة، وابن عقبة، وابن سمية الذي نفاه عن ابيه الشرعي عبيد، والحقه بالمسافح أبيه أبي سفيان ليجعله بذلك أخاه، يسلطه على الشيعة في العراق، يسومهم سوء العذاب، يذبح أبناءهم، ويستحيي نساءهم، ويفرقهم عباديد، تحت كل كوكب، ويحرق بيوتهم، ويصطفي أموالهم، لا يألو جهداً في ظلمهم بكل طريق.
ختم معاوية منكراته هذه بحمل خليعه المهتوك على رقاب المسلمين، يعيث في دينهم ودنياهم، فكان من خليعه ما كان يوم الطف، ويوم الحرة، ويوم مكة اذ نصب عليها العرادات والمجانيق!.
هذه خاتمة أعمال معاوية، وانها لتلائم كل الملاءمة فاتحة أعماله القاتمة.
وبين الفاتحة والخاتمة تتضاغط شدائد، وتدور خطوب، وتزدحم محن، ما أدري كيف اتسعت لها مسافة ذلك الزمن، وكيف اتسع لها صدر ذلك المجتمع؟ وهي - في الحق - لو وزعت على دهر لضاق بها، وناء بحملها، ولو وزعت على عالم لكان جديراً أن يحول جحيماً لا يطاق.
ومهما يكن من أمر، فالمهم أن الحوادث جاءت تفسر خطة الحسن وتجلوها. وكان أهم ما يرمي اليه سلام اللّه عليه، أن يرفع اللثام عن هؤلاء الطغاة، ليحول بينهم وبين ما يبيتون لرسالة جده من الكيد.
وقد تم له كل ما أراد، حتى برح الخفاء، وآذن أمر الاموية بالجلاء، والحمد للّه رب العالمين.
وبهذا استتب لصنوه سيد الشهداء أن يثور ثورته التي أوضح اللّه بها الكتاب، وجعله فيها عبرة لأولي الالباب.
وقد كانا عليهما السلام وجهين لرسالة واحدة، كل وجه منهما في موضعه منها، وفي زمانه من مراحلها، يكافئ الآخر في النهوض بأعبائها ويوازنه بالتضحية في سبيلها.
فالحسن لم يبخل بنفسه، ولم يكن الحسين أسخى منه بها في سبيل اللّه، وانما صان نفسه يجندها في جهاد صامت، فلما حان الوقت كانت شهادة كربلاء شهادة حسنية، قبل ان تكون حسينية.
وكان يوم ساباط أعرق بمعاني التضحية من يوم الطف لدى اولي الالباب ممن تعمق.
لان الحسن عليه السلام، أعطي من البطولة دور الصابر على احتمال المكاره في صورة مستكين قاعد.
وكانت شهادة (الطف) حسنية أولاً، وحسينية ثانياً، لان الحسن أنضج نتائجها، ومهد أسبابها.
كان نصر الحسن الدامي موقوفاً على جلو الحقيقة التي جلاها - لاخيه الحسين - بصبره وحكمته، وبجلوها انتصر الحسين نصره العزيز وفتح اللّه له فتحه المبين.
وكانا عليهما السلام كأنهما متفقان على تصميم الخطة: أن يكون للحسن منها دور الصابر الحكيم، وللحسين دور الثائر الكريم، لتتألف من الدورين خطة كاملة ذات غرض واحد.
وقد وقف الناس - بعد حادثتي ساباط والطف - يمعنون في الاحداث فيرون في هؤلاء الامويين عصبة جاهلية منكرة، بحيث لو مثلت العصبيات الجلفة النذلة الظلوم لم تكن غيرهم، بل تكون دونهم في الخطر على الاسلام وأهله.
رأى الناس من هؤلاء الامويين، قردة تنزو على منبر رسول اللّه، تكشِّر للامة عن أنياب غول، وتصافحها بأيد تمتد بمخالب ذئب، في نفوس تدب بروح عقرب.
رأوا فيهم هذه الصورة منسجمة شائعة متوارثة، لم تخفف من شرها التربية الإسلامية، ولم تطامن من لؤمها المكارم المحمدية. فمضغ الاكباد يوم هند وحمزة، يرتقي به الحقد الاموي الاثيم، حتى يكون تنكيلاً بربرياً يوم الطف، لا يكتفي بقتل الحسين، حتى يوطئ الخيل صدره وظهره. ثم لا يكتفي بذلك، حتى يترك عارياً بالعراء، لوحوش الارض وطير السماء، ويحمل رأسه ورؤوس الشهداء من آله وصحبه على أطراف الاسنة إلى الشام. ثم لا يكتفي بهذا كله، حتى يوقف حرائر الوحي من بنات رسول اللّه على درج السبى!!!...
رأى الناس الحسن يسالم، فلا تنجيه المسالمة من خطر هذه الوحشية اللئيمة، حتى دس معاوية اليه السم فقتله بغياً وعدواناً. ورأوا الحسين يثور في حين أتيح للثورة الطريق إلى أفهامهم تتفجر فيها باليقظة والحرية، فلا تقف الوحشية الاموية بشيء عن المظالم، بل تبلغ في وحشيتها أبعد المدى.
وكان من الطبيعي أن يتحرر الرأي العام على وهج هذه النار المحرقة منطلقاً إلى زوايا التاريخ وأسراره، يستنزل الاسباب من هنا وهناك بلمعان ويقظة، وسير دائب يدنيه إلى الحقيقة، حقيقة الانحراف عن آل محمد، حتى يكون أمامها وجهاً لوجه، يسمع همسها هناك في الصدر الاول، وهي تتسار وراء الحجب والاستار، وتدبر الامر في اصطناع هذا (الداهية الظلوم الاموي) اصطناعاً يطفئ نور آل محمد، أو يحول بينه وبين الامة.
نعم أدرك الرأي العام بفضل الحسن والحسين وحكمة تدبيرهما كل خافية من أمر (الاموية) وأمور مسددي سهمها على نحو واضح.
أدرك - فيما يتصل بالامويين - أن العلاقة بينهم وبين الاسلام انما هي علاقة عداء مستحكم، ضرورة أنه اذا كان الملك هو ما تهدف اليه الاموية، فقد بلغه معاوية، وأتاح له الحسن، فما بالها تلاحقه بالسم وأنواع الظلم والهضم، وتتقصى الاحرار الابرار من أوليائه لتستأصل شأفتهم وتقتلع بذرتهم؟!...
واذا كان الملك وحده هو ما تهدف اليه الاموية، فقد أزيح الحسين من الطريق، وتم ليزيد ما يريد، فما بالها لا تكف ولا ترعوي، وانما تسرف اقسى ما يكون الاسراف والاجحاف في حركة من حركات الافناء على نمط من الاستهتار، لا يعهد في تاريخ الجزارين والبرابرة؟؟..
أما ما انتجته هذه المحاكمة لأولي الالباب، فذلك ما نترك تقديره وبيانه للعارفين بمنابع الخير، ومطالع النور في التاريخ الاسلامي، على انا فصلناه بآياته وبيناته في مقدمة (المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة) فليراجع، ولنكتف الآن بالاشارة إلى ما قلناه في التوحيد بين صلح الحسن وثورة الحسين، والتعاون بين هذين المظهرين، على كشف القناع عن الوجه الاموي المظلم، والاعلان عن الحقيقة الاموية، فأقول عوداً على بدء: كانت شهادة الطف حسنية اولاً، وحسينية ثانياً. وكان يوم ساباط، أعرق بمعاني الشهادة والتضحية من يوم الطف عند من تعمق واعتدل وأنصف.
الفضل في كشف هذه الحقيقة انما هو لمولانا ومقتدانا علم الامة، والخبير بأسرار الأئمة، حجة الاسلام والمسلمين، شيخنا المقدس الشيخ راضي آل ياسين أعلى اللّه مقامه.
ذلك لان أحداً من الاعلام لم يتفرغ لهذه المهمة تفرغه لها في هذا الكتاب الفذ الذي لا ثاني له، وها هو ذا مشرف من القمة على الامة، ليسد في مكتبتها فراغاً كانت في فاقة إلى سده، فجزاه اللّه عن الامة وعن الائمة، وعن غوامض العلم التي استجلاها، ومخبآته التى استخرجها، ومحص حقائقها، خير جزاء المحسنين، وحشره في أعلى عليين [مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقاً].

حرر في صور (جبل عامل)
في الخامس عشر من رجب سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة والف من الهجرة
عبد الحسين شرف الدين الموسوي العاملي

بِسمِ اللّهِ الرَحمنِ الرَحيِم
الحمُد للّهِ ربَ العَالمين وَصلى اللّهُ على محَمد وآلهِ وصحبهُ
المقدمة

وهأنذا مقدم - الآن - بين يدي قارئي الكريم، عصارة بحوث تستملي حقايقها من صميم الواقع غير مدخول بالشكوك، ولا خاضع للمؤثرات عن الحقبة المظلومة التاريخ، التي لم يحفل في عرضها، بما تستحق - مؤرخونا القدامى، ولم يعن في تحليلها - كما يجب - كتابنا المحدثون.
تلك هي قطعة الزمن التي كانت عهد خلافة الحسن بن علي في الاسلام والتي جاءت بين دوافع الاولين، وتساهل الآخرين، صورة مشوهة من صور التاريخ. وتعرضت في مختلف ادوارها لما كان يجب ان يتعرض له امثالها من الفترات المطموسة المعالم، المنسية للحقائق، المقصودة - على الاكثر - بالاهمال او بالتشويه، فاذا بالحسن بن علي (عليه وعلى ابيه افضل الصلاة والسلام) في عرف الاكثرين من المتسرعين باحكامهم - من شرقيين وغربيين - الخليفة الضعيف السياسة! التوفر على حب النساء! الذي باع (الخلافة) لمعاوية بالمال!!.. إلى كثير من هذا الهذر الظالم، الذي لا يستند في مقاييسه على منطق، ولا يرجع في تحكماته إلى دليل، ولا يعنى في ارتجالياته بتحقيق او تدقيق.
وعمدت هذه الفصول إلى تقلية هذه الحقبة القصيرة من الزمن بما هي ظرف احداث لا تقل بأهميتها - في ذاتها - ولا بموقعها (الاستراتيجي) في التاريخ - اذا صح هذا التعبير - عن اعظم الفترات التي مرّ بها تاريخ الاسلام منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وآله والى يوم الناس، لانها كانت ظرف الخلافة الفريدة من نوعها في تاريخ الخلائف الآخرين، ولانها بداية اقرار القاعدة الجديدة في التمييز بين السلطات الروحية والسلطات الزمنية في الاسلام، واللحظة التي صدَّقت باحداثها الحديث النبوي الشريف الذي انبأ برجوع الامر بعد ثلاثين عاماً إلى الملك العضوض، ولانها الفترة التي تبلورت فيها الحزازات الطائفية لاول مرة في تاريخ العقائد الاسلامية.
ولم يكن قليلاً من مجهود هذه الفصول، ان ترجع - بعد الجهد المرتخص في سبيلها - بالخبر اليقين عن الكثير من تلك الحقائق - أبعد ما تكون تأتياً في البحث، واكثر ما تكون تفسخاً في المصادر، وأقل ما تكون حظاً من تسلسل الحوادث وتناسق الاحداث - فتعرضها في هذه السطور مجلوة على واقعها الاول، او على اقرب صورة من واقعها الذي تنشأت عليه بين احضان جيلها المختلف الالوان.
فاذا الحسن بن علي (ع) - بعد هذا - وعلى قصر عهده في خلافته، من أطول الخلفاء باعاً في الادارة والسياسة، والرجل الذي بلغ من دقته في تصريف الامور، وسموّه في علاج المشكلات، انه استغفل معاوية بن ابي سفيان اعنف ما يكون في موقفه منه حذراً وانتباهاً واستعداداً للحبائل والغوائل. واذا بزواجه الكثير دليل عظمته الروحية في الناس. واذا (بالصلح) الذي حاكه على معاوية اداته الجبارة للقضاء على خصومه في التاريخ، دون ان يكون ثمة اية مساومة على بيعة أو على خلافة أو على مال. واذا كل خطوات هذا الامام، وكل ايجاب او سلب في سياسته - مخفقاً او منتصراً - آية من آيات عظمته التي جهلها الناس وظلمها المؤرخون.
وكان من أفظع الكفران لمواهب العظماء، ان يتحكم في تاريخهم وتنسيق مراتبهم، ناس من هؤلاء الناس المأخوذين بسوء الذوق، او المغلوبين بسوء الطوية، يتظاهرون بالمعرفة ويرتجزون بحسن التفكير، ثم يتحذلقون بالتطاول على الكرامات المجيدة، دون رويّة ولا تدقيق ولا اكتراث، فلا يدلون بتفريطهم في احكامهم الا على فرط الضعف في نفوسهم.
وليس يضر الحسن بن علي أن تظلمه الضمائر البليدة ثم ينصفه التمييز. وان لهذا الامام من مواقفه ومن مواهبه ومن عمقه ومن أهدافه ما يضعه بالمكان الاسنى من صفوة (العظماء) الخالدين.
وحسبنا من هذه السطور، أن تجلو عن طريق المنطق الصحيح الذي لا ينبغي أن يختلف عليه الناس، عظمة هذا الامام، خالصة من كل شوب، سالمة من كل عيب، نقية من كل نقد.
وكانت النقود التي جرح بها وقاح الرأي سياسة الحسن عليه السلام، أبعد ما يكونون - في تجريحهم - عن النصف والعمق والاحاطة بالظرف الخاص، هي التي نسجت كيان المشكلة التاريخية في قضية هذا الامام عليه السلام، وكان للشهوة الحزبية من بعض، ولمسايرة السياسة الحاكمة من آخر، وللجهل بالواقع من ثالث، أثره فيما أسف به المتسرّعون إلى أحكامهم.
ونظروا اليه نظرتهم إلى زعيم أخفق في زعامته، وفاتهم أن ينظروا إلى دوافع هذا الاخفاق المزعوم، الذي كان - في حقيقته - انعكاساً للحالة القائمة في الجيل الذي قدّر للحسن أن يتزعمه في خلافته، بما كان قد طغى على هذا الجبل من المغريات التي طلعت بها الفتوح الجديدة على الناس، وأيّ غضاضة على (الزعيم) اذا فسد جيله، أو خانت جنوده، أو فقد مجتمعه وجدانه الاجتماعي.
وفاتهم - بعد ذلك - أن ينظروا اليه كألمع سياسيّ يدرس نفسيات خصومه ونوازع مجتمعه وعوامل زمنه، فيضع الخطط ويقرر النتائج، ويحفظ بخططه مستقبل أمة بكاملها، ويحفر - بنتائجه - قبور خصومه قبراً قبراً، ويمرّ بزوابع الزمن من حوله رسول السلام المضمون النجاح، المرفوع الرأس بالدعوة إلى الاصلاح. ثم يموت ولا يرضى أن يهرق في أمره محجمة دم تُرى، فأي عظمة أجل من هذه العظمة لو أنصف الناقدون المتحذلقون؟.
وان كتابنا هذا ليضع نقاط هذه الحروف كلها، مملاة عن دراسة دقيقة سيجدها المطالع - كما قلنا - أقرب شيء من الواقع، أو هي الواقع نفسه، مدلولاً عليه بالمقاييس المنطقية، وبالدراسات النفسية، وبالشواهد الشوارد من هنا وهناك. كل ذلك هو عماد البحث في الكتاب، والقاعدة التي خرج منها إلى احكامه بسهولة ويسر، في سائر ما تناوله من موضوعات أو حاوله من آراء..

* * *

وسيجد القارئ أن الكتاب ليس كتاباً في أحوال الإمام الحسن (ع)، بوجه عام، وانما هو كتاب مواقفه السياسية فحسب. وكان من التوفر على استيعاب هذا الموضوع أن نتقدم بفصل خاص عن الترجمة له، وأن نستطرد في أطوائه ما يضطرنا البحث اليه.
وان موضوعاً من العمق والعسر كموضوعنا، وبحثاً فقير المادة قصير المدد كبحثنا - ونحن نتطلع اليه بعد ١٣٢٨ من السنين - لحريّ بأن لا يدرّ على كاتبه باكثر مما درّت به هذه الفصول، احرص ما تكون توفراً على استقصاء المواد، وتنسيق عناصر الموضوع، وتهذيبها من الزائف والدخيل. ونحن اذ نومئ إلى (فقر المادة) وأثره على البحث، لا نعني بالمادة الا هذه (الموسوعات) التي كان بامكاننا التعاون معها على تجلية موضوعنا بما هي عليه من تشويش للتناسق أو تشويه للحقايق. اما المؤلفات الكثيرة العدد التي وردت أسماؤها في معاجم المؤلفين الاولين، مما كتب عن قضية الحسن (ع) فقد حيل بيننا وبين الوقوف عليها. وكانت مع الكثير من تراثنا القديم قيد المؤثرات الزمنية، وطعمة الضياع والانقراض اخيراً. وكان ذلك عصب النكبة في الصحيح الصحيح من تاريخ الاسلام، وفي المهم المهم من قضاياه الحساسة امثال قضيتنا - موضوع البحث -.
فلم نجد - على هذا - من مصادر الموضوع: كتاب صلح الحسن ومعاوية، لاحمد بن محمد بن سعيد بن عبد الرحمن السبيعي الهمداني المتوفى سنة ٣٣٣ هجري، ولا كتاب صلح الحسن عليه السلام، لعبد الرحمن بن كثير الهاشمي (مولاهم)، ولا كتاب قيام الحسن عليه السلام، لهشام بن محمد بن السائب، ولا كتاب قيام الحسن عليه السلام، لابراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال بن عاصم بن سعد بن مسعود الثقفي المتوفى سنة ٢٨٣ هجري ولا كتاب عبد العزيز بن يحيى الجلودي البصري في امر الحسن عليه السلام، ولا كتاب اخبار الحسن عليه السلام ووفاته، للهيثم بن عدي الثعلي المتوفى سنة ٢٠٧ هجري، ولا كتاب اخبار الحسن بن علي عليه السلام، لابي اسحاق ابراهيم بن محمد الاصفاني الثقفي(٥)، ولا نظائرها.
اما هذه المصادر التي قدّر لنا ان لا نجد غيرها سنداً، فيما احتاجت به هذه البحوث إلى سند ما، فقد كان اعجب ما فيها انها تتفق جميعها في قضية الحسن عليه السلام على ان لا تتفق في عرض حادثة، او رواية خطبة، او نقل تصريح، او الحكم على احصاء، بل لا يتفق سندان منها - على الاكثر - في تأريخ وقت الحادث او الخطبة من تقديم او تأخير، ولا في تعيين اسم القائد مثلاً، او ترتيب القيادة بين الاثنين او الثلاثة، ولا في رواية طرق النكاية التي اريدت بالحسن (ع) في ميادينه، او في التعبير عن صلحه، او في قتله اخيراً، ولا في كل صغيرة او كبيرة من اخبار الملحمة، من ألفها إلى يائها.
وللمؤثرات التي تحكمت في رقبة هذه المصادر، عند نقاطها الحساسة اثرها المحسوس في الكثير الكثير من عروضها.
واذا كان من اصعب مراحل هذا التأليف، ارجاع هذه الحقائق إلى تسلسلها الصحيح الذي يجب ان يكون هو واقعها الاول، فقد كان من أيسر الوسائل إلى تحقيق هذا الغرض، الاستعانة عليه بقرائن الاحوال، وتناسق الاحداث، اللذين لا يتم بدونهما حكم على وضع.
وكان من حسن الصدف، ان لا نخرج في اختيار النسق المطلوب عن الشاهد الصريح، الذي بعثرته هذه المصادر نفسها، في اطواء رواياتها الكثيرة المضطربة، فكانت - بمجموعها - وعلى نقص كل منها، أدلتنا الكاملة على ما اخترناه من تنسيق أو تحقيق، وذلك أروع ما نعتز به من التوفيق.
ووقفنا في فلسفة الموقف - عند مختلف مراحله - وقفاتنا المتأنية المستقرئة الصبور، التي لا تستسلم للنقل اكثر مما تحتكم للعقل. ورجعنا في كثير مما التمسنا تدقيقه، إلى التصريحات الشخصية التي جاءت ادلّ على الغرض من روايات كثير من المؤرخين.
وهي - بعد - بضاعتي المزجاة التي لا اريد منها الا ان تكون مفتاح بحوث جديدة، من شأنها ان تكشف كثيراً من الغموض الذي دار مع قضية الحسن في التاريخ.
فان هي وُفِّقَتْ إلى ذلك، فقد أوتيت خيراً كثيراً.
وما توفيقي الا باللّه عليه توكلت واليه انيب.

المؤلف

القسم الأول: الإمام الحسن عليه السلام

أبوه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. وامه سيدة نساء العالمين فاطمة بنت رسول اللّه. صلى اللّه عليه وعليهم.
ولا أقصر من هذا النسب في التاريخ، ولا أشرف منه في دنيا الانساب.
مولده:
ولد في المدينة ليلة النصف من شهر رمضان سنة ثلاث للهجرة.
وهو بكر أبويه.
وأخذه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فور ولادته. فأذن في اذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، ثم عق عنه. وحلق رأسه. وتصدق بزنة شعره فضةً فكان وزنه درهماً وشيئاً. وأمر فطُلي رأسه طيباً، وسُنَّت بذلك العقيقة والتصدّق بوزن الشعر.
وسماه (حسناً). ولم يعرف هذا الاسم في الجاهلية.
وكنّاه (أبا محمد). ولا كنية له غيرها.
القابه:
السبط. السيد. الزكيّ. المجتبى. التقيّ.
زوجاته:
تزوج (ام اسحق) بنت طلحة بن عبيد اللّه. و(حفصة) بنت عبد الرحمن بن ابي بكر. و(هند) بنت سهيل بن عمرو. و(جعدة) بنت الاشعث بن قيس، وهي التي اغراها معاوية بقتله فقتلته بالسم.
ولا نعهد انه اختص من الزوجات - على التعاقب - باكثر من ثمان أو عشر.. على اختلاف الروايتين.. بما فيهن امهات اولاده.
ونسب الناس اليه زوجات كثيرات، صعدوا في أعدادهن ما شاؤوا.. وخفي عليهم ان زواجه الكثير الذي أشاروا اليه بهذه الاعداد، واشار اليه آخرون بالغمز والانتقاد، لا يعني الزواج الذي يختص به الرجل لمشاركة حياته، وانما كانت حوادث استدعتها ظروف شرعية محضة. من شأنها ان يكثر فيها الزواج والطلاق معاً، وذلك هو دليل سمتها الخاصة.
ولا غضاضة في كثرة زواج تقتضيه المناسبات الشرعية، بل هو - بالنظر إلى ظروف هذه المناسبات - دليل قوة الامام في عقيدة الناس - كما اشير اليه -. ولكن المتسرعين إلى النقد، جهلوا الحقيقة وجهلوا انهم جاهلون. ولو فطنوا إلى جواب الإمام الحسن عليه السلام لعبد اللّه بن عامر بن كريز، وقد بنى بزوجته، لكانوا غيرهم اذ ينتقدون.
اولاده:
كان له خمسة عشر ولداً بين ذكر وانثى، هم زيد والحسن وعمرو والقاسم وعبد اللّه وعبد الرحمن والحسن الاثرم وطلحة، وام الحسن وام الحسين وفاطمة وام سلمة ورقية وام عبد اللّه وفاطمة.
وجاء عقبه من ولديه الحسن وزيد، ولا يصح الانتساب اليه من غيرهما.
أوصافه:
(لم يكن أحد اشبه برسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم من الحسن بن علي عليه السلام خلقاً وخلقاً وهيأة وهدياً وسؤدداً).
بهذا وصفه واصفوه. وقالوا:
كان ابيض اللون مشرباً بحمرة، أدعج العينين، سهل الخدين، كث اللحية، جعد الشعر ذا وفرة، كأن عنقه ابريق فضة، حسن البدن، بعيد ما بين المنكبين، عظيم الكراديس، دقيق المسربة، ربعة ليس بالطويل ولا بالقصير، مليحاً من أحسن الناس وجهاً.
او كما قال الشاعر:

مادب في فطن الاوهام من حسنٍ * * * الا وكان له الحظ الخصوصيُّ
كأنَّ جبهته من تحت طرّته * * * بدر يتوّجه الليل البهيميُّ
قد جلّ عن طيب اهل الارض عنبره * * * ومسكه فهو الطيب السماويُّ

وقال ابن سعد: (كان الحسن والحسين يخضبان بالسواد).
وقال واصل بن عطاء: (كان الحسن بن علي عليهما السلام، عليه سيماء الانبياء وبهاء الملوك).
عبادته:
حج خمساً وعشرين حجة ماشياً، والنجائب لتقاد معه، واذا ذكر الموت بكى، واذا ذكر القبر بكى، واذا ذكر البعث بكى، واذا ذكر الممر على الصراط بكى، واذا ذكر العرض على اللّه تعالى ذكره شهق شهقة يغشى عليه منها، واذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم، وسأل اللّه الجنة وتعوذ باللّه من النار.
وكان اذا توضأ، او اذا صلى ارتعدت فرائصه واصفر لونه.
وقاسم اللّه تعالى ماله ثلاث مرات. وخرج من ماله لله تعالى مرتين. ثم هو لا يمر في شيء من احواله الا ذكر اللّه عز وجل.
قالوا: (وكان أعبد الناس في زمانه وأزهدهم بالدنيا).
اخلاقه:
كان في شمائله آية الانسانية الفضلى، ما رآه أحد الا هابه، ولا خالطه انسان الا أحبه، ولا سمعه صديق أو عدو وهو يتحدث أو يخطب فهان عليه ان ينهي حديثه أو يسكت.
قال ابن الزبير فيما رواه ابن كثير (ج ٨ ص ٣٧): (واللّه ما قامت النساء عن مثل الحسن بن علي).
وقال محمد بن اسحق: (ما بلغ احد من الشرف بعد رسول اللّه صلى الله عليه وآله، ما بلغ الحسن بن علي. كان يبسط له على باب داره فاذا خرج وجلس انقطع الطريق، فما يمر أحد من خلق اللّه اجلالاً له، فاذا علم قام ودخل بيته فيمر الناس).
ونزل عن راحلته في طريق مكة فمشى، فما من خلق اللّه احد الا نزل ومشى حتى سعد بن ابي وقاص، فقد نزل ومشى إلى جنبه.
وقال مدرك بن زياد لابن عباس، وقد امسك للحسن والحسين بالركاب وسوى عليهما ثيابهما: (انت أسن منهما تمسك لهما بالركاب؟). فقال: (يا لكع! وما تدري من هذان، هذان ابنا رسول اللّه، أوَليس مما أنعم اللّه علي به ان امسك لهما واسوي عليهما!)
وكان من تواضعه على عظيم مكانته انه مر بفقراء وضعوا كسيرات على الارض، وهم قعود يلتقطونها ويأكلونها، فقالوا له: (هلم يا ابن رسول اللّه إلى الغداء!) فنزل وقال: (ان اللّه لا يحب المتكبرين). وجعل يأكل معهم. ثم دعاهم إلى ضيافته فأطعمهم وكساهم.
وكان من كرمه انه اتاه رجل في حاجة، فقال له: (اكتب حاجتك في رقعة وارفعها الينا). قال: فرفعها اليه فأضعفها له، فقال له بعض جلسائه: (ما كان أعظم بركة الرقعة عليه يا ابن رسول اللّه!). فقال: (بركتها علينا أعظم، حين جعلنا للمعروف اهلاً. أما علمت ان المعروف ما كان ابتداء من غير مسألة، فاما من أعطيته بعد مسألة، فانما اعطيته بما بذل لك من وجهه. وعسى ان يكون بات ليلته متململاً أرقاً، يميل بين اليأس والرجاء، لا يعلم بما يرجع من حاجته أبكآبة الرد، ام بسرور النجح، فيأتيك وفرائصه ترعد وقلبه خائف يخفق، فان قضيت له حاجته فيما بذل من وجهه، فان ذلك أعظم مما نال من معروفك).
وأعطى شاعراً فقال له رجل من جلسائه: (سبحان اللّه اتعطي شاعراً يعصي الرحمن ويقول البهتان!). فقال: (يا عبد اللّه ان خير ما بذلت من مالك ما وقيت به عرضك، وان من ابتغاء الخير اتقاء الشر).
وسأله رجل فأعطاه خمسين الف درهم وخمسمائة دينار وقال له: (ائت بحمال يحمل لك). فأتى بحمال، فأعطاه طيلسانه، وقال: (هذا كرى الحمال).
وجاءه بعض الاعراب. فقال: (اعطوه ما في الخزانة!). فوجد فيها عشرون الف درهم. فدفعت اليه، فقال الاعرابي: (يا مولاي، ألا تركتني أبوح بحاجتي، وانشر مدحتي؟). فأنشأ الحسن يقول:

نحن اناس نوالنا خضل * * * يرتع فيه الرجاء والامل
تجود قبل السؤال أنفسنا * * * خوفاً على ماء وجه من يسل

وروى المدائني قال: (خرج الحسن والحسين وعبد اللّه بن جعفر حجاجاً ففاتتهم اثقالهم، فجاعوا وعطشوا، فرأوا عجوزاً في خباء فاستسقوها فقالت: هذه الشويهة احلبوها، وامتذقوا لبنها، ففعلوا. واستطعموها، فقالت: ليس الا هذه الشاة فليذبحها أحدكم. فذبحها احدهم، وكشطها. ثم شوت لهم من لحمها فأكلوا. وقالوا عندها، فلما نهضوا، قالوا: نحن نفر من قريش نريد هذا الوجه، فاذا عدنا فألمي بنا، فانا صانعون بك خيراً. ثم رحلوا فلما جاء زوجها، أخبرته فقال: ويحك تذبحين شاتي لقوم لا تعرفينهم، ثم تقولين: نفر من قريش. ثم مضت الايام، فأضرت بها الحال، فرحلت حتى اجتازت بالمدينة، فرآها الحسن (ع) فعرفها، فقال لها: أتعرفينني؟ قالت: لا. قال: أنا ضيفك يوم كذا وكذا، فأمر لها بالف شاة والف دينار، وبعث بها إلى الحسين (ع) فأعطاها مثل ذلك، ثم بعثها إلى عبد اللّه بن جعفر فأعطاها مثل ذلك).
وتنازع رجلان، هاشمي واموي. قال هذا: (قومي اسمح). وقال هذا: (قومي اسمح). قال: (فسل انت عشرة من قومك، وانا اسأل عشرة من قومي). فانطلق صاحب بني امية فسأل عشرة، فأعطاه كل واحد منهم عشرة آلاف درهم. وانطلق صاحب بني هاشم إلى الحسن بن علي، فأمر له بمائة وخمسين الف درهم، ثم أتى الحسين فقال: (هل بدأت بأحد قبلي؟). قال: (بدأت بالحسن) قال: (ما كنت أستطيع أن ازيد على سيدي شيئاً) فأعطاه مائة وخمسين الفاً من الدراهم. فجاء صاحب بني امية يحمل مائة الف درهم من عشر أنفس، وجاء صاحب بني هاشم يحمل ثلاثمائة الف درهم من نفسين. فغضب صاحب بني أمية، فردها عليهم، فقبلوها. وجاء صاحب بني هاشم فردها عليهما، فأبيا ان يقبلاها، وقالا: (ما كنا نبالي. أخذتها أم القيتها في الطريق).
ورأى غلاماً أسود يأكل من رغيف لقمة، ويطعم كلباً هناك لقمة فقال له: (ما حملك على هذا؟) قال: (اني استحي منه ان آكل ولا اطعمه). فقال له الحسن: (لا تبرح مكانك حتى آتيك). فذهب إلى سيده، فاشتراه واشترى الحائط (البستان) الذي هو فيه، فأعتقه، وملكه الحائط.
واخبار كرمه كثيرة لسنا بسبيل استقصائها.
وكان من حلمه ما يوازن به الجبال - على حد تعبير مروان عنه.
وكان من زهده ما خصص له محمد بن علي بن الحسين بن بابويه المتوفى سنة ٣٨١ هجري كتاباً أسماه (كتاب زهد الحسن عليه السلام). وناهيك بمن زهد بالدنيا كلها في سبيل الدين.
مناقبه:
انه سيد شباب أهل الجنة، وأحد الاثنين اللذين انحصرت ذرية رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فيهما، وأحد الاربعة الذين باهل بهم النبي نصارى نجران، وأحد الخمسة (أصحاب الكساء)، وأحد الاثني عشر الذين فرض اللّه طاعتهم على العباد، وهو أحد المطهرين من الرجس في الكتاب، وأحد الذين جعل اللّه مودتهم أجراً للرسالة، وجعلهم رسول اللّه أحد الثقلين اللذين لا يضلّ من تمسك بهما. وهو ريحانة رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم وحبيبه الذي يحبه ويدعو اللّه أن يحب من أحبه.
وله من المناقب ما يطول بيانه، ثم لا يحيط به البيان وان طال.
وبويع بالخلافة بعد وفاة أبيه عليهما السلام، فقام بالامر - على قصر عهده - أحسن قيام، وصالح معاوية في الخامس عشر من شهر جمادى الاولى سنة ٤١ - على أصح الروايات - فحفظ الدين، وحقن دماء المؤمنين، وجرى في ذلك وفق التعاليم الخاصة التي رواها عن ابيه عن جده صلى اللّه عليهما. فكانت خلافته (الظاهرة) سبعة اشهر واربعة وعشرين يوماً.
ورجع بعد توقيع الصلح إلى المدينة، فاقام فيها، وبيته حرمها الثاني لاهلها ولزائريها.
والحسن من هذين الحرمين، مشرق الهداية، ومعقل العلم وموئل المسلمين. ومن حوله الطوائف التي نفرت من كل فرقة لتتفقه فيالدين ولتنذر قومها اذا رجعت اليهم. فكانوا تلامذته وحملة العلم والرواية عنه. وكان بما أتاح اللّه له من العلم، وبما مكّن له في قلوب المسلمين من المقام الرفيع، أقدر انسان على توجيه الامة وقيادتها الروحية، وتصحيح العقيدة، وتوحيد أهل التوحيد.
وكان اذا صلى الغداة في مسجد رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم جلس في مجلسه، يذكر الله حتى ترتفع الشمس، ويجلس اليه من يجلس من سادات الناس يحدثهم. قال ابن الصباغ (الفصول المهمة ص ١٥٩): (ويجتمع الناس حوله، فيتكلم بما يشفي غليل السائلين ويقطع حجج المجادلين).
وكان اذا حج وطاف بالبيت، يكاد الناس يحطمونه مما يزدحمون للسلام عليه. عليه السلام.
وفاته:
وسُقي السم مراراً - كما سنأتي على تفصيله عند البحث على الوفاء بشروط الصلح -. وأحس بالخطر في المرة الاخيرة، فقال لاخيه الحسين عليه السلام: (اني مفارقك ولاحق بربي، وقد سقيت السم، ورميت بكبدي في الطست، واني لعارف بمن سقاني السم ومن أين دهيت، وأنا اخاصمه إلى اللّه عز وجل). ثم قال: (وادفني مع رسول اللّه (ص) فاني أحق به وببيته(٦). فان أبوا عليك، فانشدك اللّه بالقرابة التي قرّب اللّه عز وجل منك، والرحم الماسة من رسول اللّه ان لا تهريق في امري محجمة من دم، حتى نلقى رسول اللّه صلى الله عليه وآله فنختصم اليه، ونخبره بما كان من الناس الينا).
واوصى اليه باهله وبولده وتركاته وبما كان اوصى به اليه ابوه امير المؤمنين عليه السلام. ودل شيعته على استخلافه للامامة من بعده.
وتوفي في اليوم السابع من شهر صفر سنة ٤٩ هجري.
قال ابو الفرج الاصفهاني: (واراد معاوية البيعة لابنه يزيد، فلم يكن شيء أثقل عليه من أمر الحسن بن علي وسعد بن ابي وقاص فدَس اليهما سماً فماتا منه).
وللدواهي النكر من هذا النوع، صدماتها التي تهزّ الشعور وتوقظ الالم، وتجاوبت الاقطار الاسلامية أسى المصيبة الفاجعة، فكان لها في كل كورة مناحة تنذر بثورة، وفي كل عقد من السنين ثورة تنذر بانقلاب.
واللّه سبحانه وتعالى يقول: (وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون).
مدفنه:
روى سبط ابن الجوزي بسنده إلى ابن سعد عن الواقدي: (انه لما احتضر الحسن قال: ادفنوني عند ابي - يعني رسول اللّه (ص) - فقامت بنو امية ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص وكان والياً على المدينة فمنعوه!!. قال ابن سعد: ومنهم عائشة وقالت: لا يدفن مع رسول اللّه أحد).
وروى ابو الفرج الاموي الاصفهاني عن يحيى بن الحسن انه قال: (سمعت علي بن طاهر بن زيد يقول: لما أرادوا دفنه - يعني الحسن بن علي - ركبت بغلاً واستعونت بني امية ومروان ومن كان هناك منهم ومن حشمهم، وهو قول القائل: فيوماً على بغل ويوماً على جمل).
وذكر المسعودي ركوب عائشة البغلة الشهباء وقيادتها الامويين ليومها الثاني من اهل البيت عليهم السلام. قال: (فأتاها القاسم بن محمد بن ابي بكر فقال: يا عمة ما غسلنا رؤوسنا من يوم الجمل الاحمر(٧). أتريدين أن يقال يوم البغلة الشهباء؟ فرجعت).
واجتمع مع الحسين بن علي خلق من الناس فقالوا له: (دعنا وآل مروان، فواللّه ما هم عندنا الا كأكلة رأس). فقال: (ان أخي أوصى ان لا اريق فيه محجمة دم.. ولولا عهد الحسن هذا، لعلمتم كيف تأخذ سيوف اللّه منهم مأخذها. وقد نقضوا العهد بيننا وبينهم، وأبطلوا ما اشترطنا عليهم لانفسنا). - يشير بهذا إلى شروط الصلح -.
ومضوا بالحسن فدفنوه بالبقيع عند جدته فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف.
قال في الاصابة: (قال الواقدي: حدثنا داود بن سنان حدثنا ثعلبة بن ابي مالك: شهدت الحسن يوم مات ودفن بالبقيع، فلقد رأيت البقيع ولو طرحت فيه ابرة ما وقعت الا على رأس انسان).

القسم الثاني: في الموقف السياسي

قبل البيعة
يكفينا الآن، ونحن بصدد موضوع لا ندري على التحقيق، مدى تأثره بسوابقه ومقارناته، ان نرجع ولو قليلاً - إلى استعراض بعض الاوضاع الاجتماعية التي ثاب اليها المسلمون لاول مرة بعد عهد النبوة، بما كان للنبوة من اثر عميق في النفوس، وسلطان قوي على تكوين المجتمع، ويد صناع في بناء عناصر الحيوية في الاتباع.
يكفينا ونحن نستوحي الذكريات لوضع الصورة العابرة هنا، ان نأخذ من كل مناسبة صلتها بموضوعنا، أو نأخذ بالمناسبات ذات الصلة من دون غيرها، لنتعرف - على ضوء هذا الاسلوب - مدى تأثر موضوعنا بماضيه.
وكان الحدث الاكبر في تاريخ الاسلام هو وفاة رسول اللّه صلى الله عليه وآله، وانقطاع ذلك الاشعاع السماوي الذي كان يفيض على الدنيا كلها بالخير، فاذا الدنيا كلها مظلمة تستعد للشر. وانقطعت الارض بموت رسول اللّه (ص) عن السماء، اذ كان الوحي هو بريدها إلى الارض واداة صلتها بها. وهل للارض غنى عن السماء، وفي السماء رزقها ومنها خيرها وحياتها وحيويتها ونورها ودينها. وما كان أشد من هذه الوحشة على الدنيا، ولا أفدح من هذه الخسارة على المسلمين، لو انه كان - ونعوذ باللّه - انقطاعاً باتاً وانفصالاً نهائياً. ولكن رسول اللّه (ص) أدرك ما سيمتحن به المؤمنون بعده من عظيم الرزية بانقطاع الوحي من بينهم، وكان بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً، فأخبرهم بان حبلاً واحداً سيبقى متصلاً بينهم وبين السماء. وهل حبل أولى بالتمسك من حبل السماء وقد انقطع الوحي، قال:
(اني تركت فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الارض، وعترتي اهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما).(٨)
ومن حق البحث الذي بين ايدينا ان يستقرئ في هذه المناسبة موقف المجتمع من عترة النبي (ص)، او موقف الجماعات التي كانت تدعي لنفسها حق التمثيل للمجتمع، لينظر فيما خلفوا رسول اللّه في عترته - استغفر اللّه - بل لينظر فيما يتصل من ذلك بموضوعنا من هذه المناسبة العابرة. واذا كانت العترة عشيرة الرجل، فعلي أبرز رجالها بعد رسول اللّه، واذا كانت ذريته، فالحسن كبير عترة النبي من بعده. وتجيز اللغة اطلاق العترة على الصنفين - العشيرة والذرية - معاً.
نعم انه قدّر لهذا المجتمع، ان ينقسم انقسامته التاريخية التي وقعت فور الفاجعة العظمى بوفاة رسول اللّه صلى الله عليه وآله، حين تأول قوم فانساحوا إلى تأولاتهم، وتعبّد آخرون فثبتوا على الصريح من قول نبيهم، وللنبي تصريحات كثيرة في موضوع الترشيح للخلافة ليس هنا مكان استعراضها. ولسنا الآن بصدد مناقشة المتأولين أو مساجلة المتعبدين، لان كل شيء مما نتفق عليه معهم جميعاً، أو مع فريق واحد منهم، أو مما نختلف فيه قد تم في حينه على صورته. وليس فيما تتناوله بحوثنا الآن ما يستطيع ان يغير الواقع عن واقعه.
ولكنا - ولنلتمس المعاذير للمتأولين - على مخالفتهم لنصوص نبيهم نقول: انهم نظروا إلى هذه النيابة عن الوحي التي جعلها رسول اللّه (ص) للكتاب وللعترة من بعده، في حديثه هذا وفي نظائره الكثيرة من الاحاديث الاخرى، نظرتهم السياسية التي لا تعني الانكار على رسول اللّه، ولكنها تهدف - قبل كل شيء - إلى (المصلحة) فيما يرون، ورأوا ان وجوب اطاعة الاوامر النبوية في الموضوعات السياسية، منوط بذوي التجارب من الشيوخ المتقدمين بالسن. فان صادقوا على ما أراده النبي فذاك، والا فليكن ما أرادوا هم.
وهكذا زويت الخلافة عن العترة. وهكذا صار من الممكن وربما من المستحسن لدى فريق عظيم من مسلمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ان يصبح معاوية أيضاً ممن ينازع على خلافة الاسلام ويطلبها لنفسه، ويحتج عليها بالسن(٩) ايضاً، ويصادق عليها الشيوخ المسنون ايضاً كعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وابي هريرة الدوسي. ولم تكن حملة معاوية هذه بما فيها من استخفاف بقدسية الاسلام، الاولى من نوعها، ولكنها كانت تمتد بجذورها إلى عهد أقدم، والى تصالح وتعاون أسبق، ومن طراز أسمى(١٠).
ولم يبق مخفياً ان الحجر الاساسي لهذا التدهور غير المنتظر، كان هو الذي بني هناك في المدينة المنورة، وقامت عليه سقيفة بني ساعدة بما ابرم فيها من حبل جديد هو غير الحبل الممدود - عمودياً - من السماء إلى الارض الذي عناه رسول اللّه (ص) في حديثه الآنف الذكر. ولكنه حبل آخر اريد ليمتد مع التاريخ - افقياً -.

وتوالت تحت السقيفة أحدا * * * ثٌ أثارت كوامناً وميولا
نزعات تفرقت كغصون الـ * * * ـعوسج الغض شائكاً مدخولا(١١)

ووقف صاحب الحق بالخلافة من اخوانه المتأولين، موقفه المشرف الذي دل بذاته، وبما حفظ الاسلام من الانهيار، على انه وحده كان الوسيط بين الناس وحبل السماء. وتلكأ عن بيعتهم بمقدار ما نبه الذهنية الاسلامية إلى الحق المغلوب على امره، واخذ إلى البيعة - بعد ذلك - أخذاً(١٢). وسأله بعض اصحابه: (كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به؟) فقال: (انها كانت أثرة، شحت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس آخرين، والحكم للّه والمعود اليه القيامة. ودع عنك نهباً صيح في حجراته(١٣))..
لغة تنبئك عما تكظمه في دخيلتها من غيظ، وعما تحمله في ظاهرتها من تسليم.
وعشا عن انواره مناوئوه، وعلى أبصارهم غشاوة الذحول. فغفلوا عنه غير منكرين سبقه وجهاده وقرابته وصهره واخوته وعلمه وعبادته، وتصريحات رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم في شأنه، التي كانوا يستوعبونها يومئذ اكثر مما نستوعبها نحن. ولكنهم نقموا عليه كثرة فضائله هذه، ونقموا عليه شدته في احقاق الحق، ونقموا عليه سيفه الذي خلق منهم أعداء موتورين، منذ كان يصنع الاسلام بهذا السيف في سوح الجهاد المقدس.
ونقموا عليه سنه لانه كان في العقد الرابع. ولا عجب اذا رأى ذوو الحنكة المسنون، ان لا يكون الخليفة بعد رسول اللّه مباشرة، الا وهو في العقد السابع مثلاً.
وخفي عليهم ان الامامة في الاسلام دين كالنبوة نفسها، ويجوز فيها ما يجوز في النبوة، ولا يجوز عليها ما لا يجوز على النبوة في عظمتها. فما شأن الاجتهاد بالسن في مقابل النص على التعيين. وما شأن الملاحظات السياسية في مقابل كلمات اللّه وتصريحات نبيه (ص). وكانت سن علي يوم وفاة رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، سن عيسى بن مريم يوم رفعه اللّه عز وجل، أفيجوز لعيسى ان ينتهي بقصارى نبوته في الارض إلى هذه السن، ولا يجوز لعلي أن يبتدئ خلافته في ثلاث وثلاثين، وهي السن التي اختارها اللّه لسكان جنانه يوم القيامة! ولو لم تكن خير سنيّ الانسان لما اختارها اللّه للمصطفين من عباده في الجنان.
ونقموا عليه قرباه (فكرهوا اجتماع النبوة والخلافة في بيت واحد) ولا نعرف كيف انقلبت الفضيلة - على هذا المنطق - سبباً لنقمة. ولا نفهم كيف كانت (القرابة) بموجتها القصيرة، وبما هي اقرب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم حائلاً دون الخلافة، ثم هي بموجتها الطويلة، وبما هي أبعد عن النبي، دليل الخلافة والحجة الوحيدة في ما دلفوا به من حجاج خصومهم.
وحسبوا انهم أحسنوا صنعاً للاسلام وللمصلحة العامة بفصلهم الخلافة عن بيت النبوة، وبما فسحوا المجال لبيوتات اخرى، تتعاون - بدورها - على غزو المنصب الديني الأعلى، أبعد ما يكون بطبيعته عن مجالات الغزو والغلبة والاستيلاء بالقوة والعنف.
وخفي عليهم ما كان يحتاط به رسول اللّه صلى الله عليه وآله لامته ولعترته، حين سجل الخلافة في بيته.
وجاءت الاحداث - بعد ذلك - فنبهت العقول الواعية إلى اخطاء القوم وصواب رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم.
فكانت (عملية الفصل) هذه، هي مثار الخلافات التاريخية الحمر، بين عشاق الخلافة في مختلف الاجيال، ومبعث مآسٍ فظيعة في المسلمين، ومصدر انعكاسات مزرية في مثالية الاسلام، كان المسلمون في غنى عنها لو قدّر للخلافة - من يومها الاول - ان تأخذ طريقها اللاحب الذي لا يجوز فيه اجتهاد، ولا تمسه سياسة، ولا يتصرف فيه احد غير اللّه ورسوله.
(وما كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى اللّه ورسوله امراً ان يكون لهم الخيرة من امرهم ومن يعص اللّه ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينا).
وهل كان التناحر والتطاحن المديد العمر المتوارث مع الاجيال فيما بين الاسر البارزة في المسلمين، الا نتيجة فسح المجال لهذا او ذاك في الطماح إلى غزو المقام الرفيع.
وهل كانت المجازر الفظيعة التي جابهها المسلمون في الفترات المختلفة من تاريخ الاسلام: بين بني هاشم وبني امية: وبين بني الزبير وبني امية: وبين بني العباس وبني امية: وبين بني علي وبني العباس... الا النتيجة المباشرة لفصم ذلك التقليد الديني الذي احتاط به رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، ليكون حائلاً دون امثال هذه المآسي والاحداث المؤسفة في الاسلام.
وهل كانت (فجائع العترة) الفريدة من نوعها - بالقتل والصلب والسبي والتشريد - الا اثر الخطأة الاولى، التي خولفت بها سياسة النبي (ص) فيما اراده لامته ولعترته، وفيما حفظ به امته وعترته جميعاً، لو انهم اطاعوه فيما اراد.
ولكنهم جهلوا مغزى هذه السياسة البعيدة النظر، فكرهوا اجتماع النبوة والخلافة في بيت واحد، انصهاراً بسياسة اخرى.
وكانت هي المعذرة الظاهرة التي لم يجدوا غيرها معذرة يبوحون بها للناس. اما معذرتهم الباطنة، فلا يعلم بها الا العالم ببواطن الامور وهي على الاكثر لا تعدو الذكريات الدامية في حروب الدعوة الاسلامية، أو الحسد الذي (يأكل الدين كما تأكل النار الحطب) - كما في الحديث الشريف -.
وكان حب الرياسة وشهوة الحكم، شر أدواء الناس وبالاً على الناس، وأشدها استفحالاً في طباع الاقوياء من زعماء ومتزعمين.
وما النبوة ولا الامامة بما هما - منصب إلهي - من مجالات السياسة بمعناها المعروف، وكل سياسة في النبوة أو في شيء من ذيولها الادارية، فهو دين والى الدين. والمرجع الوحيد في كل ذلك، هو صاحب الدين نفسه، وكلمته هي الفصل في الموضوع.
ولكي تتفق معي على مسيس اتصال هذه المناسبة بموضوعنا اتصالاً وشيجاً، عليك ان تتطلع إلى اللغة المتظلمة الناقمة التي ينكشف عنها الحسن بن علي عليهما السلام في هذا الشأن، بما كتبه إلى معاوية، ابان البيعة له في الكوفة. قال: (فلما توفي - يعني رسول اللّه صلى الله عليه وآله - تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش: نحن قبيلته واسرته واولياؤه، ولا يحل لكم ان تنازعونا سلطان محمد وحقه. فرأت العرب ان القول ما قالت قريش وان الحجة في ذلك لهم على من نازعهم في امر محمد. فأنعمت لهم وسلمت اليهم، ثم حاججنا(١٤) نحن قريشاً بمثل ما حاججت به العرب، فلم تنصفنا قريش انصاف العرب لها. انهم أخذوا هذا الامر دون العرب بالانصاف والاحتجاج، فلما صرنا اهل بيت محمد واولياءه إلى محاجتهم، وطلب النصف منهم، باعونا واستولوا بالاجتماع على ظلمنا ومراغمتنا والعنت منهم لنا. فالموعد اللّه وهو الولي النصير.
(ولقد كنا تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا، وسلطان بيتنا. واذ كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الاسلام، أمسكنا عن منازعتهم، مخافة على الدين ان يجد المنافقون والاحزاب في ذلك مغمزاً يثلمون به، أو يكون لهم بذلك سبب إلى ما أرادوا من افساده.
(فاليوم فليتعجب المتعجب من توثبك يا معاوية على أمر لست من أهله، لا بفضل في الدين معروف، ولا أثر في الاسلام محمود، وانت ابن حزب من الاحزاب، وابن أعدى قريش لرسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، ولكتابه. والله حسيبك فسترد عليه وتعلم لمن عقبى الدار!!)(١٥).
وهكذا نجد الحسن عليه السلام، يعطف - بالفاء - عجبه من توثب معاوية على تعجبه لتوثب الاولين عليهم في حقهم وسلطان بيتهم. ومن هنا تنبثق مناسبة اتصال قضيته بقضايا الخلائف السابقين، وتنبثق معها مناسبات اخرى. بعضها للاخوين. وبعضها للابوين. وبعضها للحق العام.
وما نحن بالذاكرين شيئاً منها هنا، لانا لا نريد ان نتصل بهذه البحوث، في سطورنا هذه، الا بمقدار ما تتصل هي بالصميم من موضوعنا.
وعلمنا ان الرشاقة السياسية البارعة التي ربحت الموقف بعد وفاة رسول اللّه (ص) في لحظات، والتي سماها كبير من اقطابها (بالفلتة) وسماها معاوية (بالابتزاز للحق والمخالفة على الأمر(١٦))، كانت بنجاحها الخاطف دليلاً على سبق تصميم في الجماعات التي وليت الحل والعقد هناك. فكان من السهل ان نفهم من هذا التصميم (اتجاهاً خاصاً) نحو العترة من آل محمد (ص) له اثره في حينه، وله آثاره بعد ذلك.
فكانوا المغلوبين على امرهم، والمقصيين - عن عمد - في سائر التطورات البارزة التي شهدها التاريخ يومئذ(١٧).
فلا الذي عهد بالخلافة قدمهم. ولا الذي حصر الخليفة في الثلاثة من الستة انصفهم. ولولا رجوع الاختيار إلى الشعب نفسه مباشرة، بعد حادثة الدار، لما كان للعترة نصيب من هذا الامر على مختلف الادوار.
ثم كان لهذا (الاتجاه الخاص) أثره في خلق معارضة قوية للعهدين اللذين رجعا بامرهما إلى العترة من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي حروب البصرة وصفين فمسكن شواهد كثيرة على ما نقول.
وفي موقف ابن عمر(١٨) وسعد بن ابي وقاص واسامة بن زيد ومحمد بن مسلمة وقدامة بن مظعون وعبد اللّه بن سلام وحسان بن ثابت وأبي سعيد الخدري وزيد بن ثابت والنعمان بن بشير.. وهم (القعّاد) الذين آثروا الحياد، واستنكفوا من البيعة لعلي ولابنه الحسن عليهما السلام شواهد اخرى.
ولهذه المعارضة ميادينها المختلفة والوانها المتعددة. ومنها المواقف السلبية النابية التي جوبه بها زعماء العترة عليهم السلام، في المدينة اولاً، وفي الكوفة اخيراً.
والا فما الذي كان يحدو علياً عليه السلام، ليقول من على منبره في الكوفة:
(يا أشباه الرجال ولا رجال، ويا أحلام الاطفال وعقول ربات الحجال، أما واللّه لوددت أن اللّه أخرجني من بين أظهركم، وقبضني إلى رحمته من بينكم، ووددت أني لم أركم ولم أعرفكم، فقد والله ملأتم صدري غيظاً. وجرعتموني الامرين أنفاساً. وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان..)
الى كثير مما يشبه هذا القول، مما أثر عنه في خطبه وكلماته.
اليست هي المعارضة التي زرعت نوابتها الخبيثة في كل مكان من حواضر علي عليه السلام، فأخذت على الناس التقاعس عن نصرته بشتى المعاذير.
أقول هذا. ولا اريد ان أتتاسى - معه - العوامل الاخرى التي شاركت (الاتجاه) - الآنف الذكر - في تكوين هذه المعارضة بموقفيها - الايجابي المسلح والسلبي الخاذل - تجاه العترة النبوية في العهد الهاشمي الكريم.
ولا أشك بان العدل الصارم، والمساواة الدقيقة في التوزيع التي كانت طابع هذا العهد، بل هي - دون ريب - طابع العهود الهاشمية مع القرن الاول، في نبوتها وفي خلافتها. - هي الاخرى التي تحسس منها الناس أو قسم من الناس، بشيء من الضيق لا يتسع للطاعة المطلقة ولا للاخلاص الحر اللذين لن ينتفع بغيرهما في ميدان سلم أو ميدان حرب.
والظروف الطارئة بمقتضياتها الزمنية التي طلعت بها على الناس خزائن الممالك المهزومة في الفتوح، والطعوم الجديدة من الحياة التي لا عهد لهؤلاء الناس بمثلها من قبل - كل ذلك، كان له أثره في خلق الحس المظلم الذي من شأنه ان يظل دائماً في الجهة المعاكسة للنور.
وفي بحران هذا (الاتجاه الخاص) الذي تعاون على تكوينه ربع قرن من السنين، يتمثل عهد علي عليه السلام في خلافته قبل بيعة الحسن في الكوفة.
والحسن من علي عليهما السلام كبير ولده، وولي عهده، وشريك سرائه وضرائه، يحس بحسّه ويألم بألمه. وهو - اذ ذاك - على صلة وثيقة بالدنيا التي أحاطت بابيه من قومه ومن رعيّته ومن أعدائه، فهو لا يجهلها ولا يغفل عنها، وكان ينطوي ممّا يدور حوله على شجى مكتوم، يشاركه فيه أخوه كما يشاركه في اخوّته. وكان هذا الشجى المكتوم، هو الشيء الظاهر مما خلف به هؤلاء المسلمون - يومئذ - نبيَّهم في عترته، جواباً على قوله (ص) لهم: (فانظروا كيف تخلفوني فيهما!!).
وكان الحسن عليه السلام، اذ ينطوي على هذا الشجى، لا يلبث ان يستروح الامل - أحياناً - بما يجده في صحابة أبيه البهاليل من النجدة والحيوية والمفاداة وشمائل الاخلاص الذي لا تشوبه شائبة طمع في دنيا، ولا شائبة هوى في سياسة.
ومن هؤلاء، القواد العسكريون، والخطباء المفوّهون. والفقهاء والقراء والصفوة الباقية من بناة الاسلام. كانوا - بجدارة - العدة التي يستند عليها امير المؤمنين، في حربه وسلمه. وكانوا - بحق - دعامة العهد الهاشمي فيما تعرض له هذا العهد، من زلازل وزعازع واخطار.
وكانوا المسلمين الذين وفوا لرسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، فيما واثقوه عليه في ذريته، بأن يمنعوهم بما يمنعون به انفسهم وذراريهم. فلم لا يستروح الحسن بهم روائح الامل لقضية ابيه، بل لقضية نفسه.
وكانوا المؤمنين الذين آمنوا بكلمات اللّه في اهل بيت نبيهم وذوي قرباه وآمنوا بوصيّنبيهم، وبمراتبه التي رتبها اللّه له أو رتّبه لها. وفهموا علياً كما يجب أن يفهم. وعليٌّ هو ذلك البطل الذي لم يحلم المسلمون بعد رسول اللّه (ص) بمثله، اخلاصاً في الحق، وتفادياً في الاسلام، ونصحاً للمسلمين، واستقامة على العدل، واتساعاً في العلم. ولن ينقص علياً في كبرياء معانيه، جحود الآخرين فضائله ومميزاته، ولهؤلاء الآخرين من مطامعهم واهوائهم شغل شاغل يملأ فراغ نفوسهم. وما في ملاكات علي عليه السلام متسع للاهواء والمطامع. فليكن هؤلاء - دائماً - في الملاكات البعيدة عن علي، وليكونوا في المعسكر الذي يقوم على المساومة بالمال والولايات..
وليكن مع علي زمرته المنخولة تلك، المسلمة اسلامها الصحيح امثال عمار بن ياسر، وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين، وحذيفة بن اليمان، وعبد اللّه وعبد الرحمن ابني بديل، ومالك بن الحارث الاشتر، وخباب بن الارت، ومحمد بن ابي بكر، وابي الهيثم بن التيهان، وهاشم بن عتبة ابن ابي وقاص (المرقال)، وسهل بن حنيف، وثابت بن قيس الانصاري، وعقبة بن عمرو، وسعد بن الحارث بن الصمة، وابي فضالة الانصاري، وكعب بن عمرو الانصاري، وقرضة بن كعب الانصاري، وعوف بن الحارث بن عوف، وكلاب بن الاسكر الكناني، وابي ليلى بن بليل.... واضراب هؤلاء من قادة الحروب وأحلاس المحاريب، الذين انكروا الظلم، واستعظموا البدع، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وتسابقوا إلى الموت في سبيل اللّه، استباق غيرهم إلى المطامع في سبيل الدنيا.
ومن الخير، أن ننبّه هنا، إلى ان جميع هذه الصفوة المختارة كانت قد استشهدت في ميادين علي عليه السلام، وان ثلاثاً وستين بدرياً استشهد معهم في صفين(١٩) وحدها، وان أضعاف هذه الاعداد كانت خسائر الحروب المتعاقبة مدى ثلاث سنوات.
فما ظنك الآن، بذلك الامل الذي كان يداعب الحسن عليه السلام بوجود الانصار، وهل بقي للحسن - بعد هذا - الا الشجى المكتوم، مضاعفاً على تضاعيف الايام.
اما معسكر علي عليه السلام، فقد نكب نكبته الكبرى، حين أصحر من خيرة رجالاته، ومراكز الثقل فيه.
واما دنيا علي عليه السلام، فقد عادت لسقيا الغصص وشرب الرنق - على حد تعبيره هو فيما ندب به أصحابه عند مصارعهم -.
وتلفّت عليّ إلى آفاقه المترامية التي تخضع لامره، فلم يجد بين جماهيرها المتدافعة، من ينبض بروح اولئك الشهداء، أو يتحلى بمثل مزاياهم، اللهم الا النفر الاقل الذي لا يناط به أمل حرب ولا أمل سلم.
ولولا قوة تأثيره في خطبه، وعظيم مكانته في سامعيه، لما تألف له - بعد هؤلاء - جيش، ولا قامت له بعدهم قائمة.
وهكذا أسلمته ظروفه لان يكون هدف المقاطعة من بعض، وهدف العداء المسلح من آخرين، وهدف الخذلان الممقوت من الاتباع (فلا اخوان عند النجاء، ولا أحرار عند النداء).
وأيّ حياة هذه التي لا تحفل بأمل، ولا ترجى لنجاح عمل. وقد أزمع فيها الترحال عباد اللّه الاخيار، الذين باعوا قليلاً من الدنيا لا يبقى، بكثير من الآخرة لا يفنى.
فسُمِعَ وهو يقول (اللهم عجل للمراديّ شقاءه) وسُمِعَ وهو يقول (فما يحبس أشقاها ان يخضبها بدم أعلاها)، وسُمِعَ وهو يقول (أما واللّه لوددت ان اللّه أخرجني من بين أظهركم وقبضني إلى رحمته من بينكم).
وسلام عليه يوم وُلِد. ويوم سبق الناس إلى الاسلام. ويوم صنع الاسلام بسيفه. ويوم امتحن. ويوم مات. ويوم يبعث حياً.
وترك من بعده لولي عهده، ظرفه الزمنّي النابي، القائم على اثافيّه الثلاث - فقر الأنصار. والعداء المسلَح. والمقاطعة الخاذلة.
البيعة
اذا كان الدين في الاسلام، هو ما يبلّغه النبي صلى الله عليه وآله لانه الذي لا ينطق عن الهوى (ان هو الا وحي يوحى)، واذا كان الخليفة في الاسلام هو من يعيّنه النبي للخلافة، لانه المرجع الأعلى في الاثبات والنفي، فالحسن بن علي، هو الخليفة الشرعي، بايعه الناس أو لم يبايعوه.
ذكره رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم باسمه في سلسلة أسماء خلفائه الاثني عشر، كما تضافر به الحديث عنه، فيما رواه علماء السنة(٢٠)، وفيما أجمع على روايته علماء الشيعة، وفيما اتفق عليه الفريقان، من قوله له ولاخيه الحسين: (انتما الامامان ولأُمَّكما الشفاعة(٢١)). وقوله وهو يشير إلى الحسين: (هذا امام ابن امام أخو امام أبو أئمة تسعة(٢٢)) - الحديث -.
وأمره أبوه أمير المؤمنين - منذ اعتل - أن يصلي(٢٣) بالناس، وأوصى اليه عند وفاته قائلاً: (يا بنيّ أنت ولي الامر وولي الدم، وأشهد على وصيته الحسين ومحمداً وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته، ودفع اليه الكتاب والسلاح، ثم قال له: (يا بنيّ أمرني رسول اللّه أن اوصي اليك، وأن أدفع اليك كتبي وسلاحي، كما أوصى اليّ رسول اللّه ودفع اليّ كتبه وسلاحه. وأمرني أن آمرك، اذا حضرك الموت أن تدفعها إلى اخيك الحسين). ثم أقبل على الحسين فقال: (وأمرك رسول اللّه أن تدفعها إلى ابنك هذا). ثم اخذ بيد علي بن الحسين وقال: (وأمرك رسول اللّه أن تدفعها إلى ابنك محمد. فأقرِئه من رسول اللّه ومني السلام)(٢٤).
صورة تحكيها كل كتب الحديث التي تعرض لهذه المواضيع، وترفعها مسندة بالطرق الصحيحة الموثقة، إلى مراجعها من اهل البيت عليهم السلام وغيرهم. وهي الصورة التي تناسق الوضع المنتظر لمثل ظرفها. والا فما الذي كان ينبغي غير ذلك؟
وهذه هي طريقة الامامية من الشيعة في اثبات الامامة.
- نصوص نبوية متواترة من طرقهم، ومروية بوضوح من طرق غيرهم، تحصر الامامة في اثني عشر اماماً كلهم من قريش(٢٥)، وتذكر - ضمناً - أو في مناسبة اخرى، أسماءهم اماماً اماماً إلى آخرهم، وهو المهدي المنتظر الذي يملأ اللّه به الارض قسطاً وعدلاً، بعد أن تكون قد امتلأت ظلماً وجوراً.
- ونصوص خاصة، من كل امام على خلفه الذي يجب أن يرجع اليه الناس.
ثم يكون من تفوّق الامام، في علمه وعمله ومكارمه وكراماته، أدلة وجدانية اخرى، هي بمثابة تأييد لتلك النصوص بنوعيها.
اما بيعة الناس فليست شرطاً في امامة الامام. وانما على الناس أن يبايعوا من أرادته النصوص النبوية. ولا تصحّح الامامية بيعة غيره. ولا تقع من أحدهم الا اضطراراً.
وقضت الظروف بدوافعها الزمنيّة، أن لا يبايع الناس من الائمة المنصوص عليهم، الا الامامين علياً والحسن عليهما السلام.
وابتدأ بعد الحسن عهد (الخلافات) الاسمية، التي ترتكز في نفوذها على السلاح، وتقوم في بيعتها على شراء الضمائر بالمال. أو كما قال الغزالي (وأفضت الخلافة إلى قوم تولوها بغير استحقاق(٢٦)).
وكان الاولى بالمسلمين، أو بمؤرخة الاسلام على الاخص، ان يغلقوا عهد (الخلافة) بنهاية عهد الحسن عليه السلام، ليشرعوا بعده عهد (الملك) بظواهره وسياسته وارتجالاته ولو فعلوا لحفظوا مثالية الاسلام مجلوّةً بما ترسَّمه خلفاؤه المثاليون من سيرة النبي صلى الله عليه وآله ولصانوا الاسلام عن كثير مما وصمه به هؤلاء الملوك الذين فرضوا على المسلمين خلافاتهم فرضاً، ثم جاء التاريخ فرضي أن يسميّهم (الخلفاء) من دون استحقاق لهذا الاسم، وأساء إلى الاسلام من حيث أراد الاحسان.
ترى، أيصح للخليفة الذي يجب أن يكون أقرب الناس شبهاً بصاحب الرسالة في ورعه وعلمه والتزامه بحرفية الاسلام، أن يصلي (الجمعة) يوم الاربعاء، أو يصليها مرةً اخرى في ضحى النهار، أو يتطلب محرماً، أو يبيع الذهب باكثر منه وزناً، أو يلحق العهار بالنسب، أو يقتل المؤمن صبراً، أو يرد الكافر بالمال ليتجهز على اخوانه المسلمين بالحرب؟ إلى غير ذلك والى أنكى من ذلك من ظواهر الملك التي لا يجوز نسبتها إلى الدين. فَلمَ لا يكون صاحبها رئيس دنيا و(ملكاً) بدل أن نسميه رئيس دينٍ و(خليفةً)؟. وناهيك بمن جاء بعد معاوية من خلائف هذه الشجرة المنعوتة في القرآن - نعتها اللائق بها -. فماذا كان من يزيد وماذا كان من عبد الملك ومن الوليد، ومن آخرين وآخرين.
كل ذلك كان يجب أن يستحث المسلمين إلى الانتصاف للاسلام، فلا يضيفون إلى مراكزه الدينية العليا، الا الاكفاء المتوفرين بتربيتهم على مثاليّته والذين هم أقرب الناس شبهاً بمصدر عظمته الاول (ص).
وعلمنا - مما تقدم - أن الحسن بن علي عليهما السلام، كان أشبه الناس برسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم خلقاً وخلقاً وهيأة وسؤدداً(٢٧). وانه كان عليه سيماء الانبياء وبهاء الملوك. وعلمنا أنه كان سيد شباب أهل الجنة في الآخرة. والسيد في الآخرة هو السيد في الدنيا غير منازع. و(السيد) المطلق لقبه الشخصيّ الذي لقبه به جدّه رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم.
وعلمنا أنه كان أشرف الناس نسباً، وخيرهم أباً واماً وعماً وعمة وخالاً وخالة وجداً وجدة. كما وصفه مالك بن العجلان في مجلس معاوية(٢٨).
فلم لا يكون - على هذا - هو المرشح بالتزكية القطعية للبيعة العامة. كما كان - إلى ذلك - هو الامام المقطوع على أمره بالنص. ولم لا يضاف اليه المركز الدينيّ الأعلى، وهو من عرفت مقامه وسموّه ومميزاته. واذا تعذر علينا أن نفهم الامامة والكفاءة للخلافة، من هذه القابليات الممتازة والمناقب الفضلى، فأي علامة اخرى تنوب عنها أو تكفينا فهمها.
خرج عليه السلام إلى الناس، غير ناظر إلى ما يكون من أمرهم معه، ولكنه وقف على منبر أبيه، ليؤبن أباه بعد الفاجعة الكبرى في مقتله صلوات اللّه وسلامه عليه.
فقال: (لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الاولون، ولا يدركه الآخرون. لقد كان يجاهد مع رسول اللّه فيقيه بنفسه. ولقد كان يوجّهه برايته، فيكتنفه جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، فلا يرجع حتى يفتح اللّه عليه. ولقد تُوفي في الليلة التي قبض فيها موسى بن عمران. ورفع بها عيسى بن مريم، وانزل القرآن. وما خلّف صفراء ولا بيضاء الا سبعمائة درهم من عطائه، أراد أن يبتاع بها خادماً لاهله(٢٩)).
وتأبين الحسن هذا - بأسلوبه الخطابي - فريد لا عهد لنا بمثله، لانه - كما ترى - لم يعرض إلى ذكر المزايا المعروفة في الراحل العظيم، كما هي العادة المتبعة في أمثال هذه المواقف، ولا سيما في تأبين الرجال الذين احتوشوا الفضائل، فكان لهم أفضل درجاتها، ومرنوا على المكارم فاذا هم في القمة من ذرواتها، علماً وحلماً وفصاحة وشجاعة وسماحة ونسباً وحسباً ونبلاً ووفاء واباء، كعلي الذي حيّر المادحين مدح علاه. فلماذا يعزف الحسن عليه السلام، فيما يؤبنه به عن الطريقة المألوفة في تأبين العظماء؟. ترى أكانت الصدمة القوية في مصيبته به، هي التي سدّت عليه - وهو الخطيب المصقع وابن أخطب العرب - أبواب القول فيما ينبغي أن يقول، أم أنه كان قد عمد إلى هذا الاسلوب قاصداً، فكان في اختيار الاسلوب الخاص، ابلغ الخطباء وابرعهم اصابة للمناسبات، وأطولهم خطابة على اختصار الكلمات.
نعم انه يؤبّنه بما لا يسع أحداً في التاريخ أن يؤبن به غيره. وكل تأبين على غير هذا الاسلوب، كان بالامكان أن يؤبَّن على غراره غيره وغيره من عظماء الناس. اما الاوصاف الفريدة التي ذكرها الحسن لأبيه في هذا التأبين، فكانت الخصائص العلوية التي لا تصح لغير علي في التاريخ، ولا يشاركه فيها أحد من العظماء ولا من الاولياء.
انه ينظر اليه من زاويته الربانية - نظر امام إلى امام - فاذا هو الراحل الذي لا يشبهه راحل ولا مقيم، ولا يضاهيه - في شتى مراحله - وليٌّ ولا زعيم.
رجلٌ ولكنه الذي لم يسبقه الاولون ولا يدركه الآخرون. وانسان ولكنه بين جبرئيل وميكائيل، وهل هذا الا الانسان الملائكي. ترفع روحه يوم يرفع عيسى، ويموت يوم يموت موسى، وينزل إلى قبره يوم ينزل القرآن إلى الارض! مراحل كلها بين ملَكٍ مقرّب ونبي مرسلٍ وكتاب منزل، ومع رسول اللّه يقيه بنفسه. فما شأن مكارم الدنيا، إلى جنب هذه المكرمات الكرائم، حتى يعرض اليها في تأبينه.
ولعلك تتفق معي الآن إلى أن هذا الاسلوب الرائع (الفريد) فيما أبن به الحسن أباه عليهما السلام، كان أبلغ تأبين في ظرفه، وأليقه بهذا الفقيد.
وهذه احدى مواقفه الخطابية، التي دلت بموهبتها الممتازة على نسبها القريب، من جده ومن أبيه (صلى اللّه عليهما وعلى آلهما). وسيكثر منذ اليوم أمثالها، من الحسن (الخليفة) عليه السلام، بحكم نزوله إلى قبول البيعة من الناس، وبما سيستقبله من طوارئ كثيرة، تستدعيه للكلام وللقول وللخطابة في مختلف المناسبات.
ووقف بحذاء المنبر في المسجد الجامع - وقد غص بالناس - ابن عمه (عبيد اللّه بن عباس بن عبد المطلب). ينتظر هدوء العاصفة الباكية المرَّنة، التي اجتاحت الحفل، في أعقاب تأبين الإمام الحسن لابيه عليهما السلام.
ثم قال - بصوته الجهوريّ الموروث - الذي يدوّي في الارض دويّ أصوات السماء، وما كان عبيد اللّه منذ اليوم، الا داعي السماء إلى الارض:
(معاشر الناس هذا ابن نبيكم، ووصي امامكم فبايعوه) (يهدي به اللّه من اتبع رضوانه سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور باذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم).
وفي الناس إلى ذلك اليوم، كثير ممن سمع نص رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، على امامته بعد ابيه. فقالوا: (ما أحبّه الينا وأوجب حقه علينا وأحقه بالخلافة). وبادروا إلى بيعته راغبين.
وكان ذلك يوم الواحد والعشرين من شهر رمضان، يوم وفاة ابيه عليه السلام، سنة اربعين للهجرة(٣٠).
وهكذا وفقت الكوفة لان تضع الثقة الاسلامية في نصابها المفروض لها، من اللّه عز وجل ومن العدل الاجتماعي، وبايعته - معها - البصرة والمدائن وبايعه العراق كافة، وبايعه الحجاز واليمن على يد القائد العظيم (جارية بن قدامة)، وفارس على يد عاملها (زياد بن عبيد)، وبايعه - إلى ذلك - من بقي في هذه الآفاق من فضلاء المهاجرين والانصار، فلم يكن لشاهد أن يختار ولا لغائب أن يرد، ولم يتخلف عن بيعته - فيما نعلم - الا معاوية ومن اليه، واتبع بقومه غير سبيل المؤمنين، وجرى مع الحسن مجراه مع أبيه بالامس. وتخلّف أفراد آخرون عرفوا بعد ذلك بالقعّاد.
اما الخلافة الشرعية. فقد تمت (على ظاهرتها العامة) من طريق البيعة الاختيارية، للمرة الثانية في تاريخ آل محمد صلى اللّه عليه وعلى آله الطاهرين وطلعت على المسلمين من الزاوية المباركة التي طلعت عليهم بالنبوة قبل نصف قرن. فكانت من ناحية صلتها برسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، امتداداً لمادة النور النبويّ، في المصباح الذي يستضيء به الناس. ومع الخليفة الجديد كل العناصر المادية والمعنوية التي تحملها الوراثة في كينونته ومثاليته.
فكان على ذلك الأولى بقول الشاعر:

نال الخلافة اذ كانت له قدراً * * * كما أتى ربَّه موسى على قَدَرِ

ويعود الإمام الحسن عليه السلام - بعد أن أُخذت البيعة له - فيفتتح عهده الجديد، بخطابه التاريخيّ البليغ، الذي يستعرض فيه مزايا أهل البيت وحقهم الصريح في الامر، ثم يصارح الناس فيه بما ينذر به الجوّ المتلبد بالغيوم من مفاجئات واخطار..
فيقول. (وهو بعض خطابه):
(نحن حزب اللّه الغالبون، وعترة رسول اللّه الاقربون، وأهل بيته الطيبون الطاهرون، وأحد الثقلين اللذين خلّفهما رسول اللّه في امته، ثاني كتاب اللّه الذي فيه تفصيل كل شيء، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فالمعوّل علينا في تفسيره، لا نتظنن تأويله بل نتيقن حقائقه، فأطيعونا فان طاعتنا مفروضة، اذ كانت بطاعة اللّه ورسوله مقرونة، قال اللّه عزّ وجل: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا اللّه وأطيعوا الرسول واولي الامر منكم فان تنازعتم في شيء فردّوه إلى اللّه والرسول) وقال: ولو ردّوه إلى الرسول واولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم).
ثم يمضي في خطابه، ويردف أخيراً بقوله:
(واحذركم الاصغاء لهتاف الشيطان فانه لكم عدوّ مبين فتكونون كأوليائه الذين قال لهم: لا غالب لكم اليوم من الناس واني جارٌ لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال اني بريء منكم اني أرى ما لا تَرون. فستلقون للرماح وردا، وللسيوف جزرا، وللعُمُد حطما، وللسهام غَرَضا. ثم لا ينفع نفساً ايمانها، لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ايمانها خيراً(٣١))..
ثم نزل من على منبره، فرتب العمّال، وأمَّر الامراء ونظر في الامور(٣٢).
قبول الخلافة
وتحذلق بعض المترفهين بالنقد، فرأى من (التسرع) قبول الحسن للخلافة، في مثل الظرف الذي بايعه فيه الناس، بما كان يؤذن به هذا الظرف من زعازع ونتائج، بعضها ألم، وبعضها خسران.
ولكي نتبين مبلغ الاصابة في التسرع إلى هذا النقد. نقول:
اما اولاً:
فلما كان الواجب على الناس ديناً، الانقياد إلى بيعة الامام المنصوص عليه، كان الواجب على الامام - مع قيام الحجة بوجود الناصر - قبول البيعة من الناس.
اما قيام الحجة - فيما نحن فيه - فقد كان من انثيال الناس طواعية إلى البيعة في مختلف بلاد الاسلام، ما يكفي - بظاهر الحال - دليلاً عليه. ولا مجال للتخلف عن الواجب مع وجود شرطه.
واما ثانياً:
فان مبعث هذا الانعكاس البدائي، عن قضية الحسن عليه السلام هو النظر اليها من ناحيتها الدنيوية فحسب. بينما الانسب بقضية (امام) ان يستنطقها الباحث من ناحيتها الدينية على الاكثر. وكثير هو الفرق بين الدنيا والدين في نظر امام. والقضية من هذه الناحية ظفر لا خسارة - كما سنأتي على توضيحه في محله المناسب - وهي وان تكن معرض آلام، ولكنها آلام في سبيل الاسلام، ومن أولى من الحسن بالاسلام وتحمّل آلامه. وانما هو نبت بيته.
واما ثالثاً:
فلم يكن الحسن في رفعة مكانه من زعماء المسلمين، وفي نسبه الممتاز ومركزه من العلم، بالذي يستطيع الفراغ وان أراده عن عمد، ولا بالذي يتركه الناس وان أراد هو ان يتركهم، وكان لابد للرجات العنيفة في المجتمع الاسلامي، أن تتدافع اليه، تستدعيه للوثوب احقاقاً للحق وانكاراً للمنكر - كما وقع لاخيه الحسين عليه السلام في ظرفه.
وأيضاً. فلو ترك الناس وتجافى عن بيعتهم، أو تركه الناس وأعفوه خلافتهم، فلن يتركه المتغلبون على الناس. وانهم لينظرون اليه - دائماً - كشبح مخيف، بما يدور حوله من الدعوة إلى الاصلاح، او النقمة الصارخة على الوضع، التي كان يتطوع لها مختلف الطبقات، من الساخطين والمعارضين والدعاة للّه، ولن يجد هؤلاء يومئذ ملجأ يفيئون اليه، خيراً من ابن رسول اللّه الامام المحبوب. وهل كانت الوفود التي عرضت عليه استعدادها لمناوأة الحكام الامويين واعادة الكرة(٣٣) لاسترجاع الحق المغصوب، الا ظاهرة هذه النقمة الصارخة التي كان يعج بها المجتمع الاسلامي يوم ذاك. وأنى لسلطان المتغلبين أن يستقر ما دام هذا المنار قائماً يفيء اليه الناس.
ولنتذكر أنه قتل مسموماً. ولماذا يقتلونه وقد صالحهم وترك لهم الدنيا برمتها، لولا أنهم خافوه على سلطانهم، ورأوا من وجوده حاجزاً يمنعهم من النفوذ إلى قلوب الناس؟ وهل ذلك الا دليل انقياد الناس - في عقيدتهم - اليه دونهم؟
وهذا كله بعد الصلح، وبعد ظهور جماعات من شيعته وغير شيعته ينكرون عليه موقفه من الصلح.
ترى فكيف كانت قوته في الناس لو انه أبى الخلافة من أول الامر، وبقي شغف المسلمين إلى بيعته على حدّته، فهل كان من المحتمل، أن يظل محور الامل ومفزع الناقمين والمعارضين، ثم تنام عنه العيون الحذرة على دنياها، فلا تعاجله بما ختمت به حياته المقدسة اخيراً؟ وهل كان الا طعمة الاغتيالات الكافرة في سنته الاولى بعد ابيه - على اغلب الظن -؟.
فأيّ منطق هذا الذي يرى من قبول الحسن للخلافة تسرّعاً!
والخلافة - في أصلها - مقام ابيه وميراثه وميراث أخيه - على حد تعبير الامام علي بن موسى بن جعفر عليهم السلام.
واما الزعازع التي لوّح بها هذا النقد، فما كانت الا خطط المناوئين في الكوفة، وليس شيء منها بالذي يضير الحسن ابان نشاط الناس معه - كما هو في ابان بيعته - وأي خليفة أو زعيم ليس له مناوئون؟
فلم لا يكون قبول البيعة هو الارجح على مختلف الوجوه؟.
بل هو الواجب لضرورة الوقت وللمصلحة العامة ولاحقاق الحق.
الكوفة ايام البيعة
الكوفة كما يصفها صعصعة بن صوحان العبدي(٣٤): (قبة الاسلام وذروة الكلام، ومصان(٣٥) ذوي الاعلام، الا ان بها أجلافاً(٣٦) تمنع ذوي الامر الطاعة وتخرجهم عن الجماعة، وتلك أخلاق ذوي الهيئة والقناعة).
مصّرها المسلمون في السنة السابعة عشرة(٣٧) للهجرة بعد فتح العراق مباشرة.
وكان بناؤها الاول بالقصب، فأصابها حريق، فبنيت باللبن وكانت شوارعها العامة بعرض عشرين ذراعاً - بذراع اليد -، وأزقتها الفرعية بعرض سبعة أذرع. وما بين الشوارع أماكن البناء وهي بسعة أربعين ذراعاً، والفطايع وهي بسعة ستين ذراعاً.
وكان المسجد أول شيء خطّوه فيها. فوقف في وسط الرقعة التي أريدت للمدينة. رجل شديد النزع، رمى إلى كل جهة بسهم، ثم اقيمت المباني فيما وراء السهام، وترك ما دونها للمسجد وساحته. وبنوا في مقدمة المسجد رواقاً، أقاموه على أساطين من رخام كان الاكاسرة قد جلبوها من خرائب الحيرة، وجعلوا على الصحن خندقاً لئلا يقتحمه أحد ببنيان.
وزاد عمران الكوفة زيادة مفاجئة، حين هاجر اليها أمير المؤمنين عليه السلام، فاتخذها مقراً له بعد وقعة الجمل سنة ٣٦ للهجرة وكان دخوله اليها في الثاني عشر من شهر رجب.
وكان من بواعث هذه البادرة - هجرة علي إلى الكوفة - ضعف موارد الحجاز، واعتماده في موارده على غيرها، وما من علة تتعرض لها دولة أضرّ من اعتمادها في الموارد على غيرها، وكانت الكوفة وبلاد السواد تكفي نفسها وتفيض. وهذا عدا الاسباب العسكرية التي اضطرته لها الثورات المسلحة التي كانت تتخذ من بلاد الرافدين ميادين لاعمالها العدوانية.
وتقاطر على الكوفة - اذ هي عاصمة الخلافة - كبار المسلمين من مختلف الآفاق. وسكنتها القبائل العربية من اليمن والحجاز، والجاليات الفارسية من المدائن وايران. وعمرت فيها الاسواق التجارية. وزهت فيها الدراسات العلمية. وأنشئت حولها الحدائق والبساتين والارباض والقريات. وأغفت على ذراعها أمجاد التاريخ والآداب والعلوم زمناً طويلاً.
وغلب على الكوفة تحت ظل الحكم الهاشمي التشيّع لعلي واولاده عليهم السلام، ثم لم يزل طابعها الثابت اللون. ووجد معه بحكم اختلاف العناصر التي يممت المصر الجديد أهواء مناوئه اخرى، كانت بعد قليل من الزمن أداة الفتن في اكثر ما عصف بالكوفة من الزعازع التاريخية والرجّات العنيفة لها وعليها.
وجاءت بيعة الحسن عليه السلام يوم بايعته الكوفة، عند ملتقى الآراء من سائر العناصر الموجودة فيها يوم ذاك، على أنها كانت قلَّ ما تلتقي على رأي.
وكان للحسن من اسلوب حياته في هذه الحاضرة، مدى اقامته فيها، ما جعله قبلة الانظار ومهوى القلوب ومناط الآمال، وملأ أجواء المدينة الجديدة (عاصمة ابيه) بكرائم المكرمات التي تنتقل في آل محمد بالارث: جود يد، وسجاحة خلق، ونبل شعور، وظرف شمائل، وسعة حلم، ورجاحة عقل وعلم وزهادة وعبادة. وضحك منبر الخلافة - في بحران حزنه على الامام الراحل - بما شاع في أكنافه من شيم الانبياء الموروثة في خليفته الجديد، ولم يكن ثمة أعمل بالتقوى، ولا أزهد بالدنيا، ولا أجمع لخصال الخير كلها منه، لذلك كان الشخصية الفذة التي تتفق عليها الآراء المختلفة عن رغبة وعمد، وتجتمع فيها عناصر الزعامة كما يجب في قائد أمة أو امام قوم.
وانتهت مهرجانات البيعة في الكوفة على خير ما كان يرجى لها من القوة والنشاط والتعبئة، لولا ان للقدر أحكاماً لا تجري على أقيسة العقول، ولا تسير على رغائب الانفس، فكان الجوّ السياسي في الحاضرة التي تحتفل لاول مرة في تاريخها بتنصيب خليفة، لا يزال راكداً متلبداً مشوباً بشيء كثير من التبليل المريب، وذلك هو ما ورثته الكوفة من مخلّفات الحروب الطاحنة التي كانت على مقربة منها في البصرة والنهروان وصفين. وفي الكوفة يومئذ انصار كثيرون لشهداء هذه الحروب وضحاياها من الفريقين يشاركونهم الرأي، ويتمنون لو يسّر لهم اخذ الثار، ويعملون ما وسعهم العمل لتنفيذ اغراضهم.
ومن هذه الاغراض، الاغراض الصالحة المؤاتية، ومنها الفاسدة المبرقعة الاهداف التي لا تفتأ تخلق ذرائع الخلاف في المجموع.
اما الحسن - وهو في مستهل خلافته - فقد كانت القلوب كلها معه لانه ابن بنت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، ولان من شرط الايمان مودته، ومن شرط البيعة طاعته.
قال ابن كثير: (وأحبوه أشد من حبهم لابيه(٣٨)).
وكان لا يزال بمنجاة من هؤلاء وهؤلاء، ما دام لم يباشر عملاً ايجابياً يصطدم بأهداف البعض، أو يمس الوتر الحساس من عصبيات البعض الآخر. ذلك لان الوسائل التي أصبح يعيش بها الاسلام يومئذ، كانت تخضع في أمثال هؤلاء المسلمين للاهداف الشخصية تارة، وللعصبيات اخرى.
وخيل للكثيرين من اولئك الذين تتحكم فيهم الانانية والنفعية حتى تتجاوز بهم حدود العقيدة، أنهم اذ يبايعون الحسن بالخلافة، انما يتسورّون بهذه البيعة إلى اسناد قضاياهم، وارضاء مطامعهم، عن طريق الخلق الثري الواسع، الذي ألفوه في الحسن بن علي منذ عرفوه بين ظهرانيهم، والذي كان يذكّرهم - دائماً - بخلق جده الأعظم صلى الله عليه وآله، وكانوا يحفظون من صحابة الرسول أن الحسن أشبه آله به خلقاً وخلقاً.
والواقع انهم فهموا هذا الخلق العظيم على غير حقيقته.
وتسابق على مثل هذا الظن كثير من ذوي المبادئ التي لا تتفق والحسن في رأي ولا عقيدة، فبايعوه راغبين، كما يبايعه المخلصون من المؤمنين. ثم كان هؤلاء - بعد قليل من الزمن - أسرع الناس إلى الهزيمة من ميادينه لا يلوون على شيء، ذلك لانهم حين عركوا مواطن طمعهم من ليونة الحسن عليه السلام، وجدوها بعد تسلّمه الحكم واضطلاعه بالمسؤولية، أعنف من زبر الحديد، حتى ان كلاً من أخيه وابن عمه وهما اقرب الناس اليه وأحظاهم منزلة عنده عجز ان يعدل به عن رأي أراده، ثم مضى معتصماً برأيه في غير تكلّف ولا اكتراث.
ولهذا، فلم يكن عجيباً أن تدب روح المعارضة وئيدةً في الجماعات القلقة من هؤلاء الرؤساء والمترئسين في الكوفة، ولم يكن عجيباً ان يعودوا متدرجين إلى سابق سيرتهم مع الامام الراحل الذي (ملأوا قلبه غيظاً وجرّعوه نغب التهمام انفاساً)، وهكذا تنشأت - في هذا الوسط الموبوء - الحزبية الناقمة التي لا تعدم لها نصيراً قوياً في الخارج. وهكذا انبثقت مع هذه الحزبية المشاكل الداخلية بمختلف الوانها.
واستغل هذه المرحلة الدقيقة فئات من النفعيين، تمكنوا ان يخلقوا من أنفسهم همزة وصل بين الكوفة والشام، بما في ذلك من تمرد على الواجب. وخروج على الخلق، وخيانة للعهد الذي فرضته البيعة في أعناقهم.
وقديماً مرن هذا النمط من (أشباه الرجال) على الشغب والقطيعة والنفور، منذ انتقلت الخلافة الاسلامية إلى الحاضرة الجديدة في العراق بما تحمله معها من الصراحة في الحكم والصرامة في العدل. وكان قلق هؤلاء وتبرمهم ونفورهم، نتيجة اليأس من دنيا هذه الخلافة، لانها لم تكن خلافة دنيا ولكن خلافة دين. وعلموا أنها لن تقرهم على ما هم عليه من سماحة التصرفات في الشؤون العامة والاستئثار بالدنيا، وأنها ستأخذ عليهم الطريق دون آمالهم واعمالهم ومختلف تصرفاتهم.
ووجد هؤلاء من نشوء الخلافة الجديدة في الكوفة، ومن استمرار معاوية على الخلاف لها في الشام، ظرفاً مناسباً لبعث النشاط واستئناف أعمال الشغب واستغلال الممكن من المنافع العاجلة، ولو من طريق اللعب على الجانبين، فاما أن يحتلوا من الامارة الجديدة أمكنتهم التي ترضي طموحهم، واما أن يعملوا على الهدم ويتعاونوا على الفساد. وكانت خزائن الشام لا تفتأ تلوح بالمغريات من الاموال والمواعيد، وكانت الاموال والمواعيد أمضى أسلحة الشام في مواقفها من الكوفة على طول الخط.
وهكذا فتَّ في أعضاد كوفة الحسن تقلّب الهوى وتوزّع الرأي وتداعي الخلق وتوقح الخصومة في الكثير الكثير من أهلها.
وكان على هذه الشاكلة من عناصر الكوفة ابان بيعة الحسن عليه السلام أقسام من الناس.
لنا ان نصنّفهم كما يلي:
١ - الحزب الاموي:
واكبر المنتسبين اليه عمرو بن حريث، وعمارة بن الوليد بن عقبة، وحجر بن عمرو، وعمر بن سعد بن ابي وقاص، وأبو بردة بن أبي موسى الاشعري، واسماعيل واسحق ابنا طلحة بن عبيد اللّه، واضرابهم.
وفي هذا الحزب عناصر قوية من ذوي الاتباع والنفوذ، كان لها أثرها فيما نكبت به قضية الحسن من دعاوات ومؤامرات وشقاق.
(فكتبوا إلى معاوية بالسمع والطاعة في السرّ، واستحثوه على المسير نحوهم، وضمنوا له تسليم الحسن اليه عند دنوّهم من عسكره، أو الفتك به(٣٩)).
وفيما يحدثنا المسعودي في تاريخه(٤٠): (أن أكثرهم اخذوا يكاتبونه - يعني معاوية - سراً، ويتبرعون له بالمواعيد، ويتخذون عنده الايادي).
(ودس معاوية إلى عمرو بن حريث والاشعث بن قيس وحجار بن أبجر وشبث بن ربعي دسيسةً، وآثر كل واحد منهم بعين من عيونه، انك اذا قتلت الحسن، فلك مائة الف درهم، وجند من اجناد الشام، وبنت من بناتي. فبلغ الحسن عليه السلام ذلك فاستلأم (لبس اللامة) ولبس درعاً وكفرها، وكان يحترز ولا يتقدم للصلاة بهم الا كذلك، فرماه أحدهم في الصلاة بسهم، فلم يثبت فيه لما عليه من اللامة(٤١)).
ومثلٌ واحد من هذه النصوص يغني عن أمثال كثيرة.
وهكذا كان يعمل هؤلاء عامدين، شر ما يعمله خائن يتحين الفرص، وكانت محاولاتهم اللئيمة، لا تكاد تختفي تحت غمائم الدجل والنفاق، حتى تبدو عارية سافرة في ساعة نداء الواجب.
وهكذا كانوا - على طول الخط - قادة السخط، وأعوان الثورة، وأصابع العدو في البلد.
ومالأهم (الخوارج) على حياكة المؤامرات الخطرة، بحكم ازدواج خطة الفئتين، على مناهضة الخلافة الهاشمية في عهديها الكريمين. ودل على ذلك اشتراك كل من الاشعث بن قيس وشبث بن ربعي فيما يرويه النص الاخير من هذه الامثلة الثلاث، وكان هذان من رؤوس الخوارج في الكوفة.
٢ - الخوارج:
وهم أعداء علي عليه السلام منذ حادثة التحكيم، كما هم اعداء معاوية.
وأقطاب هؤلاء في الكوفة: عبد اللّه بن وهب الراسبي، وشبث بن ربعي، وعبد اللّه بن الكوّاء، والاشعث بن قيس، وشمر بن ذي الجوشن.
وكان الخوارج أكثر اهل الكوفة لجاجة على الحرب، منذ يوم البيعة، وهم الذين شرطوا على الحسن عند بيعتهم له حرب الحالّين الضالّين - أهل الشام -، فقبض الحسن يده عن بيعتهم على الشرط، وأرادها (على السمع والطاعة وعلى أن يحاربوا من حارب ويسالموا من سالم)، فأتوا الحسين أخاه، وقالوا له: (ابسط يدك نبايعك على ما بايعنا عليه أباك يوم بايعناه، وعلى حرب الحالين الضالين أهل الشام). فقال الحسين: (معاذ اللّه أن ابايعكم ما دام الحسن حياً). فانصرفوا إلى الحسن ولم يجدوا بداً من بيعته على شرطه(٤٢)).
أقول: وما من ظاهرة عداء للحسن عليه السلام، فيما اقترحه هؤلاء الخوارج لبيعتهم اياه، ولا في اصرارهم على الحرب، وقد كان في شيعة الحسن من يشاطرهم الالحاح على الحرب، ولكنك سترى فيما تستعرضه من مراحل قضية الحسن عليه السلام، أن الخوارج كانوا أداة الكارثة في أحرج ظروفها. ورأيت فيما مرّ عليك - قريباً - أن زعيمين من زعمائهم ساهما في أفظع مؤامرة أموية في الكوفة.
وللخوارج في دعاوتهم إلى (الخروج) أساليبهم المؤثرة المخيفة، التي كانت تزعزع ايمان كثير من الناس بالشكوك. وكان هذا هو سرّ انتشارهم بعد نكبتهم الحاسمة على شواطئ النهروان.
وكان زياد بن ابيه يصف دعوة الخوارج بقوله: (لكلام هؤلاء أسرع إلى القلوب من النار إلى اليراع(٤٣)). وكان المغيرة بن شعبة يقول فيهم: (انهم لم يقيموا ببلد يومين الا افسدوا كل من خالطهم)(٤٤).
والخارجي يقول الزور ويعتقده الحق، ويفعل المنكر ويظنه المعروف، ويعتمد على اللّه ولا يتصل اليه بسبب مشروع.
وسنعود إلى ذكرهم في مناسبة اخرى عند الكلام على (عناصر الجيش).
٣ - الشكاكون:
ورأينا ذكر هؤلاء فيما عرضه المفيد رحمه الله من عناصر جيش الحسن عليه السلام. والذي يغلب على الظن، أن تسميتهم بالشكاكين ترجع إلى تأثرهم بدعوة الخوارج من دون أن يكونوا منهم، فهم المذبذبون لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
ورأيت المرتضى في أماليه (ج ٣ ص ٩٣) يذكر (الشكاك) استطراداً ويلوّح بكفرهم، وكأنه فهم عنهم التشكيك بأصل الدين.
وكانوا طائفة من سكان الكوفة ومن رعاعها المهزومين، الذين لا نية لهم في خير ولا قدرة لهم على شر، ولكن وجودهم لنفسه كان شراً مستطيراً وعوناً على الفساد وآلة (مسخرة) في أيدي المفسدين.
٤ - الحمراء:
وهم عشرون الفاً من مسلحة الكوفة (كما يحصيهم الطبري في تاريخه). كانوا عند تقسيم الكوفة في السبع الذي وضع فيه أحلافهم من بني عبد القيس، وليسوا منهم، بل ليسوا عرباً، وانما هم المهجّنون من موالٍ وعبيد، ولعل اكثرهم من أبناء السبايا الفارسيات اللائي اخذن في (عين التمر) و(جلولاء) من سنة ١٢ - ١٧ فهم حملة السلاح سنة ٤١ وسنة ٦١ في ازمات الحسن والحسين عليهما السلام في الكوفة (فتأمل).
والحمراء شرطة زياد الذين فعلوا الافاعيل بالشيعة سنة ٥١ وحواليها، وكانوا من اولئك الذين يحسنون الخدمة حين يغريهم السوم، فهم على الاكثر أجناد المتغلبين وسيوف الجبابرة المنتصرين.
وقويت شوكتهم بما استجابوا له من وقايع وفتن في مختلف الميادين التي مرّ عليها تاريخ الكوفة مع القرن الاول. وبلغ من استفحال امرهم في الكوفة أن نسبوها اليهم فقالوا (كوفة الحمراء).
وكان في البصرة مثل ما في الكوفة من هؤلاء المهجَّنين الحمر. وخشي زياد (وكان والي البصرة اذ ذاك) قوّتهم فحاول استئصالهم، ولكن الاحنف بن قيس منعه عما أراد.
ووهم بعض كتّاب العصر، اذ نسب هؤلاء إلى التشيع، أبعد ما يكونون عنه آثاراً ونكالاً بالشيعيين وأئمتهم. ولا ننكر ان يكون فيهم أفراد رأوا التشيّع، ولكن القليل لا يقاس عليه.
وكان إلى جنب هذه العناصر العدوّة في الكوفة (شيعة الحسن) وهم الاكثر عدداً في عاصمة علي عليه السلام، وفي هؤلاء جمهرة من بقايا المهاجرين والانصار، لحقوا علياً إلى الكوفة، وكان لهم من صحبتهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما يفرض لهم المكانة الرفيعة في الناس.
وبرهن رجالات الشيعة في الكوفة على اخلاصهم لاهل البيت عليهم السلام، منذ نودي بالحسن للخلافة، ومنذ نادى - بعد خلافته - بالجهاد، وفي سائر ما استقبله من مراحل. ولو قدّر لهؤلاء الشيعة أن يكونوا - يومئذ - بمنجاة من دسائس المواطنين الآخرين، لكانوا العدّة الكافية لدرء الاخطار التي تعرّضت لها الكوفة من الشام، وكان في هذه المجموعة المباركة من الحيوية والقابلية ما لا يستطيع أحد نكرانه، ونعني بالحيوية القابليات التي تهضم المشاكل وتفهمها، وتعطيها الاهمية المطلوبة في حلولها.
وما ظنك بقيس بن سعد بن عبادة الانصاري وحُجر بن عديّ الكندي، وعمرو بن الحمِقِ الخزاعي، وسعيد بن قيس الهمداني، وحبيب بن مظاهر الاسدي، وعديّ بن حاتم الطائي، والمسيّب بن نجية، وزياد بن صعصعة، وآخرين من هذا الطراز.
اما الطوارئ المستعجلة المعاكسة، والاصابع المأجورة الهدامة، فقد كانت تعمل دائماً، لتغلب هذه القابليات، ولتغيرّ من هذا التقدير.
ولم يخف على الحسن عليه السلام ما كانت تتمخض عن لياليه الحبالى في الجوّ المسحور بشتى النزعات، والمتكهرب بشواجر الفتن والوان الدعاوات. وكان لا بدّ له - وهو في مطلع خلافته - أن يعالن الناس بخطته وأن يصارحهم عن موقفه، وأن يستملي خطته من صميم ظروفه وملابساتها في الداخل والخارج معاً.
وكان معاوية هو العدو (الخارج) الذي يشغل بال الكوفة يما يكيده لها من انواع الكيد، وبما يتمتع به من وسائل القوة والاستقرار في رقعته من بلاد الشام. وما كان معاوية بالعدو الرخيص الذي يجوز للحسن عليه السلام، أن يتغاضى عن أمره، ولا بالذي يأمن غوائله لو تغاضى عنه، وكان الحسن - في حقيقة الواقع - أحرص بشر على سحق معاوية والكيل له بما يستحق، لو أنه وجد إلى ذلك سبيلاً من ظروفه.
واما في (الداخل) فقد كان أشد ما يسترعي اهتمام الامام عليه السلام موقف المعارضة المركزة، القريبة منه مكاناً، والبعيدة عنه روحاً ومعنى وأهدافاً.
ولقد عز عليه أن يكون بين ظهراني عاصمته، ناس من هؤلاء الناس، الذين استأسدت فيهم الغرائز، وأسرفت عليهم المطامع، وتفرقت بهم المذاهب، وأصبحوا لا يعرفون للوفاء معنى، ولا للدين ذمة، ولا للجوار حقاً. نشزوا بأخلاقهم، فاذا بهم آلة مسخرة للانتقاض والغدر والفساد، ينعقون مع كل ناعق ويهيمون في كل واد. ولا يكاد يلتئم معهم ميدان سياسة ولا ميدان حرب. وحسبك من هذا مثار قلق ومظنة شغب وباعث مخاوف مختلفات.
وهكذا كان للعراق - منذ القديم - قابلية غير عادية لهضم المبادئ المختلفة والانتفاضات الثورية العاتية باختلاف المناسبات.
وللحسن في موقفه الممتحن من هذه الظروف، عبقرياته التي كانت على الدوام بشائر ظفرٍ لامع، لولا ما فوجئ به من نكسات مروعات كانت تنزل على موقفه كما ينزل القضاء من السماء.
وتنبأ لكثير من الحوادث قبل وقوعها، وكان يمنعه الاحتياط للوضع، من الاصحار بنبوءته، فيلمح اليها الماحاً. وعلى هذا النسق جاءت كلمته اللبقة الغامضة، التي اقتبسها من الآي الكريم، والتي قصد لها الغموض عن ارادة وعمد، وهي قوله في خطبته الاولى - يوم البيعة -: (اني أرى ما لا ترون).
ترى، هل كان بين يديه يومئذ، الا المهرجانات النشيطة التي دلت قبل كل شيء، على عظيم اخلاص المجتمع لخليفته الجديد؟ فما بال الخليفة الجديد لا يرى منهم الا دون ما يرون؟.
انها النظرة البعيدة التي كانت من خصائص الحسن في سلمه وفي حربه وفي صلحه وفي سائر خطواته مع اعدائه ومع اصدقائه.
وعلى أن الموسوعات التاريخية لم تُعنَ بذكر الامثلة الكثيرة التي يصح اقتباسها كعرض تاريخيّ عن سياسة الحسن، ولا سيما في الدور الاول من عهده القصير، وهو الدور الذي سبق اعلانه الجهاد في الكوفة، فقد كان لنا من النتف الشوارد التي تسقّطناها من سيرته، ما زادنا وثوقاً ببراعته السياسية التي لا مجال للريب فيها. فقد اقتاد الوضع المترنح الذي صحب عهده من اوله إلى آخره، قيادته الحكيمة التي لا يمكن أن تفضلها قيادة اخرى لمثل هذا الوضع.
وليكن من أمثلة سياسته في قيادة ظروفه قبل الحرب ما يلي:
١ - أنه وضع لبيعته صيغةً خاصة، وقبض يده عما أريد معها من قيود، وأرادها هو على السمع والطاعة والحرب لمن حارب والسلم لمن سالم. فكان عند ظن المعجبين ببلاغته الادارية، بما ذكر الحرب ولوح بالسلم فأرضى الفريقين من أحزاب الكوفة - دعاة الحرب، والمعارضين -. وكان لديه من الوضع العام (في كوفته) ما يكفيه نذيراً لاتخاذ مثل هذه الحيطة الحكيمة لوقتٍ ما.
٢ - أنه زاد المقاتلة مائةً مائةً، وكان ذلك أول شيء أحدثه حين الاستخلاف، فتبعه الخلفاء من بعده عليه(٤٥).
وللانعاش في ترفيع مخصصات الجيش سلطانه المحبَّب على النفوس، وله أثره في تأليف العدد الاكبر من الناس للخدمة في الجهاد.
وكانت ظاهرةً تحتمل الاستعداد للحرب، ولكنها - مع ذلك - غير صريحة بالتصميم عليه، ما دامت ظاهرة انعاش في عهدٍ جديد. وهي على هذا الاسلوب، من التصرفات التي تجمع الكلمة ولا تثير خلافاً، في حين أنها استعداد حكيم للمستقبل الذي قد يضطرّه إلى حرب قريبة.
٣ - أنه امر بقتل رجلين كانا يتجسّسان لعدوّه عليه. وهدّد بتنفيذ هذا الحكم روح الشغب التي كان يستجيب لها عناصر كثيرة في المِصرين (الكوفة والبصرة).
قال المفيد رحمه الله: (فلما بلغ معاوية وفاه أمير المؤمنين وبيعة الناس ابنه الحسن، دسّ رجلاً من حمير إلى الكوفة، ورجلاً من بني القين إلى البصرة، ليكتبا اليه بالاخبار، ويفسدا على الحسن الامور. فعرف بذلك الحسن، فأمر باستخراج الحميري من عند لحام بالكوفة، فأخرج، وأمر بضرب عنقه. وكتب إلى البصرة باستخراج القيني من بني سليم، فأخرج وضربت عنقه(٤٦)).
وروى أبو الفرج الاصفهاني نحواً مما ذكره المفيد، ثم قال: (وكتب الحسن إلى معاوية: أما بعد فانت دسست اليَّ الرجال، كأنك تحب اللقاء، لا أشك في ذلك، فتوقعه ان شاء اللّه، وبلغني انك شمتَّ بما لم يشمت به ذوو الحجى (يشير إلى ما تظاهر به معاوية من الفرح بوفاة أمير المؤمنين عليه السلام)، وانما مثَلك في ذلك كما قال الاول:

فانّا ومن قد مات منا لكالذي * * * يروح ويمسي في المبيت ليغتدي
فقل للذي يبغي الخلاف الذي مضى * * * تجهَّز لاخرى مثلها فكأن قَدِ

٤ - تمهّله عن الحرب رغم الحاح الاكثرين ممن حوله على البدار اليها، منذ تسنّمه الحكم في الكوفة.
وسنأتي في (الفصل ٥) الذي ستقرؤه قريباً، على تحليل الموقف السياسي يوم ذاك، وسنرى هناك، أن هذا التمهّل المقصود كان هو التدبير الوحيد في ظرفه.
٥ - استدراجه معاوية من طريق التبادل بالرسائل، إلى نسيان موقفه المتأرجح الذي لم تقو على دعمه الدعاوى الفارغة الكثيرة، فاذا باضمامة من الغلطات هي أجوبة معاوية للحسن وهي التي كشفت للناس معاوية المجهول، ومهدت للحسن معذرته تجاه الرأي العام في حربه لمعاوية، واذا بمعاوية الفريق المغلوب في منطق العقلاء، وان يكن الغالب بعد ذلك في منطق القوة.
ومثلٌ واحدٌ من هذه التدابير اللبقة التي أملى فيها الحسن خطته السياسية في العهد القصير، بين وفاة أبيه عليه السلام وبين تصميمه على الحرب، كاف عن كثير.
التصميم على الحرب
ودل التتبع في مختلف الفترات التاريخية، على أن لانتصار الدين في المجتمع شأناً كبيراً في تدرج الاخلاق. ذلك لان الشعوب تنطبع على غرار قادتها، وتكيّف بأهداف قوانينها. ولو لم يكن للدين الا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتنزيه النفس عن الطمع بالمادة، لكفى.
أما هذا النفر من بقايا الجاهلية، فقد كانوا - كغيرهم من دعاة الطبقية - مطبوعين على المحافظة والتمسك بعادات الآباء والجدود والنظم البالية والاوضاع الظالمة. وكانوا من الدين الجديد خصومه الالداء في ابان دعوته، ثم نظروا اليه كوسيلة إلى الدنيا، ابان اعتناقهم له.
وضاعت تحت ظل هذه النوازع أهداف الدين، وخسر المجتمع تدرّجه إلى الصلاح المنشود، فاذا بالناس عند مطامع الدنيا (والدين لعق على السنتهم يحوطونه ما درّت معائشهم، فاذا محّصوا بالبلاء قلّ الديانون).
ولآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسالتهم التي لا يتراجعون عنها، لانقاذ الناس لا لنفع أنفسهم، ولاقامة حامية الدين لا اقامة عروشهم، وصيانة المعنويات لا صيانة ذاتياتهم.
فاذا كان معاوية لا يزال يعاند هذه الاهداف ويحارب المنادين بها، ثم يظل منفرداً عن المسلمين ببغيه وعدوانه، مأخوذاً بشهوة الحكم مأسوراً بحب الاستئثار في مشاعره ومذاهبه، فَليَسرِ الحسنُ اليه بالمسلمين، وليحاكمه إلى اللّه، وكفى باللّه حكماً.
قال أبو الفرج الاصفهاني: (وكان أول شيء أحدثه الحسن عليه السلام أنه زاد المقاتلة مائة مائة. وقد كان علي عليه السلام فعل ذلك يوم الجمل. وفعله الحسن حال الاستخلاف، فتبعه الخلفاء من بعده في ذلك) قال: (وكتب الحسن عليه السلام إلى معاوية مع حرب بن عبد اللّه الازدي: من الحسن بن علي امير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان. سلام عليك فاني أحمد اليك اللّه الذي لا اله الا هو. أما بعد، فان اللّه جل جلاله بعث محمداً رحمة للعالمين ومنّةً للمؤمنين، وكافة للناس أجمعين، لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين. فبلغ رسالات اللّه، وقام بأمر اللّه، حتى توفاه اللّه غير مقصّر ولا وان، وبعد أن اظهر اللّه به الحق، ومحق به الشرك.
وخصّ به قريشاً خاصة، فقال له: وانه لذكر لك ولقومك. فلما توفي، تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش: نحن قبيلته واسرته وأولياؤه ولا يحل لكم أن تنازعونا سلطان محمد وحقه. فرأت العرب أن القول ما قالت قريش، وأن الحجة في ذلك لهم، على من نازعهم أمر محمد، فأنعمت لهم وسلمّت اليهم.
ثم حاججنا نحن قريشاً، بمثل ما حاججت به العرب، فلم تتصفنا قريش انصاف العرب لها. انهم أخذوا هذا الامر دون العرب بالانصاف والاحتجاج، فلما صرنا - أهل بيت محمد وأولياءهُ - إلى محاجتهم وطلب النصف منهم، باعدونا واستولوا بالاجتماع على ظلمنا ومراغمتنا والعنت منهم لنا. فالموعد اللّه، وهو الولي النصير.
ولقد كنا تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا وسلطان بيتنا. واذ كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الاسلام، أمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون والاحزاب في ذلك مغمزاً يثلمون به، أو يكون لهم بذلك سبب إلى ما أرادوا من افساده.
فاليوم فليتعجب المتعجب من توثبك يا معاوية على أمر لست من أهله، لا بفضل في الدين معروف، ولا اثر في الاسلام محمود. وانت ابن حزب من الاحزاب وابن أعدى قريش لرسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ولكتابه.
والله حسيبك فسترد عليه وتعلم لمن عقبى الدار. وبالله لتلقينَّ عن قليل ربك، ثم ليجزينَّك بما قدمت يداك. وما اللّه بظلام للعبيد.
(ان علياً لما مضى لسبيله رحمة اللّه عليه يوم قبض ويوم منَّ اللّه عليه بالاسلام ويوم يبعث حياً، ولانى المسلمون الامر من بعده. فأسأل اللّه ان لا يؤتينا في الدنيا الزائلة شيئاً ينقصنا به في الآخرة مما عنده من كرامة. وانما حملني على الكتابة اليك، الاعذار فيما بيني وبين اللّه عز وجل في امرك، ولك في ذلك ان فعلته الحظ الجسيم والصلاح للمسلمين.
(فدع التمادي في الباطل، وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي، فانك تعلم أني أحق بهذا الامر منك عند اللّه وعند كل أواب حفيظ، ومن له قلب منيب، واتق اللّه، ودع البغي، واحقن دماء المسلمين، فواللّه مالك خير في أن تلقى اللّه من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه به. وادخل في السلم والطاعة، ولا تنازع الامر أهله ومن هو أحق به منك، ليطفئ اللّه النائرة بذلك ويجمع الكلمة ويصلح ذات البين.
(وان أنت أبيت الا التمادي في غيّك سرتُ اليك بالمسلمين فحاكمتك حتى يحكم اللّه بيننا وهو خير الحاكمين(٤٧)).
ولقد ترى ما ينكشف عنه كتاب الحسن عليه السلام في خواتيمه، من التهديد الصريح بالحرب. وكان لا مناص للحسن من اتباع هذه الطريقة فيما يفضي به إلى معاوية، حين يطلب اليه (أن يدع التمادي في الباطل، وأن يدخل فيما دخل فيه الناس من بيعته) وهي الطريقة السياسية الحكيمة التي يقصد بها اضعاف الخصم عن المقاومة باضعاف عزمه. ثم هو لا يقول له ذلك الا بعد أن يقيم عليه الحجة بما سبق من حجاجهم لقريش.
فدعاه مرشداً، وتوعّده مهدداً، ثم أنذره الحرب صريحاً.
واتبع خطة ابيه معه. وما كان الحسن في ما أحيط به من ظروف، وفي ما مُني به من أعداء، الا ممثّل أبيه حقاً، حتى لكأن قطعة من الزمن كانت من عهد أمير المؤمنين عليه السلام، تأخرت عن حياته فاذا هي عهد ابنه الحسن في الكوفة. وكما كانت الحرب ضرورة لا مفرَّ منها، في عهد الاب الراحل عليه السلام، كانت كذلك ضرورة لا يغني عنها شيء في عهد الابن القائم على الامر.
وكان مما يزين الخلافة الجديدة، أن تزهو في فتوّتها بما تملكه من قوة وسلطان، ولن يتم ذلك الا بأن تضرب على أيدي العابثين، لتبعث الهيبة في النفوس، وتشق طريقها إلى الاستقرار لتقبض على نواصي الامور. فلا عجب اذا جاء كتاب الحسن هذا صريحاً في تهديده، شديداً في وعظه، قوياً في لغته الآمرة الناهية (واتق اللّه ودع البغي واحقن دماء المسلمين، فواللّه ما لك خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه به، وادخل في السلم والطاعة ولا تنازع الامر أهله ومن هو أحق به منك..).
أما الشعار الاموي في الشام، فقد ظل مغاضباً للخلافة الهاشمية في الكوفة، متنمراً على بيعة الحسن تنّمره على بيعة أبيه من قبل. ولم تجد معه الرسائل المناصحة المصارحة، ولا كبحت من جموحه أساليبها الحكيمةَ وحججها الواضحة.
ونحن اذا تصفحنا ما وصل الينا من رسائل الحسن عليه السلام إلى معاوية، لم نجد فيها كلمة تستغرب من مثله، أو تتجاوز حد الحجة التي تنهض بحقه فيما فرضه اللّه من مودة أهل البيت عليهم السلام، وفيما سجله (الكتاب) من الحكم بطهارتهم من الرجس، أو لوّح اليه من ولايتهم على الناس، وبما صح عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم في نصوص الامامة وتعيين الامام، وبالدعوة - اخيراً - إلى الطاعة وحقن الدماء واطفاء النائرة واصلاح ذات البين.
اما رسائل معاوية إلى الحسن، فقد رأيناها تأخذ - على الغالب - بأعراض الموضوع دون جوهرياته، وتفزع في الكثير من مضامينها إلى نبش الدفائن وتأريث النعرات الخطرة بين الاخوان المسلمين.
ومن الحق ان نعترف لمعاوية بسبقه استفزاز (الشعور الطائفي) لاول مرة في تاريخ الاسلام. بما كان يقصد اليه من طريق نبش هذه الدفائن، وتأريث هذه النعرات. فكان بذلك أول داعٍ إلى فصم الوحدة التي بنِي عليها دين التوحيد، والتي هي - بحق - جوهر اصلاحه وسرّ نجاحه بين الاديان.
وكأنّ معاوية حين عجز عن اصطياد المغفلين من الناس، عن طريق نفسه أو عن طريق أبيه (أبي سفيان بن حرب) - ولهذين الطريقين سوابقهما المعروفة لدى المسلمين بأرقامها وتواريخها - رفع عقيرته في رسائله إلى الحسن، باسم أبي بكر وعمر وأبي عبيدة ولوّح فيها بخلاف أهل البيت عليهم السلام على بيعة أبى بكر..
وكانت [رسائل معاوية] بجملتها لا ينقصها في الموضوع الذي ابردت لاجله الا الحجة لاثبات الحق الشرعي - عبر العرش المقدس -. وحتى الشبهة المتخاذلة التي كان يصطنعها لمقارعة علي عليه السلام، في حروبه الطويلة الامد، باسم الثأر لعثمان، قد طويت صفحتها بموت الامام الاول، وها هو ذا تجاه الامام الثاني، الذي كان قد جثم بنفسه على باب دار عثمان يوم مقتله، يدافع الناس عنه، حتى لقد (خضب بالدماء) كما يحدثنا به عامة المؤرخين، ويقول الطقطقي في تاريخه(٤٨): (ان الحسن قاتل عن عثمان قتالاً شديداً، حتى كان يستكتفه وهو يقاتل عنه، ويبذل نفسه دونه..).
كل ذلك وعثمان بالموقف الدقيق الذي كان لا يفتأ يؤلب عليه فيه الآخرون، ويخذله الاقربون(٤٩).
نعم كانت حجة معاوية الوحيدة في رسائله إلى الحسن، ادعاؤه (اني اطول منك ولاية واقدم منك بهذا الامر تجربة واكبر منك سنّاً!(٥٠)) ولا شيء غير ذلك.
ولو كان لدى معاوية من وراء هذه الجمل المتعاطفة، حجة حرية بالقول أو عسية بالقبول، لافضى بها، ولترك النزوع إلى نبش الدفائن وتأريث النعرات.
وليت شعري، أيَّ تجاربك تعني أبا يزيد؟!..
أيوم ضجّت الشام منك إلى عمر حتى قام لشكاويها وقعد، واستقدمك - مع البريد - وكنت أخوف منه من غلامه (يرفأ).؟ أم يوم ضربك بالدرة على رأسك حين دخلت عليه معجباً بملابسك الخضر؟
أم يوم كنت تقتطع الامور من دون عثمان، ثم تقول: (هذا أمر عثمان) كذباً حتى لقد كنت أحد أسباب نكبته؟
أم يوم سعيت برجلك وجيشك تحارب امام زمانك بالسلاح باغياً - غير متحرج ولا متأثم -؟
وهل في هذا القديم (من تجاربك) ما يشعر بالحجة على استحقاقك الولاية أو الاستمرار على مثلها؟. فأين اذاً استحقاق الخلافة يا ترى؟..
وهل في ولاية تتقادم على مثل هذا النسق المجلوب عليه، والقائم على الكذب والبهتان واراقة الدماء، ما يدل على أهلية المقام الديني الرفيع؟.
جمل تتعاطف كما تتعاطف الحجج النواصع، ثم هي لا ترجع في خلاصتها الا إلى معنى واحد، هو التماس الحجة (بطول المدة!).
ولا نعرف في منطق الحق مقياساً يثبت الخلافة بطول المدة أو بكبر السن!!
وقد يكون الرجل أبصر الرجال في شراء ضمائر الناس، أو في تأريث الفتن في الناس، ولكن ذلك لا يعني استحقاق هذا الرجل لنيابة النبوة في الاسلام.
وقد يكون الرجل أقوم الرجال في ضبط أعصابه وفي كبت عواطفه، حتى ليعده الناس من كبار الحلماء، ولكن ذلك ليس دليل الامامة الدينية في الناس، لان الحلم العظيم كما يكون في الامام، يكون في المتزعمين المنافقين.
وقد يكون الرجل في حنكته أقدر الناس على تربيب العقائد وتوجيه الرأي العام إلى الاخذ برأيه الخاص - سواء كان رأيه من رأي اللّه أو من رأي العاطفة - ولكن ذلك لا يعدو بهذا الرجل ان يكون المبتدع في الدين، لا الخليفة على المسلمين. لان الخليفة لا رأي له الا رأي القرآن، ولا سند له الا من الحديث، ولا مرجع له الا إلى اللّه عزّ وجل.
اذاً، فليس الرجل الصالح لملكوت الخلافة الاسلامية، والنيابة عن النبوة في الدين، الا مخلوق من نوادر الخلق، يختاره اللّه من عباده ويصطفيه من جميع خلقه، لمزايا ينفرد بها عن العباد، وفضائل يتميز بها عن الخلق. واللّه سبحانه الذي برأ العباد أعرف بذلك العبد الصالح الذي انفرد بهذه المزايا، وانماز بهاتيك الفضائل. وهو الذي يوحي باسمه إلى نبيه فيختاره من دون غيره. وليس لاحد - بعد ذلك - أن يختار.
اما معاوية فلم يكن له من سوابقه وسوابق أبيه، ولا من كيفية اسلامه واسلام أبيه، ولا من مواقفه مع عمر وعثمان ومع علي عليه السلام ما يزعه عن التطاول إلى ادعاء أعظم المراتب في الاسلام، حتى جاء يقول للحسن ابن رسول اللّه (ص) وقد بايعه المسلمون في آفاق الارض بما فيهم صحابة الرسول وأهل بيته وخاصته وجميع المعنييّن باسلاميتهم: (اني اكبر منك سناً واقدم منك وأطول منك..!!).
وهل تجد في دنيا الحجاج، أبلغ من هذا المنطق في اعلان العجز عن الحجة؟.
وكاتبة ثانيةً، ولكنه حاول في هذه المرة، التهديد بالاغتيال والاغراء بالاقوال، وكأنه عرف الحسن على غير حقيقته، فاَسفّ إلى مثل هذا الاسلوب المبتذل الذي لا يخاطب به مثله، قال:
(اما بعد، فان اللّه يفعل في عباده ما يشاء. لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب، فاحذر ان تكون منيتك على أيدي رعاع من الناس، وايأس من أن تجد فينا غميزة!! ثم الخلافة لك من بعدي، فأنت أولى الناس بها والسلام(٥١)).
وكان جوابه الاخير الذي جبه رسولي الحسن اليه، وهما جندب بن عبد اللّه الازدي والحرث بن سويد التيمي أنه قال لهما: (ارجعا فليس بيني وبينكم الا السيف!(٥٢)).
وهكذا ابتدأ معاوية العدوان، وخرج عامداً على طاعة الخليفة المفروضة طاعته عليه، الخليفة الذي لم يخالف على بيعته أحد من المسلمين غيره وغير جماعته من جند الشام الذين صقل قرائحهم على الخلاف، ورباهم على رأيه، وحبسهم عن الاختلاط بغيرهم، فكانوا حقاً، كما وصفهم صعصعة بن صوحان العبدي حين سأله معاوية عنهم فقال: (أطوع الناس لمخلوق وأعصاهم للخالق، عصاة الجبار وحلفة الاشرار(٥٣)).
ودارت الكوفة دورتها، وهي تستمع إلى تهديد معاوية وتتلقف الاخبار عن زحفه إلى العراق. وارتجزت للحرب على لسان شيعتها البهاليل.
وهكذا جدَّ الجدّ ولا مندوحة لولي الامر على الاستجابة للظرف المفاجئ والنزول على حكم الامر الواقع.
وكان حرب البغاة واجبه الذي يستمده من عقيدته ويستمليه من أعماق مبدئه، ولا استقرار للخلافة دون القضاء على هذا الانقسام الذي يفرضه معاوية على صفوف المسلمين، بثوراته المسلحة في وجه الخلافة الاسلامية قرابة ثلاث سنوات متتاليات، أحوج ما يكون المسلمون فيها إلى الاستقرار والاستعداد.
وكانت حروب الشام منذ تجنّد لها معاوية، أشأم الحروب على الاسلام، واكثرها دماً مهراقاً، وحقاً مضاعاً، واجتراء على الحقايق، وانتصاراً للنزق الطائش، والاهواء الدنيوية الرخيصة.
وان الاسلام بمبادئه الانسانية السامية لم يشرع الحرب الا في سبيل اللّه وابتغاءاً الخير الناس وذياداً عن حياضه، اما نهب الثغور واخافة الآمنين، ومحاربة الشعوب المؤمنة باللّه وبرسوله (لانه يريد أن يتأمّر عليهم) فذلك ما لا تعرفه المبادئ الاسلامية، ولا تعترف بمثله الا الجاهلية الهوجاء. وذلك هو مصدر الصدمات التي مزّقت الكلمة وفرّقت الدين، وفرضت العداوات بين فئات المسلمين.
واستجاب لمعاوية في هذه الحروب (سفهاء طغام) على حد تعبير شبث بن ربعي التميمي حين واجهه في أحدث سنة ٣٦، فاستغل تفسخ أخلاقهم، وأتّجر بفساد أذواقهم، وقذف بهم في لهوات الموت، وكلهم راضٍ مطيع.
وكانت الشنشنة الموروثة في هاشم، أنهم لا يبدأون أحداً قط بقتال. وتجد فيما عهد به الحسن إلى قائده (عبيد اللّه بن عباس) تأييداً صريحاً لهذا الخلق الهاشمي الافضل. وكان للحسن على الخصوص، مواريث شخصية كثيرة من وصايا ودساتير، آثره بها سيد العرب أبوه امير المؤمنين عليه السلام. وكان ابوه كما يحدثنا التاريخ شديد العناية بابنه الحسن (وكان يكرمه اكراماً زائداً ويعظمه ويبجله(٥٤)). وكانت هذه الوصايا، المثل التي لا يقربها الباطل ولا تزيغ عن الصواب على اختلاف موضوعاتها في الدين والدنيا وفي التربية والاخلاق. وكان فيما أوصى به علي الحسن قوله: (لا تدعونَّ إلى مبارزة، فان دُعيت اليها فأجب، فان الداعي اليها باغ. والباغي مصروع).
لذلك كنّا نرى الحسن في ابان بيعته، وفي قوة اندفاع أصحابه للهتاف بالحرب، لا يجيب اليها صريحاً، ولا يعمل لها جادّاً، لانه كان ينظر إلى الحرب نظرته إلى ضرورة بغيضة، يلجأ اليها حين لا حيلة له في اجتنابها، وكان ينتظر تنظيم حرب يضمن لها القوة، أو قوة تضمن له الحرب، وقد حالت الظروف المتأزمة - يومئذ - والذاهبة صعداً في ازماتها بينه وبين ما يريد.
وقد أتينا في الفصل السابق على استكشاف الاوكار التي كان ينتمي اليها المتحزّبون المتحمسون في الكوفة، من أموية، ومحكّمة، وشكاكين، وحمراء. وأشرنا هناك إلى ما كانت تعج به هذه المجتمعات من روح الهدم والتخريب، والوقوف في وجه السياسة القائمة بشتى الاساليب.
وكان كل ذلك - وبعضه كاف - سبب التمهل في الحرب، الامر الذي عورض به الحسن عليه السلام من قبل فئات من أصحابه المناصحين له. وكان للنشاط المؤقت المحدود، الذي غمر الكوفة في أيام البيعة، أثره في اغراء هذه الفئات من الاصحاب، ليظنوا كل شيء ميسراً لخليفتهم الجديد. ولكنها كانت النظرة القصيرة التي لا تمتد إلى ما وراء الستار. ولا تزن في حسابها ما تهدفه هاتيك (الاوكار).
اما الحسن فقد كان ينظر بالبصيرة الواعية إلى أبعد مما ينظرون، ويعرف بالعقل اليقظان من مشاكلهم اكثر مما يعرفون، ويغار - بدينه - على الصالح العام أعنف مما يحسبون.
انه يدرك جيداً دقة الموقف، بما يسيطر عليه من ميوعة الاخلاق، في قسم عظيم ممن معه في جيشه، وممن حوله في كوفته وكان ينتظر لهذا التفسخ الاخلاقي الذي باع الدنيا بالدين، أثره السيئ في ظروف الحرب، لو أنه استبق إلى الحرب قبل أن يضطره الموقف اليها.
ورأى أن في تحمّل قليل من مفاسد هؤلاء كثيراً من الصلاح لسياسته الحاضرة مع ظرفه الخاص.
ورأى ان يعالج الموقف من وجهه الثاني، فترفق بالناس، ولم يتنكّر لاحد من رعيّته ولم يبد له أمراً، وأخذ بسياسة التهدئة واسدال الستار، لئلا يتسع الفتق وتعم الفتنة، وارجأ التصفية إلى وقتها المناسب لها، ليضع الندى في موضعه والسيف على أهله.
وهنا يسبق إلى الذهن استفهام لا يجوز للباحث أن يتجاوزه من دون أن يقف على سرّه. انه كان الاولى برئيس الدولة اذ جوبه من ظروفه بمثل هذا الجوّ المتلبد بالغيوم، أن يعمد إلى الحزم في استئصال الشغب، فيستعمل الشدة ويكشف المؤامرات وينكّل بالخونة ويكيل لهم الجزاء الذي يستحقون. فما الذي حدا بالحسن عليه السلام، إلى العزوف عن طريقة الشدة إلى الرفق أحوج ما يكون موقفه إلى الاول منهما تعجيلاً للاستقرار واستعداداً لمستقبله المهدّد بالحروب؟.
وللجواب على هذا الاستفهام، وجوهه الثلاث التي ستقرؤها في خاتمة الفصل الثامن. ونقول هنا: ان الحسن لو أراد الاخذ بسياسة الشدة - وكانت من أوضح الاساليب التي تتخذ لمثل هذه الظروف - لتعجّل الفتنة عن عمد، ولفتح ميدانه للثورات الداخلية التي لن تكون أقلَّ خطراً على مقدراته من حروب الشام. وكان معاوية العدوّ الذي لا يفتأ يمدّ فكرة الثورة في الكوفة بكل ما اوتي من ثراء أو دهاء.
لذلك كان ما اختاره الحسن هو الاحسن لموقفه الدقيق.
ونقول في الجواب على مقترح بعض نصحائه من أصحابه في تعجيل الحرب حين طلب اليه (بأن يبدأ معاوية بالمسير حتى يقاتله في أرضه وبلاده وعمله(٥٥)): انه لو فعل ذلك لفتح للمعارضين من زعماء الاحزاب في الكوفة وللمتفيهقين من القراء و(أهل الهيأة والقناعة) فيها، منفداً للخلاف عليه لا يعدم الحجة، اذا اريد الاحتجاج به من ناحية (الابتداء بالعدوان) وهي الحجة التي لا يجد كثير من الناس أو من بسطاء الناس الجواب عليها، والتي قد يؤول بها النقاش إلى مجاهرة هذه الجماعات بنكث البيعة علناً، والتخلي عن الحسن جهاراً، ومعنى ذلك التعرض إلى أفظع انشقاق داخلي، له عواقبه ومخاوفه.
ولهذا وذاك آثر الحسن التهدئة متمهلاً بالحرب بادئ ذي بدء.
ثم ارتجل الامر بالجهاد.
وما كان اذ أمر بالجهاد الا مستجيباً للظرف الطارئ الذي لم يكن يحتمل - في نظر الجميع - الا الامر بالجهاد، وذلك حين بادر معاوية إلى العدوان مبتدئاً، وتحلبت أشداقه بالمطامع الاقليمية ولكن في صميم بلاد الاسلام!، فزحف إلى (جسر منبج(٥٦)) باتجاه العراق، وذلك بعد وفاة امير المؤمنين عليه السلام، بقليل من الزمن اختصره اليعقوبي(٥٧) كثيراً فحدّده بثمانية عشر يوماً.
ومن هناك حيث بلغ أعالي الفرات، رفع صوته (بالعواء) الذي حاول أن يجعل منه زئيراً وجلجلة، ليخيف الثغور الآمنة المطمئنة، ولينبّه مرابض الاسود في كوفة الجند فيستدرجها إلى النزال.
ونظر معاوية إلى مصرع علي عليه السلام، كأحسن فرصة للاجراءات الحاسمة بين الكوفة والشام. وكان ذلك هو القرار الاخير الذي تم عليه الاتفاق بينه وبين مشاوريه، الذين كانوا يتحلّقون حوله ليل نهار، وينظمون معه حركة المعارضة للخلافة الهاشمية، بحنكة تشبه الدهاء، أمثال المغيرة بن شعبة، وعمرو بن العاص، ومروان بن الحكم، والوليد بن عتبة، ويزين بن الحر العبسي، ومسلم بن عقبة، والضحاك بن قيس الفهري.
ونجح معاوية في اختيار الظرف المناسب.
ونجح في خلق الشغب المزعج في كوفة الحسن، بما أولاه من عناية بالغة بشراء الضمائر الرخيصة فيها، وبما بثه من جواسيس يتأبطون في رواحهم الوان الاكاذيب، ويتزوّدون في غدوّهم الاخبار والمعلومات، عما يجدّ في الكوفة من تصاميم، وعما يوجد لديها من امكانيات. وكان سلاح معاوية من هذا النوع، أقوى من سلاحه بالرجال والحديد وأشدّ منهما مضاء وأبعد أثراً.
(واستنفر عشائره وجيوشه، فكتب إلى عماله على النواحي التابعة له، بنسخة واحدة، يقول فيها: (فاقبلوا اليَّ حين يأتيكم كتابي هذا بجدكم وجهدكم وحسن عدتكم(٥٨)..).
ومضى الحسن عليه السلام - بدوره - على تصميمه في الاستعداد للجواب على هذا العدوان. فدعا إلى الجهاد، وتألب معه المخلصون من حملة القرآن وقادة الحروب وزهاد الاسلام، أمثال حجر بن عدي الكندي وأبي ايوب الانصاري، وعمرو بن قرضة الانصاري، ويزيد بن قيس الارحبي، وعديّ بن حاتم الطائي، وحبيب بن مظاهر الاسدي، وضرار بن الخطاب، ومعقل بن سنان الاشجعي، ووائل بن حجر الحضرمي [سيد الاقيال]، وهانئ بن عروة المرادي، ورشيد الهجري، وميثم التمار، وبرير بن خضير الهمداني، وحبة العرني، وحذيفة بن أسيد، وسهل بن سعد، والاصبغ بن نباتة، وصعصعة بن صوحان، وابي حجة عمرو بن محصن، وهانئ بن أوس، وقيس بن سعد بن عبادة، وسعيد بن قيس، وعابس بن شبيب، وعبد اللّه بن يحيى الحضرمي، وابراهيم بن مالك الاشتر النخعي، ومسلم بن عوسجة، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وبشير الهمداني، والمسيب بن نجية، وعامر بن واثلة الكناني، وجويرية بن مشهر، وعبد اللّه بن مسمع الهمداني، وقيس بن مسهر الصيداوي، وعبد الرحمن بن عبد اللّه بن شداد الارحبي، وعمارة بن عبد اللّه السلولي، وهانئ بن هانئ السبيعي، وسعيد بن عبد اللّه الحنفي، وكثير بن شهاب، وعبد الرحمن بن جندب الأزدي، وعبد اللّه بن عزيز الكندي، وأبي ثمامة الصائدي، وعباس بن جعدة الجدلي، وعبد الرحمن بن شريح الشيباني، والقعقاع بن عمر، وقيس بن ورقاء، وجندب بن عبد اللّه الازدي، والحرث بن سويد التيمي، وزياد بن صعصعة التيمي، وعبد اللّه بن وال، ومعقل بن قيس الرياحي.
وهؤلاء هم الجناح القويّ في جبهة الحسن عليه السلام. وهم السادة الذين وصفهم الحسن فيما عهد به إلى (عبيد اللّه بن عباس) بأن الرجل منهم يزيد الكتيبة، ووصفهم معاوية في حروب صفين بأن قلوبهم جميعاً كقلب رجل واحد، وقال عنهم: (انهم لا يقتلون حتى يقتلوا أعدادهم). وهم الذين عناهم يومئذ بقوله: (ما ذكرت عيوبهم تحت المغافر بصفين الا لُبس على عقلي). وشهادة العدوّ وأصدق الشهادات مجداً.
وهزّ أعصاب الكوفة في فورة الدعوة إلى الجهاد، تفاؤل عنيف غلب الناس على منازعها، فاذا بالناس يتسابقون إلى صفوفهم بما فيهم العناصر المختلفة التي لا يعهد منها النشاط للدعاوات الخيرة والاعمال الصالحة والمساعي الخالصة للّه عز وجل.
فجمع المعسكر إلى جنب أولئك المخلصين من أنصار الحسن سواداً من الناس غير معروفين، وجماعة من أبناء البيوت المرائين، وجمهوراً من مدخولي النية الذين لا يتفقون معه في رأي، وربَّما لا يكونون الا عين عدوه عليه وعلى أصحابه، وآخرين من الضعفاء الرعاديد الذين اذا أُكرهوا على القتال اتقوه بالفرار، وربما لم يكن لهم من الامل الا أمل الغنائم (وليس أحد منهم يوافق احداً في رأي ولا هوى، مختلفون لا نيّة لهم في خير ولا شر(٥٩)). - وفيهم إلى ذلك، المشاجرات الحزبية التي ستكون في غدها القريب شجرة الشوك في طريق التجهيزات التي تستدعيها ظروف الحرب.
وتخوَّف الحسن - منذ اليوم الاول - نتائج هذا التلوّن المؤسف الذي انتشر في صفوفه، والذي لا يؤمن في عواقبه من الخذلان، وهو ما تشير اليه بعض المصادر(٦٠) صريحاً.
فكان ينظر إلى الجماهير المرتجزة بين يديه للحرب، غير واثق بثباتهم معه، ولا مؤمن باخلاصهم لاهدافه.
وتراءت له من وراء هؤلاء (في الكوفة)، الرؤوس ذوات الوجهين التي يئس من اصلاحها الهدى، أمثال الاشعث بن قيس، وعمرو بن حريث ومعاوية بن خديج، وأبي بردة الاشعري، والمنذر بن الزبير، واسحق بن طلحة، وحجر بن عمرو، ويزيد بن الحارث بن رويم، وشبث بن ربعي، وعمارة بن الوليد، وحبيب بن مسلمة، وعمر بن سعد، ويزيد بن عمير، وحجار بن أبجر، وعروة بن قيس، ومحمد بن عمير، وعبد اللّه بن مسلم بن سعيد، وأسماء بن خارجة، والقعقاع بن الشور الذهلي، وشمر بن ذي الجوشن الضبابي.
وعلم أن له من هؤلاء ليوماً.
وهؤلاء هم الكوفيون الناشزون، الذين كانوا يشرعون الأخلاق لأنفسهم وللناس الذين يماثلونهم - رغم ادّعائهم الإسلام!. وكان الإسلام الذي عمر الأخلاق في النفوس وزخر به النعيم على المسلمين، قد هزمته المادة بين أوساط هذا المجتمع المأفون، فتباعدت بينهم وبينه القربى، وعجزوا عن مسايرته بتعاليمه وتربيته وتثقيفه، فما بايعوا الحسن على السمع والطاعة حتى كانوا عملاء أعدائه على الشغب والعصيان، يرقبون الحوادث، ويتربصون الدوائر، وينتهزون الفرص، ويتآمرون على اخطر الموبقات غير حافلين بعواقبها ولا عارها ولا نارها.
وكان الخطر المتوقع من انخراط هؤلاء في الجيش، أكبر من الخطر المنتظر من أعدائه الذين يصارحونه العداء وجهاً لوجه.
فلمَ لا يتخوّف عاهل الكوفة من الخذلان، ولم لا يتمهل بالحرب ما وسعه التمهّل، وللنتائج الغامضة حكمها الذي يفرض الاناة ويذكّر بالصبر، ويلوّح بالخسران.
ولكنه - وقد دُعي الآن إلى المبارزة - خليق أن يرجع إلى الميراث النفيس الذي يشيع في نفسه من ملكات أبيه العظيم (وكان لا بد للشبل أن ينتهي إلى طبيعة الاسد).
فليرجع إلى وصية أبيه له، وكان مما أوصاه به أبوه: (لا تدعونَّ إلى مبارزة، فان دُعيت لها فأجب، فان الداعي لها باغ..).
وليرجع إلى واجبه الشرعي بما له من ولاية أمر المسلمين، وليس للامام الذي قلده الناس بيعتهم، أن يغضي على الجهر بالمنكر والبغي على الاسلام ما وجد إلى ذلك سبيلاً.
واللّه تعالى شأنه يقول: (فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر اللّه).
ورسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (من دعا إلى نفسه، أو إلى أحد، وعلى الناس امام، فعليه لعنة اللّه فاقتلوه).
اما السبيل إلى ذلك، ولا نعني به الا القوة على انكار المنكر، فقد كان للكوفة من القوى العسكرية في مختلف الثغور الخاضعة لها، ما يؤكد الظن بوجود الكفاية للحرب، رغم الاوضاع الشاذة التي نزع اليها كثير من خونة الكوفيين المواطنين.
وكان للدولة الاسلامية في أواسط القرن الاول، أعظم جيش تحتفل بمثله تلك القطعة من الزمن، لولا أن الالتزام بقاعدة (المرابطة) التي تفرضها حماية الثغور والتي كان من لوازمها توزيع القسم الاكثر من الجيوش الاسلامية على مختلف المواقع البعيدة عن المركز، كان يحول دائماً دون استقدام العدد الكثير من تلك الوحدات للاستعانة به في الحروب القريبة من المركز، ولا سيما مع صعوبة العمليات السوقية بنظامها السابق ووسائطها القديمة المعروفة.
وكان الجيش المقدَّر على الكوفة وحدها. تسعين الفاً أو مائة الف - على اختلاف الروايتين(٦١) -. وكان الجيش المقدَّر على البصرة ثمانين الفاً(٦٢). وهؤلاء هم أهل العطاء في المصرين، أعني الجنود الذين يتقاضون الرواتب من خزينة الدولة. وفي المصرين العسكرّيين - الكوفة والبصرة - مثل هؤلاء عدداً من اتباعهم ومواليهم ومن متطوّعة الجهاد غالباً.
فهذه زهاء ثلاثمائة وخمسين الفاً، هي مقاتلة العراق، فيما يحسب على العراق من القدرة العسكرية، عدا جيوش فارس واليمن والحجاز والمعسكرات الاخرى.
وكان من تحمّس الشيعة للحرب (يوم الحسن)، ومن الحاح الخوارج على حرب الحالّين الضالّين اهل الشام - على حدّ تعبيرهم -، ومن انسياح الناس إلى صفوفهم يوم نجحت دعاوة الدعاة إلى الجهاد في الكوفة. ما يكفي وحده رصيداً للظن بوجود الكفاية بل اليقين بوجودها، لو انهم صدقوا ما عاهدوا اللّه عليه، يوم التقت الفئتان وحميت الصدور واحمَرَّت الحدق.
النفير والقيادة
ونادى منادي الكوفة - الصلاة جامعة -، واجتمع الناس فخرج الحسن عليه السلام، وصعد المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال:
(أما بعد، فان اللّه كتب الجهاد على خلقه وسماه كرها، ثم قال لاهل الجهاد: اصبروا ان اللّه مع الصابرين. فلستم أيها الناس نائلين ما تحبون الا بالصبر على ما تكرهون. انه بلغني أن معاوية بلغه أنا كنا أزمعنا على المسير اليه فتحرك. لذلك اخرجوا رحمكم اللّه إلى معسكركم في النخيلة(٦٣) حتى ننظر وتنظرون، ونرى وترون).
قال مؤرخو الحادثة: (وسكت الناس فلم يتكلم أحد منهم ولا أجابه بحرف).
- ورأى ذلك (عديّ بن حاتم) وكان سيد طيء والزعيم المرموق بسوابقه المجيدة في صحبته للنبيّ والوصيّ معاً (صلى اللّه عليهما) فانتفض انتفاضته المؤمنة الغضبى، ودوّى بصوته الرزين الذي هز الجمع، فاستدارت اليه الوجوه تستوعب مقالته وتعنى بشأنه - وفي الناس كثير ممن عرف لابن حاتم الطائي، تاريخه وسؤدده وثباته على القول الحق - واندفع الزعيم محموم اللهجة قاسي التقريع، يستنكر على الناس سكوتهم، ويستهجن عليهم ظاهرة التخاذل البغيض.
وقال:
(أنا عديّ بن حاتم، ما أقبح هذا المقام!. ألا تجيبون امامكم وابن بنت نبيكم؟. أين خطباء المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة، فاذا جدّ الجد، راوغوا كالثعالب؟. أما تخافون مقت اللّه ولاعيبها وعارها؟).
ثم استقبل الحسن بوجهه فقال:
(أصاب اللّه بك المراشد، وجنّبك المكاره، ووفقك لما يحمد ورده وصدره. وقد سمعنا مقالتك، وانتهينا إلى أمرك، وسمعنا لك، وأطعنا فيما قلت ورأيت).
قال: (وهذا وجهي إلى معسكرنا، فمن أحب أن يوافي فليواف).
ثم خرج من المسجد، ودابته بالباب، فركبها ومضى إلى النخيلة، وأمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه. وكان المثل الاول للمجاهد المطيع، وهو اذ ذاك أول الناس عسكراً(٦٤). وفي طيء الف مقاتل لا يعصون لعديّ أمراً(٦٥).
ونشط - بعده - خطباء آخرون، فكلّموا الحسن بمثل كلام عديّ بن حاتم، فقال لهم الحسن عليه السلام: (رحمكم اللّه مازلت أعرفكم بصدق النية، والوفاء، والمودة. فجزاكم اللّه خيراً).
واستخلف الحسن على الكوفة - ابن عمه - المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وأمره باستحثاث الناس للشخوص اليه في النخيلة.
وخرج هو بمن معه، وكان خروجه لاول يوم من اعلانه الجهاد أبلغ حجة على الناس في سبيل استنفارهم.
وانتظمت كتائب النخيلة خيار الاصحاب من شيعته وشيعة أبيه وآخرين من غيرهم. ونشط المغيرة بن نوفل لاستحثاث الناس إلى الجهاد وكان من المنتظر للعهد الجديد - الذي قوبل بالمهرجانات القوية في اسبوع البيعة، أن لا يتأخر أحد بالكوفة عن النشاط المتحمس لاجابة دعوة الامام. ولكن شيئاً من ذلك لم يقع!. وحتى السرايا الجاهزة التي كان امير المؤمنين عليه السلام قد أعدها للكرة على جنود الشام قبيل وفاته - وكانت تعد اربعين الف مقاتل - قد انفرط عقدها وتمرد أكثرها، وتثاقل معها اكثر حملة السلاح في الكوفة عن الانصياع للامر.
وكان المذبذبون من رؤساء الكوفة، أشدهم نشاطاً في اللحظة الدقيقة التي أزفت فيها ساعة الجدّ.
قالت النصوص التاريخية فيما ترفعه إلى الحارث الهمداني كشاهد عيان: (وركب معه - أي مع الحسن - من أراد الخروج وتخلّف عنه خلق كثير لم يفوا بما قالوا وبما وعدوا، وغرّوه كما غرّوا أمير المؤمنين من قبله.. وعسكر في النخيلة عشرة أيام فلم يحضره الا أربعة آلاف. فرجع إلى الكوفة، ليستنفر الناس، وخطب خطبته التي يقول فيها: قد غررتموني كما غررتم من كان قبلي..(٦٦)).
أقول: ثم لا ندري على التحقيق عدد من انضوى اليه - بعد ذلك - ولكنا علمنا أنه (سار من الكوفة في عسكر عظيم) على حد تعبير ابن ابي الحديد في شرح النهج.
وسنأتي في فصل (عدد الجيش) على غربلة أقوال المؤرخين لاختيار القول الفصل في عدد جنود الحسن عليه السلام.
وغادر النخيلة وبلغ (دير عبد الرحمن) فاقام ثلاثاً، والتحق به عند هذا الموضع مجاهدون آخرون لا نعلم عددهم.
وكان دير عبد الرحمن هذا مفرق الطريق بين معسكري الامام في المدائن(٦٧).
ومَسكِن(٦٨).
وللامام الحسن خطته من هذين المعسكرين.
- اما (المدائن) فكانت رأس الجسر صوب فارس والبلاد المتاخمة لها. وهي بموقعها الجغرافي، النقطة الوحيدة التي تحمي الخطوط الثلاث التي تصل كلاً من الكوفة والبصرة وفارس، بالاخرى. وتقف بقيمتها العسكرية درءاً في وجه الاحداث التي تنذر بها ظروف الحرب. وكانت فارس معرض الانتفاضات الخطرة على الدولة. وكان عليها من قبل الامام (زياد بن عبيد) ولما يطبع - بعدُ - على صفحته المقلوبة التي غيّرت منه كل شيء.
واما (مسكِن) فقد كانت النقطة الحساسة في تاريخ جهاد الحسن (ع) لانها الميدان الذي قدّر له ان يقابل العدوّ وجهاً لوجه. وهي اذ ذاك أقصى الحدود الشمالية للعراق الهاشمي، أو المناطق الخاضعة لحكومة الكوفة من هذه الجهة. وكان في اراضي مسكن مواطن معمورة بالمزارع والسكان وقرى كثيرة مشهورة - منها (أوانا) و(عكبرا) ومنها (العلث) وهي آخر(٦٩) قراها الشمالية، وكان بازائها قرية (الجنوبية) وهي التي انحدر اليها معاوية بجيوشه منذ غادر (جسر منبج). والتقى عندها الجمعان.
والمفهوم ان موقع مسكن اليوم لا يعدو هذه السهول الواسعة الواقعة بين قرية (سميكة) وقرية (بلد) دون سامراء.
ولمسكن طبيعتها الغنية بخيراتها الكثيرة ومشارعها القريبة وسهولها الواسعة، فكانت - على هذا - الموقع المفضّل للنزال والحروب، وكانت لاول مرة في تاريخها ميدان الحسن ومعاوية في زحفهما هذا، ثم تبودلت فيها بعد ذلك وقائع كثيرة بين العراق والشام.
ورأى الحسن عليه السلام أن يتخذ من المدائن - بما لموقعها من الاهمية العسكرية - مقراً لقيادته العليا. ليستقبل عندها نجدات جيوشه من الاقطار الثلاث القريبة منه، ثم ليكون من وراء ميدانه الذي ينازل به معاوية وأهل الشام في (مَسكِن). وليس بين المعسكرين الهاشميين في - المدائن ومسكن - أكثر من خسمة عشر فرسخاً.
وكانت الخطة المثلى التي لا بدل عنها للوضع الحربي الراهن. وهكذا انكشف الحسن في رسم خططه الحربية، عن القائد الملهم الذي يحسن فنون الحرب كما كان يصطلح عليها عصره أفضل احسان. ودلّت خطواته المتدرجة في سبيل مقاومته لعدوه سواء في اختيار الوقت أو في اختيار المواقع أو في تسيير الجيوش، على مواهب عسكرية ممتازة، كانت كفاء ما رزق من مواهب في سياسته وفي اخلاصه وفي تضحيته.
ونظر عن يمينه وعن شماله، وتصفّح - ملياً - الوجوه التي كانت تدور حوله من زعماء شيعته ومن سراة أهل بيته، ليختار منهم قائد (مقدمته) التي صمم على ارسالها إلى مسكن، فلم ير في بقية السيوف من كرام العشيرة وخلاصة الانصار، أكثر اندفاعاً للنصرة ولا اشدَّ تظاهراً بالاخلاص للموقف من ابن عمه (عبيد اللّه(٧٠) بن عباس بن عبد المطلب) و(قيس بن سعد بن عبادة الانصاري) و(سعيد بن قيس الهمداني) - رئيس اليمانية في الكوفة -. فعهد إلى هؤلاء الثلاثة بالقيادة مرتبين.
وكان عبيد اللّه بن عباس احد اولئك المرتجزين للحرب، المستهترين بالحياة، تحفزه الغيرة الدينية، وتلهبه العنعنات القبلية، فاذا هو الفولاذ المصهور في تعصّبه للعرش الهاشمي، وهل هو الا احد سراة الهاشميين، وقديماً قيل: (ليست الثكلى كالمستأجرة). وهو في سوابقه امير الحج سنة ٣٦ (على رواية الاصابة) أو سنة ٣٩ (على رواية الطبري) أو هو امير الحج في السنتين معاً، وهو والي البحرين، وعامل اليمن(٧١) وتوابعها على عهد امير المؤمنين عليه السلام، والجواد المطعام الذي شهد له الحجيج في مكة، ثم هو أسبق الناس دعوة إلى بيعة الحسن يوم بايعه الناس.
فكان - على ذلك - حرياً بهذه الثقة الغالية التي وضعها فيه ابن عمه الامام عليه السلام(٧٢).
ودعاه، فعهد اليه عهده الذي لم يروَ لنا بتمامه، وانما حملت بعض المصادر صورة مختزلة منه. قال فيه:
(يا ابن عم! اني باعث معك اثني عشر الفاً من فرسان العرب وقراء المصر، الرجل منهم يزيد الكتيبة، فسر بهم، وألن لهم جانبك، وابسط لهم وجهك، وافرش لهم جناحك، وأدنهم من مجلسك، فانهم بقية ثقات امير المؤمنين. وسر بهم على شط الفرات، ثم امض، حتى تستقبل بهم معاوية، فان أنت لقيته، فاحتبسه حتى آتيك، فاني على أثرك وشيكاً. وليكن خبرك عندي كل يوم، وشاور هذين - يعني قيس بن سعد وسعيد بن قيس -. واذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك، فان فعل، فقاتله. وإن أُصبت، فقيس بن سعد على الناس، فان اصيب فسعيد بن قيس على الناس).
ولقد ترى أن الإمام الحسن عليه السلام، لم يعن في عهده إلى عبيد اللّه بشيء، عنايته بأصحابه، فمدحهم، وأطرى بسالتهم، وأضافهم إلى أبيه امير المؤمنين عليه السلام. واراد بكل ذلك تغذية معنوياتهم والهاب حماستهم والتأثير على عواطفهم. ثم أمر قائده بأن يلين لهم جانبه ويبسط لهم وجهه ويفرش لهم جناحه ويدنيهم من مجلسه. وحرصت هذه التعاليم على ايثار الثقة المتبادلة بين القائد والجيش. وأحر بهذه الثقة - في حرب تعوزها النظم العسكرية التي نعرفها اليوم - أن تكون أهم عناصر القوّة المرجوّة للايام السود. وجاءت جملاً متعاطفة أربعاً يؤكد بعضها بعضاً، ثم هي لا تعني الا معنى واحداً. ترى فهل لنا أن نستفيد، من هذا القصد العامد إلى التأكيد، أنها كانت تحاول بتكرارها (المؤكد)، استئصال خلق خاص في عبيد اللّه [القائد الجديد]؟. وفي الجيش - معه - أعلام من سراة الناس، ومن ذوي السوابق والذكريات المجيدة، الذين لا يهضمون الخلق المزهوَّ ولا الخشونة الآمرة الناهية في الفتى الهاشمي الذي لا يزيدهم كفاءة، ولا يسبقهم جهاداً، ولا يفضلهم تقوى، ولا يكبرهم سنّاً(٧٣).
وقوله له - بعد ذلك -: (وشاور هذين) دليل آخر على القصد على تذليل خلق صعب، ربما كان يعهده الامام في ابن عمه، وربما كان يخافه كعائق عن النجاح.
أقول: وليس من وجود الخلق المخشوشن في عبيد اللّه - اذا صدق الظن - ما يعيقه عن استحقاق القيادة، وقد استدعته اليها ظروف كثيرة أخرى، على أن بين الخشونة والحياة العسكرية أواصر رحمٍ متينة الحلقات في القديم والحديث.
وفي هذه المناسبة ما يفسح المجال للتساؤل عن الحيثيات التي آثر بها الإمام الحسن عليه السلام عبيد اللّه بن عباس للقيادة على مقدمته، وفي الجيش مثل (قيس بن سعد بن عبادة الانصاري) الرجل المعترف بكفاءاته العسكرية وباخلاصه الصحيح لاهل البيت عليهم السلام وبأمانته.
وللجواب على هذا السؤال، وجوه:
أولها:
أن الحسن حين أراد عبيد اللّه للقيادة على (المقدمة) فرض عليه استشارة كلٍّ من قيس بن سعد وسعيد بن قيس - كما هو صريح عهده اليه - فخرج بذلك من الايثار الذي يؤخذ عليه، اذا كان في هذا الايثار تبعة يخاف منها على مصلحة الموقف. وأصبحت القيادة - على هذا الاسلوب - شورى بين ثلاثة، هم اليق رجاله لها. اما تقديم قيس على صاحبيه وعلى غيرهما من صحابة وزعماء، وايثاره بالقيادة وحده فقد كان - في حينه - مظنّةً لتنافس الاكفاء الآخرين الذين كان يلفهم جناح هذا الجيش. وفي هؤلاء الشخصيات المعروفة في قيادتها الميادين وفي اخلاصها وجهادها وسوابقها، أمثال أبي أيوب الانصاري وحجر بن عديّ الكندي وعدي بن حاتم الطائي وأضرابهم، ممن مرَّ ذكرهم.
لذلك كان تقديم ابن عم الامام، بل ابن عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتعيينه (اسماً) ثم الاستفادة من رأي قيس وصاحبه على الاسلوب الذي ذكرنا، تخلصاً لبقاً، لا ينبغي الخلاف فيه، ولا التنافس عليه.
وثانيها:
انه كان من الاحتياطات الرائعة للوضع العام يوم ذاك، أن لا يكون القائد في جبهة الحسن الا هاشمياً.
وتفسير ذلك، أن سورة التخاذل التي دارت مع قضية الحسن في الكوفة، كانت لا تزال نذيرة تشاؤم كثير في حساب الحسن (ع)، وكان عليه أن يتخذ من التدابير الممكنة كل ما يدفع عنه - في حاضره وفي مستقبله - لوم الناس وتخطئتهم ونقدهم. ومن السهل على الناس أن يتسرعوا إلى التخطئة والنقد متى وجدوا موضعاً للضعف أو منفذاً إلى الفشل والحرمان. وكان من المنتظر ان يقولوا فيما لو فشلت قضية الحسن في مسكن أنه لو كان القائد من أهله لكان أولى من غيره بالصبر على المكاره وتحمل العظائم، ولما آل الامر إلى هذا المآل.
فكان الاستعداد لغوائل الوضع الراهن بتعيين القائد الهاشمي، تدبيراً دقيق الملاحظة.
وثالثها:
أنه لن يكون انسان آخر غير عبيد اللّه بن عباس - لا قيس ولا ابن قيس ولا غيرهما - أشد حنقاً ولا اعنف تألباً على معاوية منه كأبٍ قتل ولداه (الصبيّان) صبراً، فيما أملته فاجعة بسر بن ارطأة يوم غارته على اليمن [والقضية من مشهورات التاريخ].
فكان من الاستغلال المناسب جداً، اختيار هذا القائد الحانق لقتال قاتل ولديه.
ورابعها:
أن جيش (المقدمة) الذي ولي قيادته عبيد اللّه هذا، كان أكثره من بقايا الجيش الذي أعدّه أمير المؤمنين عليه السلام في الكوفة لحرب أجناد الشام، ثم توفي عنه. وكان قيس بن سعد بن عبادة هو قائد(٧٤) ذلك الجيش في زمن أمير المؤمنين (ع) والقائم على مداراته. ولهذه السوابق أثرها في تونيق الروابط الشخصية بين القائد والمقود. وكان من السهل على القائد النافذ في جنوده، أن يجنح - متى شاء - إلى حرية التصرف التي لا تعبّر عن اتصال ايجابي بالمركز الاعلى، وهو ما كان يجب التحفظ منه، كأهم عنصر في الموقف.
وعلى أننا نحترم سيدنا قيساً كما يجب له الاحترام، ولكننا لا ننكر قابلياته الشخصية التي تجوّز عليه هذا اللون من حرية التصرف.
ولا ننسى أنه وقف بين صفوفه - يوم رجعت له قيادة هذا الجيش في مسكن - يخيّرهم بين الالتحاق بالامام على الصلح، وبين الاستمرار على حرب معاوية بلا امام!!..
فأي احتياط كان أحسن من جعل القيادة في غير هذا الرجل وجعله - مع ذلك - المستشار العسكري للاستفادة من كفاءاته ودهائه، وهو ما فعله الإمام الحسن تنفيذاً لافضل الرأيين.
أقول: ولا يضير هذه السياسة، تعيين قيس للخلافة على القيادة بعد عبيد اللّه بن عباس، لانه لن يكون بعد مقتل سلفه في ميادين مَسكِن - كما كان هو المفروض في نصوص العهد - الا رهن التصميم الذي سار عليه سلفه، والذي لا تسمح بتغييره ظروف الحرب القائمة بين الفريقين، ولعله لن يكون - يومئذ - الا رهن توجيه الامام (القائد الاعلى) مباشرة، وقد علمنا - مما سبق - أن الامام وعدَ مقدمته بالالتحاق بها وشيكاً.
وأيّ محذور - بعد هذا - من تعيينه للخلالة على القيادة ما دام مقيداً بتصميم خاص، أو مرتهناً بتسيير الامام واشرافه المباشر.
عدد الجيش
كان في الكوفة من الجيش العامل في أواسط القرن الاول أربعون الفاً، يغزو كلَّ عام منهم عشرة آلاف (وهو ما تنص على ذكره المصادر الموثوقة).
وعلمنا ان أمير المؤمنين علياً عليه السلام كان قد أعدّ للكرّة على جنود الشام أربعين الفاً أو خمسين الفاً - على اختلاف الروايتين - ثم توفي قبل الزحف بها. والمظنون أن الحصة المدورة من الجيش العامل، كانت بعض هذه العدة التي كان أمير المؤمنين قد أعدّها لحرب معاوية.
ثم انقطع بنا العلم عن موقف هذا الجيش أو ذاك من الحسن بن علي عليهما السلام، ابان دعوته إلى الجهاد. وعلمنا من أكثر من مصدر أن المقدمة التي بعث بها الحسن إلى لقاء معاوية في (مسكن) كانت تعدّ اثني عشر الفاً، والمرجّح أنها فلول الجيش الذي مات عنه أمير المؤمنين (ع)، فأجاب الحسن منهم من أجاب وتخلّف الباقي.
ثم علمنا من مصدر آخر أن الكوفة جاشت في صميم تثاقلها يوم الحسن فجنّدت أربعة آلاف(٧٥) اخرى.
فهذه ستة عشر الفاً، قام على اثباتها النص الذي لا يقبل النقاش.
وهناك أرقام اخرى لعدد الجيش، مرّ عليها المؤرخون وتضمنّتها بعض التصريحات ذات الشأن. ولكنها خاضعة في ثبوتها للتمحيص والمناقشة.
وفيما يلي نصوص المصادر التي تشير إلى تلك الارقام على اختلافها نعرضها اولاً بحرفها، ثم نعود أخيراً إلى تدقيقها كما يجب.
١ - قال في البحار (ج ١٠ ص ١١٠):
(ثم وجه (يعني الحسن) اليه (يعني إلى معاوية) قائداً في اربعة آلاف، وكان من كندة، وأمره أن يعسكر بالانبار(٧٦)، ولا يحدث شيئاً حتى يأتيه أمره. فلما توجه إلى الانبار، ونزل بها، وعلم معاوية بذلك، بعث اليه رسلاً، وكتب اليه معهم: انك ان أقبلت اليَّ، اُولّيك بعض كور الشام والجزيرة، غير منفس عليك. وأرسل اليه بخمسمائة الف درهم. فقبض الكندي المال، وقلب على الحسن، وصار إلى معاوية في مائتي رجل من خاصته وأهل بيته. فبلغ ذلك الحسن فقام خطيباً وقال: هذا الكندي توجه إلى معاوية، وغدر بي وبكم، وقد أخبرتكم مرة بعد مرة، انه لا وفاء لكم، أنتم عبيد الدنيا، وأنا موجّه رجلاً آخر مكانه، واني أعلم انه سيفعل بي وبكم، ما فعل صاحبكم، ولا يراقب اللّه فيّ ولا فيكم. فبعث اليه رجلاً من مراد في أربعة آلاف. وتقدم اليه بمشهد من الناس وتوكد عليه، وأخبره أنه سيغدر كما غدر الكندي. فحلف له بالايمان التي لا تقوم لها الجبال انه لا يفعل. فقال الحسن: انه سيغدر. فلما توجه إلى الأنبار، ارسل اليه معاوية رسلاً وكتب اليه بمثل ما كتب إلى صاحبه وبعث اليه بخمسة آلاف (ولعله يريد خمسمائة الف) درهم، ومنّاه أيّ ولاية أحب من كور الشام والجزيرة، فقلب على الحسن، وأخذ طريقه إلى معاوية، ولم يحفظ ما اخذ عليه من عهود..).
ثم ذكر بعد هذا العرض، اتخاذ الحسن النخيلة معسكراً له، ثم خروجه اليها.
٢ - قال ابن أبي الحديد (ج ٤ ص ١٤):
(وخرج الناس، فعسكروا ونشطوا للخروج، وخرج الحسن إلى المعسكر، واستخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب وأمره باستحثاث الناس واشخاصهم اليه. فجعل يستحثهم ويخرجهم حتى يلتئم المعسكر. وسار الحسن في عسكر عظيم وعدة حسنة، حتى نزل دير عبد الرحمن، فأقام به ثلاثاً حتى اجتمع الناس. ثم دعا عبيد اللّه بن العباس بن عبد المطلب، فقال له: يا ابن عم اني باعث معك اثني عشر الفاً من فرسان العرب وقراء المصر..).
٣ - روى الزهري فيما ينقله عنه ابن جرير الطبري (ج ٦ ص ٩٤) قال:
(فخلص معاوية حين فرغ من عبيد اللّه بن عباس والحسن عليه السلام إلى مكايدة رجل هو أهم الناس عنده مكايدة، ومعه أربعون الفاً. وقد نزل معاوية بهم وعمرو وأهل الشام).
٤ - وجاء في كلام المسيب بن نجية فيما عاتب به الإمام الحسن على صلحه مع معاوية (على رواية غير واحد من المؤرخين) - والنص للمدائني(٧٧) كما يحدثنا عنه في شرح النهج (ج ٤ ص ٦) - قال:
(فقال المسيب بن نجية للحسن عليه السلام: ما ينقضي عجبي منك صالحت معاوية ومعك أربعون الفاً!. أو قال: (بايعت) على اختلاف النقول.
٥ - قال ابن الاثير في كامله (ج ٣ ص ٦١):
(كان أمير المؤمنين عليّ قد بايعه اربعون الفاً من عسكره على الموت، لما ظهر ما كان يخبرهم به عن أهل السام. فبينما هو يتجهز للمسير قتل عليه السلام واذا أراد اللّه أمراً فلا مردّ له. فلما قتل وبايع الناس ولده الحسن بلغه مسير معاوية في أهل الشام اليه، فتجهز هو والجيش الذين كانوا بايعوا علياً، وسار عن الكوفة إلى لقاء معاوية - وكان قد نزل مسكن - فوصل الحسن إلى المدائن، وجعل قيس بن عبادة الانصاري على مقدمته في اثني عشر الفاً، وقيل بل كان الحسن قد جعل على مقدمته عبد اللّه(٧٨) بن عباس، فجعل عبد اللّه بن عباس على مقدمته في الطلائع قيس بن سعد بن عبادة..).
اقول: وجرى على مثل هذا الحديث (ابن كثير) والظاهر انه اخذه من الكامل حرفياً.
٦ - كلمة الحسن عليه السلام فيما يرويه عنه المدائني(٧٩) في جواب الرجل الذي قال له: (لقد كنت على النصف فما فعلت؟)، فقال: (أجل ولكني خشيت أن تأتي يوم القيامة سبعون الفاً أو ثمانون الفاً تشخب أوداجهم، كلهم يستعدي اللّه، فيم هريق دمه).
٧ - ما رواه ابن قتيبة الدينوري في الامامة والسياسة (ص ١٥١) قال:
وذكروا انه لما تمت البيعة لمعاوية، وانصرف راجعاً إلى الشام أتاه - يعني أتى الحسن - سليمان بن صرد، وكان غائباً عن الكوفة، وكان سيد اهل العراق ورأسهم، فدخل على الحسن فقال: السلام عليك يا مذلّ المؤمنين! فقال الحسن: وعليك السلام، اجلس للّه ابوك. قال: فجلس سليمان وقال: أما بعد فان تعجّبنا لا ينقضي من بيعتك معاوية، ومعك مائة الف مقاتل من أهل العراق، وكلهم يأخذ العطاء، مع مثلهم من أبنائهم ومواليهم، سوى شيعتك من اهل البصرة واهل الحجاز!!).
أقول: وروى كل من المرتضى في (تنزيه الانبياء)، وابن شهراشوب في (مناقبه) والمجلسي في (البحار) النص الكامل لما دار بين سليمان بن صرد ورفاقه، وبين الحسن عليه السلام. ولم يروِ أحد منهم عن سليمان أو اصحابه فيما عرضوا له من عدد الجيش، أكثر من اربعين الفاً.
فابن قتيبة ينفرد برواية المائة الف عن سليمان، كما ينفرد بالتعبير عن الصلح بلفظ (البيعة)!.
٨ - التصريح الذي فاه به زياد ابن أبيه، يوم كان لا يزال عاملاً للحسن بن علي على فارس، وذلك فيما أجاب به على تهديد معاوية اياه، قال:
(ان ابن آكلة الاكباد، وكهف النفاق، وبقية الاحزاب، كتب يتوعدني ويتهددني، وبيني وبينه، ابنا رسول اللّه في تسعين الفاً (وعلى رواية في سبعين الفاً) واضعي قبائع سيوفهم تحت أذقانهم، لا يلتفت أحدهم حتى يموت. أما واللّه لئن وصل اليَّ ليجدني أحمز ضراباً بالسيف(٨٠)).
المناقشة:
وهكذا توفرت هذه النصوص بمختلف صيغها، على أرقام فرضتها في موضوع عدد الجيش، وتدرّج العدد الكبير فيها من أربعين الفاً إلى ثمانين الفاً فمائة الف.
والواقع أن المراتب الثلاث بجملتها، معرضة للشك وخاضعة للتمحيص، وحتى أدناها. واليك البيان:
اما اولاً:
فالعدد الاعلى (وهو مائة الف أو اكثر، أو تسعون الفاً) فيما يشير اليه زياد ابن أبيه (على رواية اليعقوبي)، أو فيما ينسب إلى سليمان بن صرد (برواية ينفرد بها الدينوري خلافاً لمؤرخين كثيرين) مشكوك فيه من جهات:
أهمها أن كلاً من هذين الزعيمين - سليمان وزياد - كانا غائبين عن بيعة الحسن وجهاد الحسن وكوفة الحسن، طيلة خلافته في الكوفة وكانا قد غادرا مواطنهما في العراق منذ سنتين(٨١). وأيّ قيمة لتصريح غائبٍ لم يشهد الوضع السائد في الكوفة، بما كان يجتاح هذه الحاضرة من تحزّب قويّ وتثاقل لئيم فيما واجهت به امامها وصاحب بيعتها.
وان زياداً وسليمان اذ يفرضان هذه الاعداد من الجيش فانما يقيسان حاضر الكوفة على ماضيها، ويظنان أنها جنّدت مع الحسن ما كانت تجنده مع أبيه امير المؤمنين سنة ٣٧ و٣٨ يوم كان كل منهما لا يزال في الكوفة يساهم بنصيبه من تلك الصفوف. هذا اولاً. واما ثانياً، فقد كان من موقف الرجلين كليهما في اللحظة العاطفية التي اندفعا بها إلى هذا التصريح، ما يبرر لهما الجنوح إلى اسلوب المبالغات، وكانت المبالغة في عدد الجيش تهويلاً قريب التناول من جموح العاطفة الناقمة في سليمان، وهو ينكر على الإمام الحسن عليه السلام الرضا بالصلح، وقريب التناول - كذلك - من سياق التهديد والوعيد في زياد وهو يرد في خطابه على تهديد معاوية.
وبعد هذا كله، فليس في هذين التصريحين ما يصح الركون اليه من احصاء أو تعيين أعداد.
وعلمنا ان سليمان هذا، كان صديق المسيب بن نجية وصاحبه الذي تربطه به وشائج أخرى هي أبعد اثراً من الصداقات الشخصية. وقد مرَّ عليك في النص [رقم ٤] قول المسيّب للحسن في معرض العتاب على الصلح: (ومعك اربعون الفاً). ومن المقطوع عليه أن مثل هذين الصديقين لا يختلفان في قضايا أهل البيت (ع) اختلافهما في هذا التقدير.
اذاً، فما من سبب لشذوذ كلمة ابن صرد، الا كون راويها الدينوري الذي انفرد في قضية الحسن بعدة روايات لم يهضمها التمحيص الصحيح!.
وشاءت المقادير أن لا يفارق الزعيمان الصديقان الدنيا، حتى يأخذا جوابهما - عمليَّاً - عن عتابهما الطائش الذي قابلا به امامهما أبا محمد عليه السلام، فيما أنكرا عليه من الصلح.
فبايعهما على الاخذ بثأر الحسين عليه السلام سنة ٦٥ هجري ثمانية عشر الفاً من أهل الكوفة، ثم لم يكن معهما حين جدّ الجد في ساحة (عين الوردة) غير ثلاثة آلاف ومائة. ومنيا من خذلان الناس بما ذكّرهما بالصميم من قضايا أهل البيت عليهم السلام.
ثم استشهد سليمان والمسيب وهما زعيما حركة التوّابين في عين الوردة، واستشهد معهما - يوم ذاك - أكثر من كان قد انضوى اليها.
واما ثانياً:
فالعدد ثمانون الفاً أو سبعون الفاً، وهو ما تضمنه كلام الحسن في جواب الرجل الذي قال له: (لقد كنت على النصف فما فعلت؟).
وكلام الحسن - في حقيقته - لا يدل على أكثر من عشرين الفاً على أكبر تقدير، وذلك لان الحسن حين يذكر الذين (تشخب أوداجهم يوم القيامة) ثم يتردد في تعيين عددهم بين السبعين والثمانين الفاً، لا يعني جنوده خاصة، وانما يشير بذلك إلى الجيشين المتحاربين جميعاً. وعلمنا ان عدد أهل الشام في زحفهم على الحسن، كان ستين الفاً، فيكون الباقي عدد جيشه الخاص.
وكان تردده في تعيين العدد صريحاً بما أفدناه، لانه لو عنى جيشه دون غيره، لذكره برقمه الذي لا تردّد فيه، وهو أعلم الناس بعدده.
واما ثالثاً:
فالعدد أربعون الفاً، وهو الذي سبق إلى ذكره غير واحد من المؤرخين، وذكره المسيب بن نجية، فيما رويناه عنه في النص الرابع من النصوص الثمانية. ولا كلام لنا على هذا العدد الا من وجهين.
(أحدهما) أنه لا يتفق وكلمة الحسن نفسه التي أشار بها إلى عدد الجيش، وقد عرفت أن كلمته لم تعن أكثر من عشرين الفاً على أكبر تقدير، ولا يتفق وكلمته الاخرى التي وصف بها موقف الناس منه [بالنكول عن القتال(٨٢)]. ومن كان معه أربعون الفاً لم ينكل الناس معه عن القتال، فالعدد اذاً لا يزال معرضاً للشك.
(وثانيهما) أنه عدد أملاه الظن على القائلين به، فرأوا ان امير المؤمنين (ع) كان قد جهَّز لحملته الاخيرة على الشام أربعين الفاً، ثم اخترمت حياته الكريمة ولمّا يزحف بهذا الجيش، فظنوا - اجتهاداً - أن جنود الاب انضافت إلى الابن، وفاتهم أن يقدّروا حيال هذا الظن قيمة التخاذل الذي جوبه به الخليفة الجديد في الكوفة.
وبعد، فأي قيمة للاحصاء مبتنياً على هذه الاخطاء.
وكانت أغرب روايات الموضوع، رواية الزهري التي تشير إلى وجود اربعين الفاً من جيش الحسن، مع قيس بن سعد بن عبادة الانصاري، بعد أن رجعت اليه قيادة المقدمة في (مسكن) بفرار عبيد اللّه ومن معه. ومعنى ذلك ان مقدمة الحسن وحدها كانت قبل حوادث الفرار ثمانية واربعين الف مقاتل!!
وهذا ما لا يصح في التاريخ.
فلم تكن المقدمة الا اثني عشر الفاً، منذ كان عليها عبيد اللّه بن عباس كما هو صريح الفقرة التي تخص العدد فيما عهد به الحسن إلى قائده، حين سرّحه على رأس هذه المقدمة، وصريح نصوص كثيرة للمؤرخين لا يتخللها شك.
وروايات الزهري في قضايا أهل البيت أضعف الروايات، وأشدها ارباكاً لموضوعاتها. وسمه صاحب (دراسات في الاسلام) (ص ١٦) بانه كان (عاملاً مأجوراً للامويين) وكفى.
على اننا اذا حاولنا التصرف في رواية الزهري هذه وأردنا علاج ارباكها المقصود، فأرجعنا الضمير في قوله (وقد نزل معاوية بهم وعمرو واهل الشام) إلى جيش معاوية دون جيش قيس، يكون المعدود حينئذ جنود معاوية التي نزل بها على قيس، وليكن المقصود منهم (اهل العطاء خاصة) وليكن المقصود من (اهل الشام) المتطوعين غير أهل العطاء، ليتم بذلك التوفيق بين روايته هذه، والروايات الاخرى التي تعدّ مقدمة الحسن، والتي تعدّ جنود معاوية.
واما رابعاً:
فالعسكر العظيم، وهو تصريح ابن ابي الحديد فيما وصف به مسير الحسن من النخيلة صوب دير عبد الرحمن في طريقه إلى معسكراته. والكلمة كما ترى، مجملة لا تأبى الانطباق على العدد الذي ذكرناه آنفاً، فان ستة عشر الفاً (عسكر عظيم)، وان أبيت فعشرين الفاً.
واما خامساً:
فرواية البحار، وهي أولى النصوص التي أوردناها في سبيل استيعاب ما روي في الموضوع، وان لهذه الرواية من التناسق في حوادثها المتكرّرة ما يفرض الشك بها فرضاً.
وهي تغفل عند عرضها الحوادث المتشابهة تسمية كل من القائدين - الكندي والمرادي - اللذين تفرض أنهما سبقا عبيد اللّه بن عباس إلى لقاء معاوية وسبقاه إلى الخيانة ايضاً. ولا يعهد في تاريخ قضية من هذا الوزن، اغفال تسمية قائدين في حادثتين من أبشع حوادث الانسان في التاريخ.
ولعل الاغرب من ذلك، ان رواية البحار هذه تشير إلى اصرار الامام على اتهام القائدين قبل بعثهما، ثم تصرّ على ان الامام بعثهما - مع ذلك - إلى لقاء معاوية عالماً بما سيصيران اليه من غدر!!.
وبعض هذا يكفينا عن الاستمرار في نقاش هذه الرواية التي يجب أن نتركها لتعلن هي عن نفسها.
اقول:
ولم نحصل - بعد هذا كله - على محصل في الموضوع الذي أردناه تحت عنوان (عدد الجيش) ولتكن هذه النصوص - على كثرتها - أحد أمثلتنا التي نقدّمها للقارئ عما نكبت به قضية الحسن في التاريخ، من اختلاف كثير واختلاق صريح، ولا بدع في تقرير هذه الحقيقة وتكرارها وتعظيم خطرها وانكارها والتنبيه إلى تبعاتها. فهذه ثمانية نصوص، ليس فيها ما يصبر على النقاش، ولا ما يصح الاعتماد عليه كسند تاريخي.
ولم يبق لدينا الا عدد جيش المقدمة، وهو اثنا عشر الفاً، وعدد المتطوعين بعد ذلك في الكوفة، وهو اربعة آلاف، ثم الفصائل التي تواردت على الحسن في دير عبد الرحمن حين اقام بأزائه ثلاثاً - كما اشير اليه آنفاً - فهذه قرابة عشرين الفاً، هي جيش الحسن عند زحفه إلى معسكريه في مسكن والمدائن.
اما مقاتلة المدائن نفسها، فقد عرفنا انها لم تتخلف - فيما سبق - عن ميادين علي عليه السلام، ومن البعيد جداً ان يعسكر ابنه الحسن بين ظهرانيهم ثم لا يلتحق به القادرون منهم على حمل السلاح.
وهذا ما يؤكد الظن ببلوغ عدد الجيش في كلا المعسكرين العشرين الفاً او يزيد قليلاً.
وهو (العسكر العظيم) الذي عناه ابن ابي الحديد، وهو - ايضاً - العدد الذي يلتقي بتصريح الحسن عليه السلام - الانف الذكر - ولا أحسن من تصريح الحسن دليلاً فيما يخص قضاياه.
ثم لا نعلم ان الحسن عليه السلام، تلقى بعد وجوده في المدائن أيّ نجدة من أيّ جهة.
عناصر الجيش
قال المفيد في الارشاد (١٦٩): (وبعث الحسن حجر بن عديّ فأمر العمال - يعني امراء الاطراف - بالمسير، واستنفر الناس للجهاد، فتثاقلوا عنه، ثم خفوا، وخف معه اخلاط من الناس، بعضهم شيعة له ولابيه، وبعضهم محكّمة يؤثرون قتال معاوية بكل حيلة، وبعضهم أصحاب فتن وطمع بالغنائم، وبعضهم شكّاك، وبعضهم أصحاب عصبية اتبعوا رؤساء قبائلهم لا يرجعون إلى دين..(٨٣)).
اقول: علمنا مما سبق قريباً ان جيش الحسن تألف من زهاء عشرين الفاً، أو يزيد قليلاً، ولكنا لم نعلم بالتفصيل الطريقة التي اتخذت لتأليف هذا الجيش. والمعتقد انها كانت الطريقة البدائية التي لم تدخلها التحسينات المكتسبة بعد ذلك. وهي - اذ ذاك - الطريقة المتبعة في التجمعات الاسلامية مع القرون الاولى في الاسلام، وهي الطريقة التي لا تشترط لقبول الجندي أو لقبول المجاهد أيّ قابليات شخصية، ولا سناً خاصة، ولا تنزع في مناهج تجنيدها إلى الاجبار بمعناه المعروف اليوم. وللمسلم القادر على حمل السلاح وازعه الديني حين يسمع داعي اللّه بالجهاد فاما ان يبعث فيه هذا الوازع، الشعور بالواجب فيتطوع بدمه في سبيل اللّه. واما ان يكون المغلوب على أمره بدوافع الدنيا، فيخمد في نفسه هذا الشعور، ويحرم نصيبه من الاجر ومن الغنيمة اذا قدّر لهذه الحرب الظفر والغنائم.
اما النظم الحديثة المتبعة اليوم في الاجبار على خدمة العلم، ودعوة (مواليد) السنوات المعينة، وفحص القابليات المحدودة، فلم تكن يومئذ ولا هي مما يتفق والتشريع الاسلامي بسعته وسماحته.
وللاسلام اعتداده بصحة حقائقه التي تكفل له بعث الناس إلى الطاعة والانقياد. وليس في عناصر هذا الدين إكراه أحد على الطاعة بالقوة. ولكنه دلّهم على السبيلين وأعان على خيرهما بالهدى (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) وكان هذا هو شعار الاسلام في جميع ما أمر به أو نهى عنه.
وعلى ذلك جرى رؤساء المسلمين فيما دعوا الناس اليه، وفيما حذّروا الناس منه.
وكان لهم عند اعتزامهم الحرب، دعاواتهم الرائعة، في التحريض على الجهاد، وأساليبهم المؤثرة التي لا تتأخر - غالباً - عن اقناع اكبر عدد من المطلوبين إلى حمل السلاح.
فمن ذلك، أنهم كانوا يزيدون في مخصصات أهل العطاء من مقاتلتهم، ويأمرون عمالهم على البلاد فيستنفرون الناس للجهاد، ويبثون السنتهم وخطباءهم وذوي التأثير من رجالهم لبعث الناس إلى التطوع في سبيل اللّه عز وجل.
وفعل الحسن عليه السلام كل ذلك منذ ولي الخلافة في الكوفة، ومنذ أعلن النفير للحرب. وكان من أوليّاته - كما اشير اليه آنفاً -: انه زاد المقاتلة مائة مائة، وبعث حجر بن عديّ إلى عماله يندبهم إلى الجهاد، ونهض معه مناطقته الافذاذ من خطباء الناس أمثال عديّ بن حاتم، ومعقل بن قيس الرياحي، وزياد بن صعصعة التيمي، وقيس بن سعد الانصاري. فأنّبوا الناس(٨٤)، ولاموهم على تثاقلهم، وحرضوهم على اجابة داعي اللّه، ثم تسابقوا بأنفسهم إلى صفوفهم في المعسكر العام، يغلبون الناس عليه.
ونشرت الوية الجهاد في (أسباع الكوفة) وفي مختلف مرافقها العامة، تدعو الناس إلى اللّه عزّ وجل، وتدين بالطاعة لآل محمد عليهم السلام.
وانبعث في الحاضرة المتخاذلة وعي جديد يشبه ان يكون تحسّساً بالواجب، أو استعداداً له.
وكان التثاقل عن الحرب حباً بالعافية أو انصهاراً بدعاوات الشام، قد اخذ حظه من أهل الكوفة وممن حولها.
اما هذا الوعي الجديد الذي يدين لهؤلاء الخطباء المفوَّهين، فلم يلبث أن بعث في كثير من المتثاقلين رغبة، فأثارت الرغبة نشاطاً، فانبثق من النشاط حماس.
ونجحت دعاوة الشيعة إلى حد ما، في اكتساب العدد الاكبر من المتحمسين للحرب، رغم المواقف اللئيمة التي وقفها يومئذ المعارضون في الكوفة (ونشط الناس للخروج إلى معسكرهم(٨٥)).
ونجحت - إلى حد بعيد - في اكتساب الرأي العام، في الكوفة وأسباعها وقبائلها، وفي الضواحي القريبة التي لا تنقطع بمواصلاتها اليومية، عن اسواق الكوفة، وعن مراكز القضاء والادارة فيها.
وكان من براعة خطباء الحسن، انهم أحسنوا استغلال الذهنية المؤاتية في الناس، فبذلوا قصارى امكانياتهم في الدعوة إلى أهل البيت تحت ستار الدعوة للجهاد.
وبحّت حناجر الاولياء، فيما يعرضون من مناقب آل محمد ومثالب أعدائهم. ومرّوا على مختلف نوادي الكوفة وأحيائها وأماكنها العامة، ينبهون الناس إلى المركز الممتاز الذي ينفرد به سيّدا شباب اهل الجنة اللذان لا يعدل بهما أحد من المسلمين، والى الصلابة الدينية المركزة الموروثة في أهل بيت الوحي، والمزايا التي يستأثر بها هذا الفخذ من هاشم في العلم والطهارة والزهد بالدنيا والتضحية في اللّه والعمل لاصلاح الامة ووجوب المودة على المؤمنين.
ثم ذكروا البيعة وما اللّه سائلهم عنه من طاعة اولي الامر ووجوب الوفاء بالميثاق.
وعرضوا في حماستهم إلى الانساب، فاذا هي (مقامة) ظريفة جداً وصادقة جداً ومؤثرة جداً، ملكت الالباب حتى أذهلت وأثارت الاعجاب حتى أدهشت.
ذكروا الحسن ومعاوية فقالوا: أين ابن علي من ابن صخر، وابن فاطمة من ابن هند، وأين من جده رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ممن جده حرب، ومن جدته خديجة ممن جدته فتيلة؟؟.. ولعنوا أخمل الرجلين ذكراً، وألأمهما حسباً، وشرَّهما قديماً وحديثاً، وأقدمهما كفراً ونفاقاً، فعج الناس قائلين آمين آمين. ثم جاءت بعدهم الاجيال، فما استعرض هذه الموازنة الظريفة مسلم من المسلمين، الا سجّل على حسابه (آمين) جديدة.
وعملت هذه الاساليب الحكيمة، والخطب الحماسية البليغة عملها وانتشرت - كما قلنا - القناعة بخذلان الشام والثقة بظفر الكوفة.
وفي الكوفة، وهي الحاضرة الجديدة الجبارة التي طاولت أهم الحواضر الاسلامية الكبرى - يومئذ - أجناس من الجاليات العربية وعير العربية ومن حمراء الناس وصفرائها وممن لم يرضهم الاسلام ولم يُجدهم اعتناقه توجيهاً جديداً، ولا أدباً اسلامياً ظاهراً، الا أن يكونوا قد أنسوا منه وسيلته إلى منافعهم العاجلة. فكان هؤلاء لا يفهمون من الجهاد اذا نودي بالجهاد الا دعوته للمنافع ووسيلته إلى الغنائم. ورأوا من انتشار القناعة بنجاح هذه الحرب، أن الالتحاق بجيش الحسن عليه السلام هو الذريعة المضمونة إلى استعجال المنافع والرجوع بالغنائم، فلم لا يكونون من السابقين الاولين إلى هذا الجهاد؟.
ولعلك تتفق معي الآن، على اكتشاف الحوافز التي اندفعت تحت تأثيرها (الاخلاط المختلفة) من رعاع الناس إلى الالتحاق بجيش الحسن، فاذا باصحاب الفتن، وأصحاب الطمع بالغنائم، وأصحاب العصبيات التي لا ترجع إلى دين، والشكاك ومن اليهم - جنود متطوعون في هذا الجيش، أبعد ما يكونون في طماحهم وفي طباعهم عن أهدافه وغاياته.
ولم يكن ثمة في نظم التجنيد المتبعة في التجمعات الاسلامية يومئذ - كما بينا آنفاً - ما يحول دون قبول هؤلاء كجنود أو كمجاهدين، لان الكفاءة الاسلامية، والقدرة على حمل السلاح، هي كل شيء في حدود قابليات المجاهد المسلم.
واما الخوارج، فيقول المفيد رحمه الله في تعليل التحاقهم بجيش الحسن: (انهم كانوا يؤثرون قتال معاوية بكل حيلة).
ولكنا لا نؤمن بهذا التعليل على اجماله، ولا ننكره على بعض وجوهه وقد يكون ما يقوله المفيد بعض هدفهم، وقد يكون هدفهم شيئاً آخر غير هذا.
وليس فيما نعهده من علاقات (الخوارج) مع الحسن وأبي الحسن عليهما السلام ما يشجعنا على الظن الحسن بهم، وان لنا من دراسة أحداث النهروان ما يزيدنا فيهم ريباً على ريب. واذا صح أنهم انما أرادوا قتال معاوية حين تبعوا الحسن، وأنهم كانوا لا يقصدون بالحسن سوءاً، فأين كانوا عن معاوية قبل ذلك، ولِم لم يتألبوا عليه كما كانوا يتألبون على علي عليه السلام في انتفاضاتهم التي حفظها التأريخ؟..
وكان للخوارج من ذحولهم القريبة العهد، ومن اسلوب دعاوتهم النكراء ما يحفزنا حفزاً إلى سوء الظن بما يهدفون اليه في خروجهم مع الحسن عليه السلام.
وعلمنا من أحوالهم قبل خروجهم لهذه الحرب، أنهم كانوا يداهنون الناس ويجاملون الحسن، بعد وقيعتهم الكافرة بالامام الراحل عليه السلام، يتقون بذلك غوائل الكراهة العامة التي غمرتهم في أعقاب الفاجعة الكبرى.
أفلا يقرب إلى الذهن، أن يكون من جملة أساليب دهائهم الذي اضطروا اليه تحت ضغط الظروف الموقتة، ان يتظاهروا بالتطوع في الجيش كما لو كانوا جنوداً مناصحين، وان يبطنوا من وراء هذا التظاهر مقاصدهم فاذا هم جنود مبادئهم المعروفة بل مبادئهم المبطنة التي لم تعرف لحد الآن.
وكانت فكرة (الخروج) بذرةً خبيثةً انبثقت عن قضية التحكيم بصفين، ومنها سمّوا (المحكّمة)، ورسخت جذور هذه الفكرة كعقيدة مكينة في نفوس هؤلاء، واستطالت بمرور الزمن، فبسقت عليها أشجار أثمرت للمسلمين الواناً من الخطوب والنكبات.
وكان الخوارج على ظاهرتهم المخشوشنة في الدين، قوماً يحسنون المكر كثيراً.
فلم لا يغتنمون ظروف الحرب القائمة بين عدوين كبيرين من اعدائهم؟. ولمَ لا يكونون في غمار هذا الجيش الزاحف من الكوفة يقتنصون الفرص المؤاتية، بين تجهيزات المجاهدين، والحركات السوقية، والمعارك المنتظرة التي ستكون في كثير من أيامها سجالاً - والفرص في الحرب السجال أقرب تناولاً، وأيسر حصولاً، وأفظع مفعولاً، اذا حذق المتآمرون استخدامها -؟.
ولا أريد أن انكر - بهذا - عداوتهم لمعاوية وايثارهم قتاله بكل حيلة كما أفاده شيخنا المفيد رحمه الله. ولكني أرى أَنهم كانوا يرمون من خطتهم إلى غرضين... وما من غرض للخوارج في ثوراتهم ومؤامراتهم الا اقتناص الرؤوس العالية في الاسلام! سواء في العراق أو في مصر أو في الشام. وعشعشت بين ظهراني هؤلاء القوم كوامن الغيلة فغلبت على سائر مناهجهم الاخرى، فمشوا مع الحسن ولكن إلى الفتنة، وحبوا في طريق الجهاد ولكن إلى الفساد. وكانت الطعنة المركزة الجريئة التي (أشوت) الحسن عليه السلام في (مظلم ساباط(٨٦))، هي الحلقة الجهنمية الثانية من سلسلة جرائم هذه العصابة الخطرة في البيت النبوي العظيم.
وكلتا الجريمتين وليدة المؤامرات السرية النشيطة التي حذقها الخوارج الطغام، في مختلف المناسبات.
وشاء اللّه بلطفه أن لا تبلغ طعنة ابن سنان الاسدي(٨٧) من الحسن، ما بلغته بالامس القريب ضربة صاحبه ابن ملجم المرادي من أمير المؤمنين أبي الحسن عليه السلام.
ومثّلت هذه المؤامرة الدنيئة أفظع قطيعة لرسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم من نوعها، بما حاولته من القضاء على الامام الثاني - سبطه الاكبر -. وازدلفت إلى معاوية بالخدمة الفريدة التي لا تفضلها خدمة اخرى لاهدافه، من القوم الذين كان يقال عنهم (انهم انما خرجوا مع الحسن لانهم يؤثرون قتال معاوية بكل حيلة)!!
وهكذا ثبت للامام الحسن بصورة لا تقبل الشك، نيات المحكّمة معه رغم مجاملاتهم الكاذبة له. وكان هو منذ البداية شديد الحذر منهم ولكنه كان يعاملهم - دائماً - على ضغن مكتوم.
وليس أنكى من عدوّ في ثوب صديق. ذلك هو العدو الذي ينافقك ظاهراً، ويحاربك سراً. وأنكى أقسام هذا العدو عدو يحاربك بذحوله وعصبيته كما حاربت الخوارج الحسن بذحولها وعصبيتها.
وهكذا قدّر لجيش الحسن عليه السلام، أن يتخم بالكثرة من هؤلاء واولئك جميعاً، وأن يفقد بهذا التلوّن المنتشر في صفوفه، روحية الجيش المؤمل لربح الوقائع. وأن يبتلي بالصريح والدخيل من كيد العدوين الداخل والخارج، وفي المكانين العراق والشام معاً.
وأحر بجيش يتألف من أمثال هذه العناصر، أن يكون مهدداً لدى كل بادرة بالانقسام على نفسه، والانتقاض على رؤسائه.
ولم يكن الجهاد المقدس - يوماً من الايام - وسيلة لطمع مادي، ولا مجالاً للمؤامرات الشائكة، ولا مظهراً للعصبيات الجاهلية الهزيلة، ولا مسرحاً لتجارب الشكاكين.
و(ازدادت بصيرة الحسن بخذلان القوم له(٨٨))، وتراءى له من خلال ظروفه شبح الخيبة الذي ينتظر هذه الحرب في نهاية مطافها، اذ كانت العدة المدخرة لها، هي هذا الجيش الذي لا يرجى استصلاحه بحال.
وأثر عنه كلمات كثيرة في التعبير عن ضعف ثقته بجيشه.
وكان من أبلغ ما أفضى به في هذا الصدد - مما يناسب موضوع هذا الفصل - خطابه الذي خاطب به جيشه في المدائن.
وقال فيه:
(وكنتم في مسيركم إلى صفين، ودينكم أمام دنياكم. وأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم. وأنتم بين قتيلين، قتيل بصفين تبكون عليه، وقتيل بالنهروان تطلبون(٨٩) بثاره. فأما الباقي فخاذل، واما الباكي فثائر..).
وهذه هي خطبته الوحيدة التي تعرض إلى تقسيم عناصر الجيش من ناحية نزعاته واهوائه في الحرب.
فيشير بالباكي الثائر إلى الكثرة من أصحابه وخاصته، وبالطالب للثأر إلى الخوارج الموجودين في معسكره [وما كان ثأرهم الذي يعنيه الا عنده] ويشير بالخاذل إلى العناصر الاخرى من اصحاب الفتن واتباع المطامع وعبدة الاهواء.
واستطرد التاريخ بين صفحاته أسطراً قاتمة دامية. بما انقاد اليه الاغرار المفتونون من هذه (العناصر)، وبما صبغوا به ميدان الجهاد المقدس - بعد ذلك - من اساليب الغدر، والخلاف، ونقض العهود، والمؤامرات، ونسيان الدين، وخفر الذمام... حتى قد عادت بقية آثار النبوة - متمثلة بالطيبين من آل محمد وبنيه عليهم السلام - نهباً صيح في حجراتها. ولعلنا سنأتي على استطراد صورة من هذه المآسي في محلها المناسب لذكرها من الكتاب.
تتميم:
وبقي علينا ان نستمع هنا إلى ما يدور في خلد كثير من الناس حين يدرسون هذا العرض المؤسف لعناصر جيش الحسن عليه السلام، فيسألون: لماذا فسح الحسن مجاله لهذه العناصر؟ ولماذا تأخر بعد ذلك عن تصفية جيشه بسبيل من هذه السبل التي يفزع اليها رؤساء الجيوش في تصفية جيوشهم بقطع العضو الفاسد، أو بادانته، أو باقصائه على الاقل؟.
ونحن من هذه النقطة بازاء قلب المشكلة وصميمها على الاكثر.
ونقول في الجواب على هذا السؤال:
اولاً:
ان الاسلام كما الغى الطبقات فيما شرعه من شؤون الاجتماع، الغاها في الجهاد ايضاً، فكان على اولياء الامور أن لا يفرقوا في قبولهم الجنود بين سائر طبقات المسلمين، ما دام المتطوع للجندية مدّعياً للاسلام وقادراً على حمل السلاح. ولما لم يكن أحد من هؤلاء (الاخلاط) الذين التحقوا بالحسن، الا مدّعياً للاسلام وقادراً على حمل السلاح، فلا مندوحة للامام - بالنظر إلى صميم التشريع الاسلامي - عن قبوله.
وثانياً:
ان النبي نفسه صلى الله عليه وآله وسلم، وأمير المؤمنين ايضاً، منيا في بعض وقائعهما بمثل هذا الجيش، ولا يؤثر عنهما انهما منعا قبول أمثال هؤلاء الجنود في صفوفهما، ولا طردا أحداً منهم بعد قبوله، مع العلم بأن كلاً منهما، جنى بعد ذلك أضرار وجود هذه العناصر في كل من ميدانيهما.
فقالت السير عن واقعة حنين ما لفظه بحرفه: (رأى بعض المسلمين كثرة جيشهم فأعجبتهم كثرتهم، وقالوا سوف لا نغلب من قلة، ولكن جيش المسلمين كان خليطاً، وبينهم الكثيرون ممن جاء للغنيمة..).
وجاء في حوادث اقفال المسلمين من غزوة بني المصطلق ما يشعر بمثل ذلك.
وقالوا عن حروب علي عليه السلام: (كان جند علي في صفين خليطاً من امم وقبائل شتى، وهو جند مشاكس معاكس لا يرضخ لامر ولا يعمل بنصيحة..).
وقال معاوية - فيما يحكيه البيهقي في (المحاسن والمساوئ): (وكان - يعني علياً عليه السلام - في أخبث جيش وأشدهم خلافاً، وكنت في أطوع جند واقلهم خلافاً).
اقول: وما على الحسن الا أن يسير بسنة جده وبسيرة أبيه، ومن الحيف أن يطالب بأكثر مما اتى به جده وأبوه، وكفى بهما اسوة حسنة وقدوة صالحة.
وكان التحرّج في الدين والالتزام بحرفية الاسلام يقيدان الحسن في كل حركة وسكون، ولكنهما لا يقيدان خصومه فيما يفعلون أو يتركون، ولولا ذلك لرأيت تاريخ هذه الحقبة من الزمن تكتب على غير ما تقرأه اليوم.
وثالثاً:
فان معالجة الوضع بما يرجع اليه رؤساء الجيوش في تنقية جيوشهم بالقتل، أو بالافصاء، أو بالادانة، كان في مثل ظروف الحسن تعجلاً للنكبة قبل أوانها - كما ألمحنا اليه في غمار الفصل الرابع - وسبباً مباشراً لاثارة الشقاق واعلان الخلاف ورفع راية العصيان في نصف جيشه على أقل تقدير ومعنى ذلك القصد إلى اشعال نار الثورة في صميم الجيش. ومعنى هذا ان ينقلب الجهاد المقدس إلى حرب داخلية شعواء، هي أقصى ما كان يتمناه معاوية في موقفه من الحسن وأصحابه، وهي أقصى ما يحذره الحسن في موقفه من معاوية وأحابيله.
وشيء آخر:
هو أن الحسن عليه السلام، لم يكن له من عهده القصير الذي احتوشته فيه النكبات بشتى ألوانها، مجال للعمل على استصلاح هذه الالوان من الناس، وجمعهم على رأي واحد. بل ان ذلك لم يكن - في وقته - من مقدور أحد الا اللّه عزّ وجل، ذلك لان الصلاح في الاخلاق ليس مما يمكن تزريقه في الزمن القليل، وانما هو تهذيب الدين وصقال الدهر الطويل، ولان التيارات المعاكسة التي طلعت على ذلك الجيل بأنواع المغريات، حالت دون امكان الاصلاح وجمع الاهواء، الا من طريق المطامع نفسها، وكان معنى ذلك معالجة الداء بالداء، وكان من دون هذه الاساليب في عرف الحسن حاجز من أمر اللّه.
عبدالله بن عباس
اما ذلك القائد الملتهب بالحماسة للحرب، والموتور من معاوية بابنيه المقتولين صبراً في اليمن، فقد كان منذ انفصل بجيشه من دير عبد الرحمن، لا ينفك يتسقط أخبار الكوفة، وانه ليعهد في الكوفة دعاوتها الشيعية السائرة على وتيرتها المحببة، والذاهبة صعداً في نشاطها والتي كان ينتظر من تعبئتها النجدات التي يجب أن لا تنقطع عنه.
ونمى اليه، وقد انتهى إلى (مسكن) وهي النقطة التي التقى عندها الجيشان المتحاربان، أن الدعاوات النشيطة البارعة في أسباع الكوفة لم تئمر شيئاً جديداً، الا ان تكون بعض الفصائل من مقاتلة الاطراف أو من متطوعة المدائن نفسها، قد التحقت بمعسكرها هناك.
وبلغه أن المناورات العدوة التي كان يقودها بعض الزعماء الكوفيين هي التي أحبطت المساعي الكثيرة لرجالات الشيعة، وهي التي عرقلت النفير العام بنطاقه الواسع الذي كان ينتظر نتيجة لذلك النشاط المحسوس.
ولم يكن عجيباً، ان تغيظ هذه الانباء عبيد اللّه بن العباس فتملأ اهابه ثورة على الوضع وحنقاً على الناس.
وكان عليه كقائد جيش ضعف أمله بالنجدات القريبة التي كان يعلق عليها أروع آماله، أن ينتفع من هذا الدرس الذي أملته عليه ظروف الكوفة، وأن يرجع إلى قواته هذه فيوازن بها قوات عدوه التي تنازله وجهاً لوجه، والتي علم أنها لا تقلّ عن ستين الفاً من أجناد الشام المعروفين بالطاعة العمياء لأمرائهم وقوادهم.
ولم يكن التفاوت بالعدد مما يستفزه كثيراً، ولكنه كان شديد العناية بالمزايا المعنوية التي يتحلى بها جنود الفريقين. وكان القائد الحريص على روحية جيشه التي هي كل ما يدخره للقاء عدوه.
ولاح له في سبيل موازنته، اشتراك (الاخلاط) من العناصر المختلفة في جيشه. وانه ليستقبل حرباً لن تجدي فيها غير الكثرة المخلصة من المحاربين الاشداء، فما شأن الجماعات التي لم تفهم الجهاد الا كوسيلة للغنائم.
وتشاءم عبيد اللّه بن عباس، منذ الساعة الاولى التي يمم بها معسكره في (مسكن)، تشاؤماً كان له أثره في المراحل القريبة مما استقبله من خطوات.
وكان أنكى ما يخافه على مقدّرات جيشه، أن تتسرب إلى صفوفه أخبار التعبئة الفاشلة في الكوفة، أو أن تحبو اليه أحابيل معاوية بما تحمله من أكاذيب ومواعيد، وهاهم أولاء وقد جمعهم صعيد واحد ومشارع واحدة واظلتهم سماء مسكن جميعاً، وماذا يؤمنه من أن يكون مع جنوده أو من جنوده انفسهم من هو بريد معاوية في الافساد عليه وعلى الامام. وكانت أسلحة معاوية (الباردة) أروع أسلحته في هذا الميدان بل في سائر ميادينه.
وصدق ظن عبيد اللّه.
فاذا بباكورة دسائس معاوية تشق طريقها إلى معسكر مسكن، وفي هذا المعسكر من أصحاب الحسن مخلصون ومنافقون، وآخرون يؤثرون العافية ويتمنون لو صدقت الشائعة الجديدة، وكانت الشائعة الكاذبة (أن الحسن يكاتب معاوية على الصلح، فَلمَ تقتلون انفسكم(٩٠)).
ولم يُجدِ ابن عباس أن يعلم هو وخاصته كذب الشائعة، واصطدامها بالواقع الذي لا يقبل الشك، لان الحسن الذي لا يزال يشمّر للحرب في رسله إلى الاطراف، وفي رسائله إلى معاوية، وفي خطبه بالكوفة، لن يكتب في صلح ولن ينزل عن رأي ارتآه.
ولكنها كانت أحبولة الشيطان الرائعة الصنع.
وارتفعت أصوات المخلصين من الانصار، تدعو الناس إلى الهدوء، وتستمهلهم ريثما يصل بريد المدائن، ولكنها كانت صيحات في واد، ونفخات في رماد، واجتاح الموقف ارتباك مؤسف لا يناسب ساحة قتال.
وتخاذل عبيد اللّه للخدعة الخبيثة التي أصابت المحزَّ من موقفه الدقيق.
فخلا بنفسه، وانقبع تحت سماء خيمته البعيدة عن ضوضاء الناس. ورأى ان قيادته هذه ستطوح بمكانته العسكرية إلى أبعد الحدود، فثار لسمعته وحديث الناس عنه، وندم على قبولها. وكان من دفعات الحدّة التي طبع عليها، أن لعن الظروف التي عاكسته في رحلته العسكرية هذه والظروف التي خلقت منه قائدا على هذه الجبهة. ثم انطوى على نفسه تحت كابوس من القلق وحب الذات لا يدري ماذا يصنع.
ورأى اخيراً [وكان المخرج الذي بلغته قصارى براعته] أن يتقدم باستقالته، نزولاً على حكم ملكاته الانانية التي كان يستكين لها راغباً عامداً. وما يدرينا، فربما لم يكن له من القابليات الشخصية ما يمكنه من محاسبة نفسه والتفكير في اصلاح ما يمر به من اخطاء أو ما يفجؤه من نكبات.
وكان عليه - وقد صمم على الاستقالة - أن يترك مقر القيادة إلى مصيرها الذي لا يعدو رأي الامام، أو يتخلى عنها لخليفته وهو (قيس بن سعد بن عبادة الانصاري).
ولكنه فطن - ولما يغادر فسطاطه المترفع الذي كان يقع على جانب بعيد من مضارب جنوده، والذي شهد وحده ثورة القائد المتخاذل، وسمع وحده تمتمته الناقمة، وكفرانه الايادى البيض التي استوعب بها مدى جيلين من بني عمه المطهَّرين - فطن، إلى أن الاستقالة من عمل ما، لا تستكمل شرائطها في التشريع الاسلامي، الا بالاعتراف صريحا (بالاعجز). ولم يكن الفتى الاناني بالذي يفرّط بشخصيته فيعرضها لسخرية الناس. ورجع إلى نفسه من جديد، ليلتمس المخرج الذي لا يضطره إلى مثل هذا الاعتراف.
وكانت رسائل معاوية التي وصلته ليلته هذه والتي خفي عليه أنه تسلمها من يد البريد الذي نشر الشائعة السوداء في معسكره صباحا، هي الاخرى لا تزال تعنّ له بمغرياتها الجبارة، كلما أدار رأسه في تفكير أو تدبير. وأذهله حين ذكر رسائل معاوية، الفارق الهائل بين الحلم الجميل المموّه بالذهب، وبين الحقيقة المرة، فشلّ تفكيره وشعوره ولم يهتد إلى الرأي الذي يناسبه كزعيم هاشمي ينازل أصلب عدو للهاشمية في ميدان موت أو حياة.
انه كان بامكانه أن يستقيل وأن يعترف بالعجز غير متلكىء ولا حيران ثم ينتزع معذرته لسمعته وكرامته، من الاخفاق المحقق الذي كان ينتظر القائد الثاني، الذي سيستسلم قيادته في ظرف لا يستقيم معه ميدان حرب.
وكان بامكانه أن يتجلد في موقفه، فيتوعد المشاغبين، ويأخذ بالحزم المصطنع الذي يكون ظاهره العنف وباطنه التوجيه، بلون من الاوان هذه المناورات الادارية التي كان ينبغي له أن يجيدها كما يجيدها امثاله من رؤساء الناس، ويتريث قليلا، ثم ينتظر تعاليمه الاخيرة من ناحية الامام، ويكون - عند ذلك - المعذور في دينه وفي سمعته معا.
أما ان يتنازل من شموخه كقائد في معسكر امام، فيساوم رسل معاوية على أجر الهزيمة، فلا ولا كرامة!!!؟
وكانت رسالة معاوية اليه، تضرب على وتره الحساس من ناحية حبه للتعاظم وتطلعه إلى السبق، فيقول له فيها: (ان الحسن سيضطر(٩١) إلى الصلح، وخير لك أن تكون متبوعا ولا تكون تابعا(٩٢)..) وجعل له فيها الف الف درهم(٩٣).
وكان معاوية أحرص بشر على استغلال مآزق أعدائه.
(وكان ايمان معاوية بالسفالة البشرية، ايمانا لا حدّ له. وهو ايمان يقوم على الاعتقاد بأنَّ أقوم الناس خلقا، وأشدهم عزما، وأنقاهم فضيلة، قد تستغويه الاطماع ويذله الحرص، في ساعة من ساعات الضعف الذي يطرأ على النفوس، وفترة من فترات الشك الذي لا ينفك عن مطاردة الناس، ولا يسلم من غوائله أفاضل الناس وأعالي البشرية(٩٤)).
وكان فيما حذر به أمير المؤمنين عليه السلام زيادا، أن قال له: (و ان معاوية يأتي الانسان من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله. فاحذر ثم احذر(٩٥)).
وهكذا صرع الشعور بالخيبة، والاستسلام للطمع، الفتى الاصيل. فاذا هو من أبشع صور الخيانة المفضوحة والضعف المخذول.
فلا الدين، ولا الوتر، ولا العنعنات القبلية، ولا الرحم الماسة من رسول الله صلى الله عليه اله ومن قائده الاعلى، ولا الميثاق الذي واثق الله عليه في البيعة منذ كان أول من دعا الناس إلى بيعة الحسن في مسجد الكوفة، ولا الخوف من حديث الناس ونقمة التاريخ - بالذي منعه عن الانحدار إلى هذا المنحدر السحيق.
ودخل حمى معاوية ليلا، دخول المنهزم المخذول الذي يعلم في نفسه أي اثم عظيم أتاه.
ثم شاح عنه التاريخ بوجهه، فلم يذكره الا في قائمته السوداء. وكان ذلك جزاء الخائنين، الذين يحفرون أجداثهم بايديهم، ثم يموتون عامدين، قبل أن يموتوا مرغمين.
وخلقت هزيمة عبيدالله بن عباس في (مسكن) جوا من التشاؤم الذريع، لم يقتصر أثره على مسكن، ولكنه تجاوزها إلى (المدائن) ايضا. فكانت النكبة الفاقرة بكل معانيها.
وللمسؤوليات الهائلة التي تدرّج اليها الموقف بعد هذه النكبة، ما يحمله عبيدالله أمام الله وأمام التاريخ.
وتسلم قيادة المقدمة بعد فرار قائدها الاول، صاحبها الشرعي الذي سبق للامام تعيينه للقيادة بعد عبيدالله، وهو (قيس بن سعد بن عبادة الانصارى) العقيدة المصهورة، والدهاء المعترف به في تاريخ العرب، والشخصية الممتازة من بقايا أصحاب(٩٦) علي عليه السلام. شب مع الجهاد، واستمر على الدرب اللاحب. وأنكر على الاخرين ضعفهم حين ضعفوا، ونقم عليهم استجابتهم للمغريات وعزوفهم عن الواجب.
وما ان دان له المعسكر في مسكن حتى وقف بين صفوفه المتباقية - بعد حوادث الفرار - ليودع سلفه بما هو أهله، ثم ليبدأ عمله في قيادته الجديدة، فيدارى ما أحدثته هذه الرجة العنيفة في معنويات جيشه.
فقال:
(أيها الناس لا يهولنكم ولا يعظمّن عليكم، ما صنع هذا الرجل المولّه. ان هذا وأباه أخاه، لم يأتو بيوم خير قط. أن أباه عم رسول الله خرج يقاتله ببدر، فأسره أبو اليسر كعب بن عمرو الانصارى، فاتى به رسول الله، فأخذ فداءه، فقسمه بين المسلمين. وأن اخاه ولاه علي على البصرة، فسرق ماله ومال المسلمين. فاشترى به الجواري، وزعم أن ذلك له حلال. وان هذا ولاه علي على اليمن، فهرب من بسر بن أرطأة، وترك ولده حتى قتلوا، وصنع الان هذا الذى صنع(٩٧)).
وكان قيس الخطيب المؤثر فيما يقصد اليه من تأثير، ولا سيما اذا اندفع بعاطفة مشبوبة، كعاطفته عند موقفه الاخير.
وكان من تأثيره على سامعيه، فيما ثلب به عبيدالله بن عباس أن (تنادى الناس: الحمدلله الذي أخرجه من بيننا!!(٩٨)).
أقول: وهكذا كانت التجارب مفاتيح الرجال كما يقول المثل العربي.
بداية النهاية
وجاء إلى الحسن عليه السلام بريد مسكن - لاول مرة - وأذا بكتاب قيس بن سعد وهو يقول:
(انهم نازلوا معاوية بقرية يقال لها (الجنوبية) بازاء (مسكن) وان معاوية أرسل إلى عبيدالله بن العباس، يرغبه في المصير اليه، وضمن له الف الف درهم. يعجل له منها النصف، ويعطيه النصف الاخر عند دخوله الكوفة. فانسل عبيدالله في الليل، إلى معسكر معاوية في خاصته، واصبح الناس قد فقدوا اميرهم، فصلى بهم قيس بن سعد ونظر في امورهم(٩٩)).
والكتاب في فقرته الاولى، يشعرنا بان عبيدالله بن عباس لم يراسل(١٠٠) الحسن منذ نزل بجيشه عند مسكن.
ولا ادري هل في انقطاع اتصال احد القواد عن المركز الاعلى ما يدل على سبق اصرار على التمرد؟. على اننا لا نعلم على التحقيق الفواصل الزمانية التي تتسع للمراسلات بين نزوله مسكن وبين هروبه إلى معاوية.
وتتابعت أخبار مسكن مع كتاب قيس وبعده (واخبار السوء اسرع الاخبار بدارا وأكثرها انتشارا)، فبلغ الحسن أن هذه (الخاصة) التي ورد ذكرها في كتاب قيس، والتي سمتها المصادر الاخرى (اهل الشرف والبيوتات) أو (الوجوه وأهل البيوت)، كانت شريكة عبيدالله في تدبير خطة الخيانة وعلم ايضا ان بعض هؤلاء سبق عبيدالله إلى الهزيمة - وتطرفت بعض الانباء فأوغلت في النكاية بعبيدالله حتى قالت (انه مرّ بالراية(١٠١)).
وهيأت هذه الحركة العدوة جواً لتمردٍ خبيث، نشبت عدواه في قوافل اخرى من اجيش، فنشطوا للفرار وهم يحسبون ان في اتباع اهل الشرف والبيوتات مغنما يخسرونه اذا تخلفوا عنهم.
وعمل معاوية اكثر ما يمكن ان يعمل لاثارة هذا التمرد، ثم لتغذيته بعد اثارته ثم لتوسعته بعد تغذيته، وكان العارف بنفسيات ابناء البيوت الرعاديد، الذين غلبهم الترف وانستهم النعمة الوارفة عنعناتهم العربية العنود، فكان لا ينفك يتوقع انزلاقهم اليه، ويتوسل اليهم بمختلف الوسائل وانواع الكيد، حتى لقد نجح في استذلال شموخهم عن طريق المطامع المادية التي تطامن لسحرها كبيرهم المغرور، فنزل يهرول امامهم، إلى الهوة التي لا يختارها شريف يعتز بشرفه، ولا قائد يغار على سمعته.
وهكذا (جعل اصحاب الحسن الذين وجههم مع عبيدالله يتسللون إلى معاوية، الوجوه وأهل البيوتات(١٠٢)) وأتباعهم طبعا.
ثم صعد عدد الفارين من الزحف، عن طريق الخيانة لله ولرسوله ولابن رسوله، إلى ثمانية الاف!! [كما يحدثنا أحمد بن يعقوب في تاريخه].
قال:
(انه - يعني معاوية - أرسل إلى عبيدالله بن عباس، وجعل له الف الف درهم، نصار اليه في ثمانية الاف من اصحابه، واقام قيس بن سعد على محاربته(١٠٣)).
نعم، ثمانية الاف من اثني عشر الفا!..
انها الثغرة المخيفة في جدار المعسكر الواقف في جبهة القتال أمام ستين الفا من الاعداء الاشداء، لا، بل انه الانهيار المخيف، والنكبة التي تهدد بالكارثة القريبة.
فليتحمل عبيدالله مسؤوليتها الثقيلة في الله، وفي التاريخ!!.
وظن هؤلاء المتسرعون إلى الفتنة، والراكضون بكل اعصابهم إلى الهزيمة، انهم اذا عملو مثل العمل الذي أتاه ابن عم الخليفة واولى الناس برعاية حقه والوفاء ببيعته فانهم غير ملومين، واصطلحوا على مثل هذا المنطق المفلوج لتبرير عملهم أمام الناس، ولكن الناس لم ينظروا إلى هزيمتهم الا من ناحية اطارها المموّه بالذهب الوهّاج، ذهب معاوية (الزائف)، ثم لم يشهدوا من أمجاد (ابناء البيوتات) الا سبقهم لنقض المواثيق التي واثقوا الله عليها، وبيعهم الدنيا بالدين.
وما كان بالقوم - وهم يفرون من ميادين الحسن - أنهم ينكرون فضله ومزاياه، أو يجهلون سمسموه وكفاءاته، ولكنهم كانوا يريدونه لدنياهم ثم لا يجدونه حيث يريدون.
وما كان بهم - وهم يفرون إلى معاوية - أنهم وثقوا به وبمواعيده، وانهم لم يقدروا العاقبة التي قابلهم بها يوم دخل الكوفة فنقض كل عهد ووعد. وما معاوية بالرجل الذي يخفي أمره، ولا هم من الطبقة الذين يجهلون امثاله وهو اذ ذاك بين سمعهم وبصرهم.
اذاً، فلا بغض الحسن ولا جهلهم له، ولا حب معاوية ولا ثقتهم به - كان هو السبب كله لنفورهم وفرارهم، ولكنها كانت حوافز أخرى او حوافز من الوان شتى، دفعت بهؤلاء الموّلهين إلى هذا الشكل من الجهر بالسوء الذي لا يزال صداه البغيض يرن في مسمع التاريخ.
وما يدرينا فلعلها كانت مراحل مقرّرة ومؤامرات مدبّرة سبق اليها الزعماء المعارضون، ليتقوا بها المصير الذي كان ينتظرهم، فيما لو أديل للكوفة من الشام. وكان من شأن التدابير الواسعة التي اخذ بها الامام في دعوة الاقطار الاسلامية إلى الجهاد، ومن بوادر النشاط الذي تطوع له الشيعة في عضد هذه الدعوة، ما هو خليق بأن يبعث في نفوس القلقين من الخونة والرؤساء المتبوعين، الخوف على أنفسهم ومصالحهم، وان يزدادوا حذرا مما كانوا قد تورطوا فيه من مناورات ومعارضات تجاه معسكرهم في الكوفة. فرأوا في الالتحاق بمعاوية خروجا من هذا الخوف، وتحريبا سريع الاثر في قوة الجانب الذي يخافونه، وكان من تنفيذ الخطة في أضيق وقت وعلى اوسع نطاق، ما يؤيد كونها نتيجة لمؤامرة كثيرة الانصار.
ولعل فهم مأساة الهزيمة على هذا الوجه اقرب إلى الواقع، مما فهمها عليه سائر رواتها من أعدائها ومن اصدقائها.
وليس معنى هذا التفسير، أن معاوية لم يعد أحدا او لم يرش قائدا.
كلا... فانه سخا بالمواعيد حتى أذهلهم، واعطي القائد وحده مليونا من الدراهم حتى اشترى دينه وكرامته.
ولكن الشيء الذي يسترعي النظر ويستدعي التنبيه، ان حوادث الهزيمة لم تنسب إلى اسم صريح اخر غير عبيدالله بن عباس [قائد المقدمة في مسكن] أنه قبض من معاوية في سبيل الخيانة نقدا معينا.
تري، فكيف رضي الزعماء الاخرون من معاوية بالوعد دون النقد، لولا ان يكون الخوف الذي ذكرناه، هوالذي بعث فيهم روح الهزيمة وزين لهم الاكتفاء بالوعود!!.
وللخوف سلطانه على النفوس، ولاسيما نفوس المترفين من الناس، فلا بدع اذا قدح في نفوس (أبناء البيوتات) فكرة الخيانة وأوقدتها - بعد ذلك - مغريات الشام، في بيئة ليس فيها اغراء بغير الله والعدل الصارم.
وهكذا انكشفت كل جماعة من عناصر هذا الجيش عن مكنونها الذي مزف الستار، وظهر على المسرح باللون الذي لا تشتبه فيه الابصار، فكان لحب العافية من قوم وللعصبيات الجاهلية من اخرين وللاهواء والمنازع وأصحابها الاثر المستبين فيما آل اليه الموقف من نتائج واضرار.
وفضحت المطامع أولئك الذين لم يلتحقوا بهذا الجيش الا طمعا بالغنائم، وسرهم أن يتلقفوا الغنائم من طريق الخيانة في سهولة ويسر، وكانوا يظنون انهم لن ينالوها الا بعد أن تزيغ قلوبهم هلعا، من قراع الاسنة وألضرب الدراك.
ونزلوا عن هذا الطريق إلى الدرك الاسفل من حظوظهم التي تخيروها لانفسهم مغرورين. (فمن نكث فانما ينكث على نفسه ومن اوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما).
وما كان المسلم الذي يترك امامه ليلتجيء إلى البغاة الا شرا من باغ، واولئك هم المستضعفون في دينهم، والقلقون في دنياهم، وان صفوف معاوية لاولى بالمستضعفين القلقين.
ومازت النكبة الذين جثموا في مواقعهم، وثبتو على مبدأ المقاومة لا يلتسمون محيدا عنه، وصمدوا ولكنهم انما صمدوا للموت المحقق(١٠٤)، ينتظرونه فرحين مطمئنين، دفاعا عن ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، ووفاءً لله ببيعتهم.
وكان الصمود للنكبات، والصبر على الكوارث، والاستعداد لتحمل الآلام وبذل التضحيات، أنبل دليل على طيب المعدن، وصدق النية، وصلابة العود، والجدارة بالحياة. وهذه هي نعوت شيعة الحسن الاوفياء.
ثم كان لانباء هذه النكبات المروعة في مسكن، وقعها السيء الذي يناسب خطورتها، في أوساط الجيش الاخرالذي كان يعسكر في (المدائن).
وبلغت البالغات في تهويل هذه الاخبار بين حلقات هذا الجيش رقمها القياسي. وفي هذا الجيش كثرة ساحقة من رعاع أهل السواد ومن اخلاط الناس ومختلف الاحزاب. وفيه - إلى هؤلاء وأولئك - البهاليل من الهاشمين اليمامين، والكتل المخلصة من ربيعة وهمدان.
وكادت الرجة العاتية أن تجتاح المعسكر، لولا هذه الاطواد الراسية في مختلف أكنافه، الاطواد التي كانت تتكسر على صخرتها شتي المحاولات التي كان يتسرع اليها المتوثبون إلى الفتنة.
اما الحسن نفسه، فقد قابل هذه المزعجات بالامل الذي يعمر القلوب القوية والنفوس الخالدة، وكان يرى ان الاخفاق في ظرف خاص أو مكان خاص، لا يعني الحرمان من الازدهار والاثمار اخيرا في ظرف لا يجب ان يكون هو - بشخصه - صاحبه، ولكن (بمبدئه)، وثمة نقطة التركز في أهداف الحسن - مخفقا او منتصرا - وثمة مركز التجلي (الرباني) الذي تنشق عنه الانسانية في شخصية هذا الامام الروحي، بأفضل ما قدر لها من مراتب الانسياح في ذات الله، والفناء في سبيل الله.
ثم انه لم يزل على نشاطه الموفور، في تدوير دولاب حركته وجهاده وجيوشه، رغم ما كان يحسه من وميض الفتنة الذي أخذ يستعر تحت رماد الاحدات المتعاقبة بين يديه. ولم يسمع منه كلمة واحده تتجاوز به إلى جحمة غضب، أو تدل بحدتها على ما كان يشيع في نفسه من بلاغة الخطب، وروعة التشاؤم، والنقمة على الوضع، اللهم الا كلماتة التوجيهية التي كان يقصد بها تدريب جماهيره على النظام، وتعليمهم الاتزام بقواعد (الجهاد) في الاسلام.
ودار بوجه إلى كوفته، كأنه يتذكر شيئا، أو يستعرض اشياء عقت الكوفة بها أياديه عندها وأيادي أبيه من قبل. وكان ابوه هو باعث مجدها، ومؤسس كيانها المستطيل الشامخ، الذي باتت تتمتع به كأعظم حاضرة في العالم الاسلامي، تلتقي عندها حضاراته، وتثوب اليها شعوبه من مختلف الاجناس، وتلتحم بمصالحها الثقافية والتجارية مع اعظم الاقطار المعروفة في ذلك الزمان. والكوفة هي كل شيء في سياسة الحسن عليه السلام، أو هي اعظم ذخيرة كان يدخرها للايام السود، والوقائع الحمر، والبلايا الملونة التي شاءت الليالي أن تجمعها عليه في وقته الحاضر - فذكر، وهو يستعرض في نفسه سوابقه مع الكوفة أو سوابق الكوفة معه، انثيال الناس - هناك - على بيعته والاخذ بيده، واجماعهم على قبول شرطه يوم رضي أن يمد يده لبيعتهم (على أن تكون بالسمع والطاعة، وأن يحاربوا من حارب ويسالموا من سالم).
ثم نظر إلى حوادث (مسكن) وزلزلة الاكثر من جيوشه (الكوفيين) هناك، ونفورهم من القتال وركونهم إلى الفرار، وانخداعهم بالمطامع، وجهرهم بالعصيان، ونقضهم المواثيق التي عاهدوا الله عليها.
فساءه، ان تبلغ السفالة البشرية، وميوعة الدين، وصفاقة الاخلاق، في عصبة تدعى الاسلام، وتتقلد القرآن، وتؤمن - على ظاهرها - بالنبي فتصلي عليه وعلى اله، في صلواتها الخمس كل يوم خمس مرات - مبلغها من هؤلاء الذين خانوا النبي في آله، وخانوا الله في مواثيقه، وباءوا بمخزاة التاريخ على غير كلفة ولا اكتراث.
وظنوا ان معاوية مانعهم من الموت والفقر، ولا والله ما من الموت مفر، ولا رشوات معاوية بأجدي لهم من الرزق الحلال الذي قدّر لهم في هذه الحياة، وسيصعد معاوية منبره في الكوفة، معلنا على رؤوسهم حنثه بأيمانه وعهوده ومواعيده، وجاعلا (كل ذلك تحت قدميه(١٠٥))، وما هي الا شنشنته التي كان يمليها عليه طموحه إلى الغلبة بكل سبب منذطمع بالطفرة إلى التاج.
وليت شعري إلى أين كان يفرّ هؤلاء من الفقر الذي اتقوه بالفرار من امامهم الشرعي، يوم يستيقنون اصرار معاوية على الخلف بوعده وعهوده - وانهم لمستيقنون - والى أين كانوا يفرون من الموت وقد خافوه بالجهاد مع ابن بنت نبيهم (ص)، وانه لمدركهم (ولو كانوا في بروج مشيدة)، وسيدركهم وهم فقراء من دينهم ودنياهم معا، فلا بمواثيق الله عملوا ولا على رشوات معاوية حصلوا، وسيموتون ميتتهم الجاهلية التي سبقت لابائهم فاستبقوا بها إلى النار، وبئس الورد المورود.

(يا ويح من ولى الكتا * * * ب قفاه والدنيا أمامه
فليقر عن سنَّ الندا * * * مة يوم لا تغني الندامة
وليدر كنَّ على الغرا * * * مة سوء عاقبة الغرامه
يا لعنة صارت على * * * أعناقهم طوق الحمامة(١٠٦))

وكان الوزر الاكبر الذي تأزره الكوفيون في مسكن، وزر النفر الذين قادوا الحركة الخائنة في خطواتها الاولى، منذ ركبوا المآثم السود بتكتلاتهم ومكاتباتهم..
وتمثل للحسن وهو بالمدائن، أفراد من (الوجوه وابناء البيوتات) في جيش مسكن كان يعرفهم بلحن القول حينا ولحن العمل احيانا، وما كانوا بالذين ينقطعون عنه وعن جماعته في الكوفة، ولكنهم المنقطعون عن مودته وعن الاخلاص لاهدافه فيما يبطنون، ولم يكن شيء مما يبطنونه بالذي يغيب عنه، ولا شيء يزاولونه - في مناوراتهم معه - فيجهله من نواياهم. وكانوا اذ يتصلون به، انما يصطنعون الدين وسيلة إلى الدنيا، ويخيل اليهم انهم قد حذقوا اتخاذ الوسيلة، حتى اذا علموا خطأهم يدأوا يزرعون في بطاح غدهم نوابت الزرع الخبيث، وعادوا وهم - في عهده - على سابق عهدهم، يوم كانوا يجترون تملقهم الاصفر وخذلانهم الاسود الذي نسجوا عليه لعابهم المرير في عهد ابيه امير المؤمنين عليه السلام في الكوفة يوم سئم أبوه الحياة من سوء صحبتهم، وتمني الموت صريحا لفراقهم.
وعلم الحسن بن علي غير متردد في علم، ان هذه العصابة نفسها كانت هي أصابع معاوية التي عاثت بمقدرات جيشه في مسكن، وهي التي شجعت القوافل على الفرار إلى معاوية، اغترارا برشواته الاخاذة المنوعة التي جاوز بها معاوية المألوف من رشوات الناس وعرض فيها من العرض ما لا يعهد الرشوة بمثله، حتى لقد كتب إلى بعضهم: (وبنت من بناتي(١٠٧))!.
وكانت الخصيصة البارزة في معاوية، انه الرجل الذي لا تفوته الفرص السانحة من مآزق خصومه، وكان هو - قبل كل شيء - الصناع المفن في بعث هذه المآزق واستغلال فرصها، وكانت هذه هي موهبته التي خلب بها الباب المعجبين به، وبرع فيها البراعة بأقصى حدودها، حتى ليخيل إلى مؤرخته حين ينظرون اليه من هذه الزاوية أنه الداهية، وانه السياسي المحنّك، وانه العسكري المفنّ.
ولكن دراسة معاوية - على ضوء ما تقلب فيه الرجل من أطوار وما زاوله من محاولات - كمحارب لرسول الله (ص) في بدر(١٠٨)، فطليق من طلقاء يوم الفتح بمكة، فصعلوك(١٠٩) لا مال له يركض حافيا - بغير نعل - تحت ركاب علقمة بن وائل الحضرمي(١١٠) في المدينة، فوال على الشام ولكن من عمر وعثمان مدى عشرين سنة، فمحارب للامامين علي وابنه الحسن (ع) اربع سنوات، فمدّع للخلافة عن رسول الله (ص) يناقضه صريحا في أحكامه ويخالفه عامدا في سرته، ويقول: (والله ما بقي شيء يصيبه الناس من الدنيا الا وقد اصبته(١١١)) - أقول: ان دراسته على ضوء محاولاته الكثيرة، ووصولياته المنوّعة مما ذكر أو لم يذكر، لا تفضي بنا إلى الاعتراف بكل الاوصاف التي يسبغها عليه المعجبون به.
ولا تدل على أكثر من براعته في استغلال الفرص جاهلية واسلاما.
وما كان من الدهاء، ولا من السياسة بمعناها الصحيح، ان يتصل الانسان في طريقه إلى مآربه بوسائل لا يملك لها وجاهة الاقناع - ولو ظاهرا - في عرف المجتمع، ولا أن يتسور إلى اهدافه بالشذوذ المكشوف الذي لا يهضمه تقليد، ولا يقرّه دين، ثم هو لا ينفك يحاول أن يدّعي أنه رئيس حماة الدين، وكبير رعاة التقاليد.
وما من دهاء في منطقة مناقضات.
ولا من دهاء في اغتيال الامنين من الناس، ولا في اعلان السب والشتم وفرضه على الناس في كل مكان، ولا في نقض العهود والحنث بالايمان.
ان شيئا من ذلك لا يدخل في حساب الدهاء، ولا هو من سياسة الملك، ولكنها الاساليب البدائية في دنيا العداوات، ولعل في أدنياء المتناجزين من سواد الناس من يستطيع أن يأتي بالافظع الاروع من هذه الاساليب نكالا في خصومه. أفيكون حينئذ أعظم دهاء من معاوية؟.
ومتى كان الشذوذ في الكيد دهاء يا ترى؟.
واذا كان معاوية فيما اتاه من هذه الافاعيل النكر داهية، فلقد زاده ابنه يزيد دهاء، لانه توسل إلى مآربه بوسائل انكى من وسائل ابيه.
ودع عنك من شواهد الضعف في معاوية، استضاءه البيز نطيين بالمال، وخطالبه الطائش الذي نقض عليه سياسته - في الكوفة - عند دخوله اليها، وموقفه الفطير من شهداء (مرج عذراء)، واشياء اخرى ليس هنا مجال بحثها.
ولكننا - ولننصف القائلين بدهائه - نتذكر لمعاوية موقفا يشبه أن يكون فيه (الداهية) الذي يحيك الخطط ليمهد إلى غده، ثم هو يصدر إلى الناس من وراء خطته بعذر يقبله المعنيون به.
ذلك هو الموقف المبرقع الذي وقفه معاوية من نجدة عثمان، يوم خلع وقتل..
وربح معاوية من مقتل عثمان انصارا من (العثمانية) قبلوا عذره اذ يخذل(١١٢) عثمان وهو حي، ثم تطوعوا له لينصر بهم عثمان وهو ميت، وهو انما ينتصر بهم لنفسه، ولكنهم لا يشعرون. فعزز بهذه الحفنة من (الاغنياء) جبهته الضعيفة في ميادينه مع على عليه السلام.
ومن هنا عرض معاوية عسكريته على التاريخ.
ولا نعرف عن عسكرية معاوية - بما يلتقي عند هذه الكلمة من المعنيين - شيئا مذكورا.
فلا هو بالعسكري على المعنى المصطلح عليه، الذي يعني (بوضع الخطط وقيادة الميدان)، ولا هو بالعسكرى في شجاعته وفروسيته، حين يدعي لمقارعة شجاع أو منازلة فارس.
ودعاه(١١٣) أمير المؤمنين عليه السلام ليبارزه، فاما واما، فأبى اباء الرعاديد!!!.
نعم هو صاحب موهبة - كما قلنا - ولكن في حيز محدود، وصاحب سخاء ولكن من نوع فريد، وصاحب هواية خاصة لها سلطانها القاهر على نفسه.
فأما موهبته ففي اغتنام الفرص من مآزق الناس، واما هوايته ففي الغلبة والسلطان، واما سخاؤه فبما لا يسخو به من يحسب لاخرته حسابها.
والمرجح أن معاوية كان يعرف من نفسه قصورها عن العسكري الذي كان يجب أن يكونه وهو يناضل أشجع عسكرية في الاسلام، فكان يود دائما ان يلتوي بحروبه مع العراق، إلى الطريقة الخاضعة لموهبته، ويفر - ما وسعه الفرار - من حرب السلاح إلى حرب الفتن.
وكانت التجارب التي صارعها معاوية في حروب صفين، هي الاخرى التي املت عليه القناعة القصوى بهذا الاختيار.
ولم يفلت معاوية من النهيار المحقق الذي حاق به يوم ذاك، والذي نشط به إلى محاولة الفرار بنفسه على ظهر جواد، الا حين أخذ بالرأى البكر الذي أملاه عليه مستشاره الكبير (ابن العاص)! ثم كانت الفتنة بنطاقها الواسع الذي خلق للمسلمين انواع المشاكل والنكبات فيما بعد.
فالفتنة في نظر معاوية خير مركب للنجاح، وهي بتجارب معاوية امضي أثرا من السلاح، فكيف لا يجنح اليها كلما حاق به مأزق من هذه المآزق التي كان يجرها على نفسه في مختلف المناسبات؟.
ورفق معاوية في ميدان (الفتنة) إلى تعبئة جهاز من النوع الثقيل، لا نعهد مثله لغيره، بما يسر له من الثراء الضخم الذي مهدته له بلاد الشام في عقدين كاملين من السنين وبما حظى به من صحب مساعير في هذا الميدان، أمثال المغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص. وكان ابن العاص هذا، أعظم مصارع على هذا المسرح، وهو الذي (ما حكَّ قرحة الا نكأها).
واستلحق - إلى هذين - زياد بن عبيد الرومي الذي انتزعه من معسكر الحسن عليه السلام انتزاعته(١١٤) المفضوحة في التاريخ، فكانوا ثالوثه المخيف الذي فتن الناس وزلزل الدنيا وبلبل الاسلام. واخيرا فان الفتنة بمعناها الاعم، هي موهبة معاوية التي لا يغلبه عليها ألمعي قط.
وعلى هذه القاعدة، طوّر معاوية حزبه مع الحسن إلى الحرب بالفتن.
وكان اذ يعسكر بجيوشه على حدود العراق، لا يريد القتال، وانما يخاف المبادءة من خصومه. ويود لو حاربهم في ميدان غير ميدان الجيوش.
ولم يبح بسرّه هذا، الا على أسلوب من المصانعة والتمويه، يتظاهر من ورائهما بالجنوح إلى المصلحة والخوف على امور الناس. فيقول حين ينظر إلى جيوش الفريقين في موقفه من الحسن بن علي عليهما السلام: (ان قَتَلَ هؤلاء، هؤلاء، وهؤلاء، هؤلاء، من لي بامور الناس(١١٥))، ويقول: (الامر الكبير يدفعه الامر الصغير(١١٦)).
وما يدرينا، فلعله اذ يتلكأ بهذا ونحوه، انما يتلكأ لانه يحذر نتائج حرب السلاح، فيمالو صدق العراق بالقراع. وليكن - على هذا الاحتمال - قد جهل موقف الكوفة في نفيرها مع الحسن وخيّل اليه من نتائج الدعاوة الشيعية ما لم يكن.
وقد يكون معني تردده، انه كان يرى اتقاء الفضيحة التي لا يسرها عذر امام العالم الاسلامي، في محاربة سيدى شباب أهل الجنة، ابني بنت رسول الله صلى الله عليه واله، وجها لوجه.
وقد يكون انما أغراه باتخاذ هذه الوسيلة دون وسيلة السلاح، كتب الخونة من رؤساء الكوفة وزعماء قبائلها (يعرضون بها له السمع والطاعة، ويتبرعون له بالمواعيد، ويتخذون عنده الايادي، ويستحثونه على المسير نحوهم، ويضمنون له تسليم الحسن عند دنوهم من عسكره، أو الفتك به(١١٧)).
وكان من أبرع اساليب (الفتنة) ان يجمع معاوية كل ما ورد عليه من كتب هؤلاء، ثم يدعو كلا من المغيرة بن شعبة وعبدالله بن عامر بن كريز وعبدالرحمن بن الحكم، فيوفدهم جميعا بهذه الكتب كلها إلى الحسن(١١٨) نفسه ليطلع عليها، وليعرف نوايا أصحابها من متطوعة صفوفه، ثم ليكون من اللفتة البارعة مدخل للمفاوضة في الصلح أو التفاهم على نصفٍ من الامر، فيما لو وجد هذا الوفد من جانب الحسن عليه السلام استعداداً لتفاهم او صلح.
وتفقّد الحسن خطوط الكوفيين وتواقيعهم بشيء من العناية وألامعان كما لو كان يعرف - قبل ذلك خطوطهم وتواقيهم وتأكد صحة نسبة الكتب لاصحاب التواقيع، ولكنها لم تكن لتزيده معرفة بأصحابها، ولم ير فيها جديدا لا يعهده من هذه الطبقة المعروفة بميولها وأهوائها وشذوذها الخلقي، الذي جرّ عليه الشيء الكثير من المآسي والنكبات في شتى مراحله منذ فاه بدعوة الجهاد.
ثم رجع بخطابه إلى الوفد الشامي، دقيق العبارة لا يبت بأمر ولا ينكشف عن سرّ، ولم يترك النصيحة للمغيرة ورفاقه، بالدعوة إلى الله عزّ وجل، عن طريق نصرته وترك البغي عليه، وذكّرهم بما هم مسؤولون عنه أمام الله ورسوله في حقه.
ولا نعلم - بعد ذلك - ولا فيما ترويه المصادر، أنه ذكر الصلح بنفي أو اثبات.
ولكنا علمنا أن المغيرة ورفاقه الذين دخلوا معسكر المدائن حين اذن لهم بدخوله لعرض هذه الكتب على الامام، لم يغادروا المعسكر حتى زرعوا في ميدانه أكبر فتنة في الناس. فخرج الوفد العدّ وويستعرض في طريقه مضارب الجيش، وهو اذ ذاك هدف الانظار في حركته، وهدف الاسماع في حديثه، فقال بعض أفراده لبعض - وهم يرفعون من أصواتهم ليسمعهم الناس -: (ان الله قد حقن بابن رسول الله الدماء وسكن الفتنة، وأجاب إلى الصلح(١١٩)).
وما كان حديثهم هذا الا الفتنة نفسها، ليعبروا بها وبمثيلاتها من هذا الطراز، إلى انتزاع الصلح انتزاعا.
واذا هي الطعنة النجلاء، في ظروف موليّة كظروف المدائن بما كان قد لحقها من التبلبل الذريع، في أعقاب الحوادث المؤسفة في معسكر (مسكن).
وكانت أكثرية المدائن لا تزال ملحة على مباشرة الحرب، فهي لا ترى للصلح مكانا، وكان يخيل اليها أن في بقايا المجاهدين في مسكن كفاية لمنازلة معاوية، وأن في احتياطي المدائن ما يضمن لمسكن القوة على الصمود فيما لو ضعفت كفايتها. وربما كانوا أو كان فيهم، من لا يتخيل شيئا من ذلك، ولكنهم انما يلحّون على الحرب لانهم (يؤثرون قتال معاوية بكل حيلة(١٢٠)). وتلك هي نعرة الخوارج في جيش الحسن عليه السلام. وكيف يقول المغيرة ورفاقه (ان الحسن أجاب إلى الصلح)، انها الكلمة الكافرة التي لا يجوز الصبر عليها - برأيهم -.
وكان شغب فئة كبيرة كالخوارج، مدعاة لزلزلة فئات أكثر عددا ولا سيما من أغرار الناس المتارجحين بين الطاعة والعصيان، والمتأهبين للفتن والاضطرابات مع كل ناعق بها وفي كل آن.
وجاءت الخطة المدبرة التي أجاد حياكتها الثالوث الشامي، فتنة عنيفة الاثر على مقدرات المدائن، ناشزة على خطط التدبير.
ومن السهل أن نفطن الان - جازمين - إلى ان اجوبة الحسن لهذا الوفد، لم تكن لتشتمل على ذكر الصلح او الاستعداد له، لانه لو كان قد اجاب اليه كما اشاعه الوفد عند خروجه منه، لا نتهي كل شيء ولا غلق الموقف بين العراق والشام.فلم هذه الفتن اذاً؟. وهل هي الا من قبيل استعمال السلاح مع الصلح؟ وهل معني الصلح الا نزع السلاح؟.
وعلى هذا، فلا تصريح بقبول الصلح من جانب الحسن قطعا.
وانما هي الفتتة، وهي سلاح الشام الانكي.
وتلوّن معاوية في هذا السلاح تولّنا مخفيا جدا، فعمد إلى سلة أكاذيب، يختار مضامينها اختيارا دقيقا، وينخل أساليبها نخلا فينا، ثم يبعث بها إلى معسكرات الحسن، هنا وهناك.
(فكان يدس إلى عسكر الحسن - في المدائن - من يتحدث: ان قيس بن سعد - وهو قائد مسكن بعد فرار ابن عباس - قد صالح معاوية وصار معه(١٢١)).
(ويوجه إلى عسكر قيس - في مسكن - من يتحدث ان الحسن قد صالح معاوية وأجابه(١٢٢)).
ثم ينشر في اشاعة اخرى على معسكر المدائن (الا ان قيس بن سعد قد قتل فانفروا(١٢٣)).
وما ظنك بأثر هذه الشائعات في جيش مثل جيش المدائن، وقد سبق له أنه علم خيانة قائد سابق لم يكن أهلا للخيانة، فلِم لا يصدق خيانة الثاني، أو الخبر بقتله؟.
وفي مسكن مثل ما في المدائن من مآسٍ ودفائن وقوافل تنزع إلى الفرار، وعملاء لا يفتأون يبعثون الفتن ويبثون افظع الاخبار.
وهكذا بلغ معاوية (بفتنه) ما أراد، وبات الجيشان كلاهما طمعة الاضطرابات والحوادث المؤسفة التي لا تناسب ساحة قتال.
وما مني الاسلام منذ ضرب بجرانه على جزيرة العرب، بأفظع من هذه النكبة التي يترنح بها موقف الخلافة الاسلامية، بين تثاقل الجنود، وتخاذل الزعماء وخيانة القائد، وفتن العدو!.
انها الظروف القاهرة التي بدأت تنذر باكداس من الخطوب وألنكبات والتي ستجر حتما إلى نهاية تاريخ قصير، كان انصع وأروع صفحات التاريخ الاسلامي، وابعدها ارتفاعا في المجد، وأقربها اسبابا إلى الفخر.
انها الكارثة التي تؤذن باللحظة المشؤومة في تاريخ الاسلام، اللحظة القائمة على عملية الفصل بين العهدين، عهد الخلافة بمميزاتها ومثاليتها، وعهد (الملك المعضوض(١٢٤)) وبلائه المقدَّر المفروض.
وكان الحسن عليه السلام، أعرف الناس بقيم هذه المعنويات المهددة وأحرص المسلمين على حفظ الاسلام، والرجل الحديدي الذي لا تزيده النكبات المحيطة به، الا لمعانا في الاخلاص، واتقادا في الرأي، واستبسالا في تلبية الواجب، وتفاديا للمبدأ.
ولم يكن لتساوره الحيرة، على كثرة ما كان في موقفه من البواعث عليها، ولا وجد في صدره حرجا(١٢٥) ولا تلوّما ولا ندما، ولكنه وقف ليختار الرأي، وليرسم الخطة، وليتخذ التدابير.
وكان لابد لاصطفاء الرأي، من دراسة سائر الاراء.
وذلك ما نريد أن نسيمه: (موقف الحيرة).
موقف الحيرة
وانصرف إلى التفكير، فما كان ليغيب عنه ما يهدد موقفه من عبءٍ، بعضه فجيعة. وبعضه هوان، وبعضه موت لا يشبه موت العظماء.
ولم تكن الحيرة عنده بالغة الغور، ولكنها كانت بالغة الاسى مشبوبة الاحاسيس، تخزه وخز الشوك الملتهب، وتستفزُّه بالحاح إلى اختراع المخرج الذي لا يساوره الهوان، ولا يخضع للفجيعة، ولا هو من الموت المغتصب، الذي تربأ عن مطارحته الذكريات الكريمة.
وكل ما كانت تحتفل به اللحظة القائمة بين يديه، هو اللجاجة اللاغبة، والشائعات الكاذبة، والاندفاع في تيار الفوضي الرهيب.
والحسن بين هذه الهزاهز، الجبل الذي لا تزعزعه العواصف، والاماام البر الذي لا يغيظه جهل الجاهلين عليه، ولا يُحفظه سخط الناقمين منه، ووقف غير عابئ بما يدور حوله، ولكن ليسقرئ الخطط فيضع خطته، وليستعرض الاراء فيبت برأيه.
وليس بمقدورنا الان ان نقرأ - بتفضيل - الافكار التي كانت تحت سيطرته ساعة أذ، أو كان هو تحت سيطرتها، ولكنها - بالاجمال - لم تكن لتعدو (ما يريده الله وما يؤثر عن رسول الله وما يجب لصيانة المبدأ).
أما ما يقوله الناس، فلم يكن مما يعنيه كثيرا.
ولنتذكر دائما، انه الامام الروحي، الذي لا يريد الحياة بين الناس الا بمقدار ما تكون الحياة بذلةً في سبيل الله، ووسيلة للنفع العام ومثلا يحتذى في الاصلاح ونشر الاحسان. فما قيمة ما يقول الناس إلى جنب هذه المعنويات الممعنةفي اتجاهها إلى الله. والامام بصفته الروحية التي يقود بها الغير إلى الخير، لايهجس ابدا بغير هذا النوع من التفكير، ولا ينصرف بخلجاته ومشاعره وعواطفه إلى غير الله، وسيرة النبي (ص)، والمبدأ الصحيح.
لذلك لم تكن الحيرة عنده - كما قلنا - بالغة الغور، لان طريق الله لاحب، وأسوة رسول الله واضحة، ولكنها كانت حيرة مريرة المذاق.
وكم من المزعج ان يساق الانسان من ظروفه، ومن حيث لا يد له، إلى وضع لا يسيغه طبع، تصطلح عليه الازمات، ثم لا يفتأ يقوم من نفسه على عقُدٍ لا تنقطع الا لتتصل. ذلك هو الوضع (الشاذ) الذي لايعهد الا مع الحيرة، ولا يطرد في نوازعه الا مع القلق، ولا تكون النفس معه الا بين الاقدام وألاحجام وأليأس وألرجاء. وللنفس - مع هذا الوضع - حاجتها القصوى إلى التأمل والتفكير، والى الكلاءة والتثبيت. وللضمير - مع هذا الوضع - موقفه الدقيق الذي تتفاوت فيه معادن الناس.
وايّ نفس كانت هي تلك النفس، وأيّ ضمير كان هو ذلك الضمير!!؟؟. انها النفس المطمئنة التي ترجع عند كل هول يعصف بها إلى ربها راضية مرضية، لا تستكفي بغيره، ولا تسترشد بسواه. وانه الضمير الطاهر النقي، الذي لم يضعف على ثقل الواجب وأنما كان - على كل حال - أصلب من الكارثة. ولم نسمع عن الحسن ان احدا ممن حوله شعر عليه في لحظات مرزأته، أنه المرزأ في دخيلته او الممتحن في موقفه، اذ لا حزن ولا انكسار، وانما كل ظاهراته ثبات وعزم وأستقرار، وحتى في مناجاته لربه فانه كان مثال الصبر واللجأ إلى الله والاستكفاء به من دون الناس.
وكان من دعائه عليه السلام: (اللهم ياذا القوة والسلطان يا عليَّ المكان، كيف أخاف وأنت املي، وكيف أخشى وعليك توكلي. أفرغ علىَّ من صبرك، وأظهرني على أعدائي بأمرك، وأيدني بنصرك. اليك اللجا، وبك الملتجا، فاجعل لي من أمري فرجا ومخرجا. يا كافي أهل الحرم من أصحاب الفيل، والمرسل عليهم طيراً أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، ارم من عاداني بالتنكيل!).
والتمعت على جوانب فِكَرِه اليائسة، وفي زوايا تاملاته العابسه؟ اشعاعة من الامل، كانت جواب دعائه إلى الله عزّ وجل، ففاحت ذكية العرف، ولاحت مضواءة الملامح، كأنها نذر البشارة.
وكانت مفاجأة غريبة أغلقت في وجهه هموم حاضره كلها فاذا هو بين طوفان من الذكريات التي لا تمتّ إلى ظرفه ولا تتصل بأرزاء لحظته. ذكريات تشيع فيها اللذة وتجد فيها النفس الوانا من الامتاع والمؤانسة.
وللنفس اذا أفرط بها الالم وأرهقها الفكر والصمت العميق، انتفاضتها المباركة التي تفرُّ بها من الضيق إلى السعة، ومن اليأس إلى الرجاء، ومن الحيرة إلى الدلالة المليئة بالامال.
انه ليفكر لحاضره من هذه المزعجات، ولمستقبله من هذا العدو المستهتر بالمقدسات، وانه ليظن (بأنه لو وضع يده في يده فسالمه لم يتركه أن يدين لدين جده رسول الله صلى الله عليه وآله(١٢٦)).
اما هذه المفاجأة الجديدة، فقد رجعت به إلى ثلث قرن مضى وحواليه فاذا هو بين منازل النبوة تتجاذبه، ومهابط الوحي تتلاقفه، وحلقات المهاجرين والانصار تحتفل به.
رؤيً تملك الحس وأحلام لذيذة تؤاسي الجراح.
هذا جده الاعظم، وهذا سلطان نبوته في قومه، وهذه نجوم الاي الكريمة تتنزل بين الفينة والفينة. كأنها بريد السماء إلى الارض ولا تتنزل الا في بيته، وهذا أبوه، وزير النبي والمجاهد الاكبر الذي أخضع صناديد العرب لكلمات الله، كأنه يرجع الان وقد فتح حصن خبير، وهذه أمه الطاهرة البتول، التي باهل بها الرسول فكانت بحق سيدة نساء العالمين.
واذا لم يكن شيء مما يراه الان، واقعا خارجيا، فليكن بحقيقته واقعا نفسيا، جلاه لناظره تيار روحي لا ينقطع بروحه عن هذا الجد وهذين الابوين، كما كان لا ينقطع عنهم بجسمه - في الواقع الخارجي - يوم الف الله وفده لمباهلة نصارى نجران، فكان الوفد هو الحسن وجده وأباه وأمه وأخاه، ويوم دعا رسول الله صلى الله عليه واله بالكساء فلفّه على الصفوة المختارة (أصحاب الكساء الخمسة) فكانوا (الحسنين وأبويهما وجدهما الاعظم)، يوم نزلت آية التطهير ففسَّرها النبي (ص) بالخمسة الميامين عليهم السلام.
خصائص من العظمة لا يشاركهم فيها أحد في الاسلام.
وتراءت له من وراء أفقه الحزين، صور ممتعة من طفولته المباركة وصباه الباكر الكريم، فتطلع منها إلى أيامه البيض الحافلة بالنور في المدينة المنوَّرة، يوم كان يدرج فيها بموقعه الممتاز، ومقامه المدلّل المرموق بين أقرانه وأترابه، ويوم كان يلعب ويمرح فيها، ولكن بين سواعد أبويه العظيمين وعلى صدر جده الاعظم أو على ظهره المقدس او على أعواد منبره الشريف، ويوم كان يتلقّف الوحي منذ لحظاته الاولى، ويتعلم كلمات الله من لسان نبيّ الله (ص)، ويتخرج بعلمه على مصدر العلم، ويضع النقاط على الحروف ليستقبل سيادته على الناس، وأمامته المفروضة في أعناق المسلمين. وأنه ليستمع إلى جده حين كان يراود الناس في كل مناسبة على الاعتراف له - بلسان أشبه بمباهاة - كلما ذكر ابنه الحسن للسيادة وألامامة. وطالما ذكره لمهما في حديثه أو ذكرهما له.
كانت عهودا مفعمةً بروح العظمة وبعظمة الروح، جديرة بأن تهيب بالحسن فيتذكر منها اطيب الذكريات، وأحفلها بالغبطة والقوة والمكرمات.
وكانت الذكرى الاخاذة التي تمكنت بسلطانها من نفسه حتى انتزعت منه ابتسامته الملذوذة غير مظنون الابتسام في ظرفه. انه رأى جده رسول الله صلى الله عليه واله كأنه ينتزعه الان من عاتق أمه فيأخذه بيده، ويوقفه على قدميه المباركتين، ثم لا يزال يباغمه بأنشودته المقدسة: (حزقه حزقه، ترقَّ عينَ بقّه) فيرقى بقدميه الصغيرتين متدرجا حتى يضعهما على صدر جده العظيم، ويفتح فاه، اذ يقول له: (افتح فاك)، فيقبله بفيه، ثم يقول: (اللهم انى احبه فأحبَّه وأحبَّ من أحبَّه(١٢٧)).
ثم كانت هذه الذكرى مفتاح ذكريات كان من حقها ان تؤنسه وأن تنسيه مزعجات لحظته الاخيرة، وأن أسطع فترة في حياة كل انسان هي فتره طفولته البريئة بما يعمرها من الروابط المقدسة - بينه وبين الاحضان التي يلجأ اليها، وبينه وبين المجتمع الذي يعيش فيه -. وأن ذكريات تلك الفترة من حياة أيّ انسان تبقى خالدة في رأسه وفي قلبه وفي روحه ولا يمكن نسيانها ابدا.
فذكر مرةً جده رسول الله صلى الله عليه واله. وقد وضعه على منكبه الايمن، ووضع أخاه الحسين على منكبه الايسر، فاستقبله أبوبكر فقال لهما: (نعم المركب ركبتما ياغلامان). فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (ونعم الراكبان هما، ان هذين الغلامين ريحانتاي من الدنيا!(١٢٨)).
وذكر يوم جثا جده وأركبه على ظهره، وأركب معه أخاه الحسين، وقال لهما: (نعم الجمل جملكما، ونعم العدلان أنتما(١٢٩)).
وذكر مرةً اخرى يوم جاء وجده ساجد فركب رقبته وهو في صلاته(١٣٠). ويوم جاء وجده راكع، فأخرج له بين رجليه حتى خرج من الجانب الاخر(١٣١). ويوم قيل لجده: (يا رسول الله انك تصنع بهذا - يعني الحسن - شيئا لم تصنعه بأحد)، فقال: (ان هذا ريحانتي، وان ابني هذا سيد سيصلح الله به بين فئتين من المسلمين(١٣٢)).
وذكر ركوبه على رقبة جده (ص) وهو يخطب في مسجده، حتى لقد كان يرى بريق خلخاليه من أقصى المسجد، وهما يلمعان على صدر جده العظيم، ثم لا يزال كذلك حتى يفرغ النبي من خطبته(١٣٣).
وذكر نزول جده رسول الله صلى الله عليه واله من على منبره فزعا وكان هو قد عثر عند باب المسجد، فحمله وأخذه معه إلى منبره، ثم قال: (أيها الناس ما الولد الا فتنة(١٣٤)).
وذكر جده وهو يقول له غير مرة: (أشبهت خلقي وخلقي(١٣٥)).
وذكر يوم استيقظ من نومه، فاذا جده وأمه يتحدثان، فأقبل على جده قائلا: (يا جداه اسقني)، فأخذه جده وقام إلى لقحة(١٣٦) كانت له، فاحتلبها ثم جاء بالعُلبة(١٣٧) وعلى اللبن رغوة، ليناوله الحسن، فاسيتقظ الحسين فقال: (يا أبت اسقني)، فقال له: (يابُنَّي أخوك أكبر منك، وقد استسقاني قبلك(١٣٨)).
وذكر يوم كان طفلا بين يدي أمه فاطمة عليهما السلام، ودخل عليها أبوها رسول الله صلى الله عليه واله، ورآه يلعب، فقال لها: (ان الله تعالى سيصلح على يدي ابنك هذا، بين فئتين عظيمتين من المسلمين(١٣٩)).
وذكر من ملامح سلطانه في صباه، يوم جاء إلى أبي بكر وهو على منبر جده رسول الله صلى الله عليه واله، فقال له: (انزل عن مجلس أبي!(١٤٠)).
وذكر جده وقد أخذه معه إلى منبره، فهو يقبل على الناس مرة، وعليه مرةّ، ويقول: (ان ابني هذا سيد ولعل الله ان يصلح به بين فئتين من المسلمين(١٤١)).
وكانت مناظر وجدان مؤثرة في الحسن، وذكريات تاريخ ملذوذة في النفس بدلت من وحشة اللحظة، وخففت من عرامة الخطب، وكانت كل ذكرى تثير ذكريات، وكل منظر يمرّ يوقظ مناظر أخريات.
وانه ليطمئن إلى قول جده صلى الله عليه واله، كما يطمئن إلى محكم التنزيل. وها هو ذا جده العظيم يقول له، وكان صوته الشريف يرنّ بعذوبته المحببة في اذنه، ويقول لامه الطاهرة البتول، ويقول على منبره، ويقول بين أصحابه، ويقول ما لا يحصى كثرة: (ان ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين من المسلمين).
ويرجع الحسن إلى نفسه فيقول:
ترى، هل أراد رسول الله (ص) ان اصالح اليوم أهل الشام؟.
وهل أهل الشام البغاة، فئة مسلمة يصح أن يعنيها هذا الحديث؟.
وهل هذه هي الفتنة التي أرادني رسول الله (ص) لاصلاحها؟. أو قد فدنا الكفاية لقمعها من طريق القوة؟.
كل ذلك كان يراود الحسن، فيثير في نفسه تفاعلا عنيفا،ينذر بانقلاب تاريخ، وكل هذه الاسئلة كانت تنتظر الجواب من الحسن استعدادا للمصير الاخير.
وبعثت هذه الذكريات بما فيها التوجيه النبويّ الذي استشعر منه الحسن حماية جده له في أحرج ساعاته، فكرة الانقاذ للموقف، فيما لو اتيح لهذه الاسئلة أجوبتها المطابقة لمقتضى الحال.
- نعم ان رسول الله (ص) قال ذلك يقينا دون شك.
وان هذه الفتنة هي الفتنة التي عناها فيما لوَّح اليه في أحاديثه الشريفة، ولا فتنة أعظم من فتنة تشق المسلمين انشقاقهم هذا، فتلهيهم عما يُراد بهم أعدائهم الواقفين لهم بالمرصاد(١٤٢)، وعما يراد منهم من اعمار وتنظيم وجهاد.
واما الحكم على البغاة بحصانة الاسلام، فهو ما يشير اليه موقف أمير المؤمنين عليه السلام منهم، حين منع سبي نسائهم وذراريهم، وكفى بسيرة أمير المؤمنين أسوةً صالحة وقدوة في الدين راجحة.
واما السؤال عن الكفاية لقمع هذه الفتنة بالقوة، وهو الحلم اللذيذ الذي هتف به الشيعة المتحمسون بالكوفة ابان النهضة للجهاد.
فالجواب عليه، يتوقف على دراسة الموقف من ناحيتيه المعنوية والعددية معا، وذلك باستعراض الامكانيات الحاضرة على حقيقتها. والمعنويات في الجيوش هي رمز القوة التي تدخر لربح الوقائع، وهي أهم بكثير من تصاعد الاعداد التي لا تعزّزها الروح العسكرية الرفيعة.
وكان للحسن في مَسكن بقية من جيش، لا تجد المعنويات سبيلها اليه الا بالمعجزة، بعد النكبة التي أصيب بها هذا المعسكر بخيانة قائده وفرار ثمانية الاف من أفراده.
وفي المدائن، مجموعة من أشباح، كشفت الارجافات الدوة المربكة عن نواياها، فاذا بها لا تفتأ تتلقّف الفتن، وتهمّ بالعظائم ولا ترجى لميدان حرب، وهذه هي الناحية المعنوية على واقعها.
واما النسبة العددية فقد كان أكبر عدد بلغه جيش الحسن عليه السلام فيما زحف به إلى لقاء معاوية عشرين الفا أو يزيدها قليلا، وكان جيش معاوية الذي عسكر به على حدود العراق ستين الفا!.
فللحسن - يومئذ - ثلث أعداد جيش معاوية.
وجاءت عملية الفرار التي اجتاحت معسكر مسكن والتي انهزم بها ابن العم (ورب ابن عم ليس بابن عم) - كما يقول المثل العربي - بتمانية الاف!. فتصاعدت النسبة صعودا مريعا.
وبقى الحسن في معسكريه جميعا على الخمس من عسكر معاوية!.
واذا اعتبرنا - هنا - القاعدة العسكرية الحديثة التي تنسب القوة المعنوية إلى الكثرة العددية، بنسبة ثلاثة إلى واحد رجعنا إلى نتيجة مؤسفة جدا، هي نسبة واحد إلى خمسة عشر.
واذا نظرنا إلى جيش الحسن الذي بقى ينازل معاوية في مسكن وحده - على ضوء هذه القاعدة - رأيناه ينازل عدوا يعدّه خمسة واربعين ضعفا بالضبط.
فأين هي الكفاية لقمع فتنة الشام بالقوة، ياترى؟..
ولن تجيز النظم المتبعة لحروب الانسان في التاريخ، مبارزة واحد لخمسة وأربعين، ولا محاربة واحد لخمسة عشر. وما هي - ان اتفقت يوما - بحرب نظامية، تنتظرها النتائج، وأنما هي الحملات المستميتة التي تقصد إلى الانتحار عن ارادة وعمد.
فليكن الحسن ابن رسول الله، هو ذلك المخلوق الذي ادخره الله للاصلاح لا للحرب، وللسلام لا للخصام، وليكن الغرس الذي أنبته الله للمسلمين لا لنفسه، وللدين لا للسلطان وليكن نصيبه من هذا الموقف في الباقي دون الزائل، وفي الخالد دون الفاني، وفي الله دون الناس.
وهكذا حالت رسالة الحسن بالسلام، دون أن يشتبك الفريقان بحرب ما، وكان ذلك هو الثابت - تاريخيا - رغم ان بعض المؤرخين حاول التلميح إلى موقعة حربية، بين جيش قيس، قائد الحسن على مقدمته - وبين جند الشام في (مسكن). وصرح السيد في (الدرجات الرفيعة) بشيء من أطوار هذه الموقعة المزعومة.
ولا نعرف لهذا النبأ مصدرا جديرا بالاعتبار، أقدم من السيد الرفيع الدرجات (السيد على خان المتوفى سنة ١١٢٠ هـ).
ولا نجد من دراسة الوضع الراهن يومئذ في مسكن ما يدعم هذا الزعم.
ولا نرى من خطة (حقن الدماء) التي كانت طابع سياسة الحسن عليه السلام، في سائر مراحله، ما يبعثنا على التسليم لهذا الخبر.
ولا نفهم من حديث رسول الله صلى الله عليه واله (بان الله سيصلح بالحسن بي فئتين عظيمتين من المسلمين) الا كون الحسن رسول السلام في الاسلام.
فأنى يكون لجيشه أن يحارب أو يهاجم؟.
وعلمنا من وصية الحسن يوم حضرته الوفاة، أنه لم يرض أن يهرق في أمر محجمة دم، فكان في ذلك وفق رسالته التي أردها أو اريد لها.
على أن شهود عيان كثيرين يؤكدون: (أنه ولي الخلافة ولم يهرق في خلافته محجمة دم) وقال ذلك بعضهم، وهو يعزز كلامه بالقسم(١٤٣) مرتين.
بين المبدأ والملك
لعل أفضل طريقة للاستعانة على تجلية موضوعنا في هذا الفصل، ان نبدأه بشيء من الكشف الصريح عن المعنيين المختلف عليهما (للخلافة) في عرف المسلمين. وللكلام على الخلافة [أو حواليها]، خطره ومسؤوليته لدى واحد من الجانبيين غالباً، ولديهما معا أحيانا.
ونحن اذ نفهرس الخلافة هنا كما هي عند الفريقين، لا نريد أن نأخذ من موضوعها الا بمقدار ما يتصل منه بموضوعنا.
ونريد مع ذلك أن نعمد - أسطراداً - وعلى ضوء ما نضعه من صيغة البحث، إلى تقريب النظريتين المختلفتين، تقريبا جديرا بأن يخلق من بذرتنا هذه شجرة الاصلاح، لو وجد الاصلاح في هذه التربة سبيلا للازدهار، ولا خطر ولا مسؤولية لدى أحد الجانيين ولا لديهما معاً مما نريد، بل هو الخير كله، وما في الاصلاح الا الخير للكل.
فنقول: الخلافة هي النيابة العامة عن النبي صلى الله عليه واله، في رياسة المسلمين بعد وفاته، ولها على الناس الطاعة، وللناس عليها العمل بكتاب الله وسنة رسوله (ص).
واعتاد فريق من المسلمين أن يتقبلوا لهذه النيابة عن النبي (ص) أحدهم فيما لو استطاع أن يدّعيها لنفسه، اما بالقوة، كخلافة معاوية الذي (نال الخلافة بحدّ السيف تارةً وبالمكيدة والسياسة تارةً اخرى(١٤٤))، وكخلافة ابن الزبير، وأبى العباس السفاح، وعبدالرحمن الناصر، وآخرين، وامّا بالعهد اليه من سلفه الذي كان أخذها بالقوة أو بسبب آخر، كخلافة عمر ويزيد وألرشيد وغيرهم، وأمّا باختيار فئة من المسلمين ايّاه بادىء ذي بدء، كخلافة أبي بكر، وعثمان، ومحمد رشاد.
ورجع الفريق الثاني من المسلمين في تعيين النائب عن الرسول (ص) إلى نصوص صاحب الرسالة نفسه، فلم ينسيبوا عنه الا من أنابه هو فيما اثر عنه.
وعلى ذلك جرى الفريقان، وعلى ذلك كانا فريقين(١٤٥).
وكما اختلفا في أسباب نصب الخليفة، اختلفا في قابليته للتغيير والعزل، فعلى النظرية الاولى، كان حرياً بالعزل متى وفّق غيره للتغلب عليه، أو متى وجد اقتضاء آخر، وعلى نظرية النص ليس لاحد تغييره ولا عزله، ولن يكون الخليفة المنصوص عليه معرّضاً لنقص يخلّ بمقامه كنائب نبي، ومن هنا يرمز اليه بالعصمة من الله تعالى شأنه، كما هي شأن النبي نفسه صلى الله عليه وآله.
فالخلافة من النوع الاول سلطة عامة مقيدة بدستور خاص، وهي بواقعها أشبه بهذه السلطات القائمة اليوم، لا تختلف عنها الا من ناحية الاختلاف في الدستور، أو كما تختلف بعض هذه السلطات عن بعض.
وقداستها، فرع قابليات الرجل الذي اختير لها أو الرجل الذي تغلّب عليها، وأحياناً كان أفضل الناس قدسا، كما كان في وقت آخر من أشد الناس تمردا على الدين والخلق الصحيح.
وهي من النوع الثاني وعلى نظرية النص منصب آلهي تجب له الطاعة ديناً، كما تجب للنبي، وما هي بهذا المعنى الا ظل النبوة بمعناها الذي يتصل بالسماء، ولكنها انما تتصل بالسماء عن طريق النبي، وهو مصدر روحيتها كما هو مصدر النص عليها.
أما قداستها فطبيعية ثابتة لها، ثبوتها للنبوة نفسها. ولا خليفة من خلفاء النص، الا كان أقدس شخصية في الناس وأفضلهم.
وقديما كان موضوع (الخلافة) مثار شغب عنيف بين المسلمين ومصدر مآسٍ كثيرة مؤسفة في تاريخ الاسلام. وما كان من السهل ولا من الممكن يومئذ، ما نظنه اليوم ممكنا وسهلاُ، في موضوع تقريب الفريقين بعضهما من بعض، وجمعهما على نصف من الرأي، ينبذ به الخلاف، ويؤخذ معه بالواجب من الاخوة وألنجوح إلى الاصلاح.
وذلك هو ما يقتضيه الاهتمام بالجوهر دون الاعراض، وبالدين الصحيح دون الاغراض، وذلك هو الاسلام الذي يجب أن يتصل به المسلم إلى الله على حقيقته، دون أن تخدعه العنعنات أو العواطف أو المؤثرات.
وقضية الدين - وهو العلاقة بين العبد وربه وهو النقطة التي يرتكز عليها مسقبله في حياته الاخرى - لا تشبه القضايا الدنيوية التي يجوز عليها أن تخضع في الكثير من علاقاتها، لهوى النفس أو لتقاليد البيئة، أو لعواطف أو المؤثرات.
وقضية الدين - وهو العلاقة بين العبد وربه وهو النقطة التي يرتكز عليها مستقبله في حياته الاخرى - لاتشبه القضايا الدنيوية التي يجوز عليها أن تخضع في الكثير من علاقاتها، لهوى النفس أو لتقاليد البيئة، أو لعواطف الانسان وميوله وعصبياته.
أمّا صاحب الدين، فلا همّ له في دينه الا الواقع مجرداً.
ولا نريد الآن، في موضوع الخلافة، الا جمع الكلمة على الواقع المجرد دون أيّ تصرّف أو تحريف.
فيعترف الشيعي بالخلافة (من النوع الاول) على واقعها يوم وقعت [ولا ينبغي للاعتراف بأمرٍ ما أن يجاوز واقعه] بوصفها سلطة عامة قائمة بين المسلمين، لها ما تستحقه من الاطراء في كثير من آثارها في الاسلام.
ويعترف السني بالخلافة (من النوع الثاني) على واقعها ايضا بوصفها مرويةً بأفضل الطرق التي يفزع اليها المسلم في أخذ دينه.
ثم يكون هذا هو الحل(١٤٦) الجدير بالاعتبار، الذي تتحلل به العقد الرئيسة بين الفريقين دون أيّ غبنٍ أو استئثار.
ولما كنا الآن بصد البحث عن أحد أفراد الصفوة المختارة من خلفاء النص، فلنعلم بأن لموضوع بحثنا - الحسن بن علي عليهما السلام - خلافةً اسلامية من طراز فريد في تاريخ الخلائف في الاسلام، ذلك لانه حظي (بالخلافة) منذ بيعته ووفاة أبيه (ع)، على النوعين من معنييها اللذين يلتقيان عند هذا اللفظ في عرف المسلمين كافة، وعلى أفضل وجه في كل نوع يحتمل التفاضل.
فهو الخليفة من النوع الاول، ولكن (بالانتخاب)، وهو الخليفة بالنص بلفظ (امام).
ولعلك قرأت [في الفصل الثالث] نموذجاً من النصوص على تعيينه للمنصب، وعرضا عابراً لطريقة اختياره وبيعته من الناس.
والحسن اذ يقف موقفه الاخير من معاوية - بين المبدأ وألملك - فلا يعني بالملك الا تلك السلطة التي كان مصدرها انتخاب الناس له دون المنصب الذي كان مصدره اختيار الله له ونص الرسول عليه، لان هذا المنصب لا تناله يد في تغيير أو تبديل - كما نبَّهنا عليه - وانما هو من أمر الله، وأمر الله لا مرد له.
وكذلك كانت الزعازع والنكبات التي اصطلحت على الحسن في دور خلافته، فانها لا تعنى الحسن (الامام) وانما الحسن (ذا الجيش والسلطان).
والحسن في امامته، لا يناله تغيير ولا تمسه نكبة، فهو كالقرآن في امامته. ولن يضير القرآن، وهو المرجع الاعلى للمسلمين، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، خلاف الناس عليه، ولا جموحهم عنه، ولا نفارهم منه، وهو هو في منزلة من امامة الناس، وعلى حقيقته من كلمات الله، رضي الناس أو أبوا، عملوا بهداه أو عصوا، أسلموه قيادهم أو جمحوا.
وكذلك كانت امامة الحسن عليه السلام.
و كل من القرآن وألحسن، هو مركز الثقل في الاسلام، كما يكون كل من القانون والمَلكِ في الدولة الدستورية، هو مركز الثقل في الامة.
وأعني (بالثقل في الاسلام) ذاك الذي نوّه به رسول الله صلى الله عليه واله، في الصحيح بل المتواتر من حديثه الشريف، حيث يقول:
(اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض(١٤٧)).
والحسن من العترة - يومئذ - واسطة العقد وامام القوم، فهو من الاسلام كله (مركز الدائرة) الذي خلفّه صاحب الرسالة للمسلمين، كما خلّف القرآن (المرجع الاعلى).
وهل الامامة شيء آخر غير هذا، ياترى؟
وانظر إلى الحسن حين تتحدث عن حقيقته، كيف تتجاذبه كلمات الله من شتى جوانبه: القرآن، النبوة، الامامة، الثقلان، الجنة، الاصلاح، حقن الدماء، الوفاء بالعهد.
ثم ارجع بذاكرتك قليلاً إلى خصمه الذي راح ينازعه على الطاعة المفروضة له في الناس، فانظر أي كلمات تتجاذب الحديث عنه: الطمع، المراوغة، الفتنة، الرشا، نقض العهود، المال والحطام، الحروب وشن الغارات.
وانّ من هوان الدنيا أن ينازع فيها مثل هذا مثل ذاك!!
نعم ذاك هو الحسن ابن رسول الله (الامام)، فما شأن الملك الدنيويّ وما شأن المال والحطام؟
وذاك هو (سيد شباب أهل الجنة)، كما وصفه جده الاعظم (ص) وراءه عنه جميع فرق الاسلام، وهو الحديث الذي واكب القرآن في صحته وتواتره، وجاوز كلام الآدميين في عمقه وبلاغته.
ونقول على هامش هذا الحديث: هل اختلج في رأس سائل ان يسأل: لماذا لم يوصف الحسن في هذا الحديث، بأنه سيد شباب أهل الدنيا؟ وهل كان في الدنيا الا سيد شبابها خلالاً مشرقة، ومزايا مشرفة، وكرائم مكرمات غلب عليها الناس؟

من هاشم في ذراها وهي صاعدة * * * إلى السماء تميت الناس بالحسد
قوم أبى الله الا ان تكون لهم * * * مكارم الدين والدنيا بلا أمد

فما هو سرّ الطفرة التي جاوزت بهذا الحديث عالما بكامله، لتضيف الحسن إلى عالم آخر، غائب غير حاضر؟
انه ليغيب عن الذهن (اليوم) التنبّه إلى هذا الاستفهام، لان الذهن حين يلتفت اليوم إلى الحسن - وقد اختاره الله اليه - لا يتصوره الا سيداً من سادات الجنة، فليكن سيد شبابها، ثم لا يفطن إلى نسبة هذه السيادة للدنيا. - ولان القرون [الاربعة عشر] لاكت الحديث وروته في مختلف المناسبات، كأكثر ما يروى حديث في مناسبة حتى أصبح كأنه كلمة واحدة لا يفهم الناس منها الا حسنا وحسينا، دون ما تنبه إلى الاستفهام.
ترى، فهل فهم الناس منه، يوم صدر من مصدر بلاغته الاول، ما أراد به ذلك البليغ العظيم (ص)؟
نعم انه أراد أن يلمح - اذ يبارك على ابنيه بهذا اللقب - إلى أن الوطن العاق الذي ينبت الخيانة والغدر، كهذه الدنيا، والناس القلقين الذين مرنوا على النفاق ونقض المواثيق، كشباب ذلك العصر، لا يستحقان الاستظلال بسيادة هذين السيدين، ولا يناسبانها. فهما اذاً، سيدا الشباب، ولكن من ذلك النوع المختار الذي وفي لله في عهده، وفي الوطن المختار الذي نزع الله فيه الغلّ من صدور ساكنيه، وجعلهم فيه اخواناً على سرر متقابلين.
سيدا شباب أهل الجنة وكفى.
وعلى اسلوب أقرب إلى التوضيح: انهما اذا عقّت الدنيا وعقّ شباب هذه الدنيا حقهما، وبغيا عليهما، وأنكرا سيادتهما، وأبقا منهما، فلا بد لسيادتهما أن تسود، ولكن في دنيا خير من هذه الدنيا، وفي ناسٍ خير من هؤلاء الناس.
ولتبؤ هذه الدنيا بحرمانها من بركتهما وفضلهما وتوجيههما.
وليبؤ شبابها الخائن الغادر، بالعار والندامة، وخزي التاريخ وعذاب القيامة.
والحديث - على هذا المفهوم - ملحمة نبوية، تقرأ الغيب من وراء الغيب، وتشير - باجمال الملاحم - إلى ما سيلاقيه سيدا شباب أهل الجنة من شباب أهل الدنيا، وتفرض لكل من السيدين عليهما السلام نصيبهما رابحاً غير خاسر.
وما من شك، بأن من كان سيد الجنة أو سيد شبابها، فانه سيد الناس وسيد الدنيا بأسرها.
ولسيد الانبياء صلى الله عليه وآله، فيما تحملته عنه الاسانيد الصحيحة من كلماته القصار، بلاغته التي تتقاصر عن شأوها ملكات العظماء من بلغاء الناس. ثم هي في فيضها العربي الرائع، أعجوبة اللغة في سعتها وروعتها، وان من أروع وجوه الامتياز في البلاغة النبوية اشعاعها الخاص إلى المعاني الكثيرة باللفظ القليل، فتارة بالتصريح وأخرى بالتلويح. ومن هنا كان اتصالها الكثير بالنبوءات الصادقة التي لا يفارقها الاعجاز.
وكان هذا النوع من البلاغة - بذاته - دليل صحة الحديث النبوي اذا كان في صحته ما يقال.
ومن ذلك، قوله صلى الله عليه وآله في سبيل النص على امامة سبطيه الكريمين الحسن والحسين عليهما السلام: (انهما امامان ان قاما وان قعدا) - ولقد تتدبر ظاهر هذا الحديث فلا تفهم منه الا التصريح بامامة السيدين الحسنين، ثم تتدبره من وراء هذا الظاهر، فتراه يلمح بنبوءته الصادقة إلى سيرة كل من هذين الامامين، ويدل على أن احدهما سيقوم وأن الآخر سيقعد، أو على أن أحدهما أو كلا منهما سيكون مرةً قائماً، واخرى قاعدا، ثم هو في كل من الحالين امام لا يجوز الخلاف عليه على اختلاف حاليه.
ولم يكن أحد في الاسلام أكثر استيعابا لنبوءات رسول الله صلى الله عليه واله فيما أثر عنه، من ابنه وخليفته الحسن بن علي، فعلم ما عناه جده فيما أثبته له أو رفعه عنه، في هذين الحديثين، وفي أحاديث كثيرة أخرى.
وانه لأولى من يتمسك بنبوءاته، ليتخذ منها مناهج حياته ومماته.
أو ليس هو ابن ذلك النبي (ص) ووارث شمائله، ووصيّه على أمته؟ فليكن ما يلقاه من قومه، شبيه مالقيه النبي من قومه، - في دعوته -، وليقل اليوم مثل ما كان يقوله النبي يوم ذاك:
(اللهم اهدِ قومي فانهم لا يعلمون).
ولهذه النبوَّة من تلكم النبوة، خاصّتها الكريمة، التي غلب بها الحسن سائر المسلمين في دنيا الاسلام، واستغنى بها عن القوة المادية وعن الثروة والسلطان، لانها بحقيقتها قوة وثروة وسلطان.
فليبغ عليه معاوية، وليخنه عبيدالله بن عباس ولتخذله الكوفة، فلن تخذله بنوته الكريمة من رسول الله، ولن تخونه امامته المفروضة بأمر الله، ولن تبغي عليه مودته الواجبة في كتاب الله.
وما قيمة الملك المحدود، اذا قيس بالملك الروحي الذي لا تبلغه الحدود.
وما كان الاخفاق ولا الفشل ولا الموت، بقادر على القضاء - ولو يوماً واحداً - على هذه المعنويات الروحية التي طبقت الجواء فخارا، وتجارب بها التاريخ اعجاباً واكبارا، وبسطت سلطانها على قلوب المسلمين، لا يحرمها الزدهار عدوان المعتدين، ولا يمنعها الاثمار انكار المنكرين الجاحدين. وها هي ذي إلى يوم الناس هذا لتصّاعد قدماً في عظمتها وعلى طريق خلودها، في خط مستقيم بدون انحناءات.
والى هنا وقد تبينا - بهذا - الصلة الوشيجة بين الحسن وبين الينبوع الذي ينض بالخير على البشرية في مزالق الشر، وبالهدى على المسلمين في مواقف الفتنة وألتيه، وبالبركة على الدنيا في ساعات الجدب والحرمان، وعرفنا الحسن بوصفه ابن رسول الله وسيد شباب أهل الجنة واماماً يشارك القرآن في امامته.
بقي علينا ان ننقاد بشيء كثير من العناية والاهتمام، إلى فهم ما يرمز اليه الحسن نفسه في ايضاح موقفه - بين الملك والمبدأ -.
ولنرسم الآن صورة موجزة مختارة من كثير كثير، مما تناقلته عنه الحكايات المتناثرة بأسانيدها المتفاوتة في الثقة، ثم لنستظهر - بعد ذلك - اشارته البليغة الواردة فيما نذكره من هذه الحكايات، وهي ذات اهمية كبرى، لتوجيهنا إلى القول الفصل في الموضوع.
ولنستمع الآن إلى تصريح شخصي منه له قيمته في موضوعنا الخاص.
انه يجيب على السؤال العاتب الذي ألقاه عليه (سليمان بن صرد) الرجل الذي وصفه ابن قتيبة (بسيد العراق ورئيسهم(١٤٨))، فيقول:
(ولو كنت بالحزم في أمر الدنيا وللدنيا أعمل وأنصب، ما كان معاوية بأبأس مني وأشد شكيمة، ولكان رأيي غير ما رأيتم...(١٤٩))
ومثل واحد يغني عن كثير مما أجاب به شيعته.
أما أجوبته لاعدائه، وفيهم من يسرّه أن يؤذيه وقد أمن الشر من ناحيته، كعبدالله بن الزبير الذي كان يعلن مناوأته لآل محمد (ص)، فكان مما أجابه به قوله (وتزعم أني سلسَّمت الامر، وكيف يكون ذلك - ويحك - كذلك، وأنا ابن أشجع العرب، وقد ولدتني فاطمة سيدة نساء العالمين. لم افعل ذلك - ويحك - جبنا ولا ضعفا ولكنه بايعني مثلك، وهو يطلبني بترةٍ، ويداجيني الموّدة، ولم أثق بنصرته..(١٥٠)).
وتصريح آخر قصير ولكنه خطير، ولعله على اجماله، أبلغ تصريح في هذا الصدد، وهو ما يجيب به شقيقه ومزاج مائه، وشريك حوبائه في سراته وضرائه (الحسين عليه السلام).
انه سأله: (ما الذى دعاك إلى تسليم الامر؟) فقال: (الذى دعا أباك فيما تقدم(١٥١)).
اقول: ولتكفنا هذه النماذج القليلة عن كثير من مثيلاتها، شاهدا على (الامتحان) القاسي الذي تعرضت له الامامة من أصدقائها ومن اعدائها، والذي خرجت منه - في نهاية المطاف - مزهوةً بدرجة الشرف في النجاح.
ونحن اذا نخلنا تصريحات الامام في هذا الصدد، وجدناها تنكشف في شتي بياناتها عن العناصر الرئيسة الآتية.
١ - أنه لم يعمل للدنيا.
٢ - أنه لو أراد أن يعمل للدنيا، لكان أقوى عليها من خصومه، ولكانت مناهجه في الحياة، غير هذه المناهج.
٣ - أنه لم يؤت في موقفه من ضعف نفس ولا ضعف سياسة ولا جبن، ولكنه لم يجد الانصار المخلصين، ومعني ذلك أن أداة النصر كانت متوفرة لديه، لو قدّر له مؤازرون صادقون.
٤ - أن هدفه الوحيد هو هدف أبيه من قبل، وكان هدف أبيه فيما سكت عنه من حقه، صيانة المعنويات الاسلامية من الانقراض، والعقائد الدينية عن الانتقاض.
ولقد ترى ان معالم الامامة الروحية تتجلى واضحة بين عناصر هذه البنود الاربع، لا تشتبه بضعف ولا تتصل بتراجع ولا تمتّ إلى نكول، ولكنها القوة القائمة بنفسها، والدائبة على العمل لربها، فلماذا تعمل للدنيا، وما الدنيا من شاكلتها ولا هي من شاكلة الدنيا. كذلك هي (الامامة) بمعناها الصحيح، وبما هي ظل النبوة بمعناها الذي يتصل بالسماء، وما قامت النبوة في الارض - يوم شاء الله لها ان تقوم - الا بالانصار المخلصين، ولن تقوم الامامة اذا شاء الله لها أن تقوم الا بالانصار المخلصين. وأين الانصار المخلصون من هؤلاء الذين يداجون المودة رئاءً وهم يطلبون بالترات، ويبايعون على الطاعة المطلقة ثم يفرّون على غير مبالاة.
وكما لم يكن محمد صلى الله عليه وآله الا رسولا قد خلت من قبله الرسل، فما كان ابنه الحسن الا اماما في قلبه الايمان وعلى لسانه المثُل، وهذه هي رسالته التي أريدت له وأريد لها.
ومُني بالموقف الحرج، كذلك الذي مني به جده رسول الله صلى الله عليه واله يوم الحديبية وبني أشجع، ونكب من أنصاره كما نكب أبوه عليه السلام بخذلان الناصر يوم (السقيفة) ويوم (الشورى(١٥٢))، فلم لا يتخذ من جده وأبيه مثله، وينجز على سنتّهما عمله، وما من غضاضة عليه اذا كان فيما أتاه ثالث هذين الاثنين العظيمين.
ثم نقول على هامش ما ورد في دلالة البند الثاني: ان الحسن بن علي كان قد أخذ على نفسه أن يضع مواهبه وحياته وتاريخه وكيانه السياسي وما أوتي من جلد وقوة، رهنا بخدمة مبدئه وقربانا في سبيل تخليده واعلاء كلمته، وكان في خطوته الجبّارة التي ختم بها موقفه - بين المبدأ والملك - الامام الزاهد بالدنيا والخليفة الذي لم ينزل إلى قبول المسؤولية من الناس الا ليصعد من طريقها إلى اقامة المُثل الانسانية في الناس.
فهو فيما أخذ وفيما ترك، كان المثل الاعلى للزعماء المبدئيين.
وجاءته الدنيا طائعة بملكها وثروتها ونفوذها ولذاذاتها، ولم تكلّفه ثمنا لانقيادها اليه، وأختصاصها به، وعكوفها بين يديه، الا ايثارها من ناحيته، فأبى.
ولو أنه كان فعل، فآثرها (وحزم ونصب لها) لكان - بدون شك - أربح انسان فيها، لانه اذ ذاك الملك الذي جمع أفضل نسب في تاريخ الانسانية، إلى اعظم مملكة في تاريخ الممالك.
ولكنه كان عليه، لو رضينا له أن يكون دنيويا - وفرض المحال غير محال - أن يتجرد من قيود وراثته وتربيته، وأن يترك عنعناته الروحية جانبا، وأن يكون هو غير الحسن بن علي وابن فاطمة وسبط رسول الله صلى الله عليه واله، فيعمد إلى ارضاء الطامعين، واصطناع الموازرين وارشاء القلقين. وفي جباية امبراطوريته المترامية يومئذ، ما يتسع لشتي المطامع التي يتطامن لسحرها زعماء ذلك الجيل و(أبناء بيوتاته النفعيون) فاذا المنافقون كلهم مؤمنون طيّبون، واذا الخونة كلهم أمناء مخلصون واذا القلقون رعية خاضعون، واذا الناس كلهم مزيّفون وهم لا يشعرون!!.
ولرأيت عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وزياد ابن ابيه ورجال مدرستهم، يلوذون ببلاط الحسن في الكوفة، كما يلوذ به اليوم حجر بن عدّي وقيس بن سعد وعدّي بن حاتم، أو كما يلوذون هم ببلاط معاوية هناك، وما كانوا ليصطدموا من شمائل الحسن - اذ يلوذون به - بما يصدمهم من عناصر الفشل في معاوية وتاريخه ومواريثه وارتجالياته.
ولنجحت قضية الحسن، على الشكل الذي لا يغرينا بأن نكتب عنها أو نخوض فيها، أو نضحي لها وقتا..
ولرأيت هذا الشعب الكوفي اللئيم - الذي واكب عهد الحسن في التاريخ - ولاءً وطمانينةً واستقرارا، ما دامت خزائنه معرضة لشراء الضمائر وولاياته مفوّضة لاستجابة نهم الاكابر، وما دامت سياسة دولته تداري ما حولها من الاهواء النفسية، والاغراض الحزبية، والاطماع الدنيوية، اللهم الا ما ينبهنا اليه استقراء نفسيات الاقلية المتزّمته من (شيعة أبيه) الذين برهنوا في ثباتهم مع الحسن العازف عن الدنيا، ومع أبيه الذي طلّق الدنيا ثلاثا، على أنهم كانوا وراء حقائق لا وراء مطامع.
ولكن الذي كان يؤمل أن يخفف الضغط من ناحية هؤلاء أن بنوّة الحسن - التي لن تفارقه - من رسول الله (ص)، ستكون هي شفيعه المقبول الشفاعة، لدى هذه الزمرة من المؤمنين غير المزيفين.
وما ظنك بعد هذا؟ فهل ترى أنه كان من مستطاع معاوية أن يقاوم (هذا الحسن) أو ينتصر عليه؟ وأيهما - على هذا - كان أولى بالضعف، وأيهما كان اولى بالقوة، الحسن أم معاوية؟
وعلى ضوء هذا التقريب، نفهم معنى قول الإمام الحسن: (ولو كنت بالحزم في أمر الدنيا وللدنيا أعمل وأنصب ما كان معاوية بأبأس(١٥٣) مني وأشد شكيمة(١٥٤). ولكان رأيي غير ما رأيتم).
أجل، وهذا هو المظنون، لو أراد الحسن الدنيا.
ولكن الشيء المعلوم،هو أن الإمام الحسن بن علي عليه وعلى أبيه السلام كان بشرا آخر غير هذا.
انه كان من ذلك النوع الذي لا يطلّ على هذا العالم، الا في فترات معدودة من الزمان، فتستروح البشرية من شمائله مُثُلَها، وتترسم بهداه النقي الفاضل سعادتها.
انه كان يفهم من الشرف معنى خاصا، مزيجا من عزة النفس ومصالح الدين، فلا الملك ولا المال، ولا المتع الملذوذة في الدنيا، مما يدخل في حساب الشرف عنده.
وكانت عصمته عن الرجس كما يصفها الكتاب، وروحيته المثالية التي تملأ ذلك الاهاب، تمنعانه النزول عن شموخ هذا الشرف، إلى الحضيض من رغبات الملك الزائل، واللُّبانات المنغَّصات، مع ما يستلزم ذلك من الصدوف عن الله وعن كتبه ورسله واليوم الاخر، ولن يكون الرجل الدنيوي الا متغاضيا عن اولئك جميعا أو مغاضبا لهم.
وكان معنى ربح الموقف، عن طريق هذه الاساليب الملتوية، الخسارة الكبرى، في حياة هذا النوع من ذروات المثالية وأعالي الناس.
وكان من لوازم هذا الالتواء - في جانب الحسن - أن تتلاشى في نفسه، الغرائز المثلى التي غرستها في كيانه يد النبوة، وغذتها في روحه أثداء الوحي، وبسطتها في وجدانه مهابط التنزيل.
وأنى لتلك الغرائز ان تتلاشى في نفسه، وهي منه كبعض ذاتياته التي لا تنفصل عنه؟. وانى له أن يعمل للدنيا أو (يحزم وينصب لها) وهو ابن رسول الله وربيب حجره، وتلميذ مدرسته؟.
وما لرسول الله وللدنيا، لولا انها ميدان رسالته.
فليكن الحسن بحكم طبيعته المملاة عليه من تربيته وعقيدته ومحيطه، مرآة جده، ولكن في ميدان امامته، وتلك هي القدوة الحسنة والاسوة الطيبة، التي لا يمسها ضعف، ولاتتهم بجبن، ولايهزمها همزة بنقص - مرآته في زهده بالدنيا، كما هو مرآته في كرائم صفاته، لانه كان (أشبههم به خلقاً خلقا)، ومرآته حتى في سياسته وأدراته.
فأين هي مآخذ الضعف على الحسن فيما يتسرع اليه المنتقدون؟.
ونسي الخائضون في نقد سياسة الحسن عليه السلام، حراجة موقفه من أنصاره، ونسوا ان شذوذ هؤلاء الانصار انما كان وليد الحوادث الزمنية التي لا يَدَ للحسن فيها، بحكم تطور الحياة العامة منذ الجيل الثالث بعد عهد النبوة، وأنطلاق الناس - أو اكثرهم - من عقال التقوى، واستكانتهم للمطامع وللملذات. فالجناية اذاً جناية ظرفه، والخيانة خيانة جيله الذي قدر له أن يعيش معه، ولا تثريب على الحسن من هذا أو ذاك.
ونسوا - وهم يتحاملون على سياسة الحسن عليه السلام - ان العاقبة لمثل هذا الموقف ومثل هذا الظرف، ومثل هذا المجتمع الذي جبل على الرياء والباطل، مع الرجل الذي لا يحلم بغير الاخلاص والحق، لا تحتمل في الامكان أحسن مما كان.
لذلك نرى أن التدابير الخاصة التي اتخذها الإمام الحسن في خطوات قضيته، كانت أبرع الحلول لمشاكلها، وأروعها سياسة، وأدقها نظرا، واليقها بسيرة امام.
وقد عرضنا في فصولنا هذه، المآخذ التي أخذت على الحسن عليه السلام فذكرنا كلا منها فيما ناسبه من موضوعاتنا، ورجعناه هناك إلى وجه الصحيح الذي كان يواكبه في واقعه، والذي لا يدع مجالا - بعده - لتحريف أو تخريف.
وهكذا انتفض الحسن - اخيرا - انتفاضته الاصلاحية الكبرى، فطوّر الموقعة القائمة على الفتن والسلاح، إلى دعاوة خُلُق ومحبة واصلاح، فاذا هو (المصلح الاكبر) المجلى في ميدان المصلحين، واذا هو (القائد المبدئيّ) الظافر بأسمى مدارج الكمال بين الابطال المبدئيين.
واذا هو - بعد - ملك الدنيا بأسرها، وان لم يكن ملك عرش.
وهل الاسلام في حقيقته، الا هذه الروح الملائكية، التي لن تغلبها مادية الدنيا، ولن تستذلها شهواتها الرخيصة وأوهامها الخلّب الكذوب؟
انه نظر إلى الكثرة من (أصحابه) فساءه أن يجدهم في تواكلهم عن الواجب، وعزوفهم عن الخلق، وتفرقّهم عن حقهم، أصحابا لعدوه من دونه، وكانت العدوى الخبيثة التي نشبت أظافرها في رؤوس الخائنين المعدودين، قد فتكت في المجتمع المغلوب على أمره ففرقّت كلمته وضعضعت من صفوفه وجعلت من - في قليل من الزمن - طرائق وأوزاعا، يرسم كل فريق منهم خططه بيده ويستعدّ للحرب، ولكن ليحارب - في يوم كريهته - أبعد الرجلين عن مآربه وأقربهما إلى حرمانه.
وأيّ أمل بأصحاب ليس شرا منهم الاعداء؟
فلِمَ لا يقول الامام (النائب عن النبي (ص)) كلمته التي يفرغ بها عن لسان النبوة في رحمتها وسموها، كلمته التي تتحايد بمغزاها عن الفريقين المتحاربين، كما لو كانت شيئا فوق الجميع؟
وهل (الامام) في حقيقته الا شيئا فوق الجميع؟.
التضحية
ما كان من السهل الانصياع إلى هذه النبالة في (رقمها القياسي) الذي لا تحلم بمثله كبريات النفوس مهما بلغ بها انكار الذات، لو لا ما أودع الله في هذه النفس من القوة وألصبر وألاحتمال وألكبرياء على الحياة.
وأين تكون التضحية في سبيل الله والفناء في ذات الله والعمل في جنب الله الا حين تستقيم النفس سافرة لا تلتمس ريبة، صريحة لا تتكلف مداراة ولا مداورة ولا استخفاء، مجاهدة جهادها الاكبر في تحطيم ميولها الشخصية، ومعاكسة طبيعتها البشرية بكبح جماحها الارضي الانانيّ.
وها هي ذي (الامامة) بكل معانيها المنقطعة إلى الله وها هو ذا (الامام) المنقطع إلى الله بكل معانيه.
واذا لم يكن الظرف القائم بين يديه، كافيا للانتصار على الباطل فلم لا يتخذ منه ظرفا كافيا للاحتفاظ بالحق؟
وذلك هو ما انتهت اليه صورة الموقف، بعد أن رفع الستار عن نوايا الجماهير التي كانت ترتجز أمامه للجهاد، وتتركز في حقيقتها على الاغراض.
واذا كان لا يردّ عادية معاوية عن الاسلام الصحيح، متمثلا في الصفوة من آل محمد (ص) والبقية الباقية من حزب الله المخلصين، ولا يردّ أجناده من أهل الشام، ورتله الخامس المتغلغل في صميم الكوفة وفي معسكر الامام الا الغلب على الملك.. فلتكن لهذه الايدى العادية الضارية غنيمتها من الدنيا، بشهواتها ومطامعها ومضارها ومعايبها، ولتسلم للحسن وللبقية من حزب الله، مبادئُهم الروحية، بجلالها وقوتها وأتساعها وعظمتها وخلودها.
وما من غضاضة على ابن رسول الله (ص) اذا تنزّه عن وضر المادة، فترك الدنيا لاهلها، وأنفرد بسلطان الروح، ثابت المقام في عظمته، مرفوع الاعلام في امامته، معروف الفضل في أمثولته، مشكور الشمائل في جهاده وصبره وتضحياته.
وما لمسلم معنيّ باسلاميته، ولا لمؤمنٍ حريص على الصحيح من عقيدته، أن يشتبه في أمره، أو يفرط بحقه، أو يتناسى مكانته من رسول الله (ص) أو يتجاهل امامته الثابتة بأمر الله - تلك الامامة التي لا تقبل تغييرا ولا انتقالا، ولاتحتمل ضعفا ولا انخذالا، ولكنها الغالبة المتصرة رغم المحاولات المخذولة المناوئة، تقوى بقوة الله، وتثبت بثبوت الحق، وتمتد في أعناق الاجيال كما تمتد النبوّات في أعناق أممها، فيها كلّ معاني المجد الحقيقي، وفيها الهيبة القادرة، وفيها الاستخفاف بخيلاء المناوئين.
انها المرحلة الدقيقة من مراحل تاريخ الاسلام. وهي مرحلة الفصل بين الخلافة الحقيقية والملك [بين الامامة الدينية والسلطان]، بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية.
ولم يكن هذا الفصل - على صورته الظاهرة - مما تألفه الذهنية الاسلامية بادىء الرأي، ولكنه الامر الواقع الذي درج عليه الاسلام وألفه المسلمون من حيث يعلمون ومن حيث لا يعلمون، منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله، الا في الفترات القصيرة التي كانت قطرةً في بحر هذه القرون. وكان الاستسلام لعملية الفصل من قبل أولاياء الامر الشرعيين، الوسيلة الاصلاحية التي يجب الاخذ بها عند الخوف على بيضة الاسلام.
ولكي نكون أكثر صراحةً في البحث، وأوضح تعبيرا عن الغرض نقول: ان الإمام الحسن لم يفعل في موقفه من معاوية، الا مثل ما فعله أبوه امير المؤمنين (ع) في موقفه من أبي بكر وصاحبيه. وذلك هو معنى جوابه لاخيه الحسين (ع) فيما مرّ عليك، حين سأله: (ما الذي دعاك إلى تسليم الامر؟) فقال له: (الذي دعا أباك فيما تقدم).
ولكل من الامامين في ظرفه الخاص، تضحياته الرفيعة التي حفظ بها الاسلام.
ومحا الحسن - على هذه القاعدة - خارطة مملكته المادية من الارض، لينقش بدلها خارطة عظمته الروحية في الارض والسماء معا. وتلفّت إلى (حدود) مملكته في الملك الجديد الذي لا يبلى، فاذا هي الحدود بين مملكة الحق والمملكة التي هي شيء غير الحق، بين الانسانية المثالية وألانانية الطاغية، بين روحانية (الامام) الذي يحيا ويموت، وعلى لسانه كلمات الله: (أقيموا الصلوة)، (وآتوا الزكوة)، (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم)، (ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا) - وبين مادية (الجبّار) الذي يعالن الناس قائلا: (والله اني ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتزكوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا، وانما قاتلتكم لأتأمَّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون!).
واعتاد الناس ان يتلقوا مثل هذه الحادثة، كما يتلقون الصدمة الكبيرة من أحداث الزمان، ذلك لانهم انما ينظرون اليها من ناحيتها الدنيوية الضيقة فلا يرون فيها الا الخسارة.
أما النفس المطمئنة المفطورة على الخير المحض، فالحادثة عندها وسيلة أهداف هي أعز من الملك، وهي أعز من الدنيا بأسرها، وهي - مع ذلك - التاريخ الذى يلعلع على الانسانية بالامجاد.
وهكذا غلب الحسن الناس في جهاده، وفي صبره، وفي تضحيته جميعا. وهذه ثلاث هن امهات الفضائل كلها. وللحسن ثلاث اخرى وثلاث ثالثة، كلهن أدوات عظمته، وشواهد مزاياه.
غلب الناس بامامته، وبوجوب مودته، وببنوته من رسول الله (ص).
ونُكب من الناس بأنصاره، وبأعدائه، وبزوجه.
وخُصَّ بين الناس - كما قلنا - بالنوع الممتاز من جهاده، والنوع العظيم من صبره، والنوع الفريد من تضحيته.
ولكي نتوفر على فهم هذه المواهب الثلاث على الاخص، كخصائص حسنية لها مميزاتها التي لا تقبل الجدال، نقول:
١ - اما جهاده
فقد كان أروع الجهاد، وآلمه للنفس، وأوسعه ميدانا وأطوله عناء.
انه جاهد في سبيل الله ولكن في ميادين كثيرة، لا في ميدان واحد: جاهد عدوه بما زحف إلى لقائه، وبما جوبه به من فِتنَه وأسوائه، وجاهد أصحابه وجنوده بما حاول من استصلاحهم بمخلتف الاساليب، فأعيته الاساليب كلها، وجاهد نفسه بما ضبط من عواطفها، وبما كبت من طموحها، وبما ردًّ من سلطانها، ولا نعرف في زعماء البشرية انسانا تمكن من نفسه ومن أعصابه ومن عواطفه كما تمكن منها الحسن في مواقفه التي مرّ عليها، وجاهد شيعته المخلصين في تشيّعهم له، بما تحمل من عتابهم الجرىء على قبوله الصلح، فوقف منهم موقفه الذي دلّ بذاته، على خصائصه الملكية الممتازة التي لا تفارق الامام (المعصوم)، بما ملك من حفيظته، وبما ربط من جأشه، وبما قابلهم به من هدوء الطبيعة، وميوعة اللهجة وطول الاناة.
وأجاب كلا على عتابه أوضح جواب، وأقربه إلى صواب، وكشف له عن أهدافه فيما أتاه، بما استأصل به شأفة عتابه، فاذا المخاطب مأخوذ ببراعة الحجة وروعة الغرض وأصالة الرأى، يستذكر بمواقف امامه مواقف الانبياء، ويتسقط من أخباره مساقط الوحي، فاذاهو هي.
واليك هنا نموذجا واحدا مما قاله له أحدهم ومما أجابه به، قال:
(يا ابن رسول الله لم هادنت معاوية وصالحته، وقد علمت ان الحق لك دونه، وان معاوية ضال باغ؟).
فأجابه:
(يا أبا سعيد ألست حجة الله تعالى على خلقه واماما عليهم بعد أبي؟) قال: (بلى)، قال: (الست الذي قال رسول الله لي ولا حي: الحسن والحسين امامان قاما أو قعدا؟) قال: (بلى)، قال (فأنا اذاً امام لو قمت وأنا امام اذا قعدت).
(يا ابا سعيد، علة مصالحتي لمعاوية، علة مصالحة رسول الله لبني ضمرة وبني أشجع ولاهل مكة حين انصرف من الحديبية، اولئك كفار بالتنزيل، ومعاوية وأصحابه كفار بالتأويل).
(يا أبا سعيد، اذا كنت اماما من قبل الله تعالى ذكره، لم يجب ان يسفّه رأيي فيما أتيته من مهادنة أو محاربة، وان كان وجه الحكمة فيما أتيته ملتبسا، ألا ترى الخضر لما خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار، سخط موسى فعله لاشتباه وجه الحكمة عليه، حتى أخبره فرضي، هكذا أنا، سخطتم عليَّ بجهلكم وجه الحكمة، ولولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الارض أحد الا قتل(١٥٥)).
اقول: وللحسن من فصيلة هذا الجهاد، جهاد اخر مثله، مع فصيلة أخرى من الناس، هم الامويون أنفسهم [وسنشير اليه قريبا].
وهذه وحدها خمسة ميادين، أفنى الحسن عليه السلام فيها عمره الشريف وتحمل همومها بقوة ثابتة، وجلد عنيف.
ولم يبق ميدان للجهاد، لم يبرز الحسن فيه للنضال.
وانه اذ ينزل عن سلطان ملكه، انما يجاهد في الله من هذا الطريق ابقاءً على الاسلام، وتيسيرا لحياة المسلمين، ودفعا للقتل عن المؤمنين، وهو في ذلك كالذي يزل عن حقه في حياته جهادا في سبيل الله، ويبيع الله نفسه ليشتري منه جنته.
٢ - واما صبره
فانه صدى جهاده، والحصن الذي يلجأ اليه في مختلف ميادينه.
ولقي من زمانه ومن أهل زمانه، الحرمان وألخيانة وألغدر وألمؤامرات وألنفاق وألغيلة ونقض العهود، وبهتان الاعداء وسبابهم، وأزورار الاصدقاء وعتابهم، وما لم يلقه أحد غيره فيما نعهد من زعماء التاريخ، وتفجرت عليه من كل مكان، المحن السود والنكبات الفواتن.
فقابل كل ذلك بالصبر الذي لا توازنه الجبال.
وعالج الاوضاع التي دارت حوله، بما اوتي من الحكمة البالغة الحنكة الموهوبة، متدرّجا معها من البداية إلى النهاية، لا يستسلم للغضب ولا يتأثر بالعاطفة، ولا يستكين للحوادث، ولا يتقلقل للمربكات، ولا تهزّه الا نُصرَةُ الدين كلمة القرآن ودعوة الاسلام.
وهذا هو الحسن السبط على حقيقته التي خلقه الله عليها. ولن ينكر على الحسن خصاله هذه، الا متعنت جاهل، أو عدّو متحامل، وكانت مزاياه في عصره مُثُلَ المزايا، وكان كرمه في الناس مضرب المثل. وكان من حلاوة حديثه، وسرعة بديهته، وقوة حجته، وهيبته، وحلمه، وحجاه، ما شهد به أعداؤه فضلا عن أصدقائه.
انظر إلى تقريظ معاوية له في خواتيم (المشاجرات) التي كان يثيرها عليه في مجالسه، والى اطرائه اياه في مناسبات أخرى لا تتصل بهذه المشاجرات.
فقال مرة وهو يطري حلاوة حديثه:
(ما تكلم عندي أحد أحب اليَّ اذا تكلم ان لا يسكت من الحسن ابن علي(١٥٦)).
وقال عنه وقد ذكر عنده:
(انهم قوم قد الهموا الكلام(١٥٧)).
وقال عن هيبته وحسن محضره:
(والله ما رأيته الا كرهت غيابه وهبت عتابه(١٥٨)).
وقال ايضا:
(فوالله ما رأيته قط، جالسا عندي، الا خفت مقامه وعيبه لي(١٥٩)).
وقال يمدحه:

(أما حسن فابن الذي كان قبله * * * اذا سار سار الموت حيث يسير
وهل يلد الرئبال الا نظيره * * * وذا حسن شبه له ونظير
ولكنه لو يوزن الحلم والحجا * * * بأمر - لقالوا يذبل وثبير(١٦٠))

نعم هذا هو معاوية وهو عدو الحسن (رقم ١). واما مروان بن الحكم، فهو الذي كان يقول عن الحسن عليه السلام: (انه ليوازن حلمه الجبال(١٦١)).
وكان التظاهر بالثناء على الحسن من عدويه هذين، دليل قوة الحسن في الناس، والا فدليل خضوعهما للامر الواقع، أو هو الستار الذي يسدله الخصم على الفكرة التي يجهز بها على خصمه.
اما هذه المشاجرات التي مررنا على ذكرها مرورا، والتي حفل بكثير منها بعض الموسوعات ذات الشأن، فهي (الحُدَيَّا(١٦٢)) التي كان ينشط لها معاوية في مضطربه مع الحسن، حين يوجد الحسن في الشام [بعد الصلح] أو حين يوجد هو في المدينة.
وكانت مجالس يستعد لها معاوية، بالاقوياء من أصدقائه الخلّص واقرابئه الأدنين، الذين يساهمونه النظر إلى أهل البيت عليهم السلام كالعائق لهم عن النفوذ إلى قلوب الناس، فيجمع اليه - عمرو بن العاص، عتبة بن أبي سفيان، وعمرو بن عثمان بن عفان، والمغيرة بن شعبة، والوليد بن عقبة بن أبي معيط، ومروان بن الحكم، وعبد الله بن الزبير، وزياد أبن ابيه، وربما جمع بعض هؤلاء دون بعض، وربما ضم اليهم آخرين. ثم يدعو الحسن عليه السلام، فلا يزال يبرز لمشاجرته رجال الحلبة من هذا الحزب، الواحد تلو الاخر، مشبوب الحفيظة، وارم الانف لا يدع شيئا يقدر عليه فيما يتحدّى به الحسن الا أتاه، ليشفي نفسه وليرضي هواه، فاذا هي مؤامرة في أسلوب مشاجرة.
أما الحسن عليه السلام وهو (الصخرة الململمة التي تنحط عنها السيول، وتقصر دونها الوعول، ولا تبلغها السهام) - على حد تعبير عبد الله بن جعفر عنه(١٦٣) -، فقد كان له من براءة القلب وروحانية النفس وشعار الطهر، ما يربأ به عن النزول إلى مثل مهاتراتهم.ولكنه كان يجيبهم وهو يقول: (أما والله لوالا أن بني أمية تنسبني إلى العجز عن المقال لكففت تهاونا).
ويردّ عليهم بالحجة القوية البالغة التي ترغم ذلك العناد الصاعد ليعود استكانةً وهزيمةً وذهولاً.
ويسعرض في بعض ردوده عليهم، ميراث النبوة وولاية الامر، فيستدرجهم ببديهته التي تغترف من بحره المتدفق الزاخر، إلى الاعتراف له بحقه وبحق أبيه.
ويمضي قائلاً فلا يزال بهم، حتى يجزيهم على بذاءتهم المنكرة، غير مستعين - مثلهم - بالكذب، ولا متذرع - مثلهم - بالبذاء. بل يطعن كلاً على انفراده، فيصيب منه أبرز مقوّماته، في نسبه المعروف أو حسبه الموصوف... وان أبلغ حدياك لخصمك، أن تمسه في غروره وفي صميم مزاياه التي يخالها مناط أمجاده، ومرتكز شخصيته.
وكان الحسن في كل هذه المجالس، الغالب القوي إلى جانب الضعفاء المغلوبين.
وكان أشد القوم شعورا بالضعف والتماسا للهزيمة [في هذه المجالس] كبيرهم الذي كان أكثرهم وسائل في القوة المادية الطيعة لاوامره، وكان يغيظه أن يرى أشلاء اخوانه وبني عمومته، مضرجةً بطعناتها النجل، عند نهاية كل شجار.
فيقول لهم آنذاك: (قد كنت أخبرتكم وأبيتم، حتى سمعتم ما أظلم عليكم بيتكم وأفسد عليكم مجلسكم!).
ويقول لهم: (قد انبأتكم أنه - يعني الحسن - ممن لا تطاق عارضته!).
ويقول وهو يخاطب مروان بن الحكم: (قد كنت نهيتك عن هذا الرجل، وأنت تأبى الا انهماكا فيما يعنيك، اربع على نفسك، فليس أبوك كأبيه، ولا أنت مثله. أنت ابن الطريد الشريد، وهو ابن رسول الله صلى الله عليه واله الكريم، ولكن رب باحث عن حتفه، وحافر عن مديته).
ويقول لعمرو بن العاص مؤنبا ومحرضا: (طعنك أبوه - يعني أمير المؤمنين عليه السلام - فوقيت نفسك بخصييك، فلذلك تحذره!).
ويقول له في مجلس اخر: (لا تجار البحار فتغمرك، ولا الجبال فتبهرك، واسترح من الاعتذار!).
و يندم ابن الزبير، وهو اذ ذاك من ندماء معاوية، على مشاجرته للحسن (ع)، فيعتذر قائلا: (اعذر ابا محمد فما حملني على محاورتك الا هذا - ويشير إلى معاوية -، أحبَّ الاغراء بيننا، فهلا اذ جهلت أمسكتَ عني، فانكم أهل بيت سجيتكم الحلم والعفو..).
فيقول له معاوية وقد عزّ عليه أن يسمعه وهو يعتذر إلى الحسن اعتذار المنهزم المغلوب: (أما انه قد شفى بلابل صدري منك، ورمى مقتلك فصرت كالحجل في كف البازيّ، يتلاعب بك كيف أراد، فلا أراك تفتخر على أحد بعدها!).
ويقول في أعقاب مشاجرة اشترك فيها ابن العاص ومروان وأبن سمية في جهة، وألحسن بن علي (ع) في جهة، ما لفظه: (أجاد عمرو الكلام لولا أن حجته دحضت، وتكلم مروان لولا أن نكص)، ثم التفت إلى زياد وقال: (ما دعاك إلى محاورته، ما كنت الا كالحجل في كف البازي!).
فقال عمرو: (الا رميت من ورائنا؟)، قال معاوية: (اذاً كنت شريككم في الجهل، أفاخر رجلاً جده رسول الله وهو سيد من مضى ومن بقي، وأمه فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين). ثم قال لعمرو: (والله لئن سمع به اهل الشام، لهي السوءة السوءاء)، فقال عمرو: (لقد ابقى عليك، ولكنه طحن مروان وزيادا طحن الرحى بثفالها، ووطئهما وطء البازل القراد بمنسمه!)، فقال زياد: (قد والله فعل، ولكن معاوية يأبى الا الاغراء بيننا وبينهم).
وهكذا شهد على معاوية بالاغراء على هذه المهاترات كل من ابن الزبير ورياد صريحا، وشهد عليه السلام في الكثير من ردوده عليهم. قالوا: (وخلا عبدالله بن عباس بالحسن، فقبّل بين عينيه وقال: (أفديك يا ابن عم والله ما زال بحرك يزخر، وانت تصول حتى شفيتني من أولاد....(١٦٤)).
وكانت نصوص هذه المشاجرات بصيغها البلاغية، وقيمها الادبية، جديرة بالعرض، كتراث عربي أصيل يدل بنفسه على صحة نسبه ويعطينا بأسلوبه وصياغته، صورة عن (أدب المشاجرات) في عصره. ولكن الذي رغّبنا عن استعراضها في سطورنا هذه، ايغالها المؤسف بالتهتار البذيء، الذي بلغ به صاغة الاكاذيب الامويون غايتهم، فأساءوا لانفسهم أكثر مما أرادوا بعّد وهم، وما كانوا محسنين.
واذ قد آثرنا الرغبة عن استعراضها هنا، فلا نؤثر أن نتجاهل - في موضوع الكلام على صبر الحسن عليه السلام - ما بلغته هذه المجالس، من الاساءة إلى الحسن، وما بلغه الحسن في نفسه من عظيم الصبر عليها، وعظيم البلاء في التعرض لها ولا مثالها من اساليب معاوية وأحابيله، سلما وحربا.
ومما لا شك فيه، انها كانت مجالس مبيتة، وكان لها هدفها السياسي المقصود، وهي من هذه الناحية، أحد ميادين معاوية، فيما شنه على الحسن وشيعته من حزب الاعصاب التي استبدل بها حرب الميدان.
ثم كان من ميادين حربه (الباردة) ما سيجيء الالمام بطرف منه في الفصول القريبة.
٣ - التضحية
واما النوع الفريد من تضحيته، فهو موقفه من الحكم والسلطان، وفي سبيل مبدئه.
وقد تكون التضحية بالعرش من صاحب الحق به، أشد دلالة على انكار الذات من التضحية بالنفس. وانكار الذات في سبيل المبدأ، أوضح صفات الحسن بن علي (ع)، وأروع أدواته في جهاده الموصول الحلقات.
وهي على كل حال، آلم التضحيتين للنفس، وأطولهما عناء في الحياة، وأشدهما ارهاقا لكيان الانسان.
وقديما كان الحرص على العرش أعنف اثرا في نفوس القائمين عليه، من الحرص على النفس بله المبدأ، فترى العدد الكثير ممن فدى عرشه بنفسه، ولا ترى الا عددا ضئيلا جدا ممن فدى نفسه بعرشه.
وفي التاريخ صور بشعة كثيرة من قرابين العروش التي كان يفتدي الملوك عروشهم بها اولا، وبأنفسهم أخيرا [اذا لم يكن بد من الفداء بالنفس].
وعلى مثل هذه النسبة من كثرة التضحية بالنفس في سبيل التاج وندرة التضحية بالتاج في سبيل النفس، كان الفرق بين قيمتها المعنوية فيما يتواضع عليه الناس من القيم المعنوية للاشياء.
وذلك هو سر ما تستأثر به الحادثة النادرة، من حوادث السخاء بالعرش من اهتمام الناس، ولغط الاندية، وقالة الجماهير. وهو سر ما تستثير من نهم المتطفلين إلى الاشتباك بألوان النقاش ومختلف التحاليل والتعاليل. ولا يروى التاريخ حادثة سلطان يتنازل عن عرشه، ثم لا يختلف عليه الناس، فمن مصوّب ومخطيء، وعاذر وعاذل، [فقوم له وآخرون عليه].
الا الحسن بن علي عليهما السلام.
فقد خرج عن سلطان ملكه، وضحّى بامكانياته الدنيوية كلها، في سبيل مبدئه، فما شك انسان قط في نيته واخلاصه واستهدافه المصلحة، وسمّو تضحيته في الله. وسمي عامه (عام الجماعة) اشعارا بالاجماع على موافقته والاخذ برأيه - عمليا -.
وتلك هي آية عظمته في التاريخ.
وآية مقامه المكين من قلوب المسلمين.
وآية سلطانه الروحي الذي لا يضيره نزع الصولجان.
وشكا بعضهم عزوفه - بهذه التضحية - عن معركة السلاح وكان من هؤلاء أفراد من كبار شيعته، ولكن أحدا ممن شكا ذلك بدوافعه الزمنية، لم يشكَّ قط في صحة ما أتاه الامام بدوافعه الدينية، من صلاح الامة، وحقن دمائها، والانتصار لاهدافها.
وسترى فيما تقرأه قريبا - في الفصل الاتي - أن العاتيين لم ينصفوا الحسن فيما شكوه منه، أو عتبوا به عليه، وان الحل الذي اتخذه الحسن للخروج من مشاكله الاخيرة، كان هو المخرج الوحيد لظرفه الخاص.
ولم يكن الحسن بن علي عليهما السلام، حين قرر النزول إلى اصعب التضحيتين ألما في النفس، وأفضلهما أثرا في الدين، واقلهما حدوثا في التاريخ، وأكبرهما قيمة في عرف الناس، مثارا لشبهة، أو مجالا لنقد، أو هدفا لاتهام، وأين يجد الاتهام أو الشبهة او النقد سبيله فيمن يختار من الوجوه أشدها على نفسه. وأنفعها لغيره، وأقربها إلى ربه. وهو هو الرباني المعترف به، والمطهر بنص الكتاب عن كل ما يوجب شبهةً أو خطأ او اتهاما.
ومتى كانت الدنيا من حساب الحسن، حتى يطمع بالحياة فيها، وحتى يستأخر على حسابها ما ينتظره - في لقاء ربه - من المقام المحمود، و- في جوار جده وأبويه - من الكرامة، يحبونه بها ويزلفونه إلى الله تعالى شأنه؟
ومتى كان الحسن بن علي، الرعديد الجبان، حتى يخاف القتل، فيتقيه بالتنازل عن ملكه. ومن أين تَسمُتُ إلى الحسن بن علي الجبانة يا ترى؟. أمن أبيه اسد الله واسد رسوله، أم من جديه رسول الله صلى الله عليه واله وشيخ البطحاء، أم من عميه سيدي الشهداء العظيمين حمزة وجعفر، أم من اخيه أبي الشهداء، أم من مواقفه المشهورة في مختلف الميادين، يوم الدار ويوم البصرة وفي مظلم ساباط(١٦٥)، وهو ذلك الرئبال الذي (اذا سار سار الموت حيث يسير) على حد تعبير عدوه فيه؟؟؟ [والفضل ما شهدت به الاعداء].
وكانت تضحيته بسلطانه لذاتها، من أروع آيات شجاعته، لو كانوا يشعرون.
فأين هو الطمع بالحياة، أو الخوف من القتل.
وليس في موازين الحسن، الا مبادئُه التي لا يوازنها في حسابه شيء اخر، فرأى أن يفدي مبادئه بسلطانه ليحفظ كيانها وكرامتها، وليحميها من الايدي العادية التي لا تخاف عاجل عار ولا آجل نار، وتولّى شطر هذه الخطة متساميا على الدنيا لا يتغير ولا ينحرف ولا يحيد، فاذا به المنتصر في صميم الخذلان، والفاتح في صميم الهزيمة، والظافر في صميم الانهيار.
ورضي لنفسه أن تحيا حياة أهون من آلامها الموت، صيانة لاهدافه من أن تموت، ورضي لنفسه أن تكون بكل وجودها أداة الخير للغير، دون أيّ استغلال أو استئثار أو احتكار. وهذا بمفرده، قصارى ما يصل اليه أفذاذ المصلحين في التاريخ، وقصارى ما تصبو اليه التربية الاسلامية لتحقيق وجهة النظر الاسلامي، في نشر الاصلاح في الناس، وفي تعبئة المبادىء الصحيحة في المجتمع.
وكثير اولئك الذين خدموا مبادئهم، بتحمل النوائب في أنفسهم، الا أنّ أحدا من اولئك لم يبلغ مبلغ الحسن فيما تحمله، من الوانها المختلفة، التي اصطلحت عليه، وصحبته كظله الملازم له حتى ختمت حياته - في نهاية المطاف - بالنكبة الكبرى.
فكان - من جميع أطرافه - أمثولة الامام الصاعد في مثاليته، والمصلح العظيم الذي اختط للمصلحين، آلم التضحيات للنفس، في سبيل الابقاء على المبدأ.
وقاد الخطوات المقبلة، بما زهد فيه من حظوظ الدنيا العاجلة، فكان زهده في دنياه، وصبره على مثل حياته، وتضحيته بملكه، هو نفسه جهادا في سبيل الله، وانتصارا في خلود المبدأ، وأداته في الخلود.
سرّ الموقف
ولعلنا لم نأت إلى الان، بشيء ينقع الغليل، أو يقنع كدليل فيما يرجع إلى فهم السرّ الذي تجافى به الحسن عليه السلام، عن الشهادة قتلا ونزل منه إلى قبول الصلح عمليا. وهنا نقطة التركز في قضية الحسن منذ حيكت من حولها الاقاويل الكثر، والنقدات النكر. وليس في ما تتناوله بحوثنا في غضون هذه الدراسة الواسعة الخطوات، موضوع أجدر بالعناية وبالكشف وبالتحقيق من هذا الموضوع، بماله من الاهمية الذاتية القائمة بنفسه، وبما هو (سر الموقف) الذي لم يوفق لازاحة الستار عنه أحد في التاريخ - مدى ثلاثة عشر قرنا ونيفا -!.
ولكي نكون اكثر توفرا على الاخذ باسباب الغرض الذي نهدف اليه من هذا البحث، نبدأ اولا بنقل تصريحات اشهر المؤرخين في الموضوع، ثم نعود - بعد ذلك - إلى غربلتنا الدقيقة للظرف القائم ساعة تسليم الحسن، وألى نتائجنا من البحث.
١
اليعقوبي في تاريخه:
(وكان معاوية يدس إلى عسكر الحسن من يتحدث أن قيس بن سعد قد صالح معاوية وصار معه، ووجه إلى عسكر قيس - بعد هزيمة عبيدالله ابن عباس ومن معه - من يتحدث أن الحسن قد صالح معاوية وأجابه، ووجه معاوية إلى الحسن المغيرة بن شعبة وعبدالله بن كريز وعبدالرحمن ابن أم الحكم وأتوه وهو بالمدائن، نازل في مضاربه، ثم خرجوا من عنده وهم يقولون ويسمعون الناس: انّ الله قد حقن بابن رسول الله الدماء وسكن الفتنة وأجاب إلى الصلح، فاضطرب العسكر، ولم يشكك الناس في صدقهم، فوثبوا بالحسن، فانتهبوا مضاربه وما فيها، فركب الحسن فرسا له ومضى في مظلم ساباط، وقد كمن الجراح ابن سنان الاسدي، فجرحه بمغول(١٦٦) في فخذه، وقبض على لحية الجراح ثم لواها، فدق عنقه، وحمل الحسن إلى المدائن، وقد نزف نزفا شديدا، واشتدت به العلة، فافترق عنه الناس. وقدم معاوية العراق فغلب على الامر، والحسن عليل شديد العلة، فلما رأى الحسن ان لا قوة له به، وأن اصحابه قد افترقوا عنه فلم يقوموا له، صالح معاوية....).
٢
الطبرى:
(بايع الناس الحسن بن علي عليه السلام بالخلافة، ثم خرج بالناس حتى نزل المدائن، وبعث قيس بن سعد على مقدمته (كذا) في اثنى عشر الفا وأقبل معاوية في أهل الشام حتى نزل مسكن، فبينا الحسن في المدائن اذ نادى منادٍ في العسكر: الا ان قيس بن سعد قد قتل فانفروا، فنفروا ونهبوا سرادق الحسن عليه السلام، حتى نازعوه بساطا كان تحته وخرج الحسن حتى نزل المقصورة البيضاء بالمدائن، وكان عم المختار بن ابي عبيد عاملا على المدائن، وكان اسمه سعد بن مسعود، فقال له المختار وهو غلام شاب: هل لك في الغنى والشرف؟، قال: وما ذاك؟، قال: توثق الحسن وتستأمن به إلى معاوية، فقال له سعد: عليك لعنة الله!، أثبُ على ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأوثقه، بئس الرجل انت!!. فلما رأى الحسن تفرق الامر عنه، بعث إلى معاوية يطلب الصلح وبعث معاوية اليه عبدالله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس، فقدما على الحسن بالمدائن، فأعطياه ما أراد وصالحاه).
٣
ابن الاثير في الكامل:
(فلما نزل الحسن المدائن، نادى منادٍ في العسكر: الا ان قيس بن سعد قتل فانفروا، فنفروا بسرادق الحسن ونهبوا متاعه).
(وساق حديث الطبري المذكور قبله)، ثم قال:
(.. وقيل انما سلم الحسن الامر إلى معاوية، لانه لما راسله معاوية في تسليم الخلافة (كذا)، خطب الناس، فحمد الله واثنى عليه وقال: انا والله ما يثنينا عن أهل الشام شكّ ولا ندم، وانما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر، فشيبت السلامة بالعداوة والصبر بالجزع، وكنتم في مسيركم إلى صفين، ودينكم امام دنياكم، وأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم. الا وقد أصبحتم بين قتيلين قتيل بصفين تبكون له، وقتيل بالنهروان تطلبون بثاره. أما الباقي فخاذل، وأما الباكي فثائر. الا وان معاوية دعانا لامر ليس فيه عزّ ولا نصفة، فان أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى الله عزّ وجلّ بظبا السيوف. وان اردتم الحياة قبلناه واخذنا لكم الرضا.. فناداه الناس من كل جانب: البقية البقية، وأمض الصلح).
٤
ابن ابى الحديد في شرح النهج:
(عن المدائني، قال: ثم وجه عبدالله بن عباس (كذا) ومعه قيس بن سعد بن عبادة مقدمة له في اثنى عشر الفا إلى الشام، وخرج هو يريد المدائن فطعن بساباط وانتهب متاعه، ودخل المدائن وبلغ ذلك معاوية فاشاعه، وجعل اصحاب الحسن الذين وجههم مع عبدالله يتسللون إلى معاوية، الوجوه وأهل البيوتات، فكتب عبدالله بن عباس بذلك إلى الحسن عليه السلام، فخطب الناس ووبخهم وقال: خالفتم أبي حتى حكَّم وهو كاره، ثم دعاكم إلى قتال أهل الشام بعد التحكيم، فأبيتم حتى صار إلى كرامة الله ثم بايعتموني على أن تسالموا من سالمني وتحاربوا من حاربني، وقد أتاني أن اهل الشرف منكم قد أتوا معاوية وبايعوه، فحسبي منكم لا تعروني من ديني ونفسي. وأرسل عبدالله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وأمه هند بنت أبي سفيان بن حرب إلى معاوية يسأله المسالمة، واشترط عليه العمل بكتاب الله وسنة نبيه، وان لا يبايع لأحد بعده).
المفيد في الارشاد:
(وكتب جماعة من رؤساء القبائل إلى معاوية بالسمع والطاعة في السرّ استحثوه على المسير نحوهم، وضمنوا له تسليم الحسن اليه عند دنوّهم من عسكره، أو الفتك به، وبلغ الحسن ذلك، وورد عليه كتاب قيس بن سعد وكان قد أنفذه مع عبيدالله بن العباس عند مسيره من الكوفة، ليلقى معاوية ويرده عن العراق، وجعله أميرا على الجماعة. وقال: ان أصبت فالامير قيس بن سعد. فوصل كتاب قيس بن سعد يخبره أنهم نازلوا معاوية بقرية يقال لها الجنوبية بازاء مسكن،وأن معاوية ارسل إلى عبيدالله بن العباس يرغبه في المصير اليه، وضمن له الف الف درهم، يعجل له منها النصف ويعطيه النصف الاخر عند دخوله إلى الكوفة. فانسل عبيدالله في الليل إلى معسكر معاوية في خاصته، وأصبح الناس قد فقدوا اميرهم فصلى بهم قيس بن سعد ونظر في أمورهم. فازدادت بصيرة الحسن بخذلان القوم له، وفساد نيات المحكمة فيه بما اظهروا من السب والتكفير له واستحلال دمه ونهب امواله، ولم يبق معه من يأمن غوائله الا خاصته من شيعة أبيه وشيعته، وهم جماعة لا تقوم لاجناد الشام. فكتب اليه معاوية في الهدنة والصلح، وانفذ اليه بكتب أصحابه الذين ضمنوا له فيها الفتك به وتسليمه اليه، فاشترط له على نفسه في اجابته إلى صلحه شروطا كثيرة، وعقد له عقودا كان في الوفاء بها مصالح شاملة. فلم يثق به الحسن وعلم باحتياله بذلك، واغتياله، غير أنه لم يجد بدا من اجابته إلى ما التمس من ترك الحرب وانفاذ الهدنة، لما كان عليه أصحابه مما وصفناه من ضعف البصائر في حقه والفساد عليه والخلف منهم له، وما انطوى عليه كثير منهم في استحلال دمه، وتسليمه إلى خصمه، وما كان من خذلان ابن عمه له، وميله إلى عدوه، وميل الجمهور منهم إلى العاجلة وزهدهم في الآجلة..).
أقول:
ثم لا تجد في أكثر الموسوعات التاريخية الاخرى، عرضا يحفل بشيء من التفصيل عن قضية الحسن عليه السلام، يشبه هذه العروض، على ما بينها من تضارب في استعراض الحقائق التاريخية، وعلى ما فيها من نقص في العرض وأختزال في التعبير.
فيرى أحدهم - كما رأيت - ان الذي طلب الصلح هو الحسن، ويرى الاخر أنه معاوية، ويرى بعضهم ان سبب طلبه الصلح أو قبوله اياه هو فتن الشام في المعسكرين [مسكن والمدائن]، ثم يختلفون في نوع الفتنة. بينما يرى البعض الاخر ان سبب قبول الصلح من جانب الحسن هو تفرق الناس عنه بعد اصابته ومرضه. ويرى ثالث منهم أن السبب هو نكول الناس عن القتال معه كما يدل عليه جوابهم على خطبته (بالبُقيَة البُقيَة) وقولهم له صريحا (وأمض الصلح). ويرى الرابع، ان فرار قائده وخيانة اصحابه واستحلال بعضهم دمه وعدم كفاية الباقين للقتال، هو السبب لقبوله الصلح.
ثم لا يزالون مختلفين في تسمية قائد المقدمة، فيسميه أحدهم عبدالله ابن عباس، ويسميه الثاني قيس بن سعد بن عبادة، ويسميه الثالث عبيدالله ابن العباس...
وما انكى النكبة التي تتعرض لها القضية التاريخية، حين يخبط بها مؤرخوها هذا الخبط، ويخلطون حقائقها بموضوعاتها هذا الخلط.
ومرت المصادر الاخرى على هذه القضية، مرورها على القضايا الهامشية في التاريخ، دون أن تستفزها الاحداث الكبرى، التي حفلت بها هذه الحقبة القصيرة من الزمن، التي هي عهد الحسن في الخلافة الاسلامية العامة، وعهد الفصل بين السلطتين الروحية والزمنية، وعهد انقلاب الخلافة إلى الملك، وعهد انبثاق الحزازات الطائفية في الاسلام.
ولم يعن مؤرخو قضية الحسن من الصنفين - المفصلين والموجزين - بأكثر من الاشارة إلى الظروف المتأزمة التي كان من طبيعتها أن تشفع لدى الحسن بقبول الصلح أو تضطرَّه اليه، فمن مذعن ساكت لا يبدي رأيا، ومن مصوب عاذر يتزيد الحجج ويعدد المعاذير، ومن ناقد جاهل خفي عليه (سر الموقف) فراح يكشف عن سر نفسه من التعصب الوقح والتحامل المرير.
ولم يكن فيما توفر عليه كل من الاصدقاء والناقمين في استعراضهم التاريخي للمآزق التي تعرض لها الحسن عليه السلام، ما يحول بنسقه دون النقد الجارح [أو قل] ما يجيب بأسلوبه على السؤال المتأدب، في عزوف الحسن عن (الشهادة) التي كانت - ولا شك - افضل النهايتين، وأجدرهما بالامام الخالد.
وكان الكلام على كشف هذا السرّ لو قدروا عليه هو نفسه الدليل الكاشف عن السبب الجوهري فيما صار اليه الامام من اختيار الصلح، دون أن يحتاجوا إلى جهد اخر في تعداد المحن أو استعراض المآزق الصعاب لان شيئا من ذلك لا يدلّ في عرف الناقمين ولا المستفهمين، على انحصار المخرج بالصلح، ولا يغلق في وجوههم، احتمال ظرف الحسن للشهادة، كما احتملها ظرف اخيه الحسين، فيما كان قد اصطلح عليه من مضايقات هي في الكثير من ملامحها، صورة طبق الاصل عن ظروف أخيه، وقد خرج منها بالشهادة دون الصلح، وكانت آية خلوده في تاريخ الانسانية الثائرة على الظلم.
اذاً، فلماذا لم يفعل الحسن اولاً، ما فعله الحسين اخيراً؟.
ألِجبُنٍ - واستغفر اللّه - وما كان الحسين بأشجع من الحسن جناناً، ولا امضى منه سيفاً، ولا اكثر منه تعرضاً لمهاب الاهوال. وهما الشقيقان بكل مزاياهما العظيمة، خُلُقاً، وديناً، وتضحيةً في الدين، وشجاعة في الميادين، وابنا أشجع العرب، فأين مكان الجبن منه يا ترى؟.
أم لطمع بالحياة، وحاشا الامام الروحي المعطر التاريخ، أن يؤثر الحياة، على ما ادخره اللّه له من الكرامة والملك العظيم، في الجنان التي هو سيد شبابها الكريم، والطليعة من ملوكها المتوجين، وما حياة متنازل عن عرشه، حتى تكون مطمعاً للنفوس العظيمة التي شبت مع الجهاد، وترعرعت على التضحيات؟.
أم لانه رضي معاوية لرياسة الاسلام، فسالمه وسلم له، وليس مثل الحسن بالذي يرضى مثل معاوية، وهذه كلماته التي أثرت عنه في شأن معاوية، وكلها صريحة في نسبة البغي اليه، وفي وجوب قتاله، وفي عدم الشك في أمره، وفي كفره اخيراً.
فيقول فيما كتبه اليه أيام البيعة في الكوفة: (ودع البغي واحقن دماء المسلمين، فواللّه مالك خير في أن تلقى اللّه من دمائهم بأكثر مما انت لاقيه به(١٦٧)!..).
ويقول وهو يجيب أحد اصحابه العاتبين عليه بالصلح: (واللّه لو وجدت انصاراً لقاتلت معاوية ليلي ونهاري(١٦٨)).
ويقول في خطابه التاريخي في المدائن (انا واللّه ما يثنينا عن أهل الشام شك ولا ندم..).
ويقول لابي سعيد فيما نقلناه عنه آنفاً: (علة مصالحتي لمعاوية علة مصالحة رسول اللّه لبني ضمرة وبني أشجع ولاهل مكة، حين انصرف من الحديبية، اولئك كفار بالتنزيل، ومعاوية وأصحابه (كفار) بالتأويل.
اذاً، فما سالم معاوية رضا به، ولا ترك القتال جبناً عن القتال، ولا تجافى عن الشهادة طمعاً بالحياة، ولكنه صالح حين لم يبق في ظرفه احتمال لغير الصلح، وبذلك ينفرد الحسن عن الحسين، اذ كان للحسين محرجان ميسّران من ظرفه - الشهادة والصلح - ولن يتأخر افضل الناس عن أفضل الوسيلتين، اما الحسن فقد اغلق في وجهه طريق الشهادة، ولم يبق أمامه الا باب واحد لا مندوحة له ومن ولوجه.
وأقول ذلك وانا واثق بما أقول.
وقد يبدو مستغرباً قولي [أغلق في وجهه طريق الشهادة]، وهل شهادة المؤمن الذي نزل للّه عن حقه في حياته، الا أن يقتحم الميدان مستقتلاً في سبيل اللّه، تاركاً ما في الدنيا للدنيا، وبائعاً للّه نفسه تنتاشه السيوف، وتنهل من دمه الاسنة والرماح، فاذا هو الشهيد الخالد. وكيف يغلق مثل هذا على مجاهدٍ له من ميدانه متسع للجهاد؟. وللحسن ميدانه الذي يواجه به العدوّ في (مسكن)، فلماذا لم يخفَّ اليه؟. ولم لم نسمع أنه وصله أو بارز العدوّ فيه، أو اقتحمه اقتحامة الموت، يوم ضاقت به الدنيا، فسدّت في وجهه كل باب الا باباً واحداً؟. وانه لو فعل ذلك فبرز إلى ميدانه مستميتاً، لاستمات بين يديه عامة شيعته المخلصين لاهدافه، فانما كانوا ينتظرون منه كلمته الاخيرة لخوض غمرات الموت.
نعم، ومن هنا كان مهبّ الرياح التي اجتاحت قضية الحسن بين قضايا أهل البيت عليهم السلام، ومن هنا جاءت الشبهات التي نسجت هيكل المشكلة التاريخية التي لغا حولها اللاغون ما شاء لهم اللغو، فزادوا الواقع تعقيداً وابتعاداً به عن فهم الناس.
ثم كان من طبيعة هذا اللغو - أبعد ما يكون عن التغلغل في الصميم من تسلسل الحوادث - أن يرتجل الاحكام، وأن يتناول قبل كل شيء سياسة الحسن فينبزها بالضعف، ويتطاول عليها بالنقد غير مكترث ولا مرتاب.
وسنرى بعد البحث، أيّ هاتيك الآراء مما اختاره الحسن أو مما افترضه الناقدون، كان أقرب إلى الصواب، وانفذ إلى صميم السياسة.
وما كان الحسن في عظمته بالرجل الذي تستثار حوله الشبه، ولا بالزعيم الذي يسهل على ناقده أن يجد المنفذ إلى نقده والمأخذ عليه.
واذ قد انتهينا الآن عامدين، إلى مواجهة المشكلة في صميمها، وبما حيك حولها من نقدات ونقمات، فمن الخير أن نسبق الكلام على حلها، باستحضار حقائق ثلاث، هنَّ هنا أصابع البحث التي تمتد بتدّرج رقيق إلى كشف الغطاء عن السرّ، فاذا الموضوع كله وضوح بعد تعقيد، وعذر بعد نقمة، وتعديل بعد تجريح.
الاولى في بيان معنى الشهادة.
والثانية في رسم صورة مصغرة عن الواقع الذي حاق بالحسن في لحظاته الاخيرة في (المدائن).
والثالثة في خطة معاوية تجاه أهداف الحسن عليه السلام.
وسيجرنا البحث إلى التلميح بحقائق تقدم عرضها في أطواء دراستنا السابقة في الكتاب، ولكن الحرص على استيفاء ما يجب أن يقال هنا، هو الذي سوّغ لنا هذا التجاوز فرأيناه جائزاً.
١ - الشهادة في اللّه:
وهي بمعناها الذي يصنع الحياة، تضحية النفس لاحياء معروف او اماتة منكر.
وليس منها التضحية لغاية ليست من سبل اللّه، ولا التضحية في ميدان ليس من ميادين الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فلو قتل كافر مسلماً في ساحة جهاد، كان المسلم شهيداً.
ولو قتل باغ مسلماً في ميدان دفاع كان المسلم شهيداً.
اما لو قتل مسلم مسلماً في نزاع شخصي، أو قتله انتصاراً لمبدأ ديني صحيح، فلا شهادة ولا مجادة، ذلك لان الكرامة التي تواضع عليها تاريخ الانسانية للشهيد، هي أجرة تضحيته بروحه في سبيل المصلحة العامة فلا الحوادث الشخصية، ولا التضحيات التي تناقض المصلحة في خط مستقيم، مما يدخل في معنى الشهادة.
وقتلة اخرى، أضيع دماً، وأبعد عن (الشهادة) معنى واسماً، هي ميتة رئيس يثور به أتباعه وذوو الحق في أمره، فيلقونه ارضاً. والمجموع في كل مجتمع هو مصدر السلطات لكل من يتولى شيئاً من أموره باسمه، وكانت هذه هي القاعدة التي بنيت عليها السلطات الجماعية في الاسلام، وعلى هذه القاعدة قال المسلم الاول لعمر بن الخطاب: (لو وجدنا فيك اعوجاجاً لقوّمناه بسيوفنا).
وانما كانت هذه القتلة أضيع دماً، وأبعد عن الشهادة اسماً، لان الايدي الصديقة التي اجتمعت على اراقة هذا الدم، كانت في ثورتها لحقها، وتضافرها الناطق ببلاغة حجتها، أولى عند الناس بالعذر.. (ولان الامة التي ولّته هي التي تقيم عليه الحدود) - على حد تعبير القفال الشافعي -.
فعثمان - مثلاً - الذي كان ثالث ثلاثة من أكبر الشخصيات التاريخية، التي هزّت الارض بسلطانها المرهوب، مات مقتولاً بسلاح الثائرين من ذوي الحق في أمره. فلم يستطع التاريخ، ولم يوفق اصدقاؤه في التاريخ، أن يسجلوا له (الشهادة) كما تقتضيها كلمة (شهيد).
أما ذلك العبد الاسود الفقير، الذي لم يكن له من الاثر في الحياة، ما يملأ الشعور أو يشغل الذاكرة [جون مولى أبي ذر الغفاري]، فقد أرغم التاريخ على تقديسه، لانه قتل في سبيل اللّه فكان (الشهيد) بكل ما في الكلمة من معنى.
اذاً، فليس من شروط الشهادة ولا من لوازم كرامتها، أن لا تكون الا في العظيم، وليس من شروط العظيم اذا قتل أيّ قتلة كانت، ان يكون شهيداً على كل حال.
ولندع الآن هذا التمهيد لنخطو عنه إلى الموضوع الثاني، ثم لنأخذ منه حاجتنا عند اقتضاء البحث.
٢ - صورة مصغرة عن الوضع الشاذ في المدائن:
علمنا مما سبق - وبعض الاعادة ضرورة للبحث - أن خيرة أجناد الحسن كان في الركب الذي سبقه في مقدمته إلى (مسكن)، وأن الفصائل التي عسكر بها الحسن في (المدائن) كانت من أضعف الجيوش معنوية، ومن أقربها نزعة إلى النفور والقلق والانقسام.
وعلمنا أنه فوجئ في أيامه الاول من المدائن - ولما يتلقَّ نجداته من معسكراته الاخرى - ببوادر ثلاث، كانت نذر الكارثة على الموقف.
١ - أنباء الخيانة الواسعة النطاق في (مسكن).
٢ - الشائعة الاستفزازية التي ناشدت الناس بأن ينفروا، لان قيس بن سعد - وهو القائد الثاني على جيش مسكن - قد قتل!.
٣ - فتنة الوفد الشامي الذي جاء ليعرض كتب الخونة الكوفيين على الامام، ثم خرج وهو يعلن في المعسكر أن الحسن اجاب إلى الصلح!.
وفي هذا الجيش - كما قدمنا في الفصل (٨) -، أصحاب الفتن، وأصحاب الطمع بالغنائم، والخوارج، وغيرهم، ولم يكن لهؤلاء مرتع أخصب من هذه الفتن التي زرعتها هذه البوادر المؤسفة الثلاث.
وجمع الحسن الناس فخطبهم وناشدهم سلامة النية وحسن الصبر، وذكرهم بالمحمود من أيامهم في صفين، ثم نعى عليهم اختلافهم في يومه منهم. وكان أروع ما أفاده الحسن من خطابه هذا، أنه انتزع من الناس اعترافهم على انفسهم بالنكول عن الحرب صريحاً، واستدرجهم إلى هذا الاعتراف بما تظاهر به من استشارتهم فيما عرضه عليه معاوية، فقال في آخر خطابه: (الا وان معاوية دعانا لامر ليس فيه عزّ ولا نَصفة، فان أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى اللّه عزّ وجل بظبا السيوف، وان أردتم الحياة قبلناه منه وأخذنا لكم الرضا؟). فناداه الناس من كل جانب: (البقية البقية وأمض الصلح(١٦٩)).
أقول: وليس في تاريخ قضية الحسن عليه السلام روايتان كثر رواتهما حتى لقد أصبحت من مسلمات هذا التاريخ، كرواية جواب الناس على هذه الخطبة بطلب البقية وامضاء الصلح، ورواية ثورة الناس في المدائن انكاراً للصلح والحاحاً على الحرب!!. وليت شعري. فأيّ الرأيين كان هدف هؤلاء الناس؟.
وهل هذه الا بوادر الانقسام الذي أشرنا اليه آنفاً، بل (الفوضى) التي لن يستقيم معها ميدان حرب، والتي لا تمنع ان يكون المنادون بالصلح من كل جانب هم المنادين بالحرب انفسهم.
وما للفوضى ودعوة جهاد وصحبة امام؟!
وعلى أيٍّ، فقد كان هذا أحد الوان معسكر المدائن وأحد ظواهر التلوّن في عساكره وتحكّم العناصر المختلفة في مقدراته.
ولقد تدل ملامح النداء بالتكفير للحسن عليه السلام من قبل الثائرين عليه من جنوده هناك، أنه كان لسان حال (الخوارج)، وكانت هذه هي لغتهم النابية اذا استشرى غضبهم على أحد من المسلمين أو أئمة المسلمين. وانهم اذ يستغلون هذه اللحظة، أو يبعثونها من مرقدها، فانما كانوا يقصدون التذرّع إلى أعظم جريمة في الدم الحرام، وفق مبادئهم الجهنمية التي طعن بها أحدهم الإمام الحسن في فخذه فشقه حتى بلغ العظم!.
وتدل ملامح النهب والسلب الذي مزّق الستار وتناول حتى رداء الحسن ومصلاه، على أنه كان عمل الفريق الآخر الذي سمته المصادر (أصحاب الطمع بالغنائم).
ويدل طغيان الفتنة وسرعة انتشار الاضطرابات في المعسكر على أنه صنيعة (أصحاب الفتن) الذين كان يعج بهم هذا الجيش منذ كان في الكوفة ومنذ انتقل إلى المعسكرين تحت لواء الجهاد المقدس!.
وهكذا جمحت الفتنة في المدائن جماحها الذي خرجت به من أعنّة المخلصين والمنظمين، وحال الاكثرون بأحداثهم دون قيام الاقلين بواجبهم، ولم يعد لهذا الجيش من الاستقرار ما يستطيع به الثبات، ولا من الاهداف الا الاهداف الطائشة. فان لم يتسنَّ لهم قتال معاوية فليقتلوا الحسن امامهم، وان لم يبلغوا غنائم الحرب من أعدائهم فليتبلغوا بالغنائم من نهب أصدقائهم، وان لم يمكنهم الفرار إلى معاوية - كما فعل أمثالهم في المعسكر الثاني - فليكتبوا إلى معاوية ليجيء هو اليهم!!!
وكان هذا هو ما حفظه التاريخ على هذه المجموعة من الناس، أمّا ما نسيه التاريخ أو تناساه أو حيل بينه وبين ذكره، فذلك ما لا يعلمه الا اللّه عزّ وجل.
تُرى، فهل لو وضعنا معاوية مكان الحسن من هذه اللحظة أو من هذا الجيش بما لمعاوية من دهاء وسخاء، أكان يستطيع أن يخرج من مأزقه بأحسن مما خرج به الحسن مضمون السلامة على مبادئه وخططه ومستقبله؟.
ولكي نزداد تحريّاً للاسباب التي أغلقت في وجه الحسن طريق الشهادة الكريمة، ننتقل بالقارئ إلى الموضوع الثالث من مراحل هذه الجولة الكئيبة الخطوات.
٣ - خطة معاوية من أهداف الحسن (ع)
ومات بموت عثمان لقب (الوالي) عن معاوية، ولا نعرف ما كان يجب أن يلقب به بعد ذلك، ولا نوع مسؤوليته في العرف الاسلامي. وقد علمنا أن الخليفتين الشرعيين علياً وابنه الحسن عليهما السلام لم يوّلياه، فليس هو بالوالي، وعلمنا أن الاسلام لا يتسع في تشريعه لخليفتين في عصر واحد، فليس هو بالخليفة.
اذاً، فما معاوية بعد عثمان؟.
لا ندري.
نعم، انه شهر السلاح في وجه هذين الخليفتين منذ عزل عن ولاية الشام، ورأينا أن التشريع الاسلامي يثبت للقائم بمثل عمله هذا، لقباً نشك أن يكون معاوية رضي به لنفسه، وهذا اللقب هو (الباغي).
تُرى، فهل كان هو يعرف لنفسه لقباً آخر غير زعامة البغاة؟.
والمظنون أن معاوية في طموحه العتيد، لم يكن بالذي يزعجه أن يظل مجهول اللقب، أو محكوماً في (الشرع) بلقب الباغي، مادام هو في طريقة إلى غزو أكبر الالقاب بالقوة، رضي الشرع أو أبى. فهو الملك - بعد ذلك - على لسان سعد بن أبي وقاص، وهو (الخليفة) و(أمير المؤمنين) على لسان مسلم(١٧٠) بن عقبة والمغيرة(١٧١) بن شعبة وعمرو(١٧٢) بن العاص، وهو المتنعم الدنيوي الذي (لم يبق شيء يصيبه الناس من الدنيا الا وقد أصابه) - على حد تعبيره عن نفسه -. ولن يضيره بعد اعتراف ابن العاص وابن عقبة وابن شعبة له بالخلافة وامارة المؤمنين، أن يكون التشريع الاسلامي ينكر عليه هذا اللقب، لانه لا يسيغ غزو الالقاب الدينية بالقوة، ولا يسبغ لقب (الخليفة) على أحد، الا عند قرب الشبه بين صاحبه وبين النبي (ص)، ويصرفه دائماً عن الرجل الذي يكون بينه وبين النبي كما بين دينين.
ولا ندري على التحقيق مبلغ ما كلفت معاوية هذه الالقاب في دينه، يوم غزاها لنفسه، أو يوم غزاها لابنه يزيد، وانه لاعرف الناس بابنه؟!.
ولا ندري مبلغ اهتمام الرجل، بمحاسبة نفسه تجاه اللّه، فيما كان يجب أن يحاسبها عليه؟.
ولكننا علمنا - على ضوء محاولاته الكثيرة في الاخذ والرد -، أنه لم يعن بمحاسبة نفسه قطّ، وعلمنا أن الانانية الطموح كانت تملأ مجاهل نفسه، فتنسيه موقفه الواهن - المفضوح الوهن - الواقف في مهاب الرياح، والمتركز في حقيقته على خيوط العنكبوت، يوم طارت من حواليه الالقاب كلها.
وعلمنا أن قبليته الطاغية الجامحة، كانت تأخذ عليه منافذ تفكيره، فتريه من شهادة ابن العاص له بالخلافة، ومن ترشيح المغيرة بن شعبة ابنه يزيد لامارة المؤمنين، مبرراً يردّ به الصريح من شرائط الاسلام. وهل كانت هذه الشهادة أو ذاك الترشيح، الا نبت المساومات الرخيصة على ولاية مصر وولاية الكوفة، كما هو الثابت تاريخياً؟.
ولا عجب من (ابن أبي سفيان) ان يكون كما كان، وهو الاموي الصريح، أو الاموي اللصيق الذي يعمل جاهداً ليكون أموياً صريحاً(١٧٣).
وللأموية والهاشمية تاريخهما الذي يصعد بهما حتى يلتقيا وينزل معهما كلما نزل الزمان.
وكان من طبيعة (ردّ الفعل) في النفوس التي شبت مع العنعنات القبلية جاهليةً واسلاماً، والتي قبلت الاسلام مرغمة يوم الفتح، ثم لم تهضم الاسلام - كما يريده الاسلام - أن تكون دائماً عند ذحولها من الضغائن الموروثة، والترات القديمة العميقة الجروح.
وكان معاوية - بعد الفتح - وعلى عهد النبوة الطالعة بالنور، الطليق (الحافي القدمين) كما يحدثنا هو عن نفسه. امّا في الدور الذي تململ معه النفوذ الاموي ليسترجع مكانته في المجتمع، وعلى عهد السياسة الجديدة التي رشحت للشورى عضواً أموياً عتيداً، فلِمَ لا يكون ابن عم عثمان والي الشام القوي المرهوب، الذي يصطنع الاعوان والمؤيدين، ويسترضي الاتباع والاجناد والمشاورين، ويتخذ القصور والستور والبوابين، وفي ثروة ولايته ما يسع كل صاحب طمع أو بائع ضمير أو لاحسن قصعة!!.
ولئن كان معاوية في دور النبوة الرعية المخذول العاجز عن الانتصاف لنفسه ولقبيله من القوة التي غلبت على أمره وأمر قبيله، فَلِمَ لا يحاسب تلك القوة حسابها العسير في الدور الذي ملك فيه مقاليد القوة بنفسه أو بقبيله، ولِمَ لا يعود إلى طبيعته فيتحسس بذحوله القديمة من الابناء والاخوة والاصحاب، ويأخذ بثاره من المبادئ والاهداف؟. ولذلك فقد كان من المنتظر المرقوب لمعاوية، أن يشنّ غاراته المسلحة على عليّ والحسن عليهما السلام في أول فرصة تمكنه من ذلك، وأن يشن معهما حروبه (الباردة) الاخرى، التي كانت أطول الحربين أمداً، وأبعدهما حراً، وأفظعهما نكالاً في الاسلام.
ويستدل من كثير كثير من الاعمال الدبلوماسية التي قام بها معاوية في عهده الطويل الامد، أنه كان قد قرر التوفر على حملة واسعة النطاق لتحطيم المبادئ العلوية، أو قل لتحطيم جوهرية الاسلام متمثلة في دعوة علي وأولاده المطهّرين عليهم السلام.
ويظهر أنه كان ثمة أربعة أهداف تكمن وراء هذه الحملة.
١ - شلّ الكتلة الشيعية - وهي الكتلة الحرة - والقضاء تدريجياً على كل منتمٍ إلى التشيع وتمزيق جامعتهم.
٢ - خلق الاضطرابات المقصودة في المناطق المنتمية لأهل البيت والمعروفة بتشيعها لهم، ثمَّ التنكيل بهؤلاء الآمنين بحجة تسبيب الشغب.
٣ - عزل أهل البيت عن العالم الاسلامي، وفرض نسيانهم على المسلمين الا بالذكر السيئ، والحؤول - بكل الوسائل - دون تيسّر النفوذ لهم، ثم العمل على ابادتهم من طريق الغيلة.
٤ - تشديد حرب الاعصاب.
ولمعاوية في الميدان الاخير جولات ظالمة سيطول حسابها عند اللّه عزّ وجل كما طال حسابها في التاريخ، وسيجرّنا البحث إلى عرض نماذج منها عند الكلام على مخالفاته لشروط الصلح، وهو مكانها من الكتاب.
وكان من أبرز هذه الجولات في سبيل مناوأته لعلي وأولاده ولمبادئهم وأهدافهم، أنه فرض لعنهم في جميع البلدان الخاضعة لنفوذه، بما ينطوي تحت مفاد (اللعن) من انكار حقهم، ومنع رواية الحديث في فضلهم، وأخذ الناس بالبراءة منهم فكان - بهذا - أول من فتح باب اللعن في الصحابة، وهي السابقة التي لا يحسده عليها مسلم يغار على دينه، وتوصّل إلى استنزال الرأي العام على ارادته في هذه الاحدوثة المنكرة (بتدابير محبوكة) تبتعد عن مبادئ اللّه عزّ وجل، بمقدار ما تلتحم بمبادئ معاوية.
وان من شذوذ أحوال المجتمع، أنه سريع التأثر بالدعاوات الجارفة القوية - مهما كان لونها - ولا سيما اذا كانت مشفوعة بالدليلين من مطامع المال ومطامع الجاه.
وما يدرينا بِمَ رضي الناس من معاوية، فلعنوا معه علياً وحسناً وحسيناً عليهم السلام؟ وما يدرينا بماذا نقم الناس على أهل البيت فنالوا منهم كما شاء معاوية أن ينالوا؟!.
ربما يكون قد أقنعهم بأن علياً وأولاده، هم الذين حاربوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابان دعوته، وأنهم هم الذين حرموا ما أحلّ اللّه وأحلّوا ما حرّم اللّه، وهم الذين ألحقوا العهار بالنسب، وهم الذين نقضوا المواثيق وحنثوا بالايمان، وقتلوا كبار المسلمين صبراً، ودفنوا الابرياء أحياء، وصلوا الجمعة يوم الاربعاء(١٧٤).
وربما يكون قد أطمعهم دون أن يقنعهم، وربما يكون قد أخافهم دون أن يطمعهم، فكان ما أراد (وارتقى بهم الامر في طاعته إلى أن جعلوا لعن علي سنّةً ينشأ عليها الصغير ويهلك الكبير(١٧٥)). والمرجّح أن معاوية هو الذي فضّل تسمية هذه البدعة (بالسنّة) فسماها معه المغرورون بزعامته والمأخوذون بطاعته كما أحبَّ، وظلّ الناس بعده على بدعته. إلى أن ألغاها عمر بن عبد العزيز - (وأخذ خطيب جامع (حرّان) يخطب ثم ختم خطبته ولم يقل شيئاً من سب أبي تراب كعادته، فتصايح الناس من كل جانب: ويحك ويحك السنة السنة، تركت السنة!(١٧٦)).
ثم كانت (سنّة معاوية) هي الاصل التاريخي لتكوين هذه الكلمة تكويناً اصطلاحياً آخر، تناسل مع الاجيال، وتنوسيت معه مناسباته السياسية الاولى.
وانتباهة منصفة في تناسق نفسيات الرجل، تغنيك عن استعراض أمثلة كثيرة من أعماله في هذا السبيل..
وبعد هذا، فما ظنك بمعاوية لو قدّر له الظفر في حربه مع الحسن، وقدّر للحسن الشهادة في الحرب؟.
أفكان من سوابق الرجل هذه، ما يدل على أنه سيلزم جانب الاعتدال والقصد، في استغلال انتصاره تجاه فلول الحرب من شيعة الحسن والبقية الباقية من الثابتين على العقيدة والايمان؟ أم أن موجة ابادة ساحقة ستكون هي عنوان علاقاته بهؤلاء، بعد موقفه الصريح من السلالة النبوية نفسها، وبعد أن يكون قد طحن في هذه الحرب أكبر رأس في البيت النبوي العظيم.
ان معاوية سوف لا يتقي بعد ذلك أحداً. وانه سوف لا يتردد سياسياً، ولا يتورع ديناً، من أن يمضي قدماً في تصفية حسابه مع المبدأ الذي أقض مضجعه وأكل قلبه وهزئ بكيانه، منذ ولي عليّ الخلافة، بل منذ طلعت الهاشمية بالنور على الدنيا، بل منذ هزمت المنافرة أمية إلى الشام.
وما كان معاوية بالذي يعجز عن وضع (تدابير محبوكة) أخرى لعملية محق الشيعة، بعد مقتل الحسن، يحتال بها على المغرورين بزعامته من الجيل الذي شدّ أزره على اصطناع ما أتاه من مخالفات.
وهو صاحب تدابير (لعن أهل البيت) وصاحب تدابير (رمي عليّ بدم عثمان)، فلتكن ثالثة أثافيه تدابيره في (القضاء على التشيع) مادياً ومعنوياً. وانه لرجل الميدان في تعبئة هذه الالوان من التدابير.
وفي جنبات قصوره الشاهقات في الشام، الضمائر المعروضة للبيع والاقلام المفوضة للايجار، فلتضع الحديث عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله، وفق الخطط المرسومة، ولتنتهك المبادئ العلوية انتهاكاً فتمسخها مسخاً وتزدريها ازدراء تنتزع به استحقاقها للبقاء بين الناس، ثم لتخلق منها - وقد خلا الجوّ من آل محمد (ص) - ردة اخرى عن الاسلام تتهم بها بناة الاسلام ومهابط تنزيله ومنازل وحيه ومصادر تعاليمه أنفسهم، ثم لتشرّع للناس - مع تمادي الوضع والرفع - اسلاماً آخر، هو قريحة معاوية - لا ما هتفت به الهاشمية من وحي السماء.
وكان هذا هو الذي عناه الحسن عليه السلام حين قال: (ما تدرون ما عملت، واللّه للَّذي عملت خير لشيعتي مما طلعت عليه الشمس).
وما شيء خيراً مما طلعت عليه الشمس من حفظ العقيدة وتخليد المبدأ.
وكان هو ما عناه - أيضاً - الامام محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (الباقر) عليه السلام، حين سُئِل عن صلح الحسن (ع) فقال: (انه أعلم بما صنع ولولا ما صنع لكان أمر عظيم).
النتائج:
وأغلب الظن أن خطوات هذه المراحل الثلاث، بلغت بالقارئ الكريم هدفنا المقصود من البحث، قبل ان نعلن عنه صريحاً، وكشفت له بتدرّجها الرفيق كثيراً من الغموض الذي هيأ جواً للنقد الموروث.
ونقول الآن تدليلاً على ما ادعيناه أولاً من انغلاق طريق الشهادة عن الحسن (ع)، الذي كان معناه امتناعها هي منه، دون امتناعه هو منها:
ان الحسن لو حاول أن يجيب على حدّة مأزقه التي اصطلحت عليه في لحظته الاخيرة في المدائن، باراقة دمه الطاهر في سبيل اللّه عزّ وجل انكاراً على البغي الذي صارحه به ستون ألفاً من أجناد الشام، وايثاراً للشهادة ومقامها الكريم - لحيل بينه وبين ما يريد، ولكان - بلا ريب - ذلك المقتول الضائع الدم الذي لن يستطيع أصدقاؤه في التاريخ أن يسجلوا له الشهادة كما تقتضيها كلمة (شهيد).
ذلك لان الظرف المؤسف الذي انتهى اليه طالع المدائن بما عبرت عنه الفوضى الرعناء في صيحاتها الكافرة وفي سلاحها - أيضاً -، وبما كشفت عنه كتب الخونة الكوفيين في مواثيقهم لمعاوية على الفتك بالحسن - وهو ما وقف عليه الحسن نفسه في رسائلهم -، كل ذلك يفرض علينا الاستسلام للاعتقاد بأن فكرةً قوية الانصار من رجالات المعسكر، كانت قد قررت التورط في أعظم جريمة من أمر الامام عليه السلام، وأنهم كانوا يتحينون الفرص لاقتراف هذه البائقة الكبرى.
ووجدوا من تلاشي النظام في المعسكر، بما انتاشه من الفزع وبما انتابه من الفتن، وبما بلغه من أخبار مسكن، ومن الفوضى (المصطنعة) التي اطلعت رأسها بين جماهيره الهوج - ظرفاً مناسباً لانزال الضربة الحاسمة التي كانت هدف الخوارج فيما أرادوه من جهادهم مع الحسن وكانت غاية (الحزب الاموي) فيما تم عليه الاتفاق بينه وبين معاوية. ولا ننسى أن معاوية نفسه كان قد لوّح للحسن عليه السلام في رسائله الاولى اليه، بما يشعره التهديد بهذه الخطة العدوة - من أول الامر -. والا فما معنى قوله هناك: (فاحذر أن تكون منيتك على أيدي رعاع من الناس!!.).
وبلغ من دقة الموقف وتوتر الوضع، في لحظات المدائن الاخيرة، أن أيَّ حركة من الامام عليه السلام سواء في سبيل الحرب أو في سبيل الصلح، وفي سبيل الانضمام إلى الجبهة في مسكن أو في سبيل العودة إلى الكوفة - مثلاً -، لابد أن تنقلب إلى خلاف حادّ، فتمرد واسع، فثورة مسلحة هوجاء، هي كل ما يتمناه معاوية، ويُصوِّب له ذهبه وخزائنه.
ولن يطفئ النائرة يومئذ لو اتقدت جذوتها الا دم الحسن الزكي.
وللثورات الجامحة أحكامها القاسية وتجنياتها التي لا تبالي في سبيل الوصول إلى أهدافها بالاشخاص مهما عظمت مكانتهم في النفوس.
أَوَليست طعنة الحسن في ساباط المدائن دليلاً على ما نقول؟. وهل كانت الا الطعنة التي تطوعت إلى قتله عن ارادة وعمد؟ وكان قد خرج اذ ذاك من فسطاطه يؤم مقصورة عامله على (المدائن) ليتجنب ضوضاء الناس، وليكون هناك أقدر على اتخاذ ما يحتمله الظرف من تدبير.
وهنا يقول المؤرخون ما لفظه: (وأحدق به طوائف من خاصته وشيعته، ومنعوا عنه من أراده). وفي نص آخر: (فأطافوا به ودفعوا الناس عنه) أقول: فمِمَّ كانوا يدفعون الناس عنه؟ ومِمَّ منعوا من أراده؟.. أوَليس هذا كله صريحاً بأنه أصبح مهدداً على حياته، وأن الذين خرجوا معه كمجاهدين يدافعون عنه انكشفوا - بعد قليل - عن أعداءٍ يتدافعون عليه؟؟.
وهل كان انكفاؤه إلى مقصورة سعد بن مسعود، الا ليبتعد عن المحيط المفتون الذي أصبح يستعد لثورة لا يُدرى مدى اندفاعها بالموبقات؟. ورأى بأم رأسه انسياح فصائله أنفسهم في مضاربه نهباً، وفي مقامه المقدس تكفيراً وسباً، ورأى تحاملهم المقصود على ايذائه وتدافعهم العامد على العظيم من أمره، فعلم أنهم أصبحوا لا يطيقون رؤيته، وأن ظهوره بشخصه بينهم هو مثار تمردهم الخبيث، فانتقل غير بعيد، وكانت انتقالته نفسها احدى وسائله لعلاج الموقف، لو أنه وجد للعلاج سبيلاً.
وبديهيّ أنه لم يكن أحد آخر في الدنيا كلها، أحرص من الحسن نفسه على الفوز في قضيته، ولا أكثر عملاً، ولا أشد اهتماماً، ولا أنشط حيوية، ولا أسرع تضحية فيما تستدعيه من تضحيات.
وبديهيّ أيضاً، أنه لم يكن ليفوته ما لا يفوتنا من رأي، ولا يخطئه ما لا يخطئنا من تدبير. ولقد برهنت سائر مراحله على أنه الرجل الحصيف الذي غالب مشاكله كلها ثم اختار لها أفضل الحلول في حربه وسلمه ومع مراحل جهاده ومعاهدات صلحه، وفي عاصمة ملكه (الكوفة) وعاصمة امامته (المدينة).
ترى، أفكان من جنون هذه اللحظات في المدائن، مجال للموت الذي يصنع الحياة؟ أم هو المجال الذي لا يصنع الا الموت في الموت أبدياً، وهو ما يجب أن تربأ عنه النفوس الكريمة التي لا تموت الا لتحيي بعدها سنة أو تنقذ أمة.
فأين امكان الشهادة للحسن يا ترى؟..
ولقد يحز في النفس حتى ليضيق محب الحسن ذرعاً بما يترسمه في ذهنه من معالم الخطوب السود، التي كانت تتدفق بطوفانها الرهيب على هذا الامام الممتحن في أحرج ساعاته وأدق لحظاته.
ربما كان للذهن قابلية التصور أو قابلية الهضم للحوادث التي ترجع إلى مصادرها الاعتيادية في الناس، من العداء الشخصي، أو النزاع القبلي، أو الخلاف النظري - كعداء معاوية للحسن، أو خصومة بني أمية للهاشميين، أو خلاف الخوارج على عليّ وأولاده (ع) -. أما الحوادث التي لا مرجع لها الا الطمع الدنيء فانه من آلم ما يتصوره الانسان من شذوذ الناس.
أفتظن ان من الممكن لشيعي يعتقد امامة الحسن كما يعتقد نبوة النبي، ويعيش في نعمة الحسن كما يعيش في نعمة أبيه، ثم تحدثه نفسه بالخيانة العظمى في أحرج اللحظات التي تمر بامامه وولي نعمته، وأحوجها إلى الاخلاص الصحيح من شيعته؟.
أجل، انها للمؤامرة الدنيئة التي كانت من صميم الواقع الذي دار حول الحسن عليه السلام، في ابان وجوده في المقصورة البيضاء بالمدائن!!..
فانظر إلى أيّ حد كان قد بلغ التفسخ الخلقي في الجيل الذي قدّر للحسن أن يتخذ منه أجناده إلى جهاد عدوه.
قد يكون الفرد بذاته من ذوي الحسب، وقد يكون على انفراده من ذوي السكينة، ولكنه اذا انساح بضعفه المتأصل في نفسه مع العاصفة الطارئة، واحتضنته الجماهير المتحمسة من حوله، كان جديراً بان تغلب عليه روح الجماعة فلا يشعر الا بشعورها، ولا يفكر الا بفكرها، ولا يعمل الا بعملها - ويخالف - عندئذٍ - مشاعره الفطرية مخالفة لا تنفك في أكثر الاحيان عن الندم الجارح عند سكون العاصفة وتبدّل الاحوال.
وهكذا كان من السورة الجامحة في ضوضاء المدائن يومئذ ما أخضع لتياره حتى الشيعيّ الضعيف، فنسي تشيعه ونسي عنعناته، ونسي حتى المعنويات العربية الساذجة التي تتحلل من الدين على اختلاف نزعاته!!..
فانه ان لم يكن امامك فولي نعمتك، وان لم يكن ولي نعمتك فالكريم الجريح.
وهذا مثلٌ واحد - حفظه التاريخ - عن شيعيهم، ظنك بخارجيهم وأمويهم وشكاكهم وأحمرهم؟.
ومثلٌ واحد حفظه التاريخ، يدل على أمثال كثيرة نسيها التاريخ أو تناساها.
ووجه آخر:
هو ما أشار اليه الحسن نفسه في أجوبته لشيعته الذين نقموا عليه الصلح. قال: (ما أردت بمصالحتي معاوية الا أن ادفع عنكم القتل(١٧٧)).
وأثر عنه بهذا المعنى كلمات كثيرة.
وللتوفر على فهم هذه الحقيقة بشيء من التفصيل الذي يخرج بنا إلى القناعة بما أجمله الامام بهذا القول، نقول:
لم يكن النزاع بين الحسن ومعاوية في حقيقته، نزاعاً بين شخصين يتسابقان إلى عرش، وانما كان صراعاً بين مبدأين يتنازعان البقاء والخلود. وكان معنى الانتصار في هذا النزاع، خلود المبدأ الذي ينتصر له أحد الخصمين المتنازعين. وكذلك هي حرب المبادئ التي لا تسجل انتصاراتها من طريق السلاح، ولكن من طريق الظفر بثبات العقيدة وخلود المبدأ. وربما ظفر المبدأ بالخلود ولكن تحت ظل اللواء المغلوب ظاهراً.
وانقسم المسلمون يومئذ، على اختلاف رأيهم في المبدأين، إلى معسكرين يحمي كل منهما مبدأه، ويتفادى له بكل ما أوتي من حول وقوة.
فكانت العلوية والاموية، وكانت الكوفة والشام.
ونخلت الادوار الاستفزازية التي لعبها معاوية، باسم الثأر لعثمان، معسكر الشام من شيعة عليّ وأولاده عليهم السلام. فكان لابد لهؤلاء أن ينضووا إلى معسكرهم في الكوفة، وفي البلاد التي ترجع بأمرها إلى الكوفة، غير مروعين ولا مطاردين.
واجتمع - على ذلك - في الكوفة والبصرة والمدائن والحجاز واليمن عامة القائلين بالتشيّع لأهل البيت عليهم السلام.
وخلص إلى عاصمة الامام في العراق من الامصار كلها، الثقل الاكبر من أعلام المسلمين، وبقايا السيوف من المهاجرين والانصار. فكانت كوفة علي على عهد الخلافة الهاشمية، مباءة الاسلام، والمركز الذي احتفظ بتراث الرسالة بأمانة وصبر وايمان.
وكان طبيعياً ان يستجيب لدعوة الحسن، في زحفه للموقعة الفاصلة بين المبدأين، عامة هذه النخبة المختارة المتبقية في الكوفة بعد وفاة أبيه عليه السلام، من شيعته وشيعة أبيه وصحابة جده صلى الله عليه وآله وسلم، فاذا هم جميعاً عند مواقعهم من صفوف وحداتهم، في الجيش الذي يستعدّ في (النخيلة).
ولم يكن في الدنيا كلها، قابلية أخرى لصيانة التراث الاسلامي على وجهه الصحيح، كالقابليات التي لفّها جناح هذا الجيش، بانضواء هذه الكتل الكريمة اليه، وفيها أفراد الاسرة المطهرة من الهاشميين.
واحتضنت وحدات النخيلة مع هؤلاء، أجناساً كثيرة من الناس، أتينا - فيما سبق - على عرض واسع لمختلف عناصرهم وشتى منازعهم ونتائج أعمالهم.
وكان المضيّ في الزحف ضرورة اقتضاها الظرف الطارئ كما أشير اليه آنفاً.
وما هي الا أيام لم تبلغ عدد الاصابع، حتى انتظم المعسكران في (المدائن) و(مسكن) أقسام الجيش كلها، فكان في كل منهما جماعة من الطبقة الممتازة في مسلكها ومعنوياتها واخلاصها، وجماعات أخرى من طبقات مختلفة منوّعة.
وجاءت هزيمة عبيد اللّه بن عباس ومن معه إلى معاوية، أشبه بعملية تصفية قد تكون نافعة، لو لم تعزّزها نكبات أخرى من نوعها ومن غير نوعها، ذلك لانها نخلت معسكر مسكن، وهو المعسكر الذي نازل العدو وجهاً لوجه، من الاخلاط التي كانت العضو الفاسد في هذا الجيش.
أما في المدائن فقد كان الحسن وخاصته في سواد من أشباه المهزومين لا يتسنى لهم الوصول إلى معاوية فيفرون، ولا يستفزّهم الواجب فيرضخون. وكانوا في المستقبل القريب، أداة الكارثة التاريخية، بما حالوا بين الحسن وبين أهدافه من هذه الحرب، وبما أغلقوا عليه من طريق الشهادة الكريمة، وبما أفسدوا عليه كل شيء من أمره، (كما مرّ بيانه قريباً).
ولنفترض الآن أن شيئاً واحداً كان لا يزال تحت متناول الحسن في سبيل الاستمرار على الحرب، أو في سبيل الامتناع على الصلح.
ذلك هو أن يصدر أوامره من حصاره في (المدائن) إلى انصاره في (مسكن) بمباشرة الحرب، تحت قيادة القائد الجديد (قيس بن سعد بن عبادة الانصاري)، الرجل العظيم الذي نعرف من دراسة ميوله الشخصية، أنه كان يؤثر الحرب حتى ولو صالح الامام(١٧٨). واذا كانت ثورة المشاكسين في المدائن، قد حالت دون تكتيب هذا الجيش للقتال، فما كانت لتحول دون ارسال الاوامر إلى المخلصين الاوفياء في جيش مسكن بالحرب، ان سراً وان علناً.
ومن المحتمل أن كثيراً من المغلوبين على أمرهم من مجاهدة المدائن المخلصين، كانوا يستطيعون التسلل إلى (مسكن) لانجاد القوات المحاربة هناك، فيما لو وجدوا من جانب الحسن استعداداً لهذه الفكرة او تشجيعاً عليها.
ولعل من المحتمل ايضاً ان الامام نفسه كان يستطيع هو ايضاً وبعد تريث غير طويل، ينتظر به خفوت الزوابع الدائرة حوله في المدائن، أن يخفّ إلى مسكن حيث النصر الحاسم، أو الشهادة بكل معانيها الكريمة في اللّه وفي التاريخ.
فلماذا ينزل إلى الصلح، وله من هذا التدبير مندوحة عنه؟.
نقول:
ربما كان في مستطاع الحسن اصدار هذه الاوامر في لحظاته الاخيرة في المدائن، وربما لم يكن.
وعلى كل من التقديرين، فما كل مندوحة لوحت بنجاح، يجوز الاخذ بها، ورب تدبير في ظرف هو نفسه مفتاح مآزق صعابٍ لظرفٍ آخر. وهذه هي القاعدة التي يجب الالتفات اليها عند الاخذ بأيّ اقتراح في أيّ من المآزق.
وهنا ايضاً، فهل فكَّر مقترح هذا التدبير، في المدة التي كان يمكن أن تستوعبها حرب أربعة آلاف - هم جيش الحسن في مسكن - لستين الفاً هم جيش معاوية أو ثمانية وستين الفاً؟ واستغفر اللّه، بل حرب مجموعة من جيش تنازل مجموعة من جيش تزيدها خمسة واربعين ضعفاً! [ارجع إلى تحليل النسبة العددية بين الفريقين عسكر مسكن وعسكر الشام في الفصل - ١١ -].
وهل فكَّر مقترح هذه المندوحة، فيما عسى ان يكون موقف الحسن عند انتهاء اللحظات القصيرة من عمر هذه الحرب، وعندما يتفانى المساعير من أنصاره في مسكن.
انه ولا شك الموقف الذي سيضطره - لو بقي حياً - إلى التسليم بدون قيد ولا شرط.
وانه ولا شك الطالع الجديد الذي كان ينتظره معاوية للاجراءات الحاسمة بين الكوفة والشام، الاجراءات التي لا تعدو الاحتلال العسكري المظفر بويلاته ونقماته التي لا حدَّ لفظاعتها في أهل البيت وشيعتهم، وأخلق باحتلال كهذا أن يطوّح بكل أماني البلاد، وبشعائرها الممتازة، ومبادئها التي قامت على جماجم عشرات الالوف من صفوة الشهداء المجاهدين في اللّه.
ولا اخال أنّ أحداً يفطن إلى هذه النتائج المحتمة، ثم لا يحكم بفشل هذه المندوحة المنتقضة على نفسها، وانّ من أبرز اخطائها انها تنقل الحسن - في أقصر زمان - من خصم مرهوب يملي الشروط على عدوه، إلى محارب مغلوبٍ لا مفرّ له من التسليم بدون قيد ولا شرط.
وهذا فيما لو انكشفت الحرب والحسن حيّ يحال بينه وبين الاشتراك فيها.
وأما لو قدر لهذه الحرب القصيرة العمر، أن تجتاح في طاحونتها حتى الحسن لينال الشهادة، وافترضنا أنه كان قد استطاع التسلل إلى مسكن والاشتراك في القتال - الامر الذي لا ينسجم وسير الحوادث هناك كما عرفت قريباً - فالجواب هو أن الشهادة التي يكون ثمنها امحاء المبدأ امحاءً أبدياً، لا يمكن ان تكون وسيلة نجاح في اللّه ولا في التاريخ.
وان التاريخ الذي سيناط به ذكر هذه الحرب، بعد شهادة الحسن وذيولها المؤسفة، سيروي للاجيال من شؤون الحسن وحروبه، ما لا يخرج بمفهومه عن معنى (الخروج). وذلك هو ما أردنا التلميح اليه في كلامنا على (خطة معاوية تجاه أهداف الحسن) من هذا الفصل.
ولكي نزيد هذا الاجمال توضيحاً نقول:
علمنا مما تقدم، أن الصفوة من حملة الكتاب، والبقية من الصحابة الابرار، والنخبة المختارة من الشيعة الاوفياء، كانوا قد اجتمعوا للحسن عليه السلام فيمن دلف به إلى معاوية في زحفه هذا. ولا نعرف أن احداً من هذا الطراز تخلَّف مختاراً عن تلبية الحسن فيما دعا اليه من الجهاد.
فكان الموقف في هذه اللحظة المبدئية الدقيقة بين الحسن ومعاوية، أشبه بالموقف الآنف بين أبويهما رسول اللّه (ص) وأبي سفيان بن حرب يوم كان يبرز الايمان كله للشرك كله.
وعلمنا مما تقدم ايضاً أنه لم يكن في الدنيا كلها مجموعة اخرى تؤتمن على الثقل الاكبر من نواميس الاسلام، والمبادئ المثالية الصحيحة على وجهها الصحيح، مثل هذه المجموعة التي اجتمعت للحسن في هذا الزحف.
فكان معنى تنفيذ فكرة الحرب، والتورّط بهذه الزمرة في القتال المستميت الذي لن ينكشف منهم على نافخ ضرمة قط، هو التفريط بالثقل الاكبر الذي يحملونه ولا يحمله في الدنيا أحد غيرهم.
وكان معنى التفريط به، انقطاع الصلة بين عليّ واولاده الائمة الميامين، وبين الاجيال الآتية إلى يوم الدين.
ثم لتعودن قضية الحسن - بعد ذلك - أشبه بقضايا الاشراف العلويين، الذين نهضوا في ظروف مختلفة من أيام الحكم الاسلامي، يهتفون بالاصلاح، ويحتجون بالرحم الماسة من رسول اللّه صلى الله عليه وآله، ثم غلبوا على امرهم، فلم يبق من دعوتهم الا اسماؤهم في أطواء التاريخ أو في كتب الانساب.
وما يدرينا، فيما لو صُفّي الحساب مع آل محمد تصفيته الاموية الاخيرة، فقتل الحسن، وقتل معه جميع أهل بيته، وقتل معهم الصفوة المختارة من عباد اللّه المخلصين، وانقلب الاسلام أموياً، ماذا سيكون من ذكريات محمد صلى الله عليه وآله وسلم في التاريخ؟. وماذا سيكون من شأن المثاليات التي نفخ الاسلام روحها في الصفوة من رجالاته؟. وهل رجالاته المصطفون الا هذه الاشلاء التي طحنتها سيوف الشام في هذه الحروب؟.
وعلمنا - مما تقدم - مبلغ ما تهتز به أوتار معاوية بن أبي سفيان من العنعنات القبلية والانانيات والترات. فهل لنا - وقد أيسنا من ذكر عليّ وأولاده في أعقاب هذه التصفية الا بالسوء، أن نطمئن إلى ذكر محمد صلى الله عليه وآله وسلم وذكر تعاليمه ومبادئه الصحيحة بخير؟.
والعدوّ المنتصر هو معاوية بن أبي سفيان، الذي ضاق بذكر الناس لاخي هاشم (النبي ص) في كل يوم خمس مرات كما تقتضيه السنة الاسلامية في (الاذان)، حتى قال للمغيرة بن شعبة: (فأي عملٍ يبقى بعد هذا لا أُمَّ لك، الا دفنا دفناً(١٧٩)!!..).
ورجاله المنتصرون هم: أخوه [الشرعي؟!] (زياد ابن ابيه)، والصحابي المسنّ (عمرو بن العاص)، والداهية [النزيه؟!] (المغيرة بن شعبة)، وفاتح الحرمين!! (مسلم بن عقبة)، وامثال هذه النماذج من الغيارى على روحيات الاسلام!!..
وفي مجازر (زياد) في الكوفة، وفتن (عمرو) في صفين ودومة الجندل، ومساعي أول مرتشٍ في الاسلام (المغيرة بن شعبة) لتنصيب يزيد للخلافة ولالحاق زياد للاخوة، ومواقف (ابن عقبة) من المدينة والكعبة، كفاية للاطمئنان على الرقم القياسي الذي صعدت اليه غيرة كلٍّ من هؤلاء، على التراث الاسلامي، وعلى مقدسات الاسلام، وعلى مصالح المسلمين.
انهم عملوا ما عملوا، وهم اذ ذاك على مسمع ومشهد، من آل محمد والصفوة الباقية من تلامذة محمد (ص) ومن أشياعهم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والواقفين لهم بالمرصاد.
فكيف بهم، وماذا كانوا يعملون، لو أصفرت الدنيا من آل محمد وعباد اللّه الصالحين؟؟.
ان النتائج الواضحة المستقيمة التي لا عوج في تأويلها، هي أن الإمام الحسن عليه السلام لو سخا بنفسه وبشيعته، وفرضنا أنه كان قد استطاع حضور ميدانه في (مسكن)، لحكم على نفسه بالموت حتى لا يبقى اسمه الا في كتب الانساب، وعلى مبدئه المقدس بالاعدام حتى لا يبقى منه أيّ أثر بين سمع الارض وبصرها، ولرأيت تاريخه المجيد وتاريخ بيته العتيد، أسطورة مشوهة من أبشع الاساطير، يمليها معاوية كما يشتهي، ويشرحها بعده مروان وآل مروان كما يشاؤون.
وكان معنى ذلك نهاية تاريخ الروحية الاسلامية، وبداية تاريخ اموي له طابعه المعروف وخصائصه الغنية عن البيان.
وفي الحديث الشريف: (لو لم يبق من بني أمية الا عجوز درداء لبغت دين اللّه عوجاً(١٨٠)).
ترى، فهل كان في امكان الحسن غير ما كان؟.
وان أقل استقراء وتدبر، يثبتان أنها كانت افضل طريقة للتخفيف من عرامة الاجراءات المتوقعة، بل كانت الطريقة الوحيدة التي لا ثانية لها.
وحفظ الحسن بها - حين استيقن هذه النتائج كحقائق واقعة - خطوط اتصاله بالاجيال، بل خطوط اتصال أبيه وجده عليهما الصلاة والسلام، من طريق الابقاء على شيعته، وأنقذ بذلك مبدأه من الابادة المحققة، وصان تاريخه من التشويه والتزوير والمسخ والازدراء.
وانتزع من الخذلان الذي حاق به في دنياه، الانتصار اللامع لروحيته وعقيدته واخراه.
وهكذا ترك الدنيا ليحفظ الدين.
وذلك هو طابع الامامة في هذه الزمرة المباركة من آل اللّه.

القسم الثالث: الصلح

دوافع الفريقين للصلح
وما كان بدعاً من محاولات معاوية فيما يهدف اليه، أن يبتدر هو إلى طلب الصلح(١٨١)، فيعطي الحسن كل شرط، ليأخذ عليه شرطاً واحداً هو (الملك).
وقرر معاوية خطته هذه، في بحران نشاط الفريقين للحرب، وكان في توفره على تنفيذ هذه الخطة، أعنف منه في عمله لتنظيم المعسكرات وتدبير شؤون الحرب. ورأى ان يبادئ الحسن بطلب الصلح، فان أجيب اليه فذاك، والا فلينتزعه انتزاعاً، دون أن يلتحم والحسن في قتال.
وكان عليه قبل كل شيء، أن يصطنع في سبيل التمهيد إلى غايته، ظرفاً من شأنه ان ينبّه خصومه إلى تذكر الصلح.
ومن هنا طلعت على معسكرات الحسن عليه السلام، الوان الاراجيف، وعمرت سوق الرشوات، وجاء في قائمة وعوده التي خلب بها ألباب كثير من الزعماء أو المتزعمين: رئاسة جيش، وولاية قطر، ومصاهرة على أميرة اموية!!.. وجاء في أرقام رشواته النقدية الف الف [مليون]!.
واستعمل في سبيل هذه الفكرة كل قواه وكل مواهبه وكل تجاربه، واستجاب له كثير من باعة الضمائر الذين كانوا لا يفارقون الحسن ظاهراً فاذا هم عيون معاوية التي ترى، وأصابعه التي تعمل، وعملاؤه الذين لا يدخرون وسعاً في ترويج اهدافه.
وكانت الجيوش والاسلحة والحركات السوقية في الزحف إلى المعسكرات، هي الاخرى بعض وسائله إلى الصلح، ولم يشأ أن يبدأ بهم غاراته على العراق، لانه لن يلتحم مع الحسن بقتال، الا اذا اعيته الوسائل كلها، والوسائل في عرف معاوية، غير الوسائل في عرف الناس أو في عرف الدين الجديد.
ومن الحق أن نقول: ان وسائله في هذا الميدان، كانت من النوع المحبوك الصنع، الدقيق الاساليب، الموفق كل التوفيق، في سبيل الغرض الذي رمى اليه، من اصطناع الظرف الخاص الذي يذكر عدوه بالصلح.
فاذا باع القائد في جبهة العراق ضميره لمعاوية بالمال، وباع معه أكثر الرؤساء ضمائرهم بالعِدات.
واذا أصبح المعسكران في مسكن والمدائن يعجان بالشائعات التي راحت تمطرهما بوابل من الويل والثبور والمخاوف.
واذا أصبح الحسن نفسه لا يتسنى له تنفيذ أوامره في جيشه بما فعلته الاراجيف من حوله، بل لا يستطيع الظهور بشخصه أمام الكثرة من جنوده، الا ليغتال بين مضاربه وعلى سواعد أصحابه.
فهل من سبيل الا الصلح؟..
انه الظرف الذي استعصى صلاحه بفساد ناسه، ولا تثريب على الحسن من ظرفه اذا فسد، وناسه اذا فشت فيهم الفتنة، وان لانحراف الطبائع حكمه، ولحداثة الاسلام خاصتها، في القلقين من المسلمين أو في المفروضين على الاسلام فرضاً.
واذا قدر للحسن أن يخسر بخيانة جنوده، أو ببراعة الفتن التي تسلح بها عدوه (معركته الاولى)، فليكن منذ اليوم عند (معركته الثانية) التي لا تنالها خيانة الجنود، ولا يضيرها انحراف الطبائع، ولا تزيدها دسائس العدوّ ولا أساليب فتنه البارعة الا مضاءً ونفوذاً وانتصاراً مع الايام.
وتلك هي (الفذلكة) التي أجاد الحسن استغلالها كأحسن ما تكون الاجادة، واستغفل بها معاوية أشد ما يكون في موقفه من الحسن يقَظةً ونشاطاً وانتباهاً.
انه لبى طلب معاوية للصلح، ولكنه لم يلبه الا ليركسه في شروط لا يسع رجلاً كمعاوية الا أن يجهر في غده القريب بنقضها شرطاً شرطاً. ثم لا يسع الناس - اذا هو فعل ذلك - الا ان يجاهروه السخط والانكار، فاذا بالصلح نواة السخط الممتد مع الاجيال، واذا بهذا السخط نواة الثورات التي تعاونت على تصفية السيطرة الاغتصابية في التاريخ.
وليكن هذا هو التصميم السياسي الذي نزل الحسن من طريقه إلى قبول الصلح، ولتكن هذه هي الفذلكة التي استغفل بها معاوية فكانت من أبرز معاني العبقرية المظلومة في الامام المظلوم.
وأيّ غضاضة على الحسن - بعد هذا - اذا هو وقّع الصلح وفق الخطط المرسومة.
وان له من حراجة ميدانه الاول، ومن الامل بنتائج ميدانه الثاني ما يزين له حديث الصلح، فضلاً عما يستأثر به هذا الحديث من ظاهرة الاصلاح في الامة، وما يتفق معه من حقن الدماء وصيانة المقدسات، وتحقيق وجهة النظر الاسلامي.
وكانت اشهراً لم تناهز عدد الاصابع العشر، ولكنها ناهزت عدد النجوم هزاهز وزعازع، وكانت قطعة من الزمن يتجه اليها القلب بكل ما يملكه من حبٍّ واعجاب، فاحت بروائح النبوة، وتجلت فيها مزايا الامامة الصادقة، وتكشفت على قلتها وقصر مدتها عن حقائق كثير كثير من الناس هنا وهناك. وهي الاشهر التي ختمت أعمالها بأفضل خواتيم الاعمال في الاصلاح، ووصلت بخاتمتها الفضلى مصلحة الدنيا بمصلحة السماء.
واذا بالحسن بن علي، هو ذلك المصلح الاكبر، الذي بشّر به جده رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الذي سبق ذكره: (ان ابني هذا سيد وسيصلح اللّه به بين فئتين عظيمتين من المسلمين).
وان اللّه سبحانه عوّد أهل هذا البيت أن يحفظ لهم الشرف في أعلى مراتبه وفي مختلف ميادينه، فان لم يكن بالانتصار بالسلاح، فليكن بالشهادة الكريمة في اللّه وفي التاريخ. وان لم يكن بهذا ولا ذاك فليكن بالاصلاح وجمع الكلمة وتوحيد أهل التوحيد. وكفى بالاصلاح شرفاً وكفى ببقاء الشرف انتصاراً. وبقاء الشرف ضمان لبقاء العزة. والعزة حافز دائب يدفع إلى الحياة ويقوم على السيادة.
ومن السهل ان نفهم دوافع الحسن إلى الصلح مما ذكرنا.
أما دوافع معاوية التي اندلف بها من جانبه إلى طلب الصلح، فقد كانت من نوع آخر لا يرجع في جوهره إلى العجز عن القتال، ولا ينظر في واقعه إلى وجهة نظر دين أو اصلاح أو حقن دماء، فلا الاصلاح ولا حقن الدماء بالذي يعنى به معاوية فينزل له عن مطامعه في الفتح. وفي غاراته على المدينة ومكة واليمن، ومواقفه الجريئة بصفين، ما يزيدنا بصيرةً في معرفة الرجل وان قلّ عارفوه.
اذاً، فليكن طموحاً نفعياً خالصاً، هو الاشبه بتاريخ معاوية الذي جاء تاريخه أشبه باسطورة.
انه خُيّل اليه بأن تنازل الحسن له عن الحكم، سيكون معناه في الرأي العام، تنازله عن (الخلافة). وظن أنه سيصبح - على هذا - (الخليفة الشرعي في المسلمين(١٨٢)).
وكان الحلم اللذيذ الذي استرخص في سبيله كل غال، وخفي عليه أن الاسلام أعز جانباً من أن يهضم الاساليب الهوج، أو يعطي اقليده للطلقاء وأبناء الطلقاء.
هذا، ولا ننكر ان يكون لمعاوية بواعث أخرى جعلت منه انساناً آخر ينكر الحرب ويمد يده إلى الصلح ويوقع الشروط ويحلف الايمان ويؤكد المواثيق. ولكنا - اذ نتحرى بواعثه الاخرى - لا نزول عن الاعتقاد بأن الحلم اللذيذ الذي ذكرنا، كان أكبر دوافعه وأشد بواعثه.
وفيما يلي قائمة مناسبات، تصلح لان تكون بعض دوافعه إلى الصلح:
١ - انه كان يرى أن الحسن بن علي عليهما السلام، هو صاحب الحق في الامر، ولا سبيل إلى اقتناص (الامر) الا من طريق اسكات الحسن - ولو ظاهراً -، ولا سبيل إلى اسكاته الا بالصلح.
اما رأيه بأولوية الحسن بالامر، فقد جاء صريحاً في كتاب اليه قبيل زحفهما للصراع في مَسكِن، بقوله له: (انك أولى بهذا الامر وأحق به). وجاء صريحاً فيما قاله لابنه يزيد على ذكر أهل البيت: (يا بنيَّ ان الحق حقهم(١٨٣))، وفيما كتبه إلى زياد ابن ابيه حيث يقول له على ذكر الحسن عليه السلام: (وأما تسلطه عليك بالامر فحق للحسن أن يتسلط(١٨٤)).
وكذلك رأيناه يستفتي الإمام الحسن، فيما يعرض له من معضلات كمن يعترف بامامته(١٨٥).
ويعترف للحسن بأنه (سيد المسلمين(١٨٦)). وهل سيد المسلمين الا امامهم؟.
٢ - انه كان - على كثرة الوسائل الطيعة لامره - شديد التوجس من نتائج حربه مع الحسن، ولم يكن كتوماً (كما يدّعي لنفسه) يوم قال في وصف خصومه العراقيين: (فواللّه ما ذكرت عيونهم تحت المغافر بصفين الا لبس على عقلي(١٨٧))، ويوم قال فيهم (ما لهم غضبهم اللّه بشر، ما قلوبهم الا كقلب رجل واحد(١٨٨))، فكان يرى في الجنوح إلى الصلح، مفراً من منازلة هؤلاء ومواجهة عيونهم تحت المغافر!!.
٣ - انه كان يهاب موقع الحسن ابن رسول اللّه (ص) في الناس، ومقامه الروحيّ الفريد في العقيدة الاسلامية، فيتقي حربه بالصلح.
وكان يرى من الجائز، أن يقيض اللّه لمعسكر الشام من يتطوع لتنبيه الناس فيه إلى حقيقة أمر الحسن وفظاعة موقفهم منه، الامر الذي من شأنه ان لا يتأخر بمسلمة الجيش في جبهة معاوية عن الانتقاض عليه والنكول عنه، وبالجيش كله عن الانهيار اخيراً.
وكان معاوية لا يزال يتذكر في زحفه على الحسن، حديث النعمان بن جبلة التنوخيّ معه في (صفين) - وهو اذ ذاك أحد رؤساء جنوده المحاربين -، وقد صارحه بما لم يصارحه بمثله شاميّ آخر، وسخر منه بما لم يسخر بمثله رعية من سلطان. وما يؤمن معاوية أن يشعر الناس تجاهه - اليوم - شعور ذلك التنوخي المغلوب على أمره - يومئذ.
وكان مما قاله هذا التنوخي لمعاوية في صفين: (واللّه لقد نصحتك على نفسي، وآثرت ملكك على ديني، وتركت لهواك الرشد وأنا أعرفه، وحدت عن الحق وأنا ابصره، وما وافّقت لرشد وأنا أقاتل عن ملك ابن عم رسول اللّه صلى اللّه عليه (وآله) وسلم وأول مؤمن به ومهاجرٍ معه، ولو اعطيناه ما اعطيناك، لكان أرأف بالرعية وأجزل في العطية، ولكن قد بذلنا لك الامر، ولابد من اتمامه كان غياً أو رشداً، وحاشا أن يكون رشداً. وسنقاتل عن تين الغوطة وزيتونها، اذا حرمنا أثمار الجنة وأنهارها!..(١٨٩)).
وكان من سياسة معاوية، حبس أهل الشام عن التعرف على أحد من كبراء المسلمين - خارج الشام - لئلا يكون لهم من ذلك منفذ إلى انكاره أو الانقسام عليه. ولذلك فلا نعرف كيف تسنى لهذا الشامي معرفة ابن عم رسول اللّه (ص) ومعرفة سبقه إلى الايمان ورأفته بالناس وكرمه في العطاء وأولوّيته بالامر.
وحرى معاوية على تجهيل أهل الشام بأعلام الاسلام إلى آخر عهده، وكانت سياسته هذه، هي أداته في التجمعات التي ساقها لحروب صفين اولاً، ولحرب الحسن بن علي في مسكن أخيراً.
وتجد ظاهرة هذه السياسة - بما فيها من اعلان عن ضعف صاحبها - فيما قاله معاوية ذات يوم لعمرو بن العاص وفد تحدّى الحسن بن علي عليهما السلام، فردّ عليه الحسن بحدّياه البليغة التي لم يسلم منها المحرّض عليها - ايضاً -، فقال معاوية لعمرو: (واللّه ما أردت الا هتكي، ما كان أهل الشام يرون أنَّ أحداً مثلي حتى سمعوا من الحسن ما سمعوا(١٩٠)).
٤ - وكان من الرشاقة السياسية التي لا يخطئها معاوية في سبيل طموحه الاناني الا نادراً، أن يدعو إلى (الصلح) فيلح عليه ويشهد على دعوته هذه أكبر عدد ممكن من الناس في القطرين - الشام والعراق - وفي سائر الآفاق التي يصلها صوته من بلاد الاسلام. ثم هو لا يقصد من وراء هذه الدعوة - على ظاهرتها - الا التمهيد لغده القريب الذي ستنكشف عنه نتائج الحرب بينه وبين الحسن. وكان أحد الوجهين المحتملين، أن يدال للشام من الكوفة وأن تقضي الحرب وذيولها على الحسن والحسين وعلى من اليهما من أهل بيتهما وشيعتهما. ولا تدبير - يومئذ - للعذر من هذه البائقة الكبرى أروع من أن يلقي معاوية مسؤوليتها على الحسن نفسه، ويقول للناس - غير كاذب - (اني دعوت الحسن للصلح، ولكن الحسن أبى الا الحرب، وكنت اريد له الحياة، ولكنه أراد لي القتل، وأردت حقن الدماء، ولكنه أراد هلاك الناس بيني وبينه...).
ولمعاوية من هذه اللباقة الرائعة أهدافه التي لا تتأخر به عن تصفية الحساب مع آل محمد (ص) تصفيته الاموية الاخيرة، وهو اذ ذاك المنتصر العادل المتظاهر بالانصاف، الذي يشهد له على انصافه كل من كان قد أشهده - قبل الحرب - على ندائه بالصلح. أما الحسن عليه السلام، فلم يكن الرجل الذي تفوته الرشاقة السياسية ولا الاساليب الدقيقة التي يبرع فيها عدوه للنكاية به. وانما كان - على كل حال - أكبر من عدوه دهاء، وأبرع منه في استغلال الظروف واقتناص الفرص السانحة التي تجتمع عليها كلمة اللّه وكلمة المصلحة معاً. فرأى من ظروفه المتداعية، ومن سوء نوايا عدوّه فيما أراد من الدعوة إلى (الصلح)، ما استدعاه إلى الجواب بالايجاب.
ثم لم يكفه أنه قضى بذلك على خطط معاوية وشلها عن التنفيذ، حتى أخذ يضع الخطة الحكيمة من جانبه للقضاء على خصومه باسم الصلح. وسيجيء في الفصول القريبة التوضيح اللائق بالموضوع.
معاهدة الصلح
وروى فريق من المؤرخين، فيهم الطبري وابن الاثير: (أن معاوية أرسل إلى الحسن صحيفة بيضاء مختوماً على أسفلها بختمه)، وكتب اليه: (أن اشترط في هذه الصحيفة التي ختمت أسفلها ما شئت، فهو لك(١٩١)).
ثم بتروا الحديث، فلم يذكروا بعد ذلك، ماذا كتب الحسن على صحيفة معاوية. وتتبعنا المصادر التي يُسّر لنا الوقوف عليها، فلم نر فيما عرضته من شروط الحسن عليه السلام، الا النتف الشوارد التي يعترف رواتها بأنها جزء من كل. وسجّل مصدر واحد صورة ذات بدء وختام، فرض أنها [النص الكامل لمعاهدة الصلح]، ولكنها جاءت - في كثير من موادّها - منقوضة بروايات أخرى تفضلها سنداً، وتزيدها عدداً.
ولنا لو أردنا الاكتفاء، أن نكتفي - في سبيل التعرّف على محتويات المعاهدة - برواية (الصحيفة البيضاء)، كما فعل رواتها السابقون، فبتروها اكتفاءً باجمالها عن التفصيل، ذلك لان تنفيذ الصلح على قاعدة (اشترط ما شئت فهو لك) معناه أن الحسن أغرق الصحيفة المختومة في أسفلها، بشتى شروطه التي أرادها، فيما يتصل بمصلحته، أو يهدف إلى فائدته، سواء في نفسه أو في أهل بيته أو في شيعته أو في أهدافه، ولا شيء يحتمل غير ذلك.
واذا قدّر لنا - اليوم - أن لا نعرف تلك الشروط بمفرداتها، فلنعرف أنها كانت من السعة والسماحة والجنوح إلى الحسن، بحيث صححت ما يكون من الفقرات المنقولة عن المعاهدة أقرب إلى صالح الحسن، ورجّحته على ما يكون منها في صالح خصومه، كنتيجة قطعية لحرية الحسن عليه السلام في أن يكتب من الشروط ما يشاء.
ورأينا بدورنا، وقد أخطأنا التوفيق عن تعرّف ما كتبه الحسن هناك، أن ننسق - هنا - الفقرات المنثورة في مختلف المصادر من شروط الحسن على معاوية في الصلح، وأن نؤلف من مجموع هذا الشتات صورة تحتفل بالاصح الأهم، مما حملته الروايات الكثيرة عن هذه المعاهدة، فوضعنا الصورة في مواد، وأضفنا كل فقرة من الفقرات إلى المادة التي تناسبها، لتكون - مع هذه العناية في الاختيار والتسجيل - أقرب إلى واقعها الذي وقعت عليه.
واليك هي
صورة المعاهدة التي وقعها الفريقان
المادة الاولى: تسليم الامر إلى معاوية، على أن يعمل بكتاب اللّه وبسنة رسوله(١٩٢) صلى الله عليه وآله وسلم، وبسيرة الخلفاء الصالحين(١٩٣).
المادة الثانية: أن يكون الامر للحسن من بعده(١٩٤)، فان حدث به حدث فلأخيه الحسين(١٩٥)، وليس لمعاوية أن يعهد به إلى احد(١٩٦).
المادة الثالثة:
أن يترك سبَّ أمير المؤمنين والقنوت عليه بالصلاة(١٩٧)، وأن لا يذكر علياً الا بخير(١٩٨).
المادة الرابعة:
استثناء ما في بيت المال الكوفة، وهو خمسة آلاف الف فلا يشمله تسليم الامر. وعلى معاوية أن يحمل إلى الحسين كل عام الفي الف درهم، وأن يفضّل بني هاشم في العطاء والصلات على بني عبد شمس، وأن يفرّق في أولاد من قتل مع أمير المؤمنين يوم الجمل وأولاد من قتل معه بصفين الف الف درهم، وأن يجعل ذلك من خراج دار ابجرد(١٩٩).
المادة الخامسة:
(على أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض اللّه، في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم، وأن يؤمّنَ الاسود والاحمر، وان يحتمل معاوية ما يكون من هفواتهم، وأن لا يتبع احداً بما مضى، وأن لا يأخذ أهل العراق باحنة(٢٠٠)).
(وعلى أمان أصحاب عليّ حيث كانوا، وأن لا ينال أحداً من شيعة علي بمكروه، وأن اصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم، وان لا يتعقب عليهم شيئاً، ولا يتعرض لاحد منهم بسوء، ويوصل إلى كل ذي حق حقه، وعلى ما أصاب اصحاب عليّ حيث كانوا..(٢٠١)).
(وعلى أن لا يبغي للحسن بن علي، ولا لاخيه الحسين، ولا لاحد من أهل بيت رسول اللّه، غائلةً، سراً ولا جهراً، ولا يخيف أحداً منهم، في أفق من الآفاق(٢٠٢)).
الختام:
قال ابن قتيبة: (ثم كتب عبد اللّه بن عامر - يعني رسول معاوية إلى الحسن (ع) - إلى معاوية شروط الحسن كما أملاها عليه، فكتب معاوية جميع ذلك بخطه، وختمه بخاتمه، وبذل عليه العهود المؤكدة، والايمان المغلَّظة، وأشهد على ذلك جميع رؤساء أهل الشام، ووجه به إلى عبد اللّه ابن عامر، فاوصله إلى الحسن(٢٠٣)).
وذكر غيره نص الصيغة التي كتبها معاوية في ختام المعاهدة فيما واثق اللّه عليه من الوفاء بها، بما لفظه بحرفه:
(وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك، عهد اللّه وميثاقه، وما أخذ اللّه على أحد من خلقه بالوفاء، وبما أعطى اللّه من نفسه(٢٠٤).
وكان ذلك في النصف من جمادى الاولى سنة ٤١ - على أصح الروايات -.
دراسة النصوص البارزة في المعاهدة
لتكن صيغة المعاهدة بما لولوت عليه من عناصر موضوعية لها أهميتها في الناحيتين الدينية والسياسية، شاهداً جديداً على ما وفّق له واضع بنودها من سمو النظر في الناحيتين جميعاً.
ومن الحق ان نعترف للحسن بن علي عليهما السلام - على ضوء ما أثر عنه من تدابير ودساتير هي خير ما تتوصل اليه اللباقة الدبلوماسية لمثل ظروفه من زمانه وأهل زمانه - بالقابليات السياسية الرائعة التي لو قدّر لها أن تلي الحكم في ظرف غير هذا الظرف، وفي شعب أو بلاد رتيبة بحوافزها ودوافعها، لجاءت بصاحبها على رأس القائمة من السياسيين المحنكين وحكام المسلمين اللامعين. ولن يكون الحرمان يوماً من الايام، ولا الفشل في ميدان من الميادين بدوافعه القائمة على طبيعة الزمان، دليلاً على ضعف أو منفذاً إلى نقد، ما دامت الشواهد على بعد النظر وقوة التدبير وسموّ الرأي، كثيرة متضافرة تكبر على الريب وتنبو عن النقاش.
وللقابليات الشخصية مضاؤها الذي لا يعدم مجال العمل، مهما حدّ من تيارها الحرمان أو ثنى من عنانها الفشل. وها هي ذي من لدن هذا الرجل العظيم تستجدّ - منذ الآن - ميدانها البكر، القائم على الفكرة الجديدة القائمة على صيانة حياة أمة بكاملها في حاضرها ومستقبلها، بما تضعه في هذه المعاهدة من خطوط، وبما تستقبل به خصومها من شروط.
وانك لتلمح من بلاغة المعاهدة بموادها الخمس، أن واضعها لم يعالج موضوعه جزافاً، ولم يتناوله تفاريق وأجزاءً، وانما وضع الفكرة وحدة متماسكة الاجزاء متناسقة الاتجاهات. وتوفر فيها على تحرّي أقرب المحتملات إلى التنفيذ عملياً، في سبيل الاحتياط لثبوت حقه الشرعي، وفي سبيل صيانة مقامه ومقام أخيه، وتيسير شؤون أسرته وحفظهم، واعتصم فيها بالامان لشيعته وشيعة أبيه وانعاش أيتامهم، ليجزيهم بذلك على ثباتهم معه ووفائهم مع أبيه، وليحتفظ بهم أمناء على مبدئه وانصاراً مخلصين لتمكين مركزه ومركز أخيه، يوم يعود الحق إلى نصابه. وسلّم فيها (الأمر) إلى معاوية مشروطاً بالعمل على سنّة النبي (ص) وسيرة الخلفاء الصالحين، فقلص بذلك من نفوذ عدوه في (الأمر) بما عرضه - من وراء هذا الشرط - للمخالفات التي لا عدَّ لها ولا حدَّ لنقمتها، وهو اذ ذاك اعرف الناس بمعاوية وبقابلياته الخلقية تجاه هذا الشرط.
والمعاهدة - بعدُ - هي الصكّ الذي وَقّعه الفريقان ليسجلا على أنفسهما الالتزام بما أعطى كل منها صاحبه وبما أخذ عليه. وهي هنا - على الاكثر - قضية (ماديَّات) محدودة لجّ في تحصيلها أحد الفريقين لقاء (معنويات) لا حدَّ لها استأثر بها الفريق الثاني.
فلم يهدف معاوية في صلحه مع الحسن (ع)، الا للاستيلاء على الملك، ولم يرض الحسن بتسليم الملك لمعاوية الا ليصون مبادئه من الانقراض، وليحفظ شيعته من الابادة، وليتأكد السبيل إلى استرجاع الحق المغصوب يوم موت معاوية.
ومن سداد الرأي أن لا نفهم مغزى هذه المعاهدة الا على هذا الوجه.
ولكي نتبين صحة هذا التفسير لاهداف الفريقين يوم صلحهما، علينا ان نتحلل هنا في سبيل الكشف عن حقيقة تاريخية لها أهميتها، من التعبّد بأقوال المؤرخين وبتصرفاتهم، وأن نرجع توّاً إلى التصريحات الشخصية التي فاه بها كل من المتعاقدين أنفسهما، فيما يمت إلى عناصر اتفاقيتهما هذه، أو فيما يلقي الضوء على تفسير ما يفتقر إلى التفسير منها. ولعلنا سنصل من وراء هذا الاسلوب في طريقة الاستنتاج، إلى حل شيء كثير من الرموز التي استعصى حلها على كثير من الاصدقاء في التاريخ.
١ - تصريحات الفريقين:
ويكفينا الآن من تصريحات معاوية بعد الصلح، فيما يمتّ إلى معاهدته مع الحسن عليه السلام قوله فيما يرويه عنه كثير منهم ابن كثير(٢٠٥): (رضينا بها ملكاً)، وقوله في التمهيد لهذه المعاهدة - قبل الصلح - فيما كان يراسل به الحسن: (ولك أن لا يستولى عليك بالاساءة ولا تقضى دونك الامور ولا تعصى في أمر(٢٠٦)).
ويكفينا من تصريحات الحسن (ع) ما قاله أكثر من مرة في سبيل افهام شيعته حيثيات صلحه مع معاوية: (ما تدرون ما فعلت واللّه للذي فعلت خير لشيعتي مما طلعت عليه الشمس). وما قاله مرة أخرى لبشير الهمداني وهو احد رؤساء شيعته في الكوفة: (ما أردت بمصالحتي الا ان أدفع عنكم القتل(٢٠٧))، وما قاله في خطابه - بعد الصلح -: (أيها الناس ان اللّه هداكم بأوّلنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وقد سالمت معاوية، وان أدري لعله فتنة ومتاع إلى حين(٢٠٨)).
وليس في شيء من هذه التصريحات ولا في الكثير مما جرى على نسقها، سواء من معاوية أو من الحسن عليه السلام، ما يستدعينا إلى الالتواء في فهم العقد القائم بينهما، الذي لم يقصد منه الا الاهداف التي أشرنا اليها آنفاً. فلمعاوية طموحه إلى الملك، وللحسن خطته في حماية الشيعة من القتل، وصيانة المبادئ الدينية التي هي خير مما طلعت عليه الشمس، والمسالمة إلى حين.
ولا بدع - بعد هذا - في تقرير هذه الحقيقة على واقعها، وفي التنبيه إلى جنف كثير من المؤرخين فيما حرّفوا من أهداف كل من المتعاقدين، وفيما أساءوا فهمه من نصوصهما. ولقد ترى، ان المعاهدة نفسها وتصريحات المتعاقدين أنفسهما، لم تنبس قط، بذكر بيعة ولا امامة ولا خلافة. فأين اذاً، ما يدعيه غير واحد من هؤلاء المؤرخين وعلى رأسهم ابن قتيبة الدينوري، من أن الحسن بايع معاوية على الامامة!!..
وقبل الانتقال إلى مناقشة هذا الموضوع، أو مناقشة القائلين به نتقدم بتمهيد عابر عن نسبة الخلافة الاسلامية إلى معاوية بن أبي سفيان، وامتناع البيعة الشرعية لمثله، فنقول:
معاوية والخلافة:
لقد مرّ فيما ذكرناه بين أطواء المناسبات الآنفة، أن خلافة رسول اللّه صلى الله عليه وآله في الاسلام لا ينبغي ان تكون الا في أقرب المسلمين شبهاً به في سائر مزاياه الفضلى، وانه ليس لطليق ولا لولد طليق ولا لمسلمة الفتح شيء في هذا الامر (كما قاله عمر)، وأن الخلافة بعد رسول اللّه ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً عضوضاً (الحديث كما صححه أهل السنة)، وأن لا امامة الا بالنص والتعيين (كما عليه الشيعة والمعتزلة)، وأن الغلبة والقوة لا تجعل غير الجائز جائزاً، فلا يصح أخذ الخلافة عنوة ولا فرضها على المسلمين قسراً، وأن الذي يكون خليفة النبي (ص) لا يمكن أن ينقاد - لا ظاهراً ولا سراً - إلى مناقضته في أحكامه، فيلحق العهار بالنسب ويصلي الجمعة يوم الاربعاء وينقض عهد اللّه بعد ميثاقه.
ونزيد هنا: أن قادة الرأي في الامة الاسلامية منذ عهد معاوية والى يوم الناس هذا، لم يفهموا من استيلاء معاوية على الامر، معنى الخلافة عن رسول اللّه (ص) بما في هذا اللفظ من معنى، رغم الدعاوة الاموية النشيطة التي تجنّد لها الخلفاء الاسميون من بني أمية ومن اليهم، زهاء الف شهر، هي مدة حكمهم في الاسلام، أنفقوا فيها الرشوات بسخاء، ووضعوا فيها الاحاديث والاقاصيص وفق الخطط والاهواء، ثم بقي معاوية - مع كل ذلك - ملكاً دنيوياً وخليفة اسمياً لا اقلَّ ولا أكثر.
دخل عليه - بعد أن استقر له الامر - سعد بن أبي وقاص فقال له:
(السلام عليك أيها الملك) فضحك له معاوية وقال: (ما كان عليك يا أبا اسحق لو قلت: يا أمير المؤمنين)، قال: (أتقولها جذلان ضاحكاً، واللّه ما أحب اني وليتها بما وليتها به(٢٠٩)).
وقال ابن عباس لابي موسى الاشعري في كلام طويل: (وليس في معاوية خصلة تقربه من الخلافة(٢١٠)).
وقال أبو هريرة في سبيل انكاره خلافة معاوية فيما يرويه عن رسول اللّه (ص): (الخلافة بالمدينة والملك بالشام(٢١١)).
وسئل سفينة مولى رسول اللّه صلى الله عليه وآله - فيما أخرجه ابن أبي شيبة - عن استحقاق بني أمية للخلافة، فقال: (كذب بنو الزرقاء بل هم ملوك من شرِّ الملوك، وأول الملوك معاوية(٢١٢)).
وأنكرت عائشة على معاوية ادعاءه الخلافة وبلغه ذلك، فقال: (عجباً لعائشة تزعم اني في غير ما أنا اهله، وأن الذي أصبحت فيه ليس لي بحق، مالها ولهذا يغفر اللّه لها(٢١٣)).
وحضر أبو بكرة (أخو زياد لامه) مجلس معاوية، فقال له: (حدثنا يا ابا بكرة)، فقال [فيما أخرجه ابن سعيد]: (اني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: الخلافة ثلاثون ثم يكون الملك قال عبد الرحمن بن أبي بكرة: (وكنت مع أبي فأمر معاوية فوجئ في أقفائنا حتى أخرجنا(٢١٤)).
وسأل معاوية صعصعة بن صوحان العبدي قائلاً: (أي الخلفاء رأيتموني؟)، فقال صعصعة: (أنى يكون الخليفة من ملك الناس قهراً ودانهم كبراً، واستولى بأسباب الباطل كذباً ومكراً. أما واللّه ما لك في يوم بدر مضرب ولا مرمى، ولقد كنت أنت وابوك في العير والنفير، ممن أجلب على رسول اللّه صلى اللّه عليه (وآله) وسلم. وانما أنت طليق وابن طليق أطلقكما رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم. فأنّى تصلح الخلافة لطليق؟!(٢١٥)).
ودخل عليه صديقه المغيرة بن شعبة، ثم انكفأ عنه وهو يقول لابنه: (اني جئت من أخبث الناس!!(٢١٦)).
ولعنه عامله سمرة يوم عزله عن ولاية البصرة، فقال: (لعن اللّه معاوية واللّه لو اطعت الله كما أطعته لما عذبني ابداً(٢١٧)).
وقال الحسن البصري: (أربع خصال كُنَّ في معاوية لو لم يكن فيه منهن الا واحدة لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء حتى ابتزها امرها (يعني الخلافة) بغير مشورة منهم وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلافه ابنه بعده سكّيراً خميراً يلبس الحرير ويضرب بالطنابير، وادعاؤه زياداً وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه (وآله) وسلم: الولد للفراش وللعاهر الحجر، وقتله حجراً، ويل له من حجر وأصحاب حجر، (مرتين)(٢١٨)).
وأبى المعتزلة بيعة معاوية بعد الصلح، واعتزلوا الحسن ومعاوية جميعاً، وبذلك سموا أنفسهم (المعتزلة)(٢١٩).
ثم مشى موكب الزمان بتاريخ معاوية، فاذا به المثال الذي يضربه فقهاء المذاهب الاربعة، للسلطان الجائر(٢٢٠)..
واذا به الباغي الذي يجب قتاله برأي أبي حنيفة النعمان بن ثابت(٢٢١).
فأين الخلافة المزعومة، ياترى؟.
وجاء المعتضد العباسي، فنشر من جديد فعال معاوية وبوائقه الكبرى وما قيل فيه، وما روي في شأنه. ودعا المسلمين إلى لعنه، في مرسوم ملكي اذيع على الناس سنة ٢٨٤ للهجرة(٢٢٢).
وقال الغزالي بعد ذكره لخلافة الحسن بن علي (ع): (وأفضت الخلافة إلى قوم تولوها بغير استحقاق(٢٢٣)).
وكان أروع ما ذكره به القرن السادس، قول نقيب البصرة فيه: (وما معاوية الا كالدرهم الزائف(٢٢٤)).
وصرّح ابن كثير بنفي الخلافة عن معاوية استناداً إلى الحديث، قال: (قد تقدم أن الخلافة بعده عليه السلام ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً، وقد انقضت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي، فأيام معاوية أول الملك(٢٢٥)).
وقال الدميري المتوفى سنة ٨٠٨ هجري بعد ذكره مدة خلافة الحسن (ع): (وهي تكملة ما ذكره رسول اللّه صلى اللّه عليه (وآله) وسلم من مدة الخلافة، ثم تكون ملكاً عضوضاً ثم تكون جبروتاً وفساداً في الارض، وكان كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم(٢٢٦)).
وجاء محمد بن عقيل - اخيراً - فكتب كتابه الجليل (النصائح الكافية لمن يتولى معاوية) وهو بحق: القول الفصل في موضوع معاوية، وقد طبع الكتاب مرتين، فليراجع.
وفي اباء التشريع الاسلامي مثل هذه الخلافة - أولاً -.
وفي المخالفات الصلع التي ثبتت على معاوية للنبي صلى الله عليه وآله - ثانياً -.
وفي انكار قادة الرأي المسلمين عليه - في مختلف العصور الاسلامية - ادعاءه الخلافة - ثالثاً - ما يكفينا مؤنة البحث في موضوع (معاوية والخلافة).
وكذلك كان الحسن نفسه بعد تسليم الامر لمعاوية، صريحاً في نفي الخلافة عنه، شأنه في ذلك شأن سائر القادة من المسلمين. فقال في خطابه يوم الاجتماع في الكوفة: (وان معاوية زعم أني رأيته للخلافة أهلاً ولم أر نفسي لها اهلاً، فكذب معاوية. نحن أولى الناس بالناس في كتاب اللّه عزّ وجل وعلى لسان نبيه). وسيأتي ذكر خطابه هذا في [الفصل ١٨].
وقال في خطاب آخر له - بعد الصلح - وكان معاوية حاضراً: (وليس الخليفة من دان بالجور وعطل السنن واتخذ الدنيا أباً وأماً، ولكن ذلك ملك أصاب ملكاً يمتع به، وكان قد انقطع عنه، واستعجل لذته وبقيت عليه تبعته، فكان كما قال اللّه جل وعزّ: (وان أدري لعله فتنة ومتاع إلى حين)(٢٢٧)).
٢ - حديث البيعة:
وجاء فيما يرويه الكليني رحمه الله (ص ٦١): (ان الحسن اشترط على معاوية أن لا يسميه أمير المؤمنين).
وجاء فيما يرويه ابن بابويه رحمه الله في العلل (ص ٨١)، وروا غيره أيضاً: (أن الحسن اشترط على معاوية أن لا يقيم عنده شهادةً).
ولا أكثر مما تضمنته هاتان الروايتان تحفظاً عن الاعتراف بصحة خلافة معاوية فضلاً عن البيعة له. ولم يكن ثمة الا تسليم الملك الذي عبرت عنه المعاهدة (بتسليم الامر) وعبر عنه آخرون بتسليم الحكم.
اما قول الدينوري في (الامامة والسياسة) أن الحسن بايع معاوية على الامامة، فهو القول الذي يصطدم قبل كل شيء بقابليات معاوية التي عرفنا قريباً النسبة بينها وبين الخلافة وصلاحية البيعة على المسلمين، ويصطدم ثانياً بتصريحات الحسن في انكار خلافة معاوية. سواء في خطابيه الآنفين، أو في تحفظاته الواضحة في هاتين الروايتين.
وهكذا دلّ الدينوري فيما مرَّ عليه من قضايا الحسن ومعاوية، على تحيز واضح لا يليق بمؤرخ يعيش في القرن الثالث حيث لا معاوية ولا رشواته ولا دعاواته، ولكنها الدوافع العاطفية التي لم يسلم من تأثيرها كثير من مؤرخينا المسلمين... فقال مرة اخرى: (ولم ير الحسن والحسين طول حياة معاوية منه سوءاً في أنفسهما ولا مكروهاً!). اقول: وأي سوء يصاب به انسان أعظم من قتله سماً؟. وأي مكروه ينزل بانسان أفظع من اغتصاب عرشه ظلماً؟. فأين مقاييس الدينوري بعد هذا يا ترى؟
ونحن اذ أردنا هنا، ان نتعسف للمتسرعين إلى ذكر البيعة عذراً أو شبه عذر، حملناهم على التأثر بالدعاوات الكثيرة التي كانت لا تزال آخذة بالاسماع، ولم يكن في التاريخ قضية أبرز من انتقال الحكم في الاسلام من سبط النبي نفسه، إلى طليق من الطلقاء المعروفين بتاريخهم القريب، ولذلك فقد بلغ الكلف بالمنكرين على الصلح حداً استساغوا به الاسترسال في ذيوله وحواشيه، فحوَّروا ما كان، وزوَّروا ما لم يكن. ومن هنا نسج الخيال حديث البيعة، وكان في اللغط بهذا الحديث - المصطنع - غرض قويّ للقوة القائمة على الحكم بعد حادثة الصلح، لأنه الدعامة التي تسند دعاوتهم باستحقاق الخلافة المزعومة، الامر الذي تصايح المسلمون بانكاره لهم وانكارهم له، منذ قال سفينة مولى رسول اللّه صلى الله عليه وآله: (كذب بنو الزرقاء بل هم ملوك من شر الملوك وأول الملوك معاوية).
ثم جاءت السطحية الساذجة التي تقمصها اخواننا المؤرخون فيما جمعوه أو فيما فرّقوه من تاريخ الاسلام، فمرّوا على هذه الاقصوصة المصطنعة كحقيقة واقعة، وكان القليل منهم من وقف عن الفضول في الكلام، وكان منهم من جاوز الحقيقة فخلط وخبط، حتى نسب إلى الحسن نفسه الاعتراف بالبيعة صريحاً!. وكان منهم من أوقعه الخلط والخبط في فرية وضيعة لا تجمل بمروءة الرجل المسلم فيما يكتبه عن سبط من أسباط نبيه العظيم (ص)، فضلاً عن نبوها المكشوف بأمانة التاريخ، فادّعى انه باع الخلافة بالمال!!..
ولسنا الآن بصدد الردّ على تقولات الافاكين.
ولكننا اذ نبرئ حديث الصلح بواقعه الاول الذي رضيه الفريقان من قضية البيعة المزعومة، لا نعتمد في التبرئة الا على الفهم الذي يجب ان يفهمه المسلم من معنى البيعة ومن معنى الامامة على حقيقتهما - هذا أولاً وأما ثانياً فلما مرّ عليك قريباً من روايات الحادثة، ومن تصريحات ذوي الشأن في الموضوع.
وما من حقيقة تتعاون على تقريرها مثل هذه الادلة فتبقي مجالاً للشك.
وقديماً اعتاد الناس أن يرجعوا في كشف الوقائع الماضية إلى اقوال المؤرخين القدامى، ممن عاصر تلك الوقائع أو جاء بعدها بقليل أو كثير من الزمن. وكان من الجمود على هذه الطريقة ما أدى في الاجيال المتأخرة الى مختلف الآراء وشتى التحزّبات، بين المجتمع الواحد وفي الافق الواحد والدين الواحد، ذلك لان مراجع هذا التاريخ أنفسهم، كانوا يعيشون تحت تأثير آراء وتحزبات لا معدى لهم عنها في مثل عصورهم. ومن الصعب جداً أن يطيق كاتب ما يومئذ التحلل - فيما يكتب - من المؤثرات العاطفية التي تشترك في تكوينه أدبياً وفي تدوير أعماله ومصالحه اجتماعياً. ومن هنا كان هذا القلق الملموس - المأسوف عليه - في كثير من موضوعات التاريخ الاسلامي.
ومن الحق أن نعتقد هنا، بأن قصة (البيعة) التي طعنت بها قضية الحسن في صلحه مع معاوية، انما كانت وليدة تلك المؤثرات التي كتب المؤرخون تحت تأثيرها تواريخهم، فرأوا من الدعاوات المغرضة لتسجيل هذه القصة كحقيقة واقعة ما يحفزهم إلى حسن الاحتذاء، تطوعاً للمنفعة العاجلة أو جهلاً بالواقع، ورأوا من التصريح (بتسليم الامر) في صلب المعاهدة ما يسوّغ لهم - أو قل - ما ييسر لهم التوسع إلى ادعاء الاعتراف بالخلافة، ثم إلى ادعاء الانقياد بالبيعة!!. وخفي عليهم ان الخلافة - بما هي منصب الهي - لا يمكن ان تنقاد إلى مساومة أو تسليم، ولا يمكن ان تمسها الظروف الزمنية في (صلح) أو (تحكيم).
ولكي نزداد بصيرة في تفهم معنى (تسليم الامر) الوارد في المادة الاولى من معاهدة الصلح، علينا أن نرجع إلى طريقتنا في استنتاج الحدّ بين هزل المؤرخين فندرس على المتعاقدين أنفسهما تفسير هذا المجمل من حيث التقييد والاطلاق.
٣ - تسليم الامر:
علمنا - مما تقدم - أن معاوية قال لابنه يزيد، وهو يشير إلى أهل البيت عليهم السلام: (ان الحق حقهم).
وعلمنا انه كتب إلى الحسن في التمهيد للصلح (ولا تقضى دونك الامور ولا تعصى في أمر).
وعلمنا أنه قال بعد الصلح: (رضينا بها ملكاً).
وعلمنا أنه خطب على منبر الكوفة يوم وصوله اليها. فقال: (اني لم اقاتلكم لتصلوا ولا لتزكوا.. وانما قاتلتكم لأتأمر عليكم).
وعلمنا أن الحسن بن علي أنكر عليه الخلافة وجاهاً، فسكت ولم يرد عليه.
فلنعلم اذاً، بأن معاوية حين رضيها ملكاً نفاها عن نفسه خلافة، وحين قال: (لم اقاتلكم لتصلوا ولا لتزكوا..) دل على أنه ليس خليفة دين، ولكنه ملك دنيا لا همَّ له في صلاة ولا زكاة، وانما كل همه في التأمر على الناس. وهو حين يقول للحسن: (لا تقضى دونك الامور) ويقول لابنه: (ان الحق حقهم)، يعترف للحسن بالمقام الاعلى وبالسلطة التي لا تعصى في أمر. وما ذلك الا مقام الخلافة فحسب. وكان لابد لمعاوية أن يسكت - والحال هذه - حين يصارحه الحسن بانكار خلافته، ويكذبه على ادعائها بغير استحقاق.
فأين من هذا، تسليم الخلافة الذي فسّروا به تسليم الامر؟.
وشيء آخر، قد يكون في مغزاه أدق دلالة على اعتراف معاوية ببراءته من استحقاق الخلافة، وذلك هو ضحكته المخذولة لسعد بن أبي وقاص يوم دخل عليه وقال له: (السلام عليك ايها الملك)، ولم يقل يا امير المؤمنين، فقد كانت هذه الضحكة بلغتها المبطنة، صريحة بالاعتراف بالخطأ اذ يريد أن يأخذ الخلافة لقباً من غنائم الحرب، لا واسطةً بين المسلمين ونبيهم (ص)، وبهذا استحق من سعد، وهو الرجل الذي لا تغلبه مداورات معاوية، أن يقول له: (واللّه ما أحب أني وليتها بما وليتها به)، يعني أنه كان يترفع عنها لقباً ينبت على الدماء المحرمة، والفتن السود، والعهود الخائسة.
وترى - على هذا - أن سعداً لم يفهم من تسليم الامر الا تسليم الملك وهو ما يجب أن يفهمه كل من فهم لغة القرآن في الخلافة، أو لغة الفريقين المتعاقدين في المعاهدة. ولما مرّ البحاثة الاسلامي الجليل السيد أمير علي الهندي رحمه الله، على ذكر هذا الصلح عبّر عنه (بالتنازل عن الحكم(٢٢٨)).
وكان فيما قاله الحسن عليه السلام في سبيل التعبير عن صلحه مع معاوية جواباً لبعضهم: (لا تقل ذلك يا أبا عامر، لم أذل المؤمنين ولكني كرهت أن أقتلهم على الملك(٢٢٩)).
وقال لآخر: (أضرب هؤلاء بعضهم ببعض في ملك من ملك الدنيا لا حاجة لي به(٢٣٠)).
وهكذا نجد الفريقين - الحسن ومعاوية - يتفقان على أن الحرب التي زحفا اليها بجيوشهما، انما كانت حرباً على الملك. ومعنى ذلك أن الصلح الذي اتفقا عليه في معاهدتهما، انما كان صلحا على الملك، لانهما يصطلحان اليوم على ما تنازعا عليه أمس. وليس في وجهة النظر القائمة بين الاثنين في خلال هذه التصريحات ولا يوم صلحهما، ذكر للخلافة تسلّماً ولا تسليماً.
ثم نجدهما يتفقان في هذه التصريحات، على ايثار أحدهما دون الآخر بالمركز الذي لا تقضى دونه الامور.. وهو المركز الذي سوّغ للحسن أن يقول عن معاوية كما لو قلده عملاً من اعماله وهو اذ ذاك حاضر مجلسه: (انه أعرف بشأنه وأشكر لما ولّيناه هذا الأمر(٢٣١)) يعني امر الملك.
أقول: وكم هو الفرق بين هذا المركز وبين ما توهمه المتحذلقون من حديث البيعة أو من تفسير تسليم الامر بتسليم الخلافة؟.
وكانت فيما نظن غلطة سبق اليها كاتب عن قصد، ثم أخذها عنه كتّاب عن غير قصد، واندست على مثل هذا الاسلوب اخطاء كثيرة في التاريخ، شوّهت من حقائقه وبدلت من روعته وضاعفت من جهد الباحثين فيه، ثم اذا أنت عُنيت بموضوعك فدققت مراجعه، رأيته لا يرجع الا إلى أصل واحد، ثم اذا محصت الاصل رأيته لا يرجع إلى أصل!.
هذا، واما الخلافة الاسمية، فلا خلاف فيها على معاوية ولا على أحد من هؤلاء المتنفذين الذين ادعوها لانفسهم، أو غزوها بسلاحهم، أو ورثوها من الغزاة والمدّعين.
واذا صح في عرف المجتمع الذي بايع معاوية، أو بايع أحد هؤلاء، ان ينتزع من الادعاء أو قوة السلاح (خلافة) فلا مشاحة في الاصطلاح.
وليكن معاوية - على هذا - خليفة النفوذ والسلطان، وليبق الحسن بن علي خليفة النبي وشريك القرآن.
وليكن ما ورد في بعض النصوص - على تقدير صحة السند والامن من التحريف - تطبيقاً عملياً لاستعمال الكلمة في مصطلحها الجديد!.
٤ - مصير الامر بعد معاوية       
ولم يعهد في كتب معاوية إلى الحسن فيما كان يراسله به في سبيل التمهيد للصلح، كتاب يغفل تعيين المصير الذي كان يجب أن يرجع اليه الامر من بعد معاوية. وهو اذ يطلب من الحسن في هذه الرسائل تسلم الامر محدوداً بحياته، يقول في بعضها: (ولك الامر من بعدي(٢٣٢)) ويقول في بعضها الآخر: (وأنت اولى الناس بها(٢٣٣)).
وهكذا جاء النص في المعاهدة.
وهكذا فهم الناس الصلح، انتزاعاً للسلطة محدوداً بعمر معاوية الذي كان يكبر الحسن زهاء ثلاثة عقود، فكان من المتوقع القريب أن يسبقه إلى الموت، وأن يعود الحق إلى نصابه، والحسن بعدُ في أوائل كهولته أو اواخر شبابه، لولا أن للخطط الجهنمية حساباً لا يخضع للمقاييس!!.
وظلت المادة الصريحة باستحقاق الحسن الامر بعد معاوية، أبرز مواد المعاهدة في المجتمعات الاسلامية، وأكثرها ذيوعاً بين الناس، مدى عقد كامل من السنين. ثم طغت عليها الدعاوات العدوة، وأخذها حملة الاخبار إلى مصانعهم الجديدة، فبدلوا من معالمها وغيروا من حقائقها، وصاغها بعضهم بقوله: (ليس لمعاوية أن يعهد إلى أحد). وتلطف آخر بها من عنده فقال: (ويكون الامر بعده شورى بين المسلمين). - أما الصادقون فرووها على حقيقتها. وفات المؤرخين المحترفين، أن صرف الحقيقة عن واقعها في هذا النص، لن يجديهم في صرف الواقع عن حقيقته في مرحلة التطبيق، فلم يكن من المحتمل عادة، أن يتجاوز المسلمون - في شوراهم أو في غير شوراهم - ابن رسول اللّه صلى الله عليه وآله، لو قدر له أن يكون حياً يوم يموت معاوية، وقدّر للمسلمين أن يختاروا الخليفة أحراراً، أو يتشاوروا أمرهم مختارين. فالروايتان - الصحيحة والمحرفة - بل الصور الثلاث المزعومة للرواية الواحدة، تتحد عملياً ما دام الحسن حياً.
اذاً، فلماذا التهرب من أمانة التاريخ الا أن يكون تعاوناً رخيصاً مع السلطة القائمة على التمهيد لبيعة يزيد؟!!.
وخيل للمؤرخ البارع الذي الغى التعيين الصريح، ونقل الامر إلى الشورى، أنه أحسن اتخاذ الاسلوب للوضع والتحريف، وخفي عليه، أنه لم يزد فيما هدف اليه على صاحبه الذي الغاهما معاً، وذلك لان الشورى التي عناها لا تكون في انتخاب الخليفة، وانما تكون في الشؤون التي يديرها الخليفة أو رئيس المسلمين من أمورهم، وهكذا كان تشريعها الاول يوم قال سبحانه (وشاورهم في الامر)، وعلى ذلك مدحهم بقوله تعالى (وامرهم شورى بينهم).
والآية في نفي الرئاسات التي جعلها الناس، أصرح منها في فرضها على الناس.
وليس فيما توهمه هذا المؤرخ أو توهمه آخرون، من الاستناد إلى الكتاب في قضية الانتخاب الا الوهم - ولذلك فان عائشة لما أرادت الدعوة إلى الشورى لم تنسبها إلى اللّه عزّ وجل وانما نسبتها إلى عمر بن الخطاب ولو وجدت في نسبتها إلى اللّه سبيلاً لما تأخرت عنه لانه كان - اذ ذاك - أدعم لحجتها، فقالت يوم دخولها البصرة: (ومن الرأي ان تنظروا إلى قتلة عثمان فيُقتلوا به، ثم يُردّ هذا الامر شورى على ما جعله عمر بن الخطاب(٢٣٤)).
واخيراً، فان القرائن القطعية الكثيرة، لا تقبل لهذا النص - موضوع البحث - الا الرواية الصريحة التي ذكرناها في المادة الثانية من صورة المعاهدة.
أما اولاً - فلما دلت عليه كتب معاوية إلى الحسن (ع) - كما أشير اليه قريباً -.
واما ثانياً - فلأنها الانسب بشروط يضعها الحسن نفسه - كما نبهنا اليه في حديث (الصحيفة البيضاء).
واما ثالثاً - فلأن رواتها أكثر، وروايتها أشهر.
واما رابعاً - فلما أشرنا اليه من ذيوع المادة الثانية بنصها الصريح مدة حياة الحسن عليه السلام، حتى لقد كانت الشاهد في كثير من الخطب والاحاديث.
فنرى سليمان بن صرد يشير اليها فيما يعرضه للحسن بعد الصلح. ونرى جارية بن قدامة يذكر لمعاوية حق الحسن بالأمر بعده كقرار معروف. ونرى الاحنف بن قيس يرسله ارسال المسلّمات، في خطبته التي يرد بها على البيعة، ليزيد، وهو اذ ذاك يخاطب معاوية نفسه في حفل حاشد.
قال: (وقد علمت أنك لم تفتح العراق عنوة، ولم تظهر عليه مقصاً. ولكنك أعطيت الحسن بن علي من عهود اللّه ما قد علمت، ليكون له الامر من بعدك، فان تفِ، فأنت أهل الوفاء، وان تغدر تظلم. واللّه ان وراء الحسن خيولاً جياداً وأذرعاً شداداً وسيوفاً حداداً، ان تدنُ له شبراً من غدر، تجد وراءه باعاً من نصر. وانك تعلم من أهل العراق، ما أحبوك منذ أبغضوك..(٢٣٥)).
الى كثير من الشواهد الاخرى التي يزهدنا في استيعابها رغبتنا في الاختصار.
٥ - بقية المواد
ولقد ترى - إلى هنا - بأن دراستنا للنقاط البارزة في مواد المعاهدة لم تتجاوز المادتين - الاولى والثانية -.
اما المادة الثالثة، فقد سبق في (الفصل: ١٤) مناقشة معاوية في موضوعها كما يجب - فليراجع -، وسبق في الكلام على حديث الصحيفة البيضاء التي أرسلها معاوية إلى الحسن عليه السلام، ليكتب عليها ما يشاء من شروط، (في الفصل: ١٦) أن حديث هذه الصحيفة هو القرينة على ترجيح ما يكون من روايات المعاهدة أقرب إلى صالح الحسن منه إلى صالح خصومه، وعلى هذا فالمادة الثالثة لا تعني الا الاطلاق في منع معاوية من شتم أمير المؤمنين علي عليه السلام، سواء حضر الحسن أو غاب. ولا يؤخذ بما ألحقه بها بعض المؤرخين من اشتراط الامتناع عن السب بحال حضور الحسن واستماعه(٢٣٦)، ولا هو مما يتمشى مع روح الصلح اذا كان الفريقان في صدد صلح حقيقي وتفاهم دائم.
وأما المادة الرابعة، فلم تكن في حقيقتها الا استثناء متصلاً من الماديات التي اشترطت المعاهدة تسليمها لمعاوية. ومعنى ذلك أن المعاهدة سلمت لمعاوية ما أراد من الملك عدا المبالغ المنوّه عنها في هذه المادة، فاستأثر الحسن بها لنفسه ولاخيه ولشيعته، وكانت من حقوقه التي جعل له اللّه تعالى التصرف فيها. واختار من الخراج الحلال - فيما استثنى - أبعده عن الشبهات من الوجهة الشرعية، وهو خراج دار ابجرد(٢٣٧).
اقول:
وأين هذا التفسير مما تطاول به بعضهم من التحامل الجريء والافتئات البذيء، على مقام الإمام الحسن بن علي عليهما السلام، حين أساء فهم هذه المادة فخلق من هذه الاموال ثمناً للخلافة ومن الحسن بائعاً ومن معاوية مشترياً. وان الاولى بهذا الفهم البليد - الذي هان عليه أن يتصور الثمن والمثمن كليهما من البائع، ثم يدعي مع ذلك وقوع البيع - ان لا يتعرض فيما يكتب للموضوعات التي تكشف لقارئه بلادته، فيسيء إلى نفسه قبل أن يسيء إلى موضوعه.
وقد مرّ في معنى الخلافة (لذاتها)، وفي قابليات معاوية للخلافة ما يكفينا القول باستحالة هذا الهذر، ولا نعيد.
واما المادة الخامسة، فللفصول القريبة الآتية ما تحمله عنها:
الاجتماع في الكوفة
وكان طبيعياً أن يتفق الفريقان بعد توقيعهما الصلح، على مكان يلتقيان فيه على سلام، ليكون اجتماعهما في مكان واحد تطبيقاً عملياً للصلح الذي يشهده التاريخ، وليعترف كل منهما على مسمع من الناس بما أعطى صاحبه من نفسه وبما يلتزم له من الوفاء بعهوده. واختارا الكوفة، فأقفلا اليها، وأقفل معهما سيول من الناس غصت بهم العاصمة الكبرى، وهم - على الاكثر - أجناد الفريقين، تركوا معسكريهما وخفوا لليوم التاريخي الذي كتب على طالع الكوفة النحس أن تشهده راغمة أو راغبة. وللمرة الاولى تزخر عاصمة العراق بعشرات الالوف من أجناد الشام الحمر - مسلمين ومسيحيين -. ولهذين المعسكرين - الكوفة والشام - سوابقهما التي لا تعهد الهوادة في سلسلة العداوات التاريخية والوقائع الدامية، منذ حوادث سلمان الباهلي وحبيب بن مسلمة الفهري (على عهد عثمان بن عفان) والى يوم الصلح هذا. فما ظنك يومئذ بحال الجندي الكوفي الثابت على الوفاء، الذي قدّر له ان يلقي سلاحه تحت موجة طاغية من مكاء الجنود الشاميين وتصديتهم التي عجت بها أروقة المسجد الجامع، الذي كان أسس على تقوى من اللّه.
وكانت الفجيعة القاتلة للفئة المخلصة من أنصار أهل البيت عليهم السلام، وللذين جهلوا من هؤلاء الانصار أهداف الحسن في الصلح، أو جهلوا حقيقة الوضع بدوافعه التي اقتادت الحسن إلى الصلح. أما الاكثرية الخائنة فقد مزقت الستار في يومها المنشود، وظهرت على المسرح باللون الذي لا تشتبه فيه الابصار، وشوهد بين جماهير الشاميين زُمَرٌ من الكوفيين يساهمونهم الفرح المغبون في مهرجاناتهم الباردة، وانتصارهم المغلوب!!.
ونودي في الناس إلى المسجد الجامع، ليستمعوا هناك إلى الخطيبين الموقعين على معاهدة الصلح.
وكان لابد لمعاوية أن يستبق إلى المنبر، فسبق اليه وجلس عليه(٢٣٨)، وخطب في الناس خطبته الطويلة التي لم ترو المصادر منها الا فقراتها البارزة فحسب.
منها (على رواية اليعقوبي):
(أما بعد ذلكم، فانه لم تختلف أمة بعد نبيها، الا غلب باطلها حقها!!) - قال: (وانتبه معاوية لما وقع فيه. فقال: الا ما كان من هذه الامة، فان حقها غلب باطلها(٢٣٩)!!).
ومنها (على رواية المدائني):
(يا أهل الكوفة، أترونني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج وقد علمت أنكم تصلون وتزكون وتحجون؟، ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم وألي رقابكم، وقد آتاني اللّه ذلك وانتم كارهون!. ألا ان كل دم أصيب في هذه الفتنة مطلول، وكل شرط شرطته فتحت قدميّ هاتين!!. ولا يصلح الناس الا ثلاث: اخراج العطاء عند محله، واقفال الجنود لوقتها، وغزو العدو في داره، فان لم تغزوهم غزوكم).
وروى أبو الفرج الاصفهاني عن حبيب بن أبي ثابت مسنداً، أنه ذكر في هذه الخطبة علياً فنال منه، ثم نال من الحسن(٢٤٠)!!.
وزاد أبو اسحق السبيعي(٢٤١) فيما رواه من خطبة معاوية قوله: (الا وان كل شيء أعطيت الحسن بن علي تحت قدميّ هاتين لا أفي به!!).
قال أبو اسحق: (وكان واللّه غداراً(٢٤٢)).
ثم تطلع الناس، فاذا هم بابن رسول اللّه الذي كان أشبههم به خلقاً وخلقاً وهيبة وسؤدداً، يخطو من ناحية محراب أبيه في المسجد العظيم ليصعد على منبره. وفي غوغاء الناس ولع بالفضول لا يصبر عن استقراء الدقائق من شؤون الكبراء، فذكروا لجلجة معاوية في خطبته، ورباطة الجأش الموفورة في الحسن وقد استوى على أعواده، وأخذ يستعرض الجموع الزاخرة التي كانت تضغط المسجد الرحب على سعته، وكلها - اذ ذاك - أسماع مرهفة لا همَّ لها الا أن تعي ما يردّ به على معاوية، فيما خرج به عن موضوع الصلح، فنقض العهود وأهدر الدماء وتطاول على الاولياء. وكان الحسن بن علي (ع) أسرع الناس بديهة بالقول، وأبرع الخطباء المفوَّهين على تلوين الموضوعات، فخطب في هذا الموقف الدقيق، خطبته البليغة الطويلة التي جاءت من أروع الوثائق عن الوضع القائم بين الناس وبين أهل البيت عليهم السلام بعد وفاة رسول اللّه صلى الله عليه وآله، ووعظ ونصح ودعا المسلمين - في أولها - إلى المحبة والرضا والاجتماع، وذكّرهم - في أواسطها - مواقف أهله بل مواقف الانبياء، ثم ردّ على معاوية - في آخرها - دون أن يناله بسب أو شتم، ولكنه كان بأسلوبه البليغ، أوجع شاتم وسابّ.
قال: (الحمد للّه كلما حمده حامد، وأشهد ان لا اله الا اللّه كلما شهد له شاهد. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى، وائتمنه على الوحي، صلى الله عليه وآله. أما بعد، فواللّه اني لارجو أن اكون قد اصبحت بحمد الله ومنّه، وأنا انصح خلق اللّه لخلقه، وما أصبحت محتملاً على مسلم ضغينة، ولا مريداً له سوءاً ولا غائلة. ألا وانَّ ما تكرهون في الجماعة، خير لكم مما تحبون في الفرقة، الا واني ناظر لكم خيراً من نظركم لانفسكم، فلا تخالفوا أمري، ولا تردّوا عليَّ رأيي. غفر اللّه لي ولكم، وأرشدني واياكم لما فيه المحبة والرضا(٢٤٣)).
ثم قال: (أيها الناس، ان اللّه هداكم بأولنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وان لهذا الامر مدة، والدنيا دول. قال اللّه عزّ وجل لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم: (قل ان ادري أقريب ام بعيد ما توعدون. انه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون. وان أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين)(٢٤٤)).
ثم قال: (.. وان معاوية زعم لكم أني رأيته للخلافة أهلاً، ولم أرَ نفسي لها أهلاً، فكذب معاوية. نحن أولى الناس بالناس في كتاب اللّه عزّ وجل وعلى لسان نبيه. ولم نزل - أهل البيت - مظلومين منذ قبض اللّه نبيه. فاللّه بيننا وبين من ظلمنا، وتوثب على رقابنا، وحمل الناس علينا، ومنعنا سهمنا من الفيء، ومنع أمَّنا ما جعل لها رسول اللّه. واقسم باللّه لو أن الناس بايعوا أبي حين فارقهم رسول الله، لاعطتهم السماء قطرها والارض بركتها، ولما طمعت فيها يا معاوية.. فلما خرجت من معدنها، تنازعتها قريش بينها، فطمع فيها الطلقاء وأبناء الطلقاء، أنت وأصحابك. وقد قال رسول اللّه: ما ولّت أمة أمرها رجلاً وفيهم من هو أعلم منه، الا لم يزل أمرهم يذهب سفالاً، حتى يرجعوا إلى ما تركوا. فقد ترك بنو اسرائيل هارون وهم يعلمون أنه خليفة موسى فيهم، واتبعوا السامريّ، وتركت هذه الامة أبي وبايعوا غيره وقد سمعوا رسول اللّه يقول له: أنت مني بمنزلة هارون من موسى الا النبوة، وقد رأوا رسول اللّه نصب أبي يوم غدير خم، وأمرهم ان يبلغ أمره الشاهدُ الغائب. وهرب رسول اللّه من قومه وهو يدعوهم إلى اللّه، حتى دخل الغار، ولو أنه وجد أعواناً لما هرب، كف أبي يده حين ناشدهم، واستغاث فلم يغث. فجعل اللّه هارون في سعة حين استضعفوه وكادوا يقتلونه، وجعل اللّه النبي في سعة حين دخل الغار ولم يجد اعواناً. وكذلك أبي وأنا في سعة من اللّه، حين خذلتنا هذه الامة. وانما هي السنن والامثال يتبع بعضها بعضاً(٢٤٥)).
ثم قال:
(فوالذي بعث محمداً بالحق، لا ينتقص من حقنا - أهل البيت - أحد الا نقصه اللّه من عمله، ولا تكون علينا دولة الا وتكون لنا العاقبة، وَلتعلَمُنَّ نبأه بعد حين(٢٤٦)).
ثم دار بوجهه إلى معاوية ثانياً، ليرد عليه نيله من أبيه، فقال - وما أروع ما قال -:
(أيها الذاكر علياً! أنا الحسن وأبي علي، وأنت معاوية وأبوك صخر، وأمي فاطمة وأمك هند، وجدي رسول اللّه وجدك عتبة بن ربيعة، وجدتي خديجة وجدتك فُتيلة - فلعن اللّه أخملنا ذكراً، والأمنا حسباً وشرنا قديماً وحديثاً، وأقدمنا كفراً ونفاقاً!!).
قال الراوي: (فقال طوائف من أهل المسجد: آمين. قال الفضل بن الحسن: قال يحيي بن معين: وانا أقول آمين. قال ابو الفرج قال أبو عبيد قال الفضل: وانا اقول آمين. ويقول علي بن الحسين الاصفهاني (أبو الفرج): آمين قال ابن أبي الحديد: قلت ويقول عبد الحميد بن أبي الحديد مصنف هذا الكتاب (يعني شرح النهج): آمين(٢٤٧)).
اقول: ونحن بدورنا نقول: آمين.
وهذه الخطبة هي الوحيدة في تاريخ الخطابات العالمية، التي حظيت بهتاف الاجيال على طول التاريخ.
وكذلك قول الحق، فانه لا ينفك يعلو صعداً ولا يعلى عليه.
وتجهز الحسن - بعد ذلك - للشخوص إلى المدينة، وجاءه من سراة شيعته المسيب بن نجية الفزاري وظبيان بن عمارة التيمي ليودعاه، فقال الحسن: (الحمد للّه الغالب على أمره. لو أجمع الخلق جميعاً على أن لا يكون ما هو كائن ما استطاعوا). وتكلم المسيب وعرض اخلاصه الصميم لاهل البيت (ع). فقال له الحسين (ع): (يا مسيب نحن نعلم أنك تحبنا) وقال الحسن (ع): (سمعت أبي يقول سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من أحب قوماً كان معهم). ثم عرض له المسيب وظبيان بالرجوع، فقال: (ليس إلى ذلك سبيل). فلما كان من غد خرج من الكوفة، وشيعه الناس بالبكاء!! ولم تكن اقامته فيها بعد الصلح الا اياماً قلائل.
فلما صار بدير هند(٢٤٨) (الحيرة) نظر إلى الكوفة وقال:

ولا عن قلىً فارقت دار معاشري * * * هم المانعون حوزتي وذماري(٢٤٩)

اقول: وأي نفس ملائكية هذه التي لقيت من نشوز هذه الخاصرة ومن بوائقها ما لقيت، ثم هي تودعها بهذا البيت من الشعر، فلا تذكر من تاريخها الطويل العريض، الا وفاء الاوفياء (المانعين الحوزة والذمار) وهم الذين منعوا عنه من أراده في المدائن، والذين ثبتوا على طاعته يوم العسرة في مسكن، فكانوا اخوان الصدق وخيرة الانصار، على قلتهم.
ثم سار الموكب الفخم الذي كان يقل على رواحله، بقية اللّه في الارض، وتراث رسول اللّه (ص) في الاسلام، وقد ضاقت بهم الكوفة أو ضاقوا بها، فيمموا شطر وطنهم الاول، ليمتنعوا هناك بجوار قبر جدهم الاعظم من مكاره الدهر الخوان.
وصبَّ اللّه على الكوفة بعد خروج آل محمد منها، الطاعون الجارف، فكان عقوبتها العاجلة على موقفها من هؤلاء البررة الميامين. وهرب منها واليها الاموي [المغيرة بن شعبة] خوف الطاعون، ثم عاد اليها فطعن به فمات(٢٥٠).
الميدان الجديد
لعلك تتفق معي على أنَّ من أدق المقاييس التي توزن بها شخصيات الرجال فيما يضطربون فيه من محاولات، هو موقفهم من شروطهم التي يأخذونها على أنفسهم راغبين مختارين. وما من انسان معنيّ بانسانيته يعطي الشرط من نفسه، الا وانه ليعلم ما يستوبله في شخصيته وفي سمعته وفي ذمامه اذا هو حنث في شرطه أو رجع عن وعده أو نقض ميثاقه الذي واثق على الوفاء به. ومن السهل ان نتصور انساناً يستميت في سبيل الوفاء لقولٍ قاله أو عهدٍ أعطاه، لانه انما يموت ضحية خلق رفيع خسر به الحياة المحدودة فربح به الحياة التي لا حدَّ لها، وبنى - إلى ذلك - لبنةً جديدة في صرح الانسانية المثالية التي لا تفتأ تتعاون على نشر الخير في المجموع.
أما ذلك الخائس بعهده الحانث بيمينه الكاذب بمواعيده، الذي بسم لصاحبه وهو يخادعه على شروطه، ثم عبس وتولّى وندم على ما أعطى، فليس من السهل أن نتصوره انساناً، ولكنه عدو الانسانية بما هدم من قواعدها وشلَّ من مقرراتها، وعدوّ نفسه بما عرضها للنقمة والاحتقار وسوء السمعة والحرمان من ثقة المجتمع. ولن ينفعه - بعد ذلك - أن يقول أو يقال عنه: ان الغاية تبرر الواسطة - فان هذا الاعتذار بذاته جريمةٌ كاملة لا يتسع لها صدر الغفران. وللغايات - على اختلافها - قيمتها الاعتبارية التي تواضع عليها الناس، فليكن لكل غايةٍ واسطتها التي تتناسب وغايتها في الاعتبار، ولن تكون الغاية شريفةً قطُّ الا اذا قامت على وسائط شريفةٍ أيضاً.
وكان من الخير العام، أن يتواضع المجموع منذ بناية المجتمع، على اعتبار (اليمين) و(العهد) ضماناً في الاخذ والردّ، وأن تتضافر الاديان السماوية كلها على أن العهد كان مسؤولاً...
ولعل من الافضل أن نستمع هنا إلى ما عهد به أمير المؤمنين علي عليه السلام للاشتر النخعي في هذا الموضوع، قال:
(وان عقدت بينك وبين عدوك عقدة، او البسته منك ذمةً فحط عهدك بالوفاء، وارع ذمتك بالامانة، واجعل نفسك جُنّة دون ما أعطيت. فانه ليس من فرائض اللّه شيء الناس أشد عليه اجتماعاً مع تفرق أهوائهم وتشتت آرائهم، من تعظيم الوفاء بالعهود. وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين، لما استوبلوا من عواقب الغدر، فلا تغدرنّ بذمتك ولا تخيسنَّ بعهدك ولا تختِلَنَّ عدوَّك، فانه لا يجترئ على اللّه الا جاهل شقي. وقد جعل اللّه عهده وذمته أمناً أفضاه بين العباد برحمته، وحريماً يسكنون إلى منعته ويستفيضون إلى جواره...).
أقول: واذا رجعنا بعد الالمام بهذه الحقائق إلى موضوعنا، رأينا أن الشروط التي أخذها الحسن بن علي (ع) على معاوية فيما تم بينهما من التعاهد على الصلح، كانت أكثر شروط عرفها التاريخ عهوداً مؤكدةً وأيماناً مغلَّظة، وكان معاوية هو الذي كتب نسختها الاخيرة بقلمه ووقعها بخاتمه.
ولم يكن بدعاً أن يترقب الرأي العام الاسلامي، يومها، الوفاء بها كما يجب لمثل هذه العهود والايمان، وكما هو الانسب بشخصيتين من هذا الطراز في الاسلام.
اما تلك المفاجأة الغريبة التي سبق اليها معاوية في خطابه على منبر الكوفة، ولما يمض على امضائه المعاهدة الا أيام ربما كانت لا تزيد على أسبوع واحد، فقد وقعت في المجتمع الاسلامي وقوع الصاعقة التي لا يسبقها انذار. فقال (على رواية المدائني) كما اشير اليه آنفاً: (وكل شرط شرطته فتحت قدميّ هاتين!)، وصرَّح (على رواية أبي اسحق السبيعي) بقوله: (ألا ان كل شيء أعطيته للحسن بن علي تحت قدمي هاتين لا أفي به!) ثم شهد عليه الحصين بن المنذر الرقاشي قائلاً: (ما وفى معاوية للحسن بشيء مما أعطاه، قتل حجراً واصحاب حجر، وبايع لابنه، وسمَّ الحسن!!(٢٥١)).
وهكذا قدّر لهذا الرجل الواسع الممتلكات الضيق الملكات أن يعود بعد حنثه بأيمانه علناً، ونقضه لمواثيقه صراحةً، أبعد الناس عن ثقة الناس، وأقلهم وزناً في المقاييس المعنوية التي يتواضع عليها الناس، وكان جزاءً وفاقاً، أن ينكره أكثر المغرورين بما كان أنكر هو عهوده ومواثيقه، وأن يضعوه من أنفسهم في المحل الذي وضع هو شروطه من نفسه..
وما يدرينا، فلعلنا الآن عند مفترق الطريق بين الماضي المغلوب والمستقبل الغالب، الذي سينكشف عنه الصراع التاريخي بين الحسن ومعاوية. ولعلنا الآن على أبواب الخطة الجبارة التي نزل الحسن بن علي (ع) من طريقها إلى الصلح، والتي فرضت ارادتها على معاوية أبعد ما يكون في المعروف من دهائه عن الفشل في الخطط التي تمسه في الصميم من مصالحه.
وكان الحسن - كما نعلم - أعرف الناس بمعاوية وبحظه من الصدق والوفاء، وهو اذ يأخذ عليه الصيغ المغلّظة في الايمان والعهود، لا يقصد من ذلك إلى التأكد من صدقه أو وفائه، ولكن ليكشف للاغبياء قابليات الرجل في دينه وفي ذمامه وفي شرفه بالقول.
وانها للمبادأة الاولى التي ابتدأ الحسن عليه السلام زحفه منها إلى ميدانه الثاني. ومن هنا وضعَ أول حجرٍ في البناء الجديد لقضية أهل البيت (ع). ثم مشى موكب الزمان، فاذا بالخطوات الموّفقة تمشي وئيداً مع الزمان واذا بطلائع النجاح كفيالق الجيش التي تتلاحق تباعاً لتتعاون على الفتح. وان من الفتوح ما لا يعتمد في أداته على السلاح، ومنها ما يكون وسائله الاولية أشبه بالهزيمة، حتى ليخاله الناس تسليماً محضاً، ولكنه في منطق العقلاء، ظفر لامع وفتح مبين.
وكان من أبرز الخطوات التي وفقت اليها خطة الحسن عليه السلام عن طريق الصلح، في سبيل التشهير بمعاوية حياً وميتاً، والنكاية ببني أمية اطلاقاً.
١ - أنها ألَّبَت على معاوية في بداية عهده الاستقلالي عدداً ضخماً من الشخصيات البارزة في المملكة الاسلامية.
فلعنه صراحةً بعضهم، وخبَثه آخر، وقرعه وجاهاً ثالث بل ثلاثة، وقاطعه رابع، وانكر عليه حتى مات غماً من فعاله كبير خامس، وقال فيه أحدهم: (وكان واللّه غداراً). وقال الآخر(٢٥٢): (اربع خصال كنَّ في معاوية لو لم يكن فيه منهن الا واحدة لكانت موبقةً). وقابله على مثل ذلك كثير من سادة وسيدات، لسنا الآن بصدد احصائهم، أو استيعاب كلماتهم.
٢ - وخلقت له معارضة الطبقات التي شملتها بنود المعاهدة، سواء في الامان المفروض فيها، أو في الحقوق المالية المنصوص عليها. فاذا بعالم عظيم من الناس أصبح ينظر إلى معاوية نظره إلى العدوّ الواتر في النفس والمال، بما نقضه من شروطهم، في نفوسهم وأموالهم.
٣ - وظن معاوية أنه سيجعل من نقضه معاهدة الحسن وضعاً شكلياً لبيعة ابنه يزيد، يتغلب به على عنعنات الاسلام المقررة بين المسلمين في أمر البيعة وصلاحية الخلافة.
ولكنه لم يلبث أن اصطدم بالواقع، فاذا بهذه البيعة الجديدة، مثار النقمة الاسلامية العامة التي اصبحت تتحسس منذ ترشيح يزيد للخلافة بنوايا بني أمية من الاسلام.
٤ - ثم كانت البوائق الدامية التي جهر بها معاوية بعد نقض الصلح، في قتله خيار المسلمين - من صحابة وتابعين - بغير ذنب، عوامل أخرى للتشهير به، ولتحطيم معنوياته المزعومة، تمشياً مع الخطة المكينة، التي أرادها الإمام الحسن (ع) منذ قرر الاقدام على الصلح.
٥ - وقضية الحسين في كربلاء سنة (٦١) هجري، كبرى قضايا الحسن فيما مهد له من الزحف على عدوهما المشترك، وعدو أبيهما من قبل.
ولا ننسى أنه قال له يوم وفاته: (ولا يوم كيومك أبا عبد اللّه).
وهذه الكلمة على اختزالها - المقصود - هي الرمز الوحيد الذي سُمع من الحسن عليه السلام، فيما يشير به إلى الخطة المقنَّعة بالسر، التي اعتورها الغموض من ست جهاتها، منذ يوم الصلح إلى يوم صدور هذا الكتاب. وانك لتقرأ من هذه الكلمة لغة (القائد الاعلى) الذي يوزّع القواد لوقائعهم، ويوزع الايام لمناسباتها، ثم يميز أخاه ويوم أخيه فيقول: (ولا يوم كيومك..).
وكان من طبيعة الحال ان تبعث المناسبات الزمنية حلقات الخطة كلاً ليومها. وكان لابد لكل حلقة أن توقظ الاخرى، وأن تؤرث السابقة اللاحقة، وتوقد الاولى جذوة الثانية، وهكذا دواليك.
وحسبَ الحسن لكل هذه الخطوات حسابها المناسب لها، منذ قاول معاوية على هذا الصلح المعلوم، ودرس - إلى ذلك - نفسيات خصومه بما كانت تشرئب له من النقمة عليه وعلى أخيه وعلى شيعته وعلى أهدافه جميعاً. وكانت هذه المطالعات بنطاقها الواسع، الاساس الذي بنى عليه الحسن خطواته المستقبلة فيما مهَّده لنفسه ولعدوه معاً.
وكان من طبيعة الحال، أن تلقي هذه الخطوات قيادتها إلى الحسين فيما لو حيل بين الحسن وبين قيادتها بنفسه. وهذا هو ما أردناه في بداية هذا القول.
وهكذا كانت نهضة الحسين الخالدة الخطوة الجبارة في خطة أخيه العبقري العظيم.
ولا تزال فاجعة كربلاء التي استوعبتها كل لغات الارض، اللطخة السوداء التي صبغت تاريخ أمية بالعار، مادام لكربلاء رسم، ولامية اسم.
٦ - ثم لم تزل الخطة البعيدة الاهداف، تستعرض في الفترات المتقاربة التاريخ، بعد واقعة الحسين عليه السلام بكربلاء، سلسلة أحداث قانية انبثقت من صميم الوضع الاموي المتشابه في أكثر ملامحه - بين عهد معاوية وابن عمه (الحمار)(٢٥٣)-.
وعادت الاموية في عرف المسلمين المعنيين باسلاميتهم الحكومة الجائرة المتغلبة بالظلم والاسراف وبالتحلل من كثير كثير من النواميس الدينية. واشتدت نقمة الناس عليها مع تمادي الايام، وكان أيّ علم يرفع لحرب بني أمية، لا يعدم الالوف وعشرات الالوف من المبايعين له على الموت.
اذاً، فلتكن عملية الصلح - على هذا - البذرة المستمدة من صميم مصلحة الاسلام ومصلحة أهل البيت عليهم السلام، ومن الوحي ايضاً. وليعد الحسن بن علي عليهما السلام بعد أقل من قرن، الغالب المنتصر على الخصوم المغلوبين، المنهزمين في التاريخ.
خطوات موفقات، وسياسة صاعدة لا تبلغها السياسات، في صمت وتواضع واتئاد، وتحت ظل اصلاح وتسليم وحقن دماء.
وهل العظمة شيء آخر غير هذا، يا ترى؟.
الوفاء بالشروط
عرفنا - إلى هنا - بواعث كل من الفريقين فيما تطلعا به إلى الصلح. وعرفنا شروط كُلٍ فيما اعتبره ضماناً لبواعثه تلك.
وعرفنا - بعد ذلك - أنهما أرادا الجنوح إلى التصالح عملياً، فاجتمعا في الكوفة، وكان من المنتظر لهذا الاجتماع التاريخي أن يبعث بينهما من التقارب ما لم تبعثه الصكوك التحريرية ولا المقاولات الرسمية، التي تبودلت بينهما في الصلح، لولا أن معاوية لم يشأ ان يلتزم في هذا الاجتماع جانب المجاملة، رغم أنه كان في ظرفه الخاص أحوج الرجلين إلى هذا النمط من السلوك، وانه ليمر - اذ ذاك - بأدق امتحان في سياته العامة وفي شخصيته كملك يريد ان يحكم شعباً ما أحبه منذ أبغضه - على حد تعبير الاحنف بن قيس -، فاجتمع بالحسن ولكن كما يجتمع (ابن أبي سفيان) بابن فاتح مكة، لا كما يجتمع متناجزان القيا السلاح وتبادلا وثائق الصلح، وكان من هذا الخلق الثابت لمعاوية - رغم ما يتكلفه من الحلم الكثير أحياناً - ما هو أداة الحسن في حملته المنظمة التي جردها عليه في (ميدانه الثاني) - كما اشير اليه في آخر فصل مضى -.
واذ قد عرفنا ذلك كله من فصولنا القريبة السابقة، فلنعرف الآن موقف كلٍّ من شروطه وفاءً ونقضاً. وها نحن أولاء من هذه المرحلة بازاء النقطة الحساسة التي طال حسابها في التاريخ.
وكان بودنا لو طوينا كشحاً عن استنطاق هذا الموضوع، بما تثيره تفاصيله من ذكريات: بعضها ألم، وبعضها فضيحة سافرة، وقليل منها تاريخ تعافه الامجاد. ولكننا - وقد أخذنا على أنفسنا في هذا الكتاب مهمة البحث التحليلي المكشوف، عن قضية الحسن ومعاوية - لا نجد مجالاً للتغافل عن عناصر الموضوع التي كان لها أروع الاثر في النتائج التي توخاها الحسن بن علي من صلحه مع معاوية بن أبي سفيان. ولذلك، ولما لهذه التفاصيل الحساسة الثقيلة على النفس من الاهمية القصوى لموضوعنا العام، فلابد لنا من مسايرة هذا الموضوع في سائر خطواته، حتى ينتهى بنا أو ننتهي به إلى النتائج الواضحة المملاة عن مقدماتها المسلمة، بما في هذه النتائج من مجد المظلوم (الغالب) وخزاية الظالم (المغلوب)، فنقول:
١
الوفاء بالشرط الاول
كان هذا الشرط هو الشرط الوحيد الذي لمعاوية على الحسن.
فكان هو الشرط الوحيد الذي حظي بالوفاء من شروط هذه المعاهدة اطلاقاً.
ثم لا يعهد من الحسن بعد توقيعه الصلح، أي محاولة لنقض شرطه هذا ولا التحدث بذلك، ولا الرضا بالحديث عنه.
وجاءه زعماء شيعته بعد أن أعلن معاوية التخلّف عن شروطه، فعرضوا عليه - وقد رجع إلى المدينة - أنفسهم واتباعهم للجهاد بين يديه، ووعده الكوفيون منهم باخلاء الكوفة من عاملها الاموي، وضمنوا له الكراع والسلاح لاعادة الكرة على الشام، فلم تهزه العواصف ولا قلقلته حوافز الانصار المتوثبين.
فقال له سليمان بن صرد، وهو اذ ذاك سيد العراق ورئيسهم - على حد تعبير ابن قتيبة عنه -: (وزعم - يعني معاوية - على رؤوس الناس ما قد سمعت: اني كنت شرطت لقوم شروطاً ووعدتهم عدات ومنيتهم أمانيّ..
فان كل ما هنالك تحت قدميَّ هاتين، وواللّه ما عنى بذلك الا نقض ما بينك وبينه، فأعد الحرب خدعة وأْذَنْ لي أشخص إلى الكوفة، فأخرج عاملها منها وأُظهر فيها خلعه، وانبذ اليه على سواء، ان اللّه لا يهدي كيد الخائنين.
(ثم سكت ابن صرد، فتكلم كل من حضر مجلسه بمثل مقالته، وكلهم يقول: ابعث سليمان بن صرد وابعثنا معه، ثم الحقنا، اذا علمت انا قد أشخصنا عامله، وأظهرنا خلعه(٢٥٤)).
وجاءه - ايضاً - حجر بن عدي الكندي، ومركزه القويّ في العراق مركزه، كما ستعرف قريباً.
وجاءه المسيب بن نجية، فارس مضر الحمراء كلها، اذا عدّ من أشرافها عشرة كان هو أحدهم - على حد تعبير زفر بن الحارث الكلابي عنه -.
وجاءه آخرون من نظرائهم، وكلهم لم يحظ من الحسن الا بالرّد الجميل والاستمهال إلى موت معاوية، لانه صاحب عهده فيما تعاهدا عليه، ولانه كان قد درس من أحوال الكوفة في تجربته الاولى، ما أغناه عن تجارب أخرى.
وكان آخر جوابه اليهم قوله: (ليكن كل رجل منكم حلساً من أحلاس(٢٥٥) بيته ما دام معاوية حياً، فان يهلك معاوية، ونحن وانتم احياء، سألنا اللّه العزيمة على رشدنا، والمعونة على أمرنا، وأن لا يكلنا إلى انفسنا، فان اللّه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون(٢٥٦)).
٢
الوفاء بالشرط الثاني
أجمع المؤرخون - بما فيهم المتحزبون والمستقلون - على أن العهد لذي أعطاه معاوية للحسن في شروط الصلح، هو أن لا يعهد بالامر من بعده إلى أحد، ومعنى ذلك رجوع الامر من بعده إلى صاحبه الشرعي، أعني الحسن بن علي فان لم يكن فللحسين أخيه، تمشياً مع مفهوم الشرط القائل بتسليم الامر محدوداً بحياته، ومفهوم سلبه صلاحية العهد إلى أحد من بعده.
وأجمع المؤرخون - بعد ذلك - على أن معاوية نقض هذا العهد علناً، وعهد من بعده إلى ابنه يزيد (المعروف!!!).
ولسنا الآن بصدد مناقشة معاوية على نقضه العهد بعد ميثاقه، وهو - على كل حال - جماع غلطاته التي أركسه (الصلح) فيها من حيث يدري أو لا يدري، ولكنا وقد مررنا على موقف معاوية من عهوده مراتٍ ومرات، لا نريد ان نمر هنا على تعيينه يزيد ابنه لخلافة المسلمين دون أن نقول: انه ارتكب بهذا العمل الجريء أكبر اثم في دينه، وأفظع جريمة في الصالح العام. وقد كان من أبرز النتائج، لاعمال معاوية الارتجالية الجريئة هذه، ان تنحرف قيادة الاسلام عن منهجها القويم، وان تفقد الرعية قدوتها العملية، وان تسود الاثرة، ويضطرب حبل الثقة بين الافراد والجماعات، وأن ينعدم التجاوب والتفاعل الوجداني بين القادة والاتباع. فتتوزع الميول وتتباين المقاصد، ثم لا يزال الامر يأخذ بهم سفالاً، حتى يستعد إلى الثورات الدامية والانتفاضات الداخلية التي كان لابد منها لتدارك الاخطاء والتنبه على الاخطار. دع عنك ما كان يقال عن يزيد هذا، وعن قابلياته الشخصية والخلقية التي عجت بها التواريخ، من يومه إلى يومنا، والتي كان من آثارها - في حكومته - ما كان (مما لا نريد التوسع في ذكره)، وانما جل ما نريد هو التنبيه على الغلطة الكبرى التي أتاها معاوية، فتقمص بها مسؤولية الحرمات الاسلامية التي انتهكها بهذه الغلطة غير متحرج ولا متأثم.
وكان من الاساليب العجيبة التي توفر على روايتها أصدقاء الرجل فضلاً عن أعدائه، فيما لجأ اليه يوم نصب ابنه ولياً لعهد المسلمين، ما يكفينا للتأكد من وزنه كمسلم فضلاً عن وزنه كخليفة!!.. وانها لصفحة من أنكد صفحات التاريخ، وأبعدها عن (الاسلام) روحاً ومعنى وأهدافاً، ولولا أنها - بنتائجها التي تنكشف عنها في معاوية وفي المجتمع الذي كان يدور في فلك معاوية - أحد شرايين بحثنا الواسع فيما يهدف اليه هذا البحث من بيان أسرار الحسن فيما أتاه من الصلح، لاعرضنا عن ذكرها، ولكُنّا أحرص على سترها، رغم افتضاحها المكشوف مدى ثلاثة عشر قرناً.
أما الآن فسنعرض خلاصة من نصوص المؤرخين، دون ان نتعمد الشرح والتعليق في الاثناء، لان هذه النصوص بذاتها غنية عن الشرح والتعليق.
هكذا بايع معاوية ليزيد:
قال ابو الفرج الاصفهاني: (وأراد معاوية البيعة لابنه يزيد، فلم يكن شيء أثقل عليه من أمر الحسن وسعد بن ابي وقاص، فدس اليهما سماً، فماتا منه(٢٥٧)).
وقال ابن قتيبة الدينوري: (ثم لم يلبث معاوية بعد وفاة الحسن الا يسيراً حتى بايع ليزيد بالشام وكتب ببيعته إلى الآفاق(٢٥٨)).
وقال ابن الاثير: (وكان ابتداء ذلك وأوله من المغيرة بن شعبة، فان معاوية أراد ان يعزله عن الكوفة، ويستعمل عوضه سعيد بن العاص، فبلغه ذلك، فقال: الرأي ان أشخص إلى معاوية فاستعفيه، ليظهر للناس كراهتي للولاية، فسار إلى معاوية وقال لاصحابه حين وصل اليه: ان لم أكسبكم الآن ولاية وامارة لا أفعل ذلك ابداً، ومضى حتى دخل على يزيد(٢٥٩) وقال له: انه ذهب أعيان اصحاب النبي صلى اللّه عليه (وآله) وسلم، وكبراء قريش وذوو أسنانهم!(٢٦٠) وانما بقي أبناؤهم، وأنت من أفضلهم! وأحسنهم رأياً! وأعلمهم بالسنة!! والسياسة!، ولا أدري ما يمنع أمير المؤمنين أن يعقد لك البيعة؟ قال: أَوَترى ذلك يتم؟ قال: نعم. فدخل على أبيه، وأخبره بما قال المغيرة، فأحضر المغيرة وقال له: ما يقول يزيد؟. فقال: يا أمير المؤمنين قد رأيت ما كان من سفك الدماء والاختلاف بعد عثمان، وفي يزيد خلف (!)، فاعقد له، فان حدث بك حادث كان كهفاً للناس وخلفاً منك، ولا تسفك دماءٌ (!!). ولا تكون فتنة (!!). قال: ومن لي بهذا؟ قال: أكفيك أهل الكوفة، ويكفيك زياد أهل البصرة، وليس بعد هذين المصرين أحد يخالفك. قال: فارجع إلى عملك، وتحدث مع من تثق اليه في ذلك، وترى ونرى.
(فودّعه ورجع إلى أصحابه. فقالوا: مه؟. قال: لقد وضعت رجل معاوية في غرز بعيد الغاية على أمة محمد!!، وفتقت عليهم فتقاً لا يرتق أبداً!(٢٦١)).
(وتواطأ معاوية مع رؤساء الوفود المناصحين له، أن يخطبوا ويذكروا فضل يزيد!!.. فلما اجتمعت عند معاوية وفود الامصار، وفيهم الاحنف بن قيس الفهري، فقال له: اذا جلست على المنبر، وفرغت من بعض موعظتي وكلامي فاستأذن للقيام فاذا أذنا لك، فاحمد اللّه تعالى واذكر يزيد، وقل فيه الذي يحق له من حسن الثناء عليه!!.. ثم ادعني إلى توليته!. ثم دعا عبد الرحمن بن عثمان الثقفي وعبيد اللّه بن مسعدة الفزاري وثور بن معن السلمي وعبد اللّه بن عصام الاشعري، فأمرهم ان يقوموا اذا فرغ الضحاك، وان يصدقوا قوله!! فقام هؤلاء النفر خطباء يشيدون بيزيد!!.. إلى أن قام الاحنف بن قيس [ولم يكن من الممثلين الذين رتبهم معاوية لهذه الرواية] فقال:
(أصلح اللّه الامير، ان الناس قد أمسوا في منكر زمان قد سلف، ومعروف زمان مؤتنف، وقد حلبت الدهور وجربت الامور، فاعرف من تسند اليه الامر بعدك، ثم اعص من يأمرك، ولا يغررك من يشير عليك ولا ينظر اليك، مع أن أهل الحجاز وأهل العراق، لا يرضون بهذا، ولا يبايعون ليزيد ما دام الحسن حياً).
ثم أردف قائلاً:
(وقد علمت يا معاوية، أنك لم تفتح العراق عنوة، ولم تظهر عليه مقصاً، ولكنك أعطيت الحسن بن علي من عهود اللّه ما قد علمت، ليكون له الامر من بعدك(٢٦٢). فان تف فأنت أهل الوفاء، وان تغدر تظلم. واللّه ان وراء الحسن خيولاً جياداً، وأذرعاً شداداً، وسيوفاً حداداً. وان تدن له شبراً من غدر، تجد وراءه باعاً من نصر. وانك تعلم من أهل العراق، ما أحبوك منذ أبغضوك، ولا أبغضوا علياً وحسناً منذ أحبوهما، وما نزل عليهم في ذلك غيَرٌ من السماء، وان السيوف التي شهروها عليك مع علي يوم صفين، لعلى عواتقهم، والقلوب التي أبغضوك بها لبين جوانحهم(٢٦٣)).
أقول: وكلام الاحنف هذا، صريح بأن معاوية حاول البيعة لابنه يزيد في حياة الحسن بن علي، بينما صرح آخرون، بأن بيعة يزيد انما وقعت بعد وفاة الحسن، حتى قال ابو الفرج: (انه سم الحسن وسعد بن ابي وقاص تمهيداً لبيعة ابنه يزيد) (كما اشير اليه). اذاً فقد كان لمعاوية محاولتان لهذا التصميم: احداهما في حياة الحسن رغم العهود والأيمان والمواثيق، وهي انما فشلت لمكان وجود صاحب العهد حياً. وثانيتهما بعد وفاة الحسن عليه السلام، وهي التي تمت بأساليبها الظالمة التي عرضها أكثر المؤرخين.
(فعزل مروان عن المدينة حين عجز عن أخذ البيعة على أهلها ليزيد، وولى المدينة سعيد بن العاص، فاظهر الغلظة وأخذهم بالعزم والشدة، وسطاً بكل من ابطأ عن البيعة ليزيد، فأبطأ الناس عنها الا اليسير، لا سيما بني هاشم، فانه لم يجبه منهم أحد.
(أما مروان فذهب إلى الشام مغاضباً، وواجه معاوية بكلام طويل قال فيه: وأقم الامر يا ابن أبي سفيان، واهدأ من تأميرك الصبيان، واعلم أن لك في قومك نظراء، وأنهم على مناوأتك وزراء..
- ثم سكت لانه رزقه الف دينار في كل هلال!! -
(وكتب معاوية إلى عبد اللّه بن عباس والى عبد اللّه بن الزبير والى عبد اللّه بن جعفر والى الحسين بن علي، يدعوهم إلى البيعة ليزيد!.
- وكان كتابه إلى الحسين عليه السلام ما لفظه -:
(أما بعد. فقد انتهت اليَّ منك امور، لم اكن اظنك بها، رغبةً بك عنها، وان احق الناس بالوفاء من كان مثلك في خطرك وشرفك ومنزلتك التي أنزلك اللّه بها، فلا تنازع إلى قطيعتك، واتق اللّه!!. ولا تردَّنَّ هذه الامة في فتنة!!. وانظر لنفسك ودينك وأمة محمد، ولا يستخفنَّك الذين لا يوقنون!!).
- فكتب اليه الحسين بما يلي -:
(أما بعد فقد جاءني كتابك، تذكر فيه أنها انتهت اليك مني أمور لم تكن تظنني بها رغبةً بي عنها، وان الحسنات لا يهدي لها ولا يسدد عليها الا اللّه تعالى. واما ما ذكرت انه رقى اليك عني، فانما رقاه الملاقون المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الجمع. وكذب الغاوون المارقون، ما أردت حرباً ولا خلافاً. واني اخشى اللّه في ترك ذلك منك ومن حزبك القاسطين المحلين، حزب الظلم وأعوان الشيطان الرجيم. الست قاتل حجر وأصحابه العابدين المخبتين، الذين كانوا يستفظعون البدع، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؟. فقتلتهم ظلماً وعدواناً، من بعد ما أعطيتهم المواثيق الغليظة والعهود المؤكدة، جراءة على اللّه واستخفافاً بعهده، أَوَلست بقاتل عمرو بن الحمق الذي أخلقت وأبلت وجهه العبادة؟ فقتلته من بعد ما أعطيته من العهود ما لو فهمته العصم(٢٦٤) لنزلت من شعف(٢٦٥) الجبال. أولست المدعي زياداً في الاسلام فزعمت أنه ابن أبي سفيان؟، وقد قضى رسول اللّه صلى اللّه عليه (وآله) وسلم، أن الولد للفراش وللعاهر الحجر، ثم سلطته على أهل الاسلام يقتلهم ويقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ويصلبهم على جذوع النخل!. سبحان اللّه يا معاوية، لكأنك لست من هذه الامة وليسوا منك!!. أولست قاتل الحضرمي الذي كتب فيه اليك زياد أنه على دين علي؟، ودين علي هو دين ابن عمه صلى اللّه عليه وسلم الذي أجلسك مجلسك الذي انت فيه، ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف آبائك تجشم الرحلتين، رحلة الشتاء والصيف، فوضعها اللّه عنكم بنا، منةً عليكم!.
وقلت فيما قلت: لا تردَّ هذه الامة في فتنة. واني لا أعلم فتنة لها أعظم من امارتك عليها.
وقلت فيما قلت: انظر لنفسك ولدينك ولامة محمد، واني واللّه ما أعرف أفضل من جهادك (أي: قتالك)، فان أفعل، فانه قربة إلى ربي، وان لم أفعل، فأستغفر اللّه لذنبي، واسأله التوفيق لما يحب ويرضى.
وقلت فيما قلت: متى تكدني أكدك، فكدني يا معاوية فيما بدا لك، فلعمري لقديماً يُكاد الصالحون، واني لارجو ان لا تضر الا نفسك، ولا تمحق الا عملك، فكدني ما بدا لك!.
(واتق اللّه يا معاوية!، واعلم ان للّه كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا أحصاها! واعلم ان اللّه ليس بناس لك قتلك بالظنة وأخذك بالتهمة، وامارتك صبياً يشرب الشراب ويلعب بالكلاب!!. ما أراك الا وقد أوبقت نفسك، وأهلكت دينك، وأضعت الرعية، والسلام(٢٦٦)).
ثم قدم معاوية بعد ذلك إلى المدينة، ومعه خلق كثير من أهل الشام عدهم ابن الاثير بألف فارس. قال: (ثم دخل على عائشة، وكان قد بلغها انه ذكر الحسين وأصحابه وقال: لاقتلنهم ان لم يبايعوا.. فقالت له فيما قالت: وارفق بهم فانهم يصيرون إلى ما تحب، ان شاء اللّه!!(٢٦٧)).
وقال الدينوري(٢٦٨) بعد ذكره ورود معاوية إلى المدينة: (ثم جلس معاوية صبيحة اليوم الثاني، وأجلس كتابه بحيث يسمعون ما يأمر به، وأمر حاجبه ان لا يأذن لاحد من الناس وان قرب. ثم أرسل إلى الحسين بن علي وعبد اللّه بن عباس، فسبق ابن عباس، فأجلسه عن يساره، وشاغله بالحديث حتى أقبل الحسين ودخل، فأجلسه عن يمينه، وسأله عن حال بني الحسن (!!) وأسنانهم، فأخبره.
(ثم خطب معاوية خطبة أثنى فيها على اللّه ورسوله وذكر الشيخين وعثمان، ثم ذكر أمر يزيد، وانه يحاول ببيعته سدّ خلل الرعية!، وذكر علمه بالقرآن والسنة!، واتصافه بالحلم!، وأنه يفوقهما سياسة ومناظرة! وان كانا أكبر منه سناً(٢٦٩)، وأفضل قرابة. واستشهد بتولية النبي صلى اللّه عليه (وآله) وسلم عمرو بن العاص في غزوة (ذات السلاسل) على أبي بكر وعمر وأكابر الصحابة ثم استجابهما عما ذكر).
قال: (فتهيأ ابن عباس للكلام، فقال له الحسين: على رسلك، فانا المراد(٢٧٠)، ونصيبي في التهمة أوفر.
وقام الحسين، فحمد اللّه تعالى وصلى على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقال:
(أما بعد - يا معاوية -، فلن يؤدي القائل وان أطنب في صفة الرسول صلى اللّه عليه وسلم من جميع جزءاً، وقد فهمتُ ما لبست به الخلف بعد رسول اللّه(٢٧١) من ايجاز الصفة، والتنكب عن استبلاغ البيعة. وهيهات هيهات يا معاوية، فضح الصبح فحمة الدجا، وبهرت الشمس انوار السُرُج، ولقد فضلت حتى أفرطتَ، واستأثرت حتى أجحفت ومنعت حتى بخلتَ، وجرتَ حتى جاوزتَ، ما بذلتَ لذي حق من اسمٍ حقه من نصيب، حتى أخذ الشيطان حظه الاوفر(٢٧٢)، ونصيبه الأكمل.
(وفهمتُ ما ذكرته عن يزيد من اكتماله وسياسته لامة محمد، تريد أن توهم الناس في يزيد، كأنك تصف محجوباً أو تنعت غائباً، أو تخبر عما كأنك احتويته بعلم خاص، وقد دل يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ به من استقرائه الكلاب المهارشة عند التحارش، والحمام السُبَّق لاترابهن، والقينات ذوات المعازف، وضروب الملاهي - تجده ناصراً.
ودع عنك ما تحاول!!. فما أغناك ان تلقى اللّه بوزر هذا الخلق بأكثر مما أنت لاقيه، فواللّه ما برحت تقدح باطلاً في جور، وحنقاً في ظلم، حتى ملئت الاسقية، وما بينك وبين الموت الا غمضة، فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود، ولات حين مناص..
(وذكرت قيادة الرجل القوم بعهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وما صار ذلك لعمرو يومئذ، حتى أنف القوم امرته، وكرهوا تقديمه، وعدوا عليه أفعاله، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: لا جرم معشر المهاجرين، لا يعمل عليكم بعد اليوم. فكيف تحتج بالمنسوخ من فعل الرسول في أوكد الاحوال وأولاها بالمجتمع عليه من الصواب؟ أم كيف ضاهيت بصاحب تابعاً؟ وحولك من يؤمن في صحبته، ويعتمد في دينه وقرابته، تتخطاهم إلى مسرف مفتون، تريد أن تلبس الناس شبهة، يسعد بها الباقي في دنياه، وتشقى بها في آخرتك. ان هذا لهو الخسران المبين، واستغفر اللّه لي ولكم).
قال: (فنظر معاوية إلى ابن عباس، فقال: ما هذا يا ابن عباس؟ ولما عندك أدهى وأمرّ!.. فقال ابن عباس: لعمر اللّه، انه لذرية الرسول، وأحد أصحاب الكساء، ومن البيت المطهر فالهُ عما تريد، فان لك في الناس مقنعاً، حتى يحكم اللّه بأمره، وهو خير الحاكمين.
ثم خرج معاوية إلى مكة كما يحدثنا ابن الاثير وغيره من المؤرخين، قال: (وسبقه الحسين بن علي وعبد اللّه بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر وابن عمر اليها. ولما كان آخر أيامه بمكة، أحضر هؤلاء... وقال لهم: اني أحببت ان اتقدم اليكم، انه قد أعذر من انذر، اني كنت اخطب فيكم، فيقوم اليَّ القائم منكم فيكذبني على رؤوس الناس، فأحمل ذلك وأصفح. واني قائم بمقالة، فأقسم باللّه لئن ردَّ عليَّ أحدكم كلمةٌ في مقامي هذا، لا ترجع اليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه، فلا يبقينَّ رجل الا على نفسه!.
ثم دعا صاحب حرسه بحضرتهم فقال: أقم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين، ومع كل واحد سيف، فان ذهب رجل منهم يردّ عليَّ كلمة بتصديق أو تكذيب فليضرباه بسيفهما!!..
ثم خرج وخرجوا معه، حتى أتى المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال: ان هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم، لا يبتز أمرٌ دونهم، ولا يقضى الا عن مشورتهم. وانهم قد رضوا وبايعوا يزيد!! فبايعوا على اسم اللّه!. فبايع الناس. انتهى ملخصاً.
وولدت هذه البيعة البغيضة ولكن بعد اعسار شديد، لم تنجع فيه الا السيوف المشهورة على رؤوس الرجال، فاذا هي بنت مؤامرات ومناورات وارهاب!.
واذا كانت هذه هي خلافة الاسلام، فعلى الاسلام السلام.
وأخرج البخاري في صحيحه عن النبي (ص): (ما من والٍ يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم، الا حرم اللّه عليه الجنة).
٣
الوفاء بالشرط الثالث
قال ابن الاثير (ان معاوية كان اذا قنت سبّ علياً وابن عباس والحسن والحسين والاشتر(٢٧٣)). ونقل أبو عثمان الجاحظ في كتاب [الرد على الامامية]: (ان معاوية كان يقول في آخر خطبته: اللهم ان أبا تراب - يعني علياً - الحد في دينك، وصدَّ عن سبيلك، فالعنه لعناً وبيلاً وعذبه عذاباً اليماً. وكتب بذلك إلى الآفاق، فكانت هذه الكلمات يشاد بها على المنابر(٢٧٤)).
وقيل لمروان: (ما لكم تسبونه على المنابر؟) فقال: (لا يستقيم لنا الامر الا بذلك!!)..
وكان من مجهود معاوية في هذا السبيل ما طفحت به السير والتواريخ. وهو - على هذا - أول من سن الجهر بسب صحابة الرسول، وأول من فتح هذا الباب على مصراعيه لمن جاء من بعده، ولا نعرف أن أحداً سبقه إلى مثل هذا اللهم الا ما كان من عائشة يوم قالت: (اقتلوا نعثلاً فقد كفر!!)، ثم لا نعهد في علماء المسلمين من حكم على عائشة بالكفر، ولا على معاوية بالمروق من الدين، لانهما استباحا سبَّ الصحابة، أو لانهما أوغلا في السب حتى عمدا إلى التكفير. ومما لا شك فيه أن حكم الامثال واحد لا يختلف مع الزمان، ولذلك، فانا لا نجد مساغاً إلى الحكم على من نال من معاوية أو نال من صحابي آخر، الا بما حكم به علماء المسلمين على معاوية وعائشة في نيلهما من علي وعثمان، لا أقل ولا أكثر.
وأما الاثر المزعوم القائل (بأيهم اقتديتم اهتديتم)، فقد خُصَّ حتى سقط عمومه عن الحجية، والا لكان السبابون للصحابة من الصحابة أولى بالعمل به. ولو كف معاوية لسانه عن النجوم من آل محمد (ص) الذين كان عليه ان يقتدي بهم ليهتدي، لكف الناس ألسنتهم عنه وعن أمثاله من الظالمين، ولماتت النعرات ولتم الصلح بصلاح المسلمين.
ولكنها كانت البذرة الخبيثة التي زرعها الرجل عامداً، ثم تعاهدها هو وذووه بالتغذية والسَّقي، فاذا بها شجرة العوسج في تاريخ الاسلام، استغفلوا بها البسطاء ولبسوا بها على عقول الجهلاء، وجعلوا من السبّة في التاريخ (سُنّة) في المسلمين، يتنادون عليها، ويحتفلون بها، ويحتجون(٢٧٥) على تركها اذا تركت!!..
وما لمعاوية فيما قدم لنفسه من هذه الباقيات من عذر يرجى، ولا فيما أخَّر لتاريخه من مجد يحسد عليه أو يطرى. واذا كان الدهاء هو فشل الانسان فيما قدّم وفيما أخّر، فمعاوية أدهى الدهاة!.
وكان من أروع مظاهر الدهاء فيه موقفه من صلح الحسن عليه السلام بما جرَّ عليه هذا الصلح من ويلات معنوية ونكبات تاريخية في حياته وبعد مماته!!.
وكان معنى الصلح في مفهوم الناس، واعني الصلح الذي لج هو في تحصيله حتى أقام الدنيا وأقعدها - هو ان يُحطم السنان وان يكمَّ اللسان وان يكون كل وشأنه. وفق الحدود التي ستقررها المعاهدة فيما يتفق عليه الفريقان. وجاءت المادة الثالثة من اتفاقيتهما، وهي صريحة بوجوب الكف عن السب، فكان على معاوية ان يكف، لو انه أراد الصلح حقيقة، أو أراد الوفاء بالشروط كما يفرضه الذمام والعهد والايمان.
ولكن الرجل لم يطلب الصلح الا ليسرح الجنود، وليأمن غائلة حربه مع الحسن ابن رسول اللّه (ص) - كما اشير اليه -، لم يشأ ان يرجع في صلحه إلى التزام المقررات، أو الاكتراث بالمعاهدات، فوقَّع الصلح ولكنه انما وقعه حبراً على ورق، وحلف الايمان وأعطى المواثيق ولكنه أرسلها ارسالاً لا يتحسس من ورائه ذمةً ولا سؤالاً. وجاء الكوفة، وسبق إلى منبرها فذكر علياً ونال منه، ثم نال من الحسن، فقام الحسين ليرد عليه، فأخذ الحسن بيده فأجلسه، ثم قام فقال ما شاء أن يقول من أسلوب حكيم، ودعوة حق إلى صراط مستقيم.. [وقد مرّت خطبة الحسن بطولها وما قاله معاوية قبلها في الفصل (١٨)].
وكان فيما هتف الناس به للحسن على خطابه وجوابه، ما لم يرض له معاوية، وهو اذ ذاك لا يزال ثملاً بخمرة الانتصار الموهوم، فرأى أن ينظم حملة جديدة لتربيب الخلق الذي لا يُحسد عليه - خلق السباب والشتم والطعن في الناس -، رغم أن المثالية الاسلامية تناقض هذا الخلق وتنكره على الناس وتدعوهم إلى التراحم والتحابب والاخوة في الدين، وتقول فيما تقول: (لا يكون المؤمن سباباً ولا فحّاشاً ولا طعاناً ولا لعاناً).
(فقال ابو الحسن علي بن محمد بن أبي يوسف المدائني في كتاب الاحداث: كتب معاوية نسخة واحدة بعد عام الجماعة، أن برئت الذمة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب - يعني علياً عليه السلام - وأهل بيته. فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر، يلعنون علياً ويبرؤون منه، ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة علي عليه السلام(٢٧٦)).
ودعا المغيرة بن شعبة وهو يريد أن يستعمله على الكوفة - بعد الصلح - فقال له: أما بعد. فان لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا، ولا يجزي عنك الحليم بغير التعليم، وقد أردت ايصاءك بأشياء كثيرة، انا تاركها، اعتماداً على بصرك. ولست تاركاً ايصاءك بخصلة واحدة، لا تترك شتم علي وذمه!!(٢٧٧)).
ثم خلفَ المغيرة على الكوفة زياد (فكان يجمع الناس بباب قصره يحرضهم على لعن علي، فمن أبى عرضه على السيف!!(٢٧٨)).
وأما في البصرة. فانه استعمل عليها بسر بن أرطاة (فكان يخطب على منبرها فيشتم علياً، ويقول: ناشدت اللّه رجلاً علم أني صادق الا صدقني أو كاذب الا كذبني). قال الطبري في تاريخه: (فقال له أبو بكرة: اللهم انا لا نعلمك الا كاذباً!، قال: فأمر به فخنق، ثم أنقذوه منه!!(٢٧٩)).
واما في المدينة، وواليه عليها مروان بن الحكم، فكان لا يدع سب علي عليه السلام على المنبر كل جمعة. قال ابن حجر المكي: (وكان الحسن يعلم ذلك ولا يدخل المسجد الا عند الاقامة، فلم يرض بذلك مروان، حتى أرسل إلى الحسن في بيته بالسب البليغ لابيه وله!!(٢٨٠)).
(ولما حج معاوية - بعد الصلح - طاف بالبيت ومعه سعد بن أبي وقاص، فلما فرغ انصرف معاوية إلى دار الندوة، فأجلسه معه على سريره، ووقع معاوية في علي وشرع في سبه، فزحف سعد، ثم قال: أجلستني معك على سريرك ثم شرعت في سب علي!. واللّه لأن يكون فيَّ خصلة واحدة من خصال كانت لعلي أحبّ اليَّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس!. واللّه لأن اكون صهر الرسول صلى اللّه عليه وسلم، لي من الولد ما لعلي، أحب اليَّ من ان يكون لي ما طلعت عليه الشمس!. وللّه لأن يكون رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال لي ما قاله يوم خيبر: لاعطينَّ الراية غداً رجلاً يحبه اللّه ورسوله ويحب اللّه ورسوله، ليس بفرّار، يفتح اللّه على يديه، أحب اليَّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس!. واللّه لأن يكون رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال لي ما قاله له في غزوة تبوك: ألا ترضى ان تكون مني بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبي بعدي، أحب اليَّ من ان يكون لي ما طلعت عليه الشمس!، وايم اللّه لا دخلت لك داراً ما بقيت(٢٨١)).
وروى المسعودي من جواب معاوية لسعد، ما نربأ بقلمنا عن التصريح به لقبحه، ولكنه على كل حال دليل جديد على مبلغ اسفاف الرجل في خلقه وفي آدابه وفي مجاملاته..
٤
الوفاء بالشرط الرابع
قال الطبري (ج ٦ ص ٩٥): (وحال أهل البصرة بينه - يعني بين الحسن - وبين خراج دارابجرد، وقالوا: فيئُنا).
وقال ابن الاثير (ج ٣ ص ١٦٢): (وكان منعهم - يعني منع أهل البصرة - بأمر من معاوية ايضاً!!).
٥
الوفاء بالشرط الخامس
وكان الشرط - كما علمت - هو العهد بالامان العام، والامان لشيعة علي على الخصوص، وأن لا يبغي للحسنين عليهما السلام وأهل بيتهما غائلة سراً ولا جهراً.
وللمؤرخين فيما يرجع إلى موضوع هذا الشرط نصوص كثيرة، بعضها وصف للكوارث الداجية التي جوبه بها الشيعة من الحكام الامويين في عهد معاوية، وبعضها قضايا فردية فيما نكب به معاوية الشخصيات الممتازة من أصحاب أمير المؤمنين، وبعضها خيانته تجاه الحسن والحسين خاصة. وليكن عرضنا لهذه النصوص هنا على الترتيب المذكور ايضاً.
معاوية وشيعة علي عليه السلام
كانت السياسة الاموية التي وضعها معاوية ثم تبعه عليها الامراء الامويون من بعده، هي أن يخلقوا من أنفسهم سادة يستأثرون بكل محمدة في الناس، فما الكرم ولا الحلم ولا الدهاء ولا الشجاعة ولا الفصاحة الا بعض هباتهم الخاصة التي احتجزوها من دون الناس جميعاً، وقد وضعوا في سبيل تركيز هذه السياسة المتعمدة، التاريخ الزائف الذي ظل يفيض بسلسلة من الاحاديث الموضوعة، والقصص المصطنع، والاكاذيب المنوعة، والادعاء الفارغ، وأمروا الوّعاظ المأجورين، ومعلمي الكتاتيب في سائر بلدان المملكة الاسلامية، بدراسة الامالي الاموية بما فيها من مدح زائف أو قدح كاذب، وعملوا كل ما كان بوسعهم أن يعملوه ليثيروا في قلوب الناشئة من أولاد الناس الغرور بحبهم، والانقياد المطلق لدهائهم، فاذا بهذه الناشئة بعد لأي جنود لامية يتخاصمون بدمائهم البريئة لاهدافها، واذا بسيول الدماء تصبغ بقاع الارض لتستقيم صفوف الخدم والحشم والوكلاء والمقدمين في بلاد الاسياد المتغلبين.
ولم يكن ثمة هدف آخر غير هدف الاستئثار بالسيادة والملك والثراء واللذات الدنيوية الرخيصة، وهو ما كان يضيق به المعنيون بدينهم من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومن المسلمين الثابتين على الاخلاص للّه في اسلاميتهم، ومن هنا كان مبعث الشقاق المتواصل الحلقات بين هذه الطبقة من أموية الاسلام، وتلك الفئة من حملة تراث الاسلام ودعاته المخلصين.
جاء في تاريخ الطبري (ج ٧ ص ١٠٤) استطراد مقتضب يرفعه إلى زيد بن أنس عن الوضع العام الذي كان يرزح تحته معاشر الشيعة في أيام معاوية، وكان فيما يقوله أحدهم وهو يخاطبهم: (انكم كنتم تقتلون وتقطع أيديكم وأرجلكم وتسمل أعينكم وترفعون على جذوع النخل في حب أهل بيت نبيكم وأنتم مقيمون في بيوتكم وطاعة عدوكم!!).
والحديث على اقتضابه تفصيل غريب ومعرض رهيب لم يحدثنا المسعودي الا بطرف منه فيما نقلناه عنه قريباً.
أما المدائني المتوفى سنة ٢٢٥، وسليم بن قيس المتوفي سنة ٧٠، فانهما عرضا صورة كاملة من هذه المعارض الرهيبة والمآسي الكئيبة، وكان سليم بن قيس أحد شهودها المروّعين بها، لانه عاش معاصراً لمعاوية ومات بعده بعشر سنين، ولا شاهد كشاهد عيان، ولذلك فلنؤثر لفظه، وان كان المدائني يكاد لا يختلف عنه في قليل ولا كثير، قال:
(قدم معاوية حاجاً - في خلافته - بعدما قتل أمير المؤمنين وصالح الحسن.. واستقبله أهل المدينة وفيهم قيس بن سعد - وكان سيد الانصار وابن سيدهم - فدار بينهما الحديث حتى انتهيا إلى [الخلافة]. فقال قيس: ولعمري ما لأحد من الأنصار ولا لقريش ولا لاحد من العرب والعجم في الخلافة حق مع علي وولده من بعده. فغضب معاوية.. ونادى مناديه وكتب بذلك نسخة واحدة إلى عماله: (ألا برئت الذمة ممن روى حديثاً في مناقب علي وأهل بيته!!). وقامت الخطباء في كل كورة ومكان على المنابر بلعن علي بن أبي طالب والبراءة منه، والوقيعة في أهل بيته، واللعنة لهم بما ليس فيهم. ثم ان معاوية مرّ بحلقة من قريش، فلما رأوه قاموا اليه غير عبد اللّه بن عباس، فقال له: يا ابن عباس ما منعك من القيام كما قام أصحابك الا لموجدة عليّ بقتالي اياكم يوم صفين، يا ابن عباس ان ابن عمي عثمان قتل مظلوماً، قال ابن عباس: فعمر بن الخطاب قد قتل مظلوماً فسلم الامر إلى ولده، وهذا ابنه. قال: ان عمر قتله مشرك، قال ابن عباس: فمن قتل عثمان؟ قال: قتله المسلمون، قال: فذلك أدحض لحجتك، ان كان المسلمون قتلوه وخذلوه فليس الا بحق، قال: فانا كتبنا إلى الآفاق ننهى عن ذكر مناقب عليّ وأهل بيته، فكف لسانك يا ابن عباس. قال: فتنهانا عن قراءة القرآن؟ قال: لا، قال: فتنهانا عن تأويله؟ قال: نعم، قال: فنقرأه ولا نسأل عما عنى اللّه به؟ قال: نعم، قال: فأيهما أوجب علينا قراءته أو العمل به؟ قال: العمل به، قال: فكيف نعمل به حتى نعلم ما عنى اللّه بما أنزل علينا؟ قال: سل عن ذلك من يتأوله على غير ما تتأوله أنت وأهل بيتك، قال: انما أنزل القرآن على أهل بيتي فأسأل عنه آل أبي سفيان وآل أبي معيط؟! قال: فاقرأوا القرآن ولا ترووا شيئاً مما أنزل اللّه فيكم ومما قال رسول اللّه، وارووا ما سوى ذلك! قال ابن عباس: قال اللّه تعالى: (يريدون أن يطفئوا نور اللّه بأفواههم ويأبى اللّه الا أن يتم نوره ولو كره الكافرون). قال معاوية: يا ابن عباس اكفني نفسك وكف عني لسانك، وان كنت لابد فاعلاً فليكن سراً ولا تسمعه أحداً علانية! - ثم رجع إلى منزله واشتد البلاء بالامصار كلها على شيعة علي وأهل بيته، وكان أشد الناس بلية أهل الكوفة لكثرة من بها من الشيعة، واستعمل عليها زياداً، وجمع له العراقين، وكان يتتبَّع الشيعة وهو بهم عالم، لأنه كان منهم، فقتلهم تحت كل كوكب، وتحت كل حجر ومدر واحلأهم وأخافهم، وقطع الايدي والارجل منهم، وصلبهم على جذوع النخل، وسمل أعينهم، وطردهم وشردهم، وكتب معاوية إلى قضاته وولاته في الامصار أن لا يجيزوا لأحد من شيعة علي الذين يروون فضله ويتحدثون بمناقبه شهادة!! وكتب إلى عماله، انظروا من قبلكم من شيعة عثمان الذين يروون فضله ويتحدثون بمناقبه فأكرموهم وشرّفوهم، واكتبوا الي بما يروي كل واحد منهم فيه باسمه واسم أبيه، وبعث اليهم بالصلات والكُسا، وأكثر القطائع للعرب والموالي فكثروا، وتنافسوا في المنازل والضياع، واتسعت عليهم الدنيا، ثم كتب إلى عماله: ان الحديث قد كثر في عثمان فاذا جاءكم كتابي هذا فادعوهم إلى الرواية في أبي بكر وعمر، فقرأ كل قاض وأمير كتابه على الناس، وأخذ الناس في الروايات فيهم وفي مناقبهم، ثم كتب نسخة جمع فيها جميع ما روي فيهم من المناقب، وأنفذها إلى عماله، وأمرهم بقراءتها على المنابر. وفي كل كورة، وفي كل مسجد، وأمرهم أن ينفذوا إلى معلمي الكتاتيب أن يعلموها صبيانهم حتى يرووها ويتعلموها كما يتعلمون القرآن حتى علموها بناتهم ونساءهم وخدمهم - ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة: (انظروا من قامت عليه البينة أنه يحب علياً وأهل بيته فامحوه من الديوان)، ثم كتب كتاباً آخر: (من اتهمتموه ولم تقم عليه بينة فاقتلوه!!) فقتلوهم على التهم والظن والشبه تحت كل كوكب، حتى لقد كان الرجل يسقط بالكلمة فتضرب عنقه!!. وجعل الامر لا يزداد الا شدة، وكثر عددهم، وأظهروا أحاديثهم الكاذبة فنشأ الناس على ذلك، لا يتعلمون الا منهم. وكان أعظم الناس في ذلك القرّاء المراؤون المتصنعون الذين يظهرون الحزن والخشوع والنسك ويكذبون، ليحظوا عند ولاتهم، ويصيبوا بذلك الاموال والقطائع والمنازل. حتى صارت أحاديثهم في أيدي من يحسب انها حق فرووها وعلموها. وصارت في أيدي المتدينين الذين لا يستحلون الكذب، فقبلوها وهم يرون أنها حق، ولو علموا انها باطل لم يرووها ولم يتدينوا بها، فلما مات الحسن بن علي عليه السلام. لم تزل الفتنة والبلاء يعظمان ويشتدان).
اقول: وروى مثل ذلك بكامله ابو الحسن المدائني فيما أخذه عنه ابن أبي الحديد (ج ٣ ص ١٥ - ١٦) وقال في آخره:
(فلم يزل الامر كذلك حتى مات الحسن بن علي عليه السلام، فازداد البلاء والفتنة فلم يبق أحد من هذا القبيل الا وهو خائف على دمه أو طريد في الارض).
وكان هذا أسلوباً من الحوادث تستسيغه المحاكمة في ظروف الفريقين، ويصدقه التناسق التاريخي في تسلسل الاحداث. ولا يضيره اغفال المؤرخين الآخرين لأنهم - ولنعذرهم - انما كانوا يكتبون للسياسة القائمة، أو لما لا يضيرها على الاقل.
وتقدم أن الطبري والمسعودي ألمحا إلى كل ذلك باختصار. وعلى هذا فمصادر هذه المادة: سليم بن قيس، المدائني، ابن ابي الحديد، الطبري، المسعودي.
وفي سبيل اللّه أشلاء مضرجة، وشمل شتيت، وحطام من مساكن يشرد أهلها أو يساقون إلى الجزر سوق القطيع! فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً.
وتلك هي تعبئة معاوية لاقتناص الخلافة في الاسلام له ولبنيه!.
وتلك هي طريقته البكر في وفائه بعهود اللّه ومواثيقه!.
وزاد سليم بن قيس بعد ذلك فقال:
(ولما كان قبل موت معاوية بسنة، حج الحسين بن علي وعبد اللّه بن عباس وعبد اللّه بن جعفر فجمع الحسين بني هاشم، ثم رجالهم ونساءهم ومواليهم ومن حج منهم من الانصار، ممن يعرفه الحسين عليه السلام وأهل بيته، ثم أرسل رسلاً: لا تدعوا أحداً حجّ العام من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم المعروفين بالصلاح والنسك الا اجمعوهم لي، فاجتمع اليه بمنى أكثر من سبعمائة رجل، وهم في سرادقه، عامتهم من التابعين، ونحو من مائتي رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله. فقام فيهم خطيباً.
(فحمد اللّه واثنى عليه ثم قال: أما بعد، فان هذا الطاغية قد فعل بنا وبشيعتنا ما قد رأيتم وعلمتم وشهدتم. واني أريد أن اسألكم عن شيء فان صدقت فصدقوني وان كذبت فكذبوني، اسمعوا مقالتي، واكتبوا قولي، ثم ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم فمن أمنتم من الناس، ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون من حقنا. فاني أتخوف أن يدرس هذا الامر ويذهب الحق ويغلب، واللّه متم نوره ولو كره الكافرون.
(وما ترك شيئاً مما أنزله اللّه فيهم من القرآن الا تلاه وفسره، ولا شيئاً مما قاله رسول اللّه صلى الله عليه وآله في أبيه وأخيه وأمه وفي نفسه وأهل بيته الا رواه.. وكل ذلك يقول أصحابه، اللهم نعم وقد سمعنا وشهدنا. ويقول التابعي: اللهم قد حدثني به من أصدقه وأئتمنه من الصحابة. فقال: أنشدكم اللّه الا حدثتم به من تثقون به وبدينه).
معاوية وزعماء الشيعة
وكان موقف معاوية من زعماء الشيعة بعد صلحه مع الحسن موقف المنتقم الحاقد الذي لا تأخذه بهم رأفة ولا ذمة ولا (عهد)، وكان لخوفه من الدعاوة الفعالة التي يحملها هؤلاء السادة من زعماء الشيعة أثره فيما توفر عليه من القصد إلى ايذائهم واقصائهم وقتلهم والتنكيل بهم. ولسنا الآن بسبيل استقصاء ما عمله معاوية تجاه هؤلاء الشيعة، ولا استقصاء ما كان ينويه بهم من خطط بعيدة الاهداف. ولكننا - لندل على مدى وفاء هذا الاموي بشروطه وأيمانه - سنورد في هذا الفصل بعض أعماله تجاههم وبعض نواياه بهم. وفي قليل من هذه الامثلة كفاية عن الكثير آثرنا تركه أو خفي علينا علمه.
وقد خسر تاريخ هؤلاء الشيعة انصاف المؤرخين بعد ذلك، ولعب التعصب الذميم دوره المهم في طمس معالم هذا التاريخ أحفل ما يكون بالقضايا البارزة التي كان من حقها أن تأخذ مكانها من عبرة الاجيال. وكان للسلطات الحاكمة عملها في توجيه ما يكتب للتاريخ أو يملى للحديث، حتى فيما يتناول أئمة الشيعة فضلاً عن زعمائهم أو سوادهم.
(روى ابن عرفة المعروف بنفطويه وهو من أكابر المحدثين وأعلامهم في تاريخه ما يناسب هذا.. قال: ان اكثر الاحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أمية تقرباً اليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنوف بني هاشم!.
(وقال المدائني عن عصر معاوية: وظهر حديث كثير موضوع، وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة، وكان اعظم الناس في ذلك بليةً القراء المراؤون، والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الاحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ويقرّبوا مجلسهم، ويصيبوا به الاموال والضياع والمنازل، حتى انتقلت تلك الاخبار والاحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان فقبلوها ورووها، وهم يظنون انها حق، ولو علموا انها باطلة لما رووها ولا تدينوا بها(٢٨٢)).
وقال ابن أبي الحديد: (وذكر شيخنا أبو جعفر الاسكافي.. أن معاوية وضع قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي عليه السلام، تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جعلاً يرغب في مثله، فاختلقوا ما أرضاه. منهم أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة. ومن التابعين عروة بن الزبير(٢٨٣)).
اقول: وشيء قليل من حيدة في النظر ودقة في الاستنتاج يكفينا للقناعة بألوان التصرفات الكيفية الواسعة النطاق التي نكب بها كل من حديث الاسلام وتاريخ أحداثه معاً. حتى لقد يعز على المتتبع في ماجريات الحوادث الاسلامية الاولى ان لا يجد قضية من مهمات القضايا الاسلامية يومئذ سلمت في تناسقها التاريخي من الاصطدام بالمفارقات البعيدة التي تغمرها بالشك، ثم لا تزال تأخذ بها بين التيارات المتعاكسة ذات اليمين وذات الشمال.
ولا حاجة بنا بعد ذلك إلى جمع الشهادات والتصريحات على شيوع الوضع(٢٨٤) وكثرة الوضاعين، لان خير شهود كل شيء ما كان منه مباشرة.
وكانت قضية الحسن بن علي عليهما السلام بملابساتها وذيولها احدى هاتيك القضايا التي لعبت الاهواء في التحدث عنها وضعاً ورفعاً وجمعاً وتفريقاً، وفقدت تحت تأثير هذا التلاعب المؤسف الذي لم يكن كله مقصوداً، كما لم يكن كله غير مقصود، روعة واقعها الاول. وكان من طبيعة هذا الوضع أن تختلف عليه الافهام، ويكثر حوله النقض والابرام. وما هي الا كنموذج واحد من قضايا كثيرة في تاريخ الاسلام ظلمها التاريخ وجللها بالظلام.
وانهم ليعرفون، وهم يؤرخون الحسن، مكانة الحسن في التاريخ ويعلمون أنهم انما يكتبون عن (أحد الاحدين) في العالم الاسلامي كله.
فكيف بهم اذا جاوزوا فيما يؤرخون مثل هذه النقطة المركزة، إلى نقاط لا تبلغ في موضوعها خطورة امام؟.
لذلك يجب أن لا نطمع في موضوع [معاوية وزعماء الشيعة] بالحصول على الحقائق الكافية التي تملأ نهم البحث، ولا بالوقوف على الاحصاءات الصحيحة التي تسدّ نطاق الموضوع، بما يتناسب وحديث المدائني، وتفاصيل سليم بن قيس.
ذلك لأن كل شيء من هذا القبيل، وكل شيء من تاريخ الشيعة الصحيح، قد طغت عليه التصرفات المعارضة، وأكلته الاكاذيب المأجورة على طول التاريخ.
وليس لنا الآن، الا أن نعود فنتسقط الاخبار من هنا ومن هنالك لنعرض شيئاً له صورته التاريخية التي نعتقد أنها - على فظاعتها - قليل من كثير، وبعض من كل.
واليك الآن القائمة المحزونة التي تحمل أسماء هؤلاء بما فيهم من صحابة وتابعين، ولندرس على ضوء هذه القائمة جواب معاوية على الشرط الخامس من شروط معاهدة الصلح. ثم لنتدرج مع فقرات هذا الشرط فيما نأتي عليه من فصول.
أ - الشهداء المقتولون صبراً
١ - حجر بن عدي الكندي:
يعرف بحجر الخير، ويكنى بأبي عبد الرحمن بن عدي بن الحرث بن عمرو بن حجر المقلب بآكل المرار [ملك الكنديين]. وقيل هو ابن عدي بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية الاكرمين من كندة(٢٨٥)، ومن ذؤابتها العليا.
صحابي من أعيان أصحاب علي وابنه الحسن عليهما السلام، وسيد من سادات المسلمين في الكوفة ومن أبدالها.
وفد هو وأخوه هانئ بن عدي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال في الاستيعاب: (كان حجر من فضلاء الصحابة، وصغر سنه عن كبارهم)، وذكره بمثل ذلك في أسد الغابة، ووصفه الحاكم في المستدرك بأنه: (راهب أصحاب محمد صلى الله عليه وآله).
وبلغ من عبادته أنه ما أحدث الا توضأ وما توضأ الا صلى. وكان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، وكان ظاهر الزهد، مجاب الدعوة(٢٨٦)، ثقة من الثقات المصطفين، اختار الآخرة على الدنيا حتى سلم نفسه للقتل دون البراءة من امامه، وانه مقام تزل فيه الاقدام وتزيغ الاحلام.
كان في الجيش الذي فتح الشام، وفي الجيش الذي فتح القادسية، وشهد الجمل مع علي، وكان أمير كندة يوم صفين، وأمير الميسرة يوم النهروان، وهو الشجاع المطرق الذي قهر الضحاك بن قيس في غربي تدمر. وهو القائل: (نحن بنو الحرب وأهلها، نلقحها وننتجها، قد ضارستنا وضارسناها).
ثم كان أول من قتل صبراً في الاسلام.
قتله وستة من أصحابه معاوية بن أبي سفيان سنة ٥١ في (مرج عذراء) بغوطة دمشق على بعد ١٢ ميلاً منها. وقبره إلى اليوم ظاهر مشهور، وعليه قبة محكمة تظهر عليها آثار القدم في جانب مسجد واسع، ومعه في ضريحه أصحابه المقتولون معه وسنأتي على ذكرهم.
وهدم زياد ابن أبيه دار حجر في الكوفة.
السبب في قتله
أنه كان يرد على المغيرة وزياد حين يشتمان علياً عليه السلام، ويقول: (أنا أشهد أن من تذمون أحق بالفضل، ومن تزكون أولى بالذم، وكان اذا جهر بكلمته هذه، وافقه أكثر من ثلثي الناس، وقالوا: (صدق واللّه حجر وبر).
أما المغيرة بن شعبة فقد قدر المعنويات التي تعزز حجراً كصحابي فاضل، وكرأس من رجالات علي في الكوفة، وكأمير عربي يرث تاج الكنديين من أقرباء الجدود، وسمع بأذنيه تأييد الناس دعوته غير آبهين بالقوة، ولا خائفين نقمة السلطان، فرأى أن يتمهل في أمره وأن يعتذر إلى ذوي مشورته الذين كانوا يحرضونه على التنكيل به. ثم قال لهم: (اني قد قتلته). قالوا: (وكيف ذلك؟) قال: (انه سيأتي أمير بعدي فيحسبه مثلي فيصنع به شبيهاً بما ترونه، فيأخذه عند اول وهلة فيقتله شر قتلة). وكان المغيرة في موقفه من حجر المنافق الحكيم، وكذلك كان فيما أجاب به صعصعة بن صوحان يوم فتنة المستورد بن علفة الخارجي سنة ٤٣ قال له: (واياك أن يبلغني عنك أنك تظهر شيئاً من فضل علي علانية، فانك لست بذاكر من فضل علي شيئاً أجهله، بل أنا أعلم بذلك!!. ولكن هذا السلطان - يعني معاوية - قد ظهر، وقد أخذنا باظهار عيبه للناس، فنحن ندع كثيراً مما أمرنا به، ونذكر الشيء الذي لا نجد من ذكره بداً، ندفع به هؤلاء القوم عن أنفسنا تقية(٢٨٧)).
وولي ابن سمية الكوفة بعد هلاك المغيرة سنة ٥٠ أو ٥١، فرأى أن يخدم أمويته (المزعومة) بقتل حجر بن عدي ليريحها من أكبر المشاغبين عليها. ولكنه جهل أن دم حجر سيظل يشاغب على تاريخ أمية ما عرف الناس هذين الاسمين.
وأطال الوالي الجديد خطبته يوم الجمعة حتى ضاق وقت الصلاة - ولصلاة الجمعة وقتها المحدود - فقال حجر - وكان لا يفارق جمعتهم وجماعتهم -: (الصلاة!) فمضى زياد في خطبته. فقال ثانياً: (الصلاة!) فمضى في خطبته. وخشي حجر فوت الفريضة فضرب بيده إلى كف من الحصا، وثار إلى الصلاة وثار الناس معه.
وما كان أبو عبد الرحمن بمكانته الاجتماعية وبروحه العابدة الزاهدة بالذي يترخص في دينه أو يلجأ إلى مجاملة المترخصين، وكان يظن ان في هؤلاء بقية من الحسن قد تنفعها الذكرى وقد يجدي معها الانكار، فأنكر انتصافاً للحق المهضوم، وجاهد لدينه ولامامه ولصلاته بلسانه، كما كان يجاهد بسيفه في فتوح الاسلام.
وجاءت قائمة جرائمه - في عرف بني أمية - أنه يرد السب عن علي عليه السلام، وأنه يريد الصلاة لوقتها، ولا شيء غير ذلك!.
ودعا زياد (حواشيه الطيعة) الذين كانوا يبادلونه الذمم بالنعم أمثال عمر بن سعد [قاتل الحسين عليه السلام]، والمنذر بن الزبير، وشمر بن ذي الجوشن العامري، واسماعيل واسحق ابني طلحة بن عبد اللّه، وخالد بن عرفطة، وشبث بن ربعي، وحجار بن أبجر، وعمرو بن الحجاج، وزجر بن قيس.. و(درازن) أخرى من هذه النماذج التي طلقت المروءة ثلاثاً، وكانوا سبعين رجلاً، عدهم الطبري في تاريخه واحداً واحداً [ج ٦ ص ١٥٠ - ١٥١]، وماز من بينهم أبا بردة بن أبي موسى الاشعري لانه كان أضعفهم عنده او لانه كان أقواهم عند معاوية، وقال له اكتب: -
(بسم اللّه الرحمن الرحيم. هذا ما شهد عليه أبو بردة بن أبي موسى الاشعري للّه رب العالمين!!، أشهد ان حجر بن عدي خلع الطاعة، وفارق الجماعة!! ولعن الخليفة، ودعا إلى الحرب، وجمع اليه الجموع يدعوهم إلى نكث البيعة، وكفر باللّه عزّ وجل كفرة صلعاء!!..).
وقال للسبعين: (على مثل هذه الشهادة فاشهدوا. أما واللّه لاجهدن على قطع خيط هذا الخائن الاحمق!!). فشهد على هذه الصحيفة الخائنة الحمقاء سبعون من اشراف الكوفة و(ابناء البيوتات)!!.. وكتب إلى معاوية في حجر وكثر عليه فكتب اليه معاوية: (شده في الحديد واحمله اليّ).
ولنتذكر هنا سوابق هذه الحفنة من أبناء بيوتات الكوفة في قضية الحسن بن علي عليهما السلام أيام خلافته، وهل كان الفارون من الزحف في مسكن، والمتألبون على الشر في المدائن، والمكاتبون معاوية على الغدر بالامام وتسليمه اياه الا هؤلاء؟. فمن هو اذاً الذي خلع الطاعة وفارق الجماعة ونكث البيعة أحجر بن عدي أم هم؟
ثم لنتذكر مواقف هؤلاء أنفسهم في فاجعة الحسين عليه السلام بكربلاء، وكانوا يومئذ سيوف الجبابرة الامويين الذين تحملوا مسؤوليات تلك الاحداث المؤلمة التي لا حد لفظاعتها في تاريخ العرب والاسلام.
موقف الكوفة في حادثة حجر:     
وكان باستطاعة حجر ان يشعل نار الثورة التي تقض مضجع معاوية في الكوفة، لو انه شاء المقاومة بالسلاح. وفهم معاوية ذلك حين راح يقول - بعد مقتل حجر -: (لو بقي حجر لاشفقت أن يعيدها حرباً أخرى)، وفهم زياد ذلك حين اتبع حجراً بريده وقال له: (اركض إلى معاوية وقل له: ان كان لك في سلطانك حاجة فاكفني حجراً).
ولكن الزعيم الشيعي الذي كان قد درس على الإمام الحسن بن علي عليهما السلام تضحياته الغالية في سبيل حقن الدماء، منع قومه من الحرب صريحاً.
ولكن جماعة من أصحابه اشتبكت بشرطة زياد و(بخاريته) عند أبواب كندة، وجماعة أخرى التحمت بهم عند باب داره - قرب جبانة كندة - وكان من ابطال هاتين الموقعتين عبد اللّه بن خليفة الطائي، وعمرو بن الحمق الخزاعي - وسنأتي على ذكرهما في الفصول القريبة -، وعبد الرحمن بن محرز الطمحي، وعائذ بن حملة التميمي، وقيس بن يزيد، وعبيدة بن عمرو، وقيس بن شمر، وعمير بن يزيد الكندي المعروف (بأبي العمرّطة). قالوا: (وكان سيف أبي العمرطة أول سيف ضرب به في الكوفة يوم حجر). - وخرج قيس بن فهدان الكندي على حمار له، يسير في مجالس كندة يحرضهم على الحرب.
وحصب أهل الكوفة زياداً(٢٨٨) - وكان ذلك هو ميراثه الشرعي من اُمه سمية.
أما حجر نفسه فأصر على قومه بأن يردوا السيوف إلى أغمادها، وقال لهم: (لا تقاتلوا فاني لا أحب ان اعرضكم للهلاك.. وانا آخذ في بعض هذه السكك).
وأخطأته عيون زياد التي كانت تلاحقه، لان الناس كلهم أو اكثر من ثلثي الناس كانوا يمنعون حجراً من هذه العيون.
وهكذا ضاق زياد بحجر وأصحابه، فجمع اشراف الكوفة وقال لهم: (يا أهل الكوفة: اتشجون بيد وتأسون بأخرى، أبدانكم معي، وأهواؤكم مع حجر، أنتم معي واخوانكم وابناؤكم وعشائركم مع حجر. هذا واللّه من دحسكم وغشكم. واللّه لتظهرن لي براءتكم، أو لآتينكم بقوم أقيم بهم أودكم وصعركم).. ثم قال: (فليقم كل امرئ منكم إلى هذه الجماعة حول حجر. فليدع كل رجل منكم أخاه وابنه وذا قرابته ومن يطيعه من عشيرته، حتى تقيموا عنه كل من استطعتم أن تقيموه).
ثم أمر زياد أمير شرطته [شداد بن الهيثم الهلالي] بالقبض على حجر. وعلم ان شرطته ستعجز عنه، فدعا محمد بن الاشعث الكندي، وقال له: (يا أبا ميثاء، أما واللّه لتأتينني بحجر، أو لا ادع لك نخلة الا قطعتها، ولا داراً الا هدمتها، ثم لا تسلم حتى أقطعك ارباً ارباً!) قال له: (أمهلني حتى أطلبه). قال (امهلتك ثلاثاً، فان جئت به والا عّد نفسك في الهلكى!).
أقول: ولِمَ كلّ هذا الحنق؟ أللدين وما كان ابن سمية بأولى به من الصحابي العابد الذي كان يصلي كل يوم وليلة الف ركعة، ثم لا ذنب له الا أن ينهى عن المنكر ويريد الفرائض لوقتها؟! - أم للدنيا، وقد خسروا في مقتل حجر صبابة معنوياتهم في التاريخ!!
وحاول زياد ان يقتل الكنديين بعضهم ببعض بما أمر به ابن الاشعث الكندي، وكان ذلك من جملة الاساليب الرثة التي يتوارثها الحاكمون بأمرهم في الشعوب المغلوبة على أمرها في القديم والحديث.
وعلم حجر ما أراده زياد في الكنديين وأصحابهم فقال: (ولكن سمع وطاعة).
ودارت الشرطة للقبض على الاسماء البارزة من مؤازريه، فجمعوا تسعة من أهل الكوفة وأربعة من غيرها - برواية المسعودي -.
وعدهم ابن الاثير هكذا: (حجر بن عدي الكندي، والارقم بن عبد اللّه الكندي، وشريك بن شداد الحضرمي، وصيفي بن فسيل الشيباني، وقبيصة بن ضبيعة العبسي، وكريم بن عفيف الخثعمي، وعاصم بن عوف البجلي، وورقاء بن سمي البجلي، وكدام بن حيان، وعبد الرحمن بن حسان العنزيان، ومحرز بن شهاب التميمي، وعبد اللّه بن حوبة السعدي التميمي). قال: (فهؤلاء اثنا عشر رجلاً. واتبعهم زياد برجلين وهما: عتبة بن الاخنس من سعد بن بكر، وسعد بن نمران الهمداني. فقوموا أربعة عشر رجلاً).
ونشط - اذ ذاك - المشاؤون بالنميم، وما كان أكثرهم في هذا البلد المنكوب!
ومكث حجر في سجن الكوفة عشرة أيام حتى جمعوا اليه من أصحابه من ذكرنا، ثم أمر بهم فسيقوا إلى الشام. وكان كل ما في الكوفة يدل على تمخض الوضع عن وثبة لا يدرى مدى بلائها على الحاكم والمحكوم.
ولكن زياداً فطن إلى ذلك، فأمر باخراجهم (عشية) ليتستر بالظلام، فيخفف من عرامة هذا الظلم المفضوح.
ونظر قبيصة بن ربيعة - أحد اصحاب حجر - فاذا هو يمر على داره في جبانة (عرزم) واذا بناته مشرفات يبكينه، فكلمهن ووعظهن بما سنأتي على ذكره عند ترجمته، ثم انصرف.
وانشأت ابنة حجر في احدى لياليها السود وقد قطع الخوف على أبيها نياط قلبها وهي تخاطب القمر - وقيل بل الابيات لهند بنت زيد الانصارية ترثي حجراً:

ترفّع أيها القمر المنير * * * لعلك أن ترى حجراً يسير
يسير إلى معاوية بن حرب * * * ليقتله كما زعم الامير
ويصلبه على بابي دمشق * * * وتأكل من محاسنه النسور
تجبرت الجبابر بعد حجر * * * وطاب لها الخورنق والسدير
وأصبحت البلاد له محولاً * * * كأن لم يحيها مزن مطير
ألا يا حجر حجر بني عدي * * * تلقتك السلامة والسرور
أخاف عليك ما أردى علياً * * * وشيخاً في دمشق له زئير
فان تهلك فكل عميد قوم * * * من الدنيا إلى هلك يصير

مقتله
وصاروا بهم إلى عذراء، وكانت قرية على اثني عشر ميلاً من دمشق، فحبسوا هناك، ودار البريد بين معاوية وزياد، فما زادهم التأخير الا عذاباً. وجاءهم أعور معاوية في رهط من أصحابه يحملون أمره بقتلهم ومعهم اكفانهم فقال لحجر: (انَّ امير المؤمنين أمرني بقتلك يا رأس الضلال!!.. ومعدن الكفر والطغيان!!.. والمتولي لابي تراب، وقتل أصحابك الا أن ترجعوا عن كفركم، وتلعنوا صاحبكم وتتبرأوا منه) - فقال حجر وأصحابه: (ان الصبر على حد السيف لأيسر علينا مما تدعوننا اليه ثم القدوم على اللّه وعلى نبيه وعلى وصيّه أحبّ الينا من دخول النار).
وحفرت القبور، وقام حجر وأصحابه يصلون عامة الليل، فلما كان الغد قدموهم ليقتلوهم فقال لهم حجر: (اتركوني اتوضأ وأصل فاني ما توضأت الا صليت). فتركوه فصلى ثم انصرف، وقال: (واللّه ما صليت صلاة أخفّ منها، ولولا أن تظنوا فيّ جزعاً من الموت لاستكثرت منها).
ثم قال: (اللهم انا نستعديك على أمتنا، فان اهل الكوفة شهدوا علينا، وان أهل الشام يقتلوننا، أما واللّه لئن قتلتموني بها، فاني لاول فارس من المسلمين هلك في واديها، وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها(٢٨٩)).
ثم مشى اليه هدبة بن فياض القضاعي بالسيف، فارتعد - فقالوا له: (زعمت أنك لا تجزع من الموت، فابرأ من صاحبك وندعك!!).
فقال: (مالي لا أجزع وأرى قبراً محفوراً، وكفناً منشوراً، وسيفاً مشهوراً، واني واللّه ان جزعت من القتل، لا أقول ما يسخط الرب!).
وشفع في سبعة من أصحاب حجر ذوو حزانتهم من المقربين لدى معاوية في الشام.
وعرض الباقون على السيف، وقال حجر في آخر ما قال: (لا تطلقوا عني حديداً، ولا تغسلوا عني دماً، فاني لاق معاوية غداً على الجادة واني مخاصم). وذكر معاوية كلمة حجر هذه فغصّ بها ساعة هلك - معاوية - فجعل يغرغر بالصوت ويقول: (يومي منك يا حجر يوم طويل).
فاجعته في المسلمين
حج معاوية بعد قتله حجراً وأصحابه فمر بعائشة (واستأذن عليها فأذنت له، فلما قعد قالت له: يا معاوية أأمنت ان اخبئ لك من يقتلك؟ قال: بيت الامن دخلت، قالت: يا معاوية أما خشيت اللّه في قتل حجر وأصحابه؟(٢٩٠)). وقالت: (لولا انا لم نغير شيئاً الا صارت بنا الامور إلى ما هو اشد منه لغيَّرنا قتل حجر، أما واللّه ان كان ما علمتُ لمسلماً حجاجاً معتمراً(٢٩١)).
وكتب شريح بن هاني إلى معاوية يذكر حجراً ويفتيه بحرمة دمه وماله ويقول فيه: (انه ممن يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويديم الحج والعمرة، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، حرام الدم والمال(٢٩٢)).
وكان ابن عمر - منذ أخذ حجر - يتخبر عنه فأخبر بقتله وهو بالسوق فأطلق حبوته وولى وهو يبكي(٢٩٣).
ودخل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام على معاوية وقد قتل حجراً وأصحابه، فقال له: (أين غاب عنك حلم أبي سفيان!؟) قال: (غاب عني حين غاب عني مثلك من حلماء قومي، وحملني ابن سمية فاحتملت!!) قال: (واللّه لا تعد لك العرب حلماً بعد هذا أبداً ولا رأياً، قتلت قوماً بعث بهم اليك أسارى من المسلمين..).
وقال مالك بن هبيرة السكوني حين أبى معاوية أن يهب له حجراً، وقد اجتمع اليه قومه من كندة والسكون وناس من اليمن كثير، فقال: (واللّه لنحن اغنى عن معاوية من معاوية عنا وانا لنجد في قومه(٢٩٤) منه بدلاً ولا يجد منا في الناس خلفاً..).
وقيل لابي اسحق السبيعي: (متى ذل الناس؟) فقال: (حين مات الحسن، وادُّعي زياد، وقتل حجر بن عدي(٢٩٥)).
وقال الحسن البصري: (أربع خصال كن في معاوية لو لم يكن فيه منهن الا واحدة لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الامة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها - يعني الخلافة - بغير مشورة منهم، وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلافه ابنه بعده سكيراً خميراً يلبس الحرير، ويضرب بالطنابير، وادعاؤه زياداً، وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه (وآله) وسلم: الولد للفراش وللعاهر الحجر، وقتله حجراً. ويل له من حجر وأصحاب حجر - مرتين -(٢٩٦)).
ومات الربيع بن زياد الحارثي غماً لمقتل حجر، وكان عاملاً لمعاوية على خراسان. قال ابن الاثير (ج ٣ ص ١٩٥): (وكان سبب موته أنه سخط قتل حجر بن عدي، حتى انه قال: لا تزال العرب تقتل صبراً بعده، ولو نفرت عند قتله، لم يقتل رجل منهم صبراً، ولكنها قرت فذلت، ثم مكث بعد هذا الكلام جمعة، ثم خرج يوم الجمعة فقال: أيها الناس، انى قد مللت الحياة فاني داع بدعوة فأمنوا. ثم رفع يديه بعد الصلاة فقال: اللهم ان كان لي عندك خير فاقبضني اليك عاجلاً، وأمن الناس - ثم خرج، فما توارت ثيابه حتى سقط(٢٩٧)).
وكتب الحسين عليه السلام إلى معاوية في رسالة له: (ألست القاتل حجراً أخا كندة، والمصلين العابدين، الذين كانوا ينكرون الظلم، ويستعظمون البدع، ولا يخافون في اللّه لومة لائم؟. قتلتهم ظلماً وعدواناً من بعدما كنت أعطيتهم الايمان المغلظة والمواثيق المؤكدة [يشير إلى نصوص المادة الخامسة من معاهدة الصلح] أن لا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم ولا باحنة تجدها في نفسك عليهم(٢٩٨)).
ثم جاء دور التاريخ فخصص نصر بن مزاحم المنقري كتاباً في مقتل حجر بن عدي، ولوط بن يحيى بن سعيد الازدي كتاباً(٢٩٩)، وهشام بن محمد ابن السائب كتاباً في حجر، وكتاباً آخر في مقتل رشيد وميثم وجويرية بن مشهر(٣٠٠)).
الاحاديث في حجر وأصحابه
قال ابن عساكر: (ان عائشة بعد أن انكرت على معاوية قتله حجراً وأصحابه، قالت: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وآله يقول: سيقتل بعذراء - الموضع الذي قتل فيه حجر وأصحابه - أناس يغضب الله لهم وأهل السماء).
وروى مثله بطريق آخر عنها.
وروى البيهقي في الدلائل ويعقوب بن سفيان في تاريخه: (عن عبد اللّه بن زرير الغافقي قال: سمعت علي بن أبي طالب عليه السلام يقول: يا أهل العراق، سيقتل منكم سبعة نفر بعذراء، مثلهم كمثل أصحاب الاخدود).
الشهداء من أصحاب حجر
علمنا - مما سبق - أن اصحاب حجر صفوة من رجال اللّه القليلين، وأنهم (المصلون العابدون، الذين ينكرون الظلم، ويستعظمون البدع، ولا يخافون في اللّه لومة لائم) على حد تعبير الحسين عليه السلام عنهم فيما كتبه إلى معاوية.
ورأينا - إلى ذلك - كيف يذكرهم كبراء المسلمين الآخرون كلما ذكروا حجراً.
واذا شاءت المقادير، أو شاءت الرقابات الاموية طمس أخبارهم وتناسي آثارهم، فانهم شهداء المبادئ، وقرابين الحق المغصوب، وكفاهم ذلك فضلاً ومجداً وظهوراً في التاريخ.
ولقي معاوية في حجته (المقبولة..) بعد قتل هذه الزمرة الكريمة، الحسين بن علي عليهما السلام في مكة، فقال له - مزهواً -: (هل بلغك ما صنعنا بحجر وأصحابه وأشياعه شيعة أبيك؟). قال: (وما صنعت بهم؟) قال: (قتلناهم وكفنّاهم وصلينا عليهم ودفناهم!!) فضحك الحسين عليه السلام، ثم قال: (خصمك القوم يا معاوية، لكنا لو قتلنا شيعتك، ما كفنّاهم، ولا صلينا عليهم، ولا قبرناهم(٣٠١)).
واليك الآن اسماء الشهداء الممتحنين مرتبة على الحروف وملحقة بما يتصل بكل منهم من معلومات:
أ - شريك بن شداد أو ثداد الحضرمي وسماه آخر عريك بن شداد.
ب - صيفي بن فسيل الشيباني، رأس في اصحاب حجر حديد القلب شديد العقيدة سديد القول. القي القبض عليه واحضر لزياد فقال له: (يا عدو اللّه!! ما تقول في أبي تراب؟)، قال: (ما اعرف ابا تراب)، قال: (ما أعرفك به؟)، قال: (ما أعرفه)، قال: (اما تعرف علي بن أبي طالب؟)، قال: (بلى)، قال: (فذاك ابو تراب)، قال: (كلا، ذاك أبو الحسن والحسين عليه السلام). فقال له صاحب الشرطة: (يقول لك الامير: هو أبو تراب، وتقول انت: لا؟)، قال: (وان كذب الامير أتريد ان أكذب انا واشهد على باطل كما شهد!؟) [انظر إلى خلقه وصلابته] قال له زياد: (وهذا ايضاً مع ذنبك!!، عليَّ بالعصا)، فأتي بها، فقال: (ما قولك؟)، قال: (أحسن قول أنا قائله في عبد من عباد اللّه المؤمنين)، قال: (اضربوا عاتقه بالعصا حتى يلصق بالارض)، فضرب حتى لزم الارض!! ثم قال: (أقلعوا عنه - ايه ما قولك في علي؟)، قال: (واللّه لو شرحتني بالمواسي والمدى ما قلت الا ما سمعت مني). قال: (لَتَلعننَّه، أو لاضربن عنقك!) قال: (اذاً تضربها واللّه قبل ذلك، فان أبيت الا ان تضربها، رضيتُ باللّه وشقيت أنت!).
قال: (ادفعوا في رقبته) - ثم قال -: (أوقروه حديداً، والقوه في السجن!).
ثم كان في قافلة الموت مع حجر، ومن شهداء عذراء الميامين.
ج - عبد الرحمن بن حسان العنزي. كان من أصحاب حجر وسيق معه مكبّلاً بالحديد، ولما كانوا في مرج عذراء طلب ان يبعثوا به إلى معاوية - وكأنه ظن أن معاوية خير من ابن سمية -. فلما ادخل عليه، قال له معاوية: (يا اخا ربيعة! ما تقول في علي؟) قال: (دعني ولا تسألني، فهو خير لك!)، قال: (واللّه لا ادعك)، قال: أشهد انه كان من الذاكرين اللّه كثيراً، والآمرين بالحق، والقائمين بالقسط، والعافين عن الناس). قال: (فما قولك في عثمان؟)، قال: (هو اول من فتح باب الظلم واغلق أبواب الحق)، قال: (قتلت نفسك)، قال: (بل اياك قتلت، ولا ربيعة بالوادي) - يعني ليشفعوا فيه أو يدفعوا عنه -. فردّه معاوية إلى زياد في الكوفة وأمره بقتله شرَّ قتلة!!..
وكان عبد الرحمن هذا هو القائل يوم كبسهم جلادو معاوية في مرج عذراء: (اللهم اجعلني ممن تكرم بهوانهم وأنت عني راضٍ، فطالما عرضت نفسي للقتل فأبى اللّه الا ما أراد).
وذكره حبة العرني، فيما حدث عنه في تاريخ الكوفة، (ص ٢٧٤) قال: (وكان عبد الرحمن بن حسان العنزي من أصحاب علي عليه السلام، اقام بالكوفة يحرض الناس على بني أمية، فقبض عليه زياد، وأرسله إلى الشام، فدعاه معاوية إلى البراءة من علي عليه السلام، فأغلظ عبد الرحمن بالجواب، فردّه معاوية إلى زياد فقتله).
وقال ابن الاثير (ج ٣ ص ١٩٢) والطبري (ج ٦ ص ١٥٥) أنه دفنه حياً بقس الناطف(٣٠٢).
أقول: ولو أدرك معاوية قتلات زياد لشيعة علي في الكوفة، وقطعه الايدي والارجل والالسنة، وسمله العيون، لما زاده وصاة بابن حسان العنزي حين أمره بان يقتله شر قتلة، وهل قتلة شرّ من هذه الفتلات والمثلات؟ ولكن زياداً نزل على وصية معاوية فابتدع قتلة الدفن حياً!!.(٣٠٣).
وما أدراك ما سيلقى معاوية على هذه الوصاة، وما سيجازى زياد على هذه القتلات يوم يردون جميعاً إلى اللّه مولاهم الحق؟؟.
د - قبيصة بن ربيعة العبسي. وسماه بعضهم ابن ضبيعة - بدل ربيعة - وهو الشجاع المقدام الذي صمم على المقاومة بسلاحه وبقومه، لولا أن صاحب الشرطة آمنه على دمه وماله، فوضع يده في أيديهم، ايماناً ببراءة (الامان) الذي كان لا يزال متبعاً لدى العرب فضلاً عن أهل الاسلام، ولولا أن الخلائق الاسلامية والعربية معاً، كانت قد تبخرت عند القوم، أو انهم كانوا قد فهموها على أنها وسائل للغلبة والبطش فحسب!.
وأُحضر ابن ضبيعة العبسي لزياد فقال له: (اما واللّه لاجعلن لك شاغلاً عن تلقيح الفتن والتوثب على الامراء!!) [انظر إلى المنفذ الضيق الذي ينظر منه الاقوياء]، قال: (اني لم آتك الا على الامان)، قال: (انطلقوا به إلى السجن).
ثم كان بعد ذلك في الركب المثقل بالحديد الذي يسار به إلى القتل صبراً. وفي الحديث: (من آمن رجلاً على دمه فقتله فأنا بريء من القاتل وان كان المقتول كافراً(٣٠٤)).
ومروا به - ولما يخرجوا بالقافلة من الكوفة - على داره فاذا بناته مشرئبات اليه يبكينه، فقال للحرسيين وائل وكثير: (ائذنا لي فاوصي إلى أهلي)، فلما دنا منهن وهن يبكين سكت عنهن - ساعة -، ثم قال لهن: (اسكتن)، فسكتن، فقال: (اتقين اللّه عزّ وجل واصبرن فاني ارجو من ربي في وجهي هذا احدى الحسنيين: اما الشهادة وهي السعادة، واما الانصراف اليكن في عافية. وان الذي يرزقكن مؤونتكن هو اللّه تعالى، وهو حي لا يموت [انظر إلى النفس الملائكية في اهاب البشر الانساني] أرجو ان لا يضيعكنَّ، وأن يحفظني فيكن). ثم انصرف.
وباتت الاسرة اليائسة الولهى (كما يشاء معاوية) تخلط البكاء بالبكاء، وتصل الدعاء بالدعاء، وكم لبنات قبيصة يومئذ من أمثال.
قال الطبري: (ووقع قبيصة من ضبيعة في يدي أبي شريف البدّي فقال له قبيصة: ان الشر بين قومي وبين قومك آمن فليقتلني سواك، فقال: برّتك رحم! ثم قتله القضاعي!).
أقول: وأيّ نفس قوية هذه التي تنتبه في مثل هذه اللحظة إلى الحؤول دون الشرّ بين القومين والاحتياط على الاصلاح.
ه - كدام بن حيان العنزي.
و - محرز بن شهاب بن بجير بن سفيان بن خالد بن منقر التميمي(٣٠٥)
وكان من رؤساء الناس، ومن نقاوة الشيعة المعروفين بتشيعهم، وكان محرز هذا على ميسرة جيش معقل بن قيس في حربه للخوارج سنة ٤٣، وكان جيش معقل في هذه الحرب ثلاثة آلاف هم نقاوة الشيعة وفرسانهم على حد تعبير الطبري فيما وصفهم به (ج ٦ ص ١٠٨).
٢ - عمرو بن الحمق الخزاعي:
هو ابن الكاهن بن حبيب بن عمرو بن القين بن ذراح بن عمرو بن سعد بن كعب بن عمرو بن ربيعة الخزاعي.
أسلم قبل الفتح، وهاجر إلى المدينة، فكان الصحابيّ البر الذي حظي بدعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن يمتعه اللّه بشبابه، فمرت عليه ثمانون سنة ولم ير له شعرة بيضاء على صباحة في وجهه كانت تزيده بهاء. وصحب بعده امير المؤمنين علياً عليه السلام، فكان الحواري المخلص الذي يقول له بحق: (ليت في جندي مائة مثلك). وشهد معه الجمل وصفين والنهروان.
ودعا له امير المؤمنين بقوله: (اللهم نور قلبه بالتقى، واهده إلى صراطك المستقيم). وقال له: (يا عمرو انك لمقتول بعدي، وان رأسك لمنقول، وهو أول رأس ينقل في الاسلام. والويل لقاتلك(٣٠٦)).
قال ابن الاثير (ج ٣ ص ١٨٣): (ولما قدم زياد الكوفة قال له عمارة بن عقبة بن ابي معيط: ان عمرو بن الحمق يجمع اليه شيعة أبي تراب، فأرسل اليه زياد: ما هذه الجماعات عندك؟ من أردت كلامه ففي المسجد(٣٠٧)).
(ثم لم يزل عمرو [فيما يروي الطبري] خائفاً مترقباً حتى كانت حادثة حجر بن عدي الكندي فأبلى فيها بلاء حسناً وضربه رجل من الحمراء - شرطة زياد - يدعى بكر بن عبيد بعمود على رأسه فوقع وحمله الشيعة فخبأوه في دار رجل من الازد، ثم خرج فاراً وصحبه الزعيم الآخر [رفاعة بن شداد] فيمما المدائن ثم ارتحلا حتى أتيا ارض الموصل فكمنا في جبل هناك، واستنكر عامل ذلك الرستاق شأنهما فسار اليهما بالخيل، فأما عمرو فلم يصل الموصل الا مريضاً بالاستسقاء، ولم يكن عنده امتناع. واما رفاعة بن شداد - وكان شاباً قوياً - فوثب على فرس له جواد، وقال لعمرو: أقاتل عنك، قال: وما ينفعني ان تقاتل، انج بنفسك ان استطعت. فحمل عليهم فأفرجوا له، فخرج تنفر به فرسه، وخرجت الخيل في طلبه - وكان رامياً - فأخذ لا يلحقه فارس الا رماه فجرحه او عقره فانصرفوا عنه. وسألوا عمراً: من انت؟ فقال: من ان تركتموه كان أسلم لكم، وان قتلتموه كان أضرّ لكم!. فسألوه فأبى ان يخبرهم، فبعث به ابن أبي بلتعة، عامل الرستاق، إلى عامل الموصل، وهو (عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عثمان الثقفي)، فلما رأى عمرو بن الحمق عرفه، وكتب إلى معاوية بخبره، فأمره معاوية بأن يطعنه تسع طعنات كما كان فعل بعثمان فطعن ومات بالاولى منهن أو الثانية).
وخالف ابن كثير رواية الطبري هذه، فقال: (ان اصحاب معاوية عثروا عليه في الغار ميتاً، فحزّوا رأسه، وبعثوا به إلى معاوية، وهو اول رأس طيف به في الاسلام. ثم بعث معاوية برأسه إلى زوجته (آمنة بنت الشريد) وكانت في سجن معاوية [انظر إلى أفظع الوان الارهاب] فألقي في حجرها، فوضعت كفها على جبينه، ولثمت فمه، وقالت: غيبتموه عني طويلاً، ثم أهديتموه اليّ قتيلاً، فأهلاً به من هدية غير قالية ولا مقلية.
(ثم كان فيما كتب به الحسين عليه السلام إلى معاوية: الست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم - العبد الصالح الذي أبلته العبادة - فأنحلت جسمه، وصفرت لونه، بعدما أمنته واعطيته من عهود اللّه ومواثيقه ما لو أعطيته طائراً لنزل اليك من رأس الجبل، ثم قتلته جرأة على ربك واستخفافاً بذلك العهد).
اقول: هو يشير بذلك (العهد) إلى نصوص المادة الخامسة في معاهدة الصلح.
وقال في سفينة البحار: (وقبره بظاهر الموصل، ابتدأ بعمارته أبو عبد اللّه سعيد بن حمدان، ابن عم سيف الدولة، في شعبان من سنة ٣٣٦).
وجاء في أصول التاريخ والادب (ج ٩ ص ٢):
(قال أبو الحسن علي بن أبي بكر الهروي في كتاب الزيارات: وظاهر الموصل على الشرف الاعلى مشهد عمرو بن الحمق، دفنت جثته، ورأسه حمل إلى دمشق، وقيل هو أول رأس حمل في الاسلام، وفي المشهد بعض الاشراف من ولد الحسين عليه السلام).
٣ - عبد اللّه بن يحيى الحضرمي واصحابه
عن محمد بن بحر الشيباني في كتابه (الفروق بين الاباطيل والحقوق) فيما أسنده إلى القاسم بن مجيمة: (ما وفي معاوية للحسن بن علي بشيء عاهده عليه، واني قرأت كتاب الحسن إلى معاوية يعدد عليه ذنوبه اليه والى شيعة علي عليه السلام فبدأ بذكر عبد اللّه بن يحيى الحضرمي ومن قتلهم معه(٣٠٨)).
أقول: ولا نعرف الآن من أحوال الحضرمي وحادثة قتله وعدة اصحابه المستشهدين شيئاً، ولكنا نعرف أن هذا الرجل كان من رجال أمير المؤمنين وأنه الذي قال له يوم الجمل: (ابشر يا ابن يحيى أنت وأبوك).
وعلمنا فيما علل به بعضهم تقديم الحسن عليه السلام ذكر الحضرمي على غيره ممن قتلهم معاوية من الشيعة، أن الحضرمي هذا كان أبعدهم عن الدنيا وأقربهم إلى حياة الرهبنة التي لا توهم أي خطر على سياسة الملك. قالوا: (وعلم معاوية ما كان عليه ابن يحيى وأصحابه من الحزن لوفاة علي أمير المؤمنين، وحبهم اياه، وافاضتهم في ذكره وفضله، فجاء بهم وضرب أعناقهم صبراً. ومن أنزل راهباً من صومعته فقتله بلا جناية منه إلى قاتله أعجب ممن يخرج قساً من دير فيقتله، لأن صاحب الدير أقرب إلى بسط اليد لتناول ما معه من صاحب الصومعة الذي هو بين السماء والارض، فتقديم الحسن - فيما عدده على معاوية من الذنوب - العباد على العباد، والزهاد على الزهاد، ومصابيح البلاد على مصابيح البلاد، لا يتعجب منه، بل يتعجب لو قدم في الذكر مقصراً على مخبت ومقتصداً على مجتهد(٣٠٩)).
وفاجعة (عبد اللّه بن يحيى) أشبه بفاجعة حجر بن عدي، وكلاهما قتلا صبراً، وكلاهما قتل معهما أصحاب، وكلاهما أخذا بغير ذنب الا الذنب الذي هو عنوان فضيلتهما.
٤ - رشيد الهجري(٣١٠)
تلميذ علي عليه السلام، وصاحبه المنقطع اليه، والعالم المعترف له بعلم البلايا والمنايا، يروي عنه ناس كثيرون، ولكنهم جميعاً سكتوا عن اسمه خوف السلطان الاموي، فلم ترو عنه علناً الا ابنته الوحيدة التي كانت قد حضرت مقتله، وهي التي جمعت أطرافه - يديه ورجليه - وقد قطعها ابن سمية!.
قالت تسأله حين قطعت أطرافه: (يا أبت هل تجد ألماً لما أصابك؟ فقال: (لا يا بنيتي الا كالزحام بين الناس!).
أتي به إلى زياد فقال له: (ما قال لك خليلك - يعني علياً عليه السلام - انا فاعلون بك؟)، قال: (تقطعون يدي ورجلي وتصلبونني)، فقال زياد: (أما واللّه لأكذبن حديثه، خلوا سبيله). فلما أراد أن يخرج، قال: (ردوه، لا نجد لك شيئاً أصلح مما قال صاحبك، انك لن تزال تبغي لنا سوءاً ان بقيت، اقطعوا يديه ورجليه)، فقطعوها وهو يتكلم!، فقال: (اصلبوه خنقاً في عنقه)، فقال رُشَيد: (قد بقي لي عندكم شيء ما أراكم فعلتموه)، فقال زياد: (اقطعوا لسانه)، فلما أخرجوا لسانه قال: (نفّسوا عني حتى أتكلم كلمة واحدة)، فنفسوا عنه فقال: (هذا واللّه تصديق خبر أمير المؤمنين، أخبرني بقطع لساني).
وأخرج من القصر مقطعاً، فاجتمع الناس حوله، ومات من ليلته رضوان اللّه عليه.
قالت ابنته: (قلت لأبي: ما أشد اجتهادك!)، قال: (يا بنية يأتي قوم بعدنا بصائرهم في دينهم أفضل من اجتهادنا).
وقال لها: (يا بنيتي أميتي الحديث بالكتمان، واجعلي القلب مسكن الامانة(٣١١)).
٥ - جويرية بن مسهر العبدي
قال ابن أبي الحديد: (ونظر اليه علي عليه السلام يوماً فناداه: يا جويرية الحق بي فاني اذا رأيتك هويتك، ثم حدثه بأمور سراً، وفي آخر ما حدثه قال: يا جويرية أَحبَّ حبيبنا ما أحبنا فاذا أبغضنا فابغضه، وابغض بغيضنا ما أبغضنا فاذا أحبنا فأحبَّه. وكان من اختصاصه بعلي عليه السلام ما روى انه دخل يوماً عليه وهو عليه السلام مضطجع، وعنده قوم من أصحابه، فناداه جويرية: أيها النائم استيقظ فلتضربن على رأسك ضربة تخضب منها لحيتك. قال: فتبسم أمير المؤمنين عليه السلام، ثم قال: وأحدثك يا جويرية بأمرك، أما والذي نفسي بيده لتعتلنَّ(٣١٢) إلى العُتُلّ الزنيم، فليقطعن يدك ورجلك وليصلبنك تحت جذع كافر! قال: فواللّه ما مضت الايام على ذلك حتى أخذ زياد جويرية فقطع يده ورجله، وصلبه إلى جانب جذع ابن معكبر، وكان جذعاً طويلاً، فصلبه على جذع قصير إلى جانبه).
أقول: وروى هذا الحديث أيضاً حبة العرني رحمه الله. وزاد قوله: (وكان زياد ابن أبيه ممن نصب العداوة لامير المؤمنين عليه السلام وكان يتتبع أصحاب علي وهو بهم أبصر فيقتلهم تحت كل حجر ومدر).
٦ - أوفى بن حصن:
أحد فرائس الظلم الاموي. طلبه زياد فأبى مواجهته، واستعرض زياد الناس فمر به فقال: (من هذا؟) فقيل له: (أوفى بن حصن)، فقال زياد: (أتتك بخائن رجلاه)، وقال له: (ما رأيك في عثمان؟) قال: (ختن رسول اللّه صلى الله عليه وآله على ابنتيه) قال: (فما تقول في معاوية؟) قال: (جواد حليم).
وكان أوفى لبقاً في لغته وأسلوبه فلم يجد عليه زياد ملزماً.
وعاد عليه فقال له: (فما تقول فيّ؟) قال: (بلغني أنك قلت بالبصرة: واللّه لآخذن البريء بالسقيم والمقبل بالمدبر)، قال: (قد قلت ذاك(٣١٣)) قال: (خبطتها خبط عشواء!).
أقول: وكان من لباقة هذا الرجل الحصيف أنه تدرج في أجوبته لزياد - كما ترى - إلى طريقة حكيمة من الوعظ حاول بها تنبيهه إلى أخطائه. ولا تنس أنه كان يقف من عدوه ساعتئذ بين النطع والسيف، ومن ذمته بين الحق والباطل. وهذا هو ما يزيدنا اعجاباً بهؤلاء الابطال من تلامذة علي عليه السلام، ولكن شيئاً من وعظه لم يجده نفعاً سوى أن يقول زياد فيه: (ليس النفاخ بشر الزمرة) ثم أمر به فقتل(٣١٤)).
ولا ادري، ولا أظن زياداً نفسه يدري، بأي جريرة أخذ ابن حصن فأشاط بدمه و(كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله) - كما في الحديث -؟.
والرجل في أجوبته كلها كما رأيت لم يفضح سراً، ولم يهتك أمراً. ولكن الذي ناقض الكتاب صريحاً فأخذ البريء بالسقيم والمقبل بالمدبر خلافاً لقوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) لحري بأن لا يفهم لغة الحديث ولا لغة الكتاب.
واعتصم بغلوائه فاذا الناس من حوله في أشد محن الدنيا: جماعات تساق إلى السجون، وزرافات تطارد أينما تكون، ومئات تعرض عليه كل يوم لتسمل عيونهم، أو لتقطع أطرافهم، أو ليؤمر بهم فتحطم ضلوعهم(٣١٥). وبين الكوفة والشام فرائس أخرى ترزح بالاصفاد. وما في الكوفة الا الارهاب المميت، وما في الشام لهؤلاء الا الموت المرهوب.
وخشعت الكوفة التي كانت تفور - في أمسها القريب - بالمؤامرات والمعارضات خشوع الجناح الكسير، بما وسعها من مظالم الحكام الامويين. وكان المتآمرون بالامس هم المتآمرين بالجور اليوم، وكانوا هم الحاكمين بأمرههم فيما يسنون أو فيما ينفذون، فما بالها لا ترتجف فرقاً؟ وما بال أهلها لا يلوذون بالفرار هرباً؟..
وخفي على معاوية وعلى ابن أبيه ورجال مدرسته أن الامعان بالعنف من أكبر الاسباب التي تغذي المثل الاعلى الذي يحاربه الحاكم العنيف، وان العنف لن يستطيع ان يقتل الفكرة التي كتب لها الخلود، ولكنها ستظل نواة الشجرة التي ستبسق مع التاريخ.
وهذا حييت مئات الملايين - بعد ذلك - وهي تشارك الكوفة في فكرتها، وتحمل لمعاوية ورجاله وترها الذي لا تخلقه الايام.
التعذيب بغير القتل:
وكان للغارة الاموية ألوان أخرى غير القتل والتشريد وهدم البيوت ومصادرة الاموال وكم الافواه.
فقال ابن الاثير عند ذكره لفاجعة (أوفى بن حصن): (وكأن أول قتيل قتله زياد، بعد حادثة الثلاثين أو الثمانين الذين قطع أيديهم!!).
واستبطن معاوية دخائل البصرة والكوفة فلم يدع في هذين المصرين رئيس قوم، ولا صاحب سيف، ولا خطيباً مرهوباً، ولا شاعراً موهوباً من الشيعة، الا أزعجه عن مقره، فسجنه، أو غله، أو شرّده، أو أهدر دمه!.
واليك فيما يلي أمثلة قليلة من هذه النكبات التي قارفها أبو يزيد في الشخصيات البارزة من رؤساء الشيعة يومئذ.
ب - زعماء الشيعة المرعون
١ - عبد اللّه بن هاشم المرقال:
كان كبير قريش في البصرة، ورأس الشيعة فيها.
وكان أبوه هاشم - المرقال - بن عتبة بن أبي وقاص، القائد الجريء المقدام الذي لقي منه معاوية في صفين الرعب المميت، وهو يومئذ على ميسرة علي عليه السلام.
كتب معاوية إلى عامله زياد: (اما بعد، فانظر عبد اللّه بن هاشم بن عتبة، فشدَّ يده على عنقه، ثم ابعث به اليّ).
فطرقه زياد في منزله ليلاً، وحمله مقيداً مغلولاً إلى دمشق. فأدخل على معاوية، وعنده عمرو بن العاص، فقال معاوية لعمرو: (هل تعرف هذا؟) قال: (هذا الذي يقول أبوه يوم صفين...) وقرأ رجزه وكان يحفظه ثم قال متمثلاً:

(وقد ينبت المرعى على دمن الثرى * * * وتبقى حزازات النفوس كما هيا)

واستمر قائلاً: (دونك يا أمير المؤمنين الضب المضب، فاشخب أوداجه على أثباجه، ولا ترده إلى العراق، فانه لا يصبر على النفاق، وهم أهل غدر وشقاق وحزب ابليس ليوم هيجانه، وانه له هوى سيوديه، ورأياً سيطغيه، وبطانة ستقويه، وجزاء سيئة مثلها).
وكان مثل هذا المحضر ومثل هذا التحامل على العراق وأهله هو شنشنة عمرو بن العاص المعروفة عنه، ولا نعرف أحداً وصف أهل العراق هذا الوصف العدو قبله.
أمّا ابن المرقال فلم يكن الرعديد الذي يغلق التهويل عليه قريحته، وهو الشبل الذي تنميه الاسود الضراغم - فقال، وتوجه بكلامه إلى ابن العاص: (يا عمرو! ان اقتل، فرجل أسلمه قومه، وادركه يومه. أفلا كان هذا منك اذ تحيد عن القتال، ونحن ندعوك إلى النزال، وانت تلوذ بشمال النطاف(٣١٦)، وعقائق الرصاف(٣١٧)، كالأمة السوداء، والنعجة القوداء، لا تدفع يد لامس؟).
فقال عمرو: (أما واللّه لقد وقعت في لهاذم شدقم(٣١٨) للأقران ذي لبد، ولا أحسبك منفلتاً من مخالب أمير المؤمنين).
فقال عبد اللّه: (أما واللّه يا ابن العاص انك لبطر في الرخاء، جبان عند اللقاء، غشوم اذا وليت، هياب اذا لقيت، تهدر كما يهدر العود المنكوس المقيد بين مجرى الشوك، لا يستعجل في المدة، ولا يرتجى في الشدة. أفلا كان هذا منك، اذ غمرك أقوام لم يعنفوا صغاراً، ولم يمرقوا كباراً، لهم أيد شداد، والسنة حداد، يدعمون العوج، ويذهبون الحرج، يكثرون القليل، ويشفون الغليل، ويعزون الذليل)؟.
فقال عمرو: (أما واللّه لقد رأيت أباك يومئذ تخقق(٣١٩) أحشاؤه، وتبق أمعاؤه، وتضطرب اصلاؤه(٣٢٠) كما انطبق عليه ضمد).
فقال عبد اللّه: (يا عمرو! انا قد بلوناك ومقالتك فوجدنا لسانك كذوباً غادراً، خلوت بأقوام لا يعرفونك، وجند لا يساومونك، ولو رمت المنطق في غير أهل الشام لجحظ(٣٢١) عليك عقلك، ولتلجلج لسانك، ولاضطرب فخذاك اضطراب القعود الذي اثقله حمله).
فقال معاوية: (ايها عنكما). وأمر باطلاق عبد اللّه لنسيبه. فلم يزل عمرو بن العاص يلومه على اطلاقه ويقول:

(أمرتك أمراً عازماً فعصيتني * * * وكان من التوفيق قتل ابن هاشم
أليس أبوه يا معاوية الذي * * * أعان علياً يوم حز الغلاصم؟
فلم ينثن حتى جرت من دمائنا * * * بصفين أمثال البحور الخضارم
وهذا ابنه والمرء يشبه شيخه * * * ويوشك ان تقرع به سن نادم)

٢ - عدي بن حاتم الطائي
صحابي كريم، كان رسول اللّه صلى الله عليه وآله يكرمه اذا دخل عليه، وزعيم عظيم، وخطيب مدره، وشجاع مرهوب. أسلم سنة تسع وحسن اسلامه. قال: (فلما قدمت المدينة استشرفني الناس فقالوا: عدي بن حاتم! وقال لي رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: يا عدي أسلم تسلم، قلت: ان لي ديناً، قال: أنا أعلم بدينك منك.. قد أظن أنه انما يمنعك غضاضة تراها ممن حولي، وأنك ترى الناس علينا الباً واحداً. قال: هل اتيت الحيرة؟ قلت: لم آتها وقد علمت مكانها. قال: يوشك ان تخرج الظعينة منها بغير جوار حتى تطوف بالبيت، ولتفتحن علينا كنوز كسرى بن هرمز. فقلت: كسرى بن هرمز؟ قال: نعم وليفيضن المال حتى يهم الرجل من يقبل صدقته). قال عدي: (فرأيت اثنتين: الظعينة، وكنت في أول خيل غارت على كنوز كسرى، وأحلف باللّه لتجيئن الثالثة(٣٢٢)). وقال: (أتيت عمر في أناس من قومي فجعل يفرض للرجل ويعرض عني، فاستقبلته فقلت: أتعرفني؟. قال: نعم آمنت اذ كفروا، وعرفت اذ نكروا، ووفيت اذ غدروا، وأقبلت اذ أدبروا. ان أول صدقة بيضت وجوه أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وآله صدقة طيئ(٣٢٣)). وقال: (ما اقيمت الصلاة منذ أسلمت الا وأنا على وضوء(٣٢٤)).
ونازعه الراية يوم صفين عائذ بن قيس الحزمري الطائي، وكانت بنو حزمر أكثر من (عدي)(٣٢٥) رهط حاتم، فوثب عليهم (عبد اللّه بن خليفة الطائي) البولاني عند علي عليه السلام فقال: (يا بني حزمر أعلى عدي تتوثبون؟ وهل فيكم مثل عدي؟. أو في آبائكم مثل أبي عدي؟ أليس بحامي القربة؟. ومانع الماء يوم (رويّة)؟ أليس بابن ذي المرباع وابن جواد العرب؟. أليس بابن المنهب ماله ومانع جاره؟ أليس من لم يغدر، ولم يفجر، ولم يجهل، ولم يبخل، ولم يمنن ولم يجبن؟. هاتوا في آبائكم مثل أبيه!، أو هاتوا فيكم مثله!. أَوَليس أفضلكم في الاسلام؟. أَوَليس وافدكم إلى رسول اللّه صلى الله عليه وآله؟. أليس برأسكم - يوم النخيلة - ويوم القادسية - ويوم المدائن - ويوم جلولاء الوقيعة - ويوم نهاوند - ويوم تستر؟. فما لكم وله!. واللّه ما من قومكم أحد يطلب مثل الذي تطلبون).
فقال له علي عليه السلام: (حسبك يا ابن خليفة. هلم أيها القوم اليّ، وعلي بجماعة طي). فأتوه جميعاً. فقال علي عليه السلام: (من كان رأسكم في هذه المواطن؟)، قالت له طيئ: (عدي). فقال له ابن خليفة: (فسلهم يا أمير المؤمنين: أليسوا راضين مسلمين لعدي الرياسة)، ففعل. فقالوا: (نعم). فقال لهم: (عديّ أحقكم بالراية. فسلموها له(٣٢٦)).
وبعث اليه زياد سنة (٥١) وكان في مسجده الذي يعرف (بمسجد عدي) في الكوفة فأخرجه منه، وحبسه. فلم يبق رجل من أهل المصر من اليمن وربيعة ومضر الا فزع لعدي بن حاتم. فأتوا زياداً وكلموه فيه، وقالوا: (تفعل هذا بعدي بن حاتم صاحب رسول اللّه صلى الله عليه وآله؟).
وطلب زياد من عدي أن يجيئه بعبد اللّه بن خليفة الطائي، وكان من أصحاب حجر بن عدي أشدائهم على شرطة زياد (الحمراء)، فأبى ثم رضي زياد من عدي أن يغيب ابن خليفة عن الكوفة(٣٢٧).
ودخل عدي بن حاتم على معاوية، وان معاوية ليهابه ويعرف سداده الحصيف في مزالق الفتن، وتمرسه البصير في الشدائد، وبصيرته النافذة وتجاربه الكثيرة الماضية، فجرى في حديثه معه عند (موهبته الخاصة) التي كان يفزع اليها في منازلة العظماء من أعدائه، فقال: (يا عدي أين الطرفات؟ - يعني بنيه طريفاً وطارفاً وطرفة -) قال: (قتلوا يوم صفين بين يدي علي بن أبي طالب). فقال: (ما أنصفك ابن أبي طالب، اذ قدم بنيك واخر بنيه). قال، (بل ما أنصفت أنا علياً، اذ قتل وبقيت بعده). فقال معاوية: (أما انه قد بقي قطرة من دم عثمان ما يمحوها الا دم شريف من أشراف اليمن!). فقال عدي: (واللّه ان قلوبنا التي ابغضناك بها لفي صدورنا، وان أسيافنا التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا، ولئن أدنيت لنا من الغدر فترا لندنين اليك من الشر شبراً! وان حز الحلقوم، وحشرجة الحيزوم، لاهون علينا من أن نسمع المساءة في علي فسلم السيف يا معاوية لباعث السيف).
فقال معاوية: (هذه كلمات حكم فاكتبوها) - هزيمة منكرة من معاوية - وأقبل على عدي يحادثه كأنه ما خاطبه بشيء(٣٢٨).

(ولا خير في حلم اذا لم يكن له * * * بوادر تحمي صفوه ان يكدرا)

ثم قال له: (صف لي علياً). فقال: (ان رأيت ان تعفيني). قال: (لا أعفيك). قال:
(كان واللّه بعيد المدى، شديد القوى، يقول عدلاً، ويحكم فصلاً، تتفجر الحكمة من جوانبه، والعلم من نواحيه. يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته. وكان واللّه غزير الدمعة، طويل الفكرة، يحاسب نفسه اذا خلا، ويقلب كفيه على ما مضى. يعجبه من اللباس القصير، ومن المعاش الخشن. وكان فينا كأحدنا يجيبنا اذا سألناه، ويدنينا اذا أتيناه. ونحن مع تقريبه لنا وقربه منا لا نكلمه لهيبته، ولا نرفع أعيننا اليه لعظمته. فان تبسم فعن اللؤلؤ المنظوم. يعظم أهل الدين، ويتحبب إلى المساكين. لا يخاف القوي ظلمه، ولا ييأس الضعيف من عدله. فأقسم لقد رأيته ليلة وقد مثل في محرابه، وأرخى الليل سرباله، وغارت نجومه، ودموعه تتحادر على لحيته، وهو يتململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، فكأني الآن أسمعه وهو يقول:
(يا دنيا! اليّ تعرضت أم الي أقبلت؟، غري غيري، لاحان حينك، قد طلقتك ثلاثاً، لا رجعة لي فيك، فعيشك حقير، وخطرك يسير. آهٍ من قلة الزاد وبعد السفر وقلة الانيس).
فوكفت عينا معاوية، وجعل ينشفهما بكمه. ثم قال: (يرحم اللّه أبا الحسن، كان كذلك. فكيف صبرك عنه؟) قال: (كصبر من ذبح ولدها في حجرها، فهي لا ترقأ دمعتها، ولا تسكن عبرتها). قال: (فكيف ذكرك له؟) قال: (وهل يتركني الدهر أن انساه؟(٣٢٩)).
اقول: وتوفي عدي بن حاتم في عهد المختار بن أبي عبيد سنة (٦٨)(٣٣٠) وهو ابن مائة وعشرين سنة فماتت معه نفس كريمة لا تخلق الا في ملك، ورأي حصيف لا يختمر الا في حكيم، وايمان صادق لا يعهد الا في وليّ.
٣ - صعصعة بن صوحان
سيد من سادات العرب، وعظيم من اقطاب الفضل والحسب. أسلم على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وآله، ولكنه لم يلقه لصغره، وأشكلت على عمر أيام خلافته قضية فخطب الناس وسألهم عما يقولون - فقام صعصعة، وهو غلام شاب، فأماط الحجاب، وأوضح منهاج الصواب -، وعملوا برأيه -، وكان من أصحاب الخطط في الكوفة، وشهد مع أمير المؤمنين (الجمل) و(صفين). قال في الاصابة(٣٣١) (ان المغيرة نفى صعصعة بأمر معاوية من الكوفة إلى الجزيرة او إلى البحرين، وقيل إلى جزيرة ابن كافان فمات بها).
و(حبس(٣٣٢) معاوية صعصعة بن صوحان العبدي وعبد اللّه بن الكواء اليشكري ورجالاً من أصحاب علي مع رجال من قريش، فدخل عليهم معاوية يوماً فقال: نشدتكم باللّه الا ما قلتم حقاً وصدقاً، أيّ الخلفاء رأيتموني؟ فقال ابن الكواء: لولا انك عزمت علينا ما قلنا، لانك جبار عنيد، لا تراقب اللّه في قتل الاخيار، ولكنا نقول: انك ما علمنا واسع الدنيا ضيق الآخرة، قريب الثرى بعيد المرعى، تجعل الظلمات نوراً والنور ظلمات، فقال معاوية: ان اللّه أكرم هذا الامر بأهل الشام الذابين عن بيضته، التاركين لمحارمه، ولم يكونوا كأمثال اهل العراق المنتهكين لمحارم اللّه، والمحلين ما حرم اللّه، والمحرمين ما احل الله. فقال عبد الله ابن الكواء: يا ابن ابي سفيان ان لكل كلام جواباً، ونحن نخاف جبروتك، فان كنت تطلق السنتنا ذببنا عن أهل العراق بألسنة حداد لا يأخذها في اللّه لومة لائم، والا فانا صابرون حتى يحكم اللّه ويضعنا على فرحه. قال: واللّه لا يطلق لك لسان - ثم تكلم صعصعة فقال: تكلمت يا ابن ابي سفيان فأبلغت ولم تقصر عما أردت، وليس الامر على ما ذكرت، أنى يكون الخليفة من ملك الناس قهراً، ودانهم كبراً، واستولى بأسباب الباطل كذباً ومكراً، أما واللّه مالك في يوم بدر مضرب ولا مرمى، وما كنت فيه الا كما قال القائل: لا حلى ولا سيرى، ولقد كنت أنت وابوك في العير والنفير ممن أجلب على رسول اللّه صلى اللّه عليه (وآله) وسلم. وانما أنت طليق ابن طليق، أطلقكما رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم. فأنى تصلح الخلافة لطليق؟. فقال معاوية: لولا أني ارجع إلى قول أبي طالب حيث يقول:

قابلت جهلهم حلماً ومغفرة * * * والعفو عن قدرة ضرب من الكرم

لقتلتكم، وسأله معاوية: من البررة ومن الفسقة؟ فقال: يا ابن ابي سفيان ترك الخداع من كشف القناع، علي وأصحابه من الائمة الابرار، وأنت وأصحابك من اولئك. وسأله عن أهل الشام فقال: اطوع الناس لمخلوق، وأعصاهم للخالق، عصاة الجبار، وخلفة الاشرار، فعليهم الدمار، ولهم سوء الدار. فقال معاوية: واللّه يا ابن صوحان انك لحامل مديتك منذ أزمان، الا أن حلم ابن ابي سفيان يرد عنك. فقال صعصعة: بل أمر اللّه وقدرته، ان امر اللّه كان قدراً مقدوراً).
قال المسعودي: (ولصعصعة بن صوحان أخبار حسان وكلام في نهاية البلاغة والفصاحة والايضاح عن المعاني على ايجاز واختصار).
وكان صعصعة شخصية بارزة في أصحاب امير المؤمنين. ووصفه أمير المؤمنين بالخطيب الشحشح، ثم وصفه الجاحظ بأنه من أفصح الناس.
وقال له معاوية يوم دخل الكوفة بعد الصلح: (أما واللّه اني كنت لابغض ان تدخل في أماني). قال: (وأنا واللّه أبغض أن اسميك بهذا الاسم). ثم سلّم عليه بالخلافة فقال معاوية: (ان كنت صادقاً فاصعد المنبر والعن علياً). فصعد المنبر وحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال: (أيها الناس أتيتكم من عند رجل قدم شره، وأخر خيره. وانه أمرني ان العن علياً فالعنوه لعنه اللّه). فضج أهل المسجد بآمين. فلما رجع اليه فأخبره بما قال. قال: (لا واللّه ما عنيت غيري، ارجع حتى تسميه باسمه). فرجع وصعد المنبر ثم قال: (ايها الناس ان امير المؤمنين أمرني أن العن علي بن أبي طالب فالعنوه). فضجوا بآمين. فلما أخبر معاوية قال: (واللّه ما عني غيري، أخرجوه لا يساكنني في بلد). فأخرجوه(٣٣٣).
وقال ابن عبد ربه: (دخل صعصعة بن صوحان على معاوية ومعه عمرو بن العاص جالس على سريره فقال: وسّع له على ترابية(٣٣٤) فيه. فقال صعصعة: اني واللّه لترابي، منه خلقت واليه أعود ومنه ابعث، وانك مارج من مارج من نار).
وقدم وفد العراقيين على معاوية، فقدم في وفد الكوفة عدي بن حاتم، وفي وفد البصرة الاحنف بن قيس وصعصعة بن صوحان. فقال عمرو بن العاص لمعاوية: (هؤلاء رجال الدنيا، وهم شيعة علي الذين قاتلوا معه يوم الجمل ويوم صفين فكن منهم على حذر).
وفي أحاديث سيد عبد القيس صعصعة بن صوحان سعة لا يلم بها ما نقصده من الايجاز. وانما أردنا ان نعطي بهذا صفحة من تاريخه مع معاوية وموقف معاوية منه.
٤ - عبد اللّه بن خليفة الطائي
مسعار حرب. كان من مواقفه في العذيب، وجلولاء الوقيعة، ونهاوند، وتستر، وصفين ما شهد له بالبطولة النادرة، وهو الخطيب الذي رد الطائيين يوم صفين عن مزاحمة (عدي بن حاتم) على الراية - كما مر عليك في الحديث عن عدي -.
وصحب حجر بن عدي الكندي في موقفه القوي الذي وقفه في الذب عن أمير المؤمنين عليه السلام.
وطاردته شرطة زياد [وهم أهل الحمراء يومئذ] فامتنع عليهم، وهزمهم بقومه. خرجت أخته النوار فقالت: (يا معشر طيء أتسلمون سنانكم ولسانكم عبد اللّه بن خليفة؟) فشد الطائيون على الشرط فضربوهم، وأعيت الحيلة به زياداً فقبض على زعيم قبيلته (عدي بن حاتم) فحبسه أو يأتيه بابن خليفة. وأبى عدي أن يأتيه به ليقتله، فرضي زياد منه بأن يغيّبه عن الكوفة.
فأشار عدي على عبد اللّه بمغادرة الكوفة ووعده أن لا يألو جهداً في ارجاعه اليها، فسار إلى (الجبلين(٣٣٥)) وقيل إلى (صنعاء). ولم يزل مشرداً هناك مشبوب الاشواق إلى وطنه.
وطال عليه الامد فكتب إلى عدي يستنجزه وعده، وكان شاعراً يجيد الوصف، وله عدة قصائد ومقطوعات يعاتب بها عدياً ويذكره سوابقه وغربته واسارته، ولكن ظروف عدي لم تساعده على اسعافه، فبقي هناك حتى مات رحمه الله(٣٣٦) قبل موت (زياد) بقليل.
نهاية المطاف
وبقي بين فجوات هذه الاحداث خلاء ملحوظ في التاريخ، لم تملأه المصادر التي بين أيدينا بالعروض التي تناسب تلك الاحداث.
رأينا - إلى هنا - مبلغ وفاء معاوية بما أخذه على نفسه من شروط.
وعلمنا - إلى هنا - ان المعاهدة بأبوابها الخمس، لم تلق من الرجل أية رعاية تناسب تلك العهود والمواثيق والايمان التي قطعها على نفسه. فلا هو حين تسلم الحكم عمل على كتاب اللّه وسنة نبيه وسيرة الخلفاء الصالحين. ولا ترك الامر من بعده للشورى، أو لصاحب الحق فيه. ولا أقلع عن شتم علي عليه السلام. ولكنه زاد حتى ملأ منابر الاسلام سباباً وشتماً. ولا وفى بخراج. ولا سلم من غوائله شيعة علي وأصحابه. ولكنه - وبالرغم من كل هذه الشروط والعهود - طالعهم بالاوليات البكر والافاعيل النكر من بوائقه:
فكان أول رأس يطاف به في الاسلام منهم، وبأمره يطاف به.
وكان أول انسان يدفن حياً في الاسلام منهم، وبأمره يفعل به ذلك.
وكانت اول امرأة تسجن في الاسلام منهم، وهو الآمر بسجنها.
وكان أول شهداء يقتلون صبراً في الاسلام منهم، وهو الذي قتلهم.
واستقصى معاوية بنود المعاهدة كلها بالخلف!!.
فاستقصى أيمانه المغلظة بالحنث، ومواثيقه المؤكدة التي واثق اللّه تعالى عليها بالنقض!!..
فأين هي الخلافة الدينية يا ترى؟؟..
وبقيت آخر فقرة من المعاهدة، تحاماها معاوية لانها كانت ادق شروطها حساسية وأروعها وقعاً. وكان عليه اذا اساء الصنيع بهذه الفقرة ان يتحدى القرآن صراحة، ورسول اللّه صلى الله عليه وآله مباشرة.
فصبر عليها ثماني سنين، ثم ضاق بها ذرعاً، وثارت به أمويته التي كان لا يزال يصارع لصاقتها، بأمثال هذه الافاعيل، ليعود بها أموية صريحة تشهد لهند بالبراءة من قالة الناس وشهادات المؤرخين، وليكون ابن أبي سفيان حقاً!.
فما لابن أبي سفيان ولرسول اللّه؟. وما لابن هند وكتاب اللّه؟.
وكانت مطفئة الرضف التي أنست الناس الرزايا قبلها.
ثم هي أول ذل دخل على العرب - كما قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنه -.
بل أول ذل دخل على الناس - كما قال أبو اسحق السبيعي رحمه الله -.
وكانت بطبيعتها، أبعد مواد المعاهدة عن الخيانة، كما كانت بظروفها وملابساتها أجدرها بالرعاية. وكانت بعد نزع السلاح ولف اللواء والالتزام من الخصم بالوفاء، أفظع جريمة في تاريخ معاوية الحافل بالجرائم.
وما في المدينة - موطن الحسن عليه السلام - ولا في أهل البيت، ولا في شيعة الحسن، ولا في جميع ما يمت إلى الحسن بسبب أو نسب، أي موجب يستدعي الوهم، أو يوقظ الريبة، أو يثير الظنون بأمر يخشاه معاوية على دنياه.
اذاً، فما هذا الغَدر وما هو العُذر؟..
وأين تلك العهود والعقود والايمان التي لا تبلغ قواميس اللغة أشد منها الفاظاً غلاظاً وتأكيداً شديداً؟.
ترى، فهل نعتذر عن معاوية بما اعتذر به الاغرار المنسوبون إلى الاسلام عن ابنه يزيد في قتله الحسين ابن رسول اللّه عليه وعلى جده أفضل الصلاة والسلام، فقالوا: (شاب مغرور، الهته القرود وغلبت عليه الخمور والفجور؟.).
فأين - اذاً - حنكة معاوية ودهاؤه المزعوم؟. وأين سنّه الطاعنة وتجاربه في الامور؟.
ان بائقة الاب هذه، كانت هي السبب الذي بعث روح القدوة في طموح الابن. فليشتركا - متضامنين - في انجاز أعظم جريمة في تاريخ الاسلام، تلك هي قتل سيدي شباب أهل الجنة الاحدين الذين لا ثالث لهما. وليتعاونا معاً، على قطع (الواسطة الوحيدة) التي انحصر بها نسل رسول اللّه صلى الله عليه وآله. والجريمة - بهذا المعنى - قتل مباشر لحياة رسول الله بامتدادها التاريخي!!.
نعم، والقاتلان - مع ذلك - هما الخليفتان في الاسلام!!..
فوا ضيعة الاسلام ان كان خلفاؤه من هذه النماذج!!..
وكان الدهاء المزعوم لمعاوية هو الذي زين له أسلوباً من القتل قصّر عنه ابنه يزيد. فكان هذا (الشاب المغرور) - وكان ذاك (الداهية المحنك في تصريف الامور)!!..
ولو تنفس العمر بأبى سفيان إلى عهد ولديه هذين، لايقن انهما قد أجادا اللعبة التي كان يتمناها لبني ابيه.
فاستعمل معاوية مروان بن الحكم(٣٣٧)، على اقناع جعدة بنت الاشعث ابن قيس الكندي - وكانت من زوجات الحسن عليه السلام - بأن تسقي الحسن السم [وكان شربة من العسل بماء رومة]. فان هو قضى نحبه زوجها بيزيد، وأعطاها مائة الف درهم.
وكانت جعدة هذه بحكم بنوتها للاشعث بن قيس - المنافق المعروف - الذي اسلم مرتين، بينهما ردة منكرة، أقرب الناس روحاً إلى قبول هذه المعاملة النكراء.
قال الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: (ان الاشعث شرك في دم امير المؤمنين عليه السلام، وابنته جعدة سمت الحسن، وابنه محمد شرك في دم الحسين).
أقول: وهكذا تمَّ لمعاوية ما أراد.
وحكم بفعلته هذه على مصير أمة بكاملها، فأغرقها بالنكبات، وأغرق نفسه وبنيه بالذحول والحروب والانقلابات.
وتم له بذلك نقض المعاهدة إلى آخر سطر فيها.
وقال الحسن عليه السلام وقد حضرته الوفاة: (لقد حاقت شربته وبلغ أمنيته، واللّه ما وفى بما وعد، ولا صدق فيما قال(٣٣٨)).
وورد بريد مروان إلى معاوية، بتنفيذ الخطة المسمومة، فقال: (يا عجباً من الحسن شرب شربة من العسل بماء رومة فقضى نحبه(٣٣٩)).
ثم لم يملك نفسه من اظهار السرور بموت الحسن عليه السلام.
(وكان بالخضراء، فكبر، وكبر معه أهل الخضراء، ثم كبر اهل المسجد بتكبير أهل الخضراء، فخرجت فاختة بنت قرظة بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف [زوج معاوية] من خوخة(٣٤٠) لها، فقالت: (سرك اللّه يا أمير المؤمنين، ما هذا الذي بلغك فسررت به؟). قال: (موت الحسن بن علي)، فقالت: (انا للّه وانا اليه راجعون)، ثم بكت وقالت: (مات سيد المسلمين، وابن بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه (وآله) وسلم) فقال معاوية: (نعما واللّه ما فعلت، انه كان كذلك، أهل ان يبكى عليه).
وزاد ابن قتيبة على هذا بقوله: (فلما أتاه الخبر أظهر فرحاً وسروراً حتى سجد وسجد من كان معه، وبلغ ذلك عبد اللّه بن عباس - وكان بالشام يومئذ - فدخل على معاوية فلما جلس، قال معاوية: يا ابن عباس، هلك الحسن بن علي. فقال ابن عباس: نعم هلك انا للّه وانا اليه راجعون ترجيعاً مكرراً. وقد بلغني الذي أظهرت من الفرح والسرور لوفاته. أما واللّه ما سد جسده حفرتك، ولا زاد نقصان أجله في عمرك. ولقد مات وهو خير منك. ولئن أصبنا به، لقد أصبنا بمن كان خيراً منه، جده رسول اللّه صلى الله عليه وسلم. فجبر اللّه مصيبته وخلف علينا من بعده أحسن الخلافة.
(ثم شهق ابن عباس وبكى من حضر في المجلس، وبكى معاوية. قال الراوي: فما رأيت يوماً أكثر باكياً من ذلك اليوم. فقال معاوية: كم اتى له من العمر؟ فقال ابن عباس: امر الحسن أعظم من ان يجهل أحد مولده. قال: فسكت معاوية يسيراً ثم قال: يا ابن عباس، أصبحت سيد قومك من بعده. فقال ابن عباس: أما ما أبقى اللّه أبا عبد اللّه الحسين فلا(٣٤١)).
وعرض اليعقوبي (ج ٢ ص ٢٠٣) صورة عن الاثر العظيم الذي قوبل به نبأ وفاة الحسن عليه السلام في الكوفة، وما اجتمع عليه زعماء الشيعة هناك في دار كبيرهم (سليمان بن صرد) وتعزيتهم الحسين عليه السلام بكتاب مفتجع بليغ.
وبلغ نعيه البصرة - وعليها زياد بن سمية - فبكى الناس وعلا الضجيج فسمعه أبو بكرة [أخو زياد لامه] - وهو اذ ذاك مريض في بيته - فقال: (أراحه اللّه من شر كثير، وفقد الناس بموته خيراً كثيراً يرحم اللّه حسناً(٣٤٢)).
وأبنّه أخوه محمد بن الحنفية، وقد وقف على جثمانه الشريف، واليك نص تأبينه:
(رحمك اللّه أبا محمد، فواللّه لئن عزت حياتك، لقد هدت وفاتك. ونعم الروح روح عمر به بدنك، ونعم البدن بدن ضمه كفنك، ولم لا تكون كذلك، وأنت سليل الهدى، وحلف أهل التقوى، وخامس أصحاب الكساء. غذتك كف الحق، وربيت في حجر الاسلام، وأرضعتك ثدياً الايمان. فطب حياً وميتاً، فعليك السلام ورحمة اللّه، وان كانت أنفسنا غير قالية لحياتك، ولا شاكة في الخيار لك(٣٤٣)).
والنصوص على اغتيال معاوية الحسن بالسم متضافرة كاوضح قضية في التاريخ.
ذكرها صاحب الاستيعاب، والاصابة، والارشاد، وتذكرة الخواص ودلائل الامامة(٣٤٤). ومقاتل الطالبيين، والشعبي، واليعقوبي، وابن سعد في الطبقات، والمدائني، وابن عساكر، والواقدي، وابن الاثير، والمسعودي، وابن أبي الحديد، والمرتضى في تنزيه الانبياء. والطوسي في أماليه، والشريف الرضي في ديوانه، والحاكم في المستدرك، وغيرهم.
وقال في (البدء والختام): (وتوفي الحسن سنة ٤٩ للهجرة. سمته جعدة بنت الاشعث بما دسه معاوية اليها، ومناها بزواج ولده يزيد، ثم نقض عهدها).
وقال ابن سعد في طبقاته: (سمه معاوية مراراً).
وقال المدائني: (سقي الحسن السم أربع مرات).
وقال الحاكم في مستدركه(٣٤٥): (ان الحسن بن علي سمَّ مراراً. كل ذلك يسلم حتى كانت المرة الاخيرة التي مات فيها، فانه رمى كبده).
وقال اليعقوبي: (ولما حضرته الوفاة قال لاخيه الحسين: يا أخي ان هذه آخر ثلاث مرات سقيت فيها السم، ولم أسقه مثل مرّتي هذه، وانا ميت من يومي. فاذا أنا متُّ فادفني مع رسول اللّه صلى الله عليه وآله، فما أحد أولى بقربه مني، الا أن تمنع من ذلك، فلا تسفك فيه محجمة دم!).
وقال ابن عبد البر: (دخل الحسين على الحسن، فقال: يا أخي اني سقيت السم ثلاث مرات، ولم اسق مثل هذه المرة. اني لأضع كبدي. فقال الحسين: من سقاك يا أخي؟. قال: ما سؤالك عن هذا؟ أتريد أن تقاتلهم؟ كلهم إلى اللّه).
وقال الطبري في دلائل الامامة(٣٤٦): (وكان سبب وفاته أن معاوية سمه سبعين مرة فلم يعمل فيه السم، فأرسل إلى امرأته جعدة بنت محمد (كذا) بن الاشعث بن قيس الكندي وبذل لها عشرين الف دينار واقطاع عشر ضياع من شعب السواد، سواد الكوفة، وضمن لها أن يزوجها يزيد ابنه. فسقت الحسن السم في برادة من الذهب في السويق المقنّد).
وقال اللّه عزّ من قائل: (فهل عسيتم ان توليتم أن تفسدوا في الارض وتقطعوا أرحامكم. اولئك الذين لعنهم اللّه فأصمهم وأعمى ابصارهم).
خاتمة في الموازنة بين ظروف الحسن وظروف الحسين عليهما السلام
ورأى كثير من الناس، ان الشمم الهاشمي الذي اعتاد ان يكون دائماً في الشواهق، كان اليق بموقف الحسين عليه السلام، منه بموقف الحسن عليه السلام.
وهذه هي النظرة البدائية التي تفقد العمق ولا تستوعب الدقة.
فما كان الحسن في سائر مواقفه، الا الهاشمي الشامخ المجد، الذي واكب في مجادته مُثُلَ أبيه وأخيه معاً، فاذا هم جميعاً امثولة المصلحين المبدئيين في التاريخ. ولكل - بعد ذلك - جهاده، ورسالته، ومواقفه التي يستمليها من صميم ظروفه القائمة بين يديه، وكلها الصور البكر في الجهاد، وفي المجد، وفي الانتصار للحق المهتضم المغصوب.
وكان احتساء الموت - قتلاً - في ظرف الحسين، والاحتفاظ بالحياة - صلحاً - في ظرف الحسن، بما مهدا به - عن طريق هاتين الوسيلتين - لضمان حياة المبدأ، وللبرهنة على ادانة الخصوم، هو الحل المنطقي الذي لا معدى عنه، لمشاكل كل من الظرفين، وهو الوسيلة الفضلى إلى اللّه تعالى، وان لم يكن الوسيلة إلى الدنيا. وهو الظفر الحقيقي المتدرج مع التاريخ وان كان فيه الحرمان حالاً، وخسارة السلطان ظاهراً.
وكانت التضحيتان: تضحية الحسين بالنفس، وتضحية الحسن بالسلطان، هما قصارى ما يسمو اليه الزعماء المبدئيون في مواقفهم الانسانية المجاهدة.
وكانت عوامل الزمن التي صاحبت كلاً من الحسن والحسين في زعامته، هي التي خلقت لكل منهما ظرفاً من أصدقائه، وظرفاً من أعدائه، لا يشبه ظرف أخيه منهما، فكان من طبيعة اختلاف الظرفين اختلاف شكل الجهادين، واختلاف النهايتين اخيراً.
١ - ظروفهما من انصارهما
ومثلت خيانة الاصدقاء الكوفيين، بالنسبة إلى الحسين عليه السلام خطوته الموفقة في سبيل التمهيد لنجاحه المطرد في التاريخ، ولكنها كانت بالنسبة إلى أخيه الحسن عليه السلام - يوم مسكن والمدائن - عقبته الكؤود التي شلت ميدانه عن تطبيق عملية الجهاد. ذلك لان حوادث نقض بيعة الحسين كانت قد سبقت تعبئته للحرب، فجاء جيشه الصغير يوم وقف به للقتال، منخولاً من كل شائبة تضيره كجيش امام له أهدافه المثلى.
أما الجيش الذي أخذ مواقعه من صفوف الحسن، ثم فر ثلثاه ونفرت به الدسائس المعادية، فاذا هو رهن الفوضى والانتقاض والثورة، فذلك هو الجيش الذي خسر به الحسن كل أمل من نجاح هذه الحرب.
ومن هنا ظهر أن هؤلاء الاصدقاء الذين بايعوا الحسن وصحبوه إلى معسكراته كمجاهدين، ثم نكثوا بيعتهم وفروا إلى عدوهم أو ثاروا بامامهم، كانوا شراً من اولئك الذين نكثوا بيعة الحسين قبل ان يواجهوه.
وهكذا مهد الحسين لحربه - بعد أن نخلت حوادث الخيانة انصاره - جيشاً من أروع جيوش التاريخ اخلاصاً في غايته وتفاديا في طاعته وان قل عدداً.
أما الحسن فلم يعد بامكانه أن يستبقي حتى من شيعته المخلصين انصاراً يطمئن إلى جمعهم وتوجيه حركاتهم، لان الفوضى التى انتشرت عدواها في جنوده كانت قد أفقدت الموقف قابلية الاستمرار على العمل، كما أشير اليه سابقاً.
وأيّ فرق أعظم من هذا الفرق بين ظرفيهما من أنصارهما؟.
٢ - ظروفهما من اعدائهما
وكان عدو الحسن هو معاوية، وعدو الحسين هو يزيد بن معاوية. وللفرق بين معاوية ويزيد ما طفح به التاريخ، من قصة البلادة السافرة في (الابن). والنظرة البعيدة العمق التي زعم الناس لها الدهاء في (الاب).
وما كان لعداوة هذين العدوين ظرفها المرتجل مع الحسن والحسين، ولكنها الخصومة التاريخية التي أكل عليها الدهر وشرب بين بني هاشم وبني أمية.
ولم تكن الاموية يوماً من الايام كفواً للهاشمية(٣٤٧). وانما كانت عدوتها التي تخافها على سلطانها، وتناوئها - دون هوادة -. وكان هذا هو سر ذكرها بازائها في أفواه الناس وعلى أسلات اقلام المؤرخين. والا فأين سورة الهوى من مثُل الكمال؟ واين انساب الخنا من المطهرين في الكتاب؟. وأين شهوة الغلب، وحب الاثرة، والوان الفجور، من شتيت المزايا في ملكات العقل، وسمو الاخلاق، وطهارة العنصر، وآفاق العلوم التي تعاونت على تغذية الفكر الانساني في مختلف مناحي الثقافات العالية، فأضافت إلى ذخائره ثروة لا تطاول؟. أولئك هم بنو هاشم الطالعون بالنور.
واين هؤلاء من أولئك؟.
ولم يكن من الاحتمال البعيد ما قدره الحسن بن علي احتمالاً قريباً، - فيما لو اشتبك مع عدوه التاريخي معاوية بن أبي سفيان بن حرب في حرب يائسة مثل هذه الحرب - أن تجر الحرب بذيولها أكبر كارثة على الاسلام، وأن تبيد بمكائدها آخر نسمة تنبض بفكرة التشيع لاهل البيت عليهم السلام. ولمعاوية قابلياته الممتازة لتنفيذ هذه الخطة وتصفية الحساب الطويل في التاريخ، وهو هو في عدائه الصريح لعلي ولاولاده ولشيعتهم.
وفيما مرَّ من الكلام على هذا الموضوع كفاية عن الاعادة.
أما الحسين فقد كفي مثل هذا الاحتمال حين كان خصمه الغلام المترف الذي لا يحسن قيادة المشاكل، ولا تعبئة التيارات، ولا حياكة الخطط، ثم هو لا يعنيه من الامر الا ان يكون الملك ذا الخزائن، حتى ولو واجهه الاخطل الشاعر بقوله - على رواية البيهقي -:

(ودينك حقاً كدين الحمار * * * بل أنت اكفر من هرمز)

وكفى الحسين هذا الاحتمال، بما ضمنه سيف الارهاب الذي طارد الشيعة تحت كل حجر ومدر في الكوفة وما اليها، والذي حفظ في غيابات السجون والمهاجر وكهوف الجبال سيلاً من السادة الذين كانوا يحملون مبادئ أهل البيت، وكانوا يؤتمنون على ايصال هذه المبادئ إلى الاجيال بعدهم.
فرأى ان يمضي في تصميمه مطمئناً على خطته وعلى أهدافه وعلى مستقبلهما من أعدائه.
أما الحسن فلم يكن له أن يطمئن على مخلفاته المعنوية طمأنينة اخيه وفي أعدائه معاوية وثالوثه المخيف وخططهم الناصبة الحقود التي لا حد لفظاعتها في العداوة والحقد.
وأخيراً فقد أفاد الحسين من غلطات معاوية في غاراته على بلاد اللّه الآمنة المطمئنة، وفي موقفه من شروط صلح الحسن، وفي قتله الحسن بالسم، وفي بيعته لابنه يزيد وفي أشياء كثيرة أخرى، بما زاد حركته في وجه الاموية قوة ومعنوية وانطباقاً صريحاً على وجهة النظر الاسلامي في الرأي العام.
وأفاد - إلى ذلك - من مزالق الشاب المأخوذ بالقرود والخمور (خليفة معاوية)، فكانت كلها عوامل تتصرف معه في تنفيذ أهدافه.
وكانت ظروفه من أعدائه وظروفه من أصدقائه تتفقان معاً على تأييد حركته، وانجاز مهمته، والاخذ به إلى النصر المجنح الذي فاز به في اللّه وفي التاريخ.
أما الحسن فقد أعيته - كما بينا سابقاً - طروفه من أصدقائه فحالت بينه وبين الشهادة، وظروفه من أعدائه فحالت بينه وبين مناجزتهم الحرب التي كان معناها الحكم على مبادئه (بالاعدام).
لذلك رأى لزاماً ان يطوّر طريقة جهاده، وان يفتتح ميدانه من طريق الصلح.
وما كانت الالغام التي وضعها الحسن في الشروط التي أخذها على معاوية الا وسائله الدقيقة التي حكمت على معاوية وحزبه بالفشل الذريع في التاريخ.
ومن الصعب حقاً أن نميز - بعد هذا - أي الاخوين عليهما السلام كان أكبر أثراً في جهاده، وأشد نفوذاً إلى أهدافه، وأبعد امعاناً في النكاية بأعدائه.
ولم يبق مخفياً أن تاريخ نكبات أمية بعد عملية الحسن في الصلح كان متصلاً بالحسن، مرهوناً بخططه، خاضعاً لتوجيهه. وأن حادثاً واحداً من أحداث تلك النكبات لم يكن ليقع كما وقع، لولا هذه العملية الناجحة التي كان من طبيعة ظروفها أن تستأثر بالنجاح، وكان من طبيعة خصومها أن يكونوا أعواناً على نجاحها من حيث يشعرون أو لا يشعرون.
الفهرس العامة
١ - فهرس الأعلام
٢ - فهرس الأمكنة
٣ - فهرس المراجع والكتب
٤ - فهرس فصول الكتب
١ - فهرس الأعلام
(أ)
ابراهيم الاصفهاني الثقفي: ٢١.
ابراهيم بن مالك: ٩٤، ١٠٣.
ابراهيم بن محمد الثقفي: ٢١.
ابن أبي بلتعة: ٣٤٥.
ابن ابي الحديد: ٣٩، ٤٤، ١٠٢، ١١٦، ١٢٢، ١٢٤، ٢١٤، ٢٦٦، ٢٨٩، ٣٢٣، ٣٢٤، ٣٢٦، ٣٤٨، ٣٦٧.
ابن أبي شيبة: ٢٦٨.
ابن الأثير:٣٩، ٤٥، ٤٦، ١١٧، ٢١٤، ٢٥٨، ٢٦١، ٣٠٤، ٣٠٩، ٣١٢، ٣١٣، ٣١٧، ٣٣٤، ٣٣٨، ٣٤٢، ٣٤٤،٣٥١، ٣٦٧.
ابن ارطاة: ١١.
ابن اسماء الحرمازي: ١٥٩.
ابن بابويه: ٢٧٢.
ابن جندب: ١١.
ابن حجر المكي: ٣١٦.
ابن الحكم: ١١.
ابن سعد: ٢٧، ٣٣، ٣٦٧، ٣٦٨.
ابن سعيد: ١١، ٢٦٨.
ابن السمط: ١١.
ابن سنان الاسدي: ١٣٢، ٢١٣.
ابن شهراشوب: ١١٨.
ابن الصباغ: ٣١.
ابن طاووس: ١٣٣.
ابن عبدالبر: ٣٥٩، ٣٦٨.
ابن عبد ربه: ٢٢٦.
ابن عرفة (نفطويه): ٣٢٥.

ابن عساكر: ٣٣٩، ٣٦٧.
ابن عقبة: ١١.
ابن قتيبة الدينوري: ١١٧، ١١٨، ١١٩، ١٨٧، ٢٦١، ٢٦٦، ٢٦٧، ٢٧٢، ٣٠١، ٣٠٤، ٣٠٩، ٣٦٦
ابن كثير: ٢٨، ٦٦، ١١٧، ٢٦٠، ٢٦٦، ٢٧٠، ٣٤٥.
ابن مرجانه: ١١.
ابن ملجم مرادي: ١٣٢.
ابن النديم: ٢١.
ابو اسحق السبيعي: ٢٨٦، ٢٩٣، ٢٩٥، ٣٣٧، ٣٦٣.
ابو أمامة الباهلي: ٤٠.
ابو أيوب الانصاري: ٩٤، ١٠٩.
ابو بردة الاشعري: ٦٨، ٩٦، ٣٣١.
ابو بكر: ٣٢، ٤٠، ٨٤، ١٧٠، ١٧١، ١٧٩، ١٩٧.
ابو بكرة: ٢٦٨، ٣١٦، ٣٦٧.
ابو ثمامة الصائدي: ٩٤.
ابو جعفر الاسكافي: ٣٢٦.
ابو حنيفة: ٢٧٠.
ابو داوود: ٥٣.
ابوذر: ٧.
ابو سعيد: ٢٠٠.
ابوسعيد الخدري: ٤٦، ٢١٩.
ابوسفيان: ٥، ٦، ١١، ٨٤، ١٥٩، ٢٤٢، ٣٣٧.
ابو شريف البدري: ٣٤٣.
ابو العباس السفاح: ١١٥، ١٧٨، ٢٢٥.
ابو عبيد: ٢٨٨.
ابو عبيدة: ٨٤.
ابو فراس الحمداني: ٩٢.
ابو الفرج الاصفهاني: ٣٣، ٧٦، ٨٠، ٢٨٥، ٢٨٨، ٣٠٤.
ابو الفرج السوادي: ١٠٣.
ابو فضالة الانصاري: ٤٩.
ابو ليلى بن بليل: ٤٩.
ابو مريم الخمار السلولي: ١٥٩.
ابو موسى الاشعري: ٦٨، ٩٦، ٣٣١.
ابو هريرة: ٨، ٣٩، ٢٦٨، ٣٢٦.
ابو الهيثم بن التيهان: ٤٨.
أحمد بن حنبل: ٣٨.
أحمد السبيعي: ٢٠.
الاحنف بن قيس: ٣٤، ٧٢، ٢٨٠، ٣٠٠، ٣٠٦، ٣٠٧، ٣٥٩.
الارقم بن عبدالله الكندي: ٣٣٤.
اسامة بن زيد: ٤٦.
اسحق بن طلحة: ٦٨، ٩٦، ٣٣١.
اسماء بن خارجة: ٩٦.
اسماعيل بن طلحة: ٦٨، ٣٣١.
الاشعث بن قيس: ٧، ٢٥، ٦٩، ٧٠، ٩٥، ٣٦٥.
الاصبغ بن نباته: ٩٤.
ام اسحق بنت طلحة: ٢٥.
ام الحسن بنت الحسن: ٢٦.
ام الحسين بنت الحسن: ٢٦.
ام سلمة بنت الحسن: ٢٦.
ام عبدالله بنت الحسن: ٢٦.
آمنة بنت الشريد: ٣٤٥.
ام هانيء بنت ابي طالب: ٥٥.
امير علي الهندي: ٢٧٦.
أمير المؤمنين: انظر علي بن ابي طالب (ع).
اميمه: ٨.
اوفى بن حصن: ٣٤٩، ٣٥٠، ٣٥١.
(ب)
البحتري: ٩٢.
البخاري: ٥٣.
برير بن خضير الهمداني: ٩٤.
بسر بن ارطاة: ١٠٦، ١١٠، ١٤٤، ٣١٦.
بشير الهمداني: ٩٤، ١٢١.
بكر بن عبيد: ٣٤٥.
بلال الحبشي: ٧.
بولس سلامة: ٤٠.
البيهقي: ٦٩، ١٣٥، ١٥٧، ٣٣٩، ٣٧٣.
(ت)
الترمذي: ٣٨، ٥٣.
(ث)
ثابت بن قيس الانصاري: ٤٩.
ثعلبة بن ابي مالك: ٣٤.
ثور بن معن السلمي: ٣٠٦.
(ج)
جابر بن سمرة: ٥٣.
الجاحظ: ٣١٣.
جارية بن قدامة: ٥٨، ٢٨٠.
جعدة بنت الاشعث: ٢٥، ٣٦٤، ٣٦٥، ٣٦٧، ٣٦٨.
جعفر الصادق (ع): ٣٦٥.
جعفر الطيار: ٥٥، ٢٠٨.
جندب بن عبدالله الازدي: ٨٨، ٩٤.
جون مولى ابي ذر: ٢٢٢.
جويرة بنت ابي سفيان: ١٥٩.
جويرة بن مشهر: ٩٤، ٣٣٩، ٣٤٨، ٣٤٩.
(ح)
الحارث الهمداني: ١٠٢.
الحارث بن وهب: ٨.
حبة العرني: ٩٤، ٣٤١، ٣٤٩.
حبيب بن أبي ثابت: ٢٨٥.
حبيب بن مسلمة: ٩٦، ٢٨٤.
حبيب بن مظاهر الاسدي: ٧٣، ٩٤.
الحجاج: ٤٦.
حجار بن أبجر: ٦٩، ٩٦، ٣٣١.
حجر بن عدي: ٧٣، ٩٤، ١٠٩، ١٢٦، ١٢٧، ١٩٠، ٢٦٩، ٢٩٤، ٣٠٢، ٣٠٨، ٣٢٨، ٣٢٩، ٣٣٠، ٣٣١، ٣٣٢، ٣٣٣، ٣٣٤، ٣٣٥، ٣٣٦، ٣٣٧، ٣٣٨، ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤١، ٣٤٥، ٣٤٧، ٣٥٠، ٣٥٥، ٣٦٠.
حجر بن عمرو: ٦٨، ٩٦.
حذيفة بن أسيد: ٩٤.
حذيفة بن اليمان: ٤٨.
حرب: ١٢٩.
حرب بن عبدالله الازدي: ٨١.
الحرث بن سويد: ٨٨، ٩٤.
الحرث بن كلدة: ١٥٩.
حسان بن ثابت: ٤٦، ٢٢٦.
الحسن الاثرم: ٢٦.
الحسن البصري: ٣٤، ٢٢٦، ٢٥٢، ٢٦٩، ٢٩٥، ٣٣٧.
الحسن بن الحسن: ٢٦.
الحسن بن علي (ع): وارد في اغلب صفحات الكتاب.
حسن مراد: ١٣٢.
الحسين بن علي (ع): ٩، ١١، ١٢، ١٣، ١٤، ١٥، ٢٧، ٢٨، ٢٩، ٣٠، ٣٢، ٣٤، ٥٢، ٥٣، ٦١، ٧٠، ٧٢، ٨٥، ١٢٠، ١٧٠، ١٧١، ١٨٤، ١٨٥، ١٨٧، ١٩٨، ٢٠٠، ٢١٨، ٢١٩، ٢٣١، ٢٥٦، ٢٦٠، ٢٦١، ٢٧٢، ٢٨٩، ٢٩٦، ٢٩٧، ٣٠٣، ٣٠٧، ٣٠٨، ٣٠٩، ٣١٠، ٣١٢، ٣١٣، ٣١٥، ٣١٧، ٣٢٤، ٣٣١، ٣٣٢، ٣٣٨، ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤٥، ٣٤٦، ٣٦٣، ٣٦٤، ٣٦٥، ٣٦٦، ٣٦٨، ٣٧٠، ٣٧١، ٣٧٢، ٣٧٣.
الحضرمي: ٣٠٨.
حفصة بنت عبدالرحمن: ٢٥.
حفصة بنت عمر: ٣٢.
حمزة بن عبدالمطلب: ١٣، ٢٠٨.
 (خ)
خالد بن عرفطة: ٣٣١.
خالد بن الوليد: ٧.
خباب بن الارت: ٤٨.
خديجة: ١١، ٥٥، ١٢٩، ٢٨٨.
خزيمة بن ثابت: ٤٨.
الخضر: ٢٠٠.
(د)
داود بن سنان: ٣٤.
الدميري: ٢٧٠.
الدينوري: ٢٦١، ٢٦٦، ٢٧٢، ٣٠٩.
(ر)
الربيع بن زياد الحارثي: ٢٩٥، ٣٣٨.
رسول الله (ص): انظر محمد (ص) الرشيد: ١٧٩.
رشيد الهجري: ٩٤، ٣٣٩، ٣٤٨.
الرضي (الشريف): ٤٠، ٣٦٤، ٣٦٧.
رفاعة بن شداد: ٣٤٥.
(ز)
الزبير بن العوام: ٨٦
زجر بن قيس: ٣٢٠.
زفر بن الحارث الكلابي: ٣٠٢.
الزهري: ١١٦، ١٢١، ١٢٢.
زياد بن أبيه: ٧١، ٧٢، ١١٨، ١١٩، ١٢٠، ١٤٢، ١٥٩، ١٦٠، ١٩٠، ٢٠٣، ٢٠٥، ٢٢٦، ٢٤٤، ٢٥٣، ٢٦٩، ٣٠٨، ٣١٥، ٣٢٢، ٣٢٩، ٣٣٠، ٣٣١، ٣٣٢، ٣٣٣، ٣٣٤، ٣٣٥، ٣٣٧، ٣٣٨، ٣٤٠، ٣٤١، ٣٤٢، ٣٤٤، ٣٤٨، ٣٤٩، ٣٥٠، ٣٥١، ٣٥٢، ٣٥٥، ٣٦٠، ٣٦٧.
زياد بن صعصعة: ٧٣، ٩٤، ١٢٧.
زياد بن عبيد: ٥٨، ١٠٤، ١٥٩.
زيد بن انس: ٣٢٠.
زيد بن ثابت: ٤٦، ٨٥.
زيد بن الحسن: ٢٦.
زينب بنت رسول الله (ص): ٥٥.
(س)
السامري: ٢٨٨.
سبط بن الجوزي: ٣٣.
سعد بن ابي وقاص: ٢٨، ٣٣، ٤٦، ٢٢٥، ٢٦٧، ٢٧٥، ٣٠٤، ٣١٦، ٣١٧.
سعد بن الحارث بن الصمة: ٤٩.
سعد بن مسعود: ٢١٣، ٢٣٥.
سعد بن نمران: ٣٣٤.
سعيد بن حمدان: ٣٤٦.
سعيد بن العاص: ٣٣، ٣٠٥، ٣٠٧.
سعيد بن عبدالله: ٩٤.
سعيد بن قيس: ٧٣، ٩٤، ١٠٥، ١٠٦، ١٠٨، ١١٠.
سفينه (مولى رسول الله): ٢٦٨.
سلمان الباهلي: ٢٨٤.
سلمان الفارسي: ١٠٢، ١٠٣.
سليم بن قيس: ٣٢١، ٣٢٤، ٣٢٧.
سليمان بن صرد: ١١٨، ١١٩، ١٢٠، ١٨٧، ٢٧٩، ٣٠١، ٣٠٢، ٣٦٦.
سمرة بن جندب: ١٦٠، ٢٦٩، ٢٩٥.
سمية: ١٥٩، ٣٣٣، ٣٣٧، ٣٤١، ٣٤٧.
سهل بن حنيف: ٤٩.
سهل بن سعد: ٩٤.
سهيل بن عمرو: ٢٥.
سيف الدولة: ٣٤٦.
(ش)
شبث بن ربعي: ٦٩، ٧٠، ٨٩، ٩٦، ١٥٦، ٣٣١.
شداد بن الهيثم الهلالي: ٣٣٣.
شريح بن هاني: ٣٣٧.
شريك بن شداد: ٣٣٤، ٣٤٠.
الشعبي: ٣٦٧.
شمر بن ذي الجوشن: ٧٠، ٩٦، ٣٣١.
(ص)
صخر: ١١، ١٢٩، ٢٨٨.
صعصعة بن صوحان: ٦٤، ٨٨، ٩٤، ٢٦٩، ٣٣٠، ٣٥٧، ٣٥٨، ٣٥٩، ٣٦٠.
صيفي بن فسيل الشيباني: ٣٣٤، ٣٤٠.
(ض)
الضحاك بن قيس: ٩٣، ٣٠٦، ٣٢٩.
ضرار بن الخطاب: ٩٤.
(ط)
طارف بن عدي: ٣٥٦.
الطبري: ١١٩، ٢١٣، ٢٥٨، ٣١٦، ٣١٧، ٣٢٠، ٣٢٣، ٣٢٤، ٣٣١، ٣٤٢، ٣٤٣، ٣٤٤، ٣٤٥، ٣٦٨.
الطبراني: ٣٨.
طرفة بن عدي: ٣٥٦.
طريف بن عدي: ٣٥٦.
طلحة بن الحسن: ٢٦.
طلحة بن عبيدالله: ٢٥، ٨٦.
الطوسي: ٣٦٧.
(ظ)
ظبيان بن عمارة التيمي: ٢٨٩.
(ع)
عائذ بن حمله التميمي: ٣٣٢، ٣٥٤.
عائشة: ٣٣، ٣٤، ٨٥، ٨٦، ٢٦٨، ٢٧٩، ٢٩٥، ٣٠٩، ٣١٣، ٣٣٦، ٣٣٩.
عائشة بنت ابي بكر: ٣٢.
عابس بن شبيب: ٩٤.
عاصم بن عوف: ٣٣٤.
عامر بن واثلة: ٩٤، ١٥٦.
عباس بن جعدة: ٩٤.
عبدالحسين الازري: ٤٤.
عبدالرحمن بن ابي بكر: ٢٥، ٣١٢.
عبدالرحمن بن ابي بكرة: ٢٦٨.
عبدالرحمن بن ام الحكم: ٢١٢.
عبدالرحمن بن بديل: ٤٨.
عبدالرحمن بن جندب: ٩٤.
عبدالرحمن بن الحارث: ٣٣٧.
عبدالرحمن بن حسان العنزي: ٣٣٤، ٣٤١، ٣٤٢.
عبدالرحمن بن الحسن: ٢٦.
عبدالرحمن بن الحكم: ١٦١.
عبدالرحمن بن سمرة: ٢١٣.
عبدالرحمن بن شريح: ٩٤.
عبدالرحمن بن عثمان: ٣٠٦.
عبدالرحمن بن عبدالله الارحبي: ٩٤.
عبدالرحمن بن عبدالله بن عثمان: ٣٤٥.
عبدالرحمن بن عوف: ٨٥.
عبدالرحمن بن كثير: ٢١.
عبدالرحمن بن محرز: ٣٣٢.
عبدالرحمن الناصر: ١٧٨.
عبدالعزيز بن يحيى الجلودي: ٢١.
عبدالله بن بديل: ٤٨.
عبدالله بن جعفر: ٢٩، ٢٠٣، ٣٠٧، ٣٢٤.
عبدالله بن الحارث: ٢١٥.
عبدالله بن الحسن: ٢٦.
عبدالله بن حوبه: ٣٣٤.
عبدالله بن خليفة الطائي: ٣٣٢، ٣٥٤، ٣٥٥، ٣٦٠.
عبدالله بن الزبير: ٢٨، ١٧٨، ١٨٧، ٢٠٣، ٢٠٤، ٢٠٥، ٣٠٧، ٣١٢.
عبدالله بن زرير: ٣٣٩.
عبدالله بن سلام: ٤٦.
عبدالله بن سلم بن سعيد: ٩٦.
عبدالله بن عامر: ٢٦، ١٥٩، ١٦١، ٢١٢، ٢١٣، ٢٦١.
عبدالله بن عباس: ٢٨، ٥٨، ١٠٥، ١١٧، ١١٩، ١٥٩، ٢٠٥، ٢١٤، ٢١٥، ٢١٦، ٢٦٨، ٣٠٧، ٣١٠، ٣١١، ٣١٣، ٣٢١، ٣٢٢، ٣٢٤، ٣٦٣، ٣٦٦.
عبدالله بن عزيز الكندي: ٩٤.
عبدالله بن عصام الاشعري: ٣٠٦.
عبدالله العلايلي: ٨٤.
عبدالله بن علي: ٢٥٥.
عبدالله بن عمر: ٤٦، ٣١٢، ٣٣٧.
عبدالله بن الكواء: ٧٠، ٣٥٨.
عبدالله بن مسمع الهمداني: ٩٤.
عبدالله بن هاشم (المرقال): ٣٥١، ٣٥٢، ٣٥٣.
عبدالله بن وال: ٩٤.
عبدالله بن وهب الراسببي: ٧٠.
عبدالله بن يحيي الحضرمي: ٩٤، ٣٤٦، ٣٤٧.
عبدالملك بن مروان: ٤٦، ٥٥، ٦٩، ١٠٣.
عبيدالله بن عباس: ٥٨، ٨٩، ٩٤، ١٠٥، ١٠٦، ١٠٧، ١٠٨، ١١٠، ١١١، ١١٦، ١٢٢، ١٢٣، ١٣٨، ١٣٩، ١٤٠، ١٤٣، ١٤٤، ١٤٦، ١٤٧، ١٤٨، ١٤٩، ١٦٣، ١٨٦، ٢١٢، ٢١٥، ٢١٦، ٢٣٩.
عبيدالله بن مسعدة: ٣٠٦.
عبيدة بن عمرو: ٣٣٢.
عتبة بن ابي سفيان: ٢٠٣.
عتبة بن الاخنس: ٣٣٤.
عتبة بن ربيعة: ١١، ٢٨٨.
عثمان بن عفان: ٧، ٨٤، ٨٥، ٨٦، ٨٧، ١٥٤، ١٥٦، ١٥٧، ١٧٩، ٢٢١، ٢٢٥، ٢٢٧، ٢٢٩، ٢٣٣، ٢٣٨، ٢٧٩، ٢٨٤، ٣٠٥، ٣١٠، ٣١٣، ٣٢١، ٣٢٢، ٣٤١، ٣٤٥، ٣٤٩، ٣٥٦، ٣٦٤.
عدي بن حاتم: ٧٣، ٩٤، ١٠٠، ١٠١، ١٠٩، ١٢٧، ١٩٠، ٣٥٤، ٣٥٥، ٣٥٦، ٣٥٧، ٣٥٩، ٣٦٠.
عروة بن الزبير: ٣٢٦.
عروة بن قيس: ٩٦.
عريك بن شداد: ٣٤٠.
عقبة بن عمرو: ٤٩.
علقمة بن وائل: ١٥٤.
علي بن ابي بكر الهروى: ٣٤٦.
علي بن ابي طالب (ع): ٥، ١١، ٢٥، ٣٣، ٣٨، ٤١، ٤٥، ٤٦، ٤٧، ٤٨، ٤٩، ٥٢، ٥٤، ٥٥، ٥٦، ٦٤، ٦٥، ٧٠، ٧٣، ٨٠، ٨٢، ٨٤، ٨٥، ٨٦، ٨٧، ٩٠، ٩٣، ١٠٥، ١٠٦، ١٠٧، ١١٠، ١١٤، ١١٧، ١٢١، ١٢٤، ١٢٩، ١٣٠، ١٣٢، ١٣٥، ١٤٢، ١٤٣، ١٤٤، ١٥٤، ١٥٧، ١٥٨، ١٧٣، ١٨٩، ١٩٧، ٢٢٥، ٢٢٦، ٢٢٧، ٢٢٩، ٢٣٠، ٢٣١، ٢٣٢، ٢٣٣، ٢٣٦، ٢٣٨، ٢٤٣، ٢٦٠، ٢٦١، ٢٧٠، ٢٨١، ٢٨٥، ٢٨٨، ٢٩٣، ٣٠٧، ٣٠٨، ٣١٣، ٣١٥، ٣١٦، ٣١٧، ٣٢١، ٣٢٢، ٣٢٦، ٣٢٨، ٣٢٩، ٣٣٠، ٣٣١، ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤١، ٣٤٢، ٣٤٤، ٣٤٦، ٣٤٧، ٣٤٨، ٣٤٩، ٣٥٠، ٣٥٢، ٣٥٤، ٣٥٥، ٣٥٦، ٣٥٧، ٣٥٨، ٣٥٩، ٣٦٠، ٣٦٤، ٣٦٥، ٣٧٢، ٣٧٣.
علي بن الحسين (ع): ٥٣.
علي بن طاهر بن زيد: ٣٣.
علي بن موسى بن جعفر: ٦٢.
عمار: ٧، ٤٨.
عمارة بن عبدالله: ٩٤.
عمارة بن عقبة: ٣٤٤.
عمارة بن الوليد: ٦٨، ٩٦.
عمر بن الخطاب: ٧، ٨، ٣٢، ٨٤، ٨٦، ٨٧، ١٥٤، ١٧٩، ٢٢١، ٢٦٧، ٢٧٩، ٣١٠، ٣٢١، ٣٢٢، ٣٥٤، ٣٥٧.
عمر بن سعد: ٦٨، ٩٦، ٣٣١.
عمر بن عبدالعزيز: ٢٣١.
عمرو بن الحجاج: ٣٣١.
عمرو بن الحسن: ٢٦.
عمرو بن حريث: ٦٨، ٦٩، ٩٥، ١٦٠.
عمرو بن الحمق الخزاعي: ٧٣، ٩٤، ٣٠٨، ٣٣٢، ٣٤٤، ٣٤٥، ٣٤٦.
عمرو بن العاص: ١١، ٣٩، ٥٥، ٨٥، ٨٦، ٩٣، ١٥٧، ١٥٨، ١٥٩، ١٩٠، ٢٠٣، ٢٠٤، ٢٠٥، ٢٢٦، ٢٢٧، ٢٢٨، ٢٤٤، ٢٥٥، ٣١٠، ٣١١، ٣٢٦، ٣٥٢، ٣٥٣، ٣٥٩.
عمرو بن عثمان: ٢٠٣.
عمرو بن قرضة: ٩٤.
عمرو بن محصن: ٩٤.
عمير بن يزيد: ٣٣٢، ٣٥٠.
عوف بن الحارث: ٤٩.
عيسى بن مريم: ٤١، ٥٦، ٥٧.
(غ)
الغزالي: ٥٤، ٢٧٠.
(ف)
فاختة بنت قرضة: ٣٦٥.
فاطمة بنت أسد: ٣٤.
فاطمة بنت الحسن: ٢٦.
فاطمة بنت رسول الله (ص): ١١، ٢٥، ٥٥، ١٢٩، ١٦٨، ١٧١، ١٨٧، ١٨٩، ٢٠٥، ٢٨٨.
فتيلة: ١١، ١٢٩، ٢٨٨.
الفضل بن الحسن: ٢٨٨.
(ق)
القاسم بن الحسن: ٢٦.
القاسم بن رسول الله (ص): ٥٥.
القاسم بن مجيمة: ٣٤٦.
القاسم بن محمد بن ابي بكر: ٣٣.
قبيصه بن ربيعة (ضبيعة): ٣٣٤، ٣٣٥، ٣٤٢، ٣٤٣.
قدامة بن مظعون: ٨، ٤٦.
قرضة بن كعب الانصاري: ٤٩.
القعقاع بن الشور الذهلي: ٩٦.
القعقاع بن عمر: ٩٤.
قيس بن سعد بن عبادة: ٧٣، ٩٤، ١٠٥، ١٠٦، ١٠٧، ١٠٨، ١٠٩، ١١٠، ١١٧، ١٢٢، ١٢٧، ١٤٠، ١٤٣، ١٤٤، ١٤٦، ١٤٧، ١٦٣، ١٧٤، ١٩٠، ٢١٢، ٢١٣، ٢١٤، ٢١٥، ٢١٦، ٢٢٢، ٢٤٠، ٣٢١.
قيس بن شمر: ٣٣٢.
قيس بن فهدان الكندي: ٣٣٣.
قيس بن مسهر: ٩٤.
قيس بن ورقاء: ٩٤.
قيس بن يزيد: ٣٣٢.
(ك)
كثير بن شهاب: ٩٤.
كدام بن حيان: ٣٣٤، ٣٤٣.
كريم بن عفيف الخثعمي: ٣٣٤.
كسرى بن هرمز: ٣٥٤.
كعب بن عمرو الانصاري: ٤٩، ١٤٤.
كلاب بن الاسكر الكناني: ٤٩.
الكليني: ٢٧٢.
الكميت: ٤٠.
(ل)
لوط بن يحيي الازدي: ٣٣٨.
(م)
مالك الاشتر: ٤٨، ٢٩٣، ٣١٣.
مالك بن العجلان: ٥٥.
مالك بن هبيرة: ٢٩٥، ٣٣٧.
الماوردي: ١٠٤.
محرز بن شهاب: ٣٣٤، ٣٤٣، ٣٤٤.
محمد (ص): ٥، ٦، ٧، ١١، ١٣، ١٤، ١٨، ٢٥، ٢٦، ٢٨، ٣٠، ٣١، ٣٢، ٣٣، ٣٧، ٣٨، ٣٩، ٤٠، ٤١، ٤٢، ٤٣، ٤٤، ٤٥، ٤٦، ٤٨، ٥٢، ٥٣، ٥٤، ٥٥، ٥٦، ٥٨، ٥٩، ٦٧، ٨٠، ٨١، ٩٧، ١٢٩، ١٣٢، ١٣٤، ١٣٥، ١٤٢، ١٤٤، ١٥٠، ١٥٢، ١٥٤، ١٥٥، ١٥٩، ١٦١، ١٦٢، ١٦٤، ١٦٦، ١٦٧، ١٦٨، ١٦٩، ١٧٠، ١٧١، ١٧٢، ١٧٤، ١٧٥، ١٧٨، ١٧٩، ١٨١، ١٨٢، ١٨٣، ١٨٥، ١٨٦، ١٨٨، ١٨٩، ١٩٠، ١٩٢، ١٩٦، ١٩٧، ١٩٩، ٢٠٠، ٢٠٤، ٢٠٥، ٢٠٨، ٢١٣، ٢١٩، ٢٢٧، ٢٢٨، ٢٣٣، ٢٣٩، ٢٤٢، ٢٤٣، ٢٤٤، ٢٥١، ٢٥٣، ٢٥٤، ٢٥٥، ٢٥٦، ٢٥٨، ٢٦١، ٢٦٥، ٢٦٧، ٢٦٨، ٢٦٩، ٢٧٠، ٢٧١، ٢٧٢، ٢٧٣، ٢٧٨، ٢٨٦، ٢٨٧، ٢٨٨، ٢٨٩، ٢٩٠، ٣٠٥، ٣٠٨، ٣٠٩، ٣١٠، ٣١١، ٣١٣، ٣١٦، ٣٢٠، ٣٢٢، ٣٢٤، ٣٢٥، ٣٢٨، ٣٢٩، ٣٣٦، ٣٣٨، ٣٣٩، ٣٤٤، ٣٤٥، ٣٤٩، ٣٥٤، ٣٥٥، ٣٥٧، ٣٥٨، ٣٦٢، ٣٦٣، ٣٦٤، ٣٦٦، ٣٦٨.
محمد بن أبي بكر: ٤٥، ٤٨.
محمد بن اسحق: ٢٨
محمد بن الاشعث:
٣٣٣، ٣٣٤، ٣٦٥.
محمد بن بحر الشيباني: ٣٤٦.
محمد بن الحنفية: ٥٢، ٣٦٧.
محمد رشاد: ١٧٩.
محمد عبده: ٤٠.
محمد بن علي بن بابوية: ٣٠.
محمد بن علي (الباقر) - ع -: ٥٣، ٢٣٣.
محمد بن علي الهادي (ع): ١٠٧.
محمد بن عمير: ٩٦.
محمد بن مسلمة: ٤٦.
المختار بن ابي عبيد: ٢١٣، ٣٤٢، ٣٥٧.
المدائني: ٢٩، ١١٦، ١١٧، ٢١٤، ٢٥٩، ٢٨٥، ٢٩٣، ٣١٥، ٣٢١، ٣٢٣، ٣٢٤، ٣٢٧، ٣٦٧، ٣٦٨.
مدرك بن زياد: ٢٨.
المرتضى (الشريف): ٧١، ١١٨، ١١٩، ٣٦٧.
مروان بن الحكم: ٣٠، ٣٣، ٣٤، ٨٥، ٩٣، ٢٠٢، ٢٠٣، ٢٠٤، ٢٠٥، ٢٤٥، ٣٠٧، ٣١٣، ٣١٦، ٣٦٤، ٣٦٥.
مروان الحمار: ٢٩٧.
المستورد بن علفة: ٣٣٠.
المسعودي: ٣٣، ٣٩، ٤٥، ٤٦، ٦٩، ١٠٣، ٣١٧، ٣٢١، ٣٢٣، ٣٢٤، ٣٣٤، ٣٥٩، ٣٦٧.
مسلم بن عقبة: ٩٣، ٢٢٦، ٢٢٨، ٢٤٤.
مسلم بن عوسجة: ٩٤.
المسيب بن نجية: ٧٣، ٩٤، ١١٦، ١٢٠، ١٢١، ٢٨٩، ٣٠٢.
مصعب بن الزبير: ٦٩، ١٠٣.
معاوية بن ابي سفيان: وارد فى اغلب صفحات الكتاب.
معاوية بن خديج: ٩٦.
المعتضد العباسي: ٢٧٠.
معقل بن سنان: ٩٤.
معقل بن قيس: ٩٤، ١٢٧، ٣٤٤.
المغيرة بن شعبة: ١١، ٣٩، ٧١، ٩٣، ١٥٩، ١٦٠، ١٦١، ١٦٢، ١٩٠، ٢٠٣، ٢١٢، ٢٢٦، ٢٢٧، ٢٢٨، ٢٤٣، ٢٤٤، ٢٦٩، ٢٩٠، ٢٩٥، ٣٠٤، ٣١٥، ٣٢٦، ٣٢٩، ٣٣٠، ٣٥٧.
المغيرة بن نوفل:
١٠١، ١١٥.
المفيد (الشيخ): ٧١، ٧٦، ١٣٠، ١٣١، ١٣٣، ٢١٥.
المقداد: ٧.
المنذر بن الزبير: ٩٦، ٣٣١.
المهدي العباسي: ١٦٠.
المهدي المنتظر (ع): ٥٣.
مهيار الديلمي: ٤٠.
موسى بن عمران: ٥٦، ٥٧، ٢٠٠، ٢٨٨، ٣١٦.
ميثم: ٩٤، ٣٣٩.
(ن)
النبي (ص): انظر محمد (ع)
النجاشي: ٢١.
نصر بن مزاحم: ٣٣٨.
النعمان بن بشير: ٤٦.
النعمان بن جبلة: ٢٥٤.
النعمان بن المنذر: ٢٨٩.
نفطويه: انظر ابن عرفة.
(هـ)
هارون: ٢٨٨، ٣١٦.
هاشم بن عتبه (المرقال): ٤٨، ٣٥٢.
هاني بن اوس: ٩٤.
هاني بن عدي: ٣٢٨.
هاني بن عروة: ٩٤.
هاني بن هاني السبيعي: ٩٤.
هدبة بن فياض: ٣٣٦.
هشام بن حسان: ٦٠.
هشام بن محمد بن السائب: ٢١، ٣٣٨.
هنذ: ٥، ١١، ١٣، ١٢٩، ٢١٥، ٢٨٨.
هند بنت زيد: ٣٣٥.
هند بنت سهيل: ٢٥.
الهيثم بن عدي: ٢١.
(و)
وائل بن حجر الحضرمي: ٩٤.
الواقدي: ٣٣، ٣٤، ٣٦٧.
ورقاء بن سمي البجلي: ٣٣٤.
الوليد بن عتبة: ٩٣، ٢٠٣.
الوليد بن عبدالملك: ٥٥.
(ي)
يحيى بن الحسن: ٣٣.
يحيى بن معين: ٢٢٨.
يزيد بن اسد: ١٥٧.
يزيد بن الحارث: ٩٦.
يزيد بن الحر: ٩٣.
يزيد بن عمير: ٩٦.
يزيد بن قيس: ٩٤.
يزيد بن معاوية: ١٤، ٣٣، ٤٦، ٥٤، ٨٦، ١٧٩، ٢٢٦، ٢٢٨، ٢٤٤، ٢٥٢، ٢٧٤، ٢٨٠، ٢٩٥، ٢٩٦، ٣٠٣، ٣٠٤، ٣٠٥، ٣٠٦، ٣٠٧، ٣١٠، ٣١١، ٣١٢، ٣٥١، ٣٦٣، ٣٦٤، ٣٦٧، ٣٦٨، ٣٧٢، ٣٧٣.
يعقوب بن سفيان: ٣٣٩.
اليعقوبي: ٦٩، ٢١٢، ٢٦٦، ٢٨٥، ٣٦٦، ٣٦٧، ٣٦٨.
يعلى بن أمية: ٨٥.
٢ - فهرس الامكنة والبلدان
(أ)
الانبار: ١١٥.
الاهواز: ٢٦٠.
أجا: ٣٦٠
أحد: ١٠.
أسفانبر: ١٠٣.
أوانا: ١٠٣، ١٠٤.
ايران: ٦٥.
(ب)
بابل: ١٠٢.
البحرين: ٨، ١٠٦، ٣٥٧.
بدر: ١٠، ١٤٤، ١٥٤.
البصرة: ٤٦، ٥٨، ٦٤، ٦٦، ٧٢، ٧٦، ٩٧، ٩٨، ١٠٣، ١٠٥، ١١٨، ١١٩، ١٥٩، ١٦٠، ٢٠٨، ٢٣٨، ٢٨١، ٣٠٥، ٣١٦، ٣١٧، ٣٤٩، ٣٥١، ٣٥٩، ٣٦٧.
بغداد: ١٠٣، ١١٥، ١١٦.
البقيع: ٣٤.
بلد: ١٠٤.
بهرسير: ١٠٣.
بين النهرين: انظر الجزيرة
(ت)
تدمر: ٣٢٩.
تستر: ٣٥٥، ٣٦٠.
(ج)
جبانة عزرم: ٣٣٥.
جذع ابن معكبر: ٣٤٩.
الجزيرة (بين النهرين): ١٠٧، ١١٥، ٣٥٧.
جزيرة ابن كافان: ٣٥٨.
جسر منبج: ٩٢، ١٠٤.
جلولاء: ٧٢، ٣٥٥، ٣٦٠.
جنديسابور: ١٠٣.
الجنوبية: ١٠٤، ١٠٧، ١٤٦، ٢١٥.
(ح)
الحجاز: ٥٨، ٦٥، ٩٨، ١١٨، ٢٣٨، ٢٦١، ٣٠٦.
الحديبية: ١٠، ٢١٩.
الحرة: ١٢، ٢٢٦.
حران: ٢٣١.
حلب: ٩٢.
حمص: ٨.
الحيرة: ٦٤، ٢٨٩، ٣٥٤.
الحيوضة: ١٠٧.
(خ)
خان النخيلة: ١٠٠.
خراسان: ٣٣٨.
الخضراء: ٣٦٥.
خيبر: ١٦٨، ٣١٦، ٣٦٠.
(د)
دارا بجرد: ٢٦٠، ٢٨١، ٣١٧.
دجلة: ١٠٢، ١٠٣.
دجيل: ١٠٤.
دمشق: ٣٢٩، ٣٣٥، ٣٤٦، ٣٥٢.
دومة الجندل: ٢٤٤.
دير الشعار: ٤٩.
دير عبدالرحمن: ١٠٢، ١١٦، ١٢٢، ١٢٣، ١٣٨.
دير هند: ٢٨٩.
(ذ)
ذوخشب: ١٥٧.
(ر)
رومية: ١٠٣.
(س)
ساباط: ١٠، ١٢، ١٣، ١٥، ٢١٤، ٢٣٥.
سامراء: ١٠٤.
سقيفة بني ساعدة: ٣٩، ٤٠.
سلمي: ٣٦٠.
سلوقية: ١٠٣.
سميكة: ١٠٤.
(ش)
الشام: ٧، ١٣، ٤٩، ٦٨، ٦٩، ٧٠، ٧٣، ٨٣، ٨٥، ٨٦، ٨٨، ٨٩، ٩٢، ٩٣، ٩٨، ١٠٠، ١٠٢، ١٠٤، ١١٠، ١١٤، ١١٥، ١١٦، ١١٧، ١٢١، ١٢٢، ١٢٨، ١٢٩، ١٣١، ١٣٢، ١٤٩، ١٥٤، ١٥٨، ١٦٣، ١٧٢، ١٧٣، ١٧٤، ١٩٦، ٢٠٣، ٢٠٥، ٢١٣، ٢١٤، ٢١٥، ٢١٦، ٢١٨، ٢٢٥، ٢٢٩، ٢٣١، ٢٣٢، ٢٣٣، ٢٣٤، ٢٣٨، ٢٤١، ٢٤٣، ٢٥٣، ٢٥٤، ٢٥٥، ٢٥٦، ٢٦١، ٢٦٨، ٢٧٠، ٢٨٤، ٣٠١، ٣٠٤، ٣٠٧، ٣٠٩، ٣٢٩، ٣٣٤، ٣٣٦، ٣٤١، ٣٥٠، ٣٥٣، ٣٥٨، ٣٥٩، ٣٦٦.
(ص)
صفين: ٤٣، ٤٦، ٦٦، ٩٤، ١٣١، ١٣٣، ١٣٥، ١٥٧، ١٥٨، ٢١٤، ٢٢٣، ٢٢٧، ٢٣١، ٢٤٤، ٢٥١، ٢٥٣، ٢٥٤، ٢٦٠، ٣٠٧، ٣٢٩، ٣٤٤، ٣٥٢، ٣٥٤، ٣٥٦، ٣٥٧، ٣٦٠.
صنعاء: ٣٦٠.
(ط)
الطائف: ١٥٩.
طاق كسرى: ١٠٢.
الطف: ٩، ١٢، ١٣، ١٥.
طيشفون: ١٠٣.
(ع)
عانه: ١٤٩.
عذراء: انظر مرج عذراء.
العذيب: ٣٦٠.
العراق: ١١، ٥٨، ٦٤، ٧٤، ٨٩، ٩٢، ٩٨، ١٠٣، ١٠٤، ١١٨، ١١٩، ١٣١، ١٣٢، ١٥٨، ١٦٠، ١٦٣، ١٧٣، ٢١٣، ٢١٥، ٢٣٨، ٢٤٩، ٢٥٥، ٢٦١، ٢٨٠، ٢٨٤، ٣٠٦، ٣٣٩، ٣٥٢، ٣٥٨.
عكبرا: ١٠٤.
العلث: ١٠٤.
عين التمر: ٧٢.
عين الوردة: ١٢٠.
(غ)
غدير خم: ٢٨٨.
(ف)
فارس: ٥٨، ٩٨، ١٠٣، ١٠٤، ١١٨، ١١٩، ١٥٩، ٢٦٠.
فدك: ٣٦٠.
الفرات: ٤٩، ٩٢، ٩٣، ١١٥، ٣٤٢.
فلسطين: ٢٢٧.
(ق)
القادسية: ٣٢٩، ٣٥٥.
قس الناطف: ٢٤٢.
قنسرين: ٧.
(ك)
كربلاء: ١٢، ١٠٠، ٢٩٧، ٣٣٢.
الكوفة: ٤٣، ٤٦، ٤٧، ٤٩، ٥٨، ٦٢، ٦٤، ٦٥، ٦٦، ٦٧، ٦٨، ٦٩، ٧٠، ٧١، ٧٢، ٧٣، ٧٥، ٧٦، ٧٧، ٨٩، ٩٠، ٩٢، ٩٣، ٩٥، ٩٦، ٩٧، ٩٨، ١٠٠، ١٠١، ١٠٢، ١٠٣، ١٠٤، ١٠٥، ١٠٦، ١٠٩، ١١٠، ١١٤، ١١٦، ١١٧، ١١٨، ١١٩، ١٢٠، ١٢١، ١٢٣، ١٢٧، ١٢٨، ١٢٩، ١٣١، ١٣٨، ١٣٩، ١٤٠، ١٤٢، ١٤٦، ١٤٨، ١٤٩، ١٥١، ١٥٢، ١٥٣، ١٥٤، ١٥٥، ١٦٠، ١٦١، ١٧٣، ١٨٦، ١٩٠، ١٩٦، ٢١٥، ٢١٨، ٢٢٤، ٢٢٨، ٢٣٤، ٢٣٦، ٢٣٨، ٢٤١، ٢٤٤، ٢٥٦، ٢٦٠، ٢٦٦، ٢٧١، ٢٧٥، ٢٨٤، ٢٨٥، ٢٨٩، ٢٩٠، ٢٩٣، ٣٠٠، ٣٠١، ٣٠٢، ٣٠٥، ٣١٥، ٣٢٢، ٣٢٨، ٣٢٩، ٣٣٠، ٣٣١، ٣٣٢، ٣٣٣، ٣٣٤، ٣٣٦، ٣٤١، ٣٤٢، ٣٤٣، ٣٤٤، ٣٥٠، ٣٥١، ٣٥٥، ٣٥٧، ٣٥٩، ٣٦٠، ٣٦٦، ٣٦٨، ٣٧٣.
كوكه: ١٠٣.
(م)
المدائن: ٥٨، ٦٥، ١٠٢، ١٠٣، ١٠٤، ١١٦، ١١٧، ١٢٣، ١٢٤، ١٣١، ١٣٨، ١٤٠، ١٤٣، ١٥٠، ١٥٣، ١٦٢، ١٦٣، ١٧٣، ٢١٢، ٢١٣، ٢١٤، ٢١٦، ٢١٨، ٢٢٠، ٢٢٢، ٢٢٣، ٢٢٤، ٢٣٥، ٢٣٦، ٢٣٧، ٢٣٨، ٢٣٩، ٢٤٠، ٢٤٨، ٢٤٩، ٢٩٠، ٣٣٢، ٣٤٥، ٣٥٥، ٣٧١.
المدينة: ٢٥، ٢٩، ٣١، ٣٣، ٤٦، ٨٥، ١٠٦، ١٥٤، ١٦٩، ٢٠٣، ٢٢٦، ٢٣٦، ٢٤٤، ٢٥١، ٢٦٨، ٢٨٩، ٣٠١، ٣٠٩، ٣١٦، ٣٢١، ٣٤٤، ٣٥٤، ٣٦٠، ٣٦٣.
مرج عذراء: ١٥٦، ٣٢٩، ٣٣٥، ٣٣٩، ٣٤١.
مسكن: ٤٦، ١٠٣، ١٠٤، ١٠٥، ١٠٧، ١٠٩، ١١٠، ١١١، ١١٤، ١١٧، ١٢٢، ١٢٣، ١٣٨، ١٣٩، ١٤٢، ١٤٣، ١٤٦، ١٤٩، ١٥٠، ١٥٢، ١٥٣، ١٥٤، ١٦٢، ١٦٣، ١٧٣، ١٧٤، ١٧٥، ٢١٣، ٢١٥، ٢١٦، ٢١٩، ٢٢٢، ٢٣٤، ٢٣٩، ٢٤٠، ٢٤١، ٢٤٢، ٢٤٥، ٢٤٩، ٢٥٢، ٢٥٤، ٢٩٠، ٣٣٢، ٣٧١.
مصر: ١٣١، ٢٢٦، ٢٢٨.
مظلم ساباط: ١٠٣، ١٣١، ٢٠٨، ٢١٣.
مكة: ٦، ١٢، ٢٨، ١٠٥، ١٠٦، ١٥٤، ٢٠٠، ٢١٩، ٢٢٧، ٢٥١، ٣٠٠، ٣١٢، ٣٤٠.
ملطية: ٩٢.
الموصل: ١٠٧، ٣٤٥، ٣٤٦.
(ن)
نجران: ٣٠، ١٦٩.
النخيلة: ١١، ١٠٠، ١٠١، ١٠٢، ١١٥، ١٢٢، ٢٣٩، ٣٥٥.
نهاوند: ٣٥٥، ٣٦٠.
نهر دجيل: ١٠٣.
نهر الملك: ١٠٣، ١٣١.
النهروان: ٦٦، ٧١، ١٣٠، ١٣٣، ٢١٤، ٣٢٩، ٣٤٤.
(ي)
اليمن: ٥٨، ٦٥، ٩٨، ١٠٦، ١١٠، ١٣٨، ١٤٤، ٢٣٨، ٢٥١، ٢٦١، ٣٣٧، ٣٥٥، ٣٥٦.
٣ - ثبت بأسماء الكتب المذكورة في الكتاب
(أ)
الابانة: - لابن بطة.
أبو جعفر النقيب: - للدكتور مصطفى جواد.
الاتحاف بحب الاشراف: - للشبراوي.
الاحتجاج: - للطبرسي.
الاحداث: للمدائني.
الاحكام السلطانية: للماوردي.
احياء علوم الدين: - لأبي حامد الغزالي
أخبار الحسن: لابي اسحق ابراهيم الاصفهاني الثقفي.
أخبار الحسن: للهيثم بن عدي الثعلبي
الاربعين: - لسعد بن ابراهيم الحنبلي
الارشاد: لمحمد بن محمد بن النعمان (المفيد).
الاستيعاب: - لابن عبدالبر المالكي.
أسد الغابة في معرفة الصحابة: للحافظ علي عزالدين بن محمد (ابن الاثير).
اسعاف الراغبين: للشبلنجي
الاسلام بين السنة والشيعة: - لهاشم الدفتر دار ورفيقية.
الاصابة في تمييز الصحابة: للقاضي احمد شهاب الدين العسقلاني
اصول التاريخ والادب: لمصطفى جواد
اصول الكافي: لمحمد بن يعقوب الكليني
اعلام الورى: للطبرسي
أعيان الشيعة: للسيد محسن الامين العاملي
الاغاني: لابي الفرج الاصفهاني
الالواح - مجلة -.
الامالي: - للشريف المرتضى.
الامالي: للشيخ الطوسي
الامامة والسياسة: لابن قتيبة الدينوري
أمر الحسن: لعبد العزيز بن يحيى البصري
الانساب: للسمعاني
أوج البلاغة: للمؤلف
آيات الاحكام: للشيخ أحمد الجزائري
أيام الحسين: - لعبدالله العلايلي.
(ب)
البداية والنهاية: لابن الكثير
بحار الانوار: لمحمد باقر المجلسي
بلاغات النساء: لابي الفضل أحمد بن أبي طاهر البغدادي
بهجة المستفيد: لجعفر بن محمد الهمداني
البيان: للحافظ الكنجي.
(ت)
تاريخ ابن البيع
تاريخ ابن الخشاب
تاريخ ابن خلدون
تاريخ الاسلام السياسي: للدكتور حسن ابراهيم حسن
تاريخ الامم والملوك: لابن جرير الطبري
تاريخ بغداد: للخطيب البغدادي
تاريخ الخلفاء: للسيوطي
تاريخ دمشق: لابن عساكر
تاريخ الفخري: لابن طباطبا الطقطقي
تاريخ الكوفة: للسيد حسين البرقي.
تاريخ اليعقوبي.
تحفة الباري في شرح صحيح البخاري: لشيخ الاسلام زكريا الانصاري
تذكرة الحفاظ: للذهبي
تذكرة الخواص: لسبط ابن الجوزي
تلخيص المستدرك: للذهبي
التمهيد: لابي بكر الباقلاني
التنبيه والاشراف: للمسعودي
التنبيه في الرد على أهل الاهواء والبدع: لمحمد بن احمد الملطي
تنزيه الانبياء: للشريف المرتضى
التهذيب: للنووي
(ج)
الجامع: لابي داود
الجامع: للترمذي
الجمع بين الصحيحين: للحميدي
(ح)
حضارة الاسلام: لجميل مدور
حلية الاولياء: للحافظ أبي نعيم الاصفهاني
حياة الحيوان: للدميري
(خ)
الخرايج والجرايح: للراوندي
خواص الائمة: لسبط ابن الجوزي
(د)
دائرة معارف القرن العشرين: لفريد وجدي
دراسات في الاسلام
الدرجات الرفيعة: للسيد علي خان.
الدر المنثور: للسيوطي
الدلائل: للبيهقي
دلائل الامامة: للطبري
الدولة الاموية في الشام والاندلس: لحسن مراد
ديوان شريف الرضي.
(ر)
ربيع الابرار: للزمخشري
الرجال: للشيخ الطوسي
الرد على الامامية: للجاحظ
روضة الشهداء
(ز)
زهد الحسن: لمحمد بن علي بن بابويه
الزيارات: للهروي
(س)
سفينة البحار: للشيخ عباس قمي
السقيفة: لسليم بن قيس
السقيفة وفدك: لابي بكر أحمد بن عبدالعزيز الجوهري
سنن البيهقي
سنن الدار قطني
(ش)
شرح صحيح مسلم: للنووي
شرح النهج: لابن ابي الحديد
شرح نهج البلاغة: لمحمد بن عبده
شعب الايمان: للبيهقي
(ص)
صحيح البخاري
صحيح الترمذي
صحيح مسلم
صلح الحسن: لعبد الرحمن بن كثير الهاشمي
صلح الحسن ومعاوية: لاحمد بن محمد السبيعي الهمداني
الصواعق المحرقة: لشهاب الدين أحمد بن حجر الهيثمي.
(ط)
الطبقات: لابن سعد.
(ع)
العالم العربي: مجلة
العقد الفريد: لابن عبد ربه الاندلسي
علل الشرائع: لمحمد بن علي بن بابويه
عميدة الطالب: لابن المهنا
عيون الاخبار: لعبدالله بن مسلم بن قيبية الدينوري
(غ)
الغدير: لبولس سلامة
الغدير: للشيخ عبدالحسين الاميني
(ف)
فتح الباري في شرح صحيح البخاري: للزرقاني
فتوح البلدان: للبلاذري
فرائد السمطين: لابراهيم بن محمد الحمويني الشافعي
فردوس الاخبار: لابن شيرويه الديلمي
الفروق بين الاباطيل والحقوق: للشيباني
فصل الخطاب: للحافظ البخاري
الفصول المهمة: لابن الصباغ المالكي
فضائل الصحابة: للبيهقي
الفهرست: لابن النديم
فهرست الرجال: للنجاشي
(ق)
قوت القلوب: لابي حامد الغزالي
قيام الحسن: لهشام بن محمد بن السائب
قيام الحسن: لابراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي
(ك)
الكامل: لابن الاثير
كتاب الجمل: لمحمد بن محمد بن النعمان (المفيد).
كشف الغمة في معرفة احوال الائمة - لعلي بن عيسى الاربلي
كفاية الطالب: لابي عبدالله محمد القرشي الكنجي الشافعي.
كنز العمال: لعلي المتقي الهندي الحنفي.
(م)
المتفق والمفترق: للخطيب البغدادي
المثالب: لابن السائب
مثالب بني امية: لابن السمان
المجالس: للشيخ الطوسي
المحاسن والمساوي: للبيهقي
الملاحم والفتن: للسيد علي بن طاووس
المختصر: لابي الفدا
مختصر تاريخ العرب والتمدن الاسلامي: لامير علي الهندي
المراجعات: للسيد عبدالحسين شرف الدين
مروج الذهب (على هامش ابن الاثير): للمسعودي.
مستدرك الصحيحين: للحاكم النيسابوري.
مسند الامام احمد بن حنبل
مصابيح السنة: للحسين بن مسعود البغوي الشافعي
المعارف: لابن قتيبة الدينوري
معالم التنزيل: لابي القاسم البغوي.
معجم البلدان: لياقوت الحموي
معجم الصحابة: لابي القاسم البغوي
مقاتل الطالبين: لابي الفرج الاصفهاني
المقدمة: لابن خلدون
المناقب: للخطيب البغدادي.
مناقب ابن شهر اشوب
مناقب ابن مردويه
مناقب ابن المغازلي
منتخب كنزالعمال: للمتقي الهندي
المنهاج: لابن تيمية
(ن)
نزهة المجالس: للصفوري الشافعي
النصائح الكافية: لمحمد بن عقيل (ط. الهند)
نقض كتاب العثمانية: لابي جعفر الاسكافي.
نور الابصار: للصبان
(ي)
ينابيع المودة: لسليمان الحنفي القندوزي
اليواقيت والجواهر: للعارف الشعراني


 

 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) فيما رواه الزبير بن بكار في كتابه - الموفقيات - ونقله عنه ابن حجر في ترجمة الحارث بن وهب في القسم الاول من اصابته.
(٢) كما اوضحه الشيخ في كتابه هذا.
(٣) لان معاوية كان يطلب الصلح ملحاً على الحسن بذلك، وكان يبذل له من الشروط للّه تعالى وللامة كل ما يشاء، يناشده اللّه في حقن دماء أمة جده، وقد أعلن طلبه هذا فعلمه المعسكران، مع ان الغلبة كانت في جانبه لو استمر القتال، يعلم ذلك الحسن ومعاوية وجنودهما، فلو أصر الحسن - والحال هذه - على القتال، ثم كانت العاقبة عليه لعذله العاذلون وقالوا فيه ما يشاؤون.
ولو اعتذر الحسن يومئذ بأن معاوية لا يفي بشرط، ولا هو بمأمون على الدين ولا على الامة، لما قبل العامة يومئذ عذره، اذ كانت مغرورة بمعاوية كما اوضحناه. ولم تكن الاموية يومئذ سافرة بعيوبها سفوراً بيناً بما يؤيد الحسن أو يخذل معاوية كما أسلفنا بيانه من اغترار الناس بمعاوية وبمكانته من أولي الامر الاولين، لكن انكشف الغطاء، في دور سيد الشهداء فكان لتضحيته عليه السلام من نصرة الحق وأوليائه آثاره الخالدة والحمد للّه رب العالمين.
اقرأ فصل (سر الموقف) من هذا الكتاب.
(٤) اقرأ ما يتعلق بنصوص المعاهدة وشروطها ومدى وفاء معاوية بكل منها في فصول هذا الكتاب.
(٥) تجد ذكر هذه المؤلفات ضمن تراجم مؤلفيها في كتب الرجال، كفهرست ابن النديم والنجاشي وغيرهما. وستجد معها اسماء كتب اخرى تخص موضوع الحسن عليه السلام في صلحه وفي مقتله، لا نريد الاطالة باستقصائها بعد ان اصبحت اسماء بلا مسميات.
(٦) اما كونه احق به، فلانه ابنه وبضعته، بل هو بعضه، ولا احق من الابن بالاب، ولا من البعض بالكل.
واما كونه احق ببيته، فلأنه وارثه الشرعي من امه الصديقة الطاهرة عليها السلام الوارثة الوحيدة من ابيها صلى الله عليه وآله وسلم. وانها لترثه كما ورث سليمان داود. وما من مخصص لعمومات الميراث..
وكانت صيغة التفضيل هنا تعني المفضولين ابا بكر وعمر فيما استأثرا به من الدفن في حجرة رسول اللّه (ص) بما لابنة كل منهما من الحق في هذه الحجرة. ودل ذلك على رأيهما في صحة ارث الزوجة من العقار. والمسألة لا تزال محل الخلاف بين فقهاء الاسلام إلى يوم الناس. وكان لكل من عائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر في حجرة رسول اللّه التي دفن فيها - بناء على صحة ارثهما كزوجتين - سهم واحد من اثنين وسبعين سهماً لانهما ثنتان من تسع. وللتسع كلهن الثمن يتقاسمنه على هذه النسبة. اما سعة الحجرة المقدسة، فممّا لا نعلمه الآن على التحقيق، فلتكن واسعة بحيث تكفي لاثنين وسبعين قبراً، والا فليكن ورثة الصديقة الطاهرة قد أذنوا لابي بكر وعمر بالدفن فيها. والا فماذا غير ذلك. وعلينا ان نعترف للحسن (ع) بانه كان الاحق برسول اللّه وببيته.
(٧) وعلى مثل هذا الوتر من التبكيت المؤدب ما رواه البيهقي في المحاسن والمساوئ (ج ١ ص ٣٥) قال: (وعن الحسن البصري ان الاحنف بن قيس قال لعائشة يوم الجمل: يا ام المؤمنين. هل عهد اليك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذا المسير؟ قالت: اللهم لا. قال: فهل وجدتيه في شيء من كتاب اللّه جل ذكره. قالت: ما نقرأ الا ما تقرأون. قال: فهل رأيت رسول اللّه عليه الصلاة والسلام استعان بشيء من نسائه اذا كان في قلة والمشركون في كثرة. قالت: اللهم لا. قال الاحنف: فاذاً ما هو ذنبنا؟).
(٨) اخرجه الترمذي وهو الحديث ٨٧٤ من احاديث كنز العمال (ص ٤٤ ج ١) وعلى نسق هذا الحديث احاديث كثيرة اخرى روتها الصحاح والمسانيد، وجاء في بعضها (اني تارك فيكم خليفتين كتاب اللّه ممدود بين السماء والارض او ما بين السماء والارض وعترتي اهل بيتي وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) - (الامام احمد والطبراني في الكبير).
(٩) يلحظ هنا كتاب معاوية إلى الحسن عليه السلام شرح النهج (ج ٤ ص ١٣).
(١٠) ويراجع للتأكد تصريح معاوية نفسه فيما رواه المسعودي (ج ٦ ص ٧٨ - ٧٩ هامش ابن الاثير). وبنى على ذلك كثير من شعرائنا القدامى قصائدهم العامرة. وهو ما عناه مهيار الديلمي في لاميته بقوله:

وما الخبيثان ابن هند وابنه * * * وان طغى خطبهما بعد وجل
بمبدعين في الذي جاءا به * * * وانما تقفيا تلك السبل

وهو ما عناه قبله استاذه الشريف الرضي رحمه الله بقوله:

الا ليس فعل الآخرين وان علا * * * على قبح فعل الاولين بزائد

وهو ما عناه قبلهما الكميت بقوله:

يصيب به الرامون عن قوس غيرهم * * * فيا اخرا اسدى له الشراول

الى امثال كثيرة اخرى.
(١١) لبولس سلامة.
(١٢) قال معاوية فيما كتبه اليه مع أبي امامة الباهلي:
(وتلكأت في بيعته - يعني بيعة ابي بكر - حتى حملت اليه قهراً تساق بخزائم الاقتسار كما يساق الفحل المخشوش!!.).
(١٣) نهج البلاغة (ج ١ ص ٢٩٩)، شرح محمد عبده.
(١٤) وكان من افظع النكايات بقضية اهل البيت:، ان تختفي كل هاتيك المحاججات في التاريخ. ثم لا نقف منها الا على النتف الشاردة التي اغفلتها الرقابة العدوة عن غير قصد.. وهنا الذكر قول الشاعر المجدد الحاج عبد الحسين الازري:

اقرأ بعصرك ما الاهواء تكتبه * * * ينبئك عما جرى في سالف الحقب

(١٥) ابن ابي الحديد (ج ٤ ص ١٢).
(١٦) تجد ذلك صريحاً فيما كتبه معاوية لمحمد بن ابي بكر. قال: (كان ابوك وفاروقه اول من ابتزه - يعني علياً عليه السلام - حقه وخالفه على امره. على ذلك اتفقا واتسقا، ثم انهما دعواه إلى بيعتهما فابطأ عنهما وتلكأ عليهما، فهما به الهموم وارادوا به العظيم. ثم انه بايع لهما وسلم لهما. واقاما لا يشركانه في امرهما، ولا يطلعانه على سرهما حتى قبضهما اللّه.. - ثم اردف قائلاً -: فان يك ما نحن فيه صواباً، فابوك استبد به ونحن شركاؤه، ولولا ما فعل ابوك من قبل، ما خالفنا ابن أبي طالب ولسلمنا اليه، ولكنا رأينا اباك فعل ذلك به من قبلنا واخذنا بمثله).. اه المسعودي على هامش ابن الاثير (ج ٦ ص ٧٨ - ٧٩).
(١٧) ونجد في كلمات امير المؤمنين (ع) شواهد كثيرة على ذلك. قال: (فواللّه ما زلت مدفوعاً عن حقي مستأثراً علي منذ قبض اللّه نبيه حتى يوم الناس هذا). وقال: اللهم اني استعديك على قريش ومن اعانهم، فانهم قطعوا رحمي وصغروا عظيم منزلتي واجمعوا على منازعتي امراً هو لي..
(١٨) قال المسعودي (هامش ابن الاثير ج ٥ ص ١٧٨ - ١٧٩): (ولكن عبد اللّه بن عمر بايع يزيد بعد ذلك وبايع الحجاج لعبد الملك بن مروان!.) ورأى المسعودي ان يسمى هؤلاء (القعاد) بالعثمانية. ورأى ابو الفدا (ج ١ ص ١٧١) ان يسميهم (المعتزلة) لاعتزالهم بيعة علي (ع) - اقول: وما هم بالعثمانية ولا المعتزلة ولكنهم الذين ماتوا ولم يعرفوا امام زمانهم.
(١٩) اسم موضوع على شاطئ الفرات بين (عانة) و(دير الشعار). كان ميدان الحروب الطاحنة بين الكوفة والشام.
(٢٠) تجد ذلك مفصلاً في ينابيع المودة (ج ٢ ص ٤٤٠) فيما يرويه عن الحمويني في فرائد السمطين، وعن الموفق بن احمد الخوارزمي في مسنده. وروى ذلك ابن الخشاب في تاريخه وابن الصباغ في (الفصول المهمة)، والحافظ الكنجي في (البيان). وأسعد بن ابراهيم بن الحسن بن علي الحنبلي في (أربعينه). والحافظ البخاري (خاجه بارسا) في (فصل الخطاب).
(٢١) الاتحاف بحب الاشراف، للشبراوي الشافعي (ص ١٢٩ ط مصر) ونزهة المجالس. للصفوري الشافعي (ج ٢ ص ١٨٤).
(٢٢) ابن تيمية في منهاجه (ج ٤ ص ٢١٠).
(٢٣) المسعودي (هامش ابن الاثير ج ٦ ص ٦١).
(٢٤) اصول الكافي (ص ١٥١) وكشف الغمة (ص ١٥٩) وغيرهما.
(٢٥) ففي صحيح مسلم (ج ٢ ص ١١٩) في باب (الناس تبع لقريش) عن جابر بن سمرة قال: (سمعت رسول اللّه (ص) يقول: لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة ويكون عليهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش). وروى نحواً منه البخاري (ج ٤ ص ١٦٤) وابو داود والترمذي في جامعه والحميدي في جمعه بين الصحيحين. ورواه غيرهم. والحديث بحصره العدد في الاثني عشر من قريش، وبما يفصله صحيح مسلم من كون هذا العدد هو عدد الخلفاء إلى ان تقوم الساعة، صريح بما يقوله الامامية في ائمتهم، دون ما وقع في التاريخ من أعداد الخلفاء ومختلف عناصرهم.
(٢٦) تراجع (دائرة المعارف) لفريد وجدي مادة (حسن) (ج ٣ ص ٢٣١).
(٢٧) الارشاد (ص ١٦٧) واليعقوبي (ج ٢ ص ٢٠١) وغيرهما.
(٢٨) قال معاوية ذات يوم - وعنده اشراف الناس من قريش وغيرهم: (اخبروني بخير الناس اباً واماً وعماً وعمة خالاً وخالة وجداً وجدة)، فقام مالك بن العجلان، فأومأ إلى الحسن فقال: (ها هو ذا ابوه علي بن ابي طالب، وامه فاطمة بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعمه جعفر الطيار في الجنان، وعمته ام هانئ بنت ابي طالب، وخاله القاسم ابن رسول اللّه وخالته بنت رسول اللّه زينب، وجده رسول اللّه، وجدته خديجة بنت خويلد). فسكت القوم. ونهض الحسن. فاقبل عمرو بن العاص على مالك فقال: (أحب بني هاشم حملك على ان تكلمت بالباطل؟). فقال ابن العجلان: (ما قلت الا حقاً، وما احد من الناس يطلب مرضاة مخلوق بمعصية الخالق، الا لم يعط امنيته في دنياه، وختم له بالشقاء في آخرته. بنو هاشم انضرهم عوداً، وأوراهم زنداً، كذلك يا معاوية؟ قال: اللهم نعم). (البيهقي ج ١ ص ٦٢).
(٢٩) اليعقوبي (ج ٢ ص ١٩٠) وابن الاثير (ج ٣ ص ١٦) ومقاتل الطالبيين.
(٣٠) يرجع فيما ذكرناه هنا إلى شرح النهج لابن ابي الحديد (ج ٤ ص ١١) وذكر غيره مكان عبيد اللّه أخاه عبد اللّه. وسنشير في فصل (القيادة والنفير) إلى ان عبد اللّه لم يكن في الكوفة أيام بيعة الحسن.
(٣١) روى هذه الخطبة هشام بن حسان. وقال: انها بعض خطبته بعد البيعة له بالامر البحار (ج ١٠ ص ٩٩) والمسعودي.
(٣٢) وروى هذا النص اكثر المؤرخين.
(٣٣) الامامة والسياسة (ص ١٥١).
(٣٤) تجد ترجمته في (زعماء الشيعة المروعين) في الكتاب، وروى كلمته هذه المسعودي (هامش ابن الاثير ج ٦ ص ١١٨).
(٣٥) بفتح اوله غلاف القوس.
(٣٦) الجلف هو الغليظ الجافي.
(٣٧) البلاذري في فتوح البلدان والبراقي في تاريخ الكوفة، وذكره الحموي في المعجم ثم ناقض نفسه اذ قال في مادة (البصرة): (وكان تمصير البصرة في السنة الرابعة عشرة قبل الكوفة بستة أشهر!).
(٣٨) البداية والنهاية (ج ٨ ص ٤١).
(٣٩) المفيد في الارشاد (ص ١٧٠) - والطبرسي في اعلام الورى.
(٤٠) هامش ابن الاثير (ج ٦ ص ٤٢). اقول: وما يدرينا أن يكون كثير من أهل الشام كاتبوا الحسن يومئذ، بمثل ما كاتب به الكوفيون معاوية. وقد علمنا ان الفريقين - أهل الشام واهل الكوفة - كانوا سواء في افلاسهم الخلقي الذي ينزع إلى الخيانة كلما أغرتهم المظاهر. وعليك ان ترجع إلى البيهقي في المحاسن والمساوي (ج ٢ ص ٢٠٠) لتشهد مكاتبة أصحاب معاوية علياً عليه السلام، وترجع إلى اليعقوبي (ج ٣ ص ١٢) لتشهد مكاتبة عامة أصحاب عبد الملك بن مروان لمصعب بن الزبير وطلبهم الامان والجوائز منه. فلعل مكاتبة الشاميين للحسن انما خفيت علينا لان الحسن كان آمن من صاحبه على السر فلم يبح بما وصله منهم، أو لان المؤرخين شاءوا اغفالها ككثير من امثالها.
(٤١) علل الشرائع (ص ٨٤).
(٤٢) يراجع كتاب الامامة والسياسة (ص ١٥٠).
(٤٣) اليراع: القصب.
(٤٤) الطبري (ج ٦ ص ١٠٩).
(٤٥) شرح النهج لابن ابي الحديد (ج ٤: ص ١٢).
(٤٦) الارشاد (ص ١٦٨) والبحار وكشف الغمة.
(٤٧) ابن ابي الحديد (ج ٤ ص ١٢).
(٤٨) الفخري (ص ٧٤).
(٤٩) لعل من الخير لمن أراد شرح هذا الاجمال، أن يرجع إلى ما صوره الاستاذ عبد اللّه العلايلي حفظه اللّه، من احوال المجتمع على عهد عثمان، في كتابه (أيام الحسن) (من صفحة ١١٢ إلى ١٢٨) ولعل من الافضل أن نختزل هنا الخطوط الرئيسة من تلك الصورة المفصلة، اتماماً للفائدة قال:
(وهؤلاء الامويون لم يكتفوا بأن يفرضوا انفسهم ووجودهم الخالي من الحياة والجهد، بل تجاوزوا هذا، إلى تعبئة المجتمع في طبقات.. واذا بالثروات الفاحشة تصير وتجتمع في أيدي الامويين وانصارهم، واذا بمروان يستبد بالمقدرات العليا على هواه، واذا بأكثر الاقاليم تذهب اقطاعات بين فلان وفلان.. فيعلى بن امية يملك ما قيمته مائة الف دينار، عدا عقاراته الكثيرة. وعبد الرحمن بن عوف يملك ما قيمته خمسمائة الف دينار. وزيد بن ثابت يملك من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤوس.. فلا بدع ان استنكرت الكثرة خطة هذا الجديد، ولا بدع ان تحدوا انصاره واتهموهم بالمروق، ولا بدع ان دخلوا معهم في صراع بدأ خفياً ثم امتد حمياً.
(ولقد باتت الحالة العامة تجيء في كلمتين: حكومة تتآمر بالشعب وشعب يتآمر بالحكومة. ولكن للشعب الكلمة الاخيرة والعليا دائماً.. ومن الانصاف والخير ان نذكر ان الجمهور مع ذلك لم يكن أرعن في ثورته، فقد اتصل بأولياء الامور والسلطة، وطالب بواسطة ممثليه مراراً وتكراراً ولكن مطاليبه في كل مرة كانت تبوء بالفشل وكان فشلاً ذريعاً متواصلاً، ومن النوع المثير.
(وكان عمرو بن العاص في هذه الاثناء يحرض الناس على عثمان ويجبه سياسته علانية ويتجسس عليه ويفضح الاحاديث التي تجري داخل داره، ولا يلقى احداً الا أدخل في روعه كراهيته.. ويقابله حينما خطب عثمان على ملأ من الصاخبين المتمردين بقوله: (يا امير المؤمنين انك قد ركبت نهابير وركبناها معك فتب نتب). وهذه عائشة تجترئ وهو يخطب فتقول وقد نشرت قميص النبي: (هذا قميص النبي لم يبل وقد ابليت سنته). وهذا طلحة والزبير يعينان الثائرين بالمال.. ولكن علياً مع كل ما هو عاتب وواجد.. بادر إلى تقديم ولديه لاعتباراتهما التقديرية ومواليه لكي ينهنهوا عوادي الاحداث..
(وحين بلغه أن الناس حصروا داره ومنعوه الماء بعث اليه بثلاث قرب وقال للحسن والحسين اذهبا بسيفكما حتى تقوما على بابه ولا تدعا احداً يصل اليه بمكروه. وكان أن خضب الحسن بالدماء وشج قنبر مولاه.
(هذا ما عرف التاريخ عن علي وبنيه ازاء المصرع، بينما عرف من ناحية ثانية، أن عثمان وهو محاصر كتب إلى معاوية وهو بالشام: (أن اهل المدينة قد كفروا واخلفوا الطاعة ونكثوا البيعة، فابعث الي من قبلك من مقاتلة أهل الشام على كل صعب وذلول). فاذا بمعاوية حينما جاءه كتابه يتربص به، فقد كره - على حد دعواه - مخالفة أصحاب الرسول، وقد علم اجتماعهم على ذلك. ومن تهكمات القدر أن يحرض عمرو بن العاص على قتل عثمان ونجبهه عائشة علانية ويتخلى معاوية عن نجدته ويعين عليه طلحة والزبير كلاهما، ثم ينفر هؤلاء أنفسهم هنا وهناك يطالبون بدمه علي بن ابي طالب الذي أخلص له النصيحة وحذره من هذا المصير وكان مجنه دون رواكض الخطوب..).
(٥٠) شرح النهج (٤ - ١٣).
(٥١) شرح النهج (ج ٤ ص ١٣ و١٠).
(٥٢) شرح النهج (ج ٤ ص ١٣ و١٠).
(٥٣) المسعودي هامش ابن الاثير (ج ٦ ص ١١٩).
(٥٤) ابن كثير (ج ٨ ص ٣٦ - ٣٧).
(٥٥) ابن ابي الحديد (ج ٤: ص ١٣).
(٥٦) (منبج) بلد قديم كبير، بينه وبين جسره على الفرات ثلاثة فراسخ، وبينه وبين (حلب) عشرة فراسخ، وفي المعجم: (بينهما يومان)، قال: (ومنها إلى (ملطية) اربعة ايام والى الفرات يوم واحد، وخرج منها جماعة منهم البحتري وابو فراس الحمداني..).
(٥٧) (ج ٢: ص ١٩١).
(٥٨) ابن أبي الحديد (ج ٤ ص ١٣).
(٥٩) كلمة الحسن نفسه فيما وصف به أهل الكوفة كما يرويها ابن الاثير (ج ٣: ص ٦٢).
(٦٠) يراجع شرح النهج (ج ٤: ص ١٤).
(٦١) يرجع إلى اليعقوبي (ج ٢: ص ٩٤)، والى الامامة والسياسة (ص ١٥١).
(٦٢) حضارة الاسلام في دار السلام لجميل مدور.
(٦٣) تصغير نخلة، موضع قرب الكوفة على سمت الشام، اقول: ويوجد اليوم على سمت كربلاء بناية تعرف بخان النخيلة، بينها وبين الكوفة اثنا عشر ميلاً.
(٦٤) شرح النهج (ج ٤ ص ١٤).
(٦٥) اليعقوبي (ج ٢ ص ١٧١).
(٦٦) الخرايج والجرايح (ص ٢٢٨ - طبع ايران).
(٦٧) وهي العاصمة الساسانية التي بلغت من العمر الف سنة. وكانت وريثة بابل في عظمتها ولم يبق من آثارها اليوم الا طاق كسرى، ومرقد الصحابي العظيم (سلمان الفارسي) رضي اللّه تعالى عنه. وكانت سبع مدن متقاربة تتقابل على ضفاف دجلة. فتحها المسلمون سنة ١٥ هجري وكانت اذ ذاك عاصمة الشرق الفارسي كله، ففي الجانب الغربي سلوقية، ودرزجان وبهرسير، وجند يسابور (كوكه) في ناحية (مظلم ساباط) المتصلة بنهر الملك. وفي الجانب الشرقي اسفانبر، ورومية، وطيشفون (وهي ام الطاق).
وكان لابد من مرور اكثر من مائة عام قبل ان تندثر المدائن نتيجة لانشاء بغداد سنة ١٥٠ هجري. وفي خلال تلك الفترة كانت تغذي الكوفة بصناعاتها وكنوزها ومحصولاتها، وذلك بارسالها الموالي من الفرس اليها وقد صاروا مسلمين.
وكانت المدائن منذ العهد الذي وليها فيه سلمان الفارسي تتشيع لآل محمد (ص) وكانت لا تزال في القرن السابع الهجري قرية لا يسكنها الا شيعة متحمسون.
وذكرها المسعودي عند ذكره العراق فقال: (ومدنه: المدائن وما والاها ولاهلها أعدل الالوان وانقى الروائح وافضل الامزجة واطوع القرائح وفيهم جوامع الفضائل وفرائد المبرات..).
(٦٨) بفتح اوله وكسر ثالثه، اسم الطسوج الذي منه (أوانا) على نهر دجيل - القرية الكثيرة البساتين والشجر - التي عناها ابو الفرج السوادي (من شعراء القرن السادس) بقوله.

واجتلوها بكراً نشت (بأوانا) * * * حجبت عن خطابها بالاواني

وفي (مسكن) هذه، كانت الوقعة بين عبد الملك بن مروان ومصعب بن الزبير سنة ٧٢ هجري وفيها قتل مصعب، وقتل معه ابراهيم بن مالك (الاشتر) النخعي، ودفنا حيث قتلا. ولا يزال القبران ظاهرين وعليهما قبة متواضعة تعرف عند أعراب سميكة (بقبر الشيخ ابراهيم) وبينه وبين بغداد نحو من ستين كيلو متراً. وبينه وبين دجلة عشرة كيلو مترات، فمسكن هي المنطقة التي تترامى حوالي هذا القبر بما في ذلك نهر دجيل وهنالك كانت (اوانا) ايضاً.
(٦٩) قال الماوردي في الاحكام السلطانية - على رواية الحموي -: (والعلث هو أول العراق من هذه الجهة). أقول: ويقع العلث بين عكبرا وسامراء. وعكبرا قرية من نواحي دجيل قرب (أوانا).
(٧٠) الارشاد للشيخ المفيد (ص ١٧٠)، وابن ابي الحديد (ج ٤ ص ١٤) واليعقوبي (ج ٢ ص ١٩١).
وذكر مؤرخ آخر انه (عبد اللّه بن عباس اخوه) ولا يصح ذلك، لان عبد اللّه لم يكن في الكوفة أيام خلافة الحسن، وانما كان في مكة، وكتب إلى الحسن كتابه الذي يشير فيه بالحرب وتجد صورته في شرح النهج (ج ٤ ص ٨ - ٩) ولم يكن عبد اللّه بالذي يختفي ذكره في احداث هذا العهد لو أنه كان موجوداً فيالكوفه. قال الطبري في تاريخه (ج ٦ ص ٨١): (وفيها - يعني في سنة ٤٠ - خرج عبد اللّه بن العباس من البصرة ولحق بمكة في قول عامة اهل السير. وقد انكر بعضهم وزعم انه لم يزل في البصرة عاملاً عليها من قبل امير المؤمنين علي عليه السلام حتى قتل وبعد مقتل علي حتى صالح الحسن ثم خرج حينئذ إلى مكة). أقول: ولا في البصرة والا لما تأخر جيش البصرة عن الحسن أحوج ما كان اليه في المدائن. وأيد ابن الاثير (ج ٣: ص ١٦٦) ان عبد اللّه بن عباس فارق علياً في حياته.
والمظنون ان اتحاد الاخوين اباً وتشابه اسميهما كتابة هو الذي اثار الخطأ في نسبة القيادة لعبد اللّه. ووهم آخر فذكر قيادة المقدمة لقيس بن سعد. وكان قيس على الطلائع من هذه المقدمة، كما نص عليه ابن الاثير، ولعل ذلك هو سبب هذا الوهم فلاحظ.
(٧١) وحاول بعضهم الارتياب في سوابق عبيد اللّه هذا، بحادثة خروجه من اليمن. ومن الحق ان نعترف بضعف حامية اليمن - يومئذ - عن الصمود لحملة بسر بن ارطأة، وكان من انشقاق بعض اليمانيين على الحكم الهاشمي ومكاتبتهم معاوية واخراجهم اميرهم (سعيد بن نمران) من الجند ومواقفتهم عاملهم (عبيد اللّه) ما يشهد لعبيد اللّه بالبراءة من موجبات الريب. ولو أن عبيد اللّه كان قد حاول مواقفة بسر لكان له من عثمانية اليمن من يكفي بسراً أمره، على ان الرجل لم يفعل بخروجه من اليمن أكثر مما فعله نظراؤه في مكة والمدينة، حيث فر عاملاها من وجه بسر، وأغار عامل معاوية على العواصم الثلاث فقتل فيهن زهاء ثلاثين الفاً من الآمنين. وعلمنا ان عبيد اللّه قصد في خروجه من اليمن إلى الكوفة، ولو كان مريباً لما قصد الكوفة وعلمنا ان سعيد بن نمران اعتذر لامير المؤمنين عليه السلام بقوله: (اني دعوت الناس - يعني اهل اليمن - للحرب وأجابني منهم عصابة فقاتلت قتالاً ضعيفاً وتفرق الناس عني وانصرفت). اقول: افلا تكون تجربة ابن نمران تصحيحاً لمعذرة ابن عباس، فالرجل - في سوابقه - لا غمز فيه، ولا غرو اذا رضيه الحسن ثقة بسوابقه.
(٧٢) يراجع عما ذكرناه من القيادة والحركات السوقية ابن ابي الحديد (ج ٤ ص ١٤) والارشاد (ص ١٦٨ - ١٦٩) واليعقوبي (ج ٢ ص ١٩١).
وانفرد اليعقوبي عنهما بعدم ذكر القائد الثالث من قواد المقدمة، ثم قال: (وأمر الحسن عبيد اللّه بان يعمل بامر قيس بن سعد ورأيه، فسار إلى ناحية الجزيرة - يعني بين النهرين - واقبل معاوية لما انتهى اليه الخبر بقتل علي (ع) فسار إلى (الموصل) بعد قتل علي بثمانية عشر يوماً والتقى العسكران..). - اقول: والموصل هذه قرية من قرى (مسكن) دفن بالقرب منها سيدنا (محمد ابن الامام علي الهادي) كما اشار اليه الحموي في معجمه وهي غير مدينة الموصل المعروفة. ولا تنافي بين ما رواه اليعقوبي وما رواه الآخرون من تعيين الموقع الذي نزل فيه جيش معاوية في حربه للحسن عليه السلام، فالموصل والحيوضة والجنوبية كلها من قرى (مسكن) يومئذ ولعل الجيش أشغل هذه القرى كلها فوردت اسماؤها في مختلف الروايات واقتصرت بعضها على اسم دون اسم كما ترى. ونحن انما اخترنا ذكر (الجنوبية) دون غيرها نزولاً على تصريح قيس بن سعد فيما كتب به إلى الحسن كما سيأتي في محله.
(٧٣) كان عبيد اللّه بن عباس يوم قيادته لهذا الجيش في التاسعة والثلاثين من عمره.
(٧٤) تاريخ ابن كثير (ج ٨ ص ١٤) وغيره.
(٧٥) الخرايج والجرايح للراوندي (ص ٢٢٨).
(٧٦) مدينة كانت على الفرات (غربي بغداد) تبعد عنها عشرة فراسخ سميت بذلك لانها كانت تجمع بها انابير الحنطة والشعير منذ أيام الفرس، وأقام بها أبو العباس السفاح العباسي إلى أن مات، وجدد بها قصوراً وأبنية، ثم اندثرت عمارتها.
(٧٧) هو ابو الحسن بن محمد بن عبد اللّه بن أبي سيف البصري الاصل. سكن المدائن ثم انتقل إلى بغداد وتوفي بها سنة ٢١٥ وهو الذي يكثر ابن ابي الحديد النقل عنه في شرح النهج. وله ما يقرب من مائتي كتاب في مختلف الموضوعات رحمه الله.
(٧٨) هو عبيد اللّه لا عبد اللّه ولا قيس كما ذكرنا آنفاً ونبهنا على بواعث الخطأ في ذكر كل منهما.
(٧٩) شرح النهج (ج ٤ ص ٧)، وابن كثير (ج ٨ ص ٤٢).
(٨٠) اليعقوبي (ج ٢ ص ١٩٤)، وابن الاثير (ج ٣ ص ١٦٦). ورواه الاول بتسعين الفاً، والثاني بسبعين الفاً.
(٨١) صرح بغياب سليمان بن صرد عن الكوفة كل من ابن قتيبة في الامامة والسياسة، والمرتضى في تنزيه الانبياء ونص فيه على غيبته سنتين. واما زياد فكان والي فارس من سنة ٣٩ بعثه اليها عبد اللّه بن عباس وهو اذ ذاك والي البصرة. وكان زياد قبل سنة ٣٩ في البصرة كما صرح به الطبري في حوادث ٣٩.
(٨٢) وذلك فيما أجاب به بشير الهمداني وهو أحد وجوه شيعته في الكوفة، البحار (ج ١٠ ص ١١٣).
(٨٣) وروى هذا النص الاربلي في كشف الغمة (ص ١٦١) والبحار (ج ١٠ ص ١١٠).
(٨٤) ابن ابي الحديد (ج ٤ ص ١٤).
(٨٥) نص عبارة ابن ابي الحديد في الموضوع (ج ٤ ص ١٤).
(٨٦) الساباط لغة سقيفة بين دارين من تحتها طريق نافذ، وساباط قرية في (المدائن) عندها قنطرة على (نهر الملك) ولعلها انما سميت بهذا الاسم لوجود سقيفة نادرة من (السوابيط) فيها، والمظنون ان هذه السقيفة هي (مظلم ساباط).
(٨٧) ووهم حسن مراد في كتابه (الدولة الاموية في الشام والاندلس) (الباب الرابع: ص ٥٠) حيث نسب طعن الحسن عليه السلام بالخنجر إلى اتباع الامويين دون الخوارج. وستقرأ في فصل (سر الموقف) نصوص الحادثة كما يرويها مؤرخوها القدامى وكما يجب أن يفهمها المحدثون.
(٨٨) نص عبارة المفيد في الارشاد (ص ١٧٠).
(٨٩) وبرواية ابن طاووس في كتاب (الملاحم والفتن) (ص ١٤٢ طبع النجف سنة ١٣٦٨): (وقتيل بالنهروان تطلبون منا ثاره).
(٩٠) شرح النهج (ج ٤: ص ١٥).
(٩١) اقول: وهذا النص صريح بتكذيب الشائعة التي اجتاحت معسكر (مسكن) (بأن الحسن كاتب معاوية على الصلح).
(٩٢) ابن ابي الحديد (ج ٤ ص ١٥).
(٩٣) اليعقوبي (ج ٢ ص ١٩١) وشرح النهج ايضا (ج ٤ ص ١٥).
(٩٤) على أدهم - مجلة العالم العربي (السنة ١١ العدد ٢ ص ٣٠).
(٩٥) ابن الاثير في الكامل (ج ٥ ص ١٧٦).
(٩٦) قال مسعودي: (كان قيس بن سعد من الزهد والديانة والميل إلى علي بالموضع العظيم. وبلغ من خوفه الله وطاعته اياه، انه كان يصلي فلما أهوى للسجود اذا في موضع سجوده ثعبان عظيم مطوق، فمال عن الثعبان برأسه وسجد إلى جانبه، فتطوق الثعبان برقبته، فلم يقصر من صلاته ولا نقص منها شيئا حتى فرغ، ثم أخذ الثعبان فرمى به). قال: (وكذلك ذكر الحسن بن علي بن عبدالله بن المغيرة بن المعمر بن خلاد عن ابي الحسن علي بن موسى الرضا). وتوفي قيس سنة ٨٥.
(٩٧) مقاتل الطالبيين (ص ٣٥).
(٩٨) مقاتل الطالبيين (ص ٣٥).
(٩٩) الارشاد (ص ١٧٠).
(١٠٠) لان الفقرة هي الخبر الاول الذي وصل الحسن عن نزولهم مسكن. والكتاب من قيس لا من عبيدالله.
(١٠١) البحار (ج ١٠: ص ١١٤).
(١٠٢) شرح النهج (ج ٤ ص ٨).
(١٠٣) اليعقوبي (ج٢ ص ١٩١)، وروضة الشهداء (ص ١١٥).
(١٠٤) قال ابن كثير (ج ٨ ص ١٩): (قال أبو العريف: كنا في مقدمة الحسن بن علي بمسكن، مستميتين من الجد على قتال أهل الشام..).
(١٠٥) يراجع عن هذا التصريح اكثر المصادر التاريخية، وذكره ابن قتيبة في (تاريخ الخلفاء الراشدين ودولة بني امية) (ص ١٥١ - مطبعة مصطفي محمد - بمصر).
(١٠٦) بديع الزمان الهمداني.
(١٠٧) علل الشرائع لابن بابويه (ص ٨٤ - طبع ايران).
(١٠٨) ابن النديم (ص ٢٤٩) قال: (سئل هشام بن الحكم عن معاوية أشهد بدرا؟ فقال: نعم من ذاك الجانب!).
(١٠٩) الدميري (ج١: ص ٥٩) قال: (وكانت امرأة استشارت النبي (ص) في ان تتزوج منه - يعني معاوية - فقال - انه صعلوك لا مال له).
(١١٠) البيهقي في المحاسن والمساوئ (ج١: ص ٢٠٩ و٢١٠) وغيره.
(١١١) المصدر السابق.
(١١٢) نجد التصريح بهذه الحقيقة التاريخية في كثير مما دار حولها من أحاديث معاصريها وخطبهم وأشعارهم. وكان فيما واجه به شبث بن ربعي معاوية أن قال له: (انه والله لا يخفي علينا ما تعزو وما تطلب، انك لم تجد شيئا تستغوي به الناس وتستميل به أهواءهم، وتستخلص به طاعتهم الاقولك: قتل امامكم مظلوما فنحن نطلب بدمه، فاستجاب له سفهاء طغام، وقد علمنا ان قد ابطأت عنه بالنصر، وأحببت له القتل لهذه المنزلة التي أصبحت تطلب، ورب متمني أمر وطالبه، الله عزوجل يحول دونه بقدرته. وربما اوتي المتمني أمنيته وفوق أمنيته. ووالله ما لك في واحدة منهما خير، لئن اخطأت ما ترجو، لانت شر العرب حالا في ذلك، ولئن أصبت ما تمني، لا تصيبه حتى تستحق من ربك صلي النار، فاتق الله يا معاوية، ودع ما أنت عليه ولا تنازع الامر اهله..). الطبري (ج ٥ ص ٢٤٣).
وأخرج ابن عساكر عن ابي الطفيل عامر بن واثلة، أنه دخل على معاوية فقال له: (ما منعك عن نصر عثمان اذ لم ينصره المهاجرون والانصار؟). فقال معاوية: (أما لقد كان حقه واجبا عليهم أن ينصوره). قال: (فما منعك يا امير المؤمنين من نصره ومعك أهل الشام؟) فقال معاوية (أما طلبي بدمه نصرة له؟) فضحك أبو الطفيل بن واثلة ثم قال: (انت وعثمان كما قال الشاعر):

(لا الفينك بعد الموت تندبني * * * وفي حياتي ما زودتني زادي!)

وروى المسعودى ما رواه ابن عساكر ثم ذكر في جواب ابي الطفيل لمعاوية قوله: (منعنى ما منعك اذ تربص به ريب المنون، وانت بالشام!)
وقال البلاذري: (ان معاوية لما استصرخه عثمان، تثاقل عنه، وهو في ذلك يعده، حتى اذا اشتد به الحصار، بعث اليه يزيد بن أسد القشيري وقال له: اذا أتيت ذا خشب فاقم بها، ولا تقل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، فانا الشاهد وانت الغائب!!.. قالوا: فاقام بذي خشب حتى قتل عثمان، فاستقدمه).
(١١٣) قال البيهقي في المحاسن والمساوىء (ج١ ص ٣٧): (ولما كان حرب صفين، كتب امير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان: ما لك يقتل الناس بيننا، ابرز لي فان قتلتني استرحت مني، وان قتلتك استرحت منك. فقال له عمرو بن العاص: أنصفك الرجل، فابرز اليه. قال: كلا يا عمرو، أردت أن ابرز اليه فيقتلني. وتثب على الخلافة بعدي!!.. قد علمت قريش أن ابن ابي طالب سيدها وأسدها).
وقال (ص٣٨): (عن الشعبي، أن عمرو بن العاص دخل على معاوية وعنده ناس، فلما رآه مقبلا استضحك فقال - يا أمير المؤمنين أضحك الله سنك وأقر عينك، ما كل ما أرى يوجب الضحك. فقال معاوية: خطر ببالي يوم صفين يوم بارزت أهل العراق، فحمل عليك علي بن ابي طالب فلما غشيك طرحت نفسك عن دابتك وابديت عورتك! كيف حضرك ذهنك في تلك الحال؟. أما والله لقد واقفت هاشميا منافيا، ولو شاء ان يقتلك لقتلك. فقال عمرو: يامعاوية ان كان أضحكك شأني فمن نفسك فاضح. أما والله لو بدا له من صفحتك مثل الذي بدا له من صفحتي لاوجع قذالك وأيتم عيالك، وأنهب مالك، وعزل سلطانك، غير أنك تحرزت منه بالرجال في أيديها العوالي، أما اني قد رأيتك يوم دعاك إلى البراز فأحولت عيناك، وأزبد شدقاك، وتنشر منخراك، وعرق جبينك، وبدا من اسفلك ما أكره ذكره!! فقال معاوية: حسبك حيث بلغت، لم نرد كل هذا..).
وروى هذا الحديث المسعودي (هامش ابن الاثير ج ٦: ص ٩١) وبدأه بقول عمرو بن العاص لمعاوية: (لولا مصر وولايتها لركبت النجاة منها، فاني أعلم ان علي بن ابي طالب على الحق وانا على ضده، فقال معاوية: مصر والله أعمتك، ولولا مصر لالفيتك بصيرا، ثم ضحك معاوية ضحكا ذهب به كل مذهب. قال: مم تضحك يا امير المؤمنين أضحك الله سنك؟ قال: أضحك من حضور ذهنك يوم بارزت عليا).
(١١٤) كان زياد هذا، عامل الحسن بن علي (ع) على ناحية من فارس وهو عليها منذ عهد ابيه بعثه اليها عبدالله بن عباس منذ كان على البصرة.
فكتب اليه معاوية يتوعده ويتهدده، فقام زياد في محل عمله بفارس خطيبا فشتم معاوية ووصفه (بابن آكلة الاكباد وكهف النفاق وبقية الاحزاب)، وهدده بابني رسول الله (ص) - وهو اذ ذاك من شيعتهما - وبأجنادهما من المسلمين. وتجد نص الخطبة في فصل (عدد الجيش) من هذا الكتاب.
واما قضية استلحاقه، فهي على الاجمال، حكاية زنية يزنيها ابو سفيان ببغي من ذوات الاعلام بالطائف كانت تؤدي الضريبة إلى الحرث بن كلدة الثقفي، تدعى (سمية) فيكون نتيجتها (زياد) هذا، ويقبل معاوية شهادة كل من ابن أسماء الحرمازي وأبي مريم الخمار السلولي - قواد هذه البغي وغيرها من امثالها - فيستلحق زيادا كاخ شرعي رغم ان عبدالله بن عامر (صهر معاوية على ابنته هند) كان يهم أن يأتي بقسامة من قريش يحلفون أن اباسفيان لم ير سمية!! ثم تكشف جويرية بنت ابي سفيان لزياد عن شعرها وتقول له: (أنت أخي أخبرني بذلك ابومريم!!) ثم يقول زياد عن أبيه الاول الذي ولد على فراشه فبدله بأبي سفيان، وكان عبدا روميا للحرث بن كلدة الثقفي، يدعى (عبيدا): (وما كان عبيد الا والدا مشكورا ونزل!!..) وكان ذلك سنة ٤١ للهجرة على الاصح.
وعدَّ الناس حادثة الاستلحاق أعظم تهتك وقع في الاسلام علنا.
قال ابن الثير: (وكان استلحاقه أول ما ردت به احكام الشريعة علانية، فان رسول الله (ص) قضي بالولد للفراش وللعاهر الحجر، وقضي معاوية بعكس ذلك، طبقا لما كان العمل عليه قبل الاسلام، يقول الله تعالى: (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون)) انتهي بلفظه.
وعلم زياد ان العرب لا تقر له بالنسب الجديد لعلمهم بحقيقة حاله، وبالدراعي التي اقتضت استلحاقه، فعمل (كتاب المثالب) والصق فيه بالعرب كل نقيصة، فدل بذلك ايضا على شعوبيته الهوجاء.
وقضي للكوفة ان يحكمها زياد هذا - بعد هلاك حاكمها الاموي الاول المغيرة بن شعبة الثقفي - فجعل منها جحيما يستعر وزلزالا لا يستقر.
قال الطبري (ج ٦ ص ١٢٣): (ان زيادا لما قدم الكوفة قال: قد جئتكم في أمر ما طلبته الا لكم. قالوا: ادعنا إلى ما شئت. قال: تلحقون نسبي بمعاوية. قالوا: اما بشهادة الزور فلا). وهو اول من جمع له الكوفة والبصرة معا، واول من سير بين يديه بالحراب، ومشي بين يديه بالعمد، واتخذ الحرس. وكان يستخلف على البصرة عند غيابه (سمرة بن جندب) وعلى الكوفة (عمرو بن حريث) ولما رجع إلى البصرة بعد ستة اشهر وجد سمرة قد قتل ثمانية الاف من الناس!!.. (كلهم قد جمع القرآن).
ومات زياد سنة ٥٣ هـ. وجاء المهدي العباسي سنة ١٥٩ هـ فالغى هذا الاستلحاق، وأمر باخراج آل زياد من ديوان قريش والعرب، وعاد زياد إلى ابيه العبد الرومي مرة اخرى!!.
(١١٥) ابن كثير (ج ٨ ص ١٧).
(١١٦) المسعودى: هامش ابن الاثير (ج ٦ ص ٦٧).
(١١٧) سبق ذكر المصادر في الفصل الثالث.
(١١٨) يراجع اليعقوبي (ج٢ ص ١٩١).
(١١٩) يراجع اليعقوبي (ج ٢ ص ١٩١).
(١٢٠) البحار (ج ١٠ ص ١١٠) والارشاد.
(١٢١) اليعقوبي (ج ٢ ص ١٩١).
(١٢٢) اليعقوبي (ج ٢ ص ١٩١).
(١٢٣) ابن الاثير (ج ٣ ص ١٦١) والطبرى (ج ٦ ص ٩٢) وابن كثير (ج ٨ ص ١٤) والدميري في حياة الحيوان (ص ٥٧).
(١٢٤) قال الدميري (ج ١ ص ٥٨) بوعد ان ذكر خلافة الحسن عليه السلام وأحصى ايامها: (وهي تكملة ما ذكره رسول الله (ص) من مدة الخلافة، ثم تكون ملكا عضوضا ثم تكون جبروتا وفسادا في الارض، وكان كما قال رسول الله (ص)..).
(١٢٥) قال ابن كثير (ج ٨ ص ١٩): (وهو - يعني الحسن عليه السلام - في ذلك، الامام البار الراشد الممدوح، وليس يجد في صدره حرجا ولا تلوما ولا ندما بل هو راض بذلك، مستبشر به).
(١٢٦) من كلمات الحسن نفسه كما يرويها البحار (ج ١٠ ص ١٠٧).
(١٢٧) الزمخشري وابن البيع والطبراني وينابيع المودة والاصابة (ج ٢ ص ١٢) وغيرها.
(١٢٨) كتاب سليم بن قيس، والبيهقي في المحاسن والمساويء (ص ٤٩) وروى الاخير قول الحميري في نظمه الحديث:

اتى حسنا والحسين الرسول * * * وقد برزا ضحوة يلعبان
فضمهما وتفداهما * * * وكانا لديه بذاك المكان
ومرا وتحتهما عاتقاه * * * فنعم المطيه والراكبان

(١٢٩) الابانة لابن بطة.
(١٣٠) الحلية لابي نعيم.
(١٣١) الاصابة (ج ٢ ص ١١).
(١٣٢) الحلية.
(١٣٣) البحار (ج ٦ ص ٥٨).
(١٣٤) المناقب والترمذي والسمعاني وفضائل أحمد.
(١٣٥) الغزالي والمكي في الاحياء، وقوت القلوب.
(١٣٦) الناقة الكثيرة اللبن.
(١٣٧) العلبة بضم اوله: اناء من جلد أو خشب.
(١٣٨) كتاب سليم بن قيس (ص ٩٨).
(١٣٩) العقد الفريد (ج ١ ص ١٩٤) والبيهقي (ج ١ ص ٤٠)، والبخاري والخطيب والسمعاني والحركوشي والجنابذى وابو نعيم في الحلية وينابيع المودة ومروج الذهب وغيرها.
(١٤٠) الصواعق المحرقة (ص ١٠٥) واخرجه الدار قطني.
(١٤١) البخاري ومسلم وألاصابة (ج ٢ ص ١٢).
(١٤٢) اشارة إلى محاولات البيز نطيين عند ثغور الشام سنة ٤٠ هـ.
(١٤٣) تراجع الاصابة (ج ٢ ص ١٢)، وابن كثير في تاريخه (ج ٨ ص ٨ و١٤) وغيرهما.
(١٤٤) تاريخ الاسلام السياسي (ج ١ ص ٣٩٦).
(١٤٥) فالفريق الاول هم السنة، والفريق الثاني هم الشيعة. ووافق الشيعة أكثرية المعتزلة فقالوا (لا امامة الا بالنص والتعيين). يراجع (آراء المعتزلة السياسية) (ص ١٥)، مجلة الالواح (ع ١١ س ١).
(١٤٦) ولعل من الخير ان ننبه هنا، إلى ان بعض منتحلة آراء الناس سبق إلى نشر هذا الحل من دون أن، ينسبه إلى صاحبه. وكان الرجل أحد مستمعينا - في أكثر من مناسبة - حين نوهنا بهذا الرأي كنموذج من آراء هذا الكتاب التي ينفرد بها.
(١٤٧) أخرجه الحاكم (ج ٣ ص ١٤٨) ثم قال (هذا حديث صحيح الاسناد على شرط الشيخين)، واخرجه الذهبي في تلخيص المستدرك معترفا بصحته على شرط الشيخين، وروى حديث الثقلين الامام أحمد في مسنده (ص ١٧ وص ٢٦) واخرجه ابن ابي شيبة وأبويعلى وابن سعد في الكنز (ج ١ ص ٤٧) وغيرهم.
(١٤٨) ابن قتيبة الدينوري في الامامة والسياسة (ص ١٥١).
(١٤٩) ابن قتيبة الدينوري في الامامة والسياسة (ص ١٥١).
(١٥٠) المحاسن والمساويء للبيهقي (ج ٢ ص ٦٠ - ٦٥).
(١٥١) البحار (ج ١٠ ص ١١٣).
(١٥٢) للتعريف بيوم السقيفة بحوثها التي استوفتها الكتب الطوال، واما يوم الشورى، فأن احسن عرض لموقف علي عليه السلام منه، هو ما يدل عليه قوله هو لاصحاب الشورى يومئذ: (لقد علمتم أني احق الناس بها من غيري. ووالله لا سلمن ما سلمت امور المسلمين ولم يكن فيها جور الا علي خاصة، التماسا لاجر ذلك وفضله، وزهدا فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه..) - النهج (ج ١ ص ١٢٤).
(١٥٣) البأس: الشجاعة والقوة. ومعنى (ما كان معاوية بأبأس مني): ما كان بأشجع وأقوى مني.
(١٥٤) الشكيمة: الأنفة والانتصار من الظلم، وشديد الشكيمة: هو الابي الذي لا ينقاد.
(١٥٥) البحار (ج ١٠ ص ١٠١).
(١٥٦) اليعقوبي (ج ٢ ص ٢٠٢)، وابن كثير (ج ٨ ص ٣٩).
(١٥٧) العقد الفريد (ج ٢ ص ٣٢٣).
(١٥٨) البحار (ج ١٠ ص ١١٦).
(١٥٩) شرح النهج (ج ٢ ص ١٠١).
(١٦٠) ابن ابي الحديد (ج ٤ ص ٧٣).
(١٦١) ابن ابي الحديد (ج ٤ ص ٥ وص١٨).
(١٦٢) : (المنازعة والمباراة).
(١٦٣) يراجع المحاسن والمساويء للبيهقي (ج ١ ص ٦٢).
(١٦٤) يراجع المحاسن والمساوىء للبيهقي (ج ١ ص ٥٩ - ٦٤)، والعقد الفريد (ج ٢ ص ٣٢٣)، والبحار (ج ١٠ ص ١١٦).
وتجد خطب الحسن عليه السلام في هذه المشاجرات مجتمعة في كتابنا (أوج البلاغة) - فيما اثر عن الامامين الحسنين من الخطب والكتب والكلمات - مشروحا.
(١٦٥) يراجع (الفخري) عن موقف الحسن يوم الدار، و(كتاب الجمل) للمفيد عن مواقفه يوم البصرة، و(اليعقوبي) عن بسالته في حادثة مظلم ساباط.
(١٦٦) : (نصل طويل).
(١٦٧) شرح النهج (ج ٤ ص ١٢).
(١٦٨) احتجاج الطبرسي (١٥١).
(١٦٩) ابن خلدون وابن الاثير والبحار وغيرهم - وكنا عرضنا القسم الاول من هذه الخطبة فيما رويناه في تصريحات المؤرخين من هذا الفصل.
(١٧٠) هو صاحب واقعة الحرة في مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يوم أباحها ثلاثاً شر اباحة. وهو هادم الكعبة (زادها اللّه شرفاً) يوم رماها بالمنجنيق. وكان معاوية هو الذي نصح لابنه يزيد، فيما مهد له من الأمور. بأن يولي (مسلماً) هذا. قال له: (ان لك من أهل المدينة ليوماً، فان فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة فانه رجل قد عرفت نصيحته!!.)
(يراجع الطبري والبيهقي وابن الاثير).
(١٧١) كان المغيرة [فيما يحدثنا عنه البيهقي في المحاسن والمساوئ] اول من رشي في الاسلام. وكان [فيما يحدثنا به سائر مؤرخته] الوسيط في قضية استلحاق زياد - رغم النواميس الاسلامية -. وكان السابق إلى ترشيح يزيد بن معاوية للخلافة، وهو الذي يقول في ذلك: (لقد وضعت رجل معاوية في غرز بعيد الغاية على أمة محمد، وفتقت عليهم فتقاً لا يرتق أبداً!!..) -. وكان هو الذي عناه حسان بن ثابت بقوله:

لو ان اللؤم ينسب كان عبداً * * * قبيح الوجه أعور من ثقيف
تركت الدين والايمان جهلاً * * * غداة لقيت صاحبة النصيف
وراجعت الصبا وذكرت لهواً * * * من الاحشاء والخصر اللطيف

(١٧٢) نار على علم. اعتركت الدنيا والآخرة على قلبه - على حد تعبير غلامه (وردان) - فقدم الدنيا على الآخرة، وشايع معاوية على أن تكون له مصر طعمة، فلا ظفرت يد البائع وخزيت أمانة المبتاع.
روى ابن عبد ربه بسنده إلى الحسن البصري قال: (علم معاوية واللّه ان لم يبايعه عمرو لم يتم له أمر، فقال له: يا عمرو اتبعني. قال: لماذا؟ اللآخرة فواللّه ما معك آخرة، أم للدنيا فواللّه لا كان حتى أكون شريكك فيها. قال: فانت شريكي فيها. قال: فاكتب لي مصر وكورها. فكتب له مصر وكورها. وكتب في آخر الكتاب: وعلى عمرو السمع والطاعة. قال عمرو: واكتب ان السمع والطاعة لا يغيران من شرطه شيئاً. قال معاوية: لا ينظر إلى هذا. قال عمرو: حتى تكتب...!!).
ورضي الصحابي المسن الذي مات في الثامنة والتسعين أن يختم هذا العمر المديد على مثل هذه المداورة الخبيثة في الدين، وراح يقول غير مبال: (لولا مصر وولايتها لركبت المنجاة منها فاني أعلم ان علي بن أبي طالب على الحق، وأنا على ضده!).
اما بواكير حياته فكانت أبعد اثراً في النكاية بالاسلام ونبي الاسلام (ص). وهو اذ ذاك أحد السهميين الذين ساهموا في فكرة قتل النبي (ص) ليلة الفراش في مكة. وهو (الابتر) المقصود بقوله تعالى (ان شانئك هو الابتر). ثم كان بعد ذلك من المساهمين في التأليب على عثمان، ولم يخرج إلى فلسطين حتى نكأ القرحة كما قال هو عن نفسه يوم بلغه مقتل عثمان. والتحق اخيراً بمعاوية على هذه المساومة المفضوحة. ونجا من القتل المحقق في صفين بأشنع وسيلة عرفها التاريخ. ثم كان صاحب الفكرة في رفع المصاحف التي فتن بها المسلمين ونقض بها فتل الاسلام. وحضرته الوفاة فقال لابنه: (اني قد دخلت في أمور لا أدري ما حجتي عند اللّه فيها). ثم نظر إلى ماله فرأى كثرته فقال: (ياليته كان بعراً، ياليتني مت قبل هذا بثلاثين سنة، أصلحت لمعاوية دنياه وأفسدت ديني، آثرت دنياي وتركت آخرتي، عمي على رشدي حتى حضرني أجلي). وخلف من المال ثلاثمائة الف دينار ذهباً ومليوني درهم فضة عدا الضياع. وكان رسول اللّه (ص) يقول فيه وفي معاوية: (انهما ما اجتمعا الا على غدر). أخرج هذا الحديث كل من الطبراني وابن عساكر، وأخرج أحمد وأبو يعلى في مسنديهما عن أبي برزة قال: (كنا مع النبي (ص) فسمع صوت غناء فقال: انظروا ما هذا. فصعدت فاذا معاوية وعمرو بن العاص يتغنيان فجئت فأخبرت النبي (ص) فقال: اللهم أركسهما في الفتنة ركساً. اللهم دعهما في النار دعاً). وعن تطهير الجنان لابن حجر: (أن عمراً صعد المنبر فوقع في علي ثم فعل مثله المغيرة بن شعبة، فقيل للحسن: اصعد المنبر لترد عليهما، فامتنع الا أن يعطوه عهداً انهم يصدقونه ان قال حقاً ويكذبونه ان قال باطلاً فأعطوه ذلك، فصعد المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال: انشدك اللّه يا عمرو ويا مغيرة، أتعلمان ان رسول اللّه لعن السائق والقائد أحدهما فلان - يعني معاوية -، قالا: بلى، ثم قال: أنشدك اللّه يا معاوية ويا مغيرة ألم تعلما ان النبي لعن عمراً بكل قافية قالها لعنة، فقالا: اللهم بلى، ثم قال: أنشدك اللّه يا عمرو ويا معاوية الم تعلما ان النبي لعن قوم هذا - يعني المغيرة - قال الحسن فاني احمد اللّه الذي جعلكم فيمن تبرأ من هذا - يعني علياً -). وكان ابن العاص هذا، هو الذي عناه الصحابي الكريم عمار بن ياسر (رض) بقوله للمجاهدين في صفين: (أتريدون ان تنظروا إلى من عادى اللّه ورسوله وجاهدهما، وبغى على المسلمين وظاهر المشركين، فلما رأى اللّه عز وجل يعز دينه ويظهر رسوله صلى اللّه عليه وسلم، أسلم وهو فيما نرى راهب غير راغب. ثم قبض اللّه رسوله (ص) فواللّه أن زال بعده معروفاً بعداوة المسلم وهوادة المجرم. فاثبتوا له وقاتلوه، فانه يطفئ نور اللّه ويظاهر أعداء اللّه عز وجل!!) (الطبري، ابن أبي الحديد، المسعودي، وغيرهم).
(١٧٣) يراجع الزمخشري في (ربيع الابرار) وابن السائب في (المثالب) وابو الفرج في (الاغاني) وابن السمان في (مثالب بني امية) وجعفر بن محمد الهمداني في (بهجة المستفيد). ثم ليكن القارئ بعد ذلك عند اختياره في نسبة معاوية إلى أي آبائه الاربعة المذكورين هناك باسمائهم.
اقول: والى ذلك يشير سيد العرب في نهجه بقوله: (وليس الصريح كاللصيق).
(١٧٤) يراجع عن هذا مروج الذهب (ج ٢ ص ٧٢) وعن غيره مما ذكر قبله، المصادر التي أشرنا اليها آنفاً عند ذكر بعض هذه الحقائق، والمصادر التي سنذكرها في فصل الوفاء بشروط الصلح فيما يأتي، عند ذكرنا للبعض الآخر.
(١٧٥) مروج الذهب (ج ٢ ص ٧٢).
ولنتذكر هنا، أن علياً عليه السلام سمع قوماً من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم بصفين، فنهاهم، وقال لهم: (اني اكره لكم أن في القول وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم اياهم: اللهم احقن دماءنا تكونوا سبابين ولكنكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوب ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله، ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به...) - النهج: (ج ١ ص ٤٢٠ و٤٢١). - وجاء يوماً رسول معاوية إلى الحسن عليه السلاموكان فيما قال له: (أسأل الله ان يحفظك ويهلك هؤلاء القوم). فقال له الحسن: (رفقاً لا تخن من ائتمنك، وحسبك ان تحبني لحب رسول اللّه (ص) ولابي وأمي، ومن الخيانة ان يثق بك قوم وأنت عدو لهم وتدعو عليهم..). الملاحم والفتن (ص ١٤٣ طبع النجف).
(١٧٦) (الاسلام بين السنة والشيعة) (ص ٢٥).
(١٧٧) الدينوري (ص ٣٠٣).
(١٧٨) يراجع عن هذا ابن الاثير (ج ٣ ص ١٦٢).
(١٧٩) مروج الذهب (ج ٢ ص ٣٤٣)، وابن أبي الحديد (ج ٢ ص ٣٥٧) (قال مطرف بن المغيرة بن شعبة: وفدت مع أبي المغيرة إلى معاوية فكان أبي يأتيه يتحدث عنده، ثم ينصرف الي فيذكر معاوية ويذكر عقله، ويعجب مما يرى منه، اذ جاء ذات ليلة، فأمسك عن العشاء، فرأيته مغتمَّاً فانتظرته ساعة، وظننت أنه لشيء حدث فينا أو في عملنا، فقلت له: مالي أراك مغتماً منذ الليلة. قال: يا بني اني جئت من أخبث الناس. قلت له: وما ذاك. قال: قلت له وقد خلوت به: انك قد بلغت مناك يا امير المؤمنين فلو أظهرت عدلاً وبسطت خيراً، فانك قد كبرت، ولو نظرت إلى اخوتك من بني هاشم، فوصلت أرحامهم، فواللّه ما عندهم اليوم شيء تخافه، فقال لي: هيهات هيهات، ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل، فواللّه ما عدا ان هلك، فهلك ذكره، الا أن يقول قائل أبو بكر. ثم ملك أخو عدي فاجتهد وشمر عشر سنين، فواللّه ما عدا ان هلك فهلك ذكره، الا أن يقول قائل عمر، ثم ملك أخونا عثمان فملك رجل لم يكن أحد في مثل نسبه، فعمل ما عمل وعمل به، فواللّه ما عدا أن هلك ذكره وذكر ما فعل به. وان أخا هاشم يصرخ به في كل يوم خمس مرات أشهد ان محمداً رسول اللّه. فأي عمل يبقى بعد هذا لا ام لك، الا دفنا دفناً).
(١٨٠) الخرائج والجرائح لسعيد بن هبة اللّه الراوندي المتوفى سنة ٥٧٣ (ص ٢٢٨).
(١٨١) هذا هو الصحيح كما دل عليه خطاب الحسن فيما استشار به اصحابه في (المدائن) فقال: (ألا وان معاوية دعانا لامر ليس فيه عز ولا نصفة..)، وكما دلت عليه مصادر أخرى خلافاً لبعض المؤرخين الآخرين، والترجيح لخطاب الحسن عليه السلام.
(١٨٢) وللحسن البصري كلمته الذهبية في هذا الموضوع [انتظرها فيما تقرأه عن (معاوية والخلافة) في الفصل ١٧]. وأخرج أحمد في مسنده وأبو يعلى والترمذي وابن حيان وأبو داود والحاكم قوله صلى الله عليه وآله: (الخلافة بعدي ثلاثون ثم ملك بعد ذلك) وبلفظ ابي نعيم في الفتن والبيهقي في الدلائل وغيرهما: (ثم تكون ملكاً عضوضاً). والحديث عند جماعة أهل السنة صحيح على شرطهم، وقال قائلهم فيما علق عليه: (انتهت الثلاثون سنة بعده صلى اللّه عليه (وآله) وسلم بخلافة الحسن بن علي عليهما السلام)، وأخرج أبو سعيد عن عبد الرحمن بن أبزي عن عمر أنه قال: (هذا الامر في أهل بدر ما بقي منهم أحد، ثم في أهل احد ما بقي منهم أحد، وفي كذا وكذا، وليس فيها لطليق ولا لولد طليق ولا لمسلمة الفتح شيء).
أقول: أما بيعته التي أخذها على الناس بأساليبها المعروفة، فلن تجعل غير الجائز جائزاً.
(١٨٣) ابن ابي الحديد (ج ٤ ص ٥ وص ١٣ وص ٧٣).
(١٨٤) ابن ابي الحديد (ج ٤ ص ٥ وص ١٣ وص ٧٣).
(١٨٥) وتجد الشواهد الكثيرة على ذلك فيما أورده اليعقوبي في تاريخه (ج ٢ ص ٢٠١ وص ٢٠٢)، وفيما استعرضه ابن كثير في البداية والنهاية (ج ٨ ص ٤٠)، وفيما رواه في البحار (ج ١٠ ص ٩٨).
(١٨٦) الامامة والسياسة (ص ١٥٩ - ١٦٠).
(١٨٧) المسعودي هامش ابن الاثير (ج ٦ ص ٦٧) وغيره.
(١٨٨) الطبري (ج ٦ ص ٣).
(١٨٩) المسعودي (هامش ابن الاثير ج ٥ ص ٢١٦).
(١٩٠) المحاسن والمساوئ للبيهقي (ج ١ ص ٦٤).
وفي القصص التاريخي نوادر كثيرة عن جهل أهل الشام بأعلام الاسلام فمن ذلك أن أحدهم سأل رجلاً من زعمائهم وذوي الرأي والعقل فيهم: (من أبو تراب الذي يلعنه الامام - يعني معاوية! - على المنبر؟) قال: (أراه لصاً من لصوص الفتن!!!). وسأل شامي صديقاً له وقد سمعه يصلي على محمد (ص): (ما تقول في محمد هذا، أربنا هو؟).
ولما فتح عبد اللّه بن علي الشام سنة ١٣٢ هجري وجه إلى أبي العباس السفاح أشياخاً من أهل الشام من أرباب النعم والرئاسة، فحلفوا لابي العباس أنهم ما علموا لرسول اللّه صلى اللّه عليه (وآله) وسلم قرابة ولا أهل بيت يرثونه غير بني أمية، حتى وليتم الخلافة..!! (يراجع عنه مروج الذهب على هامش الجزء السادس من الكامل لابن الاثير (ص ١٠٧ و١٠٨ و١٠٩).
أقول: وهذا يدل على أن عامة الملوك الامويين نهجوا على سياسة معاوية في تجهيل الناس بعظمائهم ولا سيما بأهل البيت عليهم السلام ومنع نفوذ أسمائهم إلى الشام. ويدل - ايضاً - على مبلغ عناية أولئك الشاميين باسلاميتهم. والمظنون أن الشام - على العهد الاموي - كانت لا تزال تزخر بأكثرية غير مسلمة من بقايا أهلها الاصليين - الروم والآراميين -. ولا نعهد غير قضية الفتح عملاً جدياً آخر كان من شأنه أن يغير القديم عن قدمه، ولا نعهد تصريحاً تاريخياً ينقض علينا هذا الظن.
(١٩١) الطبري (ج ٦ ص ٩٣) وابن الاثير (ج ٣ ص ١٦٢).
(١٩٢) المدائني - فيما رواه عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج - (ج ٤ ص ٨).
(١٩٣) (فتح الباري) شرح صحيح البخاري - فيما رواه عنه ابن عقيل في النصايح الكافية - (ص ١٥٦ الطبعة الاولى)، والبحار (ج ١٠ ص ١١٥).
(١٩٤) تاريخ الخلفاء للسيوطي (ص ١٩٤)، وابن كثير (ج ٨ ص ٤١)، والاصابة (ج ٢ ص ١٢ و١٣)، وابن قتيبة (ص ١٥٠) ودائرة المعارف الاسلامية لفريد وجدي (ج ٣ ص ٤٤٣ الطبعة الثانية) وغيرهم.
(١٩٥) عمدة الطالب لابن المهنا (ص ٥٢).
(١٩٦) المدائني - فيما يرويه عنه في شرح النهج - (ج ٤ ص ٨)، والبحار (ج ١٠ ص ١١٥)، والفصول المهمة لابن الصباغ وغيرهم.
(١٩٧) أعيان الشيعة (ج ٤ ص ٤٣).
(١٩٨) الاصفهاني في مقاتل الطالبيين (ص ٢٦)، وشرح النهج (ج ٤ ص ١٥) وقال غيرهما: (ان الحسن طلب إلى معاوية أن لا يشتم علياً، فلم يجبه إلى الكف عن شتمه، وأجابه على أن لا يشتم علياً وهو يسمع). قال ابن الاثير: (ثم لم يف به أيضاً).
(١٩٩) تجد هذه النصوص متفرقة في الامامة والسياسة (ص ٢٠٠) والطبري (ج ٦ ص ٩٢) وعلل الشرائع لابن بابويه (ص ٨١) وابن كثير (ج ٨ ص ١٤) وغيرهم.
و(دار ابجرد) ولاية بفارس على حدود الاهواز. وجرد أو جراد: هي البلد أو المدينة بالفارسية القديمة والروسية الحديثة، فتكون داراب جرد بمعنى (مدينة داراب).
(٢٠٠) المصادر: مقاتل الطالبيين (ص ٢٦)، ابن أبي الحديد (ج ٤ ص ١٥)، البحار (ج ١٠ ص ١٠١ و١١٥)، الدينوري (ص ٢٠٠)، ونقلنا كل فقرة من مصدرها حرفياً.
(٢٠١) يتفق على نقل كل فقرة أو فقرتين أو أكثر، من هذه الفقرات التي تتضمن الامان لاصحاب علي عليه السلام وشيعته، كل من الطبري (ج ٦ ص ٩٧)، وابن الاثير (ج ٣ ص ١٦٦)، وأبي الفرج في المقاتل (ص ٢٦)، وشرح النهج (ج ٤ ص ١٥)، والبحار (ج ١٠ ص ١١٥)، وعلل الشرائع (ص ٨١)، والنصائح الكافية (ص ١٥٦).
(٢٠٢) البحار (ج ١٠ ص ١١٥)، والنصائح الكافية (ص ١٥٦ - ط. ل).
(٢٠٣) الامامة والسياسة (ص ٢٠٠).
(٢٠٤) البحار (ج ١٠ ص ١١٥).
(٢٠٥) في تاريخه (ج ٦ ص ٢٢٠).
(٢٠٦) ابن ابي الحديد (ج ٤ ص ١٣).
(٢٠٧) الدينوري (ص ٢٠٣).
(٢٠٨) اليعقوبي (ج ٢ ص ١٩٢).
(٢٠٩) ابن الاثير في الكامل (ج ٣ ص ١٦٣) والنصائح الكافية (ص ١٥٨).
(٢١٠) المسعودي (هامش ابن الاثير ج ٦ ص ٧).
(٢١١) ابن كثير (ج ٦ ص ٣٢١).
(٢١٢) النصائح الكافية (ص ١٥٣ - طبع ايران).
(٢١٣) شرح النهج (ج ٤ ص ٥).
(٢١٤) النصائح الكافية (ص ١٥٩ - ط. أ).
(٢١٥) المسعودي (هامش ابن الاثير ج ٦ ص ٧).
(٢١٦) مروج الذهب (ج ٢ ص ٣٤٢)، وابن ابي الحديد (ج ٢ ص ٣٥٧).
(٢١٧) ابن الاثير فيما يرويه عنه في النصائح (ص ٩).
(٢١٨) الطبري (ج ٦ ص ١٥٧ - الطبعة الاولى).
(٢١٩) كتاب التنبيه والرد على أهل الاهواء والبدع: لمحمد بن أحمد الملطي المتوفى سنة ٣٧٧ هجري (ص٢٨).
(٢٢٠) وذلك في اتفاقهم على جواز تقلد القضاء من السلطان الجائر، استناداً إلى عمل الصحابة في تقلدهم القضاء من معاوية.
(٢٢١) قال أبو حنيفة: (أتدرون لم يبغضنا أهل الشام؟). قالوا: (لا). قال: (لانا نعتقد أن لو حضرنا عسكر علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه، لكنا نعين علياً على معاوية، ونقاتل معاوية لاجل علي، فلذلك لا يحبوننا). يراجع النصائح الكافية لابن عقيل (ص ٣٦) فيما يرويه عن أبي شكور في كتابه (التمهيد في بيان التوحيد).
(٢٢٢) نجد نص المرسوم على طوله في تاريخ الطبري (ج ١١ ص ٣٥٥).
(٢٢٣) دائرة معارف القرن العشرين لفريد وجدي (ج ٣ ص ٢٣١).
(٢٢٤) ابو جعفر النقيب (ص ٤١ - طبع بغداد).
(٢٢٥) البداية والنهاية (ج ٨ ص ١٩).
(٢٢٦) حياة الحيوان (ج ١ ص ٥٨).
(٢٢٧) ذكرها البيهقي في المحاسن والمساوئ (ج ٢ ص ٦٣) وذكرها غيره.
(٢٢٨) مختصر تاريخ العرب والتمدن الاسلامي (ص ٦١).
(٢٢٩) ابن كثير (ج ٨ ص ١٩)، واعيان الشيعة (ج ٤ ص ٥٢)، والمستدرك للحاكم.
(٢٣٠) الاصابة (ج ٢ ص ١٢).
(٢٣١) المحاسن والمساوئ للبيهقي (ج ١ ص ٦٤).
(٢٣٢) ابن ابي الحديد في شرح النهج (ج ٤ ص ١٣).
(٢٣٣) ابن ابي الحديد في شرح النهج (ج ٤ ص ١٣).
(٢٣٤) دائرة معارف القرن العشرين لفريد وجدي (ج ٤ ص ٥٣٥).
(٢٣٥) تجد تمام هذه الخطبة وذكر مصادرها في (الفصل ٢٠) عند ذكرنا طريقة التمهيد لبيعة يزيد.
(٢٣٦) قاله ابن الاثير (ج ٣ ص ١٦٢)، وقال بعده: (ثم لم يف به أيضاً!!).
(٢٣٧) قال في الكامل (ج ٣ ص ١٦٢): (وأما خراج دار ابجرد فان أهل البصرة منعوه، وقالوا هو فيئنا لا نعطيه احداً). قال: (وكان منعهم بأمر معاوية ايضاً!!).
(٢٣٨) قال جابر بن سمرة: (ما رأيت رسول اللّه يخطب الا وهو قائم، فمن حدثك أنه خطب وهو جالس فكذبه) رواه الجزائري في آيات الاحكام (ص ٧٥)، والظاهر أن معاوية أول من خطب وهو جالس.
(٢٣٩) تاريخ اليعقوبي (ج ٢ ص ١٩٢).
(٢٤٠) شرح النهج (ج ٤ ص ١٦).
(٢٤١) هو عمرو بن عبد اللّه الهمداني التابعي، الذي يقال عنه أنه صلى اربعين سنة صلاة الغداة بوضوء العتمة، وكان يختم القرآن في كل ليلة، ولم يكن في زمانه أعبد منه ولا أوثق في الحديث.
(٢٤٢) شرح النهج (ج ٤ ص ١٦).
(٢٤٣) الارشاد للشيخ المفيد (ص ١٦٩ - طبع ايران).
(٢٤٤) المسعودي (هامش ابن الاثير ج ٦ ص ٦١ - ٦٢)، وابن كثير (ج ٨ ص ١٨)، والطبري (ج ٦ ص٩٣).
(٢٤٥) البحار (ج ١٠ ص ١١٤).
(٢٤٦) المسعودي (هامش ابن الاثير ج ٦ ص ٦١ - ٦٢).
(٢٤٧) شرح النهج (ج ٤ ص ١٦).
(٢٤٨) هند هذه، هي بنت النعمان بن المنذر، وكانت مترهبة في ديرها هذا بالحيرة.
(٢٤٩) يراجع عما سبق شرحالنهج (ج ٤ ص ٦).
(٢٥٠) ارجع إلى المسعودي على هامش ابن الاثير (ج ٦ ص ٩٧).
(٢٥١) يراجع ابن ابي الحديد (ج ٤ ص ١٦ و٦ و٧).
(٢٥٢) كان الذي لعنه صاحبه سمرة، والذي وصفه بأخبث الناس صديقه المغيرة، وكان الذي قرعه وجاهاً عائشة وآخرون، والذي قاطعه مالك بن هبيرة السكوني، والذي مات غماً من فعاله الربيع بن زياد الحارثي، وكان السادس أبا اسحق السبيعي، والسابع الحسن البصري. ويراجع عن ذلك شرح النهج وابن الاثير ومروج الذهب وغيرها.
(٢٥٣) هو مروان الاموي الذي انقرضت دولة بني أمية على يده - ويلقب (بالحمار) و(بالجعدي) نسبة إلى مربيه (الجعد بن درهم). وكان ابن درهم زنديقاً فعلمه مذهبه، وكان الناس يذمونه بنسبته اليه. ولما تعقب الفاتحون العباسيون مرواناً في هزيمته، أودع حرمه (الكنيسة) في بوصير!. فأين هو عن المساجد يا ترى؟ - يراجع ابن الاثير (ج ٥ ص ١٥٩ و١٦٠).
(٢٥٤) ابن قتيبة (ج ١: ص ١٥١).
(٢٥٥) فلان حلس بيته يعني (ملازم بيته لا يبرحه).
(٢٥٦) الامامة والسياسة (ج ١ ص ١٥٢).
(٢٥٧) المقاتل (ص ٢٩).
(٢٥٨) الامامة والسياسة (ج ١: ص ١٦٠).
(٢٥٩) وذكر البيهقي في المحاسن والمساوئ (ج ١: ص ١٠٨) مناورة المغيرة بن شعبة هذه، ولكنه رأى أو روى ان المغيرة ابتدأ بمعاوية اولاً، وان معاوية لما وثق منه أرجعه إلى عمله وقال له: (انصرف إلى عملك، وأحكم الامر لابن اخيك، وأعاده على البريد يركض (كذا)).
(٢٦٠) انظر إلى مكانة السن في عرف المغيرة..
(٢٦١) كامل ابن الاثير (ج ٣: ص ١٩٨ - ٢٠١). وفي هذا الحديث ما يشعرك بروحية المغيرة بن شعبة ومدى غيرة هذا الصحابي ذي الفتوق على أمة محمد (ص)!.
(٢٦٢) واخطأ فهم هذه الحقبة من الزمن كثير ممن كتب عنها، فقال حسن مراد في (الدولة الاموية) (ص ٧٠): (ومن هنا نرى أن عهد معاوية بالخلافة لابنه يزيد على ما سيجيء لم يكن انتقالاً غير منتظر!!). وقد عرفت من كلام الاحنف هنا ومن كلامنا في البحوث الآنفة أنه كان انتقالاً غير منتظر.
(٢٦٣) ابن قتيبة (ج ١ ص ١٥٦ - ١٥٨)، والمسعودي - هامش ابن الاثير (ج ٦ ص ١٠٠ - ١٠٢).
(٢٦٤) العصم [جمع اعصم] وهو: (الظبي في ذراعيه او في احداهما بياض وسائره أسود او احمر).
(٢٦٥) الشعفة بالتحريك: (رأس الجبل). وشعفة كل شيء: (اعلاه) وجمعه: [شعف] محركاً في النص.
(٢٦٦) ابن قتيبة (ج ١ ص ٦٣ - ٦٥).
(٢٦٧) أقول: ولنا ان نفهم من هذه اللغة أن ام المؤمنين نفسها كانت قد صارت إلى ما يحب معاوية من البيعة ليزيد!!
(٢٦٨) (ج ١ ص ١٦٨ - ١٧٢).
(٢٦٩) سبق ان معاوية كان يحتج على الحسن بكبر سنه، ولم تكن له حجة غيرها على استحقاقه الخلافة دونه. فما لهذه الباء لا تجر هنا؟!!.
(٢٧٠) لانه هو صاحب الحق بالخلافة بعد الحسن، كما نص عليه جده رسول اللّه (ص) اولاً، وكما نصت عليه معاهدة الصلح ثانياً.
(٢٧١) يشير إلى اعراضه عن ذكر أمير المؤمنين عليه السلام فيمن ذكره بعد رسول اللّه (ص).
(٢٧٢) يريد ان هذا الاجحاف المقصود كان هو منية الشيطان في تأريث الخلاف..
(٢٧٣) (النصائح الكافية) لابن عقيل (ص ١٩ - ٢٠).
(٢٧٤) (النصائح الكافية) لابن عقيل (ص ١٩ - ٢٠).
(٢٧٥) سبق في الفصل (١٤) زيادة توضيح للبحث مع ذكر المصادر بأرقامها.
(٢٧٦) ابن ابي الحديد (ج ٣ ص ١٥).
(٢٧٧) ابن الاثير (ج ٣ ص ١٨٧)، والطبري (ج ٦ ص ١٤١).
(٢٧٨) المسعودي (هامش ابن الاثير ج ٦ ص ٩٩).
(٢٧٩) الطبري (ج ٦ ص ٩٦) وابن الاثير (ج ٣ ص ١٠٥).
(٢٨٠) يراجع النصائح الكافية (ص ٧٣ الطبعة الاولى).
(٢٨١) المسعودي (هامش ابن الاثير ج ٦ ص ٨١ - ٨٢).
(٢٨٢) ابن أبي الحديد (ج ٣ ص ١٦) و(ج ١ ص ٣٥٨).
(٢٨٣) ابن أبي الحديد (ج ٣ ص ١٦) و(ج ١ ص ٣٥٨).
(٢٨٤) وللعلامة الاميني النجفي في (كتاب الغدير) (ج ٥ من ص ١٨٥ إلى ٣٢٩) بحثه القيم عن الوضاعين الكذابين جمع فيه ستمائة وعشرين كذاباً وضاعاً ممن سلكهم القوم في رواة الحديث والتاريخ. فليراجع.
(٢٨٥) وكندة هي من بني كهلان، وبلادهم في اليمن، ثم كان من كبرائهم في العراق - وكهلان وحمير ابنا سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وسبأ اسم يجمع القبيلتين كلتيهما. وكان يقال: ان العرب تعد البيوتات المشهورة بالكبر والشرف بعد بيت هاشم بن عبد مناف أربعة بيوت: بيت قيس الفزاري، والدارميين، وبني شيبان، وبيت اليمن من بني الحارث بن كعب - واما كندة فلا يعدون من أهل البيوتات انما كانوا ملوكاً. ومنهم (الملك الضليل - امرؤ القيس) وكان لهم ملك باليمن وبالحجاز - وبقي لكندة مجدها في الاسلام، فمن كندة من كان له ذكر في الفتوح والثورات، ومنهم من ولي الولايات، ومنهم من تقلد القضاء كحسين بن حسن الحجري، ومنهم الشعراء كجعفر بن عفان المكفوف شاعر الشيعة، وكان هانئ بن الجعد بن عدي - ابن أخي حجر - من أشراف الكوفة، وكان جعفر بن الاشعث وابنه العباس بن جعفر من شيعة الامام ابي الحسن موسى بن جعفر وابنه الرضا عليهما السلام. اما الاشعث بن قيس الكندي فكان اكبر منافقي الكوفة. أسلم ثم ارتد بعد النبي ثم أسلم وقبل أبو بكر اسلامه، وزوجه أخته وهي أم محمد بن الاشعث، وتزوج الإمام الحسن ابنته، وهي التي سقته السم باغراء معاوية اياها.
(٢٨٦) قال في الاصابة (ج ١ ص ٣٢٩): (أصابته جنابة - وهو أسير - فقال للموكل به أعطني شرابي أتطهر به، ولا تعطني غداً شيئاً، فقال: أخاف ان تموت عطشاً فيقتلني معاوية. قال: فدعا اللّه فانسكبت له سحابة بالماء، فأخذ منها الذي احتاج اليه فقال له أصحابه: ادع اللّه أن يخلصنا، فقال: اللهم خر لنا).
(٢٨٧) الطبري (ج ٦ ص ١٠٨).
(٢٨٨) قال الطبري: (ومن يومه اتخذ المقصورة) (ج ٦ ص ١٣٢).
(٢٨٩) ابن الاثير (ج ٣ ص ١٩٢) وقال ابن سعد ومصعب الزبيري فيما رواه الحاكم عنه عند ذكر حجر: (وقتل بمرج عذراء بامر معاوية وكان حجر هو الذي افتتحها فغدر بها). أقول: وهو معنى قوله هنا: (وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها) يعني يوم فتحها.
(٢٩٠) الطبري (ج ٦ ص ١٥٦).
(٢٩١) ابن الاثير (ج ٣ ص ١٩٣).
(٢٩٢) الطبري (ج ٦ ص ١٥٣).
(٢٩٣) الطبري (ج ٦ ص ١٥٣).
(٢٩٤) يعني بني هاشم.
(٢٩٥) ابن ابي الحديد (ج ٤ ص ١٨).
(٢٩٦) الطبري (ج ٦ ص ١٥٧) وغيره.
(٢٩٧) وذكر ذلك كل من الاستيعاب واسد الغابة والدرجات الرفيعة والشيخ في الامالي.
(٢٩٨) البحار (ج ١٠ ص ١٤٩).
(٢٩٩) فهرست ابن النديم (ص ١٣٦).
(٣٠٠) النجاشي (ص ٣٠٦).
(٣٠١) البحار وغيره، وروى مثلها الطبري عن الحسن ولا يصح لان فجائع حجر وأصحابه كانت بعد وفاة الحسن بسنتين. وروى مثلها ابن الاثير عن الحسن البصري قال: (فقال: حجوهم ورب الكعبة).
(٣٠٢) موضع قريب من الكوفة على شاطئ الفرات الشرقي ويقابله (المروحة) على شاطئها الغربي كانت فيه موقعة أبي عبيد والد المختار الثقفي.
(٣٠٣) ثم كان هذا النوع من القتل السنة السيئة التي تبعه عليها الجبابرة من بعده. ولما غضب بنو أمية على عمر المقصوص وهو مؤدب معاوية بن يزيد بن معاوية، الذي استقال من خلافتهم احتجاجاً عليهم، أخذوه ودفنوه حياً!. الدميري في حياة الحيوان (ص ٦٢) وروى هناك خطبة معاوية هذا التي يشرح فيها حيثيات استقالته بما يشعر بتشيعه لاهل البيت عليهم السلام.
(٣٠٤) الاصابة (ج ٤ ص ٢٩٤).
(٣٠٥) يراجع عما كتبناه في حجر واصحابه: الدينوري وابن الاثير والطبري وابن أبي الحديد والاستيعاب والنصائح الكافية وتاريخ الكوفة.
(٣٠٦) سفينة البحار (ج ٢ ص ٣٦٠).
(٣٠٧) وذكر الطبري وشاية عمارة بن عقبة ثم قال: (ويقال ان الذي رفع على عمرو بن الحمق وقال له: قد انغل المصرين هو يزيد بن رويم).
(٣٠٨) البحار (ج ١٠ ص ١٠١).
(٣٠٩) البحار (ج ١٠ ص ١٠٢).
(٣١٠) رشيد [بالتصغير] وهجري (بفتح اوليه) نسبة إلى بلاد الهجر - البحرين -.
(٣١١) سفينة البحار (ج ١ ص ٥٢٢).
(٣١٢) عتله: جذبه - والعتل - الجافي الغليظ - والزنيم: الدعي.
(٣١٣) روى خطبته أكثر المؤرخين، وروينا هذا الفصل منها في هوامش الفصل الحادي عشر.
(٣١٤) يراجع ابن الاثير (ج ٣ ص ١٨٣)، والطبري (ج ٦ ص ١٣٠ - ١٣٢).
(٣١٥) جيء إلى زياد بعمير بن يزيد (من أصحاب حجر بن عدي) وقد أعطي الامان على دمه وماله، فأمر به زياد فأوقر بالحديد، ثم أخذته الرجال ترفعه حين اذا بلغ سورها - أعلى القامة - ألقوه فوقع على الارض ثم رفعوه ففعلوا به ذلك مراراً! الطبري (ج ٦ ص ١٤٧).
(٣١٦) أي بأشام الجانبين من الماء القليل.
(٣١٧) العقائق: سهام الاعتذار. كانوا يرمون بها نحو السماء - والرصاف: الحجارة المرصوف بعضها على بعض في مسيل الماء، فكأنه يقول له: انك تلوذ في أرض صلبة عند ماء قليل ترمي بسهام الاعتذار.
(٣١٨) أي واسع الشدقين.
(٣١٩) تشقق.
(٣٢٠) اوساط الظهر.
(٣٢١) جحظ اليه عمله نظر في عمله فرأى سوى ما صنع، وجحط اليه عقله أي نظر إلى رأيه فرأى سوء ما ارتأى.
(٣٢٢) الاصابة (ج ٤ ص ٢٢٨ - ٢٢٩).
(٣٢٣) الاصابة (ج ٤ ص ٢٢٨ - ٢٢٩).
(٣٢٤) الاصابة (ج ٤ ص ٢٢٨ - ٢٢٩).
(٣٢٥) هو الاب الخامس لعدي. فعدي الصحابي هو ابن حاتم بن عبد اللّه بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عدي - هذا -.
(٣٢٦) الطبري (ج ٦ ص ٥).
(٣٢٧) ابن الاثير (ج ٣ ص ١٨٩).
(٣٢٨) المسعودي هامش ابن الاثير (ج ٦ ص ٦٥).
(٣٢٩) البيهقي في المحاسن والمساوئ (ج ١ ص ٣٣).
(٣٣٠) تاريخ الكوفة (ص ٣٨٨) والاصابة (ج ٤ ص ١١٩).
(٣٣١) (ج ٣ ص ٢٣).
(٣٣٢) المسعودي هامش ابن الاثير (ج ٦ ص ١١٧).
(٣٣٣) السفينة (ج ٢ ص ٣١).
(٣٣٤) يعني على حبه لابي تراب. ويكنون بها عن علي عليه السلام.
(٣٣٥) هما جبلاً طيء: أجأ وسلمى، بينهما وبين (فدك) يوم، وبين (خيبر) خمس ليال، وبينهما وبين المدينة ثلاث مراحل.
(٣٣٦) يراجع الطبري (ج ٦ ص ٥ وص ١٥٧ - ١٦٠).
(٣٣٧) وروى المسعودي هامش ابن الاثير (ج ٥ ص ١٩٨) والبيهقي (ج ١ ص ٦٤) سعيى الحسن عليه السلام بالامان لمروان يوم الجمل، وكان قد أخذ أسيراً، وقيل كان مختفياً في بيت امرأة في البصرة.
وقال الشريف الرضي في النهج (ج ١ ص ١٢١) قالوا: (أخذ مروان بن الحكم أسيراً يوم الجمل، فاستشفع الحسن والحسين عليهما السلام إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فكلماه فيه فخلى سبيله، فقالا له: يبايعك يا أمير المؤمنين؟ فقال عليه السلام: أَوَلم يبايعني بعد قتل عثمان، لا حاجة لي في بيعته، انها كف يهودية، لو بايعني بكفه لغدر بسبته. اما ان له امرة كلعقة الكلب أنفه. وهو أبو الاكبش الاربعة. وستلقى الامة منه ومن ولده يوماً أحمر!). أقول: وجزى مروان سعي الحسن له بالامان بسعيه إلى جعدة بقتله (وكل اناء بالذي فيه ينضح).
(٣٣٨) المسعودي هامش ابن الاثير (ج ٦ ص ٥٥ - ٥٦).
(٣٣٩) ابن عبد البر.
(٣٤٠) هي الكوة التي تؤدي الضوء إلى البيت، والباب الصغير في الباب الكبير.
(٣٤١) ابن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦ (ص ١٥٩ - ١٦٠) وذكر مثله أو قريباً منه اليعقوبي والمسعودي أيضاً.
(٣٤٢) ابن أبي الحديد (ج ٤ ص ٤).
(٣٤٣) اليعقوبي (ج ٢ ص ٢٠٠) والمسعودي هامش ابن الاثير (ج ٦ ص ٥٧) بتفاوت قليل في بعض الكلمات.
(٣٤٤) للطبري.
(٣٤٥) (ج ٦ ص ٥) طبع باريس.
(٣٤٦) ص ٦١.
(٣٤٧) قال أمير المؤمنين عليه السلام فيما كتبه إلى معاوية جواباً: (ولم يمنعنا قديم عزنا ولا عادي طولنا على قومك أن خلطناكم بأنفسنا فنكحنا وانكحنا فعل الاكفاء، ولستم هناك، وأنى يكون ذلك كذلك ومنا النبي ومنكم المكذب، ومنا أسد اللّه ومنكم أسد الاحلاف، ومنا سيدا شباب أهل الجنة ومنكم صبية النار، ومنا سيدة نساء العالمين ومنكم حمالة الحطب، إلى كثير مما لنا وعليكم).

المرفقات المرفقات:
التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 

التعليقات

 
COMMENTS_EMPTY

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
التحقق اليدوي: * إعادة التحميل