فهرس المكتبة الحسنية

   

البحث في المكتبة التخصصية

 
 

كتاب مختار:

   

المسار

  الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية » كتب أخرى » المؤتمن في دفع الشبهات عن الإمام المجتبى الحسن عليه السلام  

كتب أخرى

 

الكتب المؤتمن في دفع الشبهات عن الإمام المجتبى الحسن عليه السلام

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: الشيخ باسم الحلي التاريخ التاريخ: ٢٠١٦/٠٣/٢٤ المشاهدات المشاهدات: ٦٧٢٢ التعليقات التعليقات: ٠

المؤتمن في دفع الشبهات عن الإمام المجتبى الحسن عليه السلام

تأليف: الشيخ باسم الحلي

الفهرس

المقدمة
كيف ساغ للحسن عليه السلام أن يصالح ظالماً كمعاوية؟!
كيف ترك إمامته عليه السلام لمعاوية؟!
العصمة والنبوة جعل إلهي وليست منصباً عسكرياً
هل الحسن عليه السلام صالح معاوية، أم بالعكس!!.
هل الإمام الحسن عليه السلام تنازل عن الخلافة نهائيّاً أم..؟!!!
ما هي أسباب قبول الإمام الحسن عليه السلام الصلح؟؟؟؟؟؟
الأنبياء أسوة الحسن عليهم السلام في خذلان الأصحاب
تخاذل أصحاب الأنبياء عليهم السلام بنص القرآن!!!
تخاذل أصحاب طالوت عليه السلام!!!
جعدة لعنها الله تخون الإمام الحسن عليه السلام!!
من مظلومية الإمام الحسن عليه السلام زواجه بجعدة لعنها الله
الحسن عليه السلام صالح تركاً للدنيا الفانية لأجل الآخرة الباقية
لو أراد الإمام الحسن عليه السلام الخلافة لحصل عليها لكن..!!
عنفوان الحسن عليه السلام-بعد الصلح- أمام بني أميّة!!
مظلوميّة الإمام الحسن عليه السلام على لسان أبي هريرة!!!
تحقيق سريع في سفيان، القائل للحسن: عليه السلام يا مذل المؤمنين!!!

المقدمة

بسمه الله الرحمن الرحيم..
وصلى الله على سيدنا محمد، سيد الأنبياء والمرسلين، وآله الطيبين الطاهرين المطهرّين المعصومين، وبعد..
فإنّ مظلوميّة، سيّد شباب أهل الجنّة، الإمام المجتبى الحسن صلوات الله عليه، عظيمة جدّاً، وأعظم ما يدمي القلوب فيها، ويقرح الأفئدة منها، هو الصورة التي ابتكرها النواصب من أسلاف بني أميّة لعنهم الله قاطبة، في تشويه سيرة هذا الإمام العظيم، رابع أهل الكساء، بما اختلقوه في حقّه من ألوان الأكاذيب الباطلة، وضروب الافتراءات الساقطة..؛ وأشدّ ما في ذلك هو استمرار هذا النهج الأموي حتّى هذه اللحظة فيما يمررونه من الشبهات لعنهم الله تعالى، خلال أغراضهم الصفراء..
فثمّة شبهات يطرحها مرتزقتهم، تلوكها ألسنتهم دون علم أو فهم، تتعلّق بأبرز مواقف سيّد شباب أهل الجنّة الحسن المجتبى صلوات الله عليه مع أهل البغي من بني أميّة لعنهم الله؛ فرأينا أن تكون لنا محاولة عاجلة؛ لتسليط الضوء على بعض ذلك؛ والشبهات –فيما يزعمون- نذكرها بالنحو الآتي:
كيف ساغ للحسن عليه السلام أن يصالح ظالماً كمعاوية؟!
وجواب ذلك: كما صالح الله سبحانه وتعالى إبليس على أن ينظره للوقت المعلوم؛ قال الله تعالى: (قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ)(١)
والآيات القرآنيّة قد أفصحت عن غرض الله تعالى من مثل هذا الصلح، وهو الامتحان والاختبار وغير ذلك من الأغراض الإلهيّة الأخرى (...لِّيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ)(٢). وكذلك: (لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً)(٣)
وهذا ما فعله رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم لماّ صالح كفّار قريش في صلح الحديبيّة على أنْ يضعا القتال بينهما عشر سنين، وأن يكفّ بعضهم عن بعض كما هو متواتر في التاريخ، بل أكثر من ذلك؛ فالنبي مع ١٤٠٠ من صحابته، وهم أهل بيعة الرضوان، جاؤوا ليحجّوا بيت الله الحرام، لكنّ النبي -لأجل هذا الصلح- ترك الحجّ، مع أنّ الحجّ فريضة هي من أعظم أركان الإسلام ودعائم الدين كما تواتر في الأخبار السنيّة والشيعيّة!!!!.
ففعل الإمام الحسن عليه السلام -بالنظر لكلّ ذلك- أسوة بفعل الله تعالى لماّ صالح ابليس لعنه الله على أنْ ينظره إلى الوقت المعلوم؛ لغرض الابتلاء والامتحان، كما أنّ له أسوة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لماّ صالح كفّار قريش في الحديبيّة وغير الحديبيّة..، حتّى أنّه صلى الله عليه وآله وسلم ترك الحجّ، وهو أعظم أركان الإسلام، لأجل هذا الصلح..
كيف ترك إمامته عليه السلام لمعاوية؟!
الجواب: هذه مغالطة ظاهرة؛ فلم يتنازل الإمام المجتبى الحسن عليه السلام عن الإمامة، بل ترك كرسي الحكم لا أكثر ولا أقلّ؛ حقناً للدماء وحفظاً للأعراض ولديمومة الدين؛ وإلاّ فعلى قول هؤلاء، فالنبيّ أيضاً تنازل عن نبوّته في صلح الحديبيّة لمّا أمروه، بمقتضى بنود الصلح، أن لا يقرب مكّة، بل وأن يترك في ذلك العام، الحجّ وهو من أعظم أركان الإسلام؛ فهل ترك النبيّ محمد نبوّته واستقال عن رسالته صلى الله عليه وآله وسلم بذلك؟!..
بل يلزم على قول هؤلاء الجهلاء أنّ الله تعالى قد تنازل عن سلطانه لإبليس، لما صالحه على أنْ ينظره إلى الوقت المعلوم، فهل هناك من يجرأ على هذا القول؟!! تعالى الله عمّا يقول الجاهلون علوا كبيراً..
العصمة والنبوة جعل إلهي وليست منصباً عسكرياً
وهنا ننبّه إلى أنّ النبوّة، الرسالة، العصمة، الإمامة، الحكم كما في قوله تعالى: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً)..، جعل تكويني من الله تعالى؛ فهذه الأمور السماويّة اصطفاء واجتباء وإيتاء، وليست هي عنوان اعتباري يمكن المفاوضة عليه..؛ فهل يمكن ليحيى أن يصالح أحداً على العصمة أو الحكم أو النبوة؟!!
فنبي الله عيسى عليه السلام مثلاً هو كلمة الله، وهو رسول الله، سواء أكان في السجن يضرب بسياط، أم كان على كرسي الوعظ، أم كان على قمّة السلطة التي كانت عنده..
والرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، هو سيد الأنبياء والمرسلين، سواء أكان تحت الإقامة الجبريّة في شعب أبي طالب عليه السلام، أم كان على منبره في المدينة يقود العالم، أم كان قبل آدم عليه السلام، كما في قوله الشريف صلى الله عليه وآله وسلم: كنت نبياً وآدم بين الماء والطين..
ويوسف الصدّيق عليه السلام نبي ورسول، سواء أكان في الجب لما رماه أخوته فيه، أم كان في سجن مصر، أم كان على كرسي الحكم..؛ ضرورة أنّ النبوّة أو العصمة، اصطفاء الهي، وجعل ربّاني، وخلق تكويني، وليست هي مشروطة بالكرسي كما يقول الجهلاء، ويظنّ السفهاء، بأيّ نحو من الأنحاء..
وبعبارة موجزة فالحسن عليه السلام: سيد شباب أهل الجنّة، كما جزم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، سواء صالح معاوية، أم لم يصالح معاوية، فهل يتعقّل زوال هذا العنوان السماوي، وهذه الحقيقة التكوينيّة في فرض دون آخر..؟!!.
هل الحسن عليه السلام صالح معاوية، أم بالعكس!!.
الجواب، ذكره الإمام السني الكبير ابن حجر العسقلاني في كتابه فتح الباري، حيث قال ما نصّه: إنّ المحفوظ (=الثابت) أنّ معاوية هو الذي بدأ بطلب الصلح(٤).
أقول: وعلى هذا فما ورد في بعض الأخبار من أنّ الإمام الحسن عليه السلام قد كاتبه على الصلح، فإنّما هو بعد أن طلب معاوية ذلك منه عليه السلام لا قبله، كما صرّح ابن حجر العسقلاني بذلك، فراجع كلامه، ولا يسمح المقام بالتفصيل.
لكن قد نكتفي بهذا النص المهمّ؛ فقد أخرج أهل السنّة، منهم ابن حجر، قالوا:
قال محمد بن سعد: وأخبرنا عَبد الله بن بكر السهمي، قال: حَدَّثَنَا حاتم بن أَبي صغيرة، عن عَمْرو بن دينار قال:
إنّ معاوية كان يعلم أنّ الحسن كان أكره الناس للفتنة، فلما توفي عليّ بن أبي طالب بعث إلى الحسن، فأصلح الذي بينه وبينه سراً، وأعطاه معاوية عهدا إنْ حدث به حدث والحسن حيّ ليسمينّه، وليجعلن هذا الأمر إليه، فلمّا توثق منه الحسن قال عَبد الله بن جعفر: والله إني لجالس عند الحسن إذ أخذت لاقوم فجذب ثوبي، وَقَال: يا هناه، اجلس، فجلست، قال: إني قد رأيت رأيا وإني أحب أن تتابعني عليه. قال: قلت: ما هو؟ قال: قد رأيت أن أعمد إلى المدينة فأنزلها، وأخلي بين معاوية وبين هذا الحديث، فقد طالت الفتنة، وسفكت فيها الدماء وقطعت فيها الارحام، وقطعت السبل، وعطلت الفروج، يعني الثغور، فقال ابن جعفر: جزاك الله عن أمة محمد خيرا، فأنا معك، وعلى هذا الحديث(٥).
أقول: رجاله هذا الحديث ثقات عند أهل السنّة، وسنده متصل صحيح لا شك في ذلك، بل ثابت مستفيض؛ فقد روى أهل السنّة من طرق أخرى نحو ذلك؛ فمنه ما رووه عن عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان، عن أبي موسى عن الحسن وذكره ما هو أصرح من سابقه(٦). بل فيه أنّ الإمام الحسن عليه السلام قد قبل صلح معاوية؛ لكثرة ما أهريق من دماء المسلمين، بل في فيه أنّ الإمام الحسن عليه السلام كان قادراً على أن يظفر بالملك في آخر السجالين، لكن الذي منعه من ذلك، العدد الهائل من الدماء لو لم يقبل الصلح، كما أنّ أهمّ ما منعه عليه السلام هو حرمة نيل الخلافة بطريقة الاستلاب والابتراز، أو الغدر والفجور، أو الاستنصار بالأتياس الظالمين، كما سنوضّحه بعد قليل.
هل الإمام الحسن عليه السلام تنازل عن الخلافة نهائيّاً أم..؟!!!
جزم النصّ السابق –الصحيح السند- بالجواب في غاية الوضوح؛ فالحقّ الذي لا محيد عنه هو أنّ الإمام الحسن عليه السلام قد صالح على أنْ تكون الخلافة لمعاوية، مدّة حياته لعنه الله فقط، فإذا مات عادت الخلافة للإمام الحسن عليه السلام؛ وكما أوضحنا، فقد كان الغرض من ذلك هو حقن الدماء، التي لا يتورع الأمويون فيها، وهذا مجمع عليه بين العلماء، لا خلاف فيه عندهم..
قال الإمام السني الكبير، ابن عبد البر في الاستيعاب: ولا خلاف بين العلماء أن الحسن إنما سلم الخلافة لمعاوية حياته لا غير، ثمّ تكون له من بعده، وعلى ذلك إنعقد بينهما ما انعقد في ذلك، ورأى الحسن ذلك خيراً من إراقة الدماء في طلبها، وإن كان عند نفسه أحق به(٧).
أقول: فهذا نصّ في أنّه لا خلاف بين العلماء في ذلك، وهو ظاهر في الإجماع، ناهيك عن النص الصحيح.
ما هي أسباب قبول الإمام الحسن عليه السلام الصلح؟؟؟؟؟؟
اتّضخ الجواب، ونقول مرّة أخرى: للتقيّة؛ وحقن الدماء، وللحفاظ على ما تبقّى من الشيعة من الهلاك والتلاشي؛ ولأنّ المندسين من أعدائه في صفوف جنده –وهم كثير- من بقايا المنافقين كالأشعث...، الذين أرادوا أن تستمر الحرب لغرض هلاك الدين، قد خذّلوا النّاس عنه ونافقوا فقلبوا كل الموازين..
قال شارح المهذّب، العلامة السنّي الأزهري محمد نجيب المطيعي: فان قيل: فكيف خلع الحسن بن علي نفسه؟!. قلنا: لعلّه علم من نفسه ضعفاً عن تحمّلها، أو علم أنّه لا ناصر له ولا معين، فخلع نفسه تقية(٨).
قال تلميذ ابن تيمية، الصفدي: وكان أهل العراق قد خذلوه في قتال معاوية، ونهب سرادقه، وطعن بخنجر(٩).
وقال ابن كثير (تلميذ ابن تيمية الآخر) في خذلان النّاس للإمام الحسن عليه السلام ما نصّه: فبينما هو في المدائن معسكراً بظاهرها، إذ صرخ في الناس صارخ: ألا إن قيس بن سعد بن عبادة قد قتل، فثار الناس فانتهبوا أمتعة بعضهم بعضاً، حتى انتهبوا سرادق الحسن، حتى نازعوه بساطاً كان جالساً عليه، وطعنه بعضهم حين ركب طعنة أثبتوه وأشوته، فكرههم الحسن كراهية شديدة(١٠).
وليس هذا وحسب، بل إنّ البعض أراد أن يقيّد الإمام الحسن عليه السلام ويأخذه أسيراً إلى معاوية؛ طمعاً بالدنيا والجائزة(١١)..
لك الله يا أيها الحسن المجتبى، يا سيّد شباب أهل الجنّة!!!
وقال ابن كثير أيضاً في ذمّ المتخاذلين: وفي هذه السنة بويع لمعاوية بايلياء -يعني لما مات علي- قام أهل الشام فبايعوا معاوية على إمرة المؤمنين؛ لأنّه لم يبق له عندهم منازع، فعند ذلك أقام أهل العراق الحسن بن علي رضي الله عنه ليمانعوا به أهل الشام، فلم يتم لهم ما أرادوه وما حاولوه، وإنّما كان خذلانهم من قبل تدبيرهم وآرائهم المختلفة المخالفة لأمرائهم، ولو كانوا يعلمون، لعظّموا ما أنعم الله به عليهم من مبايعتهم ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيد المسلمين، وأحد علماء الصحابة وحلمائهم وذوي آرائهم.
والدليل على أنّه أحد الخلفاء الراشدين الحديث الذي أوردناه في دلائل النبوة من طريق سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا ) وإنّما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي، فإنّه نزل عن الخلافة لمعاوية في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين، وذلك كمال ثلاثين سنة من موت رسول الله، فإنّه توفي في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، وهذا من دلائل النبوة صلوات الله وسلامه عليه وسلم تسليم(١٢). اهـ.
الأنبياء أسوة الحسن عليهم السلام في خذلان الأصحاب
قد يقول قائل من النواصب لعنهم الله تعالى حيثما ذكروا: بأنّ الإمام الحسن عليه السلام -وحاشاه- ضعيف في الخلافة، ليس قائداً قويّاً في السياسة، ليس صالحاً للإمامة؛ بخلاف معاوية الظالم الباغي؛ وإلاّ فلم تركه أصحابه وخذلوه، بل بخنجر طعنوه، وبساطه نازعوه؟!! والأمر هو الأمر في خذلان أصحاب أمير المؤمنين علي في معاركه المقدّسة، وكذلك خذلان النّاس لسيد الشهداء الحسين صلوات الله عليه..
وجوابه: فهل كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ضعيفاً في السياسة، ليس بقوي في الإمامة والرسالة، غير ناهض بأعباء الإمامة، لماّ خذله كبار الصحابة، الأكتعون الأبصعون السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، في أحلك الظروف، وأشدّ الأوقات، كما في وقعتي أحد وحنين؛ حيث هربوا إلى جبل أحد، أسرع من أيّ عدّاء في العالم، تاركيه مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام وحدهما فقط، يجالدان الموت، ويقارعان المنون، ويكافحان الشرك والكفر؟!!!.
فهل هروب الصحابة المضحك المخجل، يمثّل طعناً بالنبوة والرسالة والقرآن، أم ماذا؟!!! ما لكم، كيف تحكمون؟!!.
قال الله تعالى في الصحابة أهل أحد –باستثناء أمير المؤمنين عليه السلام-: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ(١٥٢) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣)ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(١٥٤) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ)(١٣).
نقول: فالصحابة إذن قد:
١-استزلّهم الشيطان.
٢-تنازعوا ففشلوا.
٣-تولوا يوم التقى الجمعان.
٤-يظنون ظنّ الجاهليّة.
٥-جبناء، لا يلوون على أحد.
٦-النبي يدعوهم في أخراهم، لنصرته وهم صم بكم عمي لا يسمعون.
٧-ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، كما في قول الله سبحانه وتعالى في الصحابة أهل حنين:: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ)(١٤).
تخاذل أصحاب الأنبياء عليهم السلام بنص القرآن!!!
أقول: جلّت حكمته، وعظم قضاؤه سبحانه وتقديره، فحال الدنيا هكذا، والقرآن صريح في أنّ أصحاب المعصومين، إلاّ من عصم الله تعالى وهم أندر من الكبريت الأحمر، لا خير فيهم، ولا يعتمد عليهم، ولا يؤتمن جانبهم، ولا يركن إليهم، جبناء، طماعون لما في الدنيا زاهدون لما في الآخرة، وحسبنا أن نطالع سيرة أصحاب موسى النبي عليه السلام في القرآن الكريم لنعرف ذلك..
قال الله تعالى في أفضل أصحاب موسى السبعين: (سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مُّبِيناً)(١٥).
والكلام هو الكلام في الحواريين، وهم أشرف أصحاب عيسى عليه السلام فقد قال الله تعالى فيهم: (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)(١٦)، وكلّنا يعلم أنّ يهوذا الاسخريوطي لعنه الله وهو أحد الحواريين الاثني عشر، هو من خان السيد المسيح عليه السلام فسلّمه لليهود، فلعنه الله تعالى لعنا وبيلاً.
تخاذل أصحاب طالوت عليه السلام!!!
بل حسبنا لمعرفة ذلك قوله تعالى في أصحاب طالوت عليه السلام: (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)(١٧).
فبهذا وأمثاله يجاب عن السؤال القائل: لم خذل أصحاب علي والحسن والحسين عليهم السلام الحقّ، وتركوا نصرته؟!!!
فالجواب: لهم أسوة سيئة بأصحاب طالوت عليه السلام، كما أنّ لهم ذات الوقت أسوة أسوأ بأصحاب موسى لما قالوا له عليه السلام: (قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ)(١٨)..
كما أنّ لهم أسوة ناصعة في الهزيمة والانهزام والجبن والفرار، لا تحجب ضوءها الشمس، بكبار أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ كأبي بكر وعمر وعثمان وبقيّة صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذين لم يجرأ أحد منهم في غزوة الخندق على شيء أمام عمرو بن ود العامري.
جعدة لعنها الله تخون الإمام الحسن عليه السلام!!
لهذه الملعونة أسوة بزوجتي نبيي الله نوح ولوط عليهما السلام؛ فقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ)(١٩)..
فهذا جانب من الجوانب التي تكشف عمّا كان يعانيه الإمام الحسن المجتبى صلوات الله عليه، وله في ذلك أسوة صالحة بالأنبياء، كنوح ولوط، فسلام الله على الأنبياء جميعاً..
روى الذهبي بسنده أنّ جعدة بنت الأشعث بن قيس، سقت الحسن السم، فاشتكى، فكان توضع تحته طشت، وترفع أخرى نحواً من أربعين يوماً(٢٠). وقد رواه الإمام المزي وغيره(٢١).
وفي تهذيب الكمال قال المزي: وَقَال محمد بن سلام الجمحي، عن ابن جعدبة: كانت جعدة بنت الأشعث بن قيس تحت الحسن بن علي، فدس إليها يزيد أن سمّي حسناً إنني زوجك، ففعلت، فلما مات الحسن بعثت جعدة إلى يزيد تسأله الوفاء بما وعدها، فقال: إنا والله لم نرضك للحسن فنرضاك لانفسنا(٢٢).
وقال ابن خلكان في وفيات الأعيان: وقال القتبي: يقال إنّ امرأته جعدة بنت الأشعث سمته ومكث شهرين، وإنّه ليرفع من تحته كل يوم كذا وكذا طست من دم. وكان الحسن يقول: سقيت السم مراراً ما أصابني ما أصابني في هذه المرة. وخلف عليها رجل من قريش فأولدها غلاماً، فكان الصبيان يقولون له: يا ابن مسمّمة الأزواج(٢٣).
وقال ابن عبد البر في الاستيعاب: وقال قتادة وأبو بكر بن حفص سم الحسن بن على سمته إمرأته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي، وقالت طائفة كان ذلك منها بتدسيس معاوية إليها وما بذل لها من ذلك(٢٤).
وقد روى عامّة أهل التاريخ والسيرة عن عمير بن إسحاق، قال: دخلنا على الحسن نعوده...، فقال: إنّي والله قد لفظت طائفة من كبدي قلبتها بعود، وإنّي قد سقيت السم مراراً، فلم أسق مثل هذا، فلما كان الغد أتيته وهو يسوق، فجاء الحسين، فقال: أي أخي! أنبئني من سقاك؟ قال: لم! لتقتله؟ قال: نعم. قال: ما أنا محدثك شيئاً، إنْ يكن صاحبي الذي أظن، فالله أشد نقمة، وإلاّ فوالله لا يقتل بي بريء(٢٥).
من مظلومية الإمام الحسن عليه السلام زواجه بجعدة لعنها الله
لم يكن الإمام المجتبى الحسن ليرغب بالزواج من هذه الملعونة، الخبيثة الذات، بل هو تخطيط خبيث من قبل أبيها، رأس النفاق والشقاق، المرتد(٢٦)، الأشعث بن قيس لعنه الله، فالزواج، هكذا تمّ..
قال أهل التواريخ واللفظ للمزي: وَقَال الهيثم بن عدي، عن عَبد الله بن عياش: خطب أمير المؤمنين علي بن أَبي طالب عليه السلام، على الحسن بنه أم عِمْران بنت سَعِيد بن قيس الهمداني، فقال سَعِيد: فوقي أمير أؤامره يعني أمّها، فقال: قم فوامره، يعني أمها، فخرج من عنده، فلقيه الأشعت بن قيس بالباب فأخبره الخبر، فقال: ما نريد إلى الحسن يفخر عليها، ولا ينصفها، ويسيء إليها، فتقول: ابن رسول الله، وابن امير المؤمنين، ولكن هل لك في ابن عمّها، فهي له وهو لها، قال: ومن ذاك؟!. قال: محمد بن الأشعث، قال: قد زوّجته. ودخل الأشعث على أمير المؤمنين علي، فقال: يا أمير المؤمنين، خطبت على الحسن بنة سَعِيد؟!. قال: نعم، قال: فهل لك في أشرف منها بنتا، وأكرم منا حسبا، وأتم جمالاً، وأكثر مالاً؟!. قال: ومن هي؟ قال: جعدة بنت الاشعث بن قيس، قال: قد قاولنا رجلاً، قال: ليس إلى ذلك الذي قاولته سبيل، قال: فارقني ليؤامر أمها: قال: قد زوجها من محمد بن الأشعث، قال: متى؟!. قال: الساعة بالباب، قال: فزوّج الحسن جعدة، فلمّا لقي سَعِيد الاشعث قال: يا أعور، خدعتني، قال: أنت يا أعور، حيث تستشيرني في ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألست أحمق؟!!.
أقول: قد تواتر أنّ أهل البيت عليهم السلام لا يردّون أحداً، فاستغلّ هذا الملعون، الأشعث ذلك بخبثه ومكره، ليصل إلى مآربه التي لا نستبعد أن يكون سمّ الحسن عليه السلام منها؛ ليقضي الله أمرا كان مفعولاً؛ وللحسن -كما مرّ عليك- أسوة بالأنبياء محمد ونوح ولوط وغيرهم عليهم السلام في نسائهم الخبيثات لعنهنّ الله.
الحسن عليه السلام صالح تركاً للدنيا الفانية لأجل الآخرة الباقية
هذا ما جزم به كلّ المؤرخين وأهل السيرة والتراجم، فمن هؤلاء ابن كثير قال: وقد مدحه رسول الله صلى الله عليه وسلم على صنيعه هذا، وهو تركه الدنيا الفانية، ورغبته في الآخرة الباقية، وحقنه دماء هذه الأمة(٢٧).
لو أراد الإمام الحسن عليه السلام الخلافة لحصل عليها لكن..!!
تركها لله تعالى؛ إذ لو أراد يستعمل الدهاء؛ فليس معاوية الملعون، بأدهى منه، لكن أن تكون خلافة وملك وكرسي وسلطة، على حساب دماء آلاف المسلمين وما لا يحصى من الأعراض؛ فهذا ليس منهج سيد شباب أهل الجنّة، رابع أهل الكساء الذين طهّرهم من الرجس تطهيراً..
ذكر الذهبي عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه: قلت للحسن يقولون: إنّك تريد الخلافة؟!! فقال: كانت جماجم العرب في يدي؛ يسالمون من سالمت، ويحاربون من حاربت، فتركتها لله، ثم أبتزها بأتياس الحجاز(٢٨).
وهو نصّ في أنّ الإمام كان يستطيع أخذ الخلافة، لكن بطريقة الابتزاز والاستلاب وإراقة الدماء، ولا يفعل هذا سيد شباب أهل الجّنّة، وأتياس أهل الحجاز، كناية عن أنّ الاستنصار بهؤلاء لا نصرة فيه للدين ولا يتحقق به غرض النبيين..
ونحوه ما رواه غير واحد من أهل السنّة بأسانيدهم قالوا: أتى مالك بن ضمرة الحسن، فقال: السلام عليك يا مسخم وجوه المؤمنين. فقال الحسن: لا تقل هذا، ولكن كرهت أن أقتلكم على الملك(٢٩). وهو نص في المطلوب، فليس الملك الذي يدفع بني أميّة للقتال هو ما يدفع المجتبى عليه السلام للقتال؛ فحفظ بيضة الدين أهمّ، والخديعة محرّمة، والاستنصار بالأتياس هو خدمة للشيطان لا للرحمن، والدماء والأعراض أعظم حرمة من كرسي الملك عند الملك الديان، والإبقاء على بيضة الإسلام هو ما يريده الملك العلام..
وهذا أمر يطول الكلام فيه، فجهلة العوام يظنون أنّ أمير المؤمنين علي عليه السلام مثلاً، كان يستطيع بطريقة وبأخرى أن يهلك معاوية وبني أميّة إلى الأبد، فلمَ لمْ يفعل ذلك؟!!
ولم ترك عائشة ولم يقتلها في الجمل؟! ولم ولم إلى ما شاء الله تعالى ممّا يدلّ على الفهم المقلوب لوظيفة المعصوم عليه السلام..
وقد نسوا أنّ الإمام علياً عليه السلام كان يبكي كلّما رأى مسلمين يقتتلان، وأنّه كان الأدهى، لكن لا يغدر ولا يفجر، وأنّ الأهم أنّه كان موظفاً من قبل الله ورسوله على أن يبقي على شعلة الدين مضيئة، وليس حيازة الملك، على ما قضى الله وقدّر..
عنفوان الحسن عليه السلام-بعد الصلح- أمام بني أميّة!!
في ذلك قال الذهبي (من تلامذة ابن تيمية أيضاً) ما نصّه:
قال حريز بن عثمان: ثنا عبد الرحمن بن أبي عوف الجرشي قال: لما بايع الحسن معاوية قال له عمرو بن العاص وأبو الأعور السلمي: لو أمرت الحسن فصعد المنبر فتكلم عيي عن المنطق، فيزهد فيه الناس، فقال معاوية لا تفعلوا، فوالله لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمص لسانه وشفته، ولن يعيا لسان مصه النبي صلى الله عليه وسلم أو شفه، قال: فأبوا على معاوية، فصعد معاوية المنبر، ثم أمر الحسن فصعد، وأمره أن يخبر الناس: إنّي قد بايعت معاوية، فصعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أيّها الناس إنّ الله هداكم بأوّلنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وإنّي قد أخذت لكم على معاوية أن يعدل فيكم وأن يوفر عليكم غنائمكم، وأن يقسم فيكم فيأكم، ثم أقبل على معاوية فقال: أكذاك قال: نعم.
ثم هبط من المنبر وهو يقول ويشير بإصبعه إلى معاوية: (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ)(٣٠) فاشتد ذلك على معاوية، فقالوا: لو دعوته فاستنطقته يعني استفهمته ما عنى بالآية، فقال: مهلاً، فأبوا عليه، فدعوه فأجابهم، فأقبل عليه عمرو، فقال له الحسن:
أما أنت فقد اختلف فيك رجلان، رجل من قريش ورجل من أهل المدينة فادعياك، فلا أدري أيّهما أبوك، وأقبل عليه أبو الأعور فقال له الحسن: ألم يعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم رعلا وذكوان وعمرو بنت سفيان، وهذا اسم أبي الأعور، ثم أقبل عليه معاوية يعينهما، فقال له الحسن: أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن قائد الأحزاب وسائقهم، وكان أحدهما أبو سفيان والآخر أبو الأعور السلمي(٣١).
مظلوميّة الإمام الحسن عليه السلام على لسان أبي هريرة!!!
روى أهل السنة بسند صحيح، عن أبي حازم قال: لماّ حضر الحسن قال للحسين: ادفنوني عند أبي، يعني: النبي صلى الله عليه وسلم، إلاّ أن تخافوا الدماء، فإن خفتم الدماء فلا تهريقوا فيّ دماً، ادفنوني عند مقابر المسلمين.
قال أبو حازم: فلمّا قبض تسلّح الحسين، وجمع مواليه، فقال له أبو هُرَيْرة: أنشدك الله وصية أخيك، فإنّ القوم لن يدعوك، حتى يكون بينكم دماء، قال: فلم يزل به حتى رجع، ثمّ دفنوه في بقيع الغرقد، فقال أبو هُرَيْرة: أرأيتم لو جيء بابن موسى ليدفن مع أبيه فمنع، أكانوا قد ظلموه؟ قال: فقالوا: نعم، قال: فهذا ابن نبي الله قد جئ به ليدفن مع أبيه!!!.
قال الإمام المزّي وغيره: وَقَال سفيان الثوري عن سالم بن أَبي حفصة، سمعت أبا حازم يقول: إنّي لشاهد يوم مات الحسن بن علي...، فقال أبو هُرَيْرة: أتنفسون على ابن نبيكم بتربة تدفنوه فيها، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني)(٣٢).
وروى المزي وغيره قالوا: وَقَال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق: حدثني مساور مولى بني سعد بن بكر، قال: رأيت أبا هُرَيْرة قائما على مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات الحسن بن علي يبكي وينادي بأعلى صوته: يا أيها الناس، مات اليوم حبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فابكوا.
تحقيق سريع في سفيان، القائل للحسن: عليه السلام يا مذل المؤمنين!!!
الحق، ليس في كلّ مرويات الشيعة سند، رواته من الشيعة، متصل صحيح، يذكر أنّ شيعيّاً من الشيعة قال للإمام الحسن عليه السلام: يا مذل المؤمنين، أو يا: مسوّد وجوه المؤمنين كما في بعض الأخبار الأخرى؛ فمثل هذه الرواية لا وجود لها في مصادر الشيعة عن الشيعة؛ إذ القائل، وهو سفيان بن الليل، ليس من الشيعة، أو لم يثبت أنّه من الشيعة من وجه معتبر..
روى أهل السنّة كابن أبي شيبة في مصنفه قال: حدثنا أسود بن عامر، قال حدثنا زهير، قال حدثنا أبو روق الهمذاني، قال حدثنا أبو الغريف، قال كنّا، فلمّا قدم الحسن بن علي الكوفة قام إليه رجل منّا يكنى أبا عامر فقال السلام عليك يا مذل المؤمنين!!!. فقال الحسن: لا تقل ذاك يا أبا عامر، ولكنّي كرهت أنْ اقتلهم على الملك(٣٣).
وأبو عامر هذا، مختلف في اسمه، فيقال هو: سفيان بن الليل، ومرة سفيان بن أبي الليل، وثالثة سفيان بن ليلى..، وسفيان هذا قد منع أهل السنّة من الاحتجاج به وضعّفوه، بل قد أسقطوه..
بلى هذه الرواية -بنحو من الأنحاء- موجودة في مصادر الشيعة، لكن كما قلنا، فسفيان هذا لم يثبت أنّه من الشيعة..
قال الشيخ المفيد في الاختصاص: حدثنا جعفر بن الحسين المؤمن وجماعة من مشايخنا، عن محمد بن الحسن بن أحمد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن النعمان، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: جاء رجل من أصحاب الحسن عليه السلام يقال له: سفيان بن ليلى وهو على راحلة له فدخل على الحسن عليه السلام وهو في فناء داره فقال له: السلام عليك يا مذل المؤمنين!!.
فقال له الحسن عليه السلام: أنزل ولا تعجل، فنزل فعقل راحلته في الدار، ثم أقبل يمشي حتى انتهى إليه قال: فقال له الحسن عليه السلام: ما قلت؟!.
قال قلت: السلام عليك يا مذل المؤمنين.
قال عليه السلام: وما علمك بذلك؟!!.
قال: عمدت إلى أمر الأمة فحللته من عنقك وقلدته هذه الطاغية يحكم بغير ما أنزل الله.
فقال الحسن عليه السلام: سأخبرك لم فعلت ذلك سمعت أبي يقول: قال رسول صلى الله عليه وآله وسلملن تذهب الأيام والليالي حتى يلي على أمتي رجل واسع البلعوم رحب الصدر يأكل ولا يشبع وهو معاوية، فلذلك فعلت ما جاء بك، قال: حبك؟ قال: الله، قال: الله، قال: فقال الحسن عليه السلام: والله لا يحبنا عبد أبدا ولو كان أسيرا بالديلم إلاّ نفعه الله بحبن(٣٤).
وقد ذكر السيد الخوئي قدس سره في أكثر من موضع من كتابه معجم رجال الحديث، أنّ سفيان هذا، مجهول الحال، لم يثبت فيه شيء(٣٥). وعلى هذا مشهور علماء الشيعة الإماميّة، بل الأرجح في حاله أنّه من بقايا الخوارج، والمقام لا يسمح بالبسط!!.
وعليه فالقول بأنّ شيعياً قال للإمام الحسن عليه السلام: يا مذل المؤمنين، كذب في كذب؛ لعدم ثبوت ذلك بدليل معتبر ولا بما يعتد به من القرائن.
ولو كانت هناك رواية شيعيّة سندها متصل صحيح، تذكر أنّ شيعيّاً قال للإمام الحسن المجتبى عليه السلام هذا الكلام، فإلينا بها لنراها؟!!!.
 

 

 

 

 

الهوامش:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) سورة الحجر: ٣٦-٣٧.
(٢) سورة الأنفال: ٤٢.
(٣) سورة النساء: ١٦٥.
(٤) فتح الباري (ابن حجر العسقلاني) ١٣: ٥٣. دار المعرفة، بيرون-لبنان، الطبعة الثانية.
(٥) تهذيب التهذيب ٢: ٢٥٩، تهذيب الكمال (المزي) ٦: ٢٤٧.
(٦) سير أعلام النبلاء ٣: ٢٧٠.
(٧) الاستيعاب في معرفة الأصحاب ١: ٣٨٩. دار الجيل بيروت، تحقيق: محمد علي الجباوي.
(٨) المجموع (الإمام النووي) ١٩: ١٩٤. العلامة السني المطيعي ممّن أكمل شرح مجموع النووي على المهذب، من الجلد الثالث عشر إلى الأخير، فلا تغفل!!!.
(٩) الوافي بالوفيات (الصفدي ٧٦٤هـ) ١٢: ٦٨. بيروت - دار احياء التراث لسنة ٢٠٠م، تحقيق أحمد الأرنؤوط.
(١٠) تاريخ ابن كثير (=البداية والنهاية) ٨: ١٦. دار إحياث التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى.
(١١) في تاريخ ابن كثير (=البداية والنهاية) ٨: ١٦. أنّ المختار الثقفي رضوان الله عليه هو من أراد ذلك، وهذا والله الكذب والافتراء على خلّص الشيعة الممدوحين على لسان المعصومين عليهم السلام؛ ويدلّ على ذلك أنّهم ألصقوها بالمختار رضوان الله عليه من دون سند ولا مستند افتراءً؛ فالمنافقون من سلف النواصب هم من أراد تلك الخيانة، وقد على رأسهم المرتدّ الأشعث بن قيس..، ولا يسمح المقام بالتفصيل لكن سيأتي أن بنته جعدة لعنها الله كانت من ضمنهم، حيث سمّت إمامنا الحسن صلوات الله عليه بواعز من معاوية.
(١٢) تاريخ ابن كثير (=البداية والنهاية) ٨: ١٧. دار إحياث التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى.
(١٣) سورة آل عمران: ١٥٢-١٥٣.
(١٤) سورة التوبة: ٢٥.
(١٥) سورة النساء: ١٥٣.
(١٦) سورة المائدة: ١١٢.
(١٧) سورة البقرة: ٢٤٩.
(١٨) سورة المائدة: ٢٤.
(١٩) سورة التحريم: ١٠.
(٢٠) سير أعلام النبلاء (الذهبي) ٣: ٢٧٤. مؤسسة الرسالة، تحقيق: شعيب الأنؤوط.
(٢١) تهذيب الكمال (المزي) ٦: ٢٥٢. مؤسسة الرسالة، تحقيق الدكتور بشار عواد.
(٢٢) تهذيب الكمال (المزي) ٦: ٢٥٢.
(٢٣) وفيات الأعيان (ابن خلكان) ٢: ٦٦ دار صادر بيروت.
(٢٤) الاستيعاب في معرفة الأصحاب ١: ٣٨٩. دار الجيل، بيروت، تحقيق الجباوي.
(٢٥) الإصابة لابن حجر ٢: ٧٣. تاريخ الاسلام للذهبي ٤: ٣٨، تهذيب الكمال للمزي ٦: ٢٥١، سير أعلام النبلاء للذهبي ٣: ٢٧٣، تهذيب التهذيب لابن حجر ٢: ٢٦٠، تاريخ دمشق لابن عساكر ١٣: ٢٨٢، الاستيعاب ١: ٣٩٠.
(٢٦) ارتد هذا الملعون بعد وفات النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الاسلام، فلما جلبوه لأبي بكر، عفى عنه بل أكرمه وزوجه أخته.
(٢٧) تاريخ ابن كثير (=البداية والنهاية) ٨: ١٧. دار إحياث التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى.
(٢٨) مستدرك الحاكم ٣: ١٧٠، وقال: صحيح ووافقه الذهبي في التلخيص.
(٢٩) مستدرك الحاكم ٣: ١٧٠.
(٣٠) سورة الانبياء: ١١١.
(٣١) تاريخ الإسلام (الذهبي) ٤: ٣٩. دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى.
(٣٢) الإصابة لابن حجر ٢: ٧٣. تاريخ الاسلام للذهبي ٤: ٣٨، تهذيب الكمال للمزي ٦: ٢٥١، سير أعلام النبلاء للذهبي ٣: ٢٧٣، تهذيب التهذيب لابن حجر ٢: ٢٦٠، تاريخ دمشق لابن عساكر ١٣: ٢٨٢، الاستيعاب ١: ٣٩٠.
(٣٣) مصنف ابن أبي شيبة ٧: ٤٧٦.
(٣٤) الاختصاص (الشيخ المفيد قدس سره): ٨٢.
(٣٥) معجم رجال الحديث ٩: ١٥٧.

المرفقات المرفقات:
التقييم التقييم:
  ٢ / ٣.٠
 

التعليقات

 
COMMENTS_EMPTY

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
التحقق اليدوي: * إعادة التحميل