فهرس المكتبة الحسنية

   

البحث في المكتبة التخصصية

 
 

كتاب مختار:

   

المسار

  الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية » كتب المركز » الإمام الحسن عليه السلام والصُّلح  

كتب المركز

 

الكتب الإمام الحسن عليه السلام والصُّلح

القسم القسم: كتب المركز الشخص المؤلف: السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي العاملي التاريخ التاريخ: ٢٠١٦/٠١/١٨ المشاهدات المشاهدات: ٢٥٨٣ التعليقات التعليقات: ٠

الإمام الحسن عليه السلام والصُّلح
(تصدير كتاب صلح الحسن للشيخ راضي آل ياسين)

تأليف: السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي العاملي
تقديم: العتبة الحسينية المقدّسة
مركز الإمام الحسن عليه السلام للدراسات التخصصية

الفهرست

مقدّمة المركز
ترجمة حياة السيّد عبد الحسين شرف الدين الموسوي
مولده ونشأته
في عاملة
إصلاحه
أثر بلاغته
بيته
خدماته
في دمشق
في مصر
في فلسطين
العودة
منزلته في العالم الإسلامي
حياته العلمية
مؤلَّفاته
لآلؤه المنضودة
نفائسه المفقودة
ثقافته
أخلاقه ومواهبه
أسفاره
آثاره وإنشاءاته
الحسنُ والصلح (تصدير كتابِ صلحِ الحسن للشيخ راضي آل ياسين)

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة المركز:
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمّد وآله الطيّبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين، آمين ربّ العالمين.
أهل البيت عليهم السلام شخوص نورانية وأشخاص ملكوتية، منها ولأجلها وُجِدَ الكون، وإليها حساب الخَلق، يتدفَّقون نوراً وينطقون حياةً، شفاههم رحمة وقلوبهم رأفة، وُضِع الخير بميزانهم فزانوه عدلاً، ونَمَت المعرفة على ربوع ألسنتهم فغذّوها حكمةً.
أنوارٌ هداة، قادةٌ سادات، (ينحدرُ عنهم السيل، ولا يرقى إليهم الطير)، ألفوا الخَلق فألفوهم، تصطفُّ على أبوابهم أبناء آدم متعلِّمين مستنجدين سائلين، وبمغانمهم عائدين.
لا يُكرِهون أحداً على موالاتهم ولا يُجبِرون فرداً على اتِّباعهم، يُقيّد حبّهم كلّ من استمع إليهم، ويشغف قلب كلّ من رآهم، منهجهم الحقّ وطريقهم الصدق وكلمتهم العليا، هم فوق ما نقول ودون ما يقال من التأليه، هم أنوار السماء وأوتاد الأرض.
والإمام الحسن المجتبى عليه السلام هو أحد هذه الأسرار التي حار الكثير في معناها، وغفل البعض عن وجه الحكمة في قراراتها، وباع آخرون دينهم بدنيا غيرهم، فراحوا يُسطرون الكذب والافتراءات عليه، والتي جاوز بعضها حدّ العقل، ولم يتجاوز حدّ الحقد المنصبّ على بيت الرسالة.
وقد اهتمَّ مركز الإمام الحسن عليه السلام للدراسات التخصّصية بكتابة البحوث والدراسات وتحقيق المخطوطات التي تعنى بشأن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام ونشرها في كتب وكتيّبات بالإضافة إلى نشرها على مواقع الانترنيت وصفحات التواصل الاجتماعي التابعة للمركز.
بالإضافة إلى النشاطات الثقافية والإعلامية الأُخرى التي يقوم بها المركز من خلال نشر التصاميم الفنّية، وإقامة مجالس العزاء، وعقد المحاضرات والندوات والمسابقات العلمية والثقافية التي تثرى بفكر أهل البيت عليهم السلام وغيرها من توفيقات الله تعالى لنا لخدمة الإمام المظلوم أبي محمّد الحسن المجتبى عليه السلام.
وهذا الكتاب الذي بين يديك عزيزي القارئ هو أحد تلك الثمار التي أينعت، والتي لا تهدف إلَّا إلى بيان شخصية الإمام الحسن المجتبى عليه السلام بكلِّ أبعادها المضيئة ونواحيها المشرقة، ولرفد المكتبة الإسلاميَّة ببحوث ودراسات عن شخصية الإمام الحسن المجتبى عليه السلام.

ومن الله التوفيق والسداد.

العتبة الحسينية المقدَّسة
مركز الإمام الحسن للدراسات التخصّصية
كاظم الخرسان

ترجمة حياة السيّد عبد الحسين شرف الدين الموسوي

لستُ ببالغٍ _ من تعريفك أيّها القارئ الكريم بالسيّد المؤلِّف _ مبلغ تعريف هذا الكتاب (كتاب المراجعات) به، وحسْبُك منه وأنت تقرؤه في هذا الكتاب أنْ تعرفَ به بطلاً من أبطال العلم، وفارساً من فرسان البيان، تأتيه حين تأتيه مالكاً لأمرك، مسيطراً على نفسك، فإذا استقرَّ بك المقام عنده، لم تتمالكْ دون أنْ تضع قيادَك بين يديه، فإذا هو يتملَّك زِمام أمرك، ويَدخل إلى قرارة نفسك، فيسيطرَ عليك بطبيعة قوَّته وأدبه وعلمه.
وأنت لا تخشى مغبَّة العاقبة من هذه السيطرة؛ فإنَّها سيطرةٌ مضمونةُ الخير، مأمونةُ الشرِّ، بعيدةٌ عن الكيد والمكروه، بعد الصحَّة عن الفساد، وكنْ واثقاً أكبرَ الثقة _ حين يأخذُك بيانه وبرهانه _ إنَّه إنَّما يرِد بك مناهلَ مترعةَ الضِّفاف، بنميرٍ ذي سلسبيل، كلَّما كرعتَ من فراته جرعةً، تحلَّبتْ شفتاك لجرُعاتٍ تحسَب أنْ ليس لظمئك راوياً غيرها.
هذا بعض ما يُعرِّفك به الكتابُ عن مؤلِّفه، أفتُراني أبلُغ من تعريفك به أبعد ممَّا يُعرِّفك هو بنفسه؟ كلَّا فإنَّ للسيّد عبد الحسين في الحياة مناحيَ وميادين لا أراني موفِياً عليها، وأنا في هذا السبيل الضيِّق القصير، ويوشك أنْ يكون الأمر يسيراً لو أنَّ المترجَم له غير هذا الرجل، ويهون الأمر لو كان من هؤلاء الرجال المحدودة حياتُهم وأعمالهم، أمَّا رجلٌ كهذا الرجل الرحْب العريض، فمِن الصعب جدَّاً أنْ يتحمَّل كاتبٌ عبءَ الحديث عنه، والتوفُّر عليه؛ لأنَّه يشعر حين يقف إليه أنَّه يقف إلى جبلٍ ينبض بألوانٍ من الحياة، متدفِّقةٍ من كلِّ نواحيه وجوانبه، فلا يكاد يردُّ كلَّ لونٍ إلى مصدره إلَّا ببحثٍ عليه مسؤوليات من المنطق والعلم، قد ينوء بها عاتق المؤرِّخ الأمين.
ويكفيك من تعريفه _ على سبيل الإجمال _ ما يُعرِّفك به الكتاب من فنِّه وعلمه، وكنّا نودُّ لو يُتاح لنا أنْ نقفَ وقفةً خاصَّةً لهذه الناحية الفنّية المتعبة، ولاسيّما ونحن منه في سبيل العلم والفنّ اللذين اجتمعا للمؤلِّف فصاغا هذا الكتاب متساندَين صياغةَ قدرةٍ وابتداع، قلَّ أنْ نجدَ لها نِدَّاً في مقدور زملائه من الأعلام (أمدَّ الله في حياة أحيائهم).
ولكنَّ إحكام الكتاب على هذا النحو من قوَّة العارضة في الأدب، وبُعد النظر في البحث، وسلامة الذوق في الفنِّ وحُسْن التيسير في إيضاح المشاكل، وتحليل المسائل، أَطلق له لساناً من البيان الساحر أغنانا عن الأخذ بالأعناق إلى مواضع جماله، فكلُّ بحث فيه لسانٌ مبينٌ عن سرِّه، يناديك حين تغفل عنه، ويدعوك بصوته حين تمرّ به سَهوان، ولا تقدر لنفسك أنْ تتملَّاه أو تُعجَب به.
وكتابٌ فيه هذه الحياة لا ينفكُّ عن صاحبه بحال، ولا تحسب أنَّ للكتب حياةً خاصَّةً مستقلَّةً، فليست حياةُ الكتب غير حياة المؤلِّفين والكُتّاب نفسها، فإذا سمعت نبأة، وأدركتَ حسَّاً في كتابٍ، فإنَّما تسمع جِرْس الكاتب، وتحسُّ حسَّه عينه.
وبعد، فسأتركك عند هذا القدر من المعرفة بهذا الإمام، ولك أنْ تكتفي به، ولك أنْ لا تكتفي منه، فبحسْبي أنْ أُشعِرك بطرف ممَّا عرفتُ منه، وأنا أنغمس في هذه المراجعات. وبحسْبك منّي أنْ ترى منزلته من نفسي: كعالمٍ يضمُّ إلى علمه فنَّاً من الأدب منقطع النظير، ولك أنْ تثق بي حين تعتبرني دليلاً، أميناً سليم الاختيار بترجمة هذه الذخيرة، وضمّها إلى مؤثلات لغتنا الحيَّة.
مولده ونشأته:
على أنّي لا أرى لك أنْ تقتصر من معرفته على هذا المقدار، كما لا أرى لك أنْ تجتزئ بطائرِ اسمِه، وسعة شهرته في العالم الإسلامي، وإنَّما أرى أنْ تتجاوز ذلك إلى الإحاطة بشيءٍ من حياته؛ وبشيء من ظروفه التي قَدَّرتْ له هذه الحياة.
وُلِدَ السيّد عبد الحسين شرف الدين _ أورفَ اللهُ ظلَّه _ في الكاظمية سنة (١٢٩٠هـ)، من أبوَين كريمين تربط بينهما أواصر القربى، ويوحِّد نسبَهما كرمُ العِرق، فأبوه الشريف يوسف بن الشريف جواد بن الشريف إسماعيل، وأُمُّه البرَّة (الزهراء) بنت السيّد هادي بن السيّد محمّد علي، منتهيَين بنسبٍ قصيرٍ إلى شرف الدين أحدِ أعلام هذه الأُسرة الكريمة.
ثمّ درج في بيتٍ مهَّد له أسباب الزعامة العلمية؛ ورُفِعَتْ دعائمه على أعلامٍ لهم في دنيا الإسلام، ذِكْرٌ محمود، وفضلٌ مشهود، وخدماتٌ مشكورة، فكانت طبيعة الإرث الأثيل، تُحفِّزه للنهوض من جهة أُخرى، وتربيته الصالحة _ كانت قبل ذلك _ تصوغه على خيرِ مثالٍ يُصاغ عليه الناشئ الموهوب، فهو أنّى التفتَ من نواحي منشئه الكريم، استقى النشاط والتوفّر على ما بين يديه من حياة: مؤمِّلةً لخيره ولخير من وراءه من الناس.
ثمّ شَبَل في هذا البيت الرفيع؛ يرتعُ في رياض العلم والأخلاق، ويتوقَّل في معارج الكرامة، فلمَّا بلغَ مبلغَ الشباب الغضِّ اصطَلحتْ عليه عوامل الخير، وجعلتْ منه صورةً للفضيلة، ثمّ كان لهذه الصورة التي انتزعها من بيته وبيئته وتربيته أثرٌ واضح في نشأته العلمية، ثمّ في مكانته الدينية بعدئذٍ. فلم يكدْ يخطو الخطوةَ الأُولى في حياته العلمية حتَّى دلَّتْ عليه كِفايته، فعكف عليه طلَّابُه وتلامذته، وكان له _ في منتديات العلم في سامراء والنجف الأشرف _ صوتٌ يُدوّي، وشخص يومأ إليه بالبَنان.
ومنذ ذلك اليوم بدأ يلتمع نجمُه في الأوساط العلمية، ويتَّسع إشراقه كلَّما توسّع هو في دراسته، وتقدّم في مراحله حتَّى ارتاضت له الحياة العلمية، على يد الفحول من أقطاب العلم في النجف الأشرف وسامراء، كالطباطبائي، والخراساني، وفتح الله الأصفهاني، والشيخ محمّد طه نجف، والشيخ حسن الكربلائي، وغيرهم من أعلام الدين وأئمَّة العلم.
ولمَّا استوفى حظّه العلمي من الثقافة الإسلاميَّة العالية، كان هو قد صاغ لنفسه ذوقاً عالياً، ساعدتْه على إنشائه ملكاته القويَّة، وسليقته المطبوعة على حُسن الأداء، وتخيُّر الألفاظ، وقوَّة البيان، وذَرابة اللسان، وسعة الذهن، فكان بتوفيقه بين العلم والفنّ ممتازاً في المدرسة، مضافاً إلى ما كان له من الميزة الفطرية في ناحيتي الفكر والعقل.
على أنَّه لم يكتفِ من مدرسته بتلقّي الدروس واكتناز المعارف فقط، بل استفاد من ملابسات الحياة العامَّة التي كانت تزدحم على أبواب المراجع من أساتذته، وانتفع من الأحداث المؤتلفة، والحوادث المختلفة التي كانت تُولِّدها ظروف تلك الحياة، فكان يضع _ لما اختلف منها ولما ائتلف _ حساباً، ويستخرج منه نفعاً ويُقدِّر له قيمة، وينظر إليه نظرةَ اعتبار، ليجمع بين العلم والعمل، وبين النظريات والتطبيق.
إذن فقد كانت مدرسته _ بالقياس إليه _ مدرستين: يعاني في إحداهما المسائل العلمية، ويعاني في الثانية المسائل الاجتماعية، ثمّ تتزاوج في نفسه آثار هذه وآثار تلك مصطلحة على إنتاج بطولته.
في عاملة:
وحين استعلن نضجه، ولمع فضلُه في دورات البحث ومجالس المذاكرة والتحصيل؛ عاد في الثانية والثلاثين من عمره _ إلى جبل عامل _ جنوب لبنان، موقوراً مشهوراً مملوء الحقائب، ريّان النفس، وَريق العود، نديَّ اللسان، مشبوب الفكر، وكان يومُ وصوله يوماً مشهوداً، قذفت فيه عاملة بأبنائها لتستهلَّ مقدمه مشرقاً في ذراها وأجوائها، واستقبلتْه مواكب العلماء والزعماء والعامَّة، إلى حدود الجبل من طريق الشام في مباهجَ كمباهج العيد.
ولم تكن عاملةُ _ وهي منبت أُسرته _ مغاليةً أو مبالغةً بمظاهر الحفاوة به، أو بتعليق أكبر الآمال عليه، فإنَّها علمتْ _ ولمَّا يمض عليه فيها غير زمن يسير _ أنَّه زعيمها الذي ترجوه لدينها ودنياها معاً، فتنيط به الأمل عن (عين) بعد أن أناطتْه به عن (أُذُن)، وتتعلَّق به عن خبرة، بعدما تعلَّقت به عن سماع، وتَعرف به الرجل الذي يضيف عيانه إلى أخباره، أُموراً لم تدخل في الظنِّ عند الخبر.
إصلاحه:
وابتدأت في عاملة حياةٌ جديدة، شأنها الشدَّة في الدين، واللين في الأخلاق، والقوَّة في الحقِّ، والهوادة مع الضعفاء، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتطامن لأهل الدين، والتواضع للعلماء، وكانت يومئذٍ اقطاعياتٌ منكرة، لا تملك العامَّةُ معها من أمر نفسها شيئاً، ولا تفهم من الحياة في ظلِّها غير معناها المرادف للرقِّ والعبودية، أو لا يفسح لها أنْ تفهم غير ذلك من حياتها الهيِّنة المسخَّرة للأقوياء من جبابرة الناس وطواغيتهم، فلمَّا استقرَّ به المقام في عاملة، لم يستطعْ إقرارَ هذا النظام الجائح المستبدِّ بحقوق الجماعة، ولم يجدْ من نفسه، ولا من إيمانه، ولا من برِّه، مساغاً للصبر على الإقطاعية هذه، وإنْ ظاهرَها الأقوياء، والمتزعِّمون، والمستعمرون، وكلُّ من يتحلَّب ضرعها المادّي الحلوب، لذلك ثار بها وبهم، وأنكر عليها وعليهم، واستغلظ الشرُّ بينه وبينهم، فجمعوا له وأجلبوا عليه، وسعَوا فيه، وكان كلُّ سعيهم بُوراً.
أثر بلاغته:
وكان لمنابره البليغة، ولأساليب إرشاداته البارعة، أكبر الأثر في تحقيق إصلاحه المنشود، ولا غرْوَ فإنَّ للسيّد المؤلِّف مقاماً خطابياً يغبطه عليه خطباء العرب، ويعتزُّ به الدين والعلم والأدب.
وخطابته ككتابته تستمدُّ معانيها وقوَّتها وغزارتها من ثقافته كلِّها، وترتضع في الموضوع الخاصّ أثداء شتّى من معلوماته الواسعة، فإذا قرأتَه أو سمعتَه رأيتَ مصادر ثقافته كلّها منهلةً متفتِّحةَ الأفواه كشرايين الثدي وعروقه، ترفده من كلِّ موضع وعاه في حياته ما ينسجم وموضوعه الذي هو بسبيله، وعلى ذوقه الممتاز أنْ يضعَ أطراف ما يتدفَّق إليه في هيكل الموضوع الذي بين يديه، ويركزه في مكانه، حتَّى إذا انتهى أنهى _ إذن _ بحثاً نافعاً، كلُّه غذاءٌ ومتاع.
وأعظِمْ به _ إلى جانب هذه البلاغة _ متخيِّراً لآلئ معانيه، وأزياء أفكاره يُقدِّرها تقديراً، ويرصفها رصفاً، ويبعث فيها حياةً تنبضها بما يريد لها من دلالة في مفهومٍ أو من منطوقٍ بأوصافه، وإضافاته، وبكلِّ تآليفه المنسوقة المنسجمة.
ثمّ أعظِمْ به محدِّثاً إذا تشاجَنَ الحديث وتشقَّق وانساب على سفينة تمخر العُباب، فهناك النكتة البارعة، والطُّرفة اللامعة، والنادرة الحلوة، والخبر النافع.
من هذا وذاك علِقتْ به النفوس؛ واجتمع عليه الرأي، فقاد للخير وابتغى المصلحة. وتكاملتْ له زعامةٌ عامَّة، يحلُّ منها في شغاف الأفئدة والقلوب، ولم تكنْ هذه الزعامة مرتجلةً مفاجئة، بل كانت عروقها واشجةَ الأُصول، عميقة الجذور، تتَّصل بالأعلام من آبائه، والغُرِّ من أعمامه وأخواله، ثمّ صرفت هذا الميراث الضخم يده البانية، فأعلتْ أركانه، ومدَّتْ شطآنه وخلجانه.
بيته:
فبيته في ذرى عاملة، مطنب مضروب، للقِرى والضِّيفان، تزدحم فيه الوفود، وتهدى إليه الحشود إثرَ الحشود، ويصدر عنه الكروب بالرفد المحمود، وهو قائمٌ في تيّار الموجتين المتعاكستين بالوِرد والصدر، هشاشاً طلْق المحيّا، لا يشغله تشييع الصادر، عن استقبال الوارد، ولا يلهيه حقّ القائم عن حقوق القاعد، ولكنَّه يجمع الحقوق جميعاً ويُوفِّق بينها، فيُوزِّعها عادلةً متناسبةً.
ولأريحيَّته الكريمة جوانب أنفع من هذا الجانب، وأبعد أثراً، فهو مفزعٌ يأوي إليه المحتاجون والمكروبون، وملجأٌ يلوذون به في الملمّات، يستدفعون به المكاره، حين تضيق بها صدور الناس، وتشتدُّ بهم آلامها، فإذا طفْتَ بيته، رأيتَ ألوان الغايات، تدفع بألوانٍ من المحتاجين إليه، المعوِّلين عليه في مختلف أحوالهم وأوضاعهم الخاصَّة والعامَّة، ممَّا يتَّصل بدينِهم أو دنياهم، وتراه قائماً بين هؤلاء وهؤلاء، يجودهم بنفحاته العلَوية، ويُغدِق عليهم من أريحيَّته الهاشمية؛ ويبذل لهم من روحه وراحته ما يملأ به نفوسهم مرَحاً وسروراً، ثمّ لا يسألهم على ذلك جزاءً ولا شكوراً.
وها هو لا يزال، مدَّ اللهُ في حياته، يملي على تاريخه من أحداثه الجِسام، ومآتيه الغُرّ في خدمة الله والمؤمنين والوطنية الصحيحة، ما تضيق عنه هذه العُجالة.
خدماته:
أمَّا خدماته المناضلة ضدّ الاستعمار الأجنبي فحدِّثْ عنها ولا حرج، ولا يتَّسع مجالنا هذا لتفصيل القول في ذلك النضال، ولكنْ بوسعي أنْ أقول لك بكلمة مجمَلة: إنَّ خدماته العظيمة في العهد التركي، ثمّ في العهد الفرنسي، ثمّ في أيّام الاستقلال، كانت امتداداً لحركات التحرير، وارتقاءً بها نحو كلّ ما يُحقِّق العدل ويُوطِّد الأمن، ويُنعش الكافّة، على أنَّ السلطات في العهود كلِّها لم تألُ جهداً في مقاومته، ومناوأة مشاريعه بما تقاوم به السلطاتُ الجائرةُ من الدسِّ والاضطهاد وقتْل المصالح، ولعلَّ المحنَ التي كابدها هذا الإمام الجليل في سبيل إسعاد قومه، لم يكابدْ نارَها إلَّا أفذاذٌ من زعماء العرب وقادتهم، ممَّن أبلَوا بلاءً، وعانَوا عناءً.
وناهيك بما فاجأتْه به سلطةُ الاحتلال الفرنسيّ حين ضاقتْ به ذرْعاً، إذ أوعزتْ إلى بعض جُفاتها الغلاظ باغتياله. واقتحم ابن الحلَّاج عليه الدار في غِرة، وهو بين أهله وعياله، دون أنْ يكون لديه أحدٌ من أعوانه ورجاله، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى أراد له غير ما أرادوا، فكفَّ أيديَهم عنه، ثمّ تراجعوا عنه صاغرين يتعثَّرون بأذيال الفشل والهوان، وما يكاد يَذيع نبأُ هذه المباغتة الغادرة في عاملة، حتَّى خفَّتْ جماهيرُهم إلى صور، تزحف إليها من كلِّ صوب وحدب، لتأتمرَ مع سيّدها فيما يجب اتِّخاذُه من التدابير إزاء هذا الحدَث، غير أنَّ السيّد صرفهم بعد أنْ شكرهم، وأجزلَ شُكرهم، وارتأى لهم أنْ يمرّوا بالحادث كراماً.
ثمّ تلا هذا الحادثُ أحداثاً وأحداثاً اتَّسع فيها الخرْق، وانفجرت فيها شُقَّة الخلاف، حتَّى أدَّتْ إلى تشريد السيّد بأهله ومن إليه من زعماء عاملة إلى دمشق، وقد وصل إليها برغم الجيش الفرنسي الذي كان يرصدُ عليه الطريق، إذ كانت السلطة الغاشمة تتعقَّبه بقوَّةٍ من قوّاتها المسلَّحة لتحوْل بينه وبين الوصول إلى دمشق، وحين يئستْ من القبض عليه، عادت فسلَّطتِ النار على داره في (شحور) فتركتْها هشيماً تذوره الرياح، ثمّ احتلتْ داره الكبرى الواقعة في (صور) بعد أنْ أباحتْها للأيدي الأثيمة، تعيث بها سلباً ونهباً، حتَّى لم تتركْ فيها غالياً ولا رخيصاً، وكان أوجعَ ما في هذه النكبة تحريقُهم مكتبة السيّد بكلِّ ما فيها من نفائس الكتب وأعلاقها، ومنها تسعة عشر مؤلَّفاً من مؤلَّفاته، كانت لا تزال خطِّيةً إلى ذلك التاريخ.
في دمشق:
وظلَّ في دمشق تجيش نفسه بالعظائم وتحيط به المكرمات، في أبَّهة من نفسه، ومن جهاده، ومن إيمانه، وكان في دمشق يومئذٍ مداولات ملكية، واجتماعات سياسية، وحفلات وطنية، تتبعها اتِّصالات بطبقات مختلفة من الحكومة والشعب، كان السيِّد في جميعها زعيماً من زعماء الفكر، وقائداً من قادة الرأي، ومعقِداً من معاقد الأمل في النجاح.
وله في هذه الميادين مواقفُ مذكورة، وخطاباتٌ محفوظة، سجَّلها له التاريخ بكثيرٍ من الفخر والإعجاب.
ولم يكنْ بدٌّ من اصطدام العرب بجيش الاحتلال، فقد كانتِ الأسباب كلُّها مهيَّأة لهذا الاصطدام؛ حتَّى إذا التقى الجمعان في (ميسلون) واشتبكا في حربٍ لم يطل أمَدها، ودارت الدائرة على العرب لأسبابٍ نُعرض عنها.
غادر السيّد دمشق إلى فلسطين، ومنها إلى مصر بنفرٍ من أهله، بعد أنْ وزع أُسرته في فلسطين بين الشام وبين أنحاءٍ من جبل عامل، في مأساةٍ تضيف أدلَّةً إلى الأدلَّة على لؤم أعدائه، فقد ظلَّ ثقلٌ من أهله الذين ذهبوا إلى (عاملة) ليالي وأيّاماً لا يجدون بُلغةً من العيش يحشون بها مِعَدَ صغارهم الفارغة، على أنَّهم يبذلون من المال أضعاف القيمة، ويبسطون أكفّهم بسخاءٍ نادر، وأخيراً لم يجدوا حلَّاً بغير توزيع قافلتهم في الأطراف المتباعدة، بين من بقي من أوليائهم وأصدقائهم على شيءٍ من الوفاء أو الشجاعة.
في مصر:
حين وصل مصر احتفلت به، وعرفتْه بالرغم من تنكّره وراء كوفية وعقال، في طرازٍ من الهندام على نسق المألوف من الملابس الصحراوية اليوم، وكانت له مواقف في مصر وَجهت إليه نظرَ الخاصَّة من شيوخ العلم، وأقطاب الأدب، ورجال السياسة، على نحوِ ما تقتضيه شخصيته الكريمة.
ولم يكنْ هذا أوَّل عهده بمصر، فقد عرفتْه مصر قبل ذلك بثمان سنين، حين زارها في أواخر سنة تسع وعشرين، ودخلتْ عليه فيها سنة ثلاثين وثلاثمائة وألف هجرية، في رحلةٍ علميةٍ جمعتْه بأهل البحث، وجمعتْ به قادة الرأي من علماء مصر، وعُقدت فيها بينه وبين شيخ الأزهر يومئذٍ _ الشيخ سليم البشري _ اجتماعاتٌ متوالية تجاذبا فيها أطراف الحديث وتداولا جوانب النظر في أُمَّهات المسائل الكلامية والأُصولية، ثمّ كان من نتاج تلك الاجتماعات الكريمة هذه (المراجعات) التي نحن بصددها.
في فلسطين:
وحدثتْ ظروفٌ دعتْه إلى أنْ يكون قريباً من عاملة، فغادر مصر في أواخر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة وألفٍ هجرية إلى قريةٍ من فلسطين تُسمّى (علما) تقع على حدود جبل عامل، وفي هذه القرية هوى إليه أهله وعشيرته، ولحق به أولياؤه المشرَّدون في هذا الجهاد الديني الوطني، فكانوا حوله في القُرى المجاورة. وكان في (علما) كما يكون في جبل عامل من غير فرقٍ، كأنَّه غير مبعد عن داره وبلده، يتوافد إليه الناس من قريبٍ ومن بعيدٍ، ولا يكاد يخلو منزله من أفواج الناس، فيهم الضيوف، وفيهم طلَّاب الحاجات، وفيهم روّاد القضاء والفقه، وفيهم من تستدعيه الحياة السياسية أنْ يعرف ما عند السيِّد من وجه الرأي.
وانسلخت شهورٌ في (علما) تصرَّفتْ فيها الأُمور تصرّفاً يرُضي السيّد بعض الرضا، وأُبيح للسيّد أنْ يعود إلى عاملة بعد مفاوضات أدَّتْ إلى العفو عن المجاهدين عفواً عامَّاً، وإلى وعدٍ من السلطة بإنصاف جبل عامل، وإنهاضه، وإعطائه حقوقه كاملة.
العودة:
وحين اطمأنَّتْ نفسه بما وعدتْه به السلطة، عاد إلى جبل عامل، ولم تسمح نفسه بأنْ يعود والمجاهدون مبعَدون، لذلك جعل بيروت طريق عودته _ وطريقُه بعيدة عنها _ ليستنجز العفو العامّ عن المجاهدين، وكذلك كان؛ فإنَّه لم يخرجْ من بيروت حتَّى كان المجاهدون في حِلٍّ من الرجوع إلى وطنهم وأهليهم.
ولعلَّ جبل عاملٍ لم يشهدْ يوماً أبهج ولا أحشد من يوم عودته، ولعلَّه لن يشهد يوماً كهذا اليوم، يُحشَر فيه الجبل من جبله وساحله، في بحرٍ من الناس يموج بعضه فوق بعض، وتطفو فوقه الأعلام رفّافة بالبشر، منحنيةً بالتحيَّة والهتاف، مجلجلة كجلجلة الرعد في أُذُن الجوزاء.
ويبدأ من ذلك اليوم موسمٌ للشعر، تفتَّقتْ فيه القرائح العاملية عن ذخائرَ ممتعة من الأدب العالي، وتفتَّحت سلائقهم عن أصدق العواطف، وأسمى المشاعر تنبض بها قوافيهم تهزُّ المحافل في إبداعٍ وتجويد، صباح مساء، ولقد امتدَّ هذا الموسم الأدبي زمناً طويلاً اجتمع في أيّامه ولياليه الناس، ضخم القيمة، ضخم الحجم، يمكن اعتباره مصدراً لتاريخ الفكر والسياسة في جبل عامل خلال هذه الفترة.
منزلته في العالم الإسلامي:
ترتسم على كلِّ أُفق من آفاق هذا العالم الإسلامي، أسماء معدودة لرجال معدودين، امتازوا بمواهب وعبقريات، رفعتْهم إلى الأوج الأعلى من آفاقهم، فإذا أسماؤهم كالنجوم اللامعة تتلألأُ في كَبِد السماء.
أمَّا الذين ترتسم أسماؤهم في كلِّ أُفق من تلك الآفاق فقليل، وقليلٌ هم، وليسوا إلَّا أُولئك الذين علتْ بهم الطبيعة، فكان لهم من نبوغهم النادر ما يجعلهم أفذاذاً في دنيا الإسلام كلّها، ومن هؤلاء الأفذاذ سيّدنا المؤلِّف (أطال الله عمره)، فقد شاءتِ الإرادة العليا أنْ تبارك علمه وقلمه، فتخرج منهما للناس نتاجاً من أفضل النتاج، وقد لا أكون مبالغاً حين استبيح لقلمي أنْ يُسجِّل: أنَّ السيّد المؤلِّف يتقدَّم بما أنتج إلى الطليعة من علماء الشيعة الذين كرَّسوا حياتهم طوال أعمارهم لخدمة الدين والمذهب. وبهذا استحقَّ أنْ يتصدَّر مجلس الخاصَّة في العالم الإسلامي اليوم.
حياته العلمية:
وقد يلوح ممَّا قدَّمنا أنَّ المشاكل الاجتماعية المتراكمة من حوله، تصرِفه عن النظر في حياته العلمية، وتُزحزحه عن عمله الفنّي. والواقع أنَّ رجلاً يُمنى بما مُني به (سيّدنا) ينصرف عادةً عمَّا خُلِقَ له من علمٍ وتأليف، فإنَّ ما يحيط به من المشكلات يضيق بالنظر في أمر المكتبة والكتابة، لولا بركة وقته، وسعة نفسه، وقدرة ذهنه.
فهو _ على حين أنَّه يُوفي حقَّ تلك المشكلات الشاغلة _ يُوفي حقّ علمه، فيبلغ من المكتبة نصيبَ الذي تحتاجه حياتُه العلمية، وهو منذ ترك النجف الأشرف على اتِّصال مستمرٍّ بالبحث والمطالعة والكتابة والمناظرة. يخلو كلَّ يوم في فتراته إلى مكتبته يستريحُ إلى ما فيها من موضوعات، وينسى مِن ورائها من حياةٍ مرهقةٍ لاغبة.
مؤلَّفاته:
وليس أدلّ على هذا من إنتاجه، هذا الإنتاج الغزير الثريُّ النبيل. وإنَّ مؤلَّفاتِه لتشهد بأنَّه من الحياة العلمية؛ كمن ينصرف إليها، ولا يُشغَل بغيرها، وأدلُّ ما يدلُّ منها على ذلك كيفية مؤلَّفاته لا كمِّيتها؛ فهي وإنْ كانتْ كثيرة حتَّى بالقياس إلى رجلٍ يتفرَّغ إليها، فإنَّها من الأصالة والعمق والاستيعاب، حيث لا تدلُّ على أنَّ مؤلِّفها رجلٌ يمتحنُه الناس بتلك المشاغل، ويَبتلونه بما عندهم من مشاكل، فهي _ بما فيها من قوَّةٍ ومتانةٍ وغَوْرٍ ونحتٍ وتفكيرٍ _ أدلُّ على اتِّصاله الدائم بحياته العلمية من جهة، وأدلُّ على فضله وخصوبة سليقته من جهةٍ أُخرى.
بهذا الميزان يَرجح علمُ الرجل وفضلُه، ثمّ يَرجح به امتيازُ ما كتب، وهو امتيازٌ قليل النظير؛ فإنَّ المؤلِّفين المكثرين، كثيراً ما تظهر عليهم السطحية، ويُميِّز كتبَهم الحشوُ، أمَّا المؤلِّف فليس فيما قرأْنا من مؤلَّفاته مبتذَلٌ سطحيٌّ، ولا رخيصٌ سوقيٌّ، بل كلُّ ما كتب أنيقٌ رقيق، رفيعٌ عميق، يجمع بين سموّ الفكر وترف اللفظ، وهو ما أشرنا إليه في صدر كلامنا من كونه حريصاً على المزاوجة بين علمه وفنّه، فإذا قرأتَ فصلاً علمياً خالصاً خِلْتَ _ لقوَّة أُسلوبه ونصاعته _ أنَّك تقرأ فصلاً أدبياً يروْعك جماله المستجمع لكلِّ العناصر الأدبية.
على أنّا حين نتجاوز هذه النقطة، فمؤلَّفاته كثيرة من حيث الكمّية أيضاً، وهذا يضاعِف القيمة. إنَّه يدلُّ على مَلَكة خصبةٍ أصيلةٍ لا يُؤخِّرها أشدُّ العوائق عن الإتقان، وإنَّها لتُثبِت له بطولةَ فكرٍ، وإليك ثبتاً بآثار هذه البطولة.
لآلؤه المنضودة:
١ _ المراجعات: هذا نموذجٌ صادق لما كتب، ولا أُريد أنْ أُحدِّثك عنه فإنَّ لسانه أبيَن من حديثي وأنطق. طُبِعَ في مطبعة العرفان بصيداء سنة (١٣٥٥) ونفدت نسَخه، وتُرجِم إلى اللغة الفارسية، وبلغني أنَّه تُرجِم إلى اللغة الإنكليزية، ترجمه السيّد زيد الهندي. وإنَّه تُرجِم إلى اللغة الأُوردية أيضاً.
٢ _ الفصول المهمَّة في تأليف الأُمَّة: كتابٌ من أجَلِّ الكتب الإسلاميَّة، يبحث مسائل الخلاف بين السُّنَّة والشيعة على ضوء (الكلام) والعقل والاستنتاج والتحليل. تمَّ تأليفه سنة (١٣٢٧هـ)، وطُبِعَ مرَّتين بصيداء _ جبل عامل _ زاد فيه بالطبعة الثانية سنة (١٣٤٧هـ)، والفصول المهمَّة يغنيك عن مكتبة كاملة في موضوعه. يقع في (١٩٢) صفحة قطع النصف.
٣ _ أجوبة مسائل موسى جار الله: كتابٌ على صغر حجمه، عظيم الإحاطة واسع المعلومات، وهو _ كما يدلُّ عليه اسمه _ أجوبةٌ عن عشرين مسألة سأل بها موسى جار الله علماءَ الشيعة، وهو يظنُّ أنَّ فيها شيئاً من الإحراج، كتكفيرِ الشيعة لبعض الصحابة ولعنِهم، وكنسبة القول بتحريف القرآن للشيعة، ونسبة تحريم الجهاد إليهم أيضاً، وكمسائل البداء والمتعة والبراءة والعَوْل وما إلى ذلك، فكانت أجوبةً من أشدِّ ما يكون، تَستقي من العلم والتوفّر، وتقوم على البرهان والمنطق، فلا تترك أثراً للشكِّ، ولها مقدّمةٌ في الدعوة إلى الوحدة، وخاتمةٌ في جهل السائل بكتب الشيعة، وفي بعض ما في كتب السُّنَّة من أَخلاط. يقع في (١٥٢) صفحة من القطع الصغير، طُبِعَ في مطبعة العرفان بصيداء سنة (١٣٥٥هـ/ ١٩٣٦م).
٤ _ الكلمة الغَرّاء في تفضيل الزهراء: تقع في (٤٠) صفحة من قطع النصف طُبِعَت مع الفصول المهمَّة في الطبعة الثانية، وهي من أعمق الدراسات وأصحِّها منهجاً واستنتاجاً وأدلّها على تدفّق القلم الينبوع.
٥ _ المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة: طُبِعَ منها المقدّمة وتقع في اثنين وسبعين صفحة بقطع النصف، يشرح فيها فلسفة المآتم الحسينية وأسرار شهادة الطفِّ شرحاً دقيقاً رائعاً.
٦ _ أبو هريرة: طُبِعَ سنة (١٣٦٥هـ)، بمطبعة العرفان في صيداء وهو نسَقٌ جديد في التأليف، وفتْحٌ في أدب التراجم بطراز المستوعِب المحلِّل، ولعلَّه من أجلِّ ما تُخرِجه المطابع الحديثة بحثاً وعمقاً وأُسلوباً. يبحث حياة أبي هريرة وعصره وظروفه وعلاقاته وأحاديثه وعناية الصحاح الستِّ بروايته على ضوء العلم والعقل.
٧ _ بُغية الراغبين: (مخطوط)، كتابٌ عائليٌ خاصٌّ يُؤرِّخ لشجرة (شرف الدين) ومن يتَّصل بهم من قريبٍ، وهو كتابٌ ضخم جليل ممتاز في أدب التراجم بطريقته الخاصَّة، وتنسيقه المتقَن، وربَّما ترجم بعض الأعلام من أساتذة المترجَمين في الكتاب وتلامذتهم، وقد يُترجِم عصورهم وظروفهم، وبهذا تقف منه على كتابٍ أدبيٍّ ممتع رائع، بل إنَّه تاريخُ أجيالٍ، بتاريخ رجال.
٨ _ فلسفة الميثاق والولاية: وهي رسالة فذَّة في موضوعها. طُبِعَت في صيداء سنة (١٣٦٠هـ).
٩ _ ثبت الأثبات في سلسلة الرواة: ذكَر فيه شيوخه من أعلام أهل المذاهب الإسلاميَّة بكلِّ متَّصل الإسناد بالنبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وبالأئمَّة عليهم السلام وبالمؤلَّفات ومؤلِّفيها من طرقٍ كثيرةٍ متعدِّدةٍ يروي فيها قراءةً وسماعاً وإجازةً من أعلام الشيعة الإماميَّة والزيدية، وعن أعلام السُّنَّة، واستيعابُ طرقه كلّها طويلٌ، اقتصر منه على ما جاء في الثبت وقد طُبِعَ في صيداء مرَّتين.
نفائسه المفقودة:
وله غير هذه الروائع الخالدة نفائس، لولا عدوان سنة العشرين عليها بالحَرق والتمزيق لكانت من الذخائر المعدودة في كنوز العقل والفكر، ولكنَّها فُقِدَت في تلك الأحداث المؤلمة، فمُني بفقدانها العلمُ بخسارةٍ عسى أنْ يتَّسع وقتُ سيّدنا للتعويض عنها بإحيائها من جديد، ونسردها فيما يلي كما يذكرها المؤلِّف في آخر تعليقته على الكلمة الغَرّاء.
١ _ شرح التبصرة في الفقه: على سبيل الاستدلال، خرج منه ثلاثة مجلَّدات تتضمَّن كتب الطهارة والقضاء والشهادات والمواريث.
٢ _ تعليقةٌ على الاستصحاب من رسائل الشيخ _ في الأُصول _ في مجلَّدٍ واحدٍ.
٣ _ رسالةٌ في منجّزات المريض، استدلالية.
٤ _ سبيل المؤمنين _ في الإمامة _ يقع في ثلاثة مجلَّدات.
٥ _ النصوص الجليَّة، في الإمامة أيضاً، فيه أربعون نصَّاً، أجمعَ على صحَّتها المسلمون كافّة، وأربعون من طرق الشيعة مجلوَّة بالتحليل والفلسفة.
٦ _ تنزيل الآيات الباهرة: في الإمامة أيضاً، وهو مجلَّدٌ واحد يبتني على مائة آية من الكتاب، نزلت في الأئمَّة بحكم الصحاح.
٧ _ تحفة المحدِّثين فيما أخرج عنه الستَّة من المضعَّفين. وهو كتابٌ بِكرٌ في الحديث، لم يُكتبْ مثله من قبْل.
٨ _ تحفة الأصحاب في حكم أهل الكتاب.
٩ _ الذريعة: ردٌّ على بديعة النبهاني.
١٠ _ المجالس الفاخرة: أربعة مجلَّدات، الأوَّل في السيرة النبوية، والثاني في سيرة أمير المؤمنين والزهراء والحسن، والثالث في الحسين؛ والرابع في الأئمَّة التسعة عليهم السلام.
١١ _ مؤلِّفو الشيعة في صدر الإسلام: نُشِرَ بعض فصوله في مجلَّة العرفان بصيدا (راجع العرفان في مجلَّداته الأوَّل والثاني).
١٢ _ بُغية الفائز في نقل الجنائز: نُشِرَ أكثرها في العرفان.
١٣ _ بُغية السائل عن لثْم الأيدي والأنامل: رسالةٌ علمية أدبية فكاهية، فيها ثمانون حديثاً من طريقنا وطريق غيرنا.
١٤ _ زكاة الأخلاق: نَشرتِ العرفانُ بعض فصوله.
١٥ _ الفوائد والفرائد: كتابٌ جامع نافع.
١٦ _ تعليقةٌ على صحيح البخاري.
١٧ _ تعليقةٌ على صحيح مسلم.
١٨ _ الأساليب البديعة في رجحان مآتم الشيعة: يَبتني على الأدلَّة العقلية والنقلية، وهو في بابه بِكرٌ جديد.
وله بدايات _ وراء ذلك _ في مواضيعَ شتّى، بعضُها ذهب في المفقودات وبعضها أُعيد ولا يزال في سبيل الإتمام.
ومؤلَّفاته كلُّها تمتاز بدقَّة الملاحظة، وسَعة التتبُّع وشمول الاستقصاء وصحَّة الاستنتاج، وشدَّة الصقل، وأمانة النقل وترابط الأجزاء في خصال تتعب الناقد وتحفظ الحاقد.
ثقافته:
ولعلَّك ألممْت بنواحي ثقافته من مؤلَّفاته، وممَّا حدَّثناك عنه في هذه الكلمة، فهو _ كما علمتَ _ أُسِّس، وقام بناؤه في النجف الأشرف، فكان إماماً في اللغة وعلوم العربية وآدابها، والمنطق، والتاريخ، والحديث، والتفسير، والرجال، والرواية والأنساب، والفقه والأُصول، والكلام؛ وما يتَّصل بهذه العلوم من روافد.
هو بالعلوم الإسلاميَّة وما إليها فارسٌ معلَّم، لا يُجارى في حلباتها، ولا يُلحق في مضاميرها، ويمتاز _ بالإضافة إلى ذلك _ بأدبه القويّ الحافل، وبما يتَّصل به من الأسرار النفسية والاجتماعية والنقد، له في ذلك سليقةٌ ملهمة ومَلَكةٌ قويَّة ترافقان حديثه وقلمه، محاضرةً وخطابةً، تأليفاً وكتابةً، إنَّه على الإجمال أفضل صورة للعالِم الإسلامي الضليع الجامع.
أخلاقه ومواهبه:
هو طويل الأناة، ثقيل الحصاة، واسع الصدر، ليِّن الطبع، قويُّ القلب مُهابٌ، له روعةٌ في النفس وتأثير يدفعانِك لاحترامه وحبِّه وإنْ جهِلتَه.
وهو شديد الشكيمة في الحقِّ متوقّد الحماسة للدين، لا يَعرف هوادةً ولا لِيناً حين تهبُّ بادرة للبغي أو الباطل، على أنَّه متواضع كريم هشّ.
وللإنصاف في نفسه موضعٌ يسوّي بين القريب والبعيد، الحقُّ رائده، فلا يمنعه حبّه لأحبّائه من إقامتهم على العدل، ولا يمنعه إنصافه _ وهو يحكم _ من الاحتفاظ بالحبِّ في زوايا نفسه لمن يُحِبُّ، ومن هنا كان العدوّ والصديق عنده سيّان في الحكم على ما يأتيان من حُسْن أو قبح، في آثارهما وأفعالهما.
ومن هنا أيضاً كان قدوةً: في الورع وصفاء النفس، ونقاء الضمير، وقول الحقِّ، وإلى جانب هذا كلِّه له رأيٌ حصيف، ونظر بعيد، يسبر أغوار الناس، ويصل إلى حقائق الأُمور وأعماقها؛ فلا يخدع من حال، ولا يغشُّ في ظاهر، ولا يفتل عن صواب ولا يغرُّ في رياء.
يُعنى بأقدار الناس، ويوفّيهم فوق ما يستحقّون، ويُشجِّعهم على إيتاء الخير، ويرهف الناشئة العلمية للإتقان والتجويد، فيبالغ لهم في الاستحسان، ويكيل لهم من الكَلِم الطيّب، والنَّوال الكريم؛ ما يدفعهم إلى ما يرمي إليه من تقدُّمهم.
ولعلَّه لهذه الخلال الكريمة أثرٌ في صفاء مواهبه، وقوَّة تأثيره، وصدق كِفاياته؛ فهو من أفصح الناطقين بالضادِّ حين يتحدَّث، وأبلِّهم ريقاً حين يخطب، ومن أنفذ الناس للنفس حين يعِظ، وأحكمهم بالقضاء وأعدلهم بالحكم وأبيَنهم بالحجَّة، وأفقههم بالحياة.
أسفاره:
في سنة تسعٍ وعشرين وثلاثمائة وألف هجرية زار مصر زيارةً علميةً، كما حدَّثناك، اجتمع فيها بأفذاذ الحياة العقلية في مصر، وعلى رأسهم الشيخ سليم البشري المالكي شيخ الجامع الأزهر في عصره، وأنتجت اجتماعاته به، ومراسلاته له هذا الكتاب، وحسْبُه فائدةً من هذه الزيارة (المراجعات).
وفي حوالي سنة (١٣٢٨هـ) زار المدينة المنوَّرة، وتشرَّف بأعتاب النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وضرائح أئمَّة البقيع عليهم السلام.
وفي ثمان وثلاثين كانت الهجرة الدينية السياسية التي عرفتَ شيئاً من حديثها، وفيها زار دمشق ومصر وفلسطين، وفي كلِّ هذه البلاد كانت له فوائد علمية ومحاضرات قيِّمة، كما تَلمح ذلك فيما حدَّثناك به في مشايخه في الرواية؛ وفي سنة (١٣٤٠هـ)، حجَّ البيت من طريق البحر، في عهد المغفور له الملك حسين، وحجَّ معه خلقٌ كثير من جبل عامل في ذلك الموسم، وكان الموسم في ذلك العام من أحفل مواسم الحجّ وأكثرها ازدحاماً وإقبالاً على هذه الفريضة، ولعلَّ مكّة لم تشهدْ مثل هذا الموسم منذ عهد بعيد، وكان في الحجيج تلك السَّنة كثيرٌ من الأعلام من علماء وزعماء من مختلف الأقطار، وكان السيِّدُ أبرزهم بين تلك الجموع اسماً، وأعلاهم مكانةً، وأرفعهم بيتاً، وأسخاهم كفَّاً.
وهو أوَّل عالمٍ شيعيٍّ أَمَّ هذه الجماهير الضاغطة المزدحمة في المسجد الحرام بمكّة المشرَّفة، وهي أوَّلُ مرَّة تقام فيها الصلاة وراء إمامٍ شيعيٍّ على هذا النحو العلنيِّ تجتمع فيه الأُلوف معلنةً في غير تقيَّة.
ومن هنا كان حجُّه مشهوراً يتحدَّث عنه الناس في سائر الأقطار الإسلاميَّة، وقد احتفى به الملك الحسين بن علي أجمل احتفاء وأفضله، واجتمعا أكثر من مرَّة وغسَلا معاً الكعبة.
وفي أواخر سنة (١٣٥٥هـ)، زار أئمَّة العراق، وجدَّد العهد بأهله وأرحامه، واستقبله يوم وروده الوزراء والأعيان والزعماء، وعلى رأس الجميع سماحة السيِّد محمّد الصدر من بغداد إلى جسر الفلوجة، في أرتالٍ من السيّارات، واستُقبِل في كربلاء وفي النجف الأشرف باستقبالات علميةٍ وشعبيةٍ رائعةٍ فخمةٍ قليلةِ النظير.
وأكاد أسمعه يهتف حين أقبل على مرابع صباه وشبابه:

واجهشتُ للتوباد حين رأيتُه * * * وكبَّر للرحمن حين رآني

وطبيعيٌّ أن يجهش هو شوقاً إلى هذه المعاهد الأنيسة، وأن تُكبِّر هي ترحيباً به وفرحاً بإقباله بعد فراقٍ امتدَّ أمدُه سنين طوالاً.
ألم يصدر هو عنها راوياً مروياً؟ ألم تحفل هي به غريداً يملأ أجواءها بأفضل ممَّا يمتلئ به معهدٌ من طلَّابه العبقريين؟
بلى، تبادلا الحنين والشوق واللوعة والتحيَّة، واستجابتْ لهذا التبادل الروحيّ النقيّ داعي البرّ والوفاء في النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء. فكانت حفلاتٌ زاهرة زاهية، قد بعُد العهد به عن مشاهدها وأعلامها.
وكانت اجتماعاته بالأعلام من أهل العلم، ورجال البحث، آهلة بالفرائد، في مختلف فروع العلم، وشتّى مسائله.
وتابع من العراق سفره إلى إيران، فتشرَّف بزيارة الإمام الرضا عليه السلام، وعرَّج في طريقه على قم وطهران وغيرهما من مدن إيران، ولقي في جميع تلك المدن من مراسيم الحفاوة ما تفرضه شخصيته المحبوبة العظيمة.
آثاره وإنشاءاته:
افتتح أعماله الإنشائية بوقفِ حسينيةٍ، أعدَّها ليجتمع إليها الناس في مختلف الأوقات والظروف والدواعي، يُعظِّمون فيها الشعائر، ويتلقّون فيها دروس الوعظ والإرشاد، ويقيمون فيها الصلاة، فلم يكن للشيعة مسجدٌ في مدينة صور يوم جاءها السيِّد؛ لذلك تملَّك داراً، ثمّ وقفها حسينيَّة في بدء التأسيس، ثمّ حين سنحت الفرصة أنشأ مسجداً من أضخم المساجد بناءً، وأجملها هيكلاً، له قبَّتان عظيمتان، ومنارة شامخة، وباحة رائعة أمام إيوانٍ واسع، يتَّصل بأبواب المسجد الرحْب، ويقوم في وسطه عمودان من الآثار الفينيقية، يحملان القبَّتين، وخلف المسجد ممَّا يلي المحراب فِناءٌ كبير يتَّصل بخارج البلد.
وحين تمَّ هذا المسجد الجامع العظيم، بدأ بإنشاء ما كان يشغل تفكيرَه من قديمٍ، أعني إنشاء مدرسةٍ حديثةٍ تُمثِّل مبدأه التربويّ في كلمته السائرة (لا يُنشَر الهدى إلَّا من حيث انتشر الضلال). على أنَّ النهوض بشعبٍ بادئٍ خاضعٍ للسلطات الإقطاعية، مُعرَّض للصدمات، ممتحَنٍ بالعراقيل، لذلك جاء مشروعه الضخْمُ هذا على مراحل؛ ولولا بطولةٌ عرفناها مبدعةٌ قادرة في السيِّد حفظه الله لما تخطّى المشروعُ أُولى مراحله.
أنشأ في أُولى المراحل، على مدخل المدينة، ستَّة مخازن، وشيَّد على سطحها داراً واسعة مراعياً فيها أن تكون يوماً ما المدرسة المرجُوَّة، لكنَّ إنجاز هذا المشروع لم يكن يومئذٍ ممكناً لمعارضةٍ كانت من السلطة ومن يمشي في ركابها من ذوي المصالح الفردية، وبهذا اضطرَّ إلى الاكتفاء يومئذٍ بهذا القدر، ينتظر الفرصة المواتية.
وكانت فترة استجمام طويلة نشِط بعدها سنة (١٣٥٧هـ)، فإذا الدار هي المدرسة الجعفرية المثلى، وقد أضاف إليها في الدَّور الأوَّل مسجداً خاصَّاً بالمدرسة وطلَّابها، ورفع على سطحه بناءً آخر يماثل المدرسة أُضيف إليها أيضاً، فكانت المدرسة بذلك مؤلَّفة من نحو خمس عشرة غرفة عدا الأبهاء والساحات.
رَفع من الجهة الأُخرى نادياً فريداً، سمّاه (نادي الإمام جعفر الصادق)، طوله اثنان وعشرون متراً ونصف المتر، وعرضه خمسة عشر متراً ونصف المتر، وقد أعدَّه للاحتفالات والمواسم العلمية والدينية والاجتماعية والمدرسية. ثمّ أَسَّس بعد كلّ ذلك مدرسة للإناث في سنة إحدى وستّين هجرية، وهي تتوخّى ما توخَّتْه مدرسة الذكور من التوفيق في التربية بين المناهج الصالحة الضامنة لحياةٍ أمثل وأفضل.
وموقع المدرسة والنادي من أجمل المواقع بروعة المنظر، وطلاقة المرأى يسبَح النظر منها في عُباب ذلك الخِضمِّ الجميل، ويمتدُّ منه إلى غير نهاية، فإذا سئم البحر وتزخاره، انطلق منه في جهةٍ أُخرى إلى السهول ومِن خلفها الجبال المتساندة، تحتضن القرى على مرمى العين، ويذهب البصر، من هنا وهنا نشيطاً يحلم بذلك الجمال الساحر الآسر، ويسرح منعماً متجوّلاً لا تُعيقه عقَبة دون المتعة والانشراح.
فإذا وقفتَ إلى مجموعة هذه الجبال الضخْمة المتَّصل بعضُها ببعض، القائم بعضها على بعض، وقفتَ منها إلى صرحٍ عظيمٍ مَشيْدِ الأركان، متينِ البُنيان يَروعُك بجماله الهندسيّ وفخامته العمرانية. ثمّ هو يَروعك أكثر فأكثر، إذا وقفتَ على نتاجه الخصْب الذي يجمع إلى كثرة (الكمِّ) جودة (النوع).
ومع ذلك فلا يزال _ على تمامه وكماله _ نواةً بالقياس إلى طماح سيِّدنا المؤلِّف؛ فهو قد تملَّك في جنوبها أرضاً واسعة كبيرة، وألحَقها بالمؤسّسة ليتمَّ بها مشاريعه الخيريَّة، وأغراضه الإسلاميَّة، وينتهي إلى تأسيس جامعة تُلقِّن طلَّابها أحسن المبادئ، في أوسع المعارف، وهو يرى أنَّ هذه الطريق خيرُ طريقٍ لعلاج الخطر الداهم، ولحفظ الجيل الجديد، الناسِلِ من صفوفنا إلى صفوفٍ قد تُضطرُّه أنْ يعادي صفوفنا.
أخَذ اللهُ بيده لما فيه صلاحُ الدنيا والدين، ونفَع به الإسلامَ والمسلمين، والحمد لله ربّ العالمين.

الكاظمية (١٣٦٥هـ/ ١٩٤٦م)
مرتضى آل ياسين

الحسنُ والصلح
(تصدير كتابِ صلحِ الحسن للشيخ راضي آل ياسين)

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

كان صلحُ الحسنِ عليه السلام مع معاوية من أشدِّ ما لقيَه أئمَّةُ أهل البيت من هذه الأُمَّة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
لقيَ به الحسنُ عليه السلام محناً يضيق بها الوسع، لا قوَّةَ لأحدٍ عليها إلَّا بالله عزَّ وجلَّ. لكنَّه رضَخ لها صابراً محتسباً، وخرج منها ظافراً بما يبتغيه من النُّصح لله تعالى، ولكتابه عزَّ وجلَّ، ولرسوله، ولخاصَّة المسلمين وعامَّتهم، وهذا الذي يبتغيه ويحرصُ عليه في كلِّ ما يأخذ أو يدَعُ من قولٍ أو فعل.
ولا وزنَ لمن اتَّهمه بأنَّه أخْلد بصلحه إلى الدَّعَة، وآثر العافية والراحة، ولا لمن طوَّحتْ بهم الحماسة من شيعته فتمنَّوا عليه لو وقف في جهاد معاويةَ فوصل إلى الحياة من طريق الموت، وفاز بالنصر والفتح من الجهةِ التي انطلق منها صِنوُه يوم الطفِّ إلى نصرِه العزيز، وفتْحِه المبين.
ومن الغريب بقاءُ الناس في عشواءَ غمَّاء من هذا الصلح إلى يومهم هذا، لا يقوم أحدٌ منهم في بيان وُجْهة الحسن في صلحه، بمعالجةٍ موضوعيةٍ مستوفاةٍ ببيانها وبيِّناتها، عقليةً ونقليةً، وكم كنتُ أحاول ذلك، لكنَّ الله عزَّ وجلَّ شاء بحكمته أنْ يختصَّ بهذه المأثرة من هو أولى بها، وأحقُّ بكلِّ فضيلة، ذلك هو مؤلِّف هذا السِّفْر البِكر (صلح الحسن)، فإذا هو في موضوعه فصلُ الخطاب، ومِفصل الصواب، والحدُّ الفاصل بين الحقِّ والباطل.
وقفتُ منه على فصولٍ غُرٍّ، تُمثِّل فضلَ مؤلِّفها الأغرِّ الأبرِّ، في كلِّ ما يشتركان فيه من التحقيق، والدقَّة والاعتدال، وسطوع البيان والبرهان، والتأنّق والتتبُّع، والورع في النقل، والرحابة في المناظرة، والإحاطة بما يناسب الموضوع، مع سهولة الأُسلوب، وانسجام التراكيب، وبلاغة الإيجاز إذا أوجَز، وقبول الإطناب إذا أطنَب.
فالكتاب يخضع لفكرٍ منظّمٍ مبدِعٍ حُجَّة، يصِل وحدته بجداولَ دفاقةٍ بالثراء العقليّ والنقليّ، وبروادفَ غنيَّةٍ كلّ الغنى، في كلِّ ما يرجع إلى الموضوع، ويُتِمُّ عليه عناصرَه القيّمة.
فالأناقة فيه تخامر الاستيعاب، والوضوح يلازم العمق، والنقد التحليليُّ مرتكَزُ هذه الخصائص.
أمَّا المؤلِّف _ أعلى الله مقامه _ فإنَّك تستطيع أن تستشفَّ ملامحه، من حيث تنظر إلى مواهبه في كتابه هذا، ولو لم أرَه لقدرتُ أنْ أرسم له صورةً أستوحي قسَماتها من هذا السِّفْر، إذ يُريكَهُ واضحَ الغُرَّة، مشرقَ الوجه، حلوَ الحديث، هادئ الطبع، واسع الصدر، ليِّن العَريكة، وافر الذِّهن، غزير الفهم والعلم، واسع الرواية، حسنَ الترسُّل، حلو النُّكتة، لطيف الكناية، بديع الاستعارة، تنطِق الحكمةُ من محاسن خِلاله، ويتمثَّل الفضلَ بكلِّ معانيه في منطقه وأفعاله، لا تَرى أكرم منه خُلُقاً، ولا أنبل فطرةً، عليماً زاخراً بعلوم آل محمّدٍ، علَّامة بحّاثة، أمعنَ في التنقيب عن أسرارهم، يستجلي غوامضَها، ويستبطن دخائلها، لا تفوتُه منها واردةٌ ولا شاردةٌ، إلى خصائص في ذاته وسماته يُمثِّلها كتابه هذا بجلاء.
ومَن أمعَن فيما اشتمل عليه هذا الكتاب، من أحوال الحسَن ومعاوية، علم أنَّهما لم ترتجلْهما المعركة ارتجالاً، وإنَّما كانا في جبهتَيهما خليفتين، استخلفَهما الميراث على خُلُقين متناقضين: فخُلُق الحسن إنَّما هو خُلُق الكتاب والسُّنَّة، وإن شئتَ فقُل: خُلُق محمّدٍ وعليٍّ. وأمَّا خُلُق معاوية فإنَّما هو خُلُق (الأُمويَّة)، وإن شئتَ فقُل: خُلُق أبي سفيان وهند، على نقيض ذلك الخُلُق.
والمتوسِّع في تاريخ البيتَين وسيرة أبطالهما من رجالٍ ونساء يدرك ذلك بجميع حواسِّه.
لكنْ لمَّا ظهر الإسلام، وفتح اللهُ لعبده ورسوله فتحَه المبين، ونصَرَه ذلك النصر العزيز، انقطعتْ نوازي الشرِّ (الأُمويِّ)، وبطلتْ نزَعات أبي سفيان ومن إليه مقهورةً مبهورةً، متواريةً بباطلها من وجه الحقِّ الذي جاء به محمّدٌ عن ربِّه عزَّ وجلَّ، بفُرقانه الحكيم، وصراطه المستقيم، وسيوفه الصارمة لكلِّ من قاومَه.
وحينئذٍ لم يجدْ أبو سفيان وبنوه ومن إليهم بُدَّاً من الاستسلام، حقناً لدمائهم المهدورة يومئذٍ لو لم يستسلموا، فدخلوا فيما دخل فيه الناس، وقلوبهم تنغل بالعدواة له، وصدورهم تجيش بالغِلِّ عليه، يتربَّصون الدوائر بمحمّدٍ ومن إليه، ويبغون الغوائل لهم. لكنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان _ مع علمه بحالهم _ يتألَّفهم بجزيل الأموال، وجميل الأقوال والأفعال، ويتلقّاهم بصدرٍ رحْبٍ، ومحياً منبسط، شأنه مع سائر المنافقين من أهل الحقد عليه، يبتغي استصلاحهم بذلك.
وهذا ما اضطرَّهم إلى إخفاء العداوة له، يطوون عليها كشحَهم خوفاً وطمعاً، فكاد الناس بعد ذلك ينسَون (الأُمويَّة) حتَّى في موطنها الضيِّق _ مكّة _.
أمَّا في ميادين الفتح بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلم تُعرَفِ (الأُمويَّة) بشيء، سوى أنَّها من أُسرة النبيِّ ومن صحابته.
ثمّ أُتيح بعد النبيِّ لقومٍ ليسوا من عترته، أنْ يتبوَّؤوا مقعده، وأُتيح لمعاويةَ في ظلِّهم أنْ يكونَ من أكبر ولاة المسلمين، أميراً من أوسع أُمرائهم صلاحيةً في القول والعمل.
ومعاويةُ إذ ذاك يتَّخذ بدهائه من الإسلام سبيلاً يزحف منه إلى الملْك العَضوض، ليتَّخذ به دين الله دَغَلاً، وعباد الله خَوَلاً، ومال الله دُوَلاً، كما أَنذر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكان ذلك من أعلام نبوَّته.
نشط معاوية في عهد الخليفتين الثاني والثالث، بإمارته على الشام عشرين سنةً، تمكَّن بها في أجهزة الدولة، وصانَع الناسَ فيها وأطمَعهم به، فكانتِ الخاصَّة في الشام كلِّها من أعوانه، وعظُم خطره في الإسلام، وعُرِفَ في سائر الأقطار بكونه من قريش _ أُسرة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم _، وأنَّه من أصحابه، حتَّى كان في هذا أشهر من كثيرٍ من السابقين الأوَّلين الذين رضي الله عنهم ورضُوا عنه، كأبي ذرٍّ وعمّار والمقداد وأضرابهم.
هكذا نشأتِ (الأُمويَّة) مرَّةً أُخرى، تُغالِب الهاشميَّة باسم الهاشمية في علَنها، وتكيد لها كيدها في سرِّها، فتندفع مع انطلاق الزمن تخدع العامَّة بدهائها، وتشتري الخاصَّة بما تُغدِقه عليهم من أموال الأُمَّة، وبما تؤثِرهم به من الوظائف التي ما جعلها الله للخوَنة من أمثالهم، تستغلُّ مظاهر الفتح وإحراز الرضا من الخلفاء.
حتَّى إذا استتبَّ أمر (الأُمويَّة) بدهاء معاوية، انسلَّتْ إلى أحكام الدين انسلالَ الشياطين، تَدسُّ فيها دسَّها، وتفسد إفسادها، راجعة بالحياة إلى جاهليةٍ تبعث الاستهتار والزندقة، وفق نهجٍ جاهليٍّ، وخطَّةٍ نفعيَّةٍ، ترجوها (الأُمويَّة) لاستيفاء منافعها، وتُسخِّرها لحفظ امتيازاتها.
والناس _ عامَّة _ لا يفطنون لشيءٍ من هذا، فإنَّ القاعدة المعمول بها في الإسلام _ أعني قولهم: الإسلام يجبُّ ما قبْله _ ألقتْ على فظائع (الأُمويَّة) ستراً حجَبها، ولاسيّما بعد أنْ عفا عنها رسول الله وتألَّفها، وبعد أنْ قرَّبها الخلفاء منهم، واصطفَوها بالولايات على المسلمين، وأعطَوها من الصلاحيات ما لم يُعطُوا غيرها من ولاتهم. فسارت في الشام سيرتها عشرين عاماً (لا يتناهَون عن منكرٍ فعلوه) ولا يَنهَون.
وقد كان الخليفة الثاني عظيم المراقبة لعمّاله، دقيق المحاسبة لهم، لا يأخذه في ذلك مانعٌ من الموانع أصلاً: تَعْتع بخالد بن الوليد، عاملِه على (قِنّسرين) إذ بلغه أنَّه أعطى الأشعث عشرة آلافٍ، فأمَر به فعقله (بلال الحبشيّ) بعمامته، وأوقفَه بين يديه على رِجلٍ واحدة، مكشوف الرأس، على رؤوس الأشهاد من رجال الدولة ووجوه الشعب في المسجد الجامع بحِمْص، يسأله عن العشرة آلاف: أهي من ماله أم من مال الأُمَّة؟ فإنْ كانتْ من ماله فهو الإسراف، واللهُ لا يُحِبُّ المسرفين. وإنْ كانتْ من مال الأُمَّة فهي الخيانة، واللهُ لا يُحِبُّ الخائنين، ثمّ عزله فلم يُولِّهِ بعدُ حتَّى مات(١).
ودعا أبا هريرة، فقال له: (علمتَ أنّي استعملتُك على البحرين، وأنتَ بلا نعلَين! ثمّ بلغني أنَّك ابتعْت أفراساً بألف دينارٍ وستمائة دينار!)، قال: (كانتْ لنا أفراسٌ تناتجتْ، وعطايا تلاحقتْ)، قال: (حسبتُ لك رزقك ومؤونتك، وهذا فضْلٌ فأدِّه)، قال: (ليس لك ذلك)، قال: (بلى وأُوجعُ ظهرَك)، ثمّ قام إليه بالدِّرةَّ فضربه حتَّى أدماه، ثمّ قال: (ائت بها)، قال: (احتسبْها عند الله)، قال: (ذلك لو أخذتَها من حلال، وأدَّيتَها طائعاً! أجئتَ من أقصى حجر البحرين يجبي الناسُ لك لا لله ولا للمسلمين؟ ما رجعتْ بك أميمة _ يعني أُمّه _ إلَّا لرعيَّة الحمر)(٢).
وفي حديث أبي هريرة: (لمَّا عزلني عمر عن البحرين، قال لي: يا عدوَّ الله وعدوَّ كتابه، سرقتَ مال الله! فقلتُ: ما أنا عدوّ الله وعدوّ كتابه، ولكنّي عدوّ من عاداك، وما سرقتُ مال الله. قال: فمن أين اجتمعتْ لك عشرة آلاف؟ فقلتُ: خيلٌ تناتجتْ، وعطايا تلاحقت، وسهامٌ تتابعتْ. قال: فقبضَها منّي) الحديث(٣).
وكم لِعمرَ مع عمّاله من أمثال ما فعله بخالدٍ وأبي هريرة يعرفها المتتبِّعون.
عزَل كلَّاً من أبي موسى الأشْعري، وقُدامة بن مظعون، والحارث بن وهب، أحد بني ليث بن بَكر، بعد أنْ شاطرَهم أموالهم(٤).
هذه مراقبة عمر لعمّاله، لا هوادةَ عنده لأحد منهم، لكنَّ معاوية كان أثيره وخلصه، على ما كان من التناقض في سيرتيهما. ما كفَّ يده عن شيء ولا ناقشه الحساب في شيء، وربَّما قال له: (لا آمرك ولا أنهاك)(٥)، يُفوِّض له العمل برأيه.
وهذا ما أطغى معاوية، وأرهف عزمه على تنفيذ خططه (الأُمويَّة).
وقد وقف الحسن والحسين من دهائه ومكره إزاء خطرٍ فظيع، يُهدِّد الإسلام باسم الإسلام، ويطغى على نور الحقِّ باسم الحقِّ، فكانا في دفع هذا الخطر، أمام أمرين لا ثالثَ لهما: إمَّا المقاومة، وإمَّا المسالمة.
وقد رأيا أنَّ المقاومة في دور الحسن تؤدّي لا محالة إلى فناء هذا الصفِّ المدافع عن الدين وأهله، والهادي إلى الله عزَّ وجلَّ، وإلى صراطه المستقيم.
إذ لو غامر الحسن يومئذٍ بنفسه وبالهاشميين وأوليائهم، فواجه بهم القوَّة التي لا قِبَل لهم بها(٦) مصمِّماً على التضحية، تصميم أخيه يوم (الطفّ) لانكشفتِ المعركة عن قتلهم جميعاً، ولانتصرت (الأُمويَّةُ) بذلك نصراً تعجز عنه إمكانياتها، ولا تنحسر عن مثله أحلامها وأمنياتها.
إذ يخلو بعدهم لها الميدان، تُمعن في تِيهها كلّ إمعان، وبهذا يكون الحسنُ _ وحاشاه _ قد وقع فيما فرَّ منه على أقبح الوجوه، ولا يكون لتضحيته أثرٌ لدى الرأي العامّ إلَّا التنديد والتفنيد(٧).
ومن هنا رأى الحسنُ عليه السلام أنْ يترك معاوية لطغيانه، ويمتحنَه بما يصبو إليه من الملْك، لكنْ أَخذ عليه في عقد الصلح أنْ لا يعدوَ الكتاب والسُّنَّة في شيء من سيرته وسيرة أعوانه ومقوِّية سلطانه، وأنْ لا يطلب أحداً من الشيعة بذنب أذنبه مع الأُمويَّة، وأنْ يكون لهم من الكرامة وسائر الحقوق ما لغيرهم من المسلمين، وأنْ، وأنْ، وأنْ. إلى غير ذلك من الشروط التي كان الحسنُ عالماً بأنَّ معاوية لا يفي له بشيءٍ منها وأنَّه سيقوم بنقائضها(٨).
هذا ما أعَدَّه عليه السلام لرفع الغطاء عن الوجه (الأُمويّ) المموَّه، ولصهر الطلاء عن مظاهر معاوية الزائفة، ليبرزَ حينئذٍ هو وسائر أبطال (الأُمويَّة) _ كما هم _ جاهليّين، لم تخفق صدورُهم بروح الإسلام لحظة، ثأْريّين لم تُنسِهم مواهبُ الإسلام ومراحمُه شيئاً من أحقاد بدرٍ وأُحُد والأحزاب.
وبالجملة فإنَّ هذه الخطة ثورةٌ عاصفةٌ في سِلْمٍ لم يكن منه بدٌّ، أملاه ظرفُ الحسن، إذ التبس فيه الحقّ بالباطل، وتسنّى للطغيان فيه سيطرةٌ مسلَّحةٌ ضاريةٌ.
ما كان الحسنُ ببادئِ هذه الخطَّة ولا بخاتِمها، بل أخذها فيما أخذه من إرثه، وتركها مع ما تركه من ميراثه. فهو كغيره من أئمَّة هذا البيت، يسترشد الرسالة في إقدامه وفي إحجامه. امتُحِن بهذه الخطَّة فرضَخ لها صابراً محتسباً، وخرج منها ظافراً طاهراً، لم تُنجِّسه الجاهلية بأنجاسها، ولم تُلبسْه من مُدلهِمَّات ثيابها.
أخذ هذه الخطَّة من صلح (الحديبية) فيما أُثر من سياسة جدِّه صلى الله عليه وآله وسلم، وله فيه أُسوةٌ حسنةٌ، إذ أنكر عليه بعض الخاصَّة من أصحابه، كما أَنكَر على الحسن صلحَ (ساباط) بعضُ الخاصَّة من أوليائه، فلم يهنْ بذلك عزمُه، ولا ضاق به ذَرعُه.
وقد ترك هذه الخطَّة نموذجاً صاغ به الأئمَّة التسعة _ بعد سيِّدَيْ شباب أهل الجنَّة _ سياستَهم الحكيمة، في توجيهها الهادئ الرصين، كلَّما اعصَوصب الشرّ. فهي إذن جزءٌ من سياستهم الهاشمية الدائرة أبداً على نصرة الحقِّ، لا على الانتصار للذات فيما تأخذ أو تدعْ.
تهيَّأ للحسن بهذا الصلح أنْ يغرس في طريق معاوية كميناً من نفسه يثور عليه من حيث لا يشعر فيُرديه، وتسنّى له به أنْ يُلغِّم نصر الأُمويَّة ببارود الأُمويَّة نفسها. فيجعل نصرها جفاءً، وريحاً هباءً.
لم يطلِ الوقتُ حتَّى انفجرت أُولى القنابل المغروسة في شروط الصلح، انفجرت من معاويةَ نفسِه يوم نشوته بنصره؛ إذ انضمَّ جيش العراق إلى لوائه في النخيلة. فقال _ وقد قام خطيباً فيهم _: (يا أهل العراق، إنّي والله لم أُقاتلْكم لتُصلّوا ولا لتصوموا، ولا لتزكّوا، ولا لتحِجّوا، وإنَّما قاتلتكم لأتأمَّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك، وأنتم كارهون! ألَا وإنَّ كلَّ شيءٍ أعطيته للحسن بن علي جعلتُه تحت قدميَّ هاتين!)(٩).
فلمَّا تمَّت له البيعةُ خطَب فذكر عليَّاً فنال منه، ونال من الحسن، فقام الحسين ليردَّ عليه، فقال له الحسنُ: (على رسلك يا أخي)، ثمّ قام عليه السلام فقال: (أيّها الذاكرُ عليَّاً! أنا الحسنُ وأبي عليٌّ، وأنت معاوية وأبوك صخرٌ، وأُمّي فاطمة وأُمّك هندٌ، وجدّي رسول الله وجدّك عتبة، وجدَّتي خديجة وجدَّتك فتيلة، فلعن الله أخملنا ذكراً، وألأمَنا حسَباً، وشرّنا قديماً، وأقدمَنا كفراً ونفاقاً!)، فقالت طوائف من أهل المسجد: (آمين)(١٠).
ثمّ تتابعت سياسةُ معاوية، تتفجَّر بكلِّ ما يخالف الكتاب والسُّنَّة من كلِّ منكر في الإسلام، قتلاً للأبرار، وهتكاً للأعراض، وسلباً للأموال، وسَجناً للأحرار، وتشريداً للمصلحين، وتأييداً للمفسدين الذين جعلهم وزراء دولته، كابن العاص، وابن شعبة، وابن سعيد، وابن أرطاة، وابن جندب، وابن السمط، وابن الحكم، وابن مرجانة، وابن عُقبة، وابن سُميَّة الذي نفاه عن أبيه الشرعي عبيد، وألحقه بالمسافح أبيه أبي سفيان ليجعله بذلك أخاه، يُسلِّطه على الشيعة في العراق، يسومهم سوءَ العذاب، يُذبِّح أبناءهم، ويستحيي نساءهم، ويُفرِّقهم عَباديد، تحت كلّ كوكب، ويُحرِّق بيوتهم، ويصطفي أموالهم، لا يألو جهداً في ظلمهم بكلِّ طريق.
ختم معاوية منكراته هذه بحمل خليعِه المهتوك على رقاب المسلمين، يَعيث في دينهم ودنياهم، فكان من خليعه ما كان يوم الطفّ، ويوم الحَرَّة، ويوم مكّة إذ نصب عليها العرادات والمجانيق!
هذه خاتمة أعمال معاوية، وإنَّها لتلائم كلَّ الملاءمة فاتحة أعماله القاتمة.
وبين الفاتحة والخاتمة تتضاغط شدائد، وتدور خطوب، وتزدحم محَن، ما أدري كيف اتَّسعت لها مسافة ذلك الزمن؟ وكيف اتَّسع لها صدر ذلك المجتمع؟ وهي _ في الحقِّ _ لو وُزِّعَتْ على دهرٍ لضاق بها، وناء بحملها، ولو وُزِّعَتْ على عالَمٍ لكان جديراً أنْ يحول جحيماً لا يطاق.
ومهما يكن من أمرٍ، فالمهمّ أنَّ الحوادث جاءت تُفسِّر خطَّة الحسن وتجلوها. وكان أهمّ ما يرمي إليه سلام الله عليه، أنْ يرفع اللثام عن هؤلاء الطغاة، ليحول بينهم وبين ما يُبيِّتون لرسالة جدِّه من الكيد.
وقد تمَّ له كلَّ ما أراد، حتَّى برح الخفاء، وآذن أمر الأُمويَّة بالجلاء، والحمد لله ربِّ العالمين.
وبهذا استتبَّ لصِنْوه سيِّد الشهداء أنْ يثور ثورته التي أوضح الله بها الكتاب، وجعله فيها عِبرةً لأُولي الألباب.
وقد كانا عليهما السلام وجهَين لرسالةٍ واحدةٍ، كلُّ وجه منهما في موضعه منها، وفي زمانه من مراحلها، يكافئ الآخر في النهوض بأعبائها ويوازنه بالتضحية في سبيلها.
فالحسن لم يبخلْ بنفسه، ولم يكنِ الحسينُ أسخى منه بها في سبيل الله، وإنَّما صان نفسَه يُجنِّدها في جهادٍ صامت، فلمَّا حان الوقت كانت شهادة كربلاء شهادةً حسَنيةً، قبل أنْ تكون حُسينيةً.
وكان يوم ساباط أعرق بمعاني التضحية من يوم الطفّ لدى أُولي الألباب ممَّن تعمَّق؛ لأنَّ الحسن عليه السلام أُعطي من البطولة دور الصابر على احتمال المكاره في صورة مستكينٍ قاعدٍ.
وكانت شهادة (الطفّ) حسنيَّة أوَّلاً، وحُسينيَّة ثانياً؛ لأنَّ الحسن أنضج نتائجها، ومهَّد أسبابها.
كان نصرُ الحسن الدامي موقوفاً على جلو الحقيقة التي جلاها _ لأخيه الحسين _ بصبره وحكمته، وبجلوها انتصر الحسين نصرَه العزيز، وفتح اللهُ له فتْحَه المبين.
وكانا عليهما السلام كأنَّهما متَّفقان على تصميم الخطَّة: أنْ يكون للحسن منها دورُ الصابر الحكيم، وللحسين دور الثائر الكريم، لتتألّف من الدورين خطَّةٌ كاملة ذات غرض واحد.
وقد وقف الناس _ بعد حادثتي ساباط والطفّ _ يُمعنون في الأحداث فيرَون في هؤلاء الأُمويين عصبةً جاهليةً منكرةً، بحيث لو مُثِّلت العصبيات الجِلفة النذلة الظلوم لم تكن غيرهم، بل تكون دونهم في الخطر على الإسلام وأهله.
رأى الناس من هؤلاء الأُمويين قردةً تنزو على منبر رسول الله، تُكشِّر للأُمَّة عن أنياب غول، وتصافحها بأيدٍ تمتدُّ بمخالب ذئب، في نفوسٍ تدبُّ بروح عقرب.
رأوا فيهم هذه الصورة منسجمةً شائعةً متوارثةً، لم تُخفِّف من شرِّها التربيةُ الإسلاميَّة، ولم تُطامِن من لؤمها المكارمُ المحمّدية. فمضْغُ الأكباد يوم هندٍ وحمزة، يرتقي به الحقد الأُمويّ الأثيم، حتَّى يكون تنكيلاً بربرياً يوم الطفّ، لا يكتفي بقتل الحسين، حتَّى يوطِئَ الخيلُ صدرَه وظهره. ثمّ لا يكتفي بذلك، حتَّى يُترَك عارياً بالعراء، لوحوش الأرض وطير السماء، ويُحمَل رأسه ورؤوس الشهداء من آله وصحبه على أطراف الأسنَّة إلى الشام. ثمّ لا يكتفي بهذا كلّه، حتَّى يُوقَف حرائر الوحي من بنات رسول الله على درج السبْي!!
رأى الناسُ الحسن يسالمُ، فلا تُنجيهِ المسالمةُ من خطر هذه الوحشية اللئيمة، حتَّى دسَّ معاوية إليه السُّمَّ فقتله بغياً وعدواناً. ورأوا الحسينَ يثور في حين أُتيح للثورة الطريق إلى أفهامهم تتفجَّر فيها باليقظة والحرّية، فلا تقف الوحشيةُ الأُمويَّةُ بشيءٍ عن المظالم، بل تبلغ في وحشيتها أبعد المدى.
وكان من الطبيعيّ أنْ يتحرَّر الرأي العامّ على وهج هذه النار المحرقة منطلقاً إلى زوايا التاريخ وأسراره، يستنزل الأسباب من هنا وهناك بلمعانٍ ويقظةٍ، وسيْرٍ دائب يُدنيه إلى الحقيقةِ، حقيقةِ الانحراف عن آل محمّد، حتَّى يكون أمامها وجهاً لوجه، يَسمع همسها هناك في الصدر الأوَّل، وهي تتسارُّ وراء الحُجُب والأستار، وتُدبِّر الأمر في اصطناع هذا (الداهية الظلوم الأُمويّ) اصطناعاً يطفئ نور آل محمّد، أو يحول بينه وبين الأُمَّة.
نعم، أدرك الرأيُ العامّ _ بفضل الحسن والحسين وحكمة تدبيرهما _ كلَّ خافيةٍ من أمْر (الأُمويَّة) وأُمور مسدِّدي سهمها على نحوٍ واضح. أدرك _ فيما يتَّصل بالأُمويين _ أنَّ العلاقة بينهم وبين الإسلام إنَّما هي علاقة عداء مستحكم؛ ضرورةَ أنَّه إذا كان الملْك هو ما تهدف إليه الأُمويَّة، فقد بلغه معاوية، وأتاح له الحسن، فما بالها تلاحقه بالسُّمِّ وأنواع الظلم والهضم، وتتقصّى الأحرار الأبرار من أوليائه لتستأصل شأفتهم وتقتلع بذرتهم؟!
وإذا كان الملْك وحده هو ما تهدف إليه الأُمويَّة، فقد أُزيح الحسين من الطريق، وتمَّ ليزيدَ ما يريد، فما بالها لا تكفُّ ولا ترعوي؟ وإنَّما تسرف أقسى ما يكون الإسراف والإجحاف في حركةٍ من حركات الإفناء على نمط من الاستهتار، لا يُعهَد في تاريخ الجزّارين والبرابرة؟؟
أمَّا ما انتجتْه هذه المحاكمة لأُولي الألباب، فذلك ما نترك تقديره وبيانه للعارفين بمنابع الخير، ومطالع النور في التاريخ الإسلامي، على أنّا فصَّلناه بآياته وبيِّناته في مقدّمة (المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة) فليُراجَع، ولنكتفِ الآن بالإشارة إلى ما قلناه في التوحيد بين صلح الحسن وثورة الحسين، والتعاون بين هذين المظهرين، على كشف القناع عن الوجه الأُمويّ المظلم، والإعلان عن الحقيقة الأُمويَّة، فأقول عَوْداً على بدْءٍ: كانت شهادة الطفّ حسنيةً أوَّلاً، وحسينيةً ثانياً. وكان يوم ساباط، أعرق بمعاني الشهادة والتضحية من يوم الطفّ عند من تعمَّق واعتدل وأنصف.
الفضل في كشف هذه الحقيقة إنَّما هو لمولانا ومقتدانا علَم الأُمَّة، والخبير بأسرار الأئمَّة، حجَّة الإسلام والمسلمين، شيخنا المقدَّس الشيخ راضي آل ياسين أعلى الله مقامه.
ذلك لأنَّ أحداً من الأعلام لم يتفرَّغْ لهذه المهمَّة تفرُّغه لها في هذا الكتاب الفذّ الذي لا ثاني له، وها هو ذا مشرفٌ من القمَّة على الأُمَّة، ليسدَّ في مكتبتها فراغاً كانت في فاقةٍ إلى سدِّه، فجزاه الله عن الأُمَّة وعن الأئمَّة، وعن غوامض العلم التي استجلاها، ومخبَّآته التي استخرجها، ومحَّص حقائقها، خير جزاء المحسنين، وحشره في أعلى علّيّين (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً).

حُرِّر في صور (جبل عامل) في الخامس عشر من رجبٍ
سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة وألفٍ من الهجرة
عبد الحسين شرف الدين الموسوي العاملي

* * *



 

 

 

 

الهوامش:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) الغدير/ عبد الحسين الأميني ٦: ٢٧٤.
(٢) الغدير/ عبد الحسين الأميني ٦: ٢٧١.
(٣) الطبقات الكبرى/ ابن سعد ٤: ٣٣٥.
(٤) فيما رواه الزبير بن بَكّار في كتابه - الموفَّقيَّات - ونقله عنه ابن حجر في ترجمة الحارث بن وهب في القسم الأوَّل من إصابته.
(٥) الاستيعاب/ ابن عبد البرّ ٣: ١٤١٧.
(٦) كما أوضحه الشيخ في كتابه هذا.
(٧) لأنَّ معاوية كان يطلب الصلح مُلِحَّاً على الحسن بذلك، وكان يبذل له من الشروط لله تعالى وللأُمَّة كلَّ ما يشاء، يناشده الله في حقن دماء أُمَّة جدِّه، وقد أعلَن طلبه هذا فعَلِمَه المعسكران، مع أنَّ الغلَبة كانت في جانبه لو استمرَّ القتال، يَعلم ذلك الحسنُ ومعاوية وجنودهما، فلو أصرَّ الحسن - والحال هذه - على القتال، ثمّ كانت العاقبة عليه لعذله العاذلون، وقالوا فيه ما يشاؤون.
ولو اعتذر الحسن يومئذٍ بأنَّ معاوية لا يفي بشرط، ولا هو بمأمونٍ على الدين ولا على الأُمَّة، لما قبِل العامَّة يومئذٍ عذره، إذ كانت مغرورة بمعاوية كما أوضحناه. ولم تكن الأُمويَّة يومئذٍ سافرة بعيوبها سفوراً بيِّناً بما يؤيِّد الحسنَ أو يخذلُ معاوية كما أسلفنا بيانه من اغترار الناس بمعاوية وبمكانته من أُولي الأمر الأوَّلين، لكنِ انكشف الغطاء، في دور سيِّد الشهداء، فكان لتضحيته عليه السلام من نصرة الحقِّ وأوليائه آثاره الخالدة، والحمدُ لله ربِّ العالمين.
اقرأْ فصل (سرّ الموقف) من هذا الكتاب.
(٨) اقرأْ ما يتعلَّق بنصوص المعاهدة وشروطها ومدى وفاء معاوية بكلٍّ منها في فصول هذا الكتاب.
(٩) الإرشاد/ المفيد ٢: ١٥.
(١٠) المصدر نفسه.

المرفقات المرفقات:
التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 

التعليقات

 
COMMENTS_EMPTY

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
التحقق اليدوي: * إعادة التحميل