الصفحة الرئيسية » البحوث والمقالات » (٦١) صلح الإمام الحسن وشهادة الإمام الحسين (عليهما السلام) موقفان حتميان في مشروع الإمام علي (عليه السلام)

البحوث والمقالات

 

المقالات (٦١) صلح الإمام الحسن وشهادة الإمام الحسين (عليهما السلام) موقفان حتميان في مشروع الإمام علي (عليه السلام)

القسم القسم: البحوث والمقالات الشخص الكاتب: السيد سامي البدري التاريخ التاريخ: ٢٠١٨/٠٥/٢٣ المشاهدات المشاهدات: ٢٦٨ التعليقات التعليقات: ٠

صلح الإمام الحسن وشهادة الإمام الحسين (عليهما السلام) موقفان حتميان في مشروع الإمام علي (عليه السلام) - سماحة السيد سامي البدري

{ قم المقدسة }

 

بدايةً ذكر المحاضر أنّ حدث الصلح وحدث الشهادة هما من أعظم ظواهر التاريخ الإسلامي، بل التاريخ النبوي عامةً، متسائلاً: ما هو مشروع علي (عليه السلام)؟

وما هو موقع هذين الحدثين في مشروع علي (عليه السلام)؟

وهل مشروع علي (عليه السلام) كان لينطلق لولا صلح الحسن (عليه السلام) ونهضة الحسين وشهادته؟ ما هو مشروع علي أوّلاً ؟

بعد ذلك تأتي النوبة إلى الحديث عن الصلح ومبرّراته الحتمية، وعن شهادة الحسين (عليه السلام) ومبرّراتها الحتمية، بلحاظ انطلاق مشروع علي (عليه السلام)، ولا يمكن الحديث عن مشروعه بمعزل عن مشروع النبوة الخاتمة.

 ثمّ فهرس المحاضر العناوين الأساسية في مشروع علي في ظل النبوة الخاتمة:

الفصل الأوّل: تحت عنوان: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، موضوع هذا الفصل هو سير الإمامة الإبراهيمية من إسماعيل (عليه السلام) إلى ظهور محمد وعلي(عليهما السلام)، وهنا نلاحظ اشتراك الآباء لمحمّد وعلي من إسماعيل إلى عبد المطّلب، ثمّ افترقا، فانشق النّور شقّين؛ فصار نور النبوة في عبد الله وصار نور الإمامة في أبي طالب.

الفصل الثاني: في بعثة النبي (صلّى الله عليه وآله) كموسى، فكما لا نؤمن بموسى بلا هارون، ولا يمكن حذف سيرة هارون وآل هارون من سيرة موسى المذكورة في القرآن، والتي استمرّت قرابة ثلاثة آلاف وأربعمائة وخمسين سنة، فكذلك لا يمكن حذف سيرة على وآل علي من سيرة النبي، كما بيّنه (عليه السلام) في حديث المنزلة، وهو أعظم من حديث الغدير بمراتب وبمنازل؛ لأنّه يتحدّث عن منزلة علي بعده على الأقل لألف وأربعمائة وخمسين سنة بل أزيد منه، وهذا الذي أشار إليه أبو طالب (رضي الله عنه) في لافتة نصرته للنبي (صلّى الله عليه وآله): «ألم تعلموا أنّا وجدنا محمّداً نبيّاً كموسى خُطّ في أوّل الكتب».

الفصل الثالث: قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾، ماذا كانت أطروحة قريش المسلمة بعد النبي (صلّى الله عليه وآله)؟ وما هو دين قريش المسلمة؟ صحيح الدين هو الإسلام، ولكن هذا الإسلام يقدّم بثوب قرشي، وفتحت البلاد شرقاً وغرباً على دين قريش، ولا تعرف مسلمة الفتوح من سنة إحدى عشرة إلى سنة سبع وعشرين في الأعمّ الأغلب الإسلام الصحيح، وكذا صغار الصحابة الذين لم يعوا الأحاديث التأسيسية للنبي (صلّى الله عليه وآله) في أهل بيته، أمثال أبي الطفيل ـ الذي كان عمره عشرة سنوات أو إحدى عشرة سنة لمّا توفي النبي (صلّى الله عليه وآله)، فما كان بيته ولا عمره يسمح بأن يحضر مجالس النبي (صلّى الله عليه وآله)، ويبدو أنّه من أُسرة لا يوصلون له شيئاً ـ يقول: لما سمعت من علي (عليه السلام) يستنشد الحاضرين من الصحابة آنذاك ـ ويبدو في يوم الثامن عشر من ذي الحجّة  هو الذي أحيا هذا الموضوع؛ لأنّه عيد ويجب أن يبدأ صاحب العيد بالإحياء أيّام وجوده بالكوفة ـ يقول: سمعت عليّاً يروي حديث الغدير ويستنشد، وقد صدقه الآخرون أيضاً، قام من هنا خمسة ومن هنا عشرة، يقول: لقيت زيد بن أرقم، وأنا حائر، أصحيح ما يقوله علي: مَن كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه؟ وبشكل مباشر أنّ غير عليّ في قبال عليّ هالك، هذا متربٍّ على أنّ أولياء النعمة هم الحكّام من قريش، تراهم يقودون إلى الله تعالى.

 المعركة بين قريش المسلمة وأهل البيت حول الإمامة الدينية، والحكم من لوازمها، وليس حول الحكم، (ولقد تقمّصها) ماذا تقمّص؟ تقمّص الإمامة الدينية، والحديث صريح وواضح، والحوار صريح وواضح في السقيفة بين أبي بكر والأنصار حينما قالوا: منّا وزير ومنكم وزير، قال لهم: إنّ العرب لا ترضى أن يكون هذا الأمر فيكم، ما معنى هذا الأمر؟ فهل هو الحكم؟! ما كان هناك حكم في الجاهلية رئاسة وتحكمها قريش، كانت قبائل، حتّى في داخل قريش كانت بيوت، الشيء الموجود في الجاهلية الدين والزعامة الدينية التي تعطي أحكام الحجّ وتقود الناس إلى الله تعالى، كانت قريش بعد وفاة عبد المطّلب قد تقمّصت إمامة إبراهيم وآل إبراهيم، عبد المطلب أوصى إلى أبي طالب بالإمامة؛ لأنّ الإمامة بالوصية، فانقلبت قريش على أبي طالب، وأحدثت بدعة الحمس باتفاق المؤرّخين، رأياً رأَوْه وأدارُوه ، فقالوا : نحن بنو إبراهيم، وأهل الحرمة، وولاة البيت وقاطن مكّة وساكنها ، فليس لأحد من العرب مثل حقّنا، فتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها، وهم يعرفون ويقرّون أنّها من المشاعر والحجّ، وفي دين إبراهيم (عليه السلام)، ويرون لسائر العرب أن يقفوا عليها، وأن يفيضوا منها، إلّا أنّهم قالوا: نحن أهل الحرم، فليس ينبغي لنا أن نخرج من الحرمة ولا نعظِّم غيرها كما نعظِّمها، نحن الحُمْس، والحُمْس أهل الحرم، وقالت قريش نحن آل الله، ولقب "آل الله" هو لعبد المطّلب، لما نصره الله تعالى على الفيل فصار هو الأولى بالله، ولما اختصّه بحفر زمزم صار أولى بالله مرّتين، فكان الأولى بإبراهيم وببيت إبراهيم، قال عبد المطّلب لقريش: تعالوا نقاتل أبرهة، قالوا له : لا طاقة لنا بذلك وهربوا إلى الجبال، فقال ألا والله إنا لا أبتغي العزّ بغير هذا البيت.

 ثمّ نفى المحاضر أُسطورة ذهاب عبد المطّلب لأبرهة، وقوله له: عندي إبل؛ فهذه من أقاصيص السلاطين ووعّاظهم، كان عبد المطلب إماماً معصوماً بل كان نبيّاً، أوّل النبوة أن يرى الرؤيا بالنوم وقد أراه إيّاها - باتفاق المؤرّخين - موقع زمزم حيث كانت مطمورة ثلاثمائة سنة، والرواية تقول: جاءه الملك في الرؤيا وحدّد مكانها، النبوة كانت مفتوحة فكان نبياً ولم يكن مرسلاً، وقد أجرى سنناً أمضاها الإسلام، لا يمكن أن تفسّر لو لم يكن عنده تلك المنزلة، فكان وريث الإمامة الإبراهيمية والله سبحانه وتعالى أعطاه هذا الموقع، فقريش تقمّصت الإمامة الدينية، الحكم الذي هو من شؤون النبوة والإمامة امتدّ بعدهما في عصر الغيبة، والفرع لا يكون أصلاً وإنّما الأصل هو الإمامة الدينية، فإذن (ولقد تقمّصها) قميص الإمامة وليس قميص الحكم.

مضيفاً أنّ الإمام علي (عليه السلام) حينما عرضت عليه الحكومة فقيل له: «نبايعك على كتاب الله وسيرة النبي وسيرة الشيخين»، فرفض هذا الحكم كاملاً، وإنّما وضعوا هذا الشرط ليضمنوا رفضه فكانت خطّة مدبّرة، فنشأ حكم عثمان مكرّساً لانقلاب قريش، بحيث يكون نظاماً يرعى تطبيق مسلمة الفتوح ويراقب الصحابة؛ لئلا يفلت أحدهم فيعاقب، «متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أحرمهما وأعاقب عليهما»، وكان عثمان أميناً على هذه السيرة تماماً، لأنّها تصبّ في مصلحته؛ لأنّ أطروحة قريش هي عبارة عن أنّ الخليفة القرشي مشرّع وإمام، وقد انتهت إليه، فلِمَ لا يقبل وقد أسّس عثمان الوضوء. وأثبت السيّد علي الشهرستاني في كتاب الوضوء علميّاً أنّ هذا الوضوء الذي يتبنّاه مليار مسلم هو وضوء عثمان وقد أسّسه عثمان، فبالتالي إمامة دينية والمعركة هي حول الإمامة الدينية، وهذه الإمامة الدينية وصلت بعده إلى معاوية لمّا بويع بالشام - في قبال الحسن (عليه السلام) - فيُبايع معاوية على الإمامة الدينية التي كانت لقريش الأوائل وكانت لعثمان، ويبايع الحسن (عليه السلام) على الإمامة الدينية لعلي (عليه السلام) وعلى تنفيذ سنة النبي، فانفرز كيانان في المجتمع الإسلامي، كيان مركزه الكوفة، بيعة شرعية في الكوفة وقعت في المنصوص عليه وتمّت مع المنصوص عليه، والمنصوص عليه بالإمامة لا يحتاج إلى بيعة بل يحتاج إلى وصية، أمّا الإمامة السياسية فتحتاج إلى بيعة؛ لأنّها نصرة، إذن هناك فرق أساسي بين الإمامة الدينية والإمامة السياسية، إذا لم يتوفّر شعب يتبنّى أن يقام حكم إسلامي وتطبّق الأحكام الإسلامية كيف يستطيع المنصوص عليه أو غير المنصوص عليه في عصر الغيبة أن يطبّق أحكام الله وسنّة النبي، إذا لم يكن عنده شعب يتبنّى الأمر، البيعة نحتاجها في التنفيذ، أما الإمامة الدينية لا تحتاج إلى تنفيذ بل تحتاج إلى وصية، وقد اشتبه كثير من الكلاميين فخلطوا بين الموقعين ودمجوا بينهما، بحيث لا يجيزون الفصل بينهما، لا بدّ من الفصل، وقد عمل الأئمة على أن يفصل مقام الحكم حتّى يتحوّل الحكم، فليكن هناك سلاطين جور، أما أن يستمرّ النظر إلى سلطان الجور هذا على أنّ إمامته إمامة دينية فهذا يؤدّي إلى نهاية الدين بشكل كامل، فإذن انتهى الأمر إلى معاوية حتّى يبرز كحاكم ديني ثمّ سياسي، الدين أوّلاً، الموقع الأوّل هو الموقع الديني، ولذلك احتاج إلى وضع الحديث، لأنّ مناقب علي قسمان: مناقب علي تتعلّق بكيفية تطبيقه للسنّة لكن هناك حاكم يسوس الأمّة وفق سنّة علي ـ روعة في تطبيقه للسنّة النبوية ـ تطبيقاته آية من الآيات، يجتهد في تطبيق السنّة حرفيّاً، أمّا أُولئك يجتهدون قبال السنّة فيضعون حكماً في قبال حكم، فهذه إمامة دينية، والنوع الثاني من مناقب علي أحاديث تؤسّس لإمامته الدينية، حديث الغدير وحديث المنزلة وأحاديث أُخرى، هذه كلّها لتؤسّس هذه المنقبة ومن قبلها الإشارات بالنبي (صلّى الله عليه وآله) لتؤسّس إمامته الدينية.

وأشار إلى عرض القرآن لسيرة النبي (صلّى الله عليه وآله)، مضيفاً أنّنا بعيدون جدّاً عن دراسة السيرة النبوية عن القرآن، فلا زلنا نعيش سيرة نبوية كتبها ابن إسحاق وهذّبها ابن هشام، وإذا أردنا دراسة نبيّ كموسى ما هو المنهج؟ منهج القرآن واضح، حدّد لك معالم حركة موسى وهارون، عندك في حقل المناقب لعلي تجد هناك حقلين: حقل قصص في تطبيق علي للسيرة، وحقل آخر في النصوص التي تؤسّس لعلي (عليه السلام)، هذه النصوص مسبوقة بنصوص قرآنية، فلن تقع حينها في مشكلة السند لأنّ هذا السلفي لا يقبل إلّا بالسند الصحيح، فهذه روايات مؤيّدة بالقرآن.

الفصل الرابع في كفر قريش في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً﴾، مبيّناً أنّ فكرة تقسيم الآيات إلى مكّية ومدنية مضلّلة حيث نفوا على أساسه الآيات المكّية بأنّها لا يمكن تفسيرها بعلي (عليه السلام).

نعم فقط من أجل أن تعرف سيرة النبي في مكّة وسيرته في المدينة من خلال القرآن الكريم، أمّا أن تحجّم القرآن بهذه الطريقة فأنت ابتعدت تماماً عن الطريق، القرآن وحدة واحدة، فحينما نريد أن نستنبط نظرية القرآن في المرأة، نظرية القرآن في التاريخ، نظرية القرآن في الإمامة، تقول لي هذه آية مدنية كما يقول ابن تيمية، هذه الآية {فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين} هذه مدنية ولا يمكن تفسيرها بعلي، وهكذا ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾، هذه ليست في علي، وهكذا، فهذا خطأ، القرآن مثانٍ، ومعناه وحدة واحدة يجب أن تردّ الآية على أُختها، وهذه هي أوّل خطوة في حركة فهم القرآن، يعني ينبغي أن نقرأ القرآن لأولادنا وطلبتنا ونحن نتقن التلاوة، لكن ننبّه على الربط، بأنّ هذه الآية مربوطة بآية أُخرى، إذن فكرة تقسيم القرآن إلى مكّي ومدني مضلّلة إذا التزمنا بأسباب النزول، نعم في غير هذا الجانب هي مفيدة لكشف المسار والأفكار التي طرحت في مكّة، فهو من مكّة طرح أنّ هذا كتاب كامل، وقصار السور تفصّلها طوال السور تماماً، يعني من يقول: ﴿والفجر* وليالٍ عشر* والشفع والوتر﴾، ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ هذه في مكّة، فتفسيرها وتفصيلها في سورة آل عمران. فالفصل الرابع هو ﴿فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين* أُولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾، هذه ليست فقط عن الأنبياء، بل ترجع إلى القوم الذين وكلهم الله تعالى، ﴿فإن يكفر بها هؤلاء﴾ أشار بـ(هؤلاء)،  إلى قريش ولا يتحدّث عن الأنبياء.

الفصل الخامس: تحت عنوان: ﴿ثمّ أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾، ما هو المراد من وراثة الكتاب؟ فهل المراد أن يرِث ما بين الدفتين؟ وهذه النسخة موجودة حتّى عند المنافقين، بل المراد من أن يرث القرآن وبيانه معه، ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرآنه* ثمّ إنّ علينا بيانه﴾، هذا البيان أملاه النبي (صلّى الله عليه وآله) على عليّ في لقاءات يومية، فقط لقاءات المدينة عشر سنوات، اضرب عشرة في اثني عشر شهراً، اضربها في ثلاثين كم تصبح؟ هذه كلّها ساعات، فالنبي يملي وعلي يكتب، فقد كتب تراثاً هائلاً، هذا التراث الآن علي وقد بسطت له الوسادة من أجل أن يعالج الابتعاد عن السنّة وتعطيلها، من أجل أن يعالج سياسة قريش في أمرين أساسيين:

الأمر الأوّل: إمامة دينية لها تشريعات ومظاهر بالتشريعات، تعطيل السنّة وأشياء جديدة.

 الأمر الآخر: ثقافة، قصص الأنبياء، فالقرآن أغلبه قصص الأنبياء، وأنت لا يجوز لك أن تسأل عن قصص القرآن الكريم، لا يجوز لك أن تروي ما سمعته من النبي (صلّى الله عليه وآله) في قصص القرآن، فالمجتمع سيعيش فراغاً، فلذلك سُدّ الفراغ بأحاديث كعب الأحبار وتميم الدارمي، مع أنّ هذا الذي فتح هذا الباب عنده تجربة مع النبي (صلّى الله عليه وآله)، مرّ على أخ له من بني قريظة وجلس يسمع، فأعجبه كلامه، فقال له: انسخ لي، فأخذه وهو فرح، كلام حلو، مَن يقول أنّ الكلام الصحيح غير حلو، لكن تلك مرحلة تأسيسية نسفت التوراة تلاوةً واتهمته، بل أطّرته بأنّه محرّف والقرآن هو الأصل، وأنت فقيه بالقرآن كم أنت ملمّ بفكر القرآن، فكان يمكنك الذهاب إلى علي، الأصل الوارث، فبالتالي النبي (صلّى الله عليه وآله) رفضه بشدّةـ ـ روايات كثيرة جدّاً ـ (أمتهوّكون [أمتحيرون]، والله لو كان موسى حيّاً لما وسعه إلّا أن يتبعني). يضعون رواية أن النبي (صلّى الله عليه وآله) سمح لعبد الله بن سلام أن يقرأ يوماً التوراة ويوماً القرآن، هذا كذب واضح.

الإمام علي (عليه السلام) بدأ يعالج بأمرين: يعالج المعطّل من السنن فيحييه، والفكر الخاطئ من قصص الأنبياء يلغيه ويعطي البديل، نهضة كاملة، النهضة مَن المقصود بها؟ قريش هي في الأصل صاحبة ضلال، المقصود بها مسلمة الفتوح، نجح علي في فتح خط في مسلمة الفتوح، فتح أعينهم على سنّة النبي بروايته ورواية الصحابة الذين معه، قال لهم بأن يحدّثوا -رفع المنع- قال لهم: حدّثوا ما سمعتم من النبي (صلّى الله عليه وآله). فخلال ثلاث عشرة سنة، من سنة سبع وعشرين إلى سنة أربعين (ثلاث عشرة سنة)، أمضى هذه الفترة في إحياء سنن النبي (صلّى الله عليه وآله) وأحاديثه أوّلاً، بدأ بالأحاديث المنهيّ عنها التي كانت في أهل بيته، والأمر الثاني في إحياء حجّ التمتّع، ولكن هذه التجربة جعلت قريش تقف إزاءها؛ لأنّ أُطروحتها ضُربت بالصميم، والآن مسلمة الفتوح شرقاً وغرباً الذين يعتقدون أنّ الثلاثة وقريش هي ولية النعمة فقد انهارت هذه الأُطروحة، وبدأ هؤلاء يفتحون أعينهم ويلتقون ويتبرؤون أحياناً.

عليك أن تعرف، والرواية في البخاري، يقول له: «يا علي نأمر أمراً وتخالفنا إلى غيره»، والرواية عن مروان أيضاً وليست عن غيره، والرواية يرويها علي بن الحسين عن مروان، وقد يستغرب بعضهم في أنّه كيف يروي علي بن الحسين عن مروان؟ لكن هذه حقيقة تمسّ المجتمع إلى اليوم، يقول: «اختلف علي وعثمان بشأن المتعة بعسفان»، خطّة علي من عسفان وهي أقرب إلى مكّة حتّى لا يرجعوهم، فاتفق هو ومالك وعمّار ومقداد وآخرين أن يحيوا حجّ التمتّع، وأن يضعوا دماءهم على أكفّهم في نشر حديث النبي في أهل بيته. أبو ذر كان مذخوراً لهذه المهمّة، يقول له: «أولستَ ممنوعاً من الفتيا من الحديث؟». قال: «والله، لو وضعتم الصمصام على هذه ـ وأشار إلى قفاه ـ على أن أنشد كلمةً سمعتها من رسول الله لأنفذتها قبل أن تجهزوا علي».

 فإذن من سنة سبع وعشرين إلى سنة خمس وثلاثين، هذه الثمان سنوات كانت هناك نهضة لأصحاب علي، وهم أصحاب النبي (صلّى الله عليه وآله) أنتجت التابعين، مالك الأشتر وغيره، أنتجت هذه الحركة، هؤلاء دماؤهم على أكفّهم، يسخّفون سيرة الشيخين، يقولون مَن هم أُولئك؟ عمر ينهى عن سنّة النبي؟ هناك نص جميل، يقول: «نأمر أمراً وتنهانا على غير الحرف»، بالحرف الواحد يقول: «ما كنت لأدع سنة رسول الله لقول أحد من الناس».

 وانطلق، وانطلقت الحركة، حركة تصعيد، حركة تسخيف وتصعيد، واستُضعفت، كما استضعفت قريش عماراً وأبا ذر وآخرين، استضعفت قريش هنا أبا ذر ونفته، وعماراً فتقت أمعاءه وآخرين غيرهم، الحركة كانت من أجل إحياء سنّة النبي (صلّى الله عليه وآله) وأحاديث النبي في أهل بيته، نجح علي (عليه السلام)  بعد قتل عثمان، فاتجهت الناس إلى عليّ فلم يعد هنالك مجال، وعلي تمنّع في البداية؛ لأنّ قريش المنشقّة عن علي جاءت مع الناس، فقالت لهم: إنّكم تريدون حصصاً، فقال لهم: «دعوني والتمسوا غيري، فإنّ المحجّة قد أقامت»، «أنا لكم وزير خير لكم منّي أمير»، هذه كذب على أمير المؤمنين في هذا المشهد -أقولها بضرس قاطع- أنّ هذا المقطع لم يقله أمير المؤمنين، وقد كان يعمل عليه وعنده نهضة، والأُمّة جاءت الآن وتريد أن تمكّنه فيقول هذا الكلام؟! هل كانت وزارته لهم أم لمَن؟ يوم يحرّمون سنن النبي ويمنعون عنها كان وزيراً لهم؟ ما هذا الكلام؟! هذا ذر للرماد في العيون، (لا أبقاني الله لمعضلة..) إلى آخرها، هذا كلام ذر للرماد في العيون، هذا من زمن العباسيين، هذه علاقة عداوة وعلاقة تطويق، ينبغي أن نفهم الأمر.

فردّ فعل قريش في الجمل وفي صفين وفي النهروان بكرم، «فدعْ عنك قريشاً وتركابهم في الضلال، وجناحهم في الغيّ، فقد أجمعوا على حرب أخيك ...» هل تعلمون أنّه في صفين كانت كلّ قريش في ذاك الطرف سوى خمسة أنفار، أوّلهم ابن أُخت علي بن أبي طالب، جعدة ، ثانيهم محمد بن أبي بكر، والثالث هاشم المرقال – بَطَل- ابن أُخت سعد وما أدراك ما هؤلاء، إذن إنّها قريش التي انقلبت على أبي طالب، وجاء الإسلام وواجههم وفضحهم ووضع من أمر إمامتهم، وأرجع الأمر إلى نصابه في ذرّية أبي طالب في علي (عليه السلام)، ثمّ هي التي انقلبت على علي، كلاهما نصرا رسول الله، وأي نصر؟ طبعاً درستم التاريخ جيّداً. فتحجّمت التجربة في الكوفة وما والاها، وجاد معاوية أن حجّمها، فكان يراقب حركة الخوارج عساهم يقتلون عليّاً ويفوز بالأمر.

طبعاً هذه المقدمة ضرورية جدّاً حتى نستطيع فهم المطلبين الآخرين، والتي هي ليست مبسوطة في الكتب المؤلّفة عن علي بهذا الوضوح الذي أقدّمه، وإلّا فنحن نعيش في خير أنتم أمامكم، كلّكم أهل بحث وأهل مطالعة ومتابعة. فالنتيجة صارت بهذه الصورة، بأنّ معاوية كان يراقب حركة الخوارج عسى أن يقضوا على عليّ وهو ينهض، فما قيمة الخوارج إزاءه، علي انتصر عليهم فتبنّى الغارات، الآن معاوية يتبنى أن يُغير على من؟ ليس أن يقاتل جيشاً أمامه، بل يُغير على الناس الآمنين في هيت والأنبار والبصرة والمدينة و..، صار معاوية واضحاً عندهم بشكل تام، غير الوضوح الأوّل، يعني عندما يقول: نظرت فإذا ما عندي خمسون يؤمنون بإمامتي، هذا مقصوده في الأيّام الأُولى التي نهى فيها عن السنن حيث لم يقبلها أحد منه –صاحوا: واسنّة عمراه- هم الخوارج هؤلاء، الذين قاموا بوجه علي هم الخوارج، الذين رفعوا شعار: (واسنّة عمراه)، هم الخوارج الذين هم قرآنيون، الذين هم خطّ الخليفة الثاني، فمعاوية الآن بالغارات افتُضح أمره، فصار هؤلاء شيعة علي في الكوفة شيء آخر، قطعة من الإيمان بعلي.

قال عبد الرزاق الصنعاني: كأنّما بنيت الكوفة على حبّ علي، هذه كلمة يقولها في القرن الثاني وهو ليس بشيعي، هذه التجربة ضيّعها بنو العباس في إعلامهم، ونحن ما عندنا اليوم عند خطبائنا وفي كتبنا إنّما هي إعلام بني العباس، وقد فات أمره على كثير ممَّن كتب عن سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام)، أقولها عن تتبّع وتفصيل الحقيقة. فالآن استشهد، يعني الذي هيّأ الجيش، هذا الجيش بايعه أربعون على الموت، هؤلاء علماء، منهم عشرة آلاف أصحاب شرطة الخميس هم علماء يكتبون عن علي، فعندما يترجمون لرشيد الهجري وأمثاله، يقولون: هذا كان عنده صحيفة من علي، وهو من أصحاب شرطة الخميس، الأصبغ بن نباتة من أصحاب علي وله كتاب يرفضون الرواية عنه؛ لأنّه يملك كتاباً من علي (عليه السلام).

الذين بايعوا الإمام علي على الموت هم أربعون ألفًا، وفي رواية ستون ألفًا كانوا صادقين؛ لأنّ الحقّ اتضح، فعندها إذا رفع معاوية شعار: "حسبنا كتاب الله" لم يكن لينطلي عليهم أبداً، فتهيؤوا، ولكن الله سبحانه وتعالى كان عنده مشيئة فبُويع الحسن، الآن الحسن بيده جيش وليس جيش خيانات كما وصفه رواة بني العباس، بل جيش ذائب في علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقيه عنده خبرة في المعركة، اقرأ كلمة مالك في حرب صفين حيث قال لهم: «هؤلاء يريدون أن يدخلوكم في أمر أخرجكم الله بحسن البصيرة». هؤلاء يريدون أن يرجعوكم إلى أمرهم، هذه رؤية مالك انتشرت وأصبحت واضحة بعد هذه الأحداث. فإذن لا بدّ أن نفهم جيش علي بن أبي طالب الذي صار جيش الحسن (عليه السلام) سنة أربعين، حيث الحسن (عليه السلام) صالح من أجل أمرين أساسيين، الآن هذه حتمية، معاوية بويع على سيرة الشيخين، حتى يرجع حكم عثمان يمشي بسيرة الشيخين وزيادة، الآن الشيوخ الثلاثة، وأهل الشام لا يعرفون عليّاً، بل يعرفون هذه التجربة العلوية أنّها مفسدة في الدين، وهي حقّاً مفسدة في دين قريش؛ لأنّها أفسدت دين قريش، لكنّها مصلحة للأُمّة؛ لأنّها ستعرض سنّة النبي (صلّى الله عليه وآله)، ففي حرب صفين عندما التقى شابٌّ شامي هاشم المرقال ليلاً، فقال له: إنّهم قالوا لنا: إنّ  عليّاً لا يصلي، فبالتالي واضح الشعار، يلعن أبا تراب؛ لأنّه أفسد في دينه –تربّوا على هذا-، والشام كتلة في أُطروحة الشيخين، وأُطروحة عثمان، وأُطروحة معاوية، هدفها أن تأخذ الثأر من المفسدين. الآن تعال في هذا الجو، هناك كيانان يستحيل للناظر لأوّل مرّة أن يتوقّع أن يعود هؤلاء أُمّة واحدة، فهم منفصلون تماماً في الثقافة والدماء، فلذلك كانت معجزة أن يرجعوا أُمّة واحدة ويصلّوا ويحافظوا على القبلة إذ كانت مهدّدة تماماً، القبلة الأُولى تصبح قبلتين فينتهي الأمر كما صار في بني إسرائيل، فإلى اليوم هناك سامريون يصلون إلى غير قبلة اليهود. فالحسن (عليه السلام) كان صلحه حتميّاً لفكّ الحصار الأُموي عن تجربة علي، ليس بالكوفة بل بالشام، ما هي عدّته؟ عدّته أهل العراق، كلّهم حفظة ذائبين في علي، فإذا التقوا بالحجّ، أو بالمدينة، إذا استقدمهم معاوية يكونون معبّئين بصور علي بن أبي طالب وأحاديث علي بن أبي طالب، فالصلح حتميّ، لكن معاوية سيغدر؛ لأنّ معاوية حاقد، وهناك شواهد كثيرة على حقده المريض، فبالتالي إذا غدر معاوية الآن من موقع حكم الدولة كلّها، وبإعلام كاذب، يعرض نفسه خليفة الله وشفيع الله، ويعرض ابنه يزيد كذلك، ولم ينهض الإمام الحسين (عليه السلام) من أجل ظلم يزيد ومعاوية، بل نهض من أجل أنّ هؤلاء يعرضون أنفسهم أئمّة هداة شفعاء إلى الله، يزيد كان معروفاً شفيعاً إلى الله، ففي ترجمة الحجّاج، الوليد بن عبد الملك يقول: «عندما مات الحجّاج صعد الوليد في الجامع، وقال: أيّها الناس بلغنا خبر مؤسف موت ناصرنا الحجاج، ترحّموا عليه[اُنظر الشاهد] قال: أما والله لأشفعنّ له شفاعة عند ربّي»، إذا كان الوليد بن عبد الملك يعرض نفسه شفيعاً، فكيف بيزيد، فالمؤسّس معاوية ويزيد، فالحسين (عليه السلام) ما نهض من أجل حكم، بل نهض من أجل مقاومة تقمّص بني أُمية لإمامة محمد (صلّى الله عليه وآله)، فالمسألة حتمية ولا بدّ أن يقوم، ولو قام أحد بوجههم لا يمكن في ذلك الوقت إلّا أن يقتلوه –لا يوجد مجال- لأنّه لا يتنازل، لذلك عرضوا عليه التنازل في جوٍّ حرج لا يمكن أن يُعرض على إنسان ومعه أهل بيته كاملاً ومعه أصحابه ويرفض؛ لأنّه على الأقلّ أولاده، وفيهم إمامان، فيهم علي بن الحسين والباقر، فهناك ثقة مطلقة بالله تعالى.

فالآن أوجزنا، لكن هذا التفصيل بعهد علي ومشروعه أغناني عن الحديث التفصيلي في الحتمية؛ لأنّ مبرّرات الحتمية واضحة جدّاً، وفعلاً انهار بنو أُمية كإمامة دينية وتحرّكوا كحكم سياسي، وتحرّك أهل البيت من جديد كأئمّة في ظلّ حديث النبي الذي انتشر، وانطلق مشروع علي (عليه السلام) إلى اليوم.

التقييم التقييم:
  ٢ / ٣.٠
 

التعليقات

 
COMMENTS_EMPTY

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
التحقق اليدوي: * إعادة التحميل