الصفحة الرئيسية » البحوث والمقالات » (٦) لماذا تنسِب الشيعة الحسن والحسين وأبنائهما إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)؟

البحوث والمقالات

 

المقالات (٦) لماذا تنسِب الشيعة الحسن والحسين وأبنائهما إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)؟

القسم القسم: البحوث والمقالات الشخص الكاتب: الشيخ صالح الكرباسي التاريخ التاريخ: ٢٠١٥/٠٥/٠٩ المشاهدات المشاهدات: ٣١٤٤ التعليقات التعليقات: ٠

لماذا تنسِب الشيعة الحسن والحسين وأبنائهما إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)؟

الشيخ صالح الكرباسي

يُعتبر هذا الموضوع من جملة المواضيع التي تكرر التساؤل عنها على مدى القرون والأعصار، ولقد أجاب عنه العلماء الأعلام بإجابات مختلفة حسب مقتضى الحال، لكن أفضل إجابة على هذا السؤال هو ما أجاب به الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السَّلام) حينما طرح عليه هارون العباسي هذا السؤال، فكانت الإجابة منه (عليه السَّلام) على شكل حوار جرى بينهما كالتالي:
استدلال الإمام الكاظم (عليه السلام):
قال هارون العباسي للإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السَّلام): لِمَ جوّزتم للعامّة والخاصة أن ينسبوكم إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ويقولوا لكم: يا بَني رسول الله! وأنتم بَنو علي، وإنّما يُنسب المرء إلى أبيه، وفاطمة إنّما هي وعاء، والنبي (صلَّى الله عليه وآله) جدّكم من قِبَل اُمّكم؟.
فقال الكاظم (عليه السَّلام): " يا أمير المؤمنين! لو أنَّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) نشر فخطب إليك كريمتك هل كنت تُجيبه "؟
فقال هارون: سبحان الله! ولم لا اُجيبه بل أفتخر على العرب والعجم وقريش بذلك.
قال الكاظم (عليه السَّلام): " لكنّه لا يخطب إليَّ ولا أُزوجه ".
فقال هارون: ولم؟
قال الكاظم (عليه السَّلام): " لأنّه ولدني ولم يلدك ".
فقال هارون: أحسنت يا موسى!
ثم قال هارون: كيف قلتم إنّا ذرّية النبي (صلَّى الله عليه وآله) والنبي لم يعقب، وإنّما العقب للذكر لا للأنثى، وأنت ولد الإبنة ولا يكون لها عقب له.
قال (عليه السَّلام): " أسألك بحق القرابة والقبر ومن فيه، إلاّ أعفيتني عن هذه المسألة ".
فقال هارون: لا، أو تخبرني بحجّتكم فيه يا ولد علي! وأنت يا موسى يعسوبهم وإمام زمانهم، كذا اُنهيَ إليَّ، ولست أعفيك في كل ما أسألك عنه حتى تأتيني فيه بحجّة من كتاب الله، وأنتم تدّعون معشر ولد عليّ أنّه لا يسقط عنكم منه شيء ألف ولا واو إلاّ تأويله عندكم، واحتججتم بقوله عَزَّ وجَلَّ: (... مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ...)(١) واستغنيتم عن رأي العلماء وقياسهم.
فقال الكاظم (عليه السَّلام): " تأذن لي في الجواب "؟
قال هارون: هات.
قال (عليه السَّلام): " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم (... وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)(٢)، (وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ)(٣)، من أبو عيسى يا أمير المؤمنين؟
فقال هارون: ليس لعيسى أب.
قال الكاظم (عليه السَّلام): " إنّما ألحقناه بذراري الأنبياء (عليهم السَّلام) من طريق مريم (عليها السَّلام)، وكذلك اُلحقنا بذراري النبي (صلَّى الله عليه وآله) من قبل اُمِّنا فاطمة (عليها السَّلام)، أزيدك يا أمير المؤمنين "؟
قال هارون: هات.
قال (عليه السَّلام): قول الله عَزَّ وجَلَّ: (فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)(٤) ولم يَدَّع أحد أنّه أدخل النبي (صلَّى الله عليه وآله) تحت الكساء ـ وـ عند مباهلة النصارى إلاّ علي بن أبي طالب، وفاطمة، والحسن والحسين، فأبناءنا الحسن والحسين، ونساءنا فاطمة، وأنفسنا عليّ بن أبي طالب (عليهم السَّلام)، على أنّ العلماء فد أجمعوا على أنّ جبرئيل قال يوم اُحد: يا محمد! إنَّ هذه لهي المواساة من علي قال: لأنّه مني وأنا منه.
فقال جبرئيل: " وأنا منكما يا رسول الله " ثمّ قال:
لا سيف إلاّ ذو الفقار * ولا فتى إلاّ علي
فكان ـ أي علي (عليه السَّلام) ـ كما مدح الله عَزَّ وجَلَّ به خليله (عليه السَّلام) إذ يقول: (قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ)(٥).
إنّا نفتخر بقول جبرئيل أنّه منّا ".
فقال هارون: أحسنت يا موسى! ارفع إلينا حوائجك(٦).
مناظرة يحيى بن يعمر مع الحجاج بهذا الخصوص:
قال الشعبي: كنت بواسط(٧)، وكان يوم أضحى، فحضرت صلاة العيد مع الحجاج، فخطب خطبةً بليغة، فلما انصرف جاءني رسوله فأتيته، فوجدته جالساً مستوفزاً، قال: يا شعبي هذا يوم أضحى، وقد أردت أن أضحِّي برجل من أهل العراق، وأحببت أن تسمع قوله، فتعلم أني قد أصبت الرأي فيما أفعل به.
فقلت: أيها الأمير، لو ترى أن تستن بسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وتضحي بما أمر أن يضحي به، وتفعل فعله، وتدع ما أردت أن تفعله به في هذا اليوم العظيم إلى غيره.
فقال: يا شعبي، إنك إذا سمعت ما يقول صوبت رأيي فيه، لكذبه على الله وعلى رسوله، وإدخاله الشبهة في الإسلام.
قلت: أفيرى الأمير أن يعفيني من ذلك؟
قال: لا بدّ منه.
ثم أمر بنطع فبسط، وبالسيّاف فأُحضر.
وقال: أحضروا الشيخ، فأتوه به، فإذا هو يحيى بن يعمر(٨)، فأغممت غماً شديداً، فقلت في نفسي: وأي شيء يقوله يحيى مما يوجب قتله؟
فقال له الحجاج: أنت تزعم أنك زعيم أهل العراق؟
قال يحيى: أنا فقيه من فقهاء أهل العراق.
قال: فمن أي فقهك زعمت أن الحسن والحسين (عليهما السَّلام) من ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله).
قال: ما أنا زاعم ذلك، بل قائل بحق.
قال: وبأي حق قلت؟
قال: بكتاب الله عز وجل.
فنظر إليَّ الحجاج، وقال: اسمع ما يقول، فإن هذا مما لم أكن سمعته عنه، أتعرف أنت في كتاب الله عز وجل أن الحسن والحسين من ذرية محمّد رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟
فجعلت أفكر في ذلك، فلم أجد في القرآن شيئاً يدل على ذلك.
وفكر الحجاج ملياً ثم قال ليحيى: لعلك تريد قول الله عز وجل: (فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)(٩) وأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خرج للمباهلة ومعه علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السَّلام).
قال الشعبي: فكأنما أهدى لقلبي سروراً، وقلت في نفسي: قد خلص يحيى، وكان الحجاج حافظاً للقرآن.
فقال له يحيى: والله، إنها لحجة في ذلك بليغة، ولكن ليس منها أحتج لما قلت.
فاصفرَّ وجه الحجاج، وأطرق ملياً ثم رفع رأسه إلى يحيى وقال: إن جئت من كتاب الله بغيرها في ذلك، فلك عشرة آلاف درهم، وإن لم تأت بها فأنا في حلٍ من دمك.
قال: نعم.
قال الشعبي: فغمَّني قوله، فقلت: أما كان في الذي نزع به الحجاج ما يحتج به يحيى ويرضيه بأنه قد عرفه وسبقه إليه، ويتخلص منه حتى رد عليه وأفحمه، فإن جاءه بعد هذا بشيء لم آمن أن يدخل عليه فيه من القول ما يبطل حجته لئلا يدعي أنه قد علم ما جهله هو.
فقال يحيى للحجاج: قول الله عزّ وجلّ: (... وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ...)(١٠) من عنى بذلك؟
قال الحجاج: إبراهيم (عليه السَّلام).
قال: فداود وسليمان من ذريته؟
قال: نعم.
قال يحيى: ومن نص الله عليه بعد هذا أنه من ذريته؟
فقرأ يحيى: (... وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)(١١)
قال يحيى: ومن؟
قال: (وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى...)(١٢)
قال يحيى: ومن أين كان عيسى من ذرية إبراهيم (عليه السَّلام)، ولا أب له؟
قال: مِن قِبَل أُمّه مريم (عليهما السلام).
قال يحيى: فمن أقرب: مريم من إبراهيم (عليه السَّلام)، أم فاطمة (عليها السلام) من محمّد (صلى الله عليه وآله)؟
قال الشعبي: فكأنّما ألقمه حجراً.
فقال: أطلقوه قبَّحَه الله، وادفعوا إليه عشرة آلاف درهم لا بارك الله فيها.
ثمّ أقبل عليَّ فقال: قد كان رأيك صواباً ولكنّا أبيناه، ودعا بجزور فنحره وقام فدعا بالطعام فأكل وأكلنا معه، وما تكلّم بكلمة حتى افترقنا ولم يزل ممّا احتجّ به يحيى بن يعمر واجماً(١٣).
الحسن والحسين ابناي:
والكلام الفصل في هذا الموضوع هو قول رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقد رَوى سلمان (رضي الله عنه)، قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول: الحسن والحسين ابناي، من أحبهما أحبَّني، ومن أحبني أحبه الله، ومن أحبه الله أدخله الجنة، ومن أبغضهما أبغضني، ومن أبغضني أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله النار.
قال: هذا الحديث صحيح على شرط الشيخين(١٤).


 

 

 

 

الهوامش:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) القران الكريم: سورة الأنعام (٦)، الآية: ٣٨، الصفحة: ١٣٢.
(٢) القران الكريم: سورة الأنعام (٦)، الآية: ٨٤، الصفحة: ١٣٨.
(٣) القران الكريم: سورة الأنعام (٦)، الآية: ٨٥، الصفحة: ١٣٨.
(٤) القران الكريم: سورة آل عمران (٣)، الآية: ٦١، الصفحة: ٥٧.
(٥) القران الكريم: سورة الأنبياء (٢١)، الآية: ٦٠، الصفحة: ٣٢٧.
(٦) بحار الأنوار (الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار (عليهم السلام)): ٤٨ / ١٢٩، للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي، المولود بإصفهان سنة: ١٠٣٧، والمتوفى بها سنة: ١١١٠ هجرية، طبعة مؤسسة الوفاء، بيروت / لبنان، سنة: ١٤١٤ هجرية.
(٧) واسط: مدينة بناها الحجاج في العراق عام ٨٣ / ٨٤ هجري، وسميت واسطاً لتوسطها بين البصرة والكوفة والأهواز وبغداد، فإن بينها وبين كل واحدة من هذه المدن مقداراً واحداً وهو خمسون فرسخاً. التنبيه والأشراف: ٣١١، وفيات الأعيان لابن خلكان: ٢/ ٥٠.
(٨) هو أبو سليمان يحيى بن يعمر العامري البصري، ولد في البصرة، وهو أحد قرّائها وفقهائها، كان عالماً بالقرآن الكريم والفقه والحديث والنحو ولغات العرب، وكان من أوعية العلم وحملة الحجة، أخذ النحو عن أبي الأسود الدوئلي، وحدَّث عن أبي ذر الغفاري، وعمّار بن ياسر، وابن عبّاس وغيرهم، كما حدث عنه جماعة أيضاً، وكان من الشيعة الأولى القائلين بتفضيل أهل البيت – صلوات الله وسلامه عليهم -، وقيل هو أول من نقّط القرآن قبل أن توجد تشكيل الكتابة بمدة طويلة، وكان ينطق بالعربية المحضة واللغة الفصحى طبيعة فيه غير متكلّف، طلبه الحجّاج من والي خراسان قتيبة مسلم فجيء به إليه، لأّنه يقول أن الحسن والحسين (عليهما السلام) ذريّة رسول الله، وقد أذهل الحجّاج بصراحته وجرأته في إقامة الحق وإزهاق الباطل حتى نصره الله عليه، كما نفاه الحجاج في سنة ٩٤ هجرية لأنّه قال له: هل ألحَنْ؟ فقال: تلحن لحناً خفياً. فقال: أجلتك ثلاثاً، فإن وجدتك بعدُ بأرض العراق قتلتك؟
فخرج، وأخباره ونوادره كثيرة، توفي – رحمة الله عليه – سنة ١٢٩ هجرية.
(٩) القران الكريم: سورة آل عمران (٣)، الآية: ٦١، الصفحة: ٥٧.
(١٠) القران الكريم: سورة الأنعام (٦)، الآية: ٨٤، الصفحة: ١٣٨.
(١١) القران الكريم: سورة الأنعام (٦)، الآية: ٨٤، الصفحة: ١٣٨.
(١٢) القران الكريم: سورة الأنعام (٦)، الآية: ٨٥، الصفحة: ١٣٨.
(١٣) كنز الفوائد للكراجكي: ١ / ٣٥٧ – ٣٦٠، بحار الأنوار للمجلسي: ١٠ / ١٤٧ – ١٤٩، حديث ١، و٢٥ /٢٤٣- ٢٤٦، حديث ٢٦، وفيات الأعيان لابن خلكان: ٦ / ١٧٤، العقد الفريد للأندلسي: ٢ / ٤٨ – ٤٩، و٥ / ٢٨١، بتفاوت. نقلاً عن مناظرات في العقائد والأحكام، الجزءُ الأول، تأليف وتحقيق: الشيخ عبد الله الحسن، ٢٥٥ – ٢٥٩.
(١٤) مستدرك الصحيحين: ٣ / ١٦٦.

التقييم التقييم:
  ١ / ١.٠
 

التعليقات

 
COMMENTS_EMPTY

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
التحقق اليدوي: * إعادة التحميل